تتمة // التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات
الدكتور محمد دحماني*
دراسة محكمة
*أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية لمهن التربية والتكوين سوس ماسة
الملخص:
يتناول هذا المقال تطور التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب، بدءًا من فترة الحماية الفرنسية وصولًا إلى مراحل الاستقلال وما بعدها. يسلط الضوء على كيفية استخدام السلطات الاستعمارية للتخطيط العمراني كأداة للسيطرة، مع تفضيل المناطق الساحلية وتهميش المناطق الداخلية، وما تبع ذلك من تفاوتات اجتماعية ومجالية. بعد الاستقلال، حاولت الدولة مواجهة أزمة السكن والهجرة القروية عبر سياسات مركزية ثم لامركزية، شملت برامج الإسكان وإعادة الهيكلة، لكنها واجهت تحديات مثل التوسع العشوائي وضعف التنسيق. يعرض المقال محاولات المغرب لتحقيق توازن بين التنمية الحضرية والقروية، بهدف تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
الكلمات المفتاحية: التخطيط الحضري، التنمية الترابية، السياسات التعميرية، الفوارق السوسيو-مجالية، التوازن القروي-الحضري.
تتمة
ثانيا: كرونولوجيا التخطيط الحضري بالمغرب في عهد الاستقلال:
- تعدد مقاربات التخفيف من أزمة السكن للفئات الاجتماعية (1957-1967):
عرفت نهاية الخمسينات حكومة تقدمية حملت شعار مواجهة المصالح الاستعمارية الاقتصادية، ما يهمنا فيها هو قطاع السكنى والتعمير الذي تبنى شعار السكن الشعبي والدولة وهي المشيد الأول. النتيجة أن ما شيدته الدولة كان هزيلا، لذلك عملت على تشجيع القطاع الخاص من أجل الاستثمار في هذا القطاع. إلا أن تطلعات السلطات العمومية لم تستطع أن تواجه التضخم اليومي لحاجيات السكان الحضريين فكانت سياسة التعمير في مجملها يغلب عليها هاجس معالجة المشاكل الآنية المترتبة عن العجز الحاصل بدل الانشغال ببرمجة الحاجيات على المدى المتوسط والبعيد.
خلال هذه الفترة، استهدفت الدولة بالعمليات الجديدة للتعمير في اطار المخطط الثنائي (1958-1959) مبدأ السكن للغالبية العظمى و كذلك المخطط الخماسي (1960-1964) الذي أعطى انطلاقة برامج السكن للفئات الاجتماعية الضعيفة، وحل مشكل السكن، كما كان يهدف الى التحكم في التنمية الحضرية و تجهيز الانسجة الحديثة البناء، عن طريق ما يسمى بالتجزئات الاقتصادية وإعادة الإيواء.7
- التجزئات الاقتصادية:
عن طريق عمليات التعمير هذه، بادرت الدولة الى ادماج المبادرات الخاصة في اطار المخطط الثلاثي (1956-1967) الذي كان يهدف الى ادخال المبادرات الخاصة في مجال السكن. حيث تكلفت الدولة بتهيئة المجال وتمويل البناء عن طريق قروض مسترجعة داخل مدة تتراوح ما بين 15و 20 سنة مع معدل ربح يتراوح ما بين 3% و4% فالمساهمة الشخصية المفروضة تقدر قيمتها ب 10 الى 20% من معدل الانتاج الكلي او الاجمالي. ويسمح هذا النوع من التعمير بإدماج التجهيزات العمومية للسكن (مدارس، مساجد...) بشكل تدريجي.
- إعادة الإيواء: اللحم الصحية (TSA):
تشمل اعادة ايواء مدن الصفيح تهيئة بعض المرافق في مجال فارغ: مؤسسات، طرق ثانوية، الإنارة العمومية، الساكنة. والفضاء المتبقي يجزئ الى قطع صغيرة بمساحة 35م² لإعادة إسكان دور الصفيح. حيث تم تسويق قرابة 9000 سكن خلال الفترة الممتدة ما بين 1962- 1965 بسبع مدن مغربية.8
- المقاربة الجهوية للتخطيط الحضري ( 1968-1972):
على ضوء هذه الخلاصات كان ضروريا، على الدولة، اعادة النظر في السياسة المتبعة فيما يتعلق بالتنمية الحضرية. ففي فترة السبعينات حاولت الدولة من خلال القانون الإطار التوجه في سياسة حضرية جديدة تهدف وتعتمد تخطيط مجموع التراب الوطني وذلك باستعمال الأدوات الملائمة في كل المستويات، مثل التصاميم المديرية للمدن وتصاميم الهيكلة الريفية وتصاميم استعمال الأرض للأحياء...إضافة إلى سلسلة قوانين تتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة والضريبة على الأراضي العارية...9.
ولقد صحب القانون الإطار ظهور مؤسسة جديدة هي مركز الدراسات والأبحاث والتكوين CERF لدراسة وتحضير مبادئ الاستراتيجية الجديدة بحيث يتوفر هذا المركز على فرق متعددة الاختصاص وآخرون تحت إشراف قسم التعمير والسكنى لتفعيل هذا القانون الإطار، ومن بين الاهداف الاساسية لهذا المركز ادماج المدينة في اطار رؤية شمولية للتهيئة وايجاد الحلول الواقعية المتوافقة مع خصوصياتنا المحلية. أما أهم وسائل التدخل فتمثلت في تصاميم الهيكلة والتوجيه S.S.O على المستوى الجهوي، والتصاميم المديرية على مستوى المدن وتصاميم استعمال الأرض على مستوى الأحياء. كما تم إحداث المؤسسات الجهوية للبناء من أجل تنفيذ مشاريع الدولة. قام مركز التجريب والبحث والتكوين باقتراح وضع تشريع جديد يتضمن وثائق التعمير جديدة تسعى الى ربط المدينة بمحيطها الجهوي من خلال:
- مخطط الهيكلة والتوجيه الذي يقترح برنامج اجرائي للعمل، لتجهيز وحدة جهوية من التراب الوطني،
- خطط توجيهي يتعلق بكل التجمعات والذي يحدد بشكل دقيق العمليات الاساسية للتهيئة الحضرية وتجهيز المراكز،
- تصميم استعمال التربة: معد على مستوى حي معين الذي يحدد قواعد استعمال التربة، المصالح الضرورية، البنايات العمومية.
كما ارتكزت الاستراتيجية الجديدة للتحكم في صيرورة التعمير خلال هذه الفترة على:
- تشجيع البناء الذاتي،
- ادخال التجهيزات بالتجزئات السرية بطريقة تدريجية،
- إعادة هيكلة احياء الصفيح،
- تبني التعمير العملياتي،
- الاهتمام بالتهيئة المجالية (حضرية، قروية)،
- اعتبار العقار في التهيئة.10
- البناء الذاتي:
لقد تقلصت ميزانية السكنى خلال المخطط الخماسي (1972) و(1968) الذي أعطى الأولوية للتنمية الفلاحية والسياحية وتكوين الأطر، فرغم ذلك استمرت الدولة في تهيئة المجالات بتجزيئ القطع الارضية حيث سيتكلف السكان ببنائها أو تتكلف بذلك المقاولات الصغرى، تحت تأطير وتوجيه الدولة.
- ادخال التجهيزات بالتجزئات السرية بطريقة تدريجية
رغم أن التشريعات كانت تمنع بيع الاراضي الغير المجهزة الا ان الدولة وأمام تفاقم أزمة السكن، فإنها التجأت الى اعتماد مبدأ مناطق للتجهيز التدريجي ZED يهدف هذا المبدأ الى تجهيز هذه المناطق عبر مراحل، يعني سنسمح للسكان بالاستقرار في مجالات معينة ومناطق معينة أولا، ثم تجهيزها عبر مراحلثانيا أسبقية السكن على التجهيز.
- اعادة هيكلة أحياء الصفيح:
سعت السلطات العمومية الى الحد من انتشار دور الصفيح عن طريق اعطاء سكان هذه الدواوير الملكية المباشرة لقطعة أرضية، والتي من أجلها سيدفعون قدر مالي وشهري، وبذلك تحولت أحياء الصفيح الى سكن صلب عبر مختلف مدن المملكة، وبذلك أصبح للدولة دورا كبيرا في ميدان السكن.
- اللامركزية والتوازن المجالي الجهوي ( 1973-1985):
أعطى المخطط الخماسي (1973-1977) - أهمية للتنمية بالوسط الحضري كما بالوسط القروي، فانطلاقا من سنة 1973 تضمنت كل تصاميم التهيئة منطقة صناعية واسعة لتجسيد مفهوم اللامركزية الصناعية، كما كان هناك اقتراح يتعلق بتأسيس مخطط التهيئة للمحور الساحلي للتحكم في التنمية للميتروبول الممتد من الدار البيضاء الى القنيطرة، قادر على استقبال الساكنة الحضرية المستقبلية. وفيما يتعلق بالوسط القروي فقد تم انشاء سلسلة من تصاميم النمو لبعض المراكز لخلق بنية تحتية للربط بين المدن وهذه المراكز، الشيء الذي يعطي لهذه الأخيرة حظوظا في التنمية المستقبلية.
- التهيئة بالوسط القروي: تركزت جهود الدولة على التهيئة الهيدرو فلاحية للسهول الفلاحية الكبرى مثل سهل الغرب سنة (1974)، وجاء المخطط الخماسي( 73-77) ليحاول الربط بين التخطيط الوطني وضرورات النمو الجهوي وبالضبط البحث عن أحسن موضعة للسكان والأنشطة والتجهيزات فعمل على توزيع الأراضي على صغار الفلاحين ودعم تدخل الدولة لضمان القروض الفلاحية وأحدثت لجنة وطنية بمقتضى مرسوم 24 يناير 1974 من أجل المساعدة التقنية والإدارية للمجالس الجهوية من أجل تحديد العناصر الرئيسية لسياسة النمو الجهوي،11 وسعت الدولة خلال هذه المرحلة الى خلق توافق وانسجام بين برنامج السكن القروي وتجهيز المراكز القروية مع برنامج توطين مشاريع التنمية الفلاحية والصناعية والسياحية، بهدف خلق أقطاب أخرى للتنمية، وهذا كله من أجل تثبيت الساكنة القروية في مكانها. وهكذا فقد ركزت السلطات العامة في مخططاتها التنموية الاقتصادية والاجتماعية على الحد من أزمة السكن حيث رصدت اعتمادات هامة من المصالح الوصية على هذا القطاع كما برز أيضا الاهتمام بمجابهة الاختلالات الجهوية حيث تم تركيز الجهد من أجل تجهيز المراكز القروية وصدر ظهير 25 يونيو (1960) ليعنى بتهيئة التجمعات القروية وليسد الفراغ الذي نجم عن قصور قانون التعمير، وظهير (1952) الذي لم يكن قابلا للتطبيق سوى في المناطق الحضرية وضواحيها.12
- التهيئة بالوسط الحضري: تميزت هذه المرحلة بتعمير مهم حيث أن وزير السكنى آنذاك أطلق برنامجا عاما للتجزئات على مستوى المدن الكبرى والمتوسطة، كما نسجل أن هذه التجزئات لم تكن متوافقة مع تصاميم التهيئة الموضوعة للمناطق الموجودة بها، كما أنه وفي إطار المخطط الثلاثي 1978-1980 تم تشجيع مشاريع اعادة الهيكلة وإعادة الإيواء بدور الصفيح، بينما المخطط الخماسي 1981-1985 عرف خلق مجموعة من المؤسسات كالوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق ANHI.
كما أنه ركز (المخطط الخماسي (81-85) على الجهوية وسياسة إعداد التراب وعمل على إحداث مناصب للشغل من أجل تقليص الفوارق الاجتماعية (الجفاف الهجرة ازدياد البناء العشوائي). أما مخطط مسار التنمية (88-92) فقد اهتم بالمسائل الآتية:
- العناية بالعالم القروي (الكهرباء – الماء- الطرق)،
- تعزيز التخطيط الجهوي،
- اعتماد الخوصصة لتشجيع الاستثمار في مجال السكنى.
أخيرا بالنسبة لمخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2000-2004) فقد أعطى بدوره أولوية للعالم القروي وعمل كذلك على خلق توازن بين المدن والقرى وكذا خلق برنامج اجتماعي لفائدة الفئات المتوسطة والمحدودة الدخل مع بذل الجهود في محاربة السكن غير اللائق والحد من البناء العشوائي.13
خاتمة:
في ختام المقال، يتضح أن التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب قد شهد تطورًا معقدًا، عكس التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر العقود. ورغم أن المغرب قطع خطوات هامة في سبيل تحقيق التنمية الحضرية المتوازنة، فإن العديد من التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالتوسع العشوائي، التفاوتات المجالية، وتداخل الصلاحيات بين الجهات المركزية واللامركزية.
تؤكد هذه الدراسة على الحاجة الملحة لتطوير رؤية شاملة واستراتيجية متكاملة للتخطيط الحضري ترتكز على مبادئ الاستدامة والعدالة الاجتماعية. ينبغي أن تستند هذه الاستراتيجية إلى التنسيق الوثيق بين مختلف الفاعلين المحليين والوطنيين، مع مراعاة الخصوصيات المحلية في إعداد السياسات وتنفيذها. إن تحقيق تنمية ترابية مستدامة وشاملة يتطلب توظيف أدوات تخطيط مبتكرة، تعزز من قدرة المجالات الريفية على النمو، وتحسن من تكاملها مع المحاور الحضرية الكبرى، وذلك في إطار رؤية متكاملة تستشرف المستقبل.
لذلك، يُعد بناء منظومة تخطيط حضري تفاعلية وقابلة للتكيف مع المتغيرات السريعة من أولويات المغرب في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية العالمية. يتطلب هذا التحول إعادة النظر في الأطر القانونية والتنظيمية، وتفعيل مبدأ المشاركة المجتمعية، مما يسهم في تعزيز توازن حقيقي بين المجالات الحضرية والقروية ويضمن تحقيق العدالة المجالية والتنمية المستدامة لكافة المجالات المغربية.
هوامش الدراسة:
-[1] محمد معمر وأحمد أجعون، إعداد التراب الوطني والتعمير، كلية الحقوق بمكناس، ط1، 2005، ص:13.
2- Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », 1992, p:18.
3- محمد معمر وأحمد أجعون، إعداد التراب الوطني والتعمير، م، س، ص:14.
4- نفسه، ص:15.
5- نفسه، ص:17.
6- نفسه، ص:19.
7 - Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », Op.cité, p:18.
8- Ibid, P:18.
-9 محمد معمر و أحمد أجعون" إعداد التراب الوطني والتعمير"، م، س، ص:21.
10- Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », Op.cité, P:18.
-11 محمد معمر وأحمد أجعون، إعداد التراب الوطني والتعمير، م، س، ص:19.
12- Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », Op.cité, P: 30.
13- Ibid, P:32.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241114%2Fob_78b459_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241114%2Fob_712add_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)