التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات
الدكتور محمد دحماني*
دراسة محكمة
*أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية لمهن التربية والتكوين سوس ماسة
الملخص:
يتناول هذا المقال تطور التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب، بدءًا من فترة الحماية الفرنسية وصولًا إلى مراحل الاستقلال وما بعدها. يسلط الضوء على كيفية استخدام السلطات الاستعمارية للتخطيط العمراني كأداة للسيطرة، مع تفضيل المناطق الساحلية وتهميش المناطق الداخلية، وما تبع ذلك من تفاوتات اجتماعية ومجالية. بعد الاستقلال، حاولت الدولة مواجهة أزمة السكن والهجرة القروية عبر سياسات مركزية ثم لامركزية، شملت برامج الإسكان وإعادة الهيكلة، لكنها واجهت تحديات مثل التوسع العشوائي وضعف التنسيق. يعرض المقال محاولات المغرب لتحقيق توازن بين التنمية الحضرية والقروية، بهدف تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
الكلمات المفتاحية: التخطيط الحضري، التنمية الترابية، السياسات التعميرية، الفوارق السوسيو-مجالية، التوازن القروي-الحضري.
لقد مر التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب بمراحل متعددة، تعكس كل منها الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بها. بدءا من فترة الحماية الفرنسية، التي كان الهدف الأساسي فيها هو خدمة المصالح الاستعمارية من خلال إقامة بنية تحتية ملائمة للأنشطة الاقتصادية الأوروبية، إلى مرحلة الاستقلال التي حملت تحديات جديدة للدولة المغربية الفتية. ومع مرور الزمن، أصبح من الضروري وضع رؤية واضحة للتنمية المستدامة تراعي التوازن بين المجالين الحضري والقروي.
لقد فرضت الفجوة بين المدن الساحلية والمناطق الداخلية تحديات كبيرة، إذ تركزت الاستثمارات والبنية التحتية على المحور الساحلي الممتد من الدار البيضاء إلى القنيطرة، مما عمق التفاوتات السوسيو-اقتصادية بين المناطق. على الرغم من المحاولات العديدة للحد من هذه الفوارق، مثل إطلاق مشاريع الإسكان الاجتماعي وإدماج التجهيزات الأساسية تدريجيًا في الأحياء الناشئة، إلا أن الأزمة الحضرية ظلت قائمة. ومع التوسع العمراني السريع والهجرة القروية نحو المدن، أصبح التحدي الأكبر هو كيفية وضع سياسات تعميرية فعالة، تجمع بين التوقع والاستشراف وتحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع فئات المجتمع.
وفي إطار السعي لتحقيق ذلك، اتخذت الدولة المغربية خطوات نحو لامركزية التخطيط، مما أتاح للجهات المحلية المشاركة في إعداد البرامج وتسيير الموارد. ورغم هذه التحولات، ما زالت السياسات الحضرية تواجه معوقات عديدة، تتعلق بنقص التنسيق بين المتدخلين وغياب رؤية شمولية مستدامة. إن فهم تطور التخطيط الحضري في المغرب يتطلب تحليلا عميقا للسياسات المتبعة عبر الزمن، وتأثيرها على التوزيع المجالي والعمراني، وكذلك استشراف السبل الممكنة لتحقيق تنمية شاملة وعادلة.
وعلى العموم فقد هيمن على سياسة التعمير وإعداد التراب بعد معالجة المشاكل القائمة ولم تعر الاهتمام اللازم للبرامج المستقبلية التي يقتضيها توسع العمران في الآجال المتوسطة والطويلة، فقد تم الإكتفاء بأدوات التعمير الموروثة عن عهد الحماية التي كانت بدورها تهتم بالواقع القائم ولم تعر الاهتمام اللازم للتعمير التوقعي. إن طرق التعمير المستعملة خلال فترة الاستقلال لم ترتكز على سياسة للتنمية الحضرية محددة بشكل دقيق بقدر ما كانت تسعى الى التخفيف من أزمة السكن أكثر من ادماج ابعاد التخطيط الحضري والجودة المعمارية. هذا الواقع كان أصلا في اضطراب توجهات وثائق التعمير، وجعلها كوسائل غير اجرائية او غير فعالة.
أولا: التطور التاريخي للتخطيط الحضري بالمغرب في عهد الحماية:
إن الفهم الصحيح لسياسة أي دولة في مجال التخطيط الحضري يتوقف على فهم التطور التاريخي لهذه السياسة عبر المحطات التي مرت منها، سواء في إطار سياق دولي، من خلال استكشاف المراحل الأولى لبداية الاهتمام بالتخطيط الحضري والتجارب التي مرت منها، أوفي إطار سياق وطني عبر الوقوف عند أهم التشريعات والمؤسسات التي تعنى بالتخطيط الحضري.
- أ - التخطيط الحضري في مرحلة الحماية وقواعد التهيئة الحضرية في خدمة الهيمنة الاستعمارية 1913-1926.:
عرف المغرب تطبيق مجموعة من الأدوات والإجراءات في مجال التخطيط والتعمير شكلت دعائم لإقامة بعض الأشغال العمومية ولتأطير وتوجيه وتنظيم التوجهات العمرانية، ولقد طغى على هذه الأدوات هاجس تنظيم المجال الترابي بشكل يؤمن تمركز الرأسمال الاستعماري ويوفر شروط سيطرته، ولأجل ذلك عمل نظام الحماية على تجميع عناصر المجتمع العصري الصناعية والتجارية داخل ما يسمى "المغرب النافع" أي داخل فضاء محور ساحلي ما بين الدار البيضاء والقنيطرة على مسافة مائة وثلاثون كيلومترا.1
كان الهدف من هذه الأدوات هو السعي الى تحقيق الأهداف التي رسمها اليوطي بموجب جملة من القرارات الحاسمة، ويمكن حصرها في النقط الأساسية التالية، التمركز المجالي، تهيئة المدن، والتشريع العمراني:
- التمركز:
تجلى ذلك في تأسيس ميناء على بعد 90 كلم جنوب الرباط، وتطور الدار البيضاء لتصبح عاصمة اقتصادية. وتأسيس مدينة جديدة على بعد 45 كلم شمال الرباط، ميناء ليوطي التي اصبحت تسمى من بعد القنيطرة، كما اصبحت الرباط عاصمة ادارية.
أدى هذا التحول المجالي، سواء المرتبط بالعاصمتين الإدارية والاقتصادية، أو إنشاء مدينتي القنيطرة والمحمدية، الى وضع هيكلة حضرية جديدة تمتد من البيضاء الى قنيطرة، عوضت الهيكلة الحضرية السابقة على الاستعمار، حيث انفكت العديد من المدن الداخلية عن الدورة الاقتصادية (دمنات، صفرو، الصويرة...)، الشيء الذي خلق تفاوتات سوسيو مجالية واقتصادية بين هذه المدن والمدن الساحلية، أدى قرار التمركز لفائدة المحور الساحلي الدار البيضاء قنيطرة وتهميش الوسط القروي، الى زحف الموارد البشرية والطبيعية نحو المدن الساحلية، الشيء الذي افرز نتائج منها: تسريع التحضر او التمدن وتعميق اللانوازن الحضري.
- تهيئة المدن:
لقد تجلى القرار الثاني والمهم للمقيم العام اليوطي في تهيئة المدن قصد استقبال الاوربيين وخاصة الفرنسيين منهم.2
- عزل المدن العصرية عن المدن العتيقة التي ستبقى محاصرة داخل أسوار كوسيلة للحفاظ على هذه المدن ولكن في نفس الوقت لمراقبة هذه المدن والتحكم في التحركات والتمردات التي تقع فيها.
- إنشاء المدن العصرية وفق نمط عصري تستعمل فيه أدوات ومناهج تعمير عصرية من أجل استقطاب الأوربيين. حيث وصل بروست الى المغرب سنة (1913)، وصمم مخططات التهيئة لعشر مدن جديدة وقديمة (الرباط، فاس، مكناس، مراكش، وزان، أكادير، تازة، قنيطرة).
- التشريع:
- عزل المدن العصرية عن المدن العتيقة التي ستبقى محاصرة داخل أسوار كوسيلة للحفاظ على هذه المدن ولكن في نفس الوقت لمراقبة هذه المدن والتحكم في التحركات والتمردات التي تقع فيها.
- إنشاء المدن العصرية وفق نمط عصري تستعمل فيه أدوات ومناهج تعمير عصرية من أجل استقطاب الأوربيين. حيث وصل بروست الى المغرب سنة (1913)، وصمم مخططات التهيئة لعشر مدن جديدة وقديمة (الرباط، فاس، مكناس، مراكش، وزان، أكادير، تازة، قنيطرة).
- التشريع:
فرغم الجهود المبذولة عن طريق التشريعات، فان توقعات مخططات التعمير ستكون متجاوزة من طرف الوقائع، مادامت الادارة لازالت في مرحلة التنظيم، لا تستطيع المتابعة والمراقبة والتوجيه الفعال لتنمية المدن العشوائية غالبا. كما ان التنظيم المتوقع سرعان ما يتجاوز حدوده بتيار غير مراقب مكونا نسيجا غير متجانس.
- ب -التهميش وظهور أحياء الصفيح (1926-1946):
ثم انشاء المكتب الشريف للسكنى للأوربيين في سنة 1942، وكما تدل على ذلك تسميته، أحدث هذا المكتب لتلبية حاجيات الجالية الأوربية الهاربة من ويلات الحرب العالمية الثانية، وقد أخذت هذه المؤسسة في بناء عدد كثير من المدن (الدار البيضاء، الرباط...) ومدينة جديدة هي المحمدية. وقد اعترف ميشال ايكوشار نفسه بأن المدن الجديدة تم إحداثها أساسا لفائدة الأوروبيين دون اهتمام بحاجيات المواطنين المغاربة. في المقابل نجد أن المتضرر، من السياسة الاستعمارية، كان هو المواطن المغربي بحيث لم تقم السلطات الاستعمارية بأي عملية لإسكان المغاربة، اللهم تجميعهم، خصوصا منهم المقاومين، في أحياء قصديرية ضخمة أو في بعض التجزئات غير قانونية.
انطلاقا من هذه الحقبة أصبحت توقعات وثائق التعمير متجاوزة في علاقة مع أهمية وعمق التفاوتات بين الاحداث والتوقعات. لأنها لم تعط اية حلول بالنسبة للمشاكل الناجمة عن الانتشار الواسع للأحياء السرية وأحياء الصفيح، فنهجت الإدارة الاستعمارية سياسة التخطيط الحضري التي تبناها المقيم العام "إيريك لابون " تحت اشراف المهندس المعماري " ايكوشار " الذي وضع برنامجا سنة (1946) لإصلاح الأوضاع يتضمن:
- إعادة تنظيم مصلحة التعمير،
- وضع استراتيجية حضرية جديدة تقوم على تحديد عناصر إعداد التراب،
- تخطيط لتصاميم المدن.
فلتخفيف الضغط على المحور الساحلي (البيضاء - القنيطرة )، وبهدف خلق محاور جديدة للنمو، عمل البرنامج على لامركزية المناطق الصناعية لفائدة المدن الصغيرة والمتوسطة كمكناس واسفي ومراكش.. عن طريق توقعها في تصاميم التهيئة الجديدة لهذه المدن.انطلاقا من هذه الفترة ظهرت ثلاث ظواهر بشكل عميق في مجال السكن: أحياء الصفيح، التجزئات السرية، الضغط السكاني الكبير على المدن القديمة.4
وأمام هذه الوضعية، أصبح للسلطات تدخل محدود أو منحصر في اعادة اسكان دور الصفيح داخل المجالات البلدية.
ج- تجاوز اللاتوازن المجالي قروي- حضري (1946-1956):
انطلاقا من سنة 1948 تضمنت كل التصاميم التهيئة منطقة صناعية واسعة لتجسيد مفهوم اللامركزية الصناعية، كما كان هناك اقتراح يتعلق بتأسيس مخطط التهيئة للمحور الساحلي للتحكم في التنمية للميتروبول الساحلي الممتد من الدار البيضاء الى القنيطرة، قادر على استقبال الساكنة الحضرية المستقبلية. وفيما يتعلق بالوسط القروي فقد تم انشاء سلسلة من تصاميم النمو لبعض المراكز لخلق بنية تحتية للربط بين المدن وهذه المراكز، الشيء الذي يعطي لهذه الأخيرة حظوظا في التنمية المستقبلية.
وقد تميز التدخل خلال هذه الفترة بإدخال القطاع الصناعي، والوسط القروي في التعمير، هذا بهدف التفكير والتوجه نحو تنمية المدن الداخلية مثل (فاس، مكناس، بني ملال، مراكش...) قصد خلق التوازن او اعادته بين اقطاب النمو لخلق التوازن بين الوسط الحضري والوسط القروي. أما بالنسبة للقوانين الجديدة في مجال التعمير والذي عملت المصلحة الخاصة بقطاع السكنى والتعمير بتعاون مع إيكوشار على صياغتها نجد ثلاثة قوانين أساسية ثم بمقتضاها إلغاء مقتضيات قوانين التعمير التي عرفتها فترة مارشال ليوطي، ففي سنة (1951) تم وضع قانون جديد لنزع الملكية من أجل المنفعة العامة (ظهير 13 أبريل 1953). وجاء هذا القانون لتخفيف مسطرة نزع الملكية حيث حددت فترة نزع الملكية في سنتين بدل ترك هذه الفترة مفتوحة لسنوات طويلة في حالة عدم إقدام الإدارة على نزع ملكية الأراضي التي يعلن بخصوصها عن المنفعة العامة. وأصبحت مسألة تحديد قيمة التعويض لفائدة أصحاب الأراضي المنزوعة ملكيتها تتم وقت نشر مقرر التخلي بدل الإعلان عن المنفعة العامة كما كان ينص على ذلك ظهير 31 غشت (1914)5 .
وبعد مضي سنة على إصدار هذا القانون، جاء ظهير 30 يونيو (1953) المتعلق بالتعمير ليحل محل ظهير 16 أبريل (1914). وتضمن القانون الجديد مجموعة من المقتضيات والأدوات الجديدة، حيث تم إدخال ولأول مرة تصميم التنطيق ضمن وثائق التعمير وذلك بهدف ملئ الفراغ الذي كانت تعرفه بعض المناطق أثناء غياب تصميم التهيئة. لذلك أدخل المشرع مفهوم الوقاية في مثل هذه الحالة، حيث أجاز للإدارة الامتناع عن تسليم رخص البناء والتجزيء في حالة وجود فراغ قانوني، وذلك بغية تفادي السقوط في بعض الأخطاء التي تعرقل عمل المخططين في المستقبل.
رغم أن سياسة التخطيط الحضري لهذه المرحلة وصلت الى تكوين مدن جديدة بجودة معمارية عالية، فإنها تركت من ورائها مشاكل هامة والتي هي حاليا أساس اللاتنظيم العمراني للمجال، والتعمير الفوضوي. إنها السياسة التي لم تنصب الا على المدن الكبرى، باعتبارها مجال حضري معزول، ولم تضع أي تصور لإدماج الوسط القروي في نسقه.
إلا أن فشل سياسة الحماية في مجال التعمير قد ظل جليا حتى بداية الخمسينات، فلم تعر هذه السياسة الاهتمام اللازم لكل المغاربة حيث بقيت المدن العتيقة الخاصة بهم حبيسة أسوارها وبعيدة عن كل تطور حضاري يقع خارج هذه الجدران فأدت كثافة الهجرة القروية نحو هذه المدن الى استفحال المشاكل داخلها، صارت مجالا لتكدس عدد كبير من السكان في غياب أبسط البنيات الأساسية الكفيلة باستيعاب الوافدين الجدد فنشأ عن ذلك انتشار قوي لمدن الصفيح في الضواحي واتسعت دائرة المضاربين العقاريين الذين بادروا الى الاستثمار في ضواحي هذه المدن بشراء الأراضي وتحزئتها دون أن تتوفر على التجهيزات الضرورية للسكن.6 ومجمل القول فإن أدوات التعمير وسياسة إعداد التراب التي طبقت حتى بداية الخمسينات كان لها بعد تنظيمي صرف وغابت عنها أبعاد التوقع والتصور التي تعد اساس كل تعمير عقلاني.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241114%2Fob_f7566f_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241114%2Fob_8743c6_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)