في تلقي خطاب اللسانيات الكلية
قراءة في مشروع محمد الأوراغي
د.طريق زينون*
دراسة محكمة
* أستاذ مبرز بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس.
تتمة
الملخص:
يلاحظ المتأمل في الخطاب اللساني الحديث في المجال التداولي العربي بروز بعض المشاريع العلمية المتميزة في حقل اللسانيات. فلم يعد بعض أقطاب الفكر اللساني العربي وكلاء على تيار لساني بعينه تابع للفكر اللساني الغربي، من قبيل البنيوية أو التوليدية أو الوظيفية، أي لم يعد هاجسه هو إعادة إنتاج مقولات هذا التيار أو ذاك، وإنما أصبح يقدم نفسه صاحب مشروع لساني حديث، يمكنه أن يخلص التفكير اللساني من التبعية، واجترار ما عند الغرب.
وهو مشروع علمي لساني وإبستمولوجي نقدي في الآن نفسه، بُني على عنصرين أساسيين: الأول يكون فيه الباحث عالما متأملا في قضايا اللغة وظواهرها وخصائصها، وباحثا في قوانينها في مختلف فصوصها، والعنصر الثاني يكون الباحث متأملا في طريقة التفكير في اللغة. وبهذا يكون اللساني عالما لغويا ومنتجا لمعرفة منهجية منظمة في الآن نفسه، ليصل إلى إنشاء نظرية لسانية.
ثانيا: عناصر التلقي النقدي للسانيات الكلية:
سعى محمد الأوراغي قبل طرح بديله اللساني إلى فحص الإواليات النظرية للسانيات الكلية، وإلى الوقوف عند أهم المجازفات المعرفية التي سقط فيها الطرح التشومسكي، ورام فحص مدى مطابقة النحو الكلي الذي وضعه تشومسكي لواقع اللغات البشرية، ومنها اللغة العربية، ومن ثم السعي نحو التحقق من مدى الوصول إلى الأهداف المرسومة التي سطرها صاحب اللسانيات الكلية.
ويحق للباحث المتتبع للخطاب اللساني في هذا الصدد أن يسأل عما هي الإواليات والأفكار التأسيسية التي انتقدها محمد الأوراغي في مشروع اللسانيات الكلية؛ من حيث البناء النظري ومنهج المعرفة والمقدمات المعرفية؟
لقد أثبتت الإبستمولوجيا المعاصرة أن العلوم تدخل في أزمات، نتيجة السقوط في مجموعة من المزالق والعوائق النظرية والمنهجية. علاوة على ذلك كشفت أن نظريات العلم قائمة على منطق التجاوز والنقد والتراجع، لتفسح المجال أمام نظريات جديدة تكون قادرة على الإجابة عن الأسئلة التي استعصت في النظريات السابقة، فالمعرفة خصوصا في حقل العلوم الإنسانية، بقدر ما يكثر فيها الخلاف، يحصل فيها التجديد والتهذيب بالنقد والحوار بين المفكرين أيضا.
- عائق التراكم المعرفي في الممارسة اللغوية
لا يتأتى وضع الجديد في نظر محمد الأوراغي إلا بمدارسة النظريات المنقودة التي أبانت عن نقص في كفايتها الوصفية والتفسيرية، من منطلق معرفي إبستمولوجي، ومن مبدأ المعايرة، وهو ما توافر في اللسانيات النسبية. و"بفضل نظرية اللسانيات النسبية تيسرت المقارنة اللسانية لأول مرة في أعلى مستويات الدقة العلمية، وذلك في المجالات الثلاثة؛ أولا بين النظريات اللسانية المتنافسة، وثانيا بين النماذج النحوية المتوقعة، وثالثا بين اللغات البشرية المتداولة. وبهذه المقارنات الثلاث أصبحت المفاضلة النسقية بين لغات الإنسان في المتناول، بعدما كانت من قبل مفاضلة عرقية في صورة لغوية. مفاضلة نسقية علمية تعتمد المعايير الثلاثة: كون النسق محكم البنيان، وعالي القدرة على البيان، وقليل الكلفة لصناعة الكلام أم هو على خلاف ذلك"، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغات: ص 3).
وإن كانت هذه المقارنة أو المعايرة في نظر محمد الأوراغي تصطدم بعائق التراكم المعرفي. فما أنتج في مجال الممارسة اللسانية يصعب على المشتغل الإحاطة به واستيعابه استيعابا دقيقا وجيدا. ومن ثم شكل التراكم المعرفي الذي حصل في مجال دراسة اللغة وجها من وجوه أزمة الخطاب اللساني. "وإذا كان نقد المعرفة أصلا ضروريا لبناء نظرية جديدة داخل حقل معرفي معين فإنه لا يفيد كثيرا من أجل تعطيل الأثر السلبي الذي يتركه التراكم المعرفي. لأنه لا يتأتى استخدام ذلك الأصل في كل الأعمال التي يخلفها تأمل الإنسان في اللغة؛ لعدم إمكان الإحاطة بها، ولأنه ليس كل عمل حول اللغة يسعى إلى إقامة بناء جديد. لذلك نشأت حاجة ملحة إلى منهج المعايرة من شأنه أن يتمثل مختلف الأعمال اللغوية الممكنة"، (الأوراغي، محمد. (2013). الوسائط اللغوية. ج1: ص 43).
ويأخذ التراكم المعرفي المضر بالممارسة العلمية مجموعة من التجليات، يمكن تلخيصها من وجهة نظر محمد الأوراغي صاحب مشروع اللسانيات النسبية في:
- الاهتمام بكل ما قيل في أثناء النظر إلى اللغة الموصوفة؛
- انبعاث التعارض داخل التصورات القائمة حول اللغة نفسها، فيتلقى الباحث أجوبة عديدة؛
- بناء أكثر من نظرية حول موضوع الدراسة الواحد؛
- افتعال شهرة نظرية لغوية في حقبة معينة، واصطناع التفوق العلمي لها وإن كانت لا تناسب موضوع الدراسة، (الأوراغي محمد، المرجع السابق: ص 42).
يكشف هذا الملمح التصوري النقدي أن أي بناء نظري حول اللغة، يجب أن ينزل منزلة المشكوك فيه، وأن تعاد صياغته من جديد أو الثورة عليه؛ خصوصا عندما يصل إلى مرحلة الأزمة، وفق روح علمية نقدية. فوضع بنيان نظري بديل لا يتأتى إلا بالنظر في الأعمال السابقة والوعي بمظاهر قصورها، والانطلاق من مقدماتها وأسسها المعرفية، فنقد المعرفة يظل أصلا مهما للبناء البديل النظري والمنهجي، مع الحرص على التخلص من الأثر السلبي للتراكم المعرفي، (الأوراغي محمد، المرجع السابق: ص 43).
ولا شك أن نقد طرائق اللسانين ومسالكهم في بناء المعرفة اللغوية يتطلب التقيد بضوابط ومعايير ومساطر منهجية. ولهذا يطرح الباحث في هذا الشأن مجموعة من الأسئلة حول طبيعة الموضوع المبحوث فيه، وحول المفاهيم المؤسسة والمنهجية المتبعة والأهداف المرسومة للعلم.
- الموضوع بين اللسانيات الكلية واللسانيات النسبية
من بدائه العلم أن يحدد موضوعه بدقة. ويختلف تحديد موضوع العلم عن تحديد العلم، يقول عبد السلام المسدي في هذا السياق: "ولئن تيسر للعالم أن يعرف الظاهرة التي هي موضوع علمه دون أن يردف إلى ذلك بالضرورة عملية تحديد العلم الذي ينكب على تلك الظاهرة فإن نقد الأسس التي ترتكز عليها المعرفة النوعية الخاصة بعلمه لا يتسنى إلا بالاستناد إلى ضبط خصائص الظاهرة التي يتخذها العلم موضوعا له، معنى ذلك أن حد موضوع العلم قد يستغني عن حد العلم، ولكن حد العلم ذاته لا يكون أبدا في غنى عن حد موضوع العلم"، (المسدي، عبد السلام. (1986). اللسانيات وأسسها المعرفية: ص 24).
تنقسم العلوم في علاقتها بالواقع إلى علوم نظرية لا ترتبط بالواقع، وعلوم تتصل بالواقع، كما يمكن للعلوم أن تتعدد داخل الموضوع الواحد، فمثلا نجد في الحقل اللساني تخصصات وفروعا عدة؛ حسب جهة الاهتمام والمجال المركز عليه. ويرى محمد الأوراغي أن كل الأعمال اللسانية التي نعرفها تدرس الإنساني في بعده اللغوي. ولم تكن اللسانيات أسبق المعارف البشرية التي اتخذت اللغة موضوعا للبحث والنظر، فهي لم تستمد شرعيتها من اكتشاف مادة العلم، وإنما استمدت هويتها وقوتها من طريقة التناول، ومن المنهج المتبع والمقدمات النظرية المنطلق منها أثناء دراسة اللغة.
ولا يخرج مجال الدراسة اللغوية في نظر محمد الأوراغي عن إمكانات ثلاثة:
- أعمال لسانية تدرس النسق الرمزي الذي يتواصل به الإنسان، وتحاول بيان خصائصه الكلية، بغض النظر عن اختلاف اللغات البشرية، فينتج عن ذلك بناء لسانيات كلية؛
- أعمال لسانية تركز على لغة بعينها، وتهدف إلى الوصول إلى خصائصها وسماتها، فنكون أمام لسانيات خاصة؛
- أعمال لسانية تقوم بين الصنفين السابقين؛ أي تهتم باقتناص ما هو مشترك بين بعض اللغات، والتي قد تختلف في خصائص أخرى، ويحتمل ألا توجد في لغات أخرى. وهذا النوع يطلق عليه اللسانيات النسبية.
تنظر إذن اللسانيات الكلية إلى اللغة بوصفها ملكة طبيعية، تحتوي مبادئ لسانية وقواعد نحوية كلية تشترك فيها جميع اللغات البشرية. وهذه المبادئ منسوجة في الدماغ البشري، تتكون المعارف المرتبطة بها في الذهن البشري ومن تلقاء ذاتها. وتبقى الملكة اللغوية وراثية، تنتقل من السلف إلى الخلف. وما يوجد في الملكة اللغوية من مبادئ لسانية وقواعد نحوية لها بعد صوري، وبذلك يستقل العضو الطبيعي المسؤول عنها عن وظيفته. يترتب عن هذا الطرح أنه بإمكان اللساني وصف الملكة اللغوية بعيدا عن وظيفتها. لهذا تتسم اللغة في نظر تشومسكي بالثبات والاستمرار، وبذلك تسري قوانينها على سائر اللغات، ولهذا لجأ إلى مبدإ التعميم؛ لينقل ما يوجد في اللغات التي تتسم بالنضج النسقي والمركزية إلى باقي اللغات، وبهذا يبطل وينكر الفوارق النمطية الموجودة بين اللغات البشرية، (الأوراغي، محمد. (2018)، محاضرات في النظرية والنماذج النحوية: ص 21-28).
في حين يرى محمد الأوراغي أن اللغة ملكة صناعية وضعية بالاختيار الإرادي، وضعت من أجل التواصل والتفاهم بين أفراد الجماعات البشرية، وما كانت لتطبع في عضو ذهني، وهي من موضوعات العلوم الإنسانية، مما يجعل الرؤية اللسانية منحصرة في محيط النص المتفاعل مع العقل البشري. كما أنها لغة كسبية تنتقل من ذهن السلف إلى الخلف بالاكتساب والتلقين، ولا تنتقل بالوراثة كما هو حاصل عند الحيوان، وما ينتقل وراثيا هو مجموعة من الخلايا العصبية التي تسعف الإنسان في التعبير عن الكون الوجودي. وبما أن اللغات وضعية فهي تختلف من قوم إلى آخر، فمن سمات اللغات البشرية القابلية للتغير والاختلاف، (الأوراغي محمد، المرجع السابق: ص 61-63). ولهذا تركز اللسانيات النسبية على تحليل الظواهر الملحوظة، بغرض الكشف عن نسقها الكامن في معطياتها، وعن قوانينها الداخلية، فلم تستسلم لكثير من القرارات العلمية التي دعا إليها أصحاب النحو الكلي. "وكل من صنع نموذجا لسانيا لمعالجة لغة، وهو يتطلع إلى معرفة موضوعات تكون حقلا معرفيا مغايرا لموضوع اللسانيات، فإن مقدمات تفكيره لا يمكن أن تكون لسانية، ولا نتائج بحثه منتمية إلى حقل اللسانيات؛ وهو حال نموذج النحو التوليدي التحويلي"، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية. ص 145).
- مناهج الأصناف اللسانية:
لم تكن اللسانيات العلم الوحيد الذي يختص بدراسة اللغة، ولم تكن علة وجودها اكتشاف مادة جديدة في المعرفة اللسانية، وإنما أخذت هويتها ومشروعيتها العلمية من طريقة التناول والمعالجة، "ولما كانت اللسانيات مدينة بعلة وجودها للمنهج أكثر مما هي مدينة للموضوع فإنه صار متعينا أن يحظى البحث في أسس المنهج اللساني بمنزلة الدعامة الأصولية: تلك التي تمس فلسفة العلم ونقد ثماره، وصار التدوين التاريخي لحركة العلم اللساني قائما على تعقب الصيرورة المنهجية التي تخللت لحمته، وهذا أحد الأبواب التي ينفذ منها الاستكشاف المعرفي الهادف إلى تقييم موضوع العلم ومادته من خلال مناهجه "، (المسدي، عبد السلام. (1986). اللسانيات وأسسها المعرفية.: ص 109).
في هذا الصدد يمكن القول إن منهجية العلوم عامة تتوزع إلى استنباطية واستقرائية. فإذا كانت اللسانيات الكلية تلجأ إلى الاستنباط، للوصول إلى الخصائص المشتركة بين اللغات، مما يفرض عليها الانطلاق من نسق صوري يتألف من عدد من الفرضيات والعمليات المنضبطة بعلاقات، فإن اللسانيات النسبية تؤسس لمعرفتها اللغوية بالجمع بين المنهج الاستقرائي الذي يبغي الوصول إلى تلك الخصائص المشتركة بين لغات بعينها، والمنهج الاستنباطي القياس الذي يمكننا بواسطتها الانتقال إلى عدد آخر من اللغات، ومن ثم لا يمكن طرق منهجيا بعض المسائل والقضايا البعيدة عن موضوع اللغة، فيكون الكلام فيها ضربا من ضروب الفرض والحدس والتخمين.
- مقدمة الانطلاق بين اللسانيات الكلية والنسبية:
يقصد بالمقدمة فرضية الانطلاق التي تكون مؤسسة لصنف من اللسانيات، وهي التي تشكل وجهة النظر حول اللغة. فاللسانيات الكلية تتصور أن اللغة موضوع مجرد يشكله اللساني، فهو من اختراع عقل اللساني يبنيه نظريا ومفهاميا. وكأن اللغة كما يذهب إلى ذلك مولاي أحمد العلوي كيان يتخيله الناظر اللساني ويصنع ملامحه وحدوده ويستدل عليه من قلب النظر اللغوي، (إسماعيلي علوي، حافظ والعناتي، وليد أحمد. (2009). أسئلة اللغة أسئلة اللسانيات: ص 21). وهكذا يمكن تصور اللغة موضوعا رياضيا أو اجتماعيا أو نفسيا أو عصبيا، فموضوع اللسانيات يطبعه التعدد والاختلاف. وفي هذا يقول محمد الأوراغي: إن "موضوع الوصف، لدى الطبعيين وفريق الاصطلاحيين منهم تشومسكي من اللسانيين، وهمي يبنى بناء بالنظرية وليس له وجود مستقل عنها، وإنما يتقوم بها وداخلها؛ فوظيفة النظرية إذن تنحصر في تحديد خصائص عالم من الموضوعات الاصطناعية"، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية. ص 19).
إن اللغة بوصفها تعبيرا عن الفكر لا تنحصر مهمتها في تحقيق التواصل. إنها تعكس الصفات العقلية الخاصة بالكائن البشري. ومن ثم لا توجد وسيلة للكشف عن البنيات الذهنية والصفات العقلية، إلا بدراسة اللغة التي هي بنية خاصة بالكائن البشري، أي "دراسة المبادئ الكلية التي تحكم البنية اللغوية، للبحث عن الكليات المشتركة بين اللغات الإنسانية، هذه الكليات المشتركة هي موضوع النحو الكلي، أو النحو الفلسفي الذي يدرس ماهية اللغات. بعبارة أدق، إن النحو الكلي يدرس الكليات التي تمثل الخصائص العقلية عبر اللغات باعتبارها مرآة للفكر. إن النحو الكلي، في نهاية التحليل، دراسة لبنية الإدراك الإنساني"، (بنكيران، محمد الطيب. (2004). الأصول المعرفية للنظرية التوليدية التحويلية: ص 56).
وبهذا لم يعد موضوع النحو مع اللسانيات الكلية مقتصرا على المتن اللغوي ومنحصرا في النصوص، وتتبع الظواهر القابلة للملاحظة، بل تجاوز المتن إلى دراسة الواقع الذهني الثاوي خلفه، لأن المعطيات أو النصوص ما هي إلا نتيجة، وحصيلة لمعرفة مستدمجة وداخلية هي القدرة اللغوية، و"هكذا نرى أن موضوع النظرية اللسانية في تصور تشومسكي فرضية مؤمثلة، أي أن موضوع النظرية اللسانية تجريد يقربنا من الواقع، على الرغم من أن هذا التجريد افتراض لا يمكن أن يتحقق في الواقع، لأنه لا وجود لمتكلم يفترض أنه يعرف لغته تمام المعرفة، كما أنه لا وجود لمعرفة لغوية تخلو من الأخطاء والعيوب أثناء التطبيق[...]، وهكذا، فموضوع النظرية اللسانية إذن، أمثلة لا وجود لها في الواقع، لكن العلم يفترض هذه الأمثلات ليتجاوز واقعية الحس المشترك"، (بنكيران، محمد الطيب، المرجع السابق: ص 83). ولهذا قالت اللسانيات الكلية بمبدإ المتكلم المثالي المجرد الذي يوجد في جماعة مثالية مجردة ومتجانسة، ويمتلك خصائص كلية ومعرفة ونحوا كليين بموجب استعداده الطبيعي.
بخلاف ذلك ترى اللسانيات النسبية أن موضوع اللسانيات موضوع ثابت، ومتحقق واقعيا، فهو موجود كباقي الموجودات المنتمية إلى العالم الخارجي، فالمتكلم له وجود واقعي محدد في انتمائه لعشيرة لغوية موجودة فعلا. وبهذا تكون النظرية اللسانية وسيلة تسعف الباحث اللساني في معرفة حقيقة هذا الموضوع الواقعي. وفي هذا يقول محمد الأوراغي: "موضوع الوصف في تقدير الكسبيين والمراسيين واقعي؛ تسعى النظرية المقامة إلى الكشف عن خصائصه الذاتية؛ فوظيفة النظرية تبعا لهذا التيار تنحصر في اقتناص المعرفة من مظانها، إذ النظريات عندئذ بمثابة شباك لاقتناص المعرفة"، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية. ص 20).
وينجم عن هذا التصور وجود منظورين للغة، ينظر الأول إلى اللغة بوصفها موضوعا متشكلا يجعل النظرية مؤثرة في حقيقة اللغة، وبهذا يفرض العقل قوانينه على اللغة. فيصعب بذلك إصلاح المنطلقات والمقدمات النظرية، بقدر ما يؤدي إلى تغيير معطيات الموضوع، فالخلل كامن في الموضوع، وليس في النظرية. أما المنظور الثاني فيرى أن اللغة موضوع ثابت ومستقل عن الذات اللسانية الباحثة، ومن ثم يعتقد أن اللغة هي التي تؤثر في المنطلقات النظرية والمنهجية التي ينطلق منها الباحث، (ينظر الأوراغي، محمد. (2013). الوسائط اللغوية. ج1. ص 54-55). فما دامت اللغة في رتبة الوجود القابل للدراسة والتحليل والتأويل، فلا حجر على العقل لكي يعيد النظر في أدواته، ويتحرر من البناء النظري والمنهجي الصارم والمغلق. وفي هذا السياق يذهب أحد الباحثين إلى القول: "إن القواعد في اللغة تعبر ، بلا شك، عن أنماط العلاقات التي يمكن أن توجد في العالم الخارجي... ومن الصعب الادعاء أن الإنسان فرض بنفسه قواعد لغته بشكل تعسفي، لأن ذلك يعني أن الإنسان وضع أولا القواعد ثم راح يطور اللغة، في حين نعرف أن قواعد أي لغة يكتشفها العاملون في دراسة تلك اللغة بعد أن يكون الناطقون بتلك اللغة قد استخدموها لأجيال، أي أن الناس قد استخدموا بشكل تلقائي أنماطا وسلوكا لغويا فيهما أصول وقواعد. وهذه القواعد لا تخرج عن إطار سلوك الأشياء في العالم الخارجي، والتي تعبر عنها اللغة"، (ظاهر، عمر. (2008). تأملات في فلسفة اللغة خصوصية اللغة العربية وإمكاناتها: ص 129).
ويرى محمد الأوراغي أن اللغة ليست نسقا من القواعد المجردة المستقلة عن انتظام المعاني الكلامية، إنها نسق من القواعد المتضافرة دلاليا وتداوليا وصوريا لتركيب المباني القولية في تطابق تام للمعاني الكلامية. ولهذا يصعب وصف اللغة وتفسيرها في استقلال عن وظيفتها، (الأوراغي، محمد. (2018). محاضرات في النظرية اللسانية. ص 65).
إن مع التصور الكلي يصعب على الناظر اللغوي إدخال تغييرات في بنيانه النظري، لأنه يؤثر في اتجاه واحد في الموضوع المدروس. ولهذا سمح لنفسه بإقحام وسائط وفرضيات تسهم في استمراره، فلا يقبل الترقيع النظري. لكن في التصور النسبي هناك تأثير متبادل بين النظرية وموضوعها المدروس، وهذا يرخص بمواصلة ضبط المنطلقات النظرية والمنهجية للبناء النظري النسبي. لأن قوة النظرية تتجلى في مدى قدرتها على مراعاة معطيات العالم اللغوي الخارجي المنظور فيه، فيصعب عليها إنتاج خصائص لا توجد في عذا العالم، فيثبت قصورها وفي هذا دعوة إلى التمحيص والمراجعة والتهذيب في المنطلقات والأسس المعرفية.
بناء على ما سبق يتبين أن اللسانيات النسبية تنطلق من فرضيات، وهي أن اللغة البشرية ملكة وضعية بالاختيار متحققة في الواقع، وتظهر ماهيتها من خلال مبادئ متتالية هي: المبدأ الدلالي والمبدأ التداولي والمبدأ الوضعي، والمبدأ الصوري. ويرى محمد الأوراغي أن اللسانيات الكلية أهملت كلا من المبدأ التداولي، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغات. 29-30).
إن اللسانيات النسبية بوصفها منهجية علمية للنظر في اللغات البشرية والمقارنة بينها، أتاح لها التوصل إلى أن القواعد المستنبطة منها تصح في لغات، ولا تصح في لغات أخرى. وبهذا فهي تقول بمبدإ التنميط بدلا من مبدإ التعميم الذي قالت به اللسانيات الكلية. هذا المبدأ الذي يفيد أن ما يصح في اللغات الراقية يصبح صالحا في باقي اللغات. فانطلاق اللسانيات الكلية من فرضية العمل الطبعية أفضى إلى القول إن مبادئ النحو واحدة، وأن قواعده مشتركة بين جميع اللغات البشرية.
لقد نقلت اللسانيات النسبية موضوع علم اللغة من النحو الكلي الذي تنطبق قواعده على جميع اللغات إلى النحو النمطي ذي القواعد النوعية والنمطية. وقد قادت عملية المقارنة بين اللغات في اللسانيات النسبية إلى القول بالوسائط اللغوية؛ فإذا كنت بعض اللغات في الفص التركيبي مثلا تختار وسيط العلامة، فإن لغات أخرى تختار وسيط الرتبة، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغات. ص 31-32).
فكانت بذلك؛ النمطية وسيلة ومبدأ لتأكيد الاختلاف بين اللغات البشرية، وإن كان هذا لا يعني عدم وجود ائتلاف بين اللغات البشرية في عدد من الأوجه. ويرى محمد الأوراغي أن "إثارة الاختلاف النمطي لا يترتب عليه عدم ائتلاف اللغات من كل وجه، لأنه يكفي أن نعتبر الطبيعة الرمزية للغة لنتبين أن كل اللغات، مهما اختلفت بنيتها النمطية، فهي عالم رمزي يعكس بصدق انتظام الأشياء في عالم تصوري مطابق لعالم واقعي. واللغات، من جهة ما تعكس، يجب أن تتوحد ولا تختلف. فهي واحدة من جهة المعبر عنه، ونمطية من جهة العبارة"، (الأوراغي، محمد، نظرية اللسانيات النسبية. (2010). ص 196).
الخاتمة:
لقد حاولنا من خلال هذه المقالة أن نبرز طبيعة التلقي للسانيات الكلية، كما تجلت عند محمد الأوراغي الذي نادى بتأسيس لسانيات نسبية، تتجاوز اللسانيات الخاصة التي تجلت في النظر السيبويهي، الذي لم يسلم من قصور المنهج الاستقرائي والمعرفة المراسية، فلم تنتج عنه معرفة لسانية نسقية. لهذا كان لزاما على الباحث أن يجترح آلة منهجية جديدة تواتي مناهج التفكير العلمي الحديث، وتكون قادرة في الوقت نفسه على استيعاب الإيجابي في التراث. ولا يتأتى هذا في نظر محمد الأوراغي باستيراد نظرية لسانية غربية جاهزة كاللسانيات الكلية، وتطبيقها على اللغة العربية، فقد يؤدي هذا الصنيع إلى مجموعة من المجازفات المعرفية والمنهجية، وإن كانت تلك النظرية تولد معرفة لسانية يقينية ونسقية. فقد أثبت البحث اللغوي انطلاق هذه اللسانيات من مقدمات وفرضيات لا تصدق على اللغة العربية، وهو ما يدعو إلى تجاوز القول بأن اللغة ملكة طبعية، وإعمال مبدإ التعميم الجزافي على جميع اللغات، ومن ثم تعدية خصائص لغة إلى لغات أخرى، بناء على منهج استنباطي. كل هذا دفع محمد الأوراغي إلى بناء نظرية لسانية نسبية تقول بفرضية العمل الكسبية، وأن اللغة البشرية ملكة وضعية تنتقل بالاكتساب، وتتسم بخصائص نمطية، وتتأسس نظريته النسبية ورؤيته للغة على الجمع بين الاستقراء والاستنباط، والقول بمبدإ التنميط. والانطلاق من مسلمة تؤكد أن البحث اللغوي لا ينتج معرفة مطلقة ما دام معرفة إنسانية تخضع للاجتهاد ولتصورات نظرية. وبدعوته إلى المقاربة اللسانية النسبية، يكون متجاوزا حال التلقي الاستهلاكي المحض، وإسقاط الكليات اللسانية على جسد اللغة العربية وعلى الثقافة العربية، وفي الوقت نفسه منتقدا حال الجمود المعرفي الذي يسدل على التراث اللغوي العربي ستائر القداسة المطلقة.
المصادر والمراجع:
- إسكندر، يوسف وآل صونيت، مؤيد. (2019). لسانيات تشومسكي مراجعة نقدية في الأسس المعرفية. الطبعة الأولى. سلسلة دراسات لسانية. دار دجلة للتأليف والنشر والترجمة، بيروت لبنان.
- إسماعيلي علوي، حافظ والعناتي، وليد أحمد. (2009). أسئلة اللغة أسئلة اللسانيات. الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت.
- الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية دواعي النشأة. الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط ومشورات الاختلاف، الجزائر والدار العربية ناشرون، بيروت.
- الأوراغي، محمد. (2013). الوسائط اللغوية أفول اللسانيات الكلية. الجزء الأول. الطبعة الثانية. دار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر ومنشورات ضفاف، بيروت.
- الأوراغي، محمد.(2018).محاضرات في النظرية اللسانية والنماذج النحوية. الطبعة الأولى. منشورات ضفاف، بيروت ودار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر.
- الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللغة واللسانيات. الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط.
- بنكيران، محمد الطيب. (2004). الأصول المعرفية للنظرية التوليدية التحويلية. أطروحة لنيل درجة دكتوراه الدولة في اللسانيات. إشراف الدكتور محمد سبيلا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، الرباط.
- صلاح رشيد، هدى. تأصيل النظريات اللسانية الحديثة في التراث اللغوي عند العرب. (2015). الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر ومنشورات ضفاف، الرياض.
- غلفان، مصطفى. (2013). اللسانيات العربية أسئلة المنهج. الطبعة الأولى. دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، الأردن.
- ظاهر، عمر.(2008). تأملات في فلسفة اللغة خصوصية اللغة العربية وإمكاناتها. الطبعة الأولى. دارالرافدين للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت لبنان.
- المسدي، عبد السلام. (1986). اللسانيات وأسسها المعرفية. الطبعة الأولى. الدار التونسية للنشر، تونس والمؤسسة الوطنية للكتا، الجزائر.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241108%2Fob_51eee8_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241108%2Fob_7e2e3a_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)