تحفيز الموارد البشرية:
من حاجات الذات إلى سياقات الفعل
د. محمد كنوني*
دراسة محكمة
*باحث في علم الاجتماع ، أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بالمديرية الاقليمية ببمكناس
ملخص
نهدف في هذه المقالة إلى صياغة تصور تدبيري للموارد الموارد البشرية، وذلك من منطلق فهم دوافع الفعل وأنماطه لدى الفرد، ومداخل التأثير عليه، بهدف البحث عن الإجراءات التدبيرية الكفيلة بتمكين المسيرين داخل المؤسسات الإنتاجية من توجيه سلوكيات العاملين، بالشكل الذي يجعلهم قادرين على الإسهام بفعالية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لهذه المؤسسات. وقد اعتمدنا على مقاربة التحفيز بناءً على ثلاثة أجيال من النظريات، وخصوصا تلك التي استقت نتائجها من الدراسات الميدانية المرتبطة بمفهوم بالحافزية. وخلصنا إلى أن تحقيق المؤسسات الإنتاجية لأهدافها رهين، ليس فقط بتوفرها على موارد بشرية مؤهلة تمتلك القدرة والكفاءة على ممارسة العمل، بل على موارد بشرية محفزة.
كلمات مفتاحية: الحافزية؛ التنظيمات الإنتاجية؛ الانتماء الاجتماعي؛ العدالة التنظيمية؛ الموارد البشرية.
Abstract:
This article aims to renovate the management conceptualization of human resources, based on understanding the motives and patterns of individuals actions and the ways of influencing them. The main purpose is to structure practical measures to enable managers to act poroductively within institutions, and to guide the employees behaviors in a way that enables them to contribute effectively to the achievement of the institutions strategic goals. This research paper adopts the motivation approach based on three generations of theories, especially those that drew their findings from field studies related to the concept of motivation. As a result for successful productive organizations, they need not only qualified human resources who possess suitable abilities and competences to do the work, but they also need motivated human resources in the work place.
Keywords: Motivation ; Productive organizations; Social affiliation; Organizational Justice; Human Resources.
مقدمة:
تعددت التحديات التي تُجابهها المقاولات في الوقت الراهن، نتيجة التغيرات التي أحدثتها الثورة الصناعية على نمو الاقتصاد العالمي من جهة، وظاهرة العولمة وما واكبها من انفتاح ثقافي واجتماعي واقتصادي ... من جهة أخرى، بالإضافة إلى اشتداد حدة المنافسة سواء على مستوى الإنتاج والتسويق. هذا فضلا عن التطور الهائل الذي هم تقنيات الإعلام والتواصل، مما دفع بالباحثين في مجال التدبير إلى تركيز جل اهتماماتهم على العنصر البشري، بغية فهم وتفسير سلوكه ومعرفة مختلف المحددات النفسية التي توجهه وتستثير نشاطه، وتخلق لديه الرغبة في العمل، وذلك من أجل تمكين إدارة الموارد البشرية من إيجاد الآليات الكفيلة لإثارة رغبات الأفراد وتوجيه سلوكياتهم بغية الرفع من أدائهم والارتقاء بإنتاجياتهم، خصوصا بعد الثورة التي أحدثتها تجارب هاوثورن لألتون مايو (Elton Mayo)، على مستوى التصورات التي كانت سائدة في الماضي، والتي كانت تربط فعالية الأداء لدى العمال بالمكافآت التي يحصلون عليها، وكذا بظروف وجودة بيئة العمل، معتبرة العملية التحفيزية بمثابة ظاهرة إنسانية بامتياز، وعنصرا حاسما في تحقيق الإنتاجية والمردودية داخل المقاولات، التي ترتكز بالأساس على الانخراط الإرادي الفعلي للأفراد في العمل.
وقد أجمعت معظم الدراسات الحديثة في مجال التدبير على أن نجاح الاقتصاديات الأقوى في العالم غير مرتبط فقط بقدرة الأفراد على العمل والتي يمكن تنميتها وتحيينها عبر عمليتي التكوين والتدريب، بل إنه رهين بالدرجة الأولى بمستوى الرغبة في العمل لديهم، هذه الرغبة التي تحفزهم وتوقظ الطاقات الكامنة لديهم، لا يمكنها أن تنبثق لدى الفرد إلا باعتماد أساليب إدارية مبنية على أسس علمية متينة،
- لماذا اهتمت المقاولات بالتحفيز؟
استأثر هذا السؤال باهتمام العديد من الباحثين والدارسين في منتصف القرن العشرين، مما مهّد الطريق لظهور العديد من الأبحاث والدراسات، التي حاولت البحث عن السبل والآليات الكفيلة بتحفيز الأفراد وإثارة الرغبة لديهم في العمل. مرسخة معادلة مفادها أنه كلما كان الفرد محفزا داخل التنظيمات، .لكن وبالرغم من عدم تطابق النتائج المحصل عليها من لدن الباحثين في مجال الحافزية ، فإنها توحدت على مستوى بعض الرؤى والتوجهات أهمها:
- اعتبار الحوافز بمثابة قوة تحث الفرد وتدفعه للقيام بنشاط معين.
- اعتبار التحفيز كشكل من أشكال القوة الدافعة، سواء كانت داخلية مرتبطة بما هو نفسي، أو جسدي بالنسبة للعامل، أو خارجية مرتبطة بالمحيط الخارجي للعامل، كالأجر والعلاقات الاجتماعية، وكذا نمط الإشراف وظروف العمل ووسائله وعدد ساعات العمل .
- ولادة نظريات التحفيز:
حاولت أبحاث وتجارب المدرسة الكلاسيكية وتيار العلاقات الإنسانية، فهم مرتكزات وأسس العملية التحفيزية، بدءا من التنظيم العلمي للعمل لفريديريك تايلور العضو البارز في الاتجاه الكلاسيكي، الذي يرجع له الفضل في وضع الأسس واللبنات الأولى للنظريات المستقبلية للعملية التحفيزية مبرزا فيها دور المكافآت المادية الحاسم في تحفيز العاملين داخل المقاولات، فالفعالية الفردية التي تترجمها الزيادة في الإنتاج، تجد ما يبررها في نظره في الرغبة الفطرية للأفراد ونزعتهم نحو الربح المادي. وقد اُعتبرت هذه النظرية التي وجّهت عملية التدبير في هذه المرحلة عدة نقائص ومواطن ضعف وقصور، خصوصا عندما طفت على السطح ظواهر جديدة أثرت سلبا على العملية الإنتاجية برمتها "فرغم توفر الشروط المادية والمزايا الاجتماعية المرتفعة (أجور مرتفعة، توفر الإطعام في المقاولة، خدمات للصحة والتوجيه ... إلخ)، ورغم رضا الأجراء على الرواتب التي يتقاضونها، فإن مؤشرات غياب التحفيز داخل المقاولات ظلت متعددة أبرزها، الغياب، الكسل، تردي جودة المنتوج"[1] الأمر الذي سرع بظهور نظريات جديدة أطلق عليها اسم "تيار العلاقات الإنسانية".
يُعدّ التون مايو (Elton Mayo ) من أبرز مؤسسي تيار العلاقات الإنسانية، وقد اعتمد في بلورة نظريته هذه على عدة تجارب ميدانية، أهمها تجارب هاوثورن (Hawthorn)[2] حول جماعة العمل وتطور إنتاجية العمال، منطلقا في إنجازها من تعديل بعض شروط العمل (مدة العمل، الإضاءة، العطل ... إلخ) أو نظام المكافآت، ومقارنتها مع إنتاجية المجموعة الشاهد groupe témoin، حيث لاحظ استمرار ارتفاع الإنتاجية سواء كانت التعديلات المعتمدة سلبية أو إيجابية، وقد مكنته هذه التجارب الميدانية من التوصل إلى خلاصة هامة مفادها أن "لجماعة العمل والعلاقات البين فردية -غير الرسمية- داخل التنظيم تأثيرا كبيرا على سلوك العمال وعلى إنتاجيتهم في العمل كذلك"[3].
- تعريف التحفيز والحوافز:
تعددت تعاريف مفهوم التحفيز بتعدد وجهات النظر الدارسين والباحثين حول مستوى العنصر البشري لصنع الفارق داخل المؤسسات الإنتاجية، وذلك بغية إيجاد طرق وأساليب جديدة كفيلة لتحفيزه داخلها، حيث عرّف Alain Meignantالتحفيز بكونه "مجموعة من العوامل التي تدفع الفرد لاختيار التصرف المناسب لتحقيق الهدف"[4]، بمعنى أن إثارة رغبة الفرد لبلوغ هدف ما، يحتاج إلى دوافع تحفزه على تبني سلوك أو تصرف معين لتحقيقه، فهي بمثابة الوسائل المتاحة في البيئة المحيطة بالفرد، التي تمكنه من توجيه سلوكه واستثارة رغبته نحو إنجاز العمل بفعالية، وذلك بغرض إشباع حاجاته أو درء الأضرار عنه. كل هذا جعل منها " أهم محدد لسلوك الأفراد في العمل، لكونها تؤثر على إنتاجيته، مما ينعكس إيجابا على مردودية المؤسسة"[5].
فالتحفيز باعتباره ظاهرة إنسانية هو "بمثابة طاقة تحدد شكل السلوك"[6] حسب "Porter" و"Lawer ". و"سيرورة تحث الإرادة على إنجاز مهام أو تحقيق هدف معين، حيث تحددها ثلاثة عناصر، وهي بذل المجهود، تدعيمه من أجل تحقيق الهدف، وتخصيص الطاقة الضرورية لبلوغه".[7] حسب " C. Lévy-Leboyer. فيما أرجعه "Pander" إلى "مجموعة من القوى الطاقية التي تنبثق من داخل الكائن الإنساني، وكذا من محيطه لاستثارة السلوك المرتبط بالعمل لديه وتحديد شكله ووجهته وكذا شدته ومدته". بينما اعتبره كل من "Vallerand و Thill" " تصورا يهدف إلى وصف القوى الخارجية والداخلية، التي تساهم في تفجير إرادة وتوجيه السلوك، وخلق الإصرار على تبنيه"[8].
أما الحوافز فقد اعتبرها Alain Meignant على أنها مجموعة من العوامل التي تدفع الفرد لاختيار التصرف المناسب لتحقيق الهدف"[9]، أي أن إيقاظ رغبة الفرد في تحقيق هدف ما، يتطلب مجموعة من العوامل التي تقوده وتدفعه إلى التصرف بالشكل الأنسب لتحقيقه، وهذا ما أكده أحمد ماهر حين خلُص إلى كونها "الوسائل المتاحة في البيئة المحيطة بالفرد، والتي تمكن من توجيه سلوكه واستثارة رغبته للقيام بعمل محدد أو الابتعاد عن فعل معين، وذلك بغرض إشباع حاجته أو تجنب ضرر حتى يتم تحقيق أهداف المؤسسة، ورفع مستوى أدائها"[10].
من خلال التعاريف السالفة الذكر يتضح بشكل جلي أن التحفيز يشكل القوة الدافعة التي تحرك طاقة الفرد، من أجل بذل مستوى معين من المجهودات، وذلك لتحقيق هدف أو أهداف تنظيمية محددة، فهو يعكس درجة الرغبة والحماس لديه لإنجاز عمل ما، حيث تتحكم فيها جملة من المؤثرات-الحوافز أو الدوافع-، هي التي تدفعه إلى بذل جهد أكبر وتنفيذ أمثل للمهام، بجدية وكفاءة عالية، وقد عبر عنها علي السلمي بكونها تلك "الإمكانيات المتاحة في البيئة المحيطة بالشخص، والتي يمكن الحصول عليها واستخدامها لتعويض النقص في إشباع حاجاته"[11] .
- كيف يمكن تحقيق الإنتاجية بتعديل شروط عمل الأجراء؟
إن دراسة متأنية للمقاربات النظرية التي حاولت سبر أغوار العملية التحفيزية، جعلتنا ندرك بشكل واضح، أنها انطلقت في مجملها من البحث عن أسباب التحفيز، وانتقلت بعد ذلك إلى البحث عن الطرق والآليات المثلى لتحقيقه. وقد مرت هذه النظريات خلال مراحل تشكلها من ثلاث محطات أساسية، يمكن تقسيمها إلى ثلاث أشكال من النظريات وهي نظريات الجيل الأول والثاني والثالث.
- نظريات التحفيز
1.5. نظريات الجيل الأول
ارتكزت نظريات الجيل الأول للتحفيز على البحث في أسباب ومصادر التحفيز الإنساني، وذلك من أجل خلق ظروف موضوعية مواتية في بيئة عمل الفرد يمكنها المساهمة في تحفيزه وخلق الدافعية لديه، فمعرفة مسبباته والسعي إلى تحقيقها كفيل بتحسين أداء ومردودية العاملين، وقد ارتكز هذا الشكل من النظريات على أن التحفيز داخل المؤسسات الإنتاجية يستوجب ما يلي:
- إشباع الحاجات الفردية بشكل أفضل (ابراهام ماسلو).
- إعمال المقاربة التشاركية في اتخاذ القرار (ليكرت).
- إغناء محتوى العمل (فريديريك هيزبرغ).
من خلال نظريات هذا الجيل نستشف أنها لم تركز في مقاربتها لمفهوم التحفيز على دوافعه فقط، بل أعطت الأولوية لطبيعة وشكل التنظيمات، لكون الاهتمام بالحاجات الإنسانية في نظرها يعد أمرا حتميا وضروريا لكل فعل تدبيري يروم إلى تحفيز الأفراد ودفعهم إلى الرفع من إنتاجيتهم وتطوير أدائهم، لكنه يبقى غير كاف في ظل صعوبة تحديد عوامل ثابتة للعملية التحفيزية نظرا لتعددها وتداخلها.
5-2 نظريات الجيل الثاني
سعى رواد الجيل الثاني من خلال أبحاثهم إلى محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية:
- كيف يمكن حث العمال على بذل مجهود أكبر في العمل؟
- كيف يمكن توجيه سلوكيات العمال؟
- كيف يمكن حث الأفراد للقيام بعمل ما؟
لقد حاولت نظريات الجيل الثاني البحث عن الطريقة المثلى لدفع الأفراد إلى القيام بعمل بدل آخر، وقد تبنت في مرحلتها الأولى منطق العصا والجزرة من أجل توجيههم للقيام بالأنشطة المطلوبة منهم بأقصى سرعة ممكنة، كما اعتمدت بعدها على العدالة التنظيمية في معالجة مشاكل العاملين، وخصوصا فيما يتعلق بالسهر على خلق التوازن بين المكافآت المادية المحصل عليها والمجهودات المبذولة، وذلك من أجل تشجيعهم على استثمار مجهوداتهم وطاقاتهم بأقصى درجة ممكنة في عملهم، مما يعود بالنفع على المؤسسات الإنتاجية.
أ - نظرية تحديد الأهداف Théorie de Fixation des Objectifs
إن من بين الأهداف الأساسية لهذه النظرية - التي يعتبر جون لوك (Jean Luk) من أهم روادها- هو سعيها إلى البحث عن الطريقة المثلى لتحفيز الأفراد داخل التنظيمات. فتحديد الأهداف بدقة ووضوح، وكذا تقديم المعلومات الضرورية عنها، بالاعتماد على عملية تواصلية ناجعة يمكن الأفراد من اكتساب الثقة في النفس، مما جعل من عملية تحديد الأهداف من أولى أولويات إدارة الموارد البشرية لكونها تسهم بشكل كبير في تحفيز العاملين لبذل أقصى المجهودات في عملهم من جهة، كما تمكن التنظيمات من ترشيد الوقت والجهد وكلفة المنتوج من جهة أخرى، مما يؤدي إلى تحقيق النتائج المتعاقد بشأنها بين الأفراد والتنظيمات.
ب- نـظـريـة الـتـوقعLa théorie des Attentes de VROOM :
تُعد نظرية التوقع لفيكتور فروم (Victor Vroom) سنة 1968، من أحدث النظريات التي حاولت مقاربة مفهوم الدافعية، من خلال تفسير السلوك الإنساني بشكل واضح ودقيق، مما جعلها تستأثر باهتمام العديد من الباحثين من مختلف الحقول المعرفية؛ فالسلوك المرتبط بالأداء لدى الفرد داخل التنظيمات في نظرها تتحكم فيه عملية الاختيار بين بدائل سلوكية مختلفة. هذا الاختيار الذي تحدده قيمة المنافع والنتائج المتوقعة من السلوكيات المرتبطة بالأداء، فدافعية الفرد لتبني سلوك معين في العمل تحكمه فوائد -منافع - يتوقعها ويأمل في الحصول عليها خلال عملية الأداء، هذا التوقع يعتبر عاملا حاسما لدفع الفرد إلى اتخاذ وتبني سلوك معين أو الامتناع عنه.
عموما يمكن القول إنه رغم صلابة الأسس الذي قامت عليه نظرية التوقعات لفيكتور فروم، فإنها تعرضت للعديد من الانتقادات أبرزها صعوبة قياس التوقع والمنفعة العائدة من السلوك، نظرا لتعدد متغيراتها، مما صعب من مأمورية ضبطها والتحكم فيها، وكذا فهم طبيعة العلاقة بين متغيراتها.
5. 3 نظريات الجيل الثالث:
ارتكزت نظريات الجيل الثالث عند مقاربتها لمفهوم التحفيز، على البحث عن الدوافع الذاتية الكامنة خلف سلوكيات الأفراد، وذلك بالتركيز على مناحي شخصيتهم، وقد انخرطت في هذه الدينامية العديد من النظريات، أبرزها نظرية الفعالية الذاتية، ونظرية تقرير المصير، اللتان انشغلتا بمشروع جديد تجلى في محاولة دفع الأفراد لاختيار العمل بشكل إرادي وتنفيذه بالشكل المطلوب، دون أن يشعروا بأنهم مجبرون أو مكرهون على إنجازه أو بتعبير أخر "الموافقة على الخضوع بحرية".
- نظرية الفعالية الذاتية Théorie de l'Auto-Efficacité:
اقترح ألبيرت باندورا (Albert Bandura) استكمالا لأعمال، نظرية اجتماعية معرفية، اعتمدت على الفعالية الشخصية أو الذاتية لتفسير السيرورة التحفيزية لدى الأفراد، بمعنى إيمان الفرد بكفاياته والوسائل التي يمتلكها، وبقدرته على تعزيز وتفعيل هذه الكفايات والوسائل، تحقيقا للأهداف المرسومة، واستشرافا وتوقعا لأفضل النتائج، بالإضافة إلى إيمانه بوجود رابط سببي بين بعض السلوكيات التي يتبناها وتحقيق الأهداف المرسومة، ولتفسير الفرق بين الإيمان بالقدرات وبين الشعور بالفعالية الشخصية وتوقع النتائج الإيجابية، أدخل باندورا مفهوم الفعالية الذاتية التي تجلت في الاعتقاد الجازم لدى الفرد بقدرته على القيام بالأعمال الضرورية لتحقيق الأهداف المرجوة. هذا الشعور ينقسم بدوره إلى قسمين: شعور بفعالية كفاياته (هل أنا قادر على إنجاز عمل معين؟)، وشعور بقيمة النتيجة (هل الأعمال التي سأقوم بها قادرة على تحقيق النتائج المرجوة؟). فمن خلال تجارب الفرد يمكنه الحكم على فعالية عمله، وعلى مدى قدرة سلوكياته على تحقيق هدف تم تحديده مسبقا.
وقد سعت نظرية الفعالية الذاتية إلى تحقيق المصالحة بين أهداف كل من الأفراد والتنظيمات، كما انخرطت في البحث عن آليات تسيير فعالة لتحفيز الأفراد، من أجل مد الأطر المختصة بتسيير الموارد البشرية بتوجيهات تمكنها من خلق سياقات فعالة قادرة على تغذية الثقة لدى المرؤوسين في قدرتهم وكفاءتهم على إنجاز المهام الموكولة إليهم.
ب- نظرية تقرير المصير Théorie de l'autodétermination:
تعتبر نظرية تقرير المصير لكل من Edward Deci et Richard Ryan من أهم النظريات الحديثة حول التحفيز، لكونها اقتحمت كل ميادين الأنشطة الإنسانية التي يمكن لهذا المفهوم أن يدخل في نطاقها، مرتكزة على رؤية شمولية ومتعددة الأبعاد لتفسيره. وقد استندت في نموذجها التفسيري للعملية التحفيزية على كل من العوامل الداخلية والخارجية، منطلقة من مركزية حاجة تقرير المصير في تحقيق التحفيز الداخلي أو الذاتي لدى الأفراد، لما لها من دور في تمكينهم من خلق انطباع جيد لديهم بقدرتهم على التحكم في سلوكهم، الذي تترجمه اختياراتهم الحرة، ولن يتحقق ذلك حسب هذه النظرية إلا من خلال بيئة عمل مناسبة تشعرهم باستقلاليتهم عبر منحهم هامش من الحرية من أجل تبني خيارات واتخاذ قرارات.
إجمالا، لقد خلصت هذه النظرية إلى أنه كلما كان الشعور بتقرير المصير كبيرا، كلما كان التحفيز قويا، ومن ثم أصبح لزاما على المسيرين، خلق سياقات مناسبة للعمل أو وضعيات قادرة على منح الشعور بالاستقلالية والمسؤولية لدى العاملين، وكذا تحسيسهم بامتلاكهم حرية الاختيار. وذلك من خلال التركيز على ثلاث حاجات سيكولوجية ينبغي إشباعها من أجل المساهمة في تحفيز الأفراد في العمل وتتلخص فيما يلي:
- الاستقلالية: الشعور بالحرية في المبادرة.
- الكفاءة: الشعور بالفعالية في تحقيق الأهداف.
- الانتماء الاجتماعي: الشعور بامتلاك علاقات اجتماعية غنية، وبالانتماء إلى جماعة.
خاتمة
إن تحفيز الموارد البشرية من أحد الإستراتيجيات الحديثة الهامة من أجل تطوير الإنتاج ورفع المردودية لدى العاملين، سواء منها المؤسسات العامة أو المؤسسات الخاصة، حيث تهدف إلى تحقيق نجاحها وتطورها واستمرارها بفضل تحفيز العنصر البشري، مما يؤدي استثماره بفعالية إلى تحسين أداء المؤسسات، ولعل أبرز النظريات الهامة التي فسرت الحافزية والتحفيز هي:نظريات المحتوى و نظريات السيرورة اللتان سنتطرق لهما في دراسة لاحقة.
لائحة المراجع و الهوامش:
[1] Philippe Bernoux , " La sociologie des organisations" , 6ème édition du Seuil , Paris , 2009, p 81.
[2] ارتبط مصنع (Hawthorn) بتجارب الهاوثورن التي قام بها التون مايوElton Mayo لدراسة ظروف العمل مركزا في البداية على الإضاءة وأثر ها على الإنتاجية، ثم توسعت أهدافه بعد ذلك لتشمل أثر التعاون بين المجموعات على الإنتاجية داخل المصنع.
[3] Jean-Michel Plane, "Théorie des organisations", 5 ème édition ,Paris, 2017, p 31.
[4] Alain Meignant, "Ressources humains, Déployer la stratégie", Edition liaisons, SA, Paris, 2000, p 226.
[5] Michaël Aguilar, "L'Art de motiver", 2 ème édition, Dunod, Paris, 2016, P13.
[6] Salvatore Maugeri, " Théories de la motivation au travail" , Edition , Dunod , Paris, 2013, p 12.
[7] P. Roussel," Rémunération , motivation et satisfaction au travail" , Ed Economica, PARIS ,1996 , p173.
[8] Robert Vallerand et Edgar Thill , "introduction à la psychologie de la motivation" ,Editions Etudes Vivantes ,Laval ,1993, p18.
[9] Alain Meignant , op.cit., p 226.
[10] أحمد ماهر (1995) "إدارة الموارد البشرية"، الدار الجامعية للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر، ص 22.
[11] علي السلمي، إدارة الأفراد لرفع الكفاءة الإنتاجية، دار المعارف بمصر، دون تاريخ، ص 346.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241117%2Fob_c449b1_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241117%2Fob_712001_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)