تتمة // الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري
الدكتورة سعيدة نخوي*
دراسة محكمة
*أستاذة التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس مكناس
الملخص:
من خلال احتكاكه المبكر بالآخر الإسباني، وبحكم تكوينه في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وزياراته المتكررة لإسبانيا، استطاع محمد العربي المساري بناء تمثله كأديب مغربي عن الآخر الإسباني من خلال:
- رصد القواسم المشتركة والجوانب الإيجابية التي تجمع المغرب وإسبانيا.
- الانتقال الديمقراطي بإسبانيا بين الإشادة والمخاوف الأمنية.
- التوتر بين البلدين ومسألة التجاوز.
الكلمات المفاتحية: إسبانيا- محمد العربي المساري – المغرب - ديمقراطية – تاريخ مشترك – صور نمطية.
تتمة
ثانيا: أبعاد الإرث التاريخي المشترك بين المغرب وإسبانيا وفق رؤية العربي المساري:
تعود روابط "محمد العربي المساري" بإسبانيا لطفولته الأولى، كما أعرب عن ذلك بقوله: "تعود روابطي مع إسبانيا إلى يوم ولادتي. لقد جئت إلى العالم قبل عشرة أيام من الانقلاب الذي نفذه فرانكو، على وجه التحديد من خلال اتخاذ تطوان نقطة انطلاقه. أثناء قصف الطيران الجمهوري، سقطت قنبلة على المدينة وحولت حفل عقيقتي إلى مراسم حزينة للغاية"1.
هذا الحضور، ظل موجودا في فترة شباب الكاتب، بحيث حاول إظهار القواسم المشتركة بين الشعبين المغربي والإسباني، من خلال بعض القيم التي يتحلى بها كلاهما، كالكرم، التقاسم، التعايش... محاولا الكشف عن تلك الجوانب الإيجابية التي يشترك فيها الإسباني والمغربي، من خلال سرد أحداث عاشها: "كانت إسبانيا حاضرة فيّ طوال شبابي، كان لدينا جيران إسبان عندما كنا نعيش في شقة في باب سعيدة، كانوا معتادين على تقديم حلوى النوغة لنا في يوم رأس السنة الجديدة، مقابل كعكة الشباكية التي قدمناها لهم خلال شهر رمضان..."2.
نفس هذه القيم التي تحلى بها كل من المغربي والإسباني على أرض المغرب، وجدها محمد المساري حاضرة بإسبانيا، كما يوضح ذلك من خلال أول زيارة له للعاصمة الإسبانية: "في وقت لاحق، عندما كان عمري 20 عامًا، زرت مدريد. ركبت القطار من الجزيرة الخضراء… عندما حان وقت الغداء، وضع كل واحد من المسافرين يده في حقيبة السفر التي كان يحملها، وبإيماءة عفوية قدم للشخص الجالس أمامه جزءًا من وجبته، بينما أعاد هذا الأخير، نفس المجاملة إلى الشخص الذي أمامه. كان كل هذا مألوفًا جدًا" 3. هذا ما يؤكده عبد الله جبيلو في قوله " بالنظر إلى سهولة تعايش الإسبان والمغاربة واستيعابهم، يبدو أنه لا توجد بيننا اختلافات أكثر من اختلافات -الزي- وفي بعض الأحيان لا يوجد أي منهما، لأنه علاوة على الاختلافات الاجتماعية والدينية والسياسية، المصطنعة، هناك التقارب بين الطبيعة والعرقية والأنثروبولوجية، التي تخلق تيارات تعاطف لا تقاوم، والتي لا مفر منها لأنها قاتلة. هذا ما يقال عادة قوة الدم، وبما أن الإسبان والمغاربة هم، بالطبع، نفس العرق، فإنهم يتمتعون أيضًا بنفس العقلية الموازية والشخصية النفسية"4
إن عمق الصلات والترابط الكبير بين المغرب وإسبانيا، ساهم فيه التاريخ المشترك بين البلدين، خاصة الفترة الأندلسية، التي كان لهما دور أساسي في جلب الثقافة الغربية في اتجاه الجنوب، والعكس صحيح، حتى أضحى لا يمكن فصل تاريخ المغرب عن تاريخ الأندلس وبالعكس، كما يؤكد ذلك "أميريكو كاسترو" (Américo Castro) في قوله: "عندما أتحدث الآن عما هو "إسباني" أدركه في وعيي، كما أنه ذو ملامح وشكل لا يمكن لي البحث عن جذوره قبل عام (711م)" 5.
وقد أسهمت هذه الفترة من تاريخ البلدين بشكل كبير في رسم معالم الثقافتين المغربية والإسبانية، وهو ما عبر الباحث محمد بن شريفة بقوله: "وقد ظهر أثر ذلك كله في النواحي الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، سواء في الأندلس، أو في المغرب، وما زلنا في المغرب إلى يومنا هذا نلحظ مظاهر ذلك التواصل، رغم مرور قرون على نهاية الأندلس، وما تزال آثار مادية ومعنوية مغربية في إسبانيا إلى اليوم شاهدة على الوجود المغربي الذي كان هناك" 6.
هذا الوجود، والحنين إلى الماضي الأندلسي المجيد، هو ما جعل "محمد العربي المساري" أثناء تواجده بغرناطة يجد نفسه تحت تأثير الشعور بالقوة والامتلاك حينا، والحزن والتحسر على ضياع الأندلس حينا آخر، فخلال مكوثه في غرناطة لمدة عامين لم يشعر بالغربة، فقد وجد نفسه يعرف المدينة أكثر مما يعرف مدينته تطوان " شعرت أن الحمراء وجنة العريف وحي البيازين كانت مألوفة بالنسبة لي أكثر من سكان المدينة. أنا القادم من تطوان، ابنة غرناطة إذا جاز التعبير، كان بإمكاني قراءة الآيات المخطوطة على الجدران ونقل معناها إلى أصدقائي الغرناطيين، الذين لم يتمكنوا من قراءتها. أعطتني هذه المهمة إحساسًا بالامتلاك. اعتقدت أنه منذ أن عرفت كيفية فك رموزها، فإن ما كتب على الجدران كان من حقي. حتى يومنا هذا، لم تتوقف كلمة الأندلس عن إثارة مشاعر الحزن وجرعة كبيرة من الغموض في داخلي" 7.
ثالثا: الصور النمطية للموروث في المخيال الاجتماعي الإسباني:
على الرغم من التثاقف الكبير بين المغرب وإسبانيا، والإرث التاريخي المشترك بينهما، إلا أن "محمد العربي المساري" لازال يحس بالحاجز الكبير الذي يحول دون تحقيق الاندماج الكلي في الأوساط الإسبانية؛ حاجز امتد لقرون طويلة، وما يزال حاضرا إلى يومنا هذا، وفي هذا السياق يحكي العربي المساري واقعة تركت فيه جرحا، ظل يبحث له عن دواء حتى آخر أيامه. " عشت مع عائلة في غرناطة؛ أتذكر يومًا باردًا جدًا كنا نجلس حول وقح. كانت فتاة تبلغ من العمر 6 سنوات تجلس في حضني. في وقت من الأوقات، جاء صديقنا الراحل "حسن الرحموني" واستقبلني باللغة العربية. وفجأة صرخت الفتاة وركضت خائفة إلى والدتها التي كانت في المطبخ قائلة: «هناك مورو مع عمي العربي!» أجابت والدتها: «عمي العربي هو أيضًا مورو، لا تخافي من أي شيء». كان من الصعب طمأنة الفتاة. خمسة قرون قبل ذلك، كان الإسبان يميلون إلى استخدام كلمة «مورو» لإخافة أطفالهم، والكبار يصرخون في وجوه أقرانهم لإخافتهم: «هناك مورو على الساحل»، أي أن هناك مغاربة على الساحل" 8. هذا المشهد جعل "محمد العربي المساري" يدرك بجلاء أن المتخيل الإسباني لا يزال يتغذى على رواسب الماضي، ولا يزال يشكل في جوهره عائقا نفسيا، اجتماعيا، وسياسيا، يحتاج إلى معالجة نقدية من أجل تعزيز مسارات جديدة للتعاون والتعايش في الحاضر والمستقبل.
فالصور النمطية، وعلى الخصوص صورة "المورو"، التي ظلت مترسخة في المخيال الجمعي الإسباني، جعلت الإسبان يبنون على إثرها هواجس تحول دون تحقيق حوار فعال بين البلدين، يعمل على إيجاد حلول للقضايا الثنائية، كمشكل سبتة ومليلية مثلا، لذلك نجد العربي المساري يوجه خطابه إلى الجانب الإسباني، يلخص فيه رؤية المغرب الواضحة اتجاه إسبانيا، داعيا إياها إلى تجاوز رواسب الماضي قائلا: " في الجانب الإسباني هناك حاجة قوية لتصحيح الرؤية نحو المغرب والمغاربة. فالمغرب لا يمكن أن يشكل خطرا على إسبانيا. نحن نعيش في عصر آخر غير عصر التربصات المتبادلة والحروب "الوطنية". إن المغرب لا يريد أن تكون له مع إسبانيا إلا علاقات صحية متخلصة من رواسب الماضي الاستعماري. وليس صحيحا ما يتردد بسهولة في إسبانيا من أن المغرب يريد استرجاع الأندلس. هذه دورة تاريخية أقفلت. لكن أقلاما إسبانية تنبري كل مرة لترديد أن المغرب التوسعي يريد الاستيلاء على كانارياس. والتاريخ يسجل أن المغرب هو الذي محا من جدول منظمة الوحدة الإفريقية المطالبة باستقلال كانارياس. إن فكرة المغرب التوسعي تتردد دائما لتبرير رفض إعادة سبتة ومليلية والصخور المتوسطية"9. هذه الصور ليست حبيسة المخيال الإسباني وحده، بل في الجانب الآخر من المتوسط، نجد أن المخيال الجمعي المغربي لا يزال يحمل بعض الصور النمطية اتجاه الإسبان كـ "بورقعة" التي تشير إلى الفقر والتخلف مثلا.
لتجاوز ذلك، نجد "محمد العربي المساري" باعتباره واحدا من المثقفين المغاربة، يسخر قلمه لمحاولة تصحيح الصور النمطية العالقة بمتخيل البلدين، من خلال عرضها على الواقع، لإظهار زيفها وعدم صحتها، يقول معبرا عما وصلت إليه إسبانيا من تقدم: "اليوم في وسعنا القول إن التاريخ الحديث لإسبانيا أحدث مفارقة: نبتة من مزرعة فرانكو أثمرت كل ما نراه اليوم، أي دولة متقدمة اقتصاديا، وقوية سياسيا، وتجربتها في الانتقال الديمقراطي مضرب الأمثال"10.
كما أشاد في هذا الصدد بأعمال أعلام الفكر الإسباني اللذين يسعون من خلال أعمالهم إلى تصحيح الصور النمطية عن المغرب والمغاربة، ويدعون إلى ضرورة فتح قنوات الحوار بين إسبانيا والجار الجنوبي، من أجل التعاون وتحقيق أمن وتنمية البلدين، من هؤلاء نجده نوه في العديد من المناسبات بدور خيما مرتين Gema Martinالتي "أنجزت منذ ما يزيد على سبع سنوات دراسة عن صورة الإسلام والعرب في مناهج التعليم المقررة في المدارس الإسبانية، بلوغا إلى تهذيب تلك المناهج وتخليصها من الصور النمطية الخاطئة التي تتسرب من خلال مناهج التعليم فيما يخص الإسلام والعرب". كما يشيد أيضا بكتابات ثلة من المفكرين الإسبان المهتمين بالشأن المغربي، مما يدل على " أن كمية ونوعية المعلومات المتوفرة للجانب الإسباني عن الشأن المغربي أصبحت غزيرة. يكفي التذكير بما نشره بيرنابي لوبيث غرثية (Bernabe Lopez Garcia)، وخيما مارتين مونيوث (Gemma Martin Muñoz)، ومغيل لاراميندي (Miguel Larramendi)، وأنا بلانيت (Ana Planet)، وضومينغو ديل بينو (Domingo del Pino)، وماري أنغوستياس باريخو (Mari Angustias Parejo)، وفيكتور ليثكانو (Victor Morales)، والعديد من الباحثين في التاريخ والوضع السياسي الراهن في المغرب، وفي التطور الاجتماعي" 11.
خاتمة:
إن الكاتب "محمد العربي المساوي"، ومن خلال سعيه الدؤوب إلى تحقيق التعايش، والتعاون، والتقارب بين المغرب وإسبانيا، استطاع من خلال كتابته أن يقدم صورا عن الجار الأوروبي ومؤسساته، صورا يجد أن ملامحها تغيرت، وأصبحت أكثر تطورا وديمقراطية من ذي قبل، كما نجده يدعو إلى ضرورة تجاوز الخصومات التاريخية، ويؤكد في ذلك على دور كل من سياسيي ومثقفي البلدين، لتكثيف الجهود، بغية تجاوز مخلفات الماضي، واحتواء خلافات الحاضر، وتوطيد الصلات بين المغرب وإسبانيا.
هوامش الدراسة
- Larbi Messari (Mohammed), La España que está en mi pensamiento, La imagen de Espana en Marruecos, Nourddine AFFAYA y Driss GUERRAOUI, Fundació CIDOB, 2005, p: 181.
- Ibid., p: 181
- Ibid., p: 181-182.
- djbilou (Abdellah), Miradas desde la otra orilla, Una visión de España (Antología de textos literarios marroquíes actuales), Agencia Española de Cooperación Internacional Instituto de cooperación con el mundo Árabe, Madrid, 1992, P: 56.
- أميريكو كاسترو، إسبانيا في تاريخها المسيحيون والمسلمون واليهود، ترجمة: علي إبراهيم منوفي، مراجعة: حامد أبو أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، ط3، 2003، ص:21.
- بن شريفة محمد، العناية بتراث الأندلس في المغرب وإسبانيا، دورة التراث الحضاري المشترك بين إسبانيا والمغرب، غرناطة، 21-23 أبريل 1992 معلمة المغرب، المجلد الثالث، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، ص:820.
- نفسه، ص: 820.
- Larbi Messari (Mohammed), La España que está en mi pensamiento, Ob. cit., p: 18
- محمد العربي المساري، إسبانيا الأخرى، ص:132.
- نفسه، ص:144.
- نفسه، ص:150.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241114%2Fob_7e6bb9_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241114%2Fob_81e9d2_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)