تعليم اللغة العربية من الكفاية اللغوية إلى الكفاية النصية
1-د.طريق زينون TARIK ZINOUN
2-دة. غزلان شهبونGHIZLANE CHAHBOUN
دراسة محكمة
تتمة
4- في الكفاية النصية:
تعد الكفاية مكتسبا ذاتيا غير مرئي، ولا يمكن ملاحظتها إلا بعد القيام بسلسلة من الإنجازات في تخصص معرفي معين. فالكفاية تبرز ملامحها عند الإنجاز، ولا تتحقق دفعة واحدة، بل تتطلب إنجاز مجموعة من المقاطع المعرفية والوحدات الدراسية والمضمونية. ومن ثم فهي تستدعي أن تبقى استعدادات المتعلم وقدراته ومهاراته مهيأة ومنفتحة على العمل والتواصل والبناء. ولهذا فالكفاية نتاج وثمرة سلسلة من الحلقات التعليمية التعلمية، وحصيلة معرفية وأدائية لمجموعة من المكتسبات المترابطة فيما بينها، فالكفاية في الحقل التربوي تقترن بالفعل والإنجاز وحسن التصرف وبوضعيات تعليمية تعلمية، وتتميز بمجموعة من الخصائص (ينظر عبد الرحيم الواثق العلوي، تقويم الكفايات اللغوية واستراتيجية تعليم وتعلم اللغة: ص 38-39). أما الكفاية في الخطاب اللساني فهي قدرة المتكلم على إنتاج التراكيب والجمل، وفهم أبعادها، أثناء التحدث بهذه اللغة والتواصل بها، بما في ذلك الجمل التي لم يسبق له سماعها، فهي عند تشومسكي المعرفة الضمنية للغة، وهي ذات إطار ذاتي خاص بمتكلم اللغة. إنها ملكة لغوية لا شعورية، تعزى إلى منطقة اللاوعي عند الإنسان، وتقابل الاستعمال أو الإنجاز الذي هو انعكاس أثناء التكلم للكفاية اللغوية، والذي يبقى عرضة للتغيير حسب المستوى المعرفي لكل فرد واستعداداته (ينظر عبد القادر عبد الجليل، علم اللسانيات الحديثة: ص 266-268). ومن خلال الإنجاز والأداء يمكن تقويم الكفايات والحكم على درجة تحققها ومدى تمكن المتعلم منها، ففي نظري لا يمكن الفصل بين الكفاية والأداء، ولهذا يمكن التأكيد على أن الكفاية هي القدرة على تملك ضوابط اللغة وأنظمتها، والتصرف فيها، بما يمليه قصد المتكلم وحوافز التكلم.
كما سبقت الإشارة، يبدو أن لسانيات اللغة أو الجملة تراجعت هيمنتها، وفقدت بريقها، لتفسح المجال أمام لسانيات النص والكلام للنظر في اللغة واستعمالاتها المختلفة. ومنه؛ تركز اهتمام أصحاب لسانيات النص على النظر في الكفاية التواصلية، وما يربط النصوص المنتجة بسياقها الاجتماعي والثقافي. وهكذا أصبحت المقاربة التواصلية تنظر إلى اللغة الطبيعية بوصفها نظاما يرتبط بظروف القول إنتاجا وتفاعلا وتأثيرا وفهما وتأويلا. ولعل استعمال الألسن يخضع إلى مجموعة من القوانين التي تحقق الكفاية النصية. فهناك قانون الخلفيات المشتركة ومنظومة الاعتقادات، وقانون السيرورة التعاونية الذي يعين على تحقيق الأغراض، وهناك قانون تصميم الخطاب للمخاطب، فلا يمكن التحدث عبثا وبدون ضوابط، علاوة على قانون تنسيق المعنى (ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، ص 84-85). هذا المعنى الذي يقتضي إخراجه وفق قوانين تأليف الكلام وتنظيمه. فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال جودة السبك والصياغة والنظم. "ولما كانت دراسة اللغة المستعملة هدفا للتعليم والتعلم، وأداة للتعبير عن الخطاب الاجتماعي، احتاجت اللسانيات التطبيقية إلى تحليل الخطاب وآلياته النقدية، ودوره التطبيقي والحيوي في خدمة اللغة وتحليل استعمالاتها وممارساتها الاجتماعية" ( أحمد كروم، اللسانيات التطبيقية، ص 136). وتسهم عملية تحليل استعمال اللغة في بيان مواقع المفردات والتراكيب والكشف عن القرائن والعلاقات اللغوية والمعنوية القائمة بينها، وهو ما يجعل المتلقي مدركا لمعانيها ودلالتها، ولن يتحقق كل هذا إلا بانضباط النصوص وتقيدها بنظم وقواعد اللغة العربية. وإذا كانت العلاقة بين مستويات اللغة وطيدة ومتكاملة، فإن العلاقة بين النظم النحوية والدلالة علاقة تلازم وارتباط، فلا نحو بغير معنى، (أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة، ص 116).
ومعلوم أن المعنى قد يختل وتضطرب صورته نتيجة النظم السقيم، فتفسد ملامحه إذا لم يحصل هناك تناسق بين اللفظ والمعنى. يقول الجرجاني في هذا المقام: "إن الألفاظ إذ كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس، وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق... وأنك تتوخى الترتيب في المعاني، وتعمل الفكر هناك، فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها، وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم المعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق"، (عبد القاهر الجرجاني، كتاب دلائل الإعجاز: ص 53). علاوة على هذا؛ فــ"إن استعمال اللسان وبناء المعنى ليس عملا يقوم به المتكلم فحسب، بل هو صنيعة المشاركين في عملية التواصل، فكما يصمم المتكلم قولاته بناء على مخاطب بعينه، فإن المخاطب يساهم، ولو جزئيا، في تركيب المعنى بناء على وضع افتراضات واختبارها، والقيام بعمليات استدلال ذهنية لتركيب المعنى"، (ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، ص 85). وهذا التصور يربط ربطا بينا بين صورة الكلام والمعنى، يقول عبد الرحمان طعمة: "وتصورنا للمعنى، من المنظور الوظيفي، هو أن اللغة ذات مستويات ثلاثة: المستوى النحوي، والمستوى الدلالي، والمستوى الكلامي، الذي يتفاعل فيه المستويان الأولان في عملية التواصل اللغوي، وفي ظل المستويين الثاني والثالث يتم الانفتاح على الواقع بمعطياته، وهو الخارج عن المدى اللغوي وظروفه، ليتمكن المتكلم من استيعاب اختيارات تعبيرية لا يستطيع التعبير عنها فيما لو اقتصر في استعماله على القواعد النموذجية للغته".( عبد الرحمان طعمة، اللغة والمعنى والتواصل، النموذج العرفاني وأبعاده التداولية: ص 12-13).
إن الكفاية النصية في جوهرها قدرة فهم وإنتاج، وسبك العبارة دون إهدار للترابط النحوي والدلالي، أو إهمال تلازم اللفظ والمعنى. وهو ما يتيح للمتكلم اختيار بدائل اتصالية عديدة، بحيث تسهم الكفاية النصية في صياغة أكبر قدر من المعلومات بجهد أقل، واستعمال مختلف الأشكال التعبيرية وفق قوانين استعمال اللسان. (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ص 299). ولعل الاقتصاد في الكلام من القضايا التي تنبه إليها النحاة العرب، فقد لاحظوا أن معظم كلام العرب قائم على الاختصار والإيجاز، واستعمال أقل عدد من الألفاظ للتعبير عن معان كثيرة. وفي هذه الحال تبرز قيمة التماسك الدلالي، ولهذا لا يمكن عزل مستويات النشاط اللغوي عن النظام اللغوي، فمن غير المعقول أن يكون الأداء اللغوي صحيحا، مع التفريط في صحة واستقامة المستويات اللغوية الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية والتداولية. "ومن هنا لا بد في تحليل أي مستوى من مستويات هذا النشاط أن يوضع في الاعتبار نتائج تحليل المستويات الأخرى، وبذلك يتضح أن تلاحم مستويات النشاط اللغوي ينبغي أن يقابل بتضافر العلوم المتوفرة على دراسة هذا النشاط، وليس من شك في أن محاولة تحقيق هذه الغاية أمر بالغ الصعوبة؛ إذ يتطلب قدرة على النظر الشامل، ويستلزم دقة في تلمس العلاقات المتشابكة، ويحتاج إلى بصر بأساليب تشكيل الظواهر المشتركة". (أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة، ص: 115-116).
ولا شك أن تحليل هذه المستويات وتتبعها داخل النصوص، سيكشف عن الشروط المقامية والتداولية التي كانت وراء إنتاج الكلام، وفهمه بوصفه فعلا يرتبط بقصد المتكلم، فوراء استعمال الكلام وإنتاجه "شبكة التحدث التي تستعمل في اكتشاف التصنيف الثقافي المحلي أو النسبي للوحدات التواصلية في الخطاب". ( أحمد كروم، اللسانيات التطبيقية، ص 139). إن القارئ لنص من النصوص يجب أن يتسلح ويتوسل بعدة تحليلية تسعفه في عمليات القراءة والتحليل، ولهذه الغاية "أدرك الباحثون دور التحليل النقدي في تنمية التعبير وتفعيل مهارة المحادثة، فاقترحوا بدلا من قراءة نصوص جامدة، قراءة نصوص تنمي التفكير النقدي لدى المتعلمين، وتثير الأسئلة الاستنتاجية في فصول القراءة"، (أحمد كروم: المرجع السابق: ص 144). ولعل هذا الفعل التعليمي هو ما يسهم في اكتساب كفاية تحليل النصوص وبنائها، وتنمية مهارات القراءة النقدية المتفاعلة.
إن الكفاية النصية تتحدد من خلال استخدام جملة من الوسائل والإجراءات المتعلقة بالسبك التي أشار إليها دي بوجراند، من قبيل التكرار والإضمار والحذف والإبدال الذي يشير في حقيقته إضافة إلى استعمال الضمائر وأدوات الربط إلى العلاقات المفهومية التي تكون بين أجزاء النص وفقراته، (أحمد كروم، اللسانيات التطبيقية: ص299-301). ويشير في المقام نفسه إلى أن "اعتماد هذه الوسائل على السياق يأتي عن هذه القائمة من الفوائد. والناس بحاجة عند أية لحظة معينة أثناء إنتاج النص وفهمه إلى قرائن تعين على تحديد البدائل المحتملة من بين الحالات الممكنة لدى الاستمرار في الأداء"، (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ص 302). وهذا يوضح أن استعمال اللغة يتيح تنوعات كلامية على مستوى التخاطب. وقد اعتنت المدونة النحوية كثيرا بهذا المستوى، يقول سيبويه: "اعلم أنهم مما يحذفون من الكلم وإن كان أصله في الكلام غير ذلك، ويحذفون ويعوضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء الذي أصله في كلامهم أن يستعمل حتى يصير ساقطا". (أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبيويه، الكتاب، تصنيف منهجي وتحقيق علمي محمد كاظم البكاء، ج1، ص 34).
إن هذا الكلام يوحي أن الكفاية النصية تجعل المتعلم ينتبه إلى عوارض الكلام وإلى الخصائص التعبيرية للغة، وأن يمتد نظره إلى ما وراء التراكيب، مستحضرا كل القرائن اللفظية والمعنوية التي تعينه على تبين الجمل والتراكيب، كقرينة الإسناد والرتبة والمطابقة والربط والتضام كما وضح ذلك تمام حسان. والوقوف عند هذه العوارض يكشف أن حيوية اللغة وحركيتها تقتضي أن تحلل من وجهة نظر نصية؛ لأن استعمال اللغة يضفي على الكلمات إضافة إلى دلالاتها المعجمية دلالات جديدة تعرف من سياقها الذي وردت فيه، ومن ثم التمييز بين مستوى اللغة ومستوى الكلام أو النص، كما تفيدنا في تذوق النصوص الأدبية وإثراء التجربة الجمالية. ويبقى أهم دور تحققه الكفاية النصية تعليم اللغة العربية.
إن الكفاية النصية تمنح المتكلم حرية وطاقة تعبيرية أكبر لتوظيف قوانين القدرة اللغوية في المهارات الأدائية. وهو ما يجعل النظام اللغوي يتيح وسائل لغوية وتواصلية تعيد تشكيل البنية الأصلية والعميقة للكلام. ولبناء الكفاية النصية لا بد من الانتباه إلى كل هذه التحولات والعوارض الكلامية التي تطرأ على النمط الأصلي المعياري. وهو ما يظهر أن "كثرة البنى المتحولة بالمقايسة مع أصولها، تبعا لتمثيلها للمعاني المتكوثرة في التفاعل البشري المتنامي يوما بعد آخر، مما يفضي باللغة إلى توسيع أنظمتها الاستعمالية"، (نجم عبد الواحد حسين الجيزاني، العدول التركيبي في النحو العربي، دراسة تحليلية في ضوء المنهج التداولي، ص: 31 ). ومن ثم فالتراكيب اللغوية ترتبط أشد الارتباط بمقاصد المتكلمين الذين هم بلا شك، يعيشون في وسط اجتماعي ولغوي منفتح على التغيرات والتحولات الحضارية والثقافية. و"لا شك في تنوع أغراض التراكيب النحوية بتنوع أنساقها النمطية والعدولية، وخضوع تلك الأنساق لمواضعات النظام اللغوي وسنن مستعمليه التواصلية، وليس للمتكلم إلا أن يستثمر وسائل النظام وتقنياته لإنجاح مقاصده الكلامية" (نجم عبد الواحد حسين الجيزاني: ص31).
إن انتماء المتكلم إلى فضاء حضاري وثقافي يؤثر بقوة في كلامه الذي يتضمن قيما وتمثلات، لا شك تنعكس في ممارساته النصية والخطابية. كل هذا يدفعنا إلى القول إن الكفاية النصية تتجلى من خلال قدرة مستعمل اللغة على الإنتاج الشفهي والكتابي الذي يجب أن يخضع لأنظمة اللغة ويناسب المقاصد والأغراض والمواقف الحافزة على هذا الإنتاج. ولهذا من المفروض على المتكلم أن يراعي في كلامه مبدأ الصحة والسلامة النحوي، وأن يخرج كلامه وفق ما تمليه الظروف المحيطة باستعماله للغة. ومن هنا فالكفاية النصية تتضمن المعرفة النحوية ومعرفة المناسبة الاجتماعية المحيطة باستعمال اللغة.
5- الكفاية النصية والمهارات اللغوية
تجب الإشارة إلى أن التعليم الذي يهدف إلى إيصال المعلومات والمعارف والقواعد هو تعليم لا يراعي الطبيعة الإنسانية التي تسأم الحشد والإغراق في التقعيد والتعقيد. وهو ما يستدعي التفكير في ما يمكن أن يمنح العقل البشري حرية أكبر للتفاعل مع المحيط الاجتماعي والثقافي والتواصل معه. ولهذا كان من الضروري خلال عملية التعليم تطوير الممارسة التربوية؛ بمراعاة الخصائص الذهنية والثقافية والاجتماعية للمتعلم، وتهذيب المحتوى التعليمي بما يحقق الكفاية التواصلية والنصية، وبمراعاة المعرفة المشتركة القائمة بين أطراف التواصل التي تفسح المجال لاستيعاب الأشياء في سياقاتها وإطاراتها المركبة؛ خصوصا في أثناء تدريس المهارات اللغوية وبناء الكفاية النصية التواصلية. إن التعامل مع النص في مجال الممارسة التربوية يجب أن يفضي إلى تنمية القدرة على التواصل لدى المتعلم.
وإذا كانت الكفاية اللغوية كما تصورها تشومسكي تعني القدرة على إنتاج عدد لا متناه من الجمل التي لم يسبق للمتكلم أن سمعها من قبل ومن ثم الحكم عليها، فإن الكفاية النصية هي قدرة وظيفية تواصلية، تشمل كفاية الفهم والإفهام وعمليات التلقي والإنتاج. ولهذا يجب أن ينحو تعليم اللغة العربية نحو "غرس الكفاية اللغوية التواصلية، بما يتيح استضمار الكفاية النحوية وإسقاطاتها اللغوية الفعلية من جهة، والإحاطة بسياقاتها المناسبة وظروفها التي تقتضيها من جهة ثانية، باعتبار أن الوحدة الأساسية في تعليم اللغة إنما هي الخطاب لا الجملة بمفهومها النحوي المجرد". ([1] نواري سعودي أبو زيد، اللغة وبناء الإنسان دراسات في اللسانيات التطبيقية (حقل التعليميات): ص 92).
وانسجاما مع هذا التصور، فإن بناء أو إكساب الكفاية النصية يقوم في أوله على ممارسة النسق اللغوي وربطه بالتواصل الشفهي، ليتعلم الطفل مهارات لغوية وحياتية في المدرسة؛ يتعلم كيف يسمع، كيف يعيد، كيف يجيب، كيف يلاحظ ويعبر ويعلق ويحاور... وهذا ما يجعل المتعلم أكثر حيوية مما يريد أن يكون عليه، تتحكم فيه حركية اللغة، ومدى قدرتها على احتواء واقعه بالكلمات. ولهذا، "عندما نتواصل بواسطة استعمال اللغة فإننا نقوم في الواقع بشرح ما هو غير لغوي من أفكارنا ومشاعرنا أو معتقداتنا أو رغباتنا، وعندما نتواصل نريد في الحقيقة أن نجعل أفكارنا علانية مشتركة قابلة للتقييم وقابلة أن تكون مؤثرة في من حولنا، فعندما نتواصل نعبر أيضا عن حاجاتنا المتعددة، وعندما نتواصل نضع المقدمات الطبيعية للأعمال التي نراها مهمة، إذ بدون لغة لا يمكن أن يكون هناك عمل، فالإنسان وهو يتحدث عن أفعال فإنه أيضا يبني أفعالا". (عبد السلام عشير، الكفايات التواصلية، اللغة وتقنيات التعبير والتواصل: ص 29).
هذا الأمر يحفز المشتغل في حقل تعليم اللغة العربية إلى العناية بتنمية القدرة التواصلية، في سيرورة تعليمية، تراعي وتدمج ما هو لساني وما هو تواصلي وما هو ثقافي، لبناء الكفاية النصية التي هي ثمرة لتكامل وتفاعل المعطيات اللسانية والتواصلية، وهو ما يفرض إيلاء أهمية كبرى للانغماس اللغوي بوصفه ممارسة تربوية كفيلة ببناء الكفاية النصية. فالبيئة التي يشتغل فيها المتعلم تؤدي دورا مهما في تعلم اللغة، "حيث إن البيئة الطبيعية للغة تكون ذات أهمية إضافية حينما يكون تركيز المتكلم على التواصل اللغوي لا على اللغة نفسها. ففي الحديث بين شخصين تكون المحادثة طبيعية، وكذلك ينساب تبادل الألفاظ بشكل طبيعي. إن المشاركين في تبادل الحديث يهتمون بتبادل المعلومات والأفكار، وفي الوقت نفسه يستعملون أبنية اللغة، ويحدث ذلك علميا دون وعي أو إدراك لبناء الجمل الذي يستعملونه"،(خالد حسين أبو عمشة، نظريات اكتساب اللغة الثانية في الفكر اللغوي العربي وتطبيقاتها المعاصرة: ص 67). وهذا يفسر أن كلا من المقاطع الصوتية والتعبيرية والتراكيب دالة على المعاني والمقاصد التي يهدف إليها المتكلم، وأن هذه المعاني لا يمكن إدراكها سواء من المتكلم أو المتلقي إلا بالاعتماد على الأنساق التي يمتلكها كل واحد ضمن مجموعته اللسانية. ومن ثم لا يمكن فهم نص إلا إذا كان موافقا للنظام اللغوي الذي يكون مشتركا بين أبناء المجموعة اللسانية الواحدة.
ولذلك لا بد من الوعي أثناء بناء الكفاية النصية أن يعي المعلم أن اللغة نظام تشتمل على مستويين اثنين يتكاملان؛ المستوى الموضوعي للغة الذي يتجلى في المستويات اللسانية، والمستوى الوظيفي للغة الذي يمثل مهارات اللغة الأربع: الاستماع والمحادثة والقراءة والكتابة (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص71). إن المستوى الأول يعد دخلا للمستوى الثاني. وتعد مهارة الاستماع أهم مهارة في المستوى الوظيفي، لهذا؛ يظل الاستماع والاستيعاب عملية تفاعلية، تقتضي تجنب كل ظروف التشويش في عملية الاستقبال، من مثل التكثيف اللغوي والمعرفي في النص أو الاختصار الذي يؤدي إلى الإخلال بالمعنى (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص 91). ويلزم عن هذا ضرورة الإحاطة بالنص من حيث هو متواليات من الجمل والتراكيب، تسهم فيه الظواهر اللغوية والتواصلية في تناميه وبنائه، ولهذا يجب مراعاة مبدإ التدرج في التسميع والسرد وإعادة الإنتاج.
ويبقى "من المهم في تدريس مهارة الاستماع الاهتمام بالمهام الكبيرة والصغيرة، أو الانتقال من العام إلى الخاص، وينبغي التنبه إلى أنواع الاستماع، وممارساته، كالاستماع الترجيعي، والاستماع المركز على مهمة (كلمات، أدوات الربط، فهم من الداخل إلى الخارج)، واستماع الاستجابة، واستماع الوصول إلى معلومة (البحث عن معلومة: أسماء، تواريخ، أحداث، مواقع، أفكار رئيسة، والاستماع الموسع (من الخارج إلى الداخل)، والاستماع التفاعلي (يشمل كل السابق)" (عن (خالد حسين أبو عمشة، ص: 91).
كما يجب الحرص على الإفادة في الكلام ونفعية الخطاب، فالنص لا يكون واضحا إلا إذا كان مبينا، وأفاد فائدة تامة يحسن السكوت عليها، ولا شك أن الإفادة تتحقق بإضافة معان ومعارف جديدة إلى المتلقي. وفي أثناء الاستماع يجب تفادي كل ما يفضي إلى اللبس، فأمن اللبس غاية لا يمكن التفريط فيها، واللغة الملبسة لا تصلح وسيلة للإفهام والفهم. ويبقى استحضار السياق عاملا حاسما في البناء وفي إيضاح الدلالة، وهو ضابط مهم حتى لا يهيم المتلقي في التأويل، ومن ثم البعد عن المقاصد والأغراض المتضمنة فيه. ولهذا يجب أن يعيي منشئ الكلام أن استعمال النسق اللغوي لا بد أن يتقيد بالظروف.
وفي أثناء تدريس القراءة ينبغي الاهتمام بمجموعة من القضايا، كإعطاء أهمية للطلاقة والتذوق الجمالي للنصوص القرائية، والاهتمام بالذخيرة المعجمية ودور الثقافة في القراءة باعتبار النصوص وسيلة من وسائل تمثيل الأنشطة الإنسانية، والتنويع في النصوص القرائية فهي وضعيات حوارية، لها قيمة في التواصل الإنساني (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص92-93). وهذا التنويع يجعل المتلقي يتفاعل مع نصوص غنية من حيث الأداء اللغوي والتعبيري والأسلوبي، مما يكسبه نفسا أدبيا وفكريا. ولن يتحقق هذه الملكة إلا باختيار النصوص الأجود لفظا، والأعمق فكرا وثقافة، وأقواها صورة وأسلوبا وصياغة. كل هذا يجعل النص القرائي درسا محوريا لتنمية المهارات والمعارف اللغوية.
وبالنسبة للتحدث تجب العناية بمستوى الطلاقة والدقة والسلامة اللغوية، والحفز على توظيف اللغة في سياقات ووضعيات تواصلية مختلفة، مع العناية بالتصحيح اللغوي، والربط بين مهارات الاستماع والتحدث، ومن العناصر المساعدة على حسن التحدث اختيار الطبقة الملائمة للكلام واحترام صفات الأصوات والعناية بجرسها وضبط توزيع زمن التكلم المتفق مع نظام اللغة وقوانين الكلام والاتصال. ولا شك أن هذه العناصر تسعف في توصيل الأفكار والتأثير في المتلقي.
أما مهارة الكتابة فتتحقق من خلال استثمار ما تحصل في باقي المهارات اللغوية، مع إدراك أنماط الكتابة، والأخذ بالحسبان الأبعاد الثقافية، ومحاكاة النماذج الكتابية والإبداعية الجيدة والسامية، وتطبيق استراتيجيات الكتابة في مراحل الكتابة من تخطيط وإنجاز وتقويم (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص 95-96). ولا شك أن هذا سيسهم في تحقيق التواصل بين المتكلم والمتلقي، الذي يبقى متوقفا على تحقيق صحة الكلام في جميع مستوياته، وهذه الصحة تنمو بتدرج، لهذا يجب أولا الاستئناس بكتابة النصوص العادية، إلى أن نصل بالمتعلم إلى إبداع نصوص أدبية، وهنا تتحقق ملكة الذوق الرفيع التي تبنى على التمرس بالأساليب الأدبية المتنوعة.
الخاتمة:
لقد استهدف هذا البحث بيان قيمة اللسانيات النصية، ودورها في تناول مجموعة من القضايا التي تتصل باستعمال اللغة في الواقع الاجتماعي. وقد كانت طرحا لسانيا ثار في وجه الدراسات اللسانية التي تجعل من اللغة نظاما افتراضيا، ومنظومة مجردة من الاستعمال، فلم تقف اللسانيات النصية عند العلامات الإعرابية أو الوظائف النحوية، وإنما اتجهت نحو دراسة معالم النص اللغوية والدلالية، فبحثت في قضايا الترابط النحوي والترابط المعنوي، وما يحقق للنص تماسكه واتساقة، واستخلصت جملة من المعايير والتقنيات التي يمكن اعتمادها لإدراك البنية الكلية لأي نص وتحليله، فقضت بأن قراءة والنص وتحليله ينهضان على تفكيك وحداته ومتوالياته التركيبية ووصفها وصفا شكليا، لكن دون التفريط في عناصر الربط الدلالي والمعرفي بين هذه المتواليات والجمل؛ لأن النص في جوهره لا يفهم ولا يبنى إلا في تفاعله اللفظي والتواصلي المرتبط بالنظام المعرفي الاجتماعي. والأخذ بهذه الجوانب والأبعاد بلا شك سيؤدي إلى تنمية الكفاية النصية التي هي قدرة إنتاج وتلق وفهم لظواهر تتجاوز حدود الجملة، وتنبني هذه الكفاية على وعي المتلقي للنصوص بالظواهر والمستويات اللغوية والموضوعية الكامنة فيها، وهو ما يفرض استحضار عناصر تركيبية ودلالية وتداولية في أثناء تدريس المهارات اللغوية. ويبقى هذا رهينا بالانفتاح على حقل اللسانيات التطبيقية الذي قدم واقترح جملة من الحلول والأجوبة على المشكلات التي يطرحها تعليم اللغات، واللغة العربية على وجه الخصوص.
المصادر والمراجع:
- أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه، الكتاب، تصنيف منهجي وتحقيق علمي محمد كاظم البكاء، دار الرسالة العالمية دمشق، ط2، 2018.
- أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة، الناشر مكتبة الثقافة الدينية القاهرة، ط1، 2008.
- ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، قراءة تأصيلية في المفاهيم والسيرورات التأويلية، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2018.
- خالد حسين أبو عمشة، نظريات اكتساب اللغة الثانية في الفكر اللغوي العربي وتطبيقاتها المعاصرة، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2018.
- رشيدة العلوي كمال، النحو التوليدي بعض الأسس النظرية والمنهجية، منشورات ضفاف بيروت ودار الأمان الرباط ومنشورات الاختلاف الجزائر، ط1، 2014.
- روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة تمام حسان، عالم الكتب القاهرة، ط2، 2007.
- عبد الرحمان طعمة، اللغة والمعنى والتواصل، النموذج العرفاني وأبعاده التداولية، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2020.
- عبد الرحيم الواثق العلوي، تقويم الكفايات اللغوية واستراتيجية تعليم وتعلم اللغة، دار أبي رقراق للطباعة والنشر الرباط، ط1، 2017.
- عبد السلام عشير، الكفايات التواصلية، اللغة وتقنيات التعبير والتواصل، منشورات top edition، ط1، 2007.
- عبد القادر عبد الجليل، علم اللسانيات الحديثة، دار صفاء للنشر والتوزيع عمان، ط 1، 2002.
- عبد القاهر الجرجاني، كتاب دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر، الناشر مكتبة الخانجي القاهرة، ط5، 2004.
- فوزي حسن الشايب، سوسير أبو اللسانيات، الخلفيات والأفكار، عالم الكتب الحديث إربد الأردن، ط1، 2017.
- مجد الدين الفيروزآبادي، القاموس المحيط، إعداد وتقديم محمد عبد الرحمان المرعشلي، دار إحياء التراث ومؤسسة التاريخ العربي بيروت، ط 2، 2000.
- محمد الأوراغي، محاضرات في النظرية اللسانية والنماذج النحوية، منشورات ضفاف بيروت ودار الأمان الرباط ومنشورات الاختلاف الجزائر، ط1، 2018.
- محمد الحيرش، النسق والاستعمال من لسانيات اللغة إلى لسانيات التواصل، دار الفاصلة للنشر طنجة، ط1، 2021.
- محمد بلبول، الفرضية الفطرية وطريقة اشتغال اللغة، ضمن كتاب جماعي لسانيات تشومسكي، مراجعة نقدية في الأسس المعرفية، (تحرير يوسفإسكندر ومؤيد آل صونيت)، دار دجلة بيروت، ط1، 2019.
- مختار لزعر، من النص إلى العقل، دار كنوز المعرفة عمان، ط1، 2018.
- مؤيد آل صونيت، طروس في اللسانيات، الناشر جامعة الكوفة، سلسلة دراسات فكرية، ط1، 2021.
- نجم عبد الواحد حسين الجيزاني، العدول التركيبي في النحو العربي، دراسة تحليلية في ضوء المنهج التداولي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2019.
- نعمان بوقرة، إطلالة على اتجاهات البحث اللساني الحديث، من لسانيات اللغة إلى لسانيات الاستعمال، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2020.
- نواري سعودي أبو زيد، اللغة وبناء الإنسان دراسات في اللسانيات التطبيقية (حقل التعليميات)، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع إربد الأردن، ط1، 2020.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241108%2Fob_1af598_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241108%2Fob_df14d1_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)