إشكالية الوظيفية في التحصيل الجامعي
مراحل التحقق ومقترحات التنزيل الجزء الأول
د: محمد عزيوي
دراسة محكمة
الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين درعة - تافيلالت
ملخص:
إن حاجة العلم اليوم إلى الكشف عن وظيفيته في تحقيق أغراضه ومقاصده؛ أعظم وأكبر من أي وقت مضى، وذلك لأن الهمم عن تتبع جزئياته واستجماع فروعه وتفاصيله على وجه الاستذكار الذهني لها قاصرة وعاجزة، ويقضي الواحد في طلب أمور -لا يجني منها طائلا- أزمنة طويلة تضيع من عمره، أو ربما كانت مما يستعاض عنها، أو يكتفى في بابها بأقل القليل منها، في أقل زمن وأخصر مدة، ليصرف غالب الوقت في مهمات التحصيل وجواهر التحقيق.
وإذا جاز التعلل قديما في الإحاطة بتفاصيل العلم والجمع لمفرداته، بعدم الإمكان إلا لنبي؛ فهو في هذا الزمان أولى لما تقدم. ولأن الغاية من دراسة العلم والاشتغال به؛ الوصول إلى منتهى مراتب الأعمال وكمال التصرفات، فإنه لابد من تحديد الغايات الصناعية -أي الملكات العلمية- للعلم، لتكون لطالبه نصب عين، ورسم مسالكها التحققية، مرتبة على التدريج ومقتضيات المرحلية في التحصيل، ليسلس بذلك اقتحام عقبات العلم، بلوغا إلى منتهاها، وتحققا برتبتها على تمامها وكمالها.
ولأن تتبع فروع العلم على وجه الاقتصار اشتغالا بها لذاتها، طلبا للمباهاة والمماراة بها، إنما هو مروق في مسلك العلم وترف في الانتساب إليه.
لذلك كان البحث في الجدوى من دراسة العلوم الشرعية وتدريسها؛ من آكد الأعمال وأولاها في وقتنا المعاصر، لما يحصل من التضايق والنفور عند مطالعة البرامج والمناهج التعليمية العتيقة، القائمة على مجرد الحفظ والجمع مدارا، الواقفة عند حد الاستظهار مقصدا ووظيفة.
Summary
The need for science today to reveal its function in achieving its aims and objectives is greater than ever before. This is because the capacity to delve into its intricacies and gather its branches and details through mental recollection is limited and insufficient. One spends long periods of time pursuing matters from which one gains nothing, wasting precious time that could be easily replaced or reduced to a minimal amount of information in a shorter time, allowing the majority of time to be devoted to the essential tasks of acquiring knowledge and the core of research.
If it was permissible in the past to excuse the inability of anyone but a prophet to grasp the details of a science and compile its individual components, this excuse is even more applicable in our time, for the reasons mentioned above. Furthermore, the very purpose of studying and engaging with science is... To reach the highest levels of knowledge and achieve perfection in conduct, it is essential to define the practical goals—that is, the intellectual faculties—of learning. This should be kept in mind by the student, and the paths to achieving these goals should be outlined, arranged gradually according to the requirements of each stage of acquisition. This will facilitate overcoming the obstacles of knowledge, leading to its ultimate attainment and the realization of its full and complete potential.
Furthermore, merely pursuing branches of knowledge for their own sake, seeking only to boast and argue, is a deviation from the path of true learning and a superficial claim to it.
Therefore, investigating the value of studying and teaching Islamic sciences is among the most crucial and important tasks in our time. This is due to the frustration and aversion that arises when encountering outdated educational programs and curricula that rely solely on rote memorization and recitation, stopping at the level of mere recitation as their objective and function.
المحور الأول: أصول الاستمداد.
أولا: المنطلق التاريخي.
ما من شك في أن العلوم جميعها؛ نشأت في التاريخ لمقاصد وظيفية محددة، تحقيقا لحاجات علمية طارئة، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بالمنطلق التاريخي لوظيفية العلوم، أي الأسباب العلمية التاريخية الكامنة وراء نشأة العلوم وغاياتها، وهو أخص ببيان الغايات الكبرى في التحقق بالعلوم، وذلك لأن الحاجة إلى الصناعة العلمية لم تكن في من تقدم، لحصول ملكاتها عندهم بالسليقة وجريان العادة، ومن هنا تعين الرجوع إليهم فيها؛ لتحققهم بها على الصورة المثلى والمنتهى في التحقق، وذلك لقرب عهدهم بمواردها، وتضلعهم من مشاربها ومصادرها، وشهودهم لمحاضرها ومجالسها، بخلافها عند المتأخرين، حين ضاعت الملكات، واستحكم الدخيل، وفسدت الأذواق، فصار لزاما أن يطلب هذا الأمر عند أهله، اتصالا بالسند التاريخي الأصيل للعلم، وهو «أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري(...)، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن(...) فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع كان، وخصوصا علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى والوزر الأحمى »[1].
ثانيا: ثمرة العلم.
ومما يعين على تحقيق مسلك الوظيفية في الاشتغال بالعلم؛ تبين ثمرته، فثمرة العلم هي الغاية المرجوة من تحصيله والحذق به، « وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله»[2]، ولذلك كان «من شروطهم في العالم بأي علم اتفق، أن يكون عارفا بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم، قادرا على التعبير عن مقصوده فيه، عارفا بما يلزم عنه، قائما على دفع الشبه الواردة عليه فيه.»[3]، وتلك هي الغاية الصناعية للعلم، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل لابد من بلوغه إلى ثمرة الثمرة، ومنتهى الغاية في مسلك الوظيفية، وهو الثمرة العملية الممتدة والمتسعة لكل صور الحركة العمرانية ومناحي الاستخلاف الوجودي للإنسان، ولذلك قعد الإمام الشاطبي قاعدته الأصولية؛ أن «كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي»[4]، بل إنه اعتبر «كل علم شرعي، فطلب الشارع له؛ إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى»[5]، فكأن العلوم الشرعية جميعها – ما كان منها غاية في نفسه، أو وسيلة إلى غيره- إنما هي على التحقيق وسائل للثمرة العملية القائمة على أصل التعبد لله سبحانه.
ثالثا: أصل التجديد.
وإنما يتجدد العلم بتجدد وظائفه، إحياء وتطويرا بحسب ما يجد من الحاجة إليه، وبناء عليه؛ يتعين الرجوع إلى السيرورة التجديدية للعلم، لتبين ما يصلح أن يكون منه مما لا يصلح، استنادا إلى ما يقوم به من وظائف علمية محددة، أو ما يلزم إدراجه في صلبه من وظائف وطرق ومناهج لذلك، قياما بالحاجة العلمية الجديدة، لذلك وجب أن يتحرى في استمداد وظائف العلم وملكاته الصناعية؛ الكتب المجددة فيه، وهي أقعد بتمكين طالب العلم من رتبة العلم وصفته، وبهذا الشرط نخرج كتب الملخصات، والمختصرات، والمنظومات، التي قصد أصحابها بتأليفها «إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين، فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها»[6].
ثم لابد من التفريق في هذا السياق، بين العلوم الغائية والعلوم الوسلية، لتبين ما يقصد منها بحديث التجديد، ثم لتبين ما يقصد منها بالاشتغال لتحصيل ملكات العلم المرجوة، «فأما العلوم التي هي مقاصد، فلا حرج في توسعة الكلام فيها، وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار، فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا من ملكته وإيضاحا لمعانيها المقصودة، وأما العلوم التي هي آلة لغيرها(...)؛ فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط»[7]،
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20260716%2Fob_7f2fd2_.jpg)
/image%2F1217153%2F20260716%2Fob_ac4a18_.jpg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)