تجليات الذاكرة والوجدان في رواية: ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي
محمد بلمليح
دراسة محكمة
طالب باحث بسلك الدكتوراه، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة، بإشراف: د. حسن لشكر.
الملخص:
تتناول هذه الدراسة بعض التشكيلات الوجدانية في رواية ذاكرة الجسد، من خلال تحليل حضور الحنين والحب والاغتراب بوصفها مكونات أساسية في بناء التجربة السردية. وتركز الدراسة على شخصية خالد التي تعيش حالة من التوتر النفسي بين الماضي والحاضر، حيث تتحول الذاكرة إلى فضاء مهيمن يعيد تشكيل رؤيته للعالم ولذاته. كما تقارب الدراسة طبيعة العلاقة العاطفية التي تجمعه بحياة، مبرزة أبعاد الفقد والانكسار التي تطبع هذه التجربة، إلى جانب تحليل أثر الغربة في تعميق الشعور بالانفصال عن الواقع.
وقد خلصت الدراسة إلى أن الحنين في الرواية لا يمثل مجرد استرجاع للماضي، بل يتحول إلى حالة شعورية دائمة تؤثر في إدراك الحاضر. كما أن الحب يتجلى كتجربة مأزومة تقوم على الغياب وعدم الاكتمال، في حين يظهر الاغتراب بوصفه حالة نفسية ممتدة تتجاوز المكان لتشمل الذات والذاكرة معا، مما يجعل الرواية فضاءً لتداخل الألم الفردي بالوعي الوجودي.
الكلمات المفتاحية: الحنين، الحب، الاغتراب، الذاكرة، الوطن، الرواية العربية.
This study examines selected emotional configurations in Memory in the Flesh by analyzing nostalgia, love, and alienation as fundamental components of its narrative structure. It focuses on the character of Khaled, who experiences psychological tension between past and present, where memory becomes a dominant space that reshapes his perception of self and the world. The study also explores his emotional relationship with Hayat, highlighting themes of loss and emotional rupture, as well as the role of exile in deepening his sense of disconnection.
The study concludes that nostalgia in the novel is not a simple recollection of the past but a persistent emotional state shaping present perception. Love emerges as a crisis-ridden experience based on absence and incompleteness, while alienation appears as an extended psychological condition that transcends space to encompass memory and identity, turning the novel into a space where personal pain intersects with existential awareness.
Keywords: nostalgia, love, alienation, memory, homeland, Arabic novel.
مقدمة
تُعد رواية ذاكرة الجسد من الأعمال السردية العربية التي تميزت بقدرتها على تفكيك التجربة الإنسانية من خلال الاشتغال على الذاكرة والوجدان، حيث يتشكل العالم الروائي على أساس التوتر بين الماضي والحاضر، وبين الحضور والغياب. وتبرز في هذا السياق شخصية خالد بوصفها نموذجا إنسانيا يعيش حالة من الانقسام الداخلي، نتيجة ارتباطه العميق بالماضي وما يحمله من صور الوطن والطفولة والعلاقات الغائبة.
وتنبع أهمية هذه الدراسة من محاولة الكشف عن البنية الوجدانية التي تحكم هذا النص الروائي، من خلال تحليل ثلاث ثيمات أساسية هي: الحنين، والحب، والاغتراب. فهذه التشكيلات لا تقدم باعتبارها حالات نفسية معزولة، بل بوصفها عناصر متداخلة تسهم في بناء الرؤية السردية وتوجيه دلالات النص. كما تسعى الدراسة إلى إبراز كيفية تحول الذاكرة إلى قوة فاعلة في تشكيل التجربة الإنسانية داخل الرواية، حيث تصبح مصدرا للألم كما هي مصدر للمعنى.
وتعتمد الدراسة مقاربة تحليلية تقوم على قراءة المقاطع السردية وتفكيك دلالاتها، من أجل فهم طبيعة العلاقة بين الذات والعالم في النص، وكيف يتحول السرد إلى فضاء يعكس أزمة الإنسان مع الزمن والهوية والانتماء.
- الحنين في ذاكرة الجسد:
يعد الحنين[1] من أكثر الأهواء حضورا في الرواية، إذ يرتبط عند خالد بالماضي والوطن والذكريات القديمة. فالشخصية الرئيسية تبدو غير قادرة على الانفصال عن ماضيها، لذلك تستمر في استعادة الصور القديمة ومحاولة العيش داخلها.
ويظهر هذا الحنين بشكل واضح من خلال تعلق خالد بمدينة قسنطينة، حيث تتحول المدينة إلى رمز للطفولة والشباب والذاكرة. كما أن الغربة التي يعيشها جعلته أكثر ارتباطا بالماضي، وكأن الوطن أصبح يعيش داخله أكثر مما يعيش في الواقع.
ومن الصور التي تكشف هذا الشعور قوله:
" وقفت كمجنون على رسم "قنطرة الجمال" في قسنطينة... خمس وعشرون سنة عمر اللوحة التي أسميتها دون كثير من التفكير "حنين"[2].
تعكس هذه العبارة حالة نفسية مرتبطة بالشوق إلى الماضي، فالرسم هنا لا يؤدي وظيفة فنية فقط، بل يتحول إلى وسيلة لتعويض الفقد واسترجاع زمن قديم ظل حاضرا في الذاكرة. كما أن اختيار اسم "حنين" للوحة يكشف بشكل مباشر طبيعة المشاعر التي يعيشها خالد.
ويستمر حضور الحنين من خلال علاقته بحياة، إذ لا ينظر إليها باعتبارها امرأة فقط، وإنما يرى فيها صورة للوطن والذكريات القديمة، لذلك يقول:
" إن طفلة تلبس ذاكرتي، وتحمل في معصمها سوارا كان لأمي دعيني أصم كل من أحببتهم فيك، أنا أتأملك وأستعيد ملامح ( سي الطاهر) في ابتسامتك ولون عينك ، فما أجمل أن يعود الشهداء، هكذا في طلتك، ما أجمل أن تعود أمي في سوار معصمك ، ويعود الوطن اليوم في مقدمك..."[3].
يكشف هذا المقتبس عن تداخل الحب بالوطن، فالمحبوبة تصبح وسيلة لاستعادة الماضي، وهو ما يفسر تعلق خالد بها بشكل كبير. كما أن هذا التداخل يجعل العلاقة العاطفية مرتبطة بالذاكرة أكثر من ارتباطها بالحاضر.
ومن جهة أخرى، يعكس الحنين حالة من عدم الرضا عن الواقع، لأن الشخصية تشعر أن الزمن الجميل قد انتهى، ولهذا يقول خالد:
"فأمشي نحو الماضي مغمض العينين"[4].
تدل هذه العبارة على رغبة الشخصية في الهروب من الحاضر، إذ يبدو الماضي أكثر أمنا ودفئا من الواقع الذي يعيشه. ولذلك يتحول الحنين في الرواية إلى شعور مؤلم، خاصة عندما يكتشف خالد أن الوطن الذي احتفظ به في ذاكرته قد تغير كثيرا.
كما تبدو الذاكرة عند خالد مرتبطة بالإحساس بالفقد، فهو يعود باستمرار إلى طفولته وإلى الأشخاص الذين غابوا عن حياته. ولهذا يقول:
"لقد كنت أعود كل ليلة، وكأنني أصعد نحو دهاليز طفولتي البعيدة"[5].
وتكشف هذه العبارة عن رغبة الشخصية في الاحتماء بالماضي، وكأن الذكريات أصبحت بديلا عن الواقع. فالحنين هنا لا يرتبط فقط بالأماكن، بل يمتد أيضا إلى الزمن القديم بكل ما يحمله من تفاصيل وعلاقات.
غير أن هذا الحنين يتحول في النهاية إلى خيبة، خاصة بعد عودة خالد إلى الوطن واكتشافه أن الأشياء قد تغيرت، وأن الصورة التي كان يحتفظ بها في ذاكرته لم تعد موجودة كما كانت. ومن هنا يصبح الحنين مصدرا للألم بدل الطمأنينة.
- الحب وتجربة الفقد:
يحضر الحب في الرواية باعتباره تجربة إنسانية معقدة تجمع بين الرغبة والألم. فالعلاقة التي تربط خالد بحياة لا تعرف الاستقرار، بل تتخللها مشاعر الغياب والانتظار والخيبة.
ومن العبارات التي تكشف طبيعة هذه العلاقة قول خالد:
"الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث "[6]
تكشف هذه العبارة العلاقة بين الحب والكتابة، إذ يتحول الفشل العاطفي إلى مصدر للإبداع. وكأن الكتابة تصبح وسيلة للاحتفاظ بما ضاع أو محاولة للتخفيف من أثر الفقد.
كما يبدو الحب عند خالد مرتبطا بصورة مثالية للمحبوبة، فهو يرى فيها الأمل والمستقبل، لذلك يقول:
"أنت مشروع حبي للزمن القادم"[7].
وتعبر هذه العبارة عن رغبة الشخصية في بناء حياة جديدة من خلال الحب، غير أن هذه الرغبة تنتهي بالفشل بسبب الظروف التي تمنع تحقق العلاقة.
ويظهر الحب أيضا مرتبطا بالألم الداخلي، خاصة عندما يشعر خالد أن كل ما أحبه ينتهي بالفقد، فيقول:
"تحول القلب إلى مقبرة جماعية"[8].
تعكس هذه الصورة حجم المعاناة النفسية التي تعيشها الشخصية، حيث يصبح القلب مكانا للذكريات الحزينة والخسارات المتكررة. فالحب هنا لا يقود إلى السعادة، بل يتحول إلى تجربة مليئة بالخيبة والانكسار.
كما أن خالد يعيش الحب بوصفه امتدادا للذاكرة، لذلك فإنه لا يستطيع الفصل بين المحبوبة وبين الأشخاص والأماكن التي أحبها في الماضي. وهذا ما يجعل علاقته بحياة أكثر تعقيدا، لأنها تصبح مرتبطة بصورة الوطن والأم والشهداء.
وتصل الأزمة ذروتها عندما تنتهي العلاقة بين خالد وحياة، فيحاول الاحتفاظ بها عبر الكتابة، قائلا:
"قررت أن أدفنك في كتاب لا غير"[9].
فالكتابة هنا تتحول إلى وسيلة لحفظ الحب بعد ضياعه، كما تصبح الرواية محاولة لمقاومة النسيان. ويكشف هذا القول أيضا عن الألم الذي تعيشه الشخصية، لأن الدفن في الكتابة يعبر عن نهاية العلاقة في الواقع وبقائها داخل الذاكرة فقط.
- الذاكرة والاغتراب في الرواية:
ترتبط الذاكرة في ذاكرة الجسد ارتباطا وثيقا بالإحساس بالاغتراب، فخالد يعيش دائما بين الوطن والمنفى، غير أن الغربة لا تبدو مرتبطة بالمكان فقط، بل تتحول إلى حالة نفسية يشعر فيها الإنسان بأنه منفصل عن العالم الذي يعيش فيه.
ولهذا تظل الذاكرة حاضرة بقوة داخل الرواية، حيث يعود خالد باستمرار إلى طفولته وإلى تفاصيل حياته القديمة. فالذكريات بالنسبة إليه تمنحه نوعا من التوازن النفسي، حتى وإن كانت في الوقت نفسه تزيد إحساسه بالألم.
ويظهر هذا المعنى في قوله:
"لقد كنت أعود كل ليلة، وكأنني أصعد نحو دهاليز طفولتي البعيدة"[10].
تكشف هذه العبارة عن رغبة الشخصية في الاحتماء بالماضي، وكأن الذاكرة أصبحت بديلا عن الواقع. كما أن استعمال كلمة «دهاليز» يوحي بعمق تلك الذكريات وتشعبها داخل النفس.
كما يظهر الاغتراب في نظرته إلى الوطن بعد العودة إليه، إذ يشعر أن المكان الذي كان يعرفه تغير، وأنه لم يعد قادرا على الانتماء إليه كما كان من قبل، لذلك يقول:
"رحت أؤثث غربتي بالنسيان. أصنع من المنفى وطنا آخر لي"[11].
وتوضح هذه العبارة التحول النفسي الذي عرفته الشخصية، حيث أصبحت الغربة مكانا بديلا عن الوطن، بينما تحول الوطن نفسه إلى فضاء بعيد عن صورته القديمة.
ومن هنا يبدو خالد شخصية تعيش انقساما داخليا بين الرغبة في العودة إلى الماضي وبين إدراكه أن ذلك الماضي لم يعد قابلا للاسترجاع، وهو ما يفسر الإحساس المستمر بالحزن والانكسار في الرواية.
خاتمة:
فقد أظهر التحليل أن الحنين يمثل قوة نفسية تدفع الشخصية نحو الماضي، غير أنه يتحول تدريجيا إلى مصدر للألم بعد اصطدامه بواقع متغير لا يعيد إنتاج الصورة القديمة. كما أن الحب يتجلى كتجربة قائمة على الفقد والانكسار، إذ لا يحقق اكتماله، بل يتحول إلى كتابة واستحضار لما لم يتحقق. أما الاغتراب فيمثل حالة شاملة تتجاوز المكان لتصبح إحساسا داخليا بالانفصال عن الذات والعالم.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن الرواية تقدم رؤية إنسانية عميقة تعكس هشاشة الوجود الإنساني أمام الزمن والذاكرة، وتكشف كيف تتحول التجربة العاطفية إلى شكل من أشكال الوعي بالألم والغياب، مما يمنح النص طابعه الفني والدلالي المتميز.
- فونطاني: سيمياء المرئي، ترجمة سعيد بنكراد، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، لبنان، ط1، 2010.
- أحلام مسغانمي، ذاكرة الجسد" دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط 21، 2005.
[1] - يعد الانتظار والحنين حسب كريماس أكبر عاطفتين تشكلان الأهواء السيميائية، أنظر ، فونطاني: سيمياء المرئي، ص.30.
[2] - أحلام مسغانمي، ذاكرة الجسد" دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط 21، 2005، ص: 63.
[3] - نفسه، ص: 66-67.
[4] - نفسه، ص:311.
[5] - أحلام مسغانمي، ذاكرة الجسد، ص:298.
[6] - أحلام مسغانمي، ذاكرة الجسد، ص: 298.
[7] - تتسم الرواية بجدلية معقدة بين الحب والأدب ، حيث يرتبط الإبداع الأدبي بفقدان الحب وانهياره يبدو أن الكتابة لا تنشأ.
[8] - أحلام مسغانمي، ذاكرة الجسد، ص:299.
[9] - أحلام مسغانمي، ذاكرة الجسد، ص: 386.
[10] - نفسه، ص: 379.
[11] - أحلام مسغانمي، ذاكرة الجسد، ص:385.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20260720%2Fob_ca6a12_.jpg)
/image%2F1217153%2F20260720%2Fob_ea1f69_.jpg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)