الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري
الدكتورة سعيدة نخوي*
دراسة محكمة
*أستاذة التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس مكناس
الملخص:
من خلال احتكاكه المبكر بالآخر الإسباني، وبحكم تكوينه في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وزياراته المتكررة لإسبانيا، استطاع محمد العربي المساري بناء تمثله كأديب مغربي عن الآخر الإسباني من خلال:
- رصد القواسم المشتركة والجوانب الإيجابية التي تجمع المغرب وإسبانيا.
- الانتقال الديمقراطي بإسبانيا بين الإشادة والمخاوف الأمنية.
- التوتر بين البلدين ومسألة التجاوز.
الكلمات المفاتحية: إسبانيا- محمد العربي المساري – المغرب - ديمقراطية – تاريخ مشترك – صور نمطية.
Summary:
Through his early interactions with the Spanish “other,” his background in political science and international relations, and his frequent visits to Spain, Mohamed El-Arabi Al-Massari was able to shape his perspective as a Moroccan writer on the Spanish “other” by:
- Observing the commonalities and positive aspects that connect Morocco and Spain.
- Examining Spain’s democratic transition, balancing between admiration and security concerns.
- Addressing the tension between the two countries and the issue of reconciliation.
Keywords: Spain – Mohamed Larbi Messari - Morocco - Democracy - Shared History - Stereotypes.
تمهيد:
على الرغم من أن الموضوع الإسباني في الأدب المغربي ظل ضئيلا، مقارنة بكمية الأعمال الأدبية الإسبانية حول المغرب - نظرا لكونه لم يعرف اهتماما كبيرا من طرف الأدباء المغاربة -، إلا أنه اليوم يعد موضوعا مثمرا؛ إذ أصبح الأدباء المغاربة، وخصوصا المعاصرين منهم، يستحضرون إسبانيا في أعمالهم سواء النثرية منها أو الشعرية، وأصبحوا يولون اهتماما أوسع بالشأن الداخلي الإسباني، والعلاقات الثنائية بين البلدين.
من بين المفكرين والأدباء المغاربة الذين اهتموا بالقضايا الفكرية والسياسية المرتبطة بالعلاقات العربية الأوروبية، والذي عرف بمجهوداته الحثيثة في العمل على إنجاح الحوار بين الثقافات، وبسعيه الدؤوب إلى نسج روابط الصداقة بين المغرب وإسبانيا، نجد محمد العربي المساري، الصحفي والكاتب والمؤرخ والسياسي والدبلوماسي، الذي يعد موسوعة فكرية، كونه ترك بصماته في مختلف حقول الإبداع، الشيء الذي أكسبه حضورا بارزا في كل المحافل الثقافية والفكرية التي شارك فيها، بفضل ثرائه الفكري والمعرفي. فكيف ينظر هذا الأخير للآخر الإسباني، وللتحولات التي عرفتها إسبانيا؟ وما هو تصوره للتاريخ المشترك والقضايا الثنائية العالقة بين المغرب وإسبانيا؟ وكيف يرى السبيل لتجاوز عقبات الماضي؟ هذه الأسئلة وغيرها تتعلق بمجموعة من المواضيع والقضايا التي شكلت محور تفكير محمد العربي المساري في تحليلاته وتمثله للجار الشمالي.
أولا: السياسة الإسبانية في مركز اهتمام العربي المساري:
من خلال مؤلفه "إسبانيا الأخرى"، تابع محمد العربي المساري تطورات النظام السياسي في مرحلة ما بعد فرانكو، ومسار الانتقال الديمقراطي الإسباني، وتدبير العلاقة مع الجار المغربي. فبعد تقديم لحسن أوريد استهل مؤلفه بمقال تحت عنوان: "رحيل أضولفو صواريث واحدا من آخر العمالقة(محمد العربي المساري، إسبانيا الأخرى، منشورات دار الأمان، ط1، 2015م، ص:13.) وهو عبارة عن مجموعة مقالات نشرها المساري في الصحافة، إثر وفاة السياسي الإسباني أضولفو صواريث، أحد رجالات الانتقال الديمقراطي بعد وفاة فرانكو، واصفا إياه ب " صانع الانتقال الديمقراطي، الذي يُعتبر الثورة الجذرية الوحيدة التي عرفها القرن العشرين بدون سفك دماء." فبعد وفاة فرانكو واستلام خوان كارلوس الحكم وبعد أقل من عامين "كان الضغط من أجل التغيير ملحا في الداخل والخارج، واضطر الملك الشاب أن يُدخل تعديلا على حكومة أرياس نافارو ( Arias Navarr) التي ورثها عن فرانكو، بإدخال عناصر تبعث إشارات اطمئنان إلى المجتمع الدولي"(نفسه، ص:13.) ويرجع محمد العربي المساري نجاح الانتقال الديمقراطي في إسبانيا إلى "أضولفو صواريث الذي صنع معجزة حقيقية، هي فك النسق الفرانكوي وإقامة نظام جديد بكامله. وتوج ذلك باتفاق مونكلوا بين القوى السياسية المتباينة التي قررت أن تمضي بالتوافق إلى آخر مداه. وطيلة أربعة أعوام وسبعة شهور، هي المدة التي قضاها صواريث في الحكم، كانت الثقة الكاملة في كلمة الشرف التي أعطاها رجل مقتنع بالتغيير وبمستقبل إسبانيا هي البوصلة التي تهتدي بها الطبقة السياسية الإسبانية"(نفسه، ص:17-18.)
وفي سياق حديثه عن الانتقال الديمقراطي بإسبانيا، أشاد الكاتب بالدور الفعال الذي لعبه كل من: "الملك خوان كارلوس"، الذي كان يتمتع بصلاحية " سن "قوانين الموفيميينتو" وهو الذي كان يمكن أن يتخذ هذا الاتجاه أو ذاك، ولكنه اختار الطريق السيار الذي يقود نحو الديمقراطية مباشرة" (نفسه، ص: 19.) ، و"فيليبي غونثالث" (Felipe Gonzalez) الذي كان من بين أهم رجالات الانتقال الديمقراطي - على حد تعبير "محمد العربي المساوي"-، لأنه كرس حياته من أجل خدمة الديمقراطية في واجهتين؛ الأولى: العمل ضد الديكتاتوريا بصفته محام مختص في قضايا الشغل. والثانية: العمل لبناء اشتراكية ديمقراطية حديثة على أنقاض الدوغمائية العتيقة، التي كانت تتهاوى في أوربا بكاملها وكانت تجد صداها في الشبيبة الاشتراكية بإسبانيا" (نفسه، ص: 19.)
في المقابل، تحدث "العربي المساري" عما تخلل فترة تنزيل الدستور من اضطرابات منذ (1975) إلى غاية (1978)، إذ "لم يكن هناك ما يبعث على الاطمئنان. ولهذا حدث ارتباك وصل إلى حد التشكيك أحيانا. وكانت أبرز مظاهر التعثر هي الاضطرابات الأمنية الخطيرة الناجمة عن إرهاب التنظيمات السرية، والتجاذب بين مختلف التيارات التي كان كل منها يتفرع عنه تيار منافس. نتحدث هنا عن حوالي 120 "تنظيما" لا يمكن إعطاؤها اعتبارا متساويا من زاوية امتلاك المصداقية" (نفسه، ص:26.)
وقد حاول "العربي المساوي" مقارنة ذلك بالأحداث التي وقعت في المغرب سابقا، أيام عبد اللطيف الخطيب سنة (1956)، وما رافق ذلك من تنوع في الإبداع الفكري وتغير على المستوى الاجتماعي، والسياسي، ومجال الحريات التي أصبحت تتسع رقعتها أكثر فأكثر في مختلف مجالات الحياة. وكذا ما حدث من تغير في السياسة الخارجية للبلاد، فيما يتعلق بالجانب الأوروبي، وبالعلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، خاصة إذا ما تعلق الأمر بقضية الصحراء، "حيث آل للملك خوان كارلوس، بوصفه رئيس الدولة، أن يتولى تدبير الملف، حيث تابع عن كثب الأحداث التي تلت المسيرة الخضراء، والمفاوضات التي أجرتها حكومة الجهاز المذكور الذي له (1500) عميل في إسبانيا ساهم في ترتيب الأوضاع في فترة الانتقال هذه، حيث كان مهتما بألا يترك لليسار الشيوعي مكان الصدارة فيما بعد وفاة فرانكو"(نفسه، ص:30-31.)
كما نجده ينظر إلى إسبانيا من زاوية أخرى تخص المشاكل العالقة بين البلدين خاصة ملف الصحراء. حيث خصص فالقسم الثاني من مؤلفه لقضية الصحراء منذ عهد "فرانكو"، مرورا بفترة الانتقال الديمقراطي وما بعدها، مفصلا موقف فرانكو من القضية الذي تميز حسب رأيه بالتكتم، و"قصور فكر الديكتاتور عن فهم دينامكية تصفية الاستعمار التي كان العالم قد انخرط فيها بالتصريح العالمي المتضمن في التوصية الأممية (1514). وقبيل فتح ملف الصحراء بكيفية حاسمة في صيف (1974)... فبمقتضى القانون 9/68 بتاريخ 5 أبريل (1968) الخاص بما سمي بـ"الأسرار الرسمية" كان محرما الحديث عن علانية الصحراء وغينيا الاستوائية. ولم يرفع الحظر عن المسألتين إلا في سبتمبر (1974)". (نفسه، ص:54.) هذه السرية التي عرفتها القضية في عهد "فرانكو" ستعرف منحى آخر مع الانتقال الديمقراطي وتوسيع دائرة الحريات، إذ أصبحت محط مزايدات سياسية داخلية. "وفي محافل القرار كان التردد الذي شاب الموقف الإسباني يرجع إلى التجاذب بين اتجاهين، أحدهما يحدوه التصلب بدافع من مشاعر حاقدة ومنغلقة، والثاني يميل بواقعية إلى التفاهم مع المغرب. وكان هناك جزء صغير من العائلة الفرانكوية يؤمن بأن أسلم طريق يمكن أن تسلكه إسبانيا هو الوصول إلى تسوية مع المغرب"(نفسه، ص: 56.)
علاوة على قضية الصحراء، أظهر الكاتب محمد العربي المساري أيضا قلقه إزاء الوضع الذي أصبحت تعيشه فئة المهاجرين، المسلمين عامة، والمغاربة بالتحديد، إذ نجده يخصص في كتابه " إسبانيا الأخرى" مقالا تحت عنوان " تحفظ إزاء المسلمين المقيمين"، تطرق من خلاله لدور الإعلام في تشويه صورة المسلمين بإسبانيا، إذ "نشرت الصحف في سياق أحداث 11/9 معطيات عن النشرات التي يصدرها المسلمون الإسبان، وأبرزت بوجه خاص محتوياتها ذات الحمولة السلبية. ولم تخْلُ بعض المقالات من توجيه الاتهام إلى المسلمين، إسبان وغيرهم، بالتورط الجماعي في الإرهاب..." (نفسه، ص:86)
وبصفة عامة، نجد الكاتب ينظر إلى الهجرة من منطلقين: منطلق إسباني في تعامله مع المهاجرين المغاربة، حيث يعمل الإعلام على تجييش مشاعر العداء ضد المهاجرين، ومنطلق آخر، يظهر فيه حقيقة الوضع بالمغرب، والتي تتجلى في غياب فرص الشغل أمام الجيوش الهائلة من المعطلين. مما جعله يدق ناقوس الخطر بخصوص موضوع الهجرة الذي سيصبح كما يتوقع الكاتب من " أكثر أسباب التوتر بين البلدين في العشرية القادمة، ذلك أن الهجرة ناتجة عن انسداد الآفاق أمام مئات الآلاف من الشباب العاطلين، الذين تمثل الهجرة إلى الخارج المخرج الوحيد من وضع الإحباط الذي يعيشونه..." (نفسه، ص: 134.)
من هذا المنطلق، يدعو محمد المساري للعمل سويا على إيجاد حلول لظاهرة الهجرة، " وفي هذا السياق سيكون على صانعي الرأي العام من الجانبين العمل على تطويق التوتر، وعلى معالجة عقلانية لظاهرة الهجرة بصفة عامة، وللهجرة غير القانونية بوجه خاص. إنها المشكلة المرشحة لاحتلال الصدارة في أفق العلاقات الثنائية بسبب ما ينتج عن الهجرة غير المنظمة من أوضاع مزرية لا يرغب فيها أي من الجانبين..." (نفسه، ص: 134.)
وفي نفس السياق، ينظر محمد العربي المساري إلى كون هذه العلاقات المتشابكة، والمشاكل العالقة بين البلدين، والتصادم بين الفينة والأخرى أمر عادي بين بلدين يجمعهما جوار جغرافي وتعایش تاريخي كان فيه دائما أخذ ورد بین ضفتي البوغاز. نحن ليس بنينا وبين أستراليا أي تصادم بل أي احتكاك. الجوار يولد فرص الاحتكاك. وهذا هو الحال بيننا وبين إسبانيا طيلة التاريخ. منذ القرن السابع تحرك التاريخ في اتجاه جنوب شمال، ومنذ القرن الخامس عشر تحرك التاريخ في اتجاه شمال جنوب"(نفسه، ص: 127.)
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_5647dc_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_6cdf2b_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)