Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
22 juillet 2011 5 22 /07 /juillet /2011 23:05

 

عن النثر والشعر ..والشعر
بقلم : رابح التيجاني 
                              ​                
          أجهل الشعر  أجهل النثر
 أجهل الشعر ، أجهل النثر ، وأعرف الكتابة ،صبية عذراء أغشاها وتغشاني قبل أن تصبح مدام قصيدة أو السيدة مقالة، أعرف الكتابة قبل أن تذبح ق...ربانا أمام أوثان الإستطيقا ، وإن كان مشروطا أل تعتبروا الشعر إلا إذا أرقصكم فثمة في الصدر أنغام الحزن الجنائزية دندنات الفرح، ثمة ما يكفي مقامات وإيقاعات تركبها النفس وتموج حدوا ، وإن كنتم تستلزمون القوافي هاكم لهاثي وأنفاسي تواترا وتقطعا ، محطات أشمخ جذبا وحرارة من تكرار الروي أو السبب الخفيف أو الوتد المجموع أو المفروق ، سألتني عن رأيي في قصيدة النثر ، رأيي الموضوعي ، وأدخل ذاتي وأخرج منها وأسألني وأسألكم كيف أكون موضوعيا ؟ أأتحدث عن مجلة " شعر " وما أتيح لي الإطلاع عليها ! أأستعرض ما علق بذاكرتي عن تثوير اللغة وزمن الشعر والشعراء أدونيس إنسي الحاج يوسف الخال ، طليعة شعراء لبنان ، أأتناول شهادات الماغوط تجاه زمن الرداءة وعلاقتها بالشعر ؟ أأتموقف إزاء إفرازات الشعر بتونس وأتناول ظاهرة إبداع " غير العمودي   والحر "، أأخوض غمرة الشعر المغربي فأفاجئكم بأن مصطفى المسناوي في كتاباته القصصية شاعر وعبد الكريم برشيد في كتاباته المسرحية شاعر وأن عددا من الشعراء لاارتباط لهم بالشعر عموديا ومنثورا وحرا ؟ أأنطلق ابتداء من انتفاضات الشعر المعاصر وأعلج نازك من " الكوليرا " وصولا بها إلى الموت أو الحياة التي تكتنه قصيدة اليوم ؟ أأخرج بالسياب من تساؤله " هل كان حبا " وأنساب تدريجيا عبر متطلبات الواقع إبداعيا ؟ أأستند في جوابي تراثيا وأعانق ثورات الماضي وأستفسر ابن المعتز وأبا تمام والمتني والحمداني ونظراءهم ،أم أستفسر ابن الخطيب وكل وشاحي الأندلس والمغرب والتروبادور ؟ ؟ لن أفعل ولكني أسأل ما السر في كل هذه الضربات التي يتلقاها الخليل ، ولن أجيب فالخليل قد سقط فعلا أو لابد أن يسقط بشكل أو بآخر أو تسقط صنمية النظرة إليه ، وسيحتفظ له الشعر بفضل التأطير الإيقاعي لديوان العرب ، ذلكم التأطير الذي إن كان فيصلا بين فنون القول فإنه ليس معيارا للشعر ولا ضابطا لحدوده ومستوعبا لتطوره ،، وأنتقل عبر تساؤلي وأساير أراغون في سان ميشيل أو سان جيرمان ونجالس بعضنا في مقهى المنبع ونختلس الشعر من عيون إلزا فلا يكون إلا كما شاءت الكتابة ، كتابة أوتوماتيكية، تحتفي مقطعية اللغة الفرنسية وقوافيها ويكون الشعر ، كيف يكون ؟ كذلك يكون، وأتابع سارتر في تفريقه بين الشعر والنثر ، الفشل والنجاح ،الرقص والمشي ،وبالرغم من كل التنظير يظل الشعر خارج القمقم دائما ، وأسأل ت س إليوت  فيجيبني :" لم أستطع أبدا أن أحفظ أسماء التفعيلات والأوزان أو أن أقدم فروض الطاعة لقوانين العروض المعتمدة وليس معنى ذلك أنني أعتبر الدراسة التحليلية للأوزان والأشكال المجردة التي تختلف اختلافا بينا عندما يتناولها الشعراء المختلفون مضيعة للوقت ، وكل ما في الأمر أن دراسة تشريح أعضاء الجسم لايمكن أن تعلمنا كيف نجعل دجاجة تبيض "(1) ولو أن إليوت يستدرك بأن :" وراء أشد الشعر تحررا يجب أن يكمن شبح وزن بسيط إذا غفونا برز نحونا متوعدا وإذا صحونا اختفى حيث ان الحرية الحقيقية لاتظهر إلا إزاء قيود مصطنعة " (2)فإن أشعار إليوت نفسه وأرضه الخراب مترجمة حملت كل الشاعرية وهي خالية من الوزن والقافية ونبرية اللغة الإنجليزية.
      لا أريد أن أستطرد وأستنطق إزراباوند أو كولردج أو بليك فإن بعض أشعارهم لم نقرأها إلا مترجمة منثورة ولقد ظلت في مجملها شعرا ، إن الشاعرية الحقة لاتعتمد موسيقاها العروضية اعتمادا ولعل هذا ما سمح بالعرف على شعر حقيقي يوناني أو تركي أو إسباني وعداه مترجما ومنثورا ، غير أن شعرنا العربي بطقوسه يحمل من الإيقاع والبيان والبديع أكثر مما يحمل شعرا ، وتلك سقطته التاريخية التي لابد أن يبدع المبدعون في إطار تجاوزها ، ولا أنفي ضرورة الإفادة منها إلى حد ما ، ولنتأمل إلى أية درجة يمسخ الفهم الموسيقي حقيقة الشعر بالمقارنة فقط بين بعض الترجمات العيدة لرباعيات الحيام ، لا أطيل وأساند تقريرا أورده غالي شكري في كتابه " شعرنا الحديث  إلى أين " يقول :" إن إحلال كلمة النثر مكان الوزن لا تعبر إلا عن رد الفعل الذي يصنعه الشعراء ، فقصيدة النثر تقف في الطرف المقابل لما يدعونه بقصيدة النظم ، ولكن دعاة هذه القصيدة يلتقون في الواقع عند حدود المفهوم الكلاسيكي للشعر ، بمعنى آخر المفهوم الشكلي ، فليس النثر في قصيدة النثر هو الذي يمنحها قيمتها الفنية الجديدة ، وليس النظم  في قصيدة النظم هو الذي منحها قيمتها الكلاسيكية القديمة ، وإنما هناك شيء آخر لا علاقة له بطريقة تركيب الكلمات نثرا ونظما هو الذي يخلق ما ندعوه بالشعر " (3) ولو أن غالي شكري يستطرد في هذا المقام ليشيد بالشعر العامي فإنه حقا أصاب المفصل وحدد مواصفات الشعر الجديد معمارية وأبعادا ، وإن كان الإبداع العامي باعتبار ثرائه وباعتبار العامة المقصود الأول بالإبداع ، ولضرورات الوحدة والقومية ، فإن القصيدة البديل تشمله عنصرا محققا للواقعية والجماهيرية ، إن المنظور الشعبي للأدب عامة يستلزم أصلا تحديد الشعب أولا ، أهو الشعب اللبناني ، الشعب المصري ، الشعب المغربي أو الشعب العربي ؟ أشك ولا أشك في انحرافية أدب العرب وسقوطه في الشوفينية ، ولكن هذا التنوع وبأصوله العامية بالإمكان استيعابه في إطار البناء الجديد للقصيدة الجديدة ومن أشكالها قصيدة النثر ، وبذلك يصبح مصدر إثراء وليس حدودا حاجزة .
 
 
البحث عن القصيدة الجديدة 
      دائما في إطار البحث عن القصيدة الجديدة قد يعتبر ما قيل عن إبداع العامة موقفا رجعيا ،، حقا إن ثقافة الطلائع المتنورة كانت عبر العصور رأسمال ممنوع على الآخرين ، رصيدا في الأدمغة ، رصيدا يتم استعراضه بأبهة وتقسيط وبرمجة على الدونيين ، تحاول فرضه مدعية الإرتباط بالجماهير المسحوقة ومعاداة الكبار في الوسائل والمضامين ، هذا في أحسن الأحوال إذ أن أغلب ما وصلنا عن مثقفي العصور العربية لايعكس إلا المدح على أعتاب السلاطين جهارا ، طبقيا يمنع المتنورون شيوع ثقافة الجماهير ، تلك الثقافة التي تعني إقصاءهم أنتلحنسيا وبورجوازية صغرى عامة ، كما نصطلح على التسمية حاليا ،وتحطيمهم في إحدى مدعمات أشكال الممارسة ، إن البورجوازية صغيرة وكبيرة ، ونترك الكبيرة لله ، أقول إنها تعتبر أشكال الثقافة الشعبية ومضامينها سطحية مسطحة مبتذلة وبالمقابل تعتبر الفئات الشعبية ثقافة المتنورين ثقافة قصور ومجالس وصالونات وعوالم خاصة ولو تناولت شؤون الشعب وقضاياه ومشاغله ، إذ هي ثقافة تتوسل في كل مناحيها وأدواتها لغتها الخصوصية وقيمها الخصوصية نظرتها الخصوصية ، إن مسألة شيوع الأدب محكومة باعتبارات استراتيجية لكل فئة أو صنف أو طبقة ، والبرجوازية تجد مجالها في الوسائل السلطوية للتبليغ وتفرض بذلك قيمها الإبداعية والجمالية ، وتظل الثقافة الشعبية دائما مسارحها الشوارع الدور الحوانيت في كل مكان ، خارج سوق عكاظ أو على هامش قصور العباسيين ، بطبيعة الحال هي ثقافة مرفوضة رسميا ولكنها ثقافة الأغلبية التي كان يجب أن تصلنا وما وصلت أو أنها وصلت إلى حد ما متنكرة في غمرة ضحكات جحا أو حدائق كليلة ودمنة وليالي ألف ليلة وليلة والمقامات وزجليات المجذوب وسير الخوارق والأساطير والتحليقات التصوفية ،  ولو أننا فهمنا الشيء من ضده فإننا حقا ما نزال نعاني مشكلة التعرف على الثقافة الحقيقية من خلال الثقافات المزيفة وما يعتور ذلك من ملابسات ، ترفض الشعوب دائما أستاذية المسيطرين والموالين للمسيطرين وتصنع ثقافتها ، وبحكم السيطرة فالمعتقد أن تاريخ الأدب الذي قرأناه في المدرسة ما وصلنا إلا بحكم السيطرة ونحن لانملك إلا أن نقبله تاريخا ولكننا نرفضه إبداع الشعب العربي والأجيال ،من هذا المنطلق نتساءل ماذا حمل إلينا الشعر العربي ؟ وبطرح  أدق ماذا حمل إلينا الرقص العربي ؟ إنه باستثناء الشعر الذي تضمن تجارب انسانية ومعاناة حقيقية لا نعثر إلا على البحور طويلة ومتداركة ومساحيق الجناس الطباق التورية التضمين الكناية الإستعارة وما يؤكد البراعة اللغوية ، تجربة المتنبي وطرفة بن العبد وعروة بن الورد وأبي فراس الحمداني أوصلت أصالتها وغيرهم قليل ، ولكن أمام الخضم الهائل للشعر العربي نخجل حقا إذ لا يكون رصيد العرب شعريا إلا أسماء معدودة من خلال ملايين الأبيات ، وماذا أجدتنا علوم بيانهم وبديعهم وإني لا أدعو إلى تركها بقدر ما أتلمس مشارف القصيدة الجديدة مستغلة البيان والبديع والعروض في الظرف المناسب بحيث لا يستمر إبداعنا إلى الأبد توشية وزخرفة وموسيقى ، إسقاطا لطموح ترفي لا غير ، يتمثل من داخل الخيام نقوش القصور ويسير على رمال الصحراء العائقة راقصا ، جماليات الشعر  ،  هذا الوثن الضال والمضلل ،كيف تحدد قاعدة وتم شيوعها ؟ أتساءل كيف تسمح الكلمات لنفسها بأن تغرق في الجماليات والموسيقى الراقصة لتعرض للمتلقي قمم الحزن مثلا ؟ إنها الخيانة ، خيانة المظاهر على مر العصور ، خيانة الطبقات الظاهرة الطافية على السطح الطبقات المستفيدة أو السائل لعابها ، إنني بكل ملتقى أكون أو أريد أن أكون مكتنها للكتابة وتكون ألغازا ، أحاورها وعندما تملكني أو أملكها أمسك زمامها ، تنطق بي وتتبعني منقادة كظلي ونمشي حيث نشاء معا ،ةأنا وهي ، ننثر الخطو إذ تجرنا متاهة ، نرقص إذ تدغدغنا ريح مرحة ،نقف انبهارا أو احتقارا أمام حائط حيطان نختفي نظهر ،وإذ ينتهي المطاف أراها وأرى فيها نفسي وغيري ، أرى كل المخلصين مثلي أرى  الشعراء فيها .
        متحفية اللغة لا تستهويني بقدر ما يستهويني تسكعها بالحالة التي شاءت أنيقة أو مهلهلة بين الدروب وفي أصقاع الوجدان والفكر والواقع ، وأنحني لها إذ تكون متناسبة مع المقام ، قبيحة إذ تعببر عن القبح ، جميلة إذ تعبر عن الجمال ، أميرة وصعلوكة ، لامعنى إطلاقا لأن يكتسي التعبير دائما قناعا تجميليا يقتات بهموم الجماهير ويجعل من مشاكلها فنا جميلا لا غير ،إن أكذوبة إثارة المشاعر والتأثير فيها بالكلام العذب المموسق لا يهضمها إلا الذوق الأرستقراطي الذي يحنط هذه الأعمال ويدرجها في إطار التحف الفنية ، أتساءل كيف يأتيك الناعي وهو شاعر يخبرك بموت فلان يقول لك ماااات فلان مااااات  كان موته عظيما عظمة البحر موكب جنازته تظاهرة حاشدة غرق جثمانه بين الناس وذااابانتهى ،إنه تصوير يراعي أن يبلغ أمرا بوائل خائنة ، إن المحسنات البلاغية أفسدت علينا اللغة وما تحمله اللغة ، وماذا يهمني أنا من كل هذه الطقوس ؟ لو دعيت كإنسان يعاني حقا من موت هذا الفلان لصمتت أو بكيت أو قلت شيئا لست أدريه ، ولكنه هو ، إنه الشعر وهذا ما يجب أن نبحث عنه ، وليكن كيفما شاء  موزونا أو منثورا ولكن إنه سيكون بكل إطلاقية الكلمة ، الشعر الشعر المفقود .
 
 
الفوارق والقواسم
     لعلنا نتجاوز في حديثنا هذا فارق الشكل بين قديم الشعر وحديثه ، وأكيد ان الفارق ليس شكليا فحسب ، وقد أشار إلى ذلك غالي شكري ،إن المعيار التفريقي بين القديم والأنماط التجريبية الحديثة لا يمس الشكل دون المضمون وهذا ما يجعل الحديث عن قصيدة النثر متجاوزا للفوارق الشكلية وممتدا إلى جوهر الشعر عامة ، وإذا كان سارتر يقر بأن " اللغة الشعرية تنبجس فوق أنقاض النثر ، وان في كل شعر شكلا من أشكال النثر أي من أشكال النجاح ، فبالمقابل فإن النثر الأكثر جفافا يحتوي دوما على شيء من الشعر ، أي على شكل ما من أشكال الفشل " ويضيف سارتر :" إن أي ناثر مهما كان صاحيا لا يصل إلى الإفهام لما يريد أن يقوله فهو يقول أكثر أو أقل مما ينبغي وكل جملة هي رهان مجازفة أخذها على عاتقه وكلما تلمس طريقه ازدادت الكلمة تفردا "(4).
        أقول إذا كان سارتر يقر بهذا فواضح أن المسألة وفق هذا النسق من التحليل ليست مسألة كتابة شعرية أو مسألة كتابة نثرية ، ولكنها قضية تعبير بالدرجة الأولى، ونستمر مع سارترفي معرض مقارنته يقول :"إن التزام الشاعر الحديث هو التزام الانسان بأن يخسر وهذا هو المعنى العميق لذلك النحس لتلك اللعنة يعزوها إلى نفسه دوما والتي ينسبها دوما إلى تدخل من الخارج في حين أنها أعمق اختيار له ومنبع شعره لا نتيجته ،إنه متأكد من الفشل الكلي للمشروع الانساني وهو يعد نفسه للفشل في حياته الخاصة حتى يكون شاهدا بهزيمته المتفردة على الهزيمة الانسانية عامة ،  إنه ينقض إذن وهذا ما يفعله الناثر أيضا ، لكن نقض النثر يتم باسم نجاح أكبر في حين أن نقض الشعر يتم باسم الهزيمة المستترة التي يخفيها كل نصر "(5).
     وسارتر يقيم هذه التوازنات ليخلص إلى الشعر المحض أو النر المحض ونحن هنا لسنا بصدد عرض للوجودية المتجاوزة بقدر ما نريد استخلاص رأي وارد بخصوص معضلة التعبير باعتبار :" أن الإيصال مستحيل وأن الكلمة أداة لهزيمتنا ومخبأ لما لا يمكن إيصاله وصولا إلى القضية ، قضية البنى المعقدة غير الصافية والواضحة الحدود "(6).
      أعتقد أن الصيغ النثرية إلى حد ما جاهزة دائما أما الصيغ الشعرية فإنها تستحضر من خلال طفوس معينة شكلية ومضمونية ، ولكن مع ذلك قد يكون استحضارنا للغة الشعرية سقوطا في صيغ جاهزة باعتبار أن اللغة معين  يغرف منه الشعر والنثر ، ثم إن هناك صيغ شعرية جاهزة نجدها في الأمثال وفي بعض التعابير لدى العامة تكونت منذ قديم وصارت تعبيرا عاديا يستعمل استعمالا نثريا ، وهذا وإن كان يقود إلى حصوصية الشعر وأن النثر عمومي  فهو ليس فارقا ، وإن التعبير كان جاهزا أو غير جاهز محتاج إلى روح ما تجعله شعريا ،تلك الروح التي يمكن أن تمس اللغة العادية أو اللغة المصنوعة ، ثم إنه ليس مشروطا دائما في الصيغ الشعرية ن تكون مقفاة موزونة كما أنه لا يعيب الصيغ النثرية خلوها من الوزن والقافية وإنما فضل الشعر هو الإفادة من إمكانات العبير شعرية ونثرية إلى الحد الذي يجعل فعلا العمل المنتج إبداعا وخلقا .
 
 
موسيقى الشعر
     فيما يتعلق بالموسيقى في الشعر فإنها لا تخلقها رتابة الإيقاع وتكراره بل يمكن أن تنتج الموسيقى من تنوع الإيقاع أو التفعيلة ، وإن لكل كلمة بناء إيقاعيا يتحدد من خلال صوائتها وصوامتها ، فإذا أضفنا إلى كل ذلك ما تلبسه اللغة من دلالات وما تنتجه تقنية الكتابة من صور وأوضاع وتراكيب خاصة تبين لنا كيف يمكن أن يكون الشعر ولو في إطار تركيب نثري لايعتمد البيت أو السطر أو التفعيلة المحددة ، أتساءل كيف لا يمكن للمتلقي إدراك موسيقية الكتابة إلا إذا كانت متكررة حسب تفعيلة معينة ؟ فإذا كانت لكل كلمة بنية إيقاعية وإذا كانت ارتباطاتها بكلمات أخريات يقود إلى خلق سلسلة من الإيقاعات قد تكون متجانسة أو متنافرة فكيف لا يكون الإعداد لتصورها وتلقيها كذلك ؟ هناك في الموسيقى المغناة أو المعزوفة جمل موسيقية لا تعتمد إيقاعا واحدا متكررا ، ثم أليس في الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم ن تقسيم على مقام الصبا مثلا أو الحجاز أو النهاوند أو البياتي ؟ إن هذه التقاسيم نثرية بحيث إن أداءها يتم دون إدخال الإيقاع في الاعتبار ، لماذا الشعر وحده نريد منه أن يكون موزونا ؟إننا نسمح للنثر بأن يخرج من نثريته ويتأطر في بناء موزون مقفى كما هو الحال في سجع  المقامات وفي بعض الأمثال ولكننا لانقبل العكس ، لا نقبل أن يسترسل الشعر ويتخلص من قيده .
       إن النظرة الأرثوذوكسية إلى الشعر قد تؤدي به إلى الإنقراض كما هو الحال في العلوم المحتكرة سابقا والتي أحيطت بهالات من التعجيز والحصوصية كعلم السحر مثلا . ولنعد إلى الإيقاع وعلاقة بنية الكلمة به في الموسيقى المعزوفة ، نجد مثلا إيقاعات موسيقية ثنائية ثلاثية رباعية إيقاعات بلدي مصمودي صحراوي وهذه الإيقاعات يؤشر لها ب"دم"و"تك"وترتيب هذه الدم والتك وفق تشكيل معين يعطي الإيقاع مثلا  :دم تك دم دم تك ، هذا إيقاع موسيقى يعتمد دم ويمكن تشبيها بمتحرك في تفعيلة فاعلن وتك ساكن ودم دم تك وتد مجموع التفعيلة ، ونقيس على ذلك سائر الكلمات أو التفعيلات ونرى أن أساسها إيقاعي حقا ، ولكن لا تتجلى بصورة واضحة خصائص هذا الإيقاع مثلما تتجلى في الموسيقى ، ولكن ما يهم قوله هو أن أخذنا لإيقاعات متعددة في آن لاينفي أننا لانستعمل إيقاعا ن مثلا ن فاعلاتن مستفعلن فاعلن فعولن مفاعيلن فعلن ، إن بناء الكلمات هكذا أو وفق أسلوب مشابه لايعتمد تكرار تفعيلة أو تفعيلتين لم تألفه الأذم في الشعر ، ولعلنا بحاجة إلى التأكيد على صرورة توافر الأذن لدينا على قدرة تستطيع أن تنتزع الموسيقى من خلال تعدد الموسيقى والإيقاع من إيقاعات ، لا أن تظل حبيسة الرتابة المعهودة ، دم دم تك دم تك ، فعولن ، وكفى. إنك وأنت تستمع إلى الدقة المراكشية تماما وكأنك تستمع إلى أرجوزة أو معلقة ، بناء محكم وإيقاع محسوب ، كل خروج عليه يستوجب تكسير التعريجة على رأس من أخل بالميزان ، ومع ذلك يستطيع الإيقاعي البارع تقسيم الزمن الواحد إلى أزمنة ويسميه "الزواق"إلا أنك وأنت تكتب الكلمة تستطيع أن تحذف ولكنك لا تزيد ساكنا  أو متحركا في صلب البنية عدا الترفيل والتذييل  ولو بدعوى الزواق  مع أنه من الممكن ذلك بشرط إدماج الزيادات في زمن معين عند القراءة أو الإلقاء وتخصيص زمن معين صامت للمحذوفات عند القراءة أو الإلقاء أيضا ، ونتناول إيقاعات الحيدوس أو الهيت ، إن هناك تصريفا للوزن بشكل غريب أحيانا يجعلك تعتقد أن الوزن مختل أو أنه لا وزن هناك ، نقرات متتالية على البندير بدون نظام هو النظام نفسه ،حقا إن هناك وزنا محددا لا يقبل التمازج مع وزن مغاير ولكنه وزن متفتح على الإضافة والتحرك وهذا ما نعدمه في الإيقاع الشعري ، إنه الوزن الخفي الذي تحدث عنه إليوت إلى حد ما .
      إن الفرق بين إيقاع الكلمات وتراكيبها التي تخلقها بنفسها وبين القصيدة التي تريد أن تحبس كلماتها في إيقاع معين مسألة لا تحتاج إلا لمزيد من المراس والقدرة على فهم واستيعاب التعدد ، ولست بحاجة إلى القول بأننا مدعوون إلى إبعاد ونفي ما بصم به إرنست رينان وأتباعه من الأعاجم عقلياتنا بأنها عقليات توحيدية لا تستطيع النفاذ للمركبات والمعقدات ، ومجال الموسيقى أيضا يحكمه ما يحكم الإبداع إذ لا نجد قدرة على فهم وتطبيق الموسيقى من خلال تنزع في النظرة بحيث تكون العقلية المبدعة والمتلقية جامعة للأقانيم وممتدة في نفس الموضوع الإطار ، إن عدم وصولنا في الموسيقى إلى ما يسمى بالتناغم يقابله حقا قصورنا في مجال الإبداع الشعري وعدم تمكننا من استخلاص الشيء من اثنين وإدراك الشعر سواء في الشعر أو النثر ، إننا أقرب إلى  الخيل التي تحاذي عيونها بقطعتي جلد   لترى طريقا واحدا أمامها فقط : الشعر يعادل التفعيلة والنثر انسياب وما عدا ذلك فلا شيء هماك.
       إن الشعر يكون قبل أن تكون اللغة وحدودها ، ولكنه باللغة يكون ، فباستحضار اللغة باعتبارها المميز للكائن الإنساني ووسيلة تعبيره الأولى بها نقول الشعر أو نقول عداه ، قد تحتوي هذه اللغة على الشاعرية المسكوبة وقد تظل بعيدة حاملة كل كلمة فيها مدلولها الخاص مضافا إلى المدلول الخاص لكلمة أخرى ومدلول خاص لكلمة أخرى ونكون أمام حالة مثيرة فعلا قد تقترب من الشعر بمبهماتها ، ولعله كان من باب التحديد إضافة قيود إلى الشعر أو أن الشعر تميز بالأشكال التي نراها عليه من وزن وقافية ، ولكننا بالنظر المتأمل نتأكد من أن الوزن مستوعب للنثر أيضا ثم إن عددا من القصائد العمودية لا تختلف في شيء عن النثر ،وإنه لمن الأكيد ما دامت نقاط الائتلاف بين الشعر  والنثر أكثر من نقاط الاختلاف أن يتحدد الشعر بمعياره الحقيقي ، معيار تضمنه لحقائق  وتجليات وحمولة وخلق شعري ،لا كونه مقيدا أو غير مقيد.
        إن الكلمات وموسيقاها الداخلية وتراكيبها أحيانا وتجانس الكلمات ودلالاتها أمر بيد هذا الشاعر والناثر لا فرق إلا في استعمال هذه المواد ، بل إن النثر بتراكيبه المعتادة والأكثر تحررا تتضمن غالبا من الشعر  ما تعجز دونه الوسائل المعقدة التي أرادوها لتحديد الشعر في حين أنها تعمل على نفيه في الغالب الأعم ، ومالنا ولهذا الشعر الذي عزلناه بأقانيمنا ثم ها نحن نتحدث عن "علاقة الشعر بالفنون الجميلة بالرسم ، علاقة الشعر بالموسيقى " (7)علاقة الشعر بالرياضة  الفكرية .
       لا أشك في أن الشعر هو كل الفنون وأن التعبير عنه دائما تعبير جديد له مكوناته التي تنشأ بوجوده ، قد تكون البنى الموسيقية الناتجة عن تناغم الكلمات ، قد تكون الإيقاعات المتكررة ،قد تكون الصورة أو الكاريكاتور ، قد تكون الحوار الداخلي أو الحوار مع الأشياء ، قد تكون اللقطة ، قد تكون البنيات الدرامية الملحمية ، قد تكون الغنائيات البسيطة و قد تكون اللوحات التركيبية ، قد تكون الخاطرة ، إن كل هذه الإشكال لا يتحدد مدى استعمالها إلا من خلال المضمون وبأسلوب جدلي لا أولية فيه للمضمون دون الشكل ولكن لهما معا . تبقى مسألة بنية الكلام الشعري وهذه في نظري مضاف إليها طريقة الفهم الشعري والتناول هي المميز الفصل للشعر ن إن موقف الشاعر الانسان تجاه الأسئلة الكبرى هو ما يحدد الشعر ، وليس الوقوف أمام الأسئلة يستدعي دائما أجوبة ، إن الشعر وهو متناول للميتافيزيقا أو كاشف لملكوت النفس وارتطامات الانسان بالأشياء بالكون ، بعلاقة الانسان بنفسه علاقاته مع غيره مع معطيات الوجود وغيبياته يظل شعرا بمعنى إنه مستوعب لخلاصات التجارب الانسانية ومحرك لها ، ومن ثم فإن استيعاب التجربة الانسانية في الكون وتحريكها ليس بالضرورة استيعابا متحفيا ، وأقول بالضرورة ، فكلما كانت متحفية الإبداع عائقا دون الإبداع أو شيوع الإبداع كان من الأولى إعطاء الأولوية للإبداع بتلقائيته واعتماده لشروطه الخاصة التي تأتي مع الخلق ومن ذاته لا إسقاطات جمالية محددة يتم إلباسها لكل التجارب دون مقاسات اللهم كونها موضة العصر موضة الكتابة .
      وأتصور القصيدة عملا مفاجئا ، فالقارئ أو المتلقي تعود على الشعر ، شعر الأبيات ن شعر كلمة في سطر أو كلمتين ،ومن الناس من يقلب الصفحات كلما تأكد له من خلال هندسية الكتابة أن الكلام شعر ، لهذا تأتي القصيدة الجديدة وفي ركابها قصيدة النثر شراكا يستدرج القارئ أو المستمع ضمن أشكال معتادة لا تدعي التميز عن الكلام العادي المنثور ، وتربح القصيدة قارئا كان يعتقد أنه يقرأ مقالة ينهيها ليعود متسائلا أي شكل من أشكال النثر هذه الكتابة ليتيقن من أنها شعر ،إن طقوس الكتابات الشعرية القديمة عزلت الشعر ولا نخفي أن من بين القراء من يتجاوز صفحات الشعر هربا من وجع الدماغ ومن الخواء في حين أنه ما من أحد لا يقرأ النثر ، كلنا قارئون للنثر ومتحدثون به ، ولكن من الشعراء من يريد أن يجعل من الشعر مملكة لا يغشاها إلا المقربون ، ومن هنا فالعودة إلى الأشكال العادية ضرورية لتحرير الإبداع كلما كانت التجربة انسيابا لا يستدعي هذه الوقفات والأسطر ، أفرأ قصائد وأكتبها أحيانا تضم في  كل سطر منها كلمة أو كلمتين ، هكذا ، وألمس نوعا من السلطوية ممنوحا لكلمة في سطر واحد أرادها الشاعر مفتاحا للقصيدة أو معلمة بارزة من معالمها  ، غير أن عددا من هذه التجزيئات اللغوية تجعل الكلمة تلعب لعبتها الخاصة ، لعبة حمل دلالتها أكثر من اشتراكها لتأدية معنى مخلوق ، وبذلك يكون اندراج الكلمات ضمن جيش تعبيري متماسك أكثر ايحاء وأداء ، بمعنى أن اختفاء الدلالات المفردة للكلمات في السياق نسبيا وتضافرها لتأدية معنى ينتج التحاما بين دلالات متعددة هو ما يجعلنا نتلقى ما نتلقى من معان مقصودة ناسين الوسيلة وكل المتاهات الشكلية ، وأمثل لذلك بكتابات بعض المتصوفين وأبرزهم النفري ، لا أعتقد أن مواقف النفري نثرية ولا كتابته أيضا وإلا بماذا نفسر هذه القوة التي تجري في كلمات معتادة ومعتادة جدا
 
 
 
الغموض والوضوح 
      قضية أخرى: غموض الشعر ووضوح النثر  ، قضية مردودة لأن الوضوح والغموض مرتبطان بالموضوع المعبر عنه وليس بالنثر أو الشعر ، قد يكون النثر غامضا إذا كان ما يراد التعبير عنه غامضا وقد يكون واضحا في الأغلب الأعم باعتبار أن المرامي التي يستهدف التعبير عنها عادية بعكس الشعر الذي يتلبس الغموض اعتبارا لتعقد التجربة أو استعصاء المجال المتناول أو حتى جدة التركيبات اللغوية ، تلك التركيبات غير المألوفة إلى حد ما ، وهذا لا ينفي أن يكون هناك شعر واضح وضوح النثر العادي ترتكز حرارته في نقل موضوع أو موضوعات معينة ، إلا أن أغلب الشعراء يخيفهم هذا الوضوح وكأنه نفي للشاعرية فيلجأون إلى تغليف هذا الوضوح بأصباغ ومحسنات بلاغية وتفنن عروضي وكأنهم بذلك يضيفون إلى شعرهم من الطقوس ما يكفي لتمييزه عن النثر، والواقع ان غموض الشعر أو وضوحه في القصيدة العمودية أو قصيدة النثر لا يتحدد إراديا أبدا ، أما حال المعاجميين المتعاملين مع الكلمات وإفرازاتهم فشيء آخر سواء في الشعر أو النثر.
 
 
 
خلاصات
 أعتقد أن تشتت الأشكال الفنية الأدبية هو ما يجعل كل الفنون مفتقرة ، ولعل مقولة إن الشعر ديوان العرب ما كانت لتكون لو طفت فنون أخرى أو ساعدت طبيعة العرب على تواجد فنون أخرى وآداب بنفس مستوى القصيدة ، وحقا لقد وصل الشعر ذروته خلقا وشيوعا وفاعلية ، ولكن ومرجلتنا الحضارية مختلفة تماما عن العصر الجاهلي والحالة ان الفنون وجدت مجالاتها وتمسك كل فن من فنون القول أو التعبير بمقاييسه وأثرى في حدوده الخاصة ها نجن نجد كل الفنون متطاولة ولا نجد فنا واحدا يعبر عن الانسان تعبيرا جامعا مانعا كاملا شافيا ، إن الاجتزائية في مجال التعبير الانساني دعت الكلمة إلى جمع مقاييس ومعايير حولها وانفردت عن أخواتها لتكون هذه قصيدة وهذه قصة مع أن المفروض أن جل الخلق الانساني في ميدان التعبير عن الذات والواقع وما وراءه هي شعر ، الرسم شعر والموسيقى شعر ،وهكذا ، وإني لا أرى الشعر إلا شاملا لكل الفنون الأخرى وأنواع التعبير بما فيها النثرية.
        إن كل الأشكال التعبيرية تضم بين ثناياها شيئا من الشاعرية ، لكن الشعر بشموليته واعتماده على أبدع ما تميز به الانسان وهو اللغة المنطوقة قادر على ضم مختلف جزئيات أشكال التعبير المختلفة بمعنى أن الشعر قد يستوعب الموسيقى كما هي وموسيقى العروض أو الموسيقى المقطعية أو الإلقائية ، قد يستوعب الرسم وقد أكد هذا الإتجاه الدادائي ، قد يستوعب الكاريكاتور وقد يستوعب جماليات النثر من سجع وخطابية كما أسلفت ، لماذا نريد حصر الشعر في نطاق معين ، أعتقد أن الراسم وهو يرسم أو الموسيقي وهو يلحن يقوم بعملية إبداع شعري ،قد تختلف وسائل التبليغ ولكن يظل العمل شعريا ، لماذا لا يسعى الشعر إلى توحيد شتلته فيشمل كل أنواع التعبير حسب الإقتضاء . فكرت مرة في قراءة قصيدة نثرية بشكل غنائي وكنت قد كتبتها مدندنا بنغمات مسترسلة ولكن الإقدام على المغامرة راعني ويشهد الله أن كتابتها بدون تصنع جاءت مصاحبة للموسيقى ،  ليس العروضية ولكن الموسيقى ، مقطع على الصبا أشد النغمات جزنا ومقطع على الحجاز أشد النغمات تجسيدا للتيه والغربة والحنين ، وقد يتحداني قارئ للقصيدة أين هي الموسيقى ؟ إنه يسأل عن  العروض وقد تجاوزتهلأخفي ما يسميه منثورا إلى الموسيقى الخالصة . لماذا نفرض على الشعر شكليات مستقاة من عنده مع أن كل المظاهر التعبيرية الأخرى هي جزء منه ،  قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا بقراءة معينة مغناة أو ممسرحة ، قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا طبق رسم معين ، إن الشعر سائر إلى الإنقراض بانفراديته وابتعاده عن طبيعته التي هي شاملة لكل الوسائل.
       أتصور سوق عكاظ وشاعرا من إياهم يقرأ شعره ، لاشك أنه وإضافة إلى العروض كان الشاعر خطيبا وممثلا ومهرجا ومغنيا وراسم حركات على الهواء وغلا ما كانت له كل هذه القوة في حفر قصائده في الأدمغة .
     إن الشاعر بالضرورة لا بد أن يكون كل الأدب والفن ، ولا أعتقد أن الرسام مطالب بأكثر من فهمه للغة الألوان  ، الرسام في حدود تعامله خصوصي ويتحرك في مجال معين ولكن الشعر قاسم مشترك في كل المجالات ، لذلك لا يستغرب أحد إذا رأى قصيدة على شكل نثر قصيدة خطية قصيدة لوحة قصيدة أغنية قصيدة رواية . إن الشعر هو كل الأشكال والمضامين وليس الكلام الموزون المقفى ، ومن ثم كان سؤال " العلم " محرجا لي أيما إحراج إذ أطالب بالحديث عن قصيدة النثر بدل الشعر عامة .
     ولأننا نعيش عصر الثورات والإيديولوجيا ، لأننا نعيش كل العصور التي مضت والعصور التي لم تأت بعد فأنا لا أسقط التناولات التحليلية التفسيرية للواقع الداعية إلى استشراف آفاق أخرى ، فالشعر بطبيعته تجاوز غير أن التناول أيضا لا يمكن أن يكون كما أرى إلا اختزانا وتخميرا لكل العناصر التي تفرز العمل الإبداعي عن أصالة ، وأعتقد أن هذه الإفرازات لا يمكن أن تكون إلا تجاوزا للحدود المرسومة. الشعر موقف مختزل إزاء الوجود انطلاقا من الذات عبورا بالأشياء بالكون  بما يعتمل الآخرين ووجود الآخرين وقوفا بالأسئلة الكبرى ، ارتطاما بها ، خنوعا أمامها أو تجاوزا ، وبذلك لن يكون الطرح الحقيقي للإبداع إلا ذلكم الطرح الذي يصدر عن انسان مختزن كل عناصر الحياة والموت وليس مختزنا لحدود الشعر وحدود النثر ، ولن تكون أشكال هذا التعبير إلا أصيلة أصالة الإنسان نفسه لم تكسرها العصي التي ورثناها . إنها عودة بالكتابة ليس إلى النثر وحسب ولكن إلى ما أراه أصلا قبل التشتت ، فلا شك أن الناس لا زالوا يتساءلون أيهم الأسبق الشعر أم النثر ولا شك أنهم أدلوا بما شاؤوا من نظريات ، ولكن انطلاقا من تجربتي حالة الكتابة أجدني أقرب إلى الإنسان الأول الذي اعتقد أنه عندما كان يقف أمام بحر أو جبل تختلط معاناته لتبرز همهمات إشارات تغيرات فيزيولوجية كلاما رقصا أو تلاشيا ، نوعية هذا التعبير لا أستطيع أن أحدد مواصفاتها ولكن أسعى إلى استخراجها كلما حاولت الكتابة مستفيدا مما يغشاني من ترسبات ورصيد مستجمع لخبراتي تواجدا واطلاعا ومعايشة ، مستفيدا وغير مستفيد إذ أريد ألا تحصرني التصنيفات والأقانيم والتخوم الموضوعة : هذا شعر هذا نثر هذا كلام مسرحي . لا أشك أن هذا التخصيص للنوعيات كان ضرورة اقتضتها ضرورات ، ولكن أومن إيمانا عميقا بأن الشاعر لا بد أن يكون الانسان الأول على حد ما في سذاجته وبراءته وانفعاله بالكون والأشياء، ولأن انفعال الانسان المعاصر ليس انفعال سيدنا آدم والله أعلم فلا شك أن إفرازات المتأخرين ستكون أشد حرارة وقوة وما هي كذلك . 
   إن استهلالية المتنبي " واحر قلباه ممن قلبه شبم " تبز عديدا من التوعكات والتأوهات المعاصرة ، لا يعني طرح هذا الحديث تكريما لمن سبقوا وللبدائية وليس مثالية أو عوما فكريا ، إني ملتزم ولدي قناعاتي كما كان الانسان دائما ، كان الانسان يؤله الشمس أو القمر يعظم الشجرة أو قرون بقرة ، كانت تلك قناعات واليوم الانسان يؤله شيوعية أو رأسمالية ، قصيدة شعر أو قصيدة نثر أو يرفض الكل . إن ما يؤكد دعواي اننا نجد أكثر الكلام شاعرية كلاما أقرب إلى الخرافية واكتساء ما يمكن أن أسميه الجهل أو التجاهل للأشياء واختلاط المفاهيم في الذهن ، إنها عودة إلى موقف شعري ، قبل الشعر وقبل النثر ، موقف بدائي ولا شك . إن الشعر يرتضي أن يكون أكثر العلوم جهلا وتجاهلا للأشياء ، خلقا لها بشكل آخر ، فالشاعر إذ يقف أمام دمعة حزن في العين ويراها بلورا ودرا منثورا إنه ليس سخيفا إلى هذا الحد بقدر ما هو رؤية استقبالية تختزن أملا مفقودا أمل لو كانت دمعة الحزن شيئا آخر ، لذلك أعود إلى نظرتي إلى الكتابة ومضمون الكتابة مؤكدا على أننا استنفذنا الأشكال الموروثة متحفية مستوردة ، طبقنا في كتاباتنا حدود كل المدارس وقد نكون بلغنا شعرا ولكنه شعر تبعي إلى الخليل في طرق تفجيره تبعي للعالم المتقدم في أبعاده وأشكاله أيضا ، خصائص اللغة الفرنسية مثلا ليست خصائص اللغة العربية ، رصيد هذه اللغة الحضاري التاريخي ليس رصيد العربية ، قد يكون أقل أو أكثر ، هذا ليس مهما ولكنها ليست نفس الخصائص ، نعم إن التجربة الانسانية تظل واحدة بالرغم من تنوعاتها ولكن التعبير عن التجربة إذا افتقد خصوصياته الحضارية التاريخية اللغوية فقد مسخ ، وقد يواجهني مواجه إذن لماذا نقبل قصيدة النثر فأقول بأن كل الحيوانات تصدر أصواتا وإنها مشتركة في صفة الحيوانية ولكن بعضها يموء وبعضها يزأر وبعضها ينبح وبعضها لايمكن أن ينبح إلا وهو يعض أو يتراجع وإنها الخصوصيات التي افتقدناها .
       إن مقولة أن الأدب عالمي قد تصح ولكن من يروجونها يروجون أيضا للقوالب والأشكال التي وضعوها هم. ماذا وضعنا نحن عدا ما وضع الخليل ؟ وصلنا إلى تثوير اللغة وصلنا إلى نثرية القصيدة، إلى الكتابة الأوتوماتيكية ، إلى تطبيق مختلف المدارس النفسية والأدبية عموما على أدبنا العربي ؟ وكنا مستوردين وظل أدبنا غير ممثل كل التمثيل لحقيقة تحولات العالم العربي ، لا زالت القصيدة إطرابا للأذن إنشادا ولا زالت المضامين عبدة لا يمكن  أن تكون إلا تابعة ، المواصفات اختلطت ، ومعنى هذا أن البحث عن أشكال تفجيرية للشعر العربي أمر مطروح ، ولا أعتقد أن الشعر العمودي يمثله اللهم في خلق غنائيات محدودة نفسا وموضوعا وهي مرتبطة بالمترفين ومطربيهم ، إني لا أرى الشعر العمودي الآن حيا إلا على الأعتاب ، ولا أعتقد أن النثرية بانطلاقاتها تجسد البديل لتحطيمها للعروض والفواصل بين كتابة وكتابة ن لعلهم في القديم اختاروا إيقاعاتهم وحدوهم وعاء لحفظ إبداعهم وقد حفظ الإيقاع ووعى وظل في الصدور ونحن لا نكتب وننتظر من الرواة تناقل قصائدنا فنسهل عليهم مهمة استرجاعها بالمجالس . إن الشعر لم يعد بضاعة يخرجها الساحر من قبه ليدهش  المجالس ، ثم هذا التكثيف الشكلي هذا الحبس للتجربة في نطاق محطات وقوف تذكر بما مضى وتعد بما سيأتي تطرح صائتا لينذر بأن صامتا بعده أصبح متجاوزا. أن تحفظ القصيدة أمر لم يعد مطلوبا باعتبار أن ما يعمله حماد الراوية طوال عام قد تقوم به الصحيفة في دقائق وبذيوع أكبر.
       إنهم يريدون جعل الشعر علم الخاصة ، يحتكرون الثقافة مع أنها رأسمال شائع بقدر أو بآخر لدى الجميع ويمكن التأكيد لذلك بإبداعات الشعب في أمثاله وحكمه وممارساته الخلقية عامة .
       إن القضية ليست قضية شعر أو  نثر ، إنها قضية تعبير بالدرجة الأولى وإن أغلب الكتاب تدرجوا شعراء ثم قصاصين أو العكس أو اختلط عليهم الأمر وهم يبحثون عن التعبير الشامل ، ولعل احتفالية برشيد في المسرح اقتراب حقيقي من أصالة الانسان وأصالة تعبيره وشموليته ، وأعتقد أن الشعر أيضا يجب أن يرتد إلى أصوله التي افتقدت وما تبقى منها عبر عمليات النحت والتعرية على مر التاريخ إلا الشظايا والأشلاء والأشباه . سألتني العلم عن قصيدة النثر وقد حددت موقفي وإن لم يتجل ممارسة واعتقادي راسخ في أن المشكلة ليست قضية أو ظاهرة قصيدة النثر أو غيرها من الظواهر بقدر ما هي قضية قصيدة الشعر نفسها ، وهذا ما يجعلني في الوقت الراهن أقف بمحطة من خلالها أصرح بأنني أجهل الشعر أجهل النثر وأعرف الكتابة .
 
 
                              
​         رابح التيجاني .الرباط
                         (مساهمة في ملف عن قصيدة النثر سبق
                        ان احتضنها الملحق الثقافي لجريدة العلم )
    الهوامش :
-       (1) من كتاب " الشعر كيف نفهمه ونتذوقه " إليزابيت درو ترجمة الكتور محمد ابراهيم الشوش ص 49.
-       (2) عن كتاب " شعرنا الحديث إلى أين "غالي شكري ص82.
-       (3)" الأدب الملتزم " لجان بول سارتر ترجمة جورج طرابيشي ص 78و79.
-       (4)إشارة إلى كتيب الدكتور نعيم حسن الباقي " الشعر بين الفنون الجميلة " سلسلة إقرأ العدد 192.
-       (5)في موضوع نبرية اللغة الانجليزية ومقطعية اللغة الفرنسية والشعر غير العمودي وغير الحر اعتمدت
Partager cet article
Repost0
19 juillet 2011 2 19 /07 /juillet /2011 13:04
نظرية الأجناس الأدبية theory of literary genres


عمار الجنابي
الحوار المتمدن - العدد: 3430 - 2011 / 7 / 18
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 

نظرية تشير إلى مبدأ تنظيمي يصنف الأعمال الأدبية تبعاً لأنماط أدبية خاصة من التنظيم أو البنية الداخلية لهذه الأعمال، وتستمد غالب هذه الأنماط من الأعمال الأدبية الرفيعة التي تتحول تقنياتها وقواعدها ومبادئ تنظيمها وطرائق بنائها، بفعل جملة من العوامل الاجتماعية، إلى معايير يأخذها الكتاب بالحسبان عندما ينشئون نصوصهم، ويجعل النقاد من هذه المعايير كذلك منطلقاً في تقويمهم للنصوص التي يواجهونها، كما يحدد بها القراء آفاق توقعاتهم من النصوص عند قراءتها وتقديرها. وتكوّن الأجناس الأدبية ساحة مغنطيسية ذات تأثير فعال جداً في عملية إنتاج الأعمال الأدبية ونقدها واستهلاكها في أي تقليد أدبي قومي. وهي - أي الأجناس الأدبية - مؤسسة مهمة من مؤسسات أي مجتمع وتؤدي جملة من الوظائف تتصل بالكاتب والقارئ العام والقارئ الخبير معاً.
فأما الكاتب فإنه باستخدامه مؤسسة الجنس الأدبي، من جهة اختياره لها شكلاً فنياً يجسد رؤيته للعالم، يدلي ببيانات مهمة عن أسلافه في الجنس الأدبي المختار، وفي الفن عامة وفي الحياة جملة، مثلما يفصح عن آرائه فيهم وفيها. وهو كذلك يستخدم الجنس الأدبي لنقل رؤيته الفنية والاجتماعية والسياسية، ونشرها في مجتمعه بوساطة العمل الأدبي الذي يجسدها. وفضلاً عن ذلك فإنه يحدد النظام الترميزي code الذي يحكم رسالته الفنية التي يود أن تبلغ قارئه عندما يحسن تفسيرها تبعاً لهذا النظام الترميزي، مثلما يحدد آفاق توقعات قارئه ليرضيها أو يحبطها، فيما بعد، بحسب الغرض الذي يريده من عمله.
وأما القارئ العام فإن مؤسسة الجنس الأدبي تكوّن لديه نظام ترميز يتعامل به مع العمل الأدبي ويرسم آفاق توقعاته تبعاً له، ويحكم في النهاية استجابته له القريبة والبعيدة، مثلما يكوّن ذوقه النوعي الخاص بهذا الجنس الأدبي، هذا الذوق الذي يكون حصيلة تراكم قراءاته في أطوار حياته المختلفة.
وأما القارئ الخبير، أو ما يعرف عادة بالناقد الأدبي، فإن مؤسسة الجنس الأدبي غالباً ما تكون الإطار المرجعي frame of reference الذي يحكم قراءته النقدية للعمل الأدبي: أي اختياره إياه وشرحه لغوامضه وتحليله لبناه الكبرى والصغرى وتفسيره لدلالاته، وتبينه لصلاته الأدبية وفوق الأدبية، وتحديده المصادر الأدبية القومية والعالمية، ثم الحكم عليه في النهاية وذلك عن طريق وضعه في عدة سياقات contexts من الجنس الأدبي المحلي، والجنس الأدبي القومي، والجنس الأدبي العالمي آنياً وتاريخياً.
إن الجنس الأدبي بهذا المعنى هو المحرق الذي تلتقي فيه القوى الفاعلة في عملية الإنتاج الأدبي في أي مجتمع من المجتمعات: من كاتب وقارئ وجملة عوامل وشروط ومحددات تسهم جميعاً في تشكيله.
ترجع نظرية الأجناس الأدبية في أصولها الغربية إلى تمييز أفلاطون بين نمطين من أنماط إعادة إنتاج موضوع، أو شيء أو شخص ما، هما نمط الوصف أو التصوير بالكلمات ونمط المحاكاة mimesis. ولما كان الشعر، أداة الأدب الأقدم، في إعادة إنتاجه للموضوعات الخارجية، فقد قسمه أفلاطون إلى شعر محاكاة مباشرة للأشخاص هو الشعر المسرحي، وشعر وصف وتصوير للأعمال الإنسانية هو الشعر السردي. وتقسيم كهذا يترك الكثير من الشعر خارج دائرة التصنيف، الأمر الذي اضطر أفلاطون إلى إدخال قسم ثالث ذي نمط مختلف يتناوب فيه الحوار والسرد كما هو الشأن في الملحمة حيث يندر استخدام السرد الصرف. ومع ذلك فقد بقي الشعر الغنائي الذي يعبر فيه الشاعر عن أفكاره ومشاعره خارج دائرة أفلاطون ومخططه.
وإذ تبنى أرسطو في كتابه «فن الشعر» poetics قسمة أستاذه الأساسية، فإنه لم يلتفت إلى الشعر الغنائي بوصفه جنساً أدبياً رئيساً. والتقسيم الثلاثي الشائع للشعر إلى مسرحي وملحمي وغنائي، الذي ينسب عادة إلى العبقرية اليونانية، لايعود في حقيقة الأمر إلى عصر أرسطو ولا إليه، وإنما إلى عملية طويلة من الجمع والتعديل والإعادة مع التغيير الطفيف لقوائم تقليدية معينة من الأجناس الأدبية، ولم يأخذ هذا التقسيم صيغته الثلاثية هذه إلا في القرن السادس عشر الميلادي.والحقيقة أن فن الشعر عند أرسطو ينصرف في معظمه لدراسة جنس المأساة بوصفه جنساً أدبياً يسمو على ما سواه من الملهاة والملحمة وغيرهما. وأما إشاراته العابرة أو المتأنية للملهاة والملحمة فقد جاءت في معرض مقارنتهما بالماساة بهدف توضيح جوانب مهمة من هذا الجنس الرفيع الذي بلغ أوجه ما قبل عصر أرسطو، وكان من الطبيعي أن يتناوله بهذا الاهتمام والتفصيل الشديدين، وأن يعير اهتماماً أقل لكل من الملحمة والملهاة لأنهما دون المأساة وظيفةً (في التطهير) وأسلوباً (في اعتمادها الأسلوب النبيل كما أسماه اليونانيون).
وفي العصر الأثيني Attic Age لايجد المرء تقسيماً واضحاً وبسيطاً للأجناس الأدبية، وإنما يصادف تشكيلة واسعة من المصطلحات المستخدمة في الإشارة إلى أجناس محددة مثل الملحمة (أو الشعر المنشد) والمسرحية ( أو الشعر الممثل)، بنوعيها المأساة والملهاة، والشعر الهجائي المعروف باسم الإيامبي iambic لأنه منظوم على البحر الإيامبي، والشعر (الرثائي)الإليجي elegiac المنظوم على الدوبيت الإليجي، والشعر الإنشادي melic أي الشعر المغنى من الجوقة والمصاحب بالناي أو القيثارة أو بهما معاً، وهو الأقرب إلى مفهوم الشعر الغنائي اليوم، وغير ذلك مثل النشيد أو الترنيمة hymn والديثرامب (أو أمدوحة باخوس) dithyrambos وأغاني الجوقة وأغاني النصر والاحتفالات.
وقد قامت مدرسة الاسكندرية فيما بعد بتمثل الإنتاج الأدبي اليوناني وتصنيف القصائد ووضعها في مجموعات وطبقات تيسر تحديد القوانين والقواعد التي تحكم أعمال أفضل الشعراء، مما عزز الوعي بالأجناس الأدبية. وأثمر هذا عملاً متميزاً قام به ديونيسيوس تراكس Dionysios Thrax في القرن الثاني ق.م عندما وضع قائمة بعدد من الأجناس الأدبية تضم المأساة، والملهاة، والمرثية، والملحمة، والشعر الغنائي وغيرها. وقصد بالشعر الغنائي lyric ما توحي به التسمية ذاتها، أي الشعر المغنى المصاحب بالعزف على القيثارة lyre. كما أضيفت إلى هذه الأجناس أجناس أخرى مثل أنشودة الرعاةidyll والشعر الرعوي pastoral والنثر القصصي prose fiction. ومع ذلك فقد ظل تقسيم أفلاطون يلقي بظله على تصنيفالأعمال الأدبية قروناً طويلة، وهو التقسيم الذي يجده الباحث لدى النحوي ديوميدس Diomedes في القرن الرابع الميلادي ممثلاً بجنس التمثيل genus activum وجنس السرد genus enarrativum والجنس المزيج .genus mixtum ولكن هذا الظل ما لبث أن انحسر تماماً في العصور الوسطى إذ ضاعت كل فكرة المسرحية مثلما نسيت المعاني الدقيقة لمصطلحات الأجناس الأدبية بعد إغلاق المسارح، وجُعل الأدب مجرد خادم مطيع للاهوت، فالمسرحية drama على سبيل المثال كانت تستخدم في الكتابات البيزنطية لتشير إلى الرواية وكانت تعني في الغرب الأوربي الحوار الفلسفي. ومع مجيء دانتي أليغيري تبددت فكرة المسرحية تماماً، فقصيدته، التي تعد بحق رائعة عصرها، غدت عنده ملهاة لأنها حكاية ينتهي المطاف فيها بالفردوس، ولأنها منظومة بأسلوب وسط لانبيل ولا وضيع، و«الإليادة» ملحمة فرجيل الخالدة غدت مأساة. وهذا خلط واضح لكل ما أنجزته العصور السابقة من تقدم في نظرية الأجناس الأدبية. ولكن هذا لايعني بحال من الأحوال أن العصور الوسطى لم يكن لها أجناسها الأدبية الخاصة بها. وكل ما في الأمر أنه لم يكن ثمة من أرسطو يصنفها ويؤطرها ويقيم دعائمها النظرية على أسس فلسفية واضحة.
من هنا قامت مجهودات عصر النهضة في نظرية الأجناس الأدبية على أساس من عودتها إلى كتاب «فن الشعر» لأرسطو الذي أهمله كتاب العصور الوسطى باستثناء الفلاسفة العرب المسلمين من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. وهكذا ترجم الكتاب في القرن الثالث عشر. وتزامن ذلك مع عودة، قوامها الخبرة والمعرفة الدقيقة، إلى الآداب القديمة وإحياء للمسرح في شكله الكلاسيكي. والحقيقة أن عودة النقاد ومنظري الأدب من جديد إلى النص الأصلي لكتاب أرسطو في القرن السادس عشر جاءت كشفاً جديداً واستدعت الكثير من التعليقات والمعارك غدت معها نظرية الأجناس الأدبية أساساً للنظام النقدي السائد. وشرع نقاد العصر في وضع قوانين وقواعد متطورة للمسرحية والملحمة استنبطت افتراضاً من أرسطو, وقاد هذا إلى خلافات حادة حول «الملهاة الإلهية» لدانتي وأعمال أريوستو Ariosto وسبنسر Spenser التي لم تتفق على أي نحو، مع المخططات الكلاسيكية. وفضلاً عن ذلك فقد غدت قصائد بتراركا Petrarca في الغزل والحب نموذجاً يحتذى في مختلف الآداب الأوربية الوليدة، الأمر الذي اضطر النقاد إلى مواجهة مشكلة إغفال الشعر الغنائي هذا الإغفال الذي لم يعد مقبولاً منذ ذلك الحين. وحاول بعضهم حل المشكلة بإخضاع الشعر الغنائي لنظرية المحاكاة الأرسطية زاعماً أن الشاعر الغنائي إنما يحاكي نفسه، في حين رفضه بعضهم الآخر جملة بحجة أنه ليس شعراً. ومع ذلك لم يعدم الشعر الغنائي من يدافع عنه، فقد أثبته مينترنو Minturno عام 1559 في قائمة أنواع الشعر الثلاثة الرئيسة واصفاً إياه على نحو يذكر بتقسيم أفلاطون الآنف الذكر. فهو شعر إنشادي يحاكي الأعمال الإنسانية حيناً، ويسردها حيناً آخر، ويدخل متحدثين آخرين حيناً ثالثاً.
والحقيقة أن سيادة الإيمان بنظرية الأجناس الأدبية لم تكن كاملة في القرن السادس عشر، فقد كان هناك من يشكك فيها. وها هو برونو Bruno يردد أن ثمة أجناساً للشعر بعدد الشعراء. وكذلك فإن ازدهار المسرحية الإليزابيثية والإسبانية اللتين خرجتا على القواعد الكلاسيكية، ولاسيما الوحدات الثلاث: الزمان والمكان والموضوع، زعزع من سيادة النظرية، وشهد القرنان السابع عشر والثامن عشر خلافات حادة حول أجناس أخرى من مثل الشعر الرعوي ومسرحية البورلسكburlesque والملحمة الساخرة mock epic . وامتد هذا الخلاف إلى الحركة الرومنتية (الإبداعية) التي كانت وراء الثورة على الفواصل والحدود بين الأجناس الأدبية كالفصل بين المأساة والملهاة. وقد تفاوت الرومنتيون في مواقفهم تجاه هذه القضية: ففضل فريق منهم المزج بين جنسين أو أكثر داعياً إلى شكل شعري شامل، وحاجّ فريق آخر من أجل جنس جديد كالرواية التاريخية والمسرحية التاريخية، ومجد فريق ثالث الشعر الغنائي لأنه جوهر كل الشعر وروح الإحياء فيه، وتصور فريق رابع إلغاء كل التعريفات والتصنيفات المتصلة بالأجناس الأدبية كما فعل فردريش شليغل F. Schlegel في كتابه «حوار عن الشعر 1800» في حين ألمح أخوه أوغُست فيلهلم شليغل A.W.Schlegel إلى نوع من التوازي بين ثالوثالأجناس الأدبية الشعر الغنائي، الملحمة، المسرحية، من جهة، والثالوث الجدلي الأطروحة thesis، والنقيض antithesis، والتركيب synthesis من جهة أخرى: فالملحمة موضوعية، والشعر الغنائي ذاتي، والمسرحية مزيج متداخل منهما معاً. وقد غدا هذا التوازي شائعاً وراج بين مختلف منظري القرن التاسع عشر الذين استلهموه بطرق مختلفة، ولاسيما علماء الجمال الميتافيزيقيين الذين اتخذوا منه حافزاً لإقامة نظمهم الخاصة بالفنون الجميلة والأجناس الأدبية.
وشهد القرن التاسع عشر مؤثراً قديماً - جديداً في نظرية الأجناس الأدبية هو مفهوم التطور الذي تعود جذوره الأولى إلى أرسطو. ويبدو أن التطور وجد في أفكار داروين وسبنسر حافزاً قوياً على معاودة دوره، فغدت أفكار التطورية الجديدة تطبق بشغف على تاريخ الأدب في أقطار عدة وهكذا طبق جون أدنغتن سِمندز John Addington Symonds في إنكلترا التشبيه البيولوجي (1884) بصراحة لاترحم، وقال: «إن الدراما الإليزابيثية خط واضح المعالم قوامه الولادة، فالتوسع، فالازدهار، فالذبول» ووصف هذا التطور فعدّه تفتحاً لعناصر جنينية لايمكن إضافة شيء لها، تسير مسيرتها بحتمية حديدية إلى مرحلة الذبول المحتومة. وتبعه رتشارد غرين مولين الإنكليزي، وبوزْنتْ النيوزيلندي وغمير ومكنزي الأمريكيان وغيرهم. ويظل الفرنسي برونتيير Brunetiére في كتابه «تطور الأجناس في تاريخ الأدب» من أبرز مستلهمي هذا المفهوم. فقد حاول أن ينقل بعض المفاهيم البيولوجية الصرفة من الداروينية إلى الأدب، واعتقد أن الأجناس الأدبية لها وجود في الواقع كوجود الأجناس البيولوجية. وكان يقارن باستمرار بين تاريخ الأجناس الأدبية وتاريخ الكائنات البشرية، وقال: «إن التراجيديا الفرنسية ولدت مع جوديل، ونضجت مع كورني، وشاخت مع فولتير، ثم ماتت قبل هوغو». وأكثر من هذا فقد استخدم برونتيير في تأريخه للأجناس الأدبية تشبيه الصراع من أجل البقاء، لكي يصف تنازع هذه الأجناس فيما بينها، وقال إن بعض الأجناس تتحول إلى أجناس أخرى.
وقد حاول بعض أتباع برونتيير أن يمضوا إلى أبعد مما مضى هو من دون أن يكون عملهم أكثر إقناعاً من عمله. وسرعان ما واجه مفهوم التطور الكثير من النقد والرفض باسم العبقرية حيناً، والتقويم الانطباعي في بعض نواحيه حيناً آخر، ولاسيما من جانب كروتشه Croce الذي كان هجومه على مفهوم الجنس الأدبي بالذات مقنعاً من جميع النواحي. وقد عملت أفكاره المتعلقة بتفرد كل عمل أدبي عما سواه، ورفضه الوسائل والطرائق والأساليب الفنية ولو كانت موضوعات للتاريخ، على تقويض أساس التطورية برمتها في نظر الكثيرين. انطلق كروتشه في هجومه هذا على مفهوم الجنس الأدبي من نظريته في المعرفة التي تتخذ لديه وجهين رئيسين: الحدسي الذي يتم من خلال الخيال، ويتألف من معرفة الظواهر الفردية، وينتج الصور، والمنطقي الذي يتحقق من خلال الذهن، ويركز على الظواهر العامة الشاملة، وينتج المفاهيم. ولما كان إبداع الفن والاستجابة له فعلين يمثلان المعرفة الحدسية في عرفه، فإن مقولات الأجناس الأدبية، تشوه، كما يرى، استجابات القارئ الذي يسعى إلى تطبيقها على العمل الفني، لأنها تقوده إلى أن ينتقل من الاستجابة الحدسية إلى الاستجابة المنطقية لذلك العمل، ولايمكن للاستجابتين أن تجتمعا معاً. وفضلاً عن ذلك فإن تصنيف الأدب إلى أجناسه المختلفة إنكار لطبيعة الأدب ذاتها، ولاسيما أن كل عمل أدبي جدير بهذه التسمية يعمل على تحطيم قوانين الأجناس الأدبية في مسعاه لتحقيق تفرده.
وقد وجدت تحفظات كروتشه أصداء مختلفة لدى عدد كبير من نقاد القرن العشرين، فرأى بعضهم أن العمل الفني الجدير باسمه يكون فريداً، وقال بعضهم الآخر بعدم «تحديدية» النص indeterminacy ومن هؤلاء جاك ديريدا Jacques Derrida ورولان بارت Roland Barthes الذي بيَّن في كتاباته الأخيرة أن القارئ إذ يواجه بسلسلة غير محدودة من الإشارات ونظم الترميز المتصارعة، يكاد يكون من المستحيل عليه تفسير عمل أدبي بدقة وموضوعية. وأقر بعضهم، من ناحية أخرى، أهمية نظرية الأجناس الأدبية في الآداب القديمة، وزعم أنها لا تقوم بالدور نفسه في الأدب الحديث.
ومع ذلك فإن نظرية الأجناس الأدبية لم تعدم من يدافع عنها في هذا القرن، وربما كان من أبرز هؤلاء ريناتوبوتجولي Renato poggioli الذي أكد في دفاعه عنها أن «الشعرية الحديثة» مثلها مثل نظيرتها القديمة، ما هي إلا نظام من الأجناس الأدبية، وطرح فكرة الشعرية غير المكتوبة unwritten poetics (أو الافتراضات التي تتناقل عن الأدب والتي لم تقنن في بيانات رسمية مكتوبة) التي تتولى عادة نقل المعايير والأعراف الأدبية إلى جانب «الشعرية الرسمية المكتوبة»، ومنهم كذلك الباحث الفرنسي المشهور بول فان تيغم P.V.Tieghem الذي بين في مقالته المعنونة بـ «مسألة الأجناس الأدبية» التي نشرتها له مجلة هليكون Helicon (مع مقالات أخرى لغيره تناصر جميعها فكرة الأجناس الأدبية) أن «فكرة الأجناس ليست ميتة، ولايمكن أن تكون كذلك، لأنها مؤسسة بثبات في النفس الإنسانية»، «فكل ذوق عاطفي، وكل حاجة اجتماعية أو دينية، يؤلف أو تؤلف جذراً لجنس مختلف يزهر على نحو أكثر أو أقل إرضاء».
ويبقى نقاد شيكاغو أو الأرسطيون المحدثون Neo - Aristotelians من أهم المنافحين عن مبدأ الجنس الأدبي في هذا القرن، وأكثرهم تقليدية ومحافظة في مناهجهم وافتراضاتهم. فقد سعوا، على سبيل المثال، إلى التوسع في النظام الأدبي الذي ينطوي عليه كتاب أرسطو «فن الشعر» وإلى تطويره، وذلك «بتصنيف أشكال أدبية لم يقدم أرسطو ذاته تعليقاً مطولاً عنها، أو بإضافة تمييزات أخرى لمقولات لايقيمها هو نفسه». يتحدث إلدر أولسون Elder Olson في مقالته «مخطط لنظرية شعرية» An Outline of poetic Theory عن أربعة أنماط أساسية للعمل: الأعمال التي تقدم شخصية واحدة في وضع مغلق أي في وضع لاتعقد أعمالها أعمال أي فاعل آخر، مثل معظم الشعر الغنائي، والأعمال التي تظهر شخصيتين أو أكثر في وضع مغلق، والأعمال المؤلفة من مجموعة من المشاهد، والأعمال المؤلفة من مجموعة من الحلقات episodes. ويقدم ر.س.كرين R.S.Crane في مقالته «مفهوم الحبكة وحبكة توم جونز» سلسلة من المبادئ لدراسة السرد، يمكن للمرء أن يلاحظ ما وراءها من أشكال النظر لأرسطو في موضوع المحاكاة.
وبمقدار ما كان الأرسطيون المحدثون - الذين صدروا عن فن الشعر لأرسطو - محافظين في موقفهم من نظرية الأجناس الأدبية، كان الشكليون الروس والبنيويون التشيكيون والفرنسيون مجددين في هذا الموقف منطلقين من اللغويات الحديثة لفرديناند دي سوسير وسواه. وقد برز من بينهم خاصة يوري تينيانوف Juri Tynyanov الذي عني بمشكلة تطور الأجناس الأدبية، واقترح «قانون الأضداد» Law of Contrast ناظماً لهذا التطور، ويان موكاروفسكي Jan Mukarjovsky الذي تناول الأجناس الأدبية من وجهة تمييز أقامه بين الحواري dialogic والمناجاتي monologic، ودرس مشكلة التطور الذي تخضع له هذه الأجناس دراسة خاصة، وتزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov الذي قدم دفاعاً مجيداً عن نظرية الأجناس الأدبية من منطلق بنيوي مؤكداً فكرة الصراع في تطور الأجناس الأدبية، ولاسيما عندما يثور العمل الأدبي الجاد على المعايير القائمة للأجناس الأدبية ويعدلها في ثورته هذه على نحو يطول الأجناس ذاتها.
وعلى الرغم من أهمية من تقدم ذكرهم في تاريخ الأجناس في القرن العشرين فإن نورثروب فراي Northrop Frayeوحده الذي ينهض قمة شامخة تطمح إلى هدف لايقل عن متابعة ما بدأه أرسطو نفسه. ذلك أن فراي يعتقد، كما يشير إلى ذلك صراحة في كتابه «تشريح النقد» Anatomy of Criticisim (1957)، أن نظرية الأجناس الأدبية لم تبارح النقطة التي بلغها أرسطو. ومن هنا كان إسهامه في تطوير هذه النظرية أصيلاً وخلافياً إلى درجة لم يبلغها مُنظر آخر منذ أرسطو. وربما كان ذلك أمراً طبيعياً بعد أن أسند إلى الناقد مهمة استكشاف النظام الأدبي وشرحه. فعلى سبيل المثال اقترح فراي تصنيف الأدب تبعاً لأنماطه أو صيغه modes وهذه فكرة مطورة عن فكرة موضوع المحاكاة لدى أرسطو، كما اقترح مقولة أخرى لتصنيف الأدب استعارها من اليونانية، وهي الكلمة نفسها التي استخدمها أرسطو للإشارة إلى العقدة من النمط الأولي وهذه هي الـ «mythos». ورأى أن العقدة من النمط الأولي أوسع وأسبق من الأشكال الأدبية العادية، وميز أربعاً منها يتطابق كل منها مع فصل من فصول السنة. أما ما يعرف بطريقة المحاكاة، فقد عمد فراي إلى إعادة تعريفها وسماها بالجنس genre وبيَّن أن الأجناس بهذا المعنى داخلية intrinsic وأساسية في الأعمال المعنية، فالمسرحية وإن طبعت ولم تمثل، تظل تخلص للجنس ذاته، وكذا الشأن في الملحمة التي تحتفظ بأعراف الإلقاء وإن لم يتم إلقاؤها. والقصة التي تتبع جنس الصفحة المطبوعة. والحقيقة أن عمل فراي، الذي امتد ما يقرب من أربعة عقود، على درجة من التعقيد والدقة والأهمية والتأثير الواسع والغني يصعب معها اختزاله في حيّز محدود، ولاسيما أنه لايزال يشارك على نحو فعال في ميدان النقد ونظرية الأدب حتى اليوم.
والخلاصة أن المنظور التاريخي لنظرية الأجناس الأدبية قد بيّن أنها مقولة باقية بقاء الأدب نفسه، ذلك الفيض المستمر، وإن أي عمل أدبي، مهما كان موقفه من الأجناس القائمة في التقليد الذي ينتمي إليه، لايستطيع أن يقطع صلته بها. ذلك أن الأجناس، على حد تعبير تزفيتان تودوروف، هي بالتحديد نقاط الأبدال relay - points التي يُعاود فيها العمل [الأدبي] الصلة بعالم الأدب.
المصادر
________
1-فن الشعر –ارسطو-185
2- تشريح النقد –نورثروب فراي- محمد عصفور-ص43
3- الادب والدلالة- تزفيتان تودوروف- محمد نديم خشفة-ص54
4- حوار عن الشعر-فريدريش شيلغل-سعيد محمود-ص26
4-الشكلانية الروسية - يوري تينيانوف – ص14





Partager cet article
Repost0
6 juillet 2011 3 06 /07 /juillet /2011 16:29
الأسس الجمالية في الرواية .. الكليّة الموضوعيّة والنمط
 

بقلم: صباح علي الشاهر

كلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما اتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. الكليّة في العمل الفني عالم وهمي، المقصود بالوهمي هنا مُتخيّل، قائم بذاته، إنها صيرورة مُستحدثة، ومبتدعه، تتميز بكونها ذات خاصية جمالية، إنها ليست كليّة بغنى الواقع، ولن تكون، كذب وادعاء الزعم بأن الكلية الفنية ذات الخصوصيّة، يمكن أن تكون أغنى وأعمق وأشمل من الواقع . القول بهذا ليس سوى هراء، إذ يظل الواقع أغنى وأعمق وأشمل من أي إبتداع، ولا يُطلب من الكلية ذات الخصوصيّة الفنيّة عكس الشمول والغنى المتنوع في الواقع، لأن هذا مستحيل، لكنها ينبغي أن تدل عليه وتُوحي به، وتستلهِمه، وإلا أصبحت مُجرد عبث ومضيّعة للجهد والوقت. ترتبط

الكلية مع النمط الذي هو الوحدة الجدليّة للخاص والعام، الفردي والشامل، الزائل والأزلي، بحيث يشكل هذا الإرتباط وحدة لا تنفصم في جماليّات كلاسيكيّات الماركسيّة، والمجال الخاص الذي يخلق النمطي هو الجوهر البنائي في هذه الجماليّات، إن النمطيّة التي هي مجال الفن الخاص ليست فقط مُتعلقة بالشخصيّات النمطيّة، وإنما بالظروف النمطيّة والأحوال النمطيّة أيضاً، ومن هنا يمكننا القول أن التعريف الذي قدمه إنجلز للواقعية من كونها (التصوير الصادق لشخصيات نمطيّة في ظروف نمطيّة) إنما هو تعريف للعمل الفني برمته من وجهة الماديّة الديالكتيكيّة، ولا يقتصر على العمل الروائي ، ولا على الأدب حتى. في تعريف إنجلز السالف يتحول الواقع الموضوعي من واقع ملموس (الكليّة التأريخيّة الإجتماعيّة)، وهي مادة العمل الفني الخام، إلى تجريد، (إلى شخصيّات وأوضاع) نمطيّة، إلى الوجود الفني الذي هو بمعنى من المعاني عرض تمثيلي ومجازي رمزي. وبمعنى آخر فإن المضمون، الذي هو الواقع، قد انتقل من المستوى الحياتي، الإجتماعي التأريخي، إلى مستوى الفن. لا يؤخذ الفرد في الظاهرة الإجتماعيّة كما هو في الواقع دونما ربط بالماهيّة الإنسانيّة الكليّة، التي هي في أحسن الأحوال مجرد تعميم. هذا الربط العضوي، البالغ الرهافة والشفافيّة، وهذا التناغم الفريد، والتماهي العذب بين الظاهرة والماهيّة هو الذي يمنح العمل الفني المنجز الخلود، بحيث يتخطّى الزمان والمكان، وهو بالذات ما يمنح العمل الفني خصوصيته وتجاوزه. يتحقق النمطي في العمل الفني من خلال العمل في مجال الخاص، والمقصود بالمجال الخاص، المجال الذي يتوسط الفردي من ناحية والكلي من ناحية أخرى، ففي كل إنسان مثلما في كل شيء، ماهو خاص وما هو عام، ماهو كلي وما هو فردي، وعبر التمازج العذب الصعب بين ما هو خاص وعام، فردي وكلي يخلق النمط الذي يتجاوز زمانه ومكانه، ويمنح العمل الفني ما يُسمى بالخلود، ذلك لأن النمطي يصور الكلي والفردي، الثابت والمتحوّل، الذي يبقى ما بقي الإنسان والزائل. إن الشخصيّة على مستوى الواقع شخصية فردية، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، تتحرك في ظروف نمطيّة، وتتعايش وتتصارع مع شخصيات أخرى، هي أيضاً ليست شخصيات فرديّة وإنما نمطيّة. وهكذا فإن الشكل الذي ينبع من المضمون هو في نهاية المطاف الذي يخلق العمل الفني كعالم وهمي مستقل، يثير المتعة الجماليّة ويقدم معرفة فريدة، ويتيح للمنجز الفني أن يتجاوز زمانه ومكانه، أي أنه يتجاوز الكليّة الإجتماعيّة التأريخيّة التي عمل في ظلها ومن خلالها. الشخصيّة على مستوى الواقع شخصيّة فرديّة، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، والظروف على مستوى الواقع تأريخيّة وإجتماعيّة، لكنها على مستوى الشكل الفني ظروف نمطيّة، لا يمكن تفسيرها كلياً في ظروف إجتماعيّة تأريخيّة خاصة ومحددة تماماً، دون النظر إلى الخصوصيةّ التي يتمتع بها الفن، ودون الإنتباه إلى أننا أمام عالم فني، وهمي، ومستقل. إن الواقع الإجتماعي والشخصيّة الفرديّة هما المضمون، لكن الشكل الذي يكون المضمون موضوعه هو الذي يخلق العالم الفني في نهاية المطاف. ما يثير المتعة الجماليّة هو بالتحديد هذا الترابط السحري بين الشكل والمضمون، ومن هنا عناية الروائي فائقة الحد بالشكل وتقنياته، والذي لا يمكن بأية حال من الأحوال فصله عن إهتمامه بالمضمون بكل عمقه وتنوعه. إهتمام الروائي بالشكل والتكنيك الروائي لا يمكن فصله عن اهتمامه بالمضمون الغني، بالحياة الثرّة المعقدة، وكلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما إتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. يقول جان فريفيل: « إن لغة الأثر الأدبي وأسلوبه وتركيبه وطابعه الجمالي تتحدد بمضونه أي بالتصور الذي يكونه الفنان عن الواقع، وبالتجربة التي يمتلكها، وبالأيدلوجيا التي يعبر عنها. وفي الحقب التي يدرك فيها التطور أوجه، ويصل الفن إلى ذروة إمتلائه، يؤلف الشكل والمضمون كلا متناغماً لا فصام فيه، ومتى ما رجحت كفة المضمون على الشكل، ومتى ما أنفصل الشكل عن المضمون، يسعنا الجزم بدون أن نجازف بالخطأ بأن المجتمع يمر بفترة ولادة أو إنحلال ». وبعيداً عن أية محاولة مبتسرة للفصل بين الشكل والمضمون، يمكن القول إن الشكل محافظ، والمضمون ثوري، باعتبار أن الأشكال تميل إلى الثبات والمحافظة، إلا أنه عندما تطرأ مضامين جديدة فإنها تُفجّر الأشكال القديمة وتصل بها إلى أشكال جديدة تلتحم معها فتشكل كلا لاينفصل، ولكن إلى حين، حيث يستمر المضمون المتغير بتفجير الأشكال وفق عمليّة إرتقائيّة متواصلة، لذا فإن البحث بتطوير وتجديد الأشكال وتقنياتها أمر لا مناص منه بالنسبة للمبدع الذي يتلبسه هاجس عكس العالم والتعبير عنه فنيّاً. من الصعب جدا، لا بل من المتعذر تجاهل العلاقة المتينة بين الشكل الروائي والبيئة الإجتماعية التي إنبثق هذا الشكل وتطور من داخلها محاولاً تمثلها والتعبير عنها. إن العلاقة بين الرواية كجنس أدبي والمجتمع الذي طغت فيه الفردانيّة علاقة متينة لايمكن إغفالها أو التقليل من شأنها، فتعقد المجتمع وتعقد علاقاته ينعكس على الشكل الروائي الذي أصبح بالغ التعقيد أيضاً. إن الناس في ظل الرأسمالية يعيشون حياة معقدة بما فيه الكفاية، ويمكن القول أن هذا التعقيد في الحياة الإجتماعيّة لا يقتصر على البلدان الرأسماليّة المتطوّرة، التي مدّت نمط حياتها إلى العالم كله مشيعة عبر مختلف الوسائل قيمها، ولعل تأثيرات هذا على البلدان الأقل تطوراً ستكون أكثر هولاً وتدميراً للإنسان. في المجتمعات المبنيّة على الربح المادي الملموس والمنظور يكون الناس مرغمين على البحث عن قيمة حقيقيّة، حيث إن هناك العديد من الأمور التشويشيّة المبتدعة بكل حذق تؤثر تأثيراً أخذ يتصاعد بإستمرارعلى ذوق المستهلك، ويخلق حاجات واقعيّة ووهميّة غالباً، إن تأثير الدعاية والإعلان والمودة، ومايسمى بالبضاعة الديزاينر، وأجهزة الإعلام المتطورة بشكل مذهل بالغ الأهميّة في خلق الوهم والخديعة واللهاث وراء مالا يشبع حاجة روحيّة، إنسانيّة حقيقيّة، الحاجات تُبتدع وتخلّق، لا من حيث تلبيتها لرغبة إنسانيّة محددة، وإنما بسبب شطارة المعلن وتكثيف الكذب والخديعة والنصب والإستغفال، هذه جرائم حقيقية ترتكب بحق الشعوب، تحت بصر القانون وحمايته. لم يعد العمل محبوباً لذاته، ولم يعد كما كان يقول ماركس خالق الإنسان. لقد تغرّب الإنسان عن عمله، وبات العمل قيد وعبوديّة. لم يعد العمل مكرساً لتلبيّة حاجات إنسانيّة ماديّة وروحيّة، وإنما أصبح مكرساً من أجل السوق، الذي لم تعد الحاجات الإنسانيّة الفعليّة تتحكم به، وإنما التشويش وبيع الوهم عبر أساليب بالغة التعقيد والحداثة. يمكن فهم أبعاد ما نرمي إليه من معرفة أن بعض الشركات والمؤسسات تنفق ثلث إنفاقها العام على الدعاية والإعلان. إن الدعاية والإعلان تغتال الخيار الإنساني الحر، عبر خلق خيارات مخادعة يبتدعها دهاقنة فن الإعلان. إن التشويش يطرد الفن، وبالتالي يطرد الإنسان. إن المجتمع الرأسمالي يخلق أفراداً إشكاليين، ومن هنا يأتي الشكل الشديد التعقيد الذي عليه الرواية. ذلك لأن التعقيد هذا هو الواقع الذي يحيا فيه الناس كل يوم، عندما يكونون مرغمين على البحث عن كل قيمة إستعمال وفق نموذج منحط يتوسط الكميّة وقيمة التبادل في مجتمع لا يمكن لكل جهد من أجل أن يتجه نحو قيمة الإستعمال إلا أن ينتج أفرادا إشكاليين.

ميدل ايست أونلاين

 

Partager cet article
Repost0
7 décembre 2010 2 07 /12 /décembre /2010 13:10

خرائط التجريب الروائي

 

د.محمد أمنصور

القســـــم الأول:

(قضايا نظـرية  )

مفاهيــم التجريب الروائي في المغـرب

رصد ومسـاءلـة

 

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم صورة عن سيرورة تكون وعي الكتاب المغاربة لمفهوم وإشكالية التجريب، وهو المصطلح الذي سيعرف الشيوع في عقد الثمانينات بشكل مميز. وحيث يهمنا التركيز - بصفة خاصة - على محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو بصفة أدق؛ سيرورة تطور مفاهيم التجريب في الحقل الروائي، فإننا سنعمل على ربط نشأة المفهوم وتبلور دلالته الاصطلاحية بمسيرة نمو المشروع الروائي المغربي، وهي العلاقة الجدلية التي تجعل من مستويات الوعي بالتجريب عبارة عن تجليات لما يحققه التراكم الروائي على صعيد التحقق النصي.

  (1-1) إن الإرهاصات الأولية لظهور النزوع التجريبي في الرواية المغربية المعاصرة، ستسجل في منتصف السبعينات، أي مع صدور روايتي «حاجز الثلج» لسعيد علوش عام 1974، و«زمن بين الولادة والحلم» لأحمد المديني عام 1976. وإذا استحضرنا بعض محددات تلك المرحلة السوسيو-تاريخية فإننا نستطيع أن نوجزها في:

- بوادر الإخفاق السياسي لما سمي بالقوى التقدمية (اليسار الماركسي اللينيني).

- زمن المسيرة الخضراء وبداية المسلسل الديموقراطي وما سيواكبهما من شعارات الإجماع الوطني والوحدة الترابية والمغرب الجديد. وهي المرحلة التي نوجز ملامحها مع الناقد عبد الحميد عقار في قوله:

«إنها مرحلة تثبيت مشروعية المؤسسات بنزع الطابع الصوري عنها، بما أنها، أو هكذا يراد لها أن تكون، المجال الرئيسي والمشروع لممارسة الصراع والاختلاف»[1].

ستظهر إذن رواية المديني الأولى في فترة تحول ومرور أو عبور من زمن المواجهات الخفية والمعلنة إلى زمن تقنين أشكال المواجهة وإعادة النظر في أساليبها. وفي البداية سيواجه النص بالصمت والتجاهل، إلى أن يفتض ذلك الصمت أحد أبرز فرسان حلبة النقد في تلك المرحلة (إبراهيم) الخطيب الذي سيقول عن «زمن بين الولادة والحلم»:

«في الوقت الذي يظهر الروائي المغربي ارتباطه بشكل الرواية الواقعية القائمة على قواعد التخييل الممكنة، يتجه أحمد المديني بعمله الروائي إلى إرباك تلك الخطى التي لم يكتمل بناؤها بعد، وهكذا وظف كتابته لخدمة تأملات نظرية في صياغة الرواية لا تزال في طور التجريب حتى بالنسبة للبلدان الأوروبية الأكثر تقدما. ويمكن القول إن المديني يعبر عن تلك العلاقة المتوترة فيما بين المثقف الجامعي والمبدع الذي لازالت كتابته مجرد مشروع، لكنه، مع ذلك، يتوفر على دلالة الرغبة في تجاوز الأبنية المتخيلة القارة، وربما كان يعتقد أن استبدال صفة التخييل، بخلق معادل كلامي أمر ضروري في الوقت الراهن. لكن، يبدو أنه من البديهي التساؤل: كيف يمكن التعبير عن ''نظام الأشياء'' بواسطة ''فوضى الكتابة''. وإنه لأمر دال الصمت المطبق الذي ثصادفه ظهور الرواية. غير أن الروائي يستطيع أن يعتبر ذلك ظاهرة مشجعة: أليست تلك

وضعية كل ''كتابة جديدة''»[2].

لقد كتب إبراهيم الخطيب هذا الكلام في ضوء النقود السلبية - أيضا - التي حاولت التصدي لهذا المولود الغريب والطارئ على أفق انتظار الساحة الأدبية (نجيب العوفي / إدريس الناقوري / أحمد الحلو... إلخ.) أما الجديد في ملاحظات الخطيب، فيتمثل في انتباهه إلى القلب الاستراتيجي الذي حمله معه النص لسؤال الأدب والوعي به في الخمسينات والستينات والسبعينات، وهو قلب يعدل من صيغة: كيف يمكن السيطرة على فوضى الأشياء (أو الصراع الطبقي بمعنى آخر) بواسطة نظام الكتابة، إلى صيغة: كيف يمكن التعبير عن «نظام الأشياء» بواسطة فوضى الكتابة؟ فهذا النص الذي حمل معه قضايا جديدة مثل: مسألة الميثاق الروائي المبرم، وسؤال التقليد أو الاستيلاب، وسؤال اللغة الروائية، ومسألة الغموض في الكتابة... إلخ.، سيعيد تحديد قضية الكتابة الروائية، أو على الأقل، سيقلب موقع وزاوية النظر إليها، بحيث سيرغم التلقي على الالتفات إلى ما يمكن أن يطرأ على النص - قبل الواقع - من تغيير وخلخلة على صعيد ما يسمى بقواعد الجنس الروائي والتي حاولت النصوص السابقة لروايتي علوش والمديني تمثلها ومحاكاتها لتأصيل قالب روائي عربي. لقد كانت مرحلة السبعينات مهووسة بالبحث في إشكالية العلاقة بين الأدب والواقع، وإشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون، وإشكالية العلاقة بين الذات والموضوع... إلخ. وكان لابد من انتظار تحولات كثيرة على صعيد التاريخ والواقع وسيرورة المثاقفة، لكي تبزغ مع الثمانينات موجة البنيويات والشعريات التي يتم فيها تحجيم أو تغييب المرجع الخارج - نصي لصالح مكونات النص الروائي والأدبي عموما. وهو العقد الذي ستتراكم فيه عدة نصوص من طراز «زمن بين الولادة والحلم».

(2-1) وللوقوف على مستويات تقبل التجريب مفهوما وممارسة أدبية، نستعرض نماذج من آراء بعض رموز الحقل الثقافي السبعيني لتأمل كيفية أو طبيعة تعامل هؤلاء النقاد والمبدعين مع هذه الظاهرة الجديدة المسماة التجريب.

يقول عبد الكريم غلاب في شهادة سابقة له حول أزمة الرواية المغربية، وهي مثبتة في أحد أعداد مجلة آفاق التي يصدرها اتحاد كتاب المغرب:

«إن الرواية المغربية تجتاز ''أزمة نمو'' وليست أزمة إحباط. تتلخص الأزمة في أن معظم روادها (من ورد الحوض وليس من الرائد) يعيشون تحت الرعب. هناك شيء إسمه ''الإرهاب النقدي'' - معذرة للمبالغة في استعمال الكلمة - ولذلك فهم يلجأون إلى التستر، علهم لا يغضبون ''الإرهاب'' ومن هنا جاءت موضة ''التجريب''. من المهم أن يجرب المحاول. ولكننا نحن القراء لا نريد أن نعيش تحت طائلة التجريب، فكل من جرب يقدم لنا تجربة لنقرأها على أنها تجربة «وتعلموا يالحجامة في رؤوس اليتامى». أفهم طبعا البعد الفني للتجريب ولكنني مع ذلك أحب أن يثق الكاتب في نفسه (...) قد تكون مرحلة التجريب طبيعية أيضا في فن ما يزال في عمر الورد، ولكن حينما يصبح التجريب هو الهدف، سننتظر طويلا حتى يتحرر الكتاب الشباب من ''الإرهاب'' لينطلقوا في الإبداع بقوة الواثق في نفسه وفنه»[3].

من خلال هذا النص الذي لا نعزله عن سياقه والمرحلة التي أنتجه فيها صاحبه، يتضح أن فهم غلاب للتجريب لم يكن يخرج عن حدود الفهم القاموسي - اللفظي لمفردة التجريب. فالتجريب عنده مصدر مشتق من فعل جرَّب يجرب تجريبا، أي حاول فعل أو إنجاز فعل ما، وهو حد قاموسي مبسط، يمكن أن نقول عنه الآن إنه يسقط مفهوم التجريب في التعويم والميوعة. وهنا، لا يمكن تجاهل ما لدور الموقع الحزبي والإيديولوجي لغلاب من تأثير في تحديد مفهومه (أو فهمه) الخاص للتجريب. لذلك فإن الخلفية الإيديولوجية، والسقف السلفي - الوطني لتلك الخلفية، والانتماء الجيلي، كلها عوامل تجعل من رجل مثل غلاب لا يجد حرجا في الحكم على نقاد «الواقعية» الماركسيين بالإرهابيين! بحيث يغدو التجريب في هذا الطرح مجرد رد فعل تجاه الرعب الناتج عن (الإرهاب النقدي)، ومجرد (موضة) طارئة ستزول بزوال أسبابها. بل مجرد (مرحلة) وصيغة للتستر. وبالنسبة لنا، فإننا نضع هذا المفهوم الكلاسي للتجريب ضمن خانة الموقف السلفي المفتقر إلى أية خلفية فنية - معرفية، والوفي - بالدرجة الأولى- لسلط المتعاليات (السلفية والوطنية) التي تسنده.

(3-1) المفهوم الثاني الذي نورده، يندرج ضمن خانة الموقف الماركسي من التجريب، ونستخلصه من كتاب «جدل القراءة» للناقد نجيب العوفي، حيث يقول:

«ونحن نعتقد بأن الإيديولوجية الضمنية الكامنة في صلب التجريب الحداثوي في المغرب كما في بعض الأقطار العربية، هي إيديولوجية القلق واليأس والميلانخوليا، نتيجة العجز عن المواجهة والجلد والصمود، نتيجة ضيق النفس وعدم السيطرة على الواقع سيطرة معرفية وإيديولوجية ووجدانية ونضالية عميقة، بعد تجربة النهضة والسقوط الطويلة، ومن ثم يكون الخروج من الحلقة المفرغة ومن عنق الزجاجة، كما يبدو خروجا وهميا ونرجسيا يكرس لنا، في التحليل النهائي ظاهرة الثقافقراطية (كذا) على أنقاض الثقافة العضوية، ويقدم لأعدائنا الطبقيين والتاريخيين خدمة مجانية مغلفة بحسن النوايا»[4].

ورغم أن هذا الفهم ''الماركسي'' للتجريب يصدر عن منظومة مرجعية مختلفة نوعيا عن منظومة عبد الكريم غلاب، إلا أنه لا يختلف في الجوهر عن موقف غلاب من التجريب في الجوهر، فهو ينطوي على فهم سلبي لا يخفي رفضه للظاهرة ككل، بل إنه ينطوي على منظور متناقض يرفض خطاب الحداثة الميتافيزيقي باعتباره ضربا من الاستلاب وتكريس ما يسميه بـ «ظاهرة الثقافة البيروقراطية على أنقاض الثقافة العضوية» في الوقت الذي يستمد من الغرب ما تتيحه المنظومة المرجعية للماركسية من جهاز مفاهيمي يفكر به ويعتمده أساسا في الحكم والرفض والتصدي لخطاب »التجريب الحداثوي»!

ومن وجهة نظرنا، فإن الموقف الثاني من التجريب يطابق الموقف السلفي من حيث الاستيعاب النظري للظاهرة. فوهم الطليعية لا يحرره من أسر النظرة التقليدية المناهضة لما هو منفلت عن التنميط والقولبة. لذلك يمكن القول إن التعريف الماركسي للتجريب من خلال نموذج العوفي، للتجريب هو تعريف مضموني أيضا، لا يعير اهتماما لسؤال الشكل الروائي، وذلك راجع من جهة، لشروط المرحلة، ومن جهة أخرى للحدود التي كان قد بلغها الاستيعاب النقدي لنظرية الأدب. ولو شئنا أن نقارن بين الموقف السلفي والموقف الماركسي من التجريب، لأمكننا القول بأن الموقف الأول، ربما كان أكثر انسجاما مع نفسه من هذا الموقف الذي يأخذ من الغرب الماركسية ويرفض في الآن نفسه خطابه في الحداثة خوفا من الاستيلاب، وكأن الماركسية تحمل في أحشائها كثقافة ونظرية ومنهج مناعة للمستلبين من عدواها!؟

(4-1) والموقف الثالث من التجريب، نرصده من خلال نموذج مستقى من رسالة جامعية للباحث حميد لحميداني، وهو الموقف الذي يقودنا إلى ما نصطلح على تسميته بـ: المفهوم السوسيولوجي للتجريب. يقول لحميداني عن «زمن بين الولادة والحلم»، إنها رواية تعبر:

«عن معاناة الجيل الجديد وعن أزمة البورجوازية الصغيرة المولعة بالتجريب، والباحثة عن قيم بديلة في عالم مهترئ، تتخلص بدورها من التقنيات القديمة، وترتاد عالما روائيا بديلا أيضا يخلق مقاييسه التي تتلاءم مع التعبير عن المضامين المتولدة في الظروف الجديدة»[5].

وفي سياق آخر من الدراسة يذهب إلى أن:

«العلاقات الاجتماعية الشائكة تخلق بالضرورة أشكالا أدبية مطابقة لها. ففي الوقت الذي يفقد فيه الإنسان أي مجال للتصالح مع واقعه تختل كل القيم بما فيها قيم الزمان والمكان. ورواية «زمن بين الولادة والحلم» تعبر بشكل واضح عن هذا الاختلال. فمن حيث التحديد المكاني نرى أن الرواية، وقد خلت من الحدث بالمفهوم الروائي الكلاسيكي، تخلصت من ضرورة وصف الإطار المكاني المحدد»[6].

وأول ملاحظة يمكن تسجيلها على هذا التعاطي لنص تجريبي فوضوي، هي محاولة صاحبه إخضاع «زمن بين الولادة والحلم» لمنهج (البنيوية التكوينية)، مما يعني، التعامل مع جوانب «الاختلال» فيه من منظور إيجابي. وهي نقلة نوعية على صعيد الوعي النقدي بالتحقق النصي لمشروع التجريب، حيث ينتقل البحث من مستوى التلقي السلبي الرافض أو المستهجن لخروقات هذا اللون من الكتابة إلى مستوى الإقرار بقابليتها للفهم والتفسير في ضوء منطلقات منهج يتعاطى للنص بما هو موضوع علمي قابل للبناء المنهجي. ففوضى الكتابة - كما يقول إبراهيم الخطيب - تفهم وتفسر كبنية دالة متماسكة تندرج ضمن بنية إيديولوجية تدخل في علاقات وظيفية مع طبقة أو فئة اجتماعية تبحث عن وظيفة داخل المجتمع.

إن مقاربة (التجريب) ضمن هذا المنظور المنهجي «الغولدماني» تقفز على ثغرات القراءة الإيديولوجية البحتة التي حصرت اختياراتها وأحكامها في حدود النظرة الضيقة لـ «نظرية الانعكاس»، فاكتفت بالتركيز على العلاقة بين مضمون الوعي الجمعي ومضمون العمل الأدبي على أساس الانعكاس الآلي؛ بينما ينقل مبدأ التماثل البنائي (L’homologie structurale  ) تلك العلاقة إلى مستوى التماثل بين البنى الذهنية التي تشكل الوعي الجمعي والبنى الشكلية والجمالية التي تشكل العمل الأدبي، وهذا ما يميز «السوسيولوجيا الجدلية» عن «سوسيولوجيا المضمون» كما تم تمثلها لدى نقاد السبعينات.

(1-2) وبانتقالنا إلى عقد الثمانينات، سيكون مفهوم وإشكالية التجريب قد عرفا انتشارا وتبلورا واضحين على صعيد التراكم الروائي والوعي النقدي الموازي له. هذا رغم محدودية الإنتاج الروائي - بصفة عامة - بل إن الحقل الثقافي الوطني سيكرس التجريب كمشترك بنيوي بين عدة أجناس وحقول فنية من تشكيل ومسرح وقصة قصيرة ورواية... إلخ. ومن هذه الزاوية، فنحن نعتبر صدور كتاب سعيد يقطين المعنون بـ «القراءة والتجربة» عام 1985 علامة فارقة في تاريخ تشكل الوعي بالتجريب، وهو الكتاب الذي حاول فيه صاحبه أن يحلل نصوصا تجريبية بمرونة منهجية تنم عن تقدير لخصوصية النصوص موضوع التحليل. وعن مفهوم التجريب، يقول يقطين:

«إن "الإفراط'' في ممارسة التجاوز هو ما تتم تسميته عادة بـ ''التجريب''، وهي التسمية التي تكرر الحديث عنها في أواسط السبعينات في مناقشات قصص التازي والمديني وفي الندوات التي كانت تقام على هامش بعض المعارض التشكيلية، أو بعض العروض المسرحية كالتي كان ينجزها مسرح الهواة وبالأخص مع تجربة محمد تيمد»[7].

(2-2) وللوقوف على المناخ الجديد الذي صار مفهوم / إشكالية التجريب عنوانا له، نستعرض عدة تعريفات يقدمها بعض رموز الحقل الثقافي الفني والأدبي في المغرب للتجريب. وهي تعريفات تَطَالُ المسرح والشعر والقصة القصيرة والنقد الروائي، ومن خلالها سيتبين لنا النضج والتبلور الذي بلغه الوعي بالتجريب مفهوما وممارسة. ونبدأ بتعريف الأستاذ محمد الكغاط، الذي يتحدث عن مستويين من التجريب:

أ - تجريب عام.

ب - تجريب خاص.

يقول الكغاط:

«وأقصد بالتجريب العام لتلك المحاولات التي تمت عبر التاريخ المسرحي من اسخيلوس إلى بداية هذا القرن. وهو تجريب كان يتم بطريقة تلقائية، إذ أن كل مبدع يحاول في عمله اللاحق أن يضيف جديدا إلى عمله السابق (...) أما التجريب الخاص، فهو العمل الذي تقوم به مجموعة معينة، وهي تسعى نحو البحث عن صيغ جديدة في تعاملها مع النص الدرامي ومع النص السينوغرافي ومع الممثل ومع الجمهور، بل ومع مكان العرض (قاعة المسرح) ومع كل مكونات العرض المسرحي (...) وتتواصل خطوات التجريب في أعمالها اللاحقة دون أن يكون لها هدف يتوخى الوصول إلى صيغة قارة أو شبه قارة. إن التجريب بهذا المعنى كالسؤال الفلسفي لا يتولد عنه إلا سؤال جديد. إن التجريب، في الفن بصفة عامة، وفي المسرح بصفة خاصة، عبارة عن اقتراحات في مجالات الإبداع المختلفة، اقتراحات يقصد بها خلخلة ما هو سائد من أجل فتح آفاق جديدة، وإثارة أسئلة جديدة،والبحث عن صيغ جديدة للخطاب والتواصل»[8].

أما في مجال الشعر، فنقرأ التعريف الذي يقدمه الشاعر محمد السرغيني للتجريب حيث يرى أن:

«التجريب أساسا هو أن يخرج المجرب عن حدود القاعدة المشاعة انطلاقا منها (...) هو أن ينطلق الشاعر من القاعدة العامة المألوفة. التجريب هو محاولة تجاوز القواعد السائدة انطلاقا من هذه القواعد نفسها (...) التجريب هو محاولة للخروج من الدوران في الفراغ، خاصة بعد أن أحس الشعراء بأن العصر هو عصر الرواية وليس عصر الشعر. لذلك يجب أن تضبط مواصفاته على كل المستويات (...) والتجريب الذي يمكن أن يصبح قاعدة هو الذي يكون مصحوبا بقناعة ذاتية»[9].

وفي مجال القصة القصيرة، نستشهد بتعريف للروائي والقاص والناقد محمد براة، حيث يقول:

«إن التجريب» لا يعني الخروج على المألوف بطريقة اعتباطية. ولا اقتباس وصفات وأشكال جربها آخرون في سياق مغاير. إن التجريب يقتضي الوعي بالتجريب أي توفر الكاتب على معرفة الأسس النظرية لتجارب الآخرين وتوفره على أسئلته الخاصة التي يسعى إلى صياغتها صوغا فنيا يستجيب لسياقه الثقافي ورؤيته للعالم. هذا الوعي بالتجريب يضمن للكاتب أن يتعامل تعاملا خلاقا مع حصيلة الإنتاجات القصصية سواء انتمت إلى التراث إو إلى الذخيرة العالمية الحديثة. ومن ثم، فإن محاورة النصوص الأخرى والتفاعل معها بل والاستفادة من منجزاتها الفنية تصبح مختصبة ومولدة لأشكال جديدة أو قديمة أو حديثة، في صوغ مضامين ورؤيات مغايرة»[10].

ونصل إلى محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو مفهوم التجريب في الوعـي النقدي الروائي. ولعلنا لن نجد تعريفا أنضـج من ذلك الذي قدمه الناقد عبد الحميد عقار الذي يذهب إلى أن:

«قانون التجريب، باعتباره سلسلة من التقنيات ووجهات النظر عن العالم، تسعى إلى تجاوز الفهم القائم وإلى وضعه موضع تشكيك وتساؤل. وهكذا تتحدد الرواية بكونها إجابة معطاة من الذات على وضعها في المجتمع، هذه الإجابة يجسدها عادة المتكلم داخل الرواية ساردا كان أو شخصا، من خلال ما يحكيه أو يعيشه، ومن خلال طرائق تقديمه لذلك المحكي أو المعيش»[11].

محاولة في التركيـــب:

(1-3) من خلال التعريفات السابقة، الممتدة في الزمن بين عقدين، يتضح كيف أن مفاهيم التجريب الروائي قد عرفت سيرورة تكون وتطور على صعيد وعي الكتاب المغاربة. فمن النشأة المتعثرة على صعيد التحقق النصي والوعي النقدي الموازي له، إلى الانتشار، فالتشارك البنيوي على صعيد مكونات الحقل الأدبي-الفني الوطني. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن عشرية الثمانينات هي حقل التجريب بامتياز، وعلى صعيد الرواية والخطاب النقدي الموازي لها يمكن القول بأن الثمانينات سجلت مرحلة التحول من التجريب التلقائي مع «حاجز الثلج» و«زمن بين الولادة والحلم» إلى التجريب الواعي باستراتيجياته مع أعمال كل من عز الدين التازي وأحمد المديني ومبارك ربيع وعبد الله العروي والميلودي شغموم ومحمد برادة ومحمد الهرادي وغيرهم. فمع هذه الكوكبة من الروائيين المغاربة، ستنتقل الرواية إلى مرحلة البحث عن إمكانيات جديدة في مستويات التقنية والرؤية، وهو بحث معرفي وفني وإيديولوجي يستهدف الخلخلة وتجاوز القواعد السائدة المترسبة عن التقاليد وقيم الثقافة التقليدية.

إذن؛ مع تراكم النصوص الروائية التجريبية، سينهض التجريب الروائي في المغرب كمشروع له منطقه الخاص وأسسه الجمالية واحتمالاته اللانهائية، ومن تلك الأسس: رهان السؤال والمساءلة، وخيار الانفتاح والحوارية وفقَ مبدأ القناعة الذاتية التي تؤهل الرغبة للتلاؤم مع الحاجة الثقافية والشرط السوسيوتاريخي. إنه «المجرى المتحول» كما يقول الناقد سعيد يقطين في كتابه الرائد، وهو مجرى ينقل الحقل الثقافي الوطني:

«- من الفيلولوجيا الأدبية إلى أركيولوجيا المعرفة.

- من الثابت والجاهز إلى المتحول والممكن.

- من المطلق إلى النسبي.

- من الجواب العارف بكل شيء إلى السؤال المطروح بصدد كل شيء»[12].

غير أن انطلاق هذا المجرى المتحول في اتجاه إيجابي لا يحول دون طرح مجموعة من الأسئلة بصدد التجريب الروائي في إنجاز تراكماته النظرية والإبداعية متجاوزا مرحلة الوعي الجنيني، وأهم الأسئلة يمكن طرحها على الشكل التالي:

أ) كيف يتجنب التجريب الروائي - على صعيد الممارسة التخييلية - مأزق السقوط في الاختبارية التي تجعل من النص مجرد تنفيذ لأفكار مسبقة بدعوى المثاقفة أو المعاصرة أو غيرهما من الشعارات؟

ب) كيف يتم تأصيل المشروع الروائي المغربي مع معانقة أفق التجريب في الوقت نفسه، ودون التفريط في الحدود الدنيا من الثوابت الروائية الكلاسية؟

ج) ما هي حدود التجريب، وهل يكفي خرق قواعد الجنس الأدبي أو التمرد على كل أوفاق الكتابة الروائية لامتلاك شرعية الانتساب إلى مشروع التجريب؟ ألا يحتكم التجريب الروائي إلى رؤية فنية وفكرية، جمالية ومعرفية، تدعم التحقق النصي والتشكيلات التقنية في سياق الوعي النظري للمارسة الروائية؟

د) ما هو الموقف المتوازن الذي يجعل من التجريب الروائي يتجاوز دائرته التواصلية الضيقة ولا يقف عائقا أمام القارئ غير المتخصص؟ وماذا عن مسألة التواصل - بصفة عامة - ألا يعتبر المتلقي طرفا أساسيا في معادلة الكتابة التجريبية حتى يتم تهميشه فعليا؟ وهل ستظل رهانات الغموض والتعتيم والحرص على خلخلة كل الثوابت شروطا ضرورية لولوج بوابة التجريب؟ ألا يمكن مد الجسور بين التجريب الروائي ومبادئ الانسجام والوضوح والتماسك وغيرها من العناصر التشكيلية التي تحتكم في النهاية لطبيعة الرؤية التي تسند التحقق النصي؟

هـ) هل مجرد رفع شعار التجريب، أو تبني أسئلته، يؤهلان النص الروائي أو النقد الموازي له، لامتلاك القدرة على التجديد والتحديث؟ هل كل تجريب تجديد؟ وهل كل تجديد تحديث؟

و) ما مصير التجريب الروائي بعد أن يتحول إلى مجرد وصفات قابلة للاتباع والمحاكاة من طرف أي كان؟ وكيف يتم التمييز بين التجريب الكلاسي والتجريب المستقبلي؟

ز) أي أفق للتجريب في الحقل الروائي بعد انتقال أفق انتظار المتلقي إلى مراحل تجاوز المكتوب، ومعانقة مستويات أعقد على صعيد الحقلين السمعي والبصري: التجريب السينمائي مثلا؟


 

[1] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد 512، يوم 30/12/1990، ص. 17.

[2] - إبراهيم الخطيب: (الرغبة والتاريخ)، مجلة أقــلام، العدد 4، يناير 1977، السلسلة الجديدة، ص. 23.

[3] - عبد الكريم غلاب: (الرواية حياة متكاملة وهي تجتاز - بالمغرب - أزمة نمو)، مجلـة آفــاق، العدد (3-4)، 1984، ص. 104/108.

[4] - نجيب العوفي، جدل القراءة، دار النشر المغربية، البيضاء، ص. 149.

[5] - حميد لحميداني: الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، دار الثقافة، 1985، ص. 418.

[6] - المرجـع نفسـه، ص. 419.

[7] - سعيد يقطين: القـراءة والتجـربة، مطبعة النجاح الجديدة، ط. أولى، 1985، ص. 287-288.

[8] - محمد الكغاط: (التجريب ونصوص المسرح)، مجلة آفاق، العدد 3، 1989، ص. 21-22.

[9] - حوار مع محمد السرغيني: (الشعر المغربي الحديث والمعاصر: تاريخ وقضايا في ضوء الشهادة والنقد)، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، العدد: 4، 1990، ص. 17/18.

[10] - محمد برادة: (القصة القصيرة: الهوية - التجريب - الصيرورة)، دورية الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد 7 أكتوبر 1988.

[11] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد: 512-1989.

[12] - سعيد يقطيـن: مرجـع سابـق، ص. 287-288

Partager cet article
Repost0
2 décembre 2010 4 02 /12 /décembre /2010 22:34
أنخابُ كائنٍ في العزلة ومدونة العشق
 قراءة في أشعار نور الدين محقق


 

بقلم:عبد النور إدريس
الحوار المتمدن - العدد: 1528 - 2006 / 4 / 22
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

( تصدير:
"أحرقت لوني ولغاتي
وابتدعت من عصيّ المجيء
أحجيتي"
الشاعرة وفاء العمراني)



الابداع الذي لا يترك أثرا لا يحقق تساؤلات حول الوجود، لايعيش حداثة ما من حيث كونه لا يعمق وشيجة المعاني بين النص والقارئ.
إن النص الابداعي يخفي آليات تفكيكه عن المتلقي ويبحث باستمرار عن قارئه خارج منظومة التمثلات الواضحة التي قد تحدث انزياحات في المعنى الذي ينتجه النص لذاته.
ولا شك أن الوحدة العضوية على المستوى الدرامي للعشق والتي تنتجها الملحمة العشقية للشاعر نور الدين محقق تتجلى في دواوينه الالكترونية الثلاث المنشورة بموقع اتحاد كتاب الأنترنت العرب:
http://www.arab-ewriters.com/?action=writers&&id=137&&content=lib

1- أوراق العشق
2- كتاب الحب
3- ترجمان الأشواق
إن الانغراس في الفضاء الشعري لنور الدين محقق يفرض على القارئ نوعا من الاندماج في البنية المفهومية للصورة الشعرية ووصلة الخيال وأيقوناته داخل النص ، فلا حياة للأيقون الأخرس بهذه المدونة العشقية.
هل يمكن اعتبار أن كل واحد من الدواوين الثلاثة يبني عالمه في عزلة عن الآخر؟
هل يكتفي كل ديوان بذاته ويعمل على تجميد الوحدات الدلالية التي تربطه بالديوان الآخر؟
هل تنفتح معاني المدونة على المعاني المُحتضنة من طرف اللغة التي تفكر وتحس إحساساتها الخاصة بالموازاة مع الشاعر؟
هل يمكن اعتبار نمط الانتاج الشعري عند نور الدين محقق يتأسس على وجود خطاطة أو خلفية مُفترضة ينتجها القارئ للمدونة العشقية؟
هي الأسئلة منفتحة والقراءة هاهنا عاشقة تشتهي الأثر الأدبي وتتجاوز في هذا العشق الفرضيات الخاصة بالقراءة وتدفع بالنقد نحو " مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية" امبرطو إيكو.
يعيش "المذكر" على هامش انتشائه ب "أنت" المؤنثة .. على مشارف لغة حالمة بالواحد ضمن تعددية الآخر التي تقطن "الأنا" التي تعبر عن مركزيتها التواقة إلى تسريد المشهد الانساني شعريا.
الاهداءات أو فتح الممكنات:
ـــــــــــــــــــــــــ
يشكل الاهداء عند نور الدين محقق فتح الذات على الانسجام الداخلي للنص، حيث الإنصات إلى نفس الذات التي تحاول من أفق التخييل الخضوع لاحتمالات النص.
في ديوان ترجمان الأشواق يتم الاهداء على شكل تقديم يجمع كل الممكنات الدلالية في "مدح النساء" وينير بذلك الحقل الثقافي لكوامنه الشعرية وحصر السياقات في التصور العام لامرأة "مثال" تتداخل في انتاجها عناصر كثيرة تعلن عن وظيفتها في ذات الشاعر.
إن المتن الشعري عند نور الدين محقق يؤسس لجغرافيا عشق تستنفذه الجزئيات ويستبيحه التعميم وفق استراتيجية الشاعر العشقية حينما تستدرجه نكهة الاهداء لينسج منها أشرعة تتبدى في أثونها معالم العرض الثقافي للإهداء " لكل بنات حواء من لندن إلى صنعاء" أو عندما يقول " ولكل جميلات العالم من الدار البيضاء إلى هارلم".

أوراق العشق أو عندما يأتي الاسم جريحا :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن أسماء النساء داخل هذا الديوان تتآلف بشكل عضوي وتسرج أحصنة النداء على الأنثى لتدل على اختلاف المصدر الثقافي بين الاسم العربي (آمال، حادة ، جميلة ، عائشة ، وحيدة ، ليلى، هالة ، فريدة ، كوثر ، قطر الندى، نوار، فيروز ، يسرا) والاسم الغربي (لوليتا ، سوزان، كريستي، فرانسواز، فيرجينيا، )، بالرغم من الجذع العشقي المشترك والذي يعمل على تحريك مجال البوح ويغذي الامتلاء الشعري عند الشاعر.
يقول في قصيدة آمال:
"هل أحببتك
اليوم...
عن طريق الوهم
و تموجات الخيالْ
أم أحببت فيك
فقط.....
ثورة الأنثى
و هي تتحدى
مثل أحلى القطط"

تتعمق هنا مع الشاعر انجراحية الوحدات الكامنة في لاشعور الاسم العربي الذي لا يخون استيعابه للجهاز الأديولوجي الذي تمخضت عنه الحياة الثقافية للنساء، ففي قصيدة "حادة" يتم اسف الشاعر على أفق التوقعات الحالمة التي تنخرط فيها الأنثى لإنتاج نفس الحقول المعرفية التي ساهمت في تحميل العشق اهتراءه الدائم في اتجاه نشوة مستعصية تخرج من دائرة جسد أنثوي معتق بالصور الجاهزة عن الأنوثة وخاصة عن امرأة تتجمل على حافة السرير.
يقول الشاعر (قصيدة حادة)
"حين تجلس
في بيتها
ترتدي أجمل لبس
و تفتح صندوق
الموسيقى
و على نغمات
أحواش
ترقص في ارتعاش
يذيب الجسد
و يشعل الرغبة
في المرآة
حيث لا أحد
يوجد في داخلها
فيا للأسف !"

يلف الأنثى تحت الاسم العربي فضاء متوتر كمحور يغطي بياضات المعنى في سجل النساء،
فحتى المرآة لا تعكس عشق هذه الأنثى لذاتها وكأن ذلك التحقق يستدعي الامتلاك المزدوج للأنت المؤنثة من طرف الذات المذكرة ، بعكس ما يطرحه التوازن الداخلي للإسم الغربي الذي يتحكم ثقافيا في انتاج محور توتر مغاير حيث الأنثى تحت الاسم الغربي متحكمة في المضامين التي تخرجها من المفعولية إلى " الفاعلية" ،يقول الشاعر في قصيدة "لوليتا" وهو يستوحي صورة الأنثى من امتدادها العميق في ثقافة غربية تبني وظيفة الأنثى ضمن البناء العام للديموقراطية كأفق محدّد لكل مسار تأويلي، يقول:
" و تقول الشعر
أيضا.
تمتطي الفرس
وتركب السيارة
و تمشي راجلة
أيضا.
تغمز بعينيها
و تقبل بفمها
و تضحك بأسنان
بيضاء
أيضا."

ثم يقول في قصيدة " سوزان"
"هي مثلي
من برج الميزان
تكتب الشعر
و ترسم في الليل
أعشاشا لعصافير
زاهية الألوان"

تتحدد في ديوان أوراق العشق لنور الدين محقق صور ثقافية متعددة للمرأة العربية التي يتحدث عنها النسق الثقافي كجسد مغر يحمل طاقته الاغوائية باعتباره كائن في عزلته الوجودية لا يعيش لذاته بل يتحقق وجوده من خلال الآخر "الذكر"، يقول الشاعر في قصيدة عائشة:
"لا تعيش
أبدا إلا لنفسها
قد تضحي
إن هي أحبت
بليلة عرسها
و تمضي هاربة
صحبة الحبيبْ"

وقد لا تختلف صورة "جميلة" في المخيال الجمعي العربي وإن وصفها الشاعر بخصوصية انفرادها بولادة خارج النسق الثقافي، فهي لم تولد مثل غيرها من النساء باكية إلا انها لم تفلت من دائرة الأنثى التي تحمل نفس التجربة الغزلية التي تنمطت في الشعر العربي قديمه وحديثه يقول :
"و حين رايتها وحيدة
تمشي
ارتعش رمشي
امام عينيها
فضحكت مني
و اتهمت عيني
بقلة الحياءْ
و مضت تجري
صوب الساقية
يالها من أنثى
عذبة المذاق "

هذه الصورة تختلف كليا عن صورة "لوليتا" التي يستحضرها الشاعر كمشهد جنسي متحرر تحمل جسدا عاما لا يحلم بعذرية ما، مستسلمة لغزل يتضمن زمنا مفتوحا على شهوة كاملة تشدها اللغة واللحظة الشعرية المتنوعة نحو إغراء مستدام للآخر.

" تغمز بعينيها
و تقبل بفمها
و تضحك بأسنان
بيضاء
أيضا."
يحمٍّل نور الدين محقق في ديوان "أوراق العشق" مسرح أحداث عشقية موروثة لا تقبل بالتعهر الأنثوي ويرفض الحب وفق ماهية خارج المعالم المرسومة في ذاكرة العشق العذري المندفن عميقا في المرجعية الثقافية اللاواعية للحب المنبهر بالآخر ، وقد سبق للشاعر أن صرح في بيانه الشعري أنه على الشعر " أن يمارس إبهارا للذات أولا وللآخر ثانيا، حتى وهو يتدثر بالاوعي" .
فعند استحضار الأنثى ذات الاسم الغربي بالديوان نجد نفس خضوعها للتمثلات التي سكنت وتسكن المخيال العربي ولو خارج الوجود المادي للأنثى ذاتها ، ولذلك يبوح الشاعر في طي الورقة المضمرة لعشق ينتشي باحتلاله الحيز المفاهيمي للغرام خارج الأسماء ، وذلك ما جعله يفكك اسم " لو..لي.. تا " وكأن القضية العشقية عنده تختصر المسافة التاريخية للعشق في أنثى "مثال" تحس بكينونتها كذات متعددة في المعنى الواحد والذي يرهن سيكولوجية الذكر العربي .
يقول :
" لكنها حين تكون
في بيتها
تستحضر صورتي
و تبكي...
مثل جميع النساء
تلك هي حبيبتي
في الزمن الأول
لو..لي..تا "
أخيرا : يرتكز البعد العاطفي في ديوان "أوراق العشق" على بعد الأمكنة كمحطة تُمَرْكِز زمن العشق عند نور الدين محقق لتبدأ من مسقط رأسه " الدار البيضاء" كما في إهدائه الذي يقول فيه " إلى كل جميلات العالم ...من الدار البيضاء إلى هارلم" ولتعود إلى نفس نقطة الانطلاق كما في إهداء ديوان "ترجمان الأشواق" حيث يقول " سجل في مدح النساء ..من نيويورك إلى الدار البيضاء" .

Partager cet article
Repost0
23 novembre 2010 2 23 /11 /novembre /2010 23:06
أنثى موزعة الحقيقة بين الجاهلية والإسلام

عبد النور إدريس

 

□لقد حازت المرأة على اهتمام التشريع الإسلامي، فقد تطرق القرآن الكريم للكثير من شؤونها وبالعديد من السور التي بلغت عشر سور هي : سورة النساء ، الطلاق، البقرة ، المائدة ، النور، الأحزاب، المجادلة ، الممتحنة والتحريم.
إن هذه العناية تدل بقوة على المكانة التي تحظى بها المرأة في التشريع الإسلامي ، فقد أعلى الإسلام من قدرها في مجتمع كان يستعبدها ويئدها فرد لها الحق في الحياة وأقر لها حقوقا لم يكن يستسيغها المجتمع الجاهلي قبلا.

1-1- المرأة و العصر الجاهلي.
1-1- وأد الجاهلية.
إن المرأة في العصر الجاهلي كانت مسلوبة الحقوق الأساسية ، كحقها في الحياة كأنثى ، فقد كان الأب أنداك يئد ابنته عقب ولادتها مباشرة اقتداء بالأعراف القبلية السائدة وخاصة تغلغل المنظور اليهودي للمرأة وخاصة الجاهلي الذي دأب على وأد البنات الشيء الذي يجعل هذا المجتمع ومن خلال انغلاق تفتحه الحضاري يعبر عن هذا التغلغل للإسرائيليات كخلفية ثقافية سائدة تتناسل في وعينا الفقهي والتي جعلت من المرأة حريما مرتبطا بالدنَس والعار وفضاء الاحتشام وقد أجازت اليهودية كديانة انتشار هذا المعطى محملا بقيم محلية جاهلية حيث ذاعت المعتقدات التي خضعت لعملية التأثر والتأثير بين الإسلام والديانات السابقة" فمن المعروف أن اليهود الذين اعتنقوا الإسلام مزجوا بين التراث اللاهوتي اليهودي، وبين العقيدة الإسلامية، واتضح هذا المزج في لجوء المسلمين لإخوانهم المسلمين – الذين كانوا يهودا منهم- في تفسير كثير من القصص القرآني" (1) ، ومن المرجعيات الدينية لظاهرة الوأد الجاهلية ما جاء في سفر التكوين أن اليهودي، «يملك على أولاده حق الموت والحياة، يقتلهم إذا شاء أو يقدمهم قربانا للرب"(2).
وصف القرآن الوضعية الكارثية التي كانت تعيشها المرأة قبل نزول الوحي، وخاصة منذ تلقي عائلتها نبأ ولادتها كما جاء ذلك بسورة النحل حيث قال تعالى:﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ (النحل الآية 58-59.).
إن هذه التلاوين التي تُصبغ بها عواطف الأب الجاهلي من هذه "البُشرى" تعكس وظيفة الأنثى داخل الهرم القبلي الجاهلي وبالتالي تجسيدها لتدهور القيم الخاصة لقبيلتها(3) يقول د.محمد بلتاجي " كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقتل عن القبيلة، ويراها مصدرا لجلب العار له حين تُؤسر من العدو فيفترشها آسرها عنوة واقتدارا أو طواعية واختيارا، فيعير الأب وقبيلته بها" (4) .
، وقد انقسم الوأد إلى :
- 1- وأد الفقر:
ويشكل رغبة الجاهلي في التخلص من عبء تربية أبنائه ذكورا وإناثا بدون تخصيص جنس الموؤود.
- 2- وأد العار:
وكان يقتصر على وأد البنات الذي كانت تمارسه القبائل البارزة بالجزيرة العربية، كربيعة وكندة وطيء وتميم.
- 3- الوأد الميثولوجي:
وهو مرتبط باعتقادهم أن البنت رجس من خلق الشيطان ، فالأنثى مخلوق مدنس وهو باعتباره منظومة خرق يصنف في العقلية الجاهلية ضمن المبعدات حيث يرى الجاهلي أن واجبه الديني يدفعه للتخلص من الأنثى وتقديمها للآلهة كقربان حتى يُمنح ديمومة بقاء واستمرار النظام الثقافي الآمن.
نلاحظ أنه في حالات الوأد الثلاث تكون الأنثى هي الضحية وبذلك فقد حرك القرآن الكريم الشعور بالذنب لدى المسلم عندما قال : ﴿وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قتلت ﴾ (سور التكوير الآية 8-9)، وبذلك حرك الإسلام القيم الايجابية في المجتمع اتجاه الأنثى فمنحها الحق في الحياة باعتبارها مخلوقا يتساوى مع الذكر من حيث قدسية الجنس البشري حيث يتكفل الله خالق الأنثى برزق مخلوقاته يقول ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .إن قتلهم كان خطأ كبيرا ﴾ ( سورة الإسراء الآية 31.)، كما جاء في سورة الأنعام الآية 151، ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ﴾ .
1-2- أنكحة الجاهلية:
وقد تعيش الأنثى نفس الوأد على المستوى المعنوي فتصبح مخلوقا للمتعة والخدمة وإنجاب الأطفال ، فقد كان عرب الجاهلية يشيئون المرأة في نظام أنكحتهم المتعدد والذي جاء على الشكل التالي:
- 1- نكاح الاستبضاع : فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت " كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه .ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه .فإذا تبين حملها أًصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد".
- 2- نكاح المشاع أو ما يسمى بنكاح الرهط:
لقد كان من عادة بعض القبائل العربية أن يشترك رهط من الرجال في زوجة واحدة ، ولقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها قولها :" كان يجتمع الرهط دون العشرة ، فيدخلون على المرأة فيصيبونها.فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم ، فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع .فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل" .
- 3- نكاح البُعولة: وفيه يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
- 4- نكاح البغي ونكاح المتعة: وهو نكاح مؤقت بالنقود أو شيء ما يدفع للمرأة ويحدد زمن نهايته.
- 5- نكاح البدل: ويتبادل فيه رجلان امرأتيهما فيقول الواحد لآخر، انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي.
- 6- نكاح الضغينة: ويتعلق بالسبايا من النساء فالرجل إن سبى امرأة له أن يتزوجها إن شاء.
- 7- نكاح المقت ويسمى كذلك نكاح الضيزن : وهو أن يرث الابن زوجة أبيه فيتزوجها أو يجمع بين الأختين في آن واحد.
- 8- نكاح الخذان : وهو معاشرة المرأة لغير زوجها سرا ، وقد تحدث الإسلام عن متخذات الأخذان ونهى عنه بإقراره لعقوبة الرجم للمحصنة كما نادت به اليهودية القديمة.
- 9- نكاح الشغار:
وهو أن يتزوج رجل أخت رجل آخر مقابل أن يتزوج الثاني أخت الأول.
لقد عالج الإسلام هذه الأنكحة بإلغائها عبر آيات كثيرة ، ولما جاء بمفهوم يصف فيه الرجل بكونه بعلا فقد أبقى على نكاح البعولة الذي يجسد مطلقية الطاعة التي تكنها المرأة لرب بيتها حتى أن الكون الرباني يستاء من خروجها عن طاعته من ذلك " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح " ( بخاري ج 7 ص: 39).
إن نظام الأنكحة الجاهلي يشيِّء المرأة ويجعلها جسدا للمتعة والإخصاب بدون كرامة من جهة ، ويضيع معه صفاء الأنساب من جهة أخرى، فالمرأة لم تلق تكريما يتعلق بانتمائها إلى جنس النساء ، فالوضع الاجتماعي والاعتباري للمرأة في العصر الجاهلي كان سيئا للغاية " فهي محرومة من كثير من حقوقها الأساسية ، ولا تلقى أي نوع من أنواع الإكبار أو التكريم ..وإذا حدث ولقيت شيئا من التكريم عند زوجها ، فإن ذلك لا يحدث إلا لأنها أم لابنه الذي يحبه، أو لأنها ابنة واحد من علِّية القوم " (5).
أما الحماية التي كانت تتمتع بها من قبل الذكور المحيطين بها (الأب، الزوج ، الأخ و الابن) فهي تتساوى مع الحماية التي تلقاها فرسته وبئره ومرعاه.
وقد يتبين لنا مستوى المكانة التي وضع فيها الإسلام المرأة من خلال استقصاء وضعيتها الاجتماعية قبل مجيء الوحي.
- فما هو جديد وضعية المرأة في الإسلام؟
2- جديد وضعية المرأة مع مجيء الإسلام.
مع حلول الإسلام بالجزيرة العربية حازت المرأة جملة من الحقوق المادية والمعنوية : منها الحقوق الإنسانية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية كما تلقت واجباتها التي تتناسب مع الحقوق المعطاة، ولهذا " فالمؤسسات التي هدمها الإسلام ، لم تكن تنسجم مع المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية كالوأد والعضل والقسامة والظهار والإيلاء وحرمان المرأة من الإرث " (6)
2-1- الحقوق الإنسانية .
لقد جعل الإسلام المرأة شريكة للرجل ، فأقر سبحانه بوحدة المصدر المشترك بين الرجال والنساء وبذلك دخلت المرأة دائرة المقدس الرباني وخرجت من دائرة المدنس الاجتماعي يقول تعالى ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء﴾ (سورة النساء الآية 1) ويقول كذلك ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾
(سورة الحجرات الآية: 13).
إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195)
وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282.)
وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقراروالغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.
أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.
2-2- الحقوق المادية .
ينكر البعض على الإسلام في مادة الميراث جعل حظ الرجل يساوي حظ الأنثيين وهذا تحد كبير في مجتمع جاهلي تقتضي تقاليده وأعرافه حرمان المرأة من الميراث واقتصار ذلك على المحاربين من الرجال ، بل وتصل المرأة في هذا المجتمع إلى حد أن تصبح إرثا بحد ذاتها، فجاء الإسلام ليقر هذا الحق في قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (سورة النساء الآية 7.) ، وقد فصل القرآن في سورة النساء الآية :11،واجب الأنثى من الإرث بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ، فعندما أقر الإسلام نفقة الزوجة وجعلها من واجبات الرجل الذي يرث حقا كاملا يعتبر بذلك حظ المرأة مضاعفا بهذا الإنفاق المفروض من جهة الزوج ومن جهة الأب أو الأخ أو العم إذا لم تتزوج وبذلك تكون هذه الوضعية غير مرتبطة بالنقص في إنسانية المرأة ولا يجعل المرأة بتاتا في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل وهو الذي أحاط المرأة بالرعاية فضمن لها حياة اقتصادية مستقرة حيث أخلى ذمتها من أي عبء من الأعباء الاقتصادية لمعيشتها هي أو لغيرها ، فجعل نفقتها على أصولها أوزوجها أو فروعها أو أقربائها في جميع ما تحتاج إليه بالمعروف ﴿ لينفق ذو سعة من سعته﴾ (سورة الطلاق الآية 7.)، وكذلك الآية ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تُضاروهن لتضيِّقوا عليهن ﴾ (سورة الطلاق الآية 6.)وفي سورة البقرة الآية 233، يقول : ﴿ وعلى المولودِ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ كما لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من مما أعطاه لزوجته كصداق أو مهر كما منعه الإسلام من أخد كلا أو بعضا من مالها الأصيل عملا بقوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاته نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا﴾
(سورة النساء الآية 4.)
لقد قرر الإسلام قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الأحكام، في الحقوق والواجبات في قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾( سورة البقرة، الآية 228.).
2-3- الحق في التعبير والرأي.
حازت المرأة على الحق في طلب العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ، واستمع إلى رأيها لسداده وقرره كمبدأ تشريعي عام، وبذلك تلقت المرأة العلم وأصبحت من المفتيات فيه كما جاء في الآية 34 من سورة الأحزاب ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وتتجلى قمة تساوي الرجل والمرأة في تكليفهم بالوصاية على الدين من حيث وضعه تعالى بيدهما مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في الآية 71 من سورة التوبة ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾ ويُروى عن السيدة عائشة أنها قامت بدور كبير في مجال تلقين الأحكام ومكارم الأخلاق حيث كانت تقضي بين المسلمين في أمور الفقه والحياة. وكان من جراء ذلك أن احترم الإسلام رأي المرأة وأحسن الاستماع إليها كما وقع من رأي الخنساء بنت خذام الأنصارية في حوارها مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي أقر فيه الرسول بأن جعله جزءا من التشريع العام وخاصة وجوب أخذ رأي المخطوبة في شريك حياتها وأخذ رأيها في مسألة زواجها ، فأجابته عليه السلام وقد استخلصت حكما عدّل من تطرف الوصاية في نكاح البعولة عندما قالت ولم ينكر الرسول عليها مقالها " لقد أجزت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء" (7).
كما كان رأي المرأة واضح المعالم في تأويل الآيات حيث اعترضت امرأة خطبة عمر رضي الله عنه حول المغالاة في المهور بأن أرجعته إلى فحوى الآية 20 من سورة النساء : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ فما كان من عمر وإمعانا في احترام رأي المرأة والاقتضاء بمعطياته إلا أن عدل عن رأيه في تحديد المهر وقال " أصابت امرأة، وأخطأ عمر" .
ومما يدل على المكانة المتميزة للمرأة في الإسلام واحترام رأيها ووجهة نظرها ما جرى لهند بنت أبي طالب المكناة بأم هانئ، عندما أجارت عدوا من أعداء المسلمين واحتكامها إلى الرسول (ص) عندما امتنعت من تسليمه لعلي ابن أبي طالب فقال لها الرسول : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" .
إن الإسلام قد جعل المرأة تعبر عن رأيها بكل حرية ومسؤولية وما كان من تدخلاتها إلا أن تمت الاستجابة لها مما يدل على معرفتها بأصول التشريع من معرفة دقيقة بتفسير النصوص الدينية وأحكامها، الشيء الذي جعلها تدافع عن حقوقها وحقوق بنات جنسها ، ويكفي دليلا على ذلك حسّها النقدي الذي نظرت فيه أسماء بنت يزيد الأنصارية إقصاء المرأة من جملة الإثابات الإلهية عكس الرجل الذي يتحدث الإسلام عن جزاءاته الكثيرة وفقا لمشاركته العديدة في الحياة العامة ، فقد جاءت ممثلة عن النساء فعرضت وضعية المرأة على أنظار الرسول بكل دقة وبلاغة اندهش لها جميع حضور مجلس الرسول (ص) عندما قالت " ... أنا وافدة النساء إليك، إن الله قد بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، حاملات أولادكم، وأنتم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا حفضنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في الأجر والثواب.." .
لقد كانت إجابة الرسول الكريم تجعل طاعة المرأة لزوجها في مقابل كل أنشطة الرجل التعبدية حيث قال " افهمي أيتها المرأة ، واعلمي من خلفك، أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته، يعدُل كل ذلك".
يظهر من هذا الرد أن التشريع الإسلامي يضع للمسلمة وضعيتين من حيث الأجر والثواب ، الوضعية الأولى تشمل الأنثى بكامل البراءة وهي ما تزال في حضن أبيها ، بينما تنتقل بها الوضعية الثانية إلى بيت الزوجية وهي الوضعية التي تحوز فيها الزوجة على مرضاة الله وثوابه ، فطاعة الزوج هنا من طاعة الله وقد جاء في صحيح البخاري ج7 ص: 39. " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" و " إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (رواه الترمذي والنسائي) إن إباحة خرق التعاليم الدينية في سبيل طاعة الزوجة لا يوازيه إلا رغبة الشريعة في إقرار ربوبية أرضية للرجل .
ثم إن المسلمات بعد ذلك لم ترضخن لهذا الحكم فقد طالبن الرسول بإلحاح بعد ذلك بالخروج إلى الجهاد مع أزواجهن للتمريض وسقي الظمأى ثم طالبن بالخروج إلى المساجد حيث قال النبي ردا على طلبهن " لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله".
كما طالبت النساء بالمشاركة في الحياة العامة بحضور الأعياد فاستجاب الرسول (ص) يقوله" دعوا العواتق وذوات الخدور يشهدن الأعياد " وتأتي طلبات النساء تباعا في حياة الرسول في إطار سعيهم للتحرر من عبودية الرجل واستغلالهن حيث كان الأسياد يكرهون الإماء على البغاء إلى أن جاءت (سورة النور الآية: 33) لتصحيح الوضع بقوله تعالى" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء"، وما حدث مع زوجة سعد بن الربيع وأم كحة في مطالبتهن بحقهن في الميراث ، فما تحيلنا عليه زوجة سعد يدل بعمق على معرفة متفحصة لأحوال مجتمعها وبرغبة الرجل العربي ومرغِّباته في الزواج وتركيزه على يسرها حيث قالت " هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ول تنكحان إلا ولهما مال " تفسير الجلالين ص: 198.
لقد كان هاجس الثواب هو المحرك الأساسي لتحرك المرأة في اتجاه تحررها من عبودية العبد باعتبار أن الله عز وجل لا يجعل واسطة في التقرب إليه وعبادته ، فغيَّرت من الصورة التي وسمها بها العصر الجاهلي ، ويكفي للتدليل على استحكام هذا الهاجس في معركتها ضد معنى قوامة الرجل والوضعية الدونية لها في قول إحداهن للرسول " يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إذا عملت المرأة حسنة كُتبت لها نصف حسنة؟" .

الهوامش


1- د.نصر حامد أبو زيد" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة" ص: 18.
2- سفر التكوين الإصحاح 42 الآية 37.
3 - أنظر(ي) كتابنا" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."مطبعة وراقة سجلماسة ،مكناس الطبعة الأولى شتنبر 2004، ص:115
4- -" مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة"- حقوق السياسية والاجتماعية والشخصية للمرأة في المجتمع الإسلامي-، د.محمد بلتاجي ،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة مصر،الطبعة الأولى 2000.
5 - د.عبد الباسط محمد حسن ، مجلة عالم الفكر ،المجلد السابع، العدد الأول أبريل 1976.
6- زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990
7 - "المبسوط في الفقه" للسرخسي ،مطبعة السعادة، القاهرة،سنة 1324ه- 1903م الجزء الخامس

 

Partager cet article
Repost0
23 novembre 2010 2 23 /11 /novembre /2010 22:10

الجسد بين فينومينولوجيا ميرلوبونتي وسيميولوجيا رولان بارت

بقلم الباحث عبد النور إدريس

تطرق ميرلو بونتي في آخر كتاب له "العين والروح" – 1960- إلى العديد من الأسئلة التي كانت حاضرة في كتابه فينومينولوجيا الإدراك" 1945- phénoménologie de la perception، وهي نفس النظرة التي تتطرق إلى الرؤية والعلاقة التضادية بين الموضوع والشيء المتواجهيْن كمكونين مختلفين، مع استحضار بعدهما من خلال الرؤية التي تحدد هوية كل من الجسد والعالم في تمازجهما ليصبحا واحدا مركبا : جسد- عالم، وبذلك يصبح الجسد غير مستغني عن العالم وبدوره يصبح العالم منصهرا كليا في الجسد،يقول: " وتجربة الجسد تصبح هنا تجربة اللاقطيعة بين الأشياء والأنا". فاللغز الذي يتمحور حوله فكر ميرلو بونتي يجعل الجسد من جهة ناظرا، ومن جهة أخرى منظورا إليه، فهو الجسد الذي يتطلع إلى كل الأشياء ومن خلال النظر إليها يتعرف على الجهة الأخرى في قوتها الناظرة. اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي-

فكيف يمكن للروح أن تدرك معنى العلامة ؟
- كيف للآخر بكل الاختلاف الذي يشكله أن يكون مرآة للأنا ؟
إن الآخر عندما يُختزل في نظرة الآخر إليه ترتسم إذاك العلاقة الفينومينولوجية بين الآخر كجزء من كل والكل كجسد خارجي، فتعدد النظر إلى الجسد من الآخر (آخرين) تحدده في استمراره كجسد سوسيولوجي ومن ذلك يبتعد الفضاء عن حدود كونه واقعا منطقيا لمناولة الأشياء وإدراكها بل يبقى الوسيلة التي تتحقق بها تموضعات الأشياء.
ولقد تطرق لوكر يسLucrèce (99-55 av.jc) في كتابه De la nature إلى العلاقة بين الجسد والروح التي تلعب بدورها دور الحارس والحامي للجسد ولا يمكن التفريق بينهما بدون تدميرهما. قد تكونا منصهرتين منذ لحظة نشأتهما ليعيشا قدرا واحدا وإدراكا مشتركا، ففي اتحادهما عند لوكريس وحركتهما يشتعل بداخل الإنسان توهج الحياة. فالجسد يُحرم من الإحساسات إذا تعطلت الروح. وانتهى Lucrèce بوضع فرضية لا تخلو من إدانة للجسد باعتباره قاصرا عن إدراك جوهر الشيء في ذاته عندما صرح بأن الجسد هو وسيلة فقط لعبور الأحاسيس فالروح تجد صعوبة في نقل تلك الأحاسيس ومن ثم افترض "أن الروح ممكن أن ترى جيدا لو تخلصت من العينين وتلك المنافذ التي تشوش عليها.
وقد عاد ميرلو بونتي في كتابه فينومينولوجيا الإدراك إلى طرح السؤال على وجودنا وقد قسمه إلى الشيء والوعي فاعتبر أن هناك معنيين فقط لكلمة وجود " exister " فقال بتواجده كشيء أو كوعي وجعل من تجربة الجسد الخالص هي من يبوح لنا بشكل الوجود المتعدد في معناه. والجسد الخالص بالنسبة لميرلو بونتي في كتابه الأخير الظاهر والمختفي (le visible et l’invisible) 1964- ليس فكرة لوعي دائم وليس شيئا ماديا ولكنه منبع إحساسات دائمة، ويعتبر الظاهر والمختفي فلسفة للكائن الخام، كثافة المادة الجسدية التي تجعله يرى الأشياء ويقترب منها ولكنه لا يتماهى معها وهذه المادة la chaire عند ميرلو بونتي ليست ذات الطابع المادي بل هي " تقوقع المنظور على الجسد الرائي، هي ما نلمسه فوق الجسد الملموس (...) la chaire ( التي للعالم أو لي ) ليست اعتباطية، عمياء لكن نسيجية ترجع لذاتها وتدعو لنفسها "
وبحسب ما طرح ميرلو بونتي من خلاصات حول التصور الفينومينولوجي، هناك قوله بجسد للروح وهناك روح للجسد وهناك " الشيازم" le chiasme التي تعني عنده " تحديد الروح بمثابة الجهة الأخرى للجسد " والجهة الأخرى تعني لديه أن الجسد غير قابل للوصف وهو جهة أخرى حقيقية التي يختبئ فيها. فبما أن للجسد جهة أخرى غير قابلة للوصف بالمعنى الموضوعي فهذه الجهة هي الجهة الأخرى للجسد.
بينما ميز رولان بارت ما بين العلاقة الحقيقية للجسد وما بين الشكل الذاتي له حيث قال " العلاقة البشرية هي أن جسد الآخر عندي ودوما صورة لأجلي، وجسدي دوما صورة من أجل الآخر، لكن ماهو أكثر وضوحا وأكثر أهمية هو أن جسدي بالنسبة لي شخصيا الصورة التي اعتقد أنها بحوزة الآخر عن هذا الجسد" (1).
إن الصور الشيطانية التي تحيد بالأجساد وتشوه مظهرها عن طريق الحب أو الغضب جعلت رولان بارت يمركز الإشكالية حول خصائص تلك الصور التي تصبح من المعطيات المباشرة بمجرد وضع السؤال حول الجسد. فالصورة تضع نفسها في رحاب النظر أو في تظاهرة جسدية لفكرة ما، فحيث هناك جسد هناك دائما استعراض ممكن للجسد الذي يحتوي على جانب فيزيائي ذو فضاء محدود.
هذا الفضاء قد يتعلق بالأساس بكل ماهو سيميولوجي من حيث أنه لا توجد هناك مثالية في الجسد يمكن أن تعادل مثالية الأعداد أو القيم. فالجسـد من خلال هذا المعطى يحيلنا مباشرة إلى المعطى الامبريقي ومن هنا " فالجسد المثال ليس دائما هو الجسد الحقيقي" (2 ).
رغم ذلك يبقى الإنسان متشبثا بالبعد المتأصل للجسد الخالص لكل واحد منا، ومن ثم يبقى قبل كل شيء جسدا حقيقيا مع الصور الحقيقية التي يعطيها عن نفسه والتي يعطيها لنفسه أمام الآخرين.
فحيث لا أحد يدرك جسده بشكل موضوعي فكل جسد هو بالضرورة عجائبي Fantasmé، ويبقى الخطاب النفسي- التحليلي هو الكفيل بتشخيص الأبعاد المعرفية التي تجعل الإنسان يختلف جسديا ضد طبيعة الأشياء الواقعية الممنوحة من طرف الطبيعة. فالجسد بذلك أصبح لعبة سوسيولوجية ذات وظيفة متخيلة، لمضاعفة أوجه مستنسخة من الصورة الاجتماعية المتجددة في جسد المجتمع، وهي سلسلة الصور التي كان من المفروض أن تبقى في الملكية الخاصة لكل جسد، ومن هنا نستخلص أن النموذج المثالي للجسد هو الذي يعزل باستمرار كل الاختلافات حول طبيعته إلى حدود التحييد الشامل للإخلاف الجنسي. وإذ تُعدِّد الحضارة من صورها حول الجسد ترسخ جسدا معينا مملوءا بالصحة والشباب وهي استيهامات تأبيد صورة جسد تصنع منه فخا للمتلقي في رغبة ليست له، ولهذا نعرف مع رولان بارت أننا عبر صورة الجسد لا نملك سوى ضعفنا.


الهوامش
1- Bruno Huisman/ Francois Ribes « les philosophes et le corps,Dunod, paris, 1992, p, 311

2 - Ibid, p :312.



عبد النور إدريس
عن موقع إيلاف>> ثقافات>> عالم الأدب

الإثنين 31 أكتوبر GMT 17:00:00 2005



Partager cet article
Repost0
5 juillet 2009 7 05 /07 /juillet /2009 11:43

من ملف العدد الثاني:

 

المرأة في بواكير الرواية العربية

 

                                                          بقلم: د السيد نجم

 

مع طلائع القرن الماضي (القرن العشرين) ومع بواكير الاتصال الثقافي مع الغرب، أصبحت المرأة قضية/مجموعة قضايا مصاحبة ومعبرة عن قضايا الوطن كله.. والمتابع لما كتب حول تحرير المرأة من مقالات وغيرها تتجلى له "المرأة" وكأنها تعبير عن قضايا الأمة كلها فى سعيها الى التحرر والبناء الجديد.

لقد طالب "رفاعة الطهطاوي" بتعليم المرأة ووجد السند والتأييد من الشيخ "محمد عبده" وغيره من المتنورين. كما طالب "قاسم أمين" وآخرون بالسفور حتى نجحت "هدى شعراوي" بتشكيل اتحاد نسائي اتجه الى العمل الاجتماعي العام.. ثم كانت المرأة فى التعليم العام والجامعة والمشاركة فى الحياة العامة، وحتى عملت فى قطاعات الحياة العملية المختلفة.

وفى الإبداع الأدبي (خصوصا الرواية) حظيت "المرأة" على اهتمام الروائيين, إلا أن التوقف أمام أشكال تلك التناولات لم يلق الاهتمام الواجب, إلا من خلال الفحص العام للعمل الروائي نفسه, وليس بالنظر البانورامي المكثف عليها وحدها. ذلك من خلال سؤالين:

"كيف تعامل الروائي مع فكرة توظيف "المرأة" في أعماله؟"

ثم "كيف بدت المرأة في بواكير الأعمال الروائية العربية؟"

.. يبدو أن الروائي العربي وجد في "المرأة" قناعا يتخفى خلفه لعرض أفكاره تارة، ولجذب القراء تارة، وللتمثل بالرواية الغربية تارة ثالثة، وفى كل الأحوال لم تكن "المرأة" فاعلة في غالبية تلك الروايات المبكرة من هذا الجنس الجديد الوافد من بلاد الغرب.. (مع قناعة بوجود بذور سردية للرواية بالنثر العربي، إلا أنه لم يكن على مواصفات وخصائص "الفورم" أو الشكل الروائي الوافد بعنفوان وفتوة)

لقد تبدت "المرأة في تلك الروايات المبكرة على عدة أشكال:

أولا.. من خلال العنوان.

*هناك كثر من كتاب الرواية يعد مغرما بإطلاق اسم امرأة على أغلب أعماله الروائية, مثل الكاتب "سليم بطرس البستاني"..الذي كتب: "زنوبيا", " أسماء", " بدور", "سلمى", " سامية".

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة , منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

الطريف أنه بالإحصاء إذا ما ضممنا الاسم الصريح لامرأة أو تلك الأوصاف الدالة عليها بعناوين الروايات التي كتبت في بدايات نشأة جنس الرواية وحتى عام 1949م.. لن تقل نسبة تلك الروايات عن النصف من المجموع الكلى للروايات المنتجة خلال تلك الفترة (تم الإحصاء عن ببليوجرافي الرواية العربية –د.حمدي السكوت 1995م).

*شغلت الرواية بالمرأة على أشكال ودرجات مختلفة, فلما نضجت الرواية في بعض الأعمال الفردية لبعض الروائيين, وكذلك بدت أكثر نضوجا على يد جماعة منهم حتى رسخت كجنس أدبي جديد على العربية (بالنظر إلى الشكل والمفهوم الغربي للرواية).

هناك بعض الروايات في الفترات الأولى للرواية, وربما حتى رواية "زينب", لم تكن أكثر من ترجمات لروايات أجنبية, وخصوصا من الأدب الفرنسي, وبدلا من كتابة ترجمة.. يكتب تأليف وهو المترجم في الحقيقة. تلك الروايات في الغالب يكون عنوانها نسائي. منها باسم أجنبي أو عربي.. باستثناء القليل ومنها "غابة الحق" للكاتب "فرانسيس المراشى".

*كما نالت الشخصيات النسائية التاريخية حيزا من اهتمام الروائيين, فكانت بعض الروايات التاريخية باسمها, منها ما يعتبر اختيارا مناسبا ومنها بهدف جذب القارئ.

بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*يلاحظ الدارس لموضوعات الروايات التي كتبت في البدايات الأولى والى مرحلة طويلة من بعد, غلبة الفكر الأخلاقي, مع إقحام أحكام الوعظ والإرشاد. إذن والموضوع أخلاقي فلابد أن تكون المرأة في حضورها المشوه والمتهمة دائما بأنها لعبة الشيطان.. كما في رواية "مديحة" أو "الشيطان لعبته المرأة".

لا يخلو الأمر من وجود بعض الأعمال (القليلة) التي تجد في المرأة رمزا للوفاء.. كما في روايتين تحديدا, إلا وهما "بثينة" أو "شهيدة الوفاء".. و"دولت" أو "الوفاء الأبدي".

 

*بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة, منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

 

..ثانيا توظيف المرأة من خلال المضمون الروائي

وقد مرت المعالجة الفنية للرواية بتوظيف المرأة على مرحلتين.. توظيف للمرأة (عن وعى وقصدية أو عن غير قصد) هو جعلها رمزا للوطن, فباتت المرأة في العديد من الأعمال الراسخة تعبيرا عن قهر ما أو الرغبة في التحرر من عدو ما, وأحيانا هدفا يلتف حوله الجميع, وتتعدد التناولات الرامزة.

ربما هذا الربط له مبرراته الموضوعية, حيث القرن العشرين هو قرن الاحتلال والتحرر للوطن العربي, ومع تصاعد صيحات الكفاح ضد المحتل, يتبلور التوظيف الرمزي أكثر للمرأة مع اتساق نضوج الكاتب والرواية نفسها كفن جديد. كما جاءت المرأة الرمز مع الوطن حتى بعد التحرر من الأجنبي. وكانت مرحلة الصراعات من أجل حياة أفضل من خلال الصراع الأيديولوجي والتغييرات الاجتماعية الطموحة هنا أو هناك.

لقد عبر الناقد السوري "شاكر مصطفى" في كتابه "القصة في سوريا حتى الحرب العالمية الثانية" عن هذا المدخل ص61 قائلا: "فمع تقدم الطبقة البورجوازية إلى زمام القيادة في المجتمع, تقدمت أيضا مثلها, ومبادئها الاجتماعية, فتطور تكوين الأسرة من الطراز الأبوي ... وظهرت المرأة بعض الظهور... لقد كان الحب خطيئة, فوجد من يدافع عنه, وكانت الحرية فكرة من الأفكار فوجدت السدنة أو الضحايا".

*نماذج روائية:

: رواية "عودة الروح" للكاتب "توفيق الحكيم" عام 1933م من أنضج الأعمال الروائية في حينه.. وكانت "سنية" رمزا شفيفا فنيا لمصر."سنية" فتاة رائعة الجمال.. أحبها الجميع, كل من حولها أحبها, وأعلن عن حبة, كل بطريقته وأفكاره وحيله. و....وفشل الجميع في الوصول إلى قلبها؟! الجميع اكتشف خيبة الأمل في تحقيق مراده, أعلنوا ذلك صراحة لبعضهم البعض .  فتجمعوا من أجل عمل مشترك يتجاوز أزمتهم و يعلون به هم حب سنية.. فاشتركوا معا في أحداث ثورة عام 1919م ضد المحتل الإنجليزي.

بعد الثورة تحرك قلب سنية, اتجه نحو "مصطفى" ممثل الطبقة الوسطى الجديدة, وهو التاجر في مدينة "المحلة".. ونجحت سنية في أن يعدل مصطفى عن فكرة بيع الدكان الذي يملكه لأحد الأجانب (وهو ما حدث و شاع بعد ثورة 1919م), ثم واصل عمله التجاري برضاء الحبيبة.

واضح التوازي والإسقاط معا بين قصص الحب والأحداث اليومية مع كون "سنية" هي مصر,  أو الوطن .

: رواية "زقاق المدق" للكاتب "نجيب محفوظ" عام 1947م, والتي وضعت "محفوظ" بقدم راسخة بين أقرانه ومن سبقوه."حميدة" من حواري القاهرة الفقيرة, فيها من القبح والرذائل ما كان في الحياة الاجتماعية بمصر بعد الحرب العالمية الثانية التي اكتوت البلاد بنارها. بها وفيها سقطت كل الثوابت والقيم بسبب الحرب.

ارتبط بها الحلاق "عباس", وبقيت كل الشخصيات تأكيدا لاكتمال الصورة (ربما صورة المجتمع المصري من خلال مجتمع الحارة), بينما لم تتعلق حميدة بعباس, كان تعلقها  بالسياسي القواد صاحب الملهى الليلي, لم تخرج من الحارة إلا للدخول في عالم فاسد (الملهى). فكان موت عباس العاشق من طرفه فقط مع بقاء حميدة, دليلا على عجز المحاولات الفردية لتخليص الوطن (حميدة). (ربما يكون الكاتب بعرضه هذا يتنبأ بثورة جماعية ويرفض الحلول الفردية, وهو ما قال به الناقد رجاء النقاش في كتابه "أدباء معاصرون" ص71.)   

: رواية "زينب والعرش" للكاتب "فتحي غانم", تعبر عن عدو مختلف, ورمز المرأة الوطن مختلف. كيف لا وقد خرج المحتل , المواجهة أيديولوجية فكرية إذن ؟! "زينب" المرأة الجميلة الطموح, خطط لها الأب قبل وفاته بأن تتزوج أميرا يقدر جمالها. تابعت الأم المهمة, زوجتها من الدبلوماسي بفرنسا, وهو ضعيف الشخصية فحققت معه الثروة ولم تحقق الحب و الاستقرار. على كثرة نزواتها لم تجد الحب والاستقرار إلا مع الصحفي الشاب "يوسف" بكل دلالات البراءة و الشباب المخلص لوطنه.

كما لعبت بقية شخصيات الرواية دورها البارز في تأكيد الجوانب الاجتماعية والسياسية لمصر, من خلال علاقتهم مع "زينب".. هي المحور الرئيسي إذن حتى بالنسبة لعم صالح (غير المثقف).

مع ذلك للكاتب رأي آخر في موضوع رمزية "زينب", يقول في حواره مع الناقد "حسين عيد" المسجل في كتاب" فتحي غانم الحياة والإبداع": " لقد قرأت للأستاذ الطرابيش, حين كتب عن شخصية زينب أنها تمثل مصر... فكما قلت أن العمل الفنى يكتمل بالمتلقي أيضا, ويقول رأيه ويفسره. ولكنى, عندما أكتب الرواية أقصد امرأة من لحم و دم, أما أنها تحولت إلى رمز عند المتلقي.. فهذا أنا لا أقصده مباشرة".

: روايات "ريح الجنوب" و"نهاية الأمس" و"بان الصبح" للروائي "بن هدوقة" الجزائري. ترجع أهميتها في أنها تمثل ثلاث مراحل من كفاح شعب الجزائر من أجل التحرر من المستعمر الفرنسي.. كما تعرض لمراحل التطور الاجتماعي هناك. ماذا عن المرأة إذن وكيف دللت بالرمز؟

"نفيسة" ترفض الزواج من "مالك", لكنها لا تستطيع التعبير أو التصريح بهذا الرفض, ذلك بسبب البناء القيمى في المجتمع والأسرة, فالأب هو السلطة التي تأمر فتطاع مهما كانت النتائج أو الآراء المخالفة.. (في رواية ريح الجنوب)

"نعيمة" تقابل القرار نفسه , من الأب المسيطر , لكنه هذه المرة قرارا بالقتل! يظن الأب أن ابنته حملت سفاحا, بلا أية رغبة أو محاولة للتأكد مما يعتقد قرر قراره. يسحبها من القرية وفى اللحظة الأخيرة تتضح الحقيقة ببراءتها. أما وقد قرر الأب أخيرا أن يعدل من فكرة القتل , قرر قرارا مستبدا آخر, إلا وهو حرمانها من متابعة دراستها بالجامعة. لتبقى المرأة رمزا للاضطهاد والظلم ..( في رواية بان الصبح)

"رقية" تواجه العالم كله, وتشعر بالمقت من الحياة نفسها.. وكيف لا وقد عصفت الحرب بحبها الحقيقي, بزوجها وراعى أسرتها, وعليها أن تتحقق حتى يتحقق لأولادها الحياة الكريمة .. المرأة رمز للمقاومة والصمود أمام الحروب والقسوة بكل أشكالها مع الحفاظ على أبناء الوطن والأجيال الجديدة أو المستقبل.. (في رواية نهاية الأمس )

تلك النماذج المحدودة من الرواية العربية جعلت من المرأة رمزا.. إن عمدا كما هو واضح في البعد الفكري في رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم, وأصبح غير مباشر في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ وذلك لغلبة البعد الاجتماعي على الرواية, أما فتحي غانم فقد رفض تعمد الرمزية في روايته زينب و العرش, ثم جعل بن هدوقة المرأة الضحية وسيلته لاقناع القارئ والوصول إلى أهدافه. وفى كل رمزية الوطن مباشرا كان أو غير مباشر.

*أما المرحلة الثانية لتضمين المرأة فنيا في الرواية العربية، فقد جاءت مع نضح العمل الروائي ورسوخه، مع تعقد المعطيات الفكرية والأيدلوجية وتوظيفها. نلتقط منها علاقة الإنسان العربي مع "الآخر"، وهو ما تجلى بعد الممارسات الواقعية، والاحتكاك العملي بين العربي/ والغربي.. وجل تلك الأعمال الروائي، كتبها روائي عاش في بلاد الغرب طالبا للعلم، أو للعمل الوظيفي بها.

فمنذ بداية انفتاح الإنسان العربي على الحضارة الغربية, و "الآخر" محل البحث والسؤال. فبدا الروائي وكأنه المنوط بالبحث أكثر من غيره مع نضج جنس الرواية بالقرن العشرين. لم يهمل "الآخر" والصراع معه , من حيث هو المستعمر العسكري و السياسي و الثقافي, بل من حيث هو داخلنا يعبث فى عقولنا.. فكانت جملة الأعمال الروائية التي تتصف بالنضج الفني و الفكري معا.

سوف نتخير بعض الأعمال الروائية التي يبدو وكأن كاتبها وضع الآخر أمامه , بعدا فنيا لصياغة روايته. هذا لا يعنى وجود العديد من الروايات غيرها, سواء من الناحية الزمنية وما نشر قبلها..أو بعدها, خصوصا مع أعمال جيل أدباء الستينيات من القرن العشرين, حيث أصبح للآخر دلالة البحث فى الواقع المعاش القريب , ليس ذاك القاطن خلف البحار. بل ومن الناحية التقنية التي سعى البعض فى التمرد على الآخر صاحب الشكل الروائي المميز لذاك الجنس بالبحث عن شكل و تناول بديل كما فى الروايات التي اتخذت من التراث النثري العربي إطارا لبث الأفكار المختارة الجديدة.. وغير ذلك من الجوانب.

.. وعلى الجانب الأكثر بعدا عن التناول المباشر للعمل الروائي، ترى كيف بدت "المرأة" في تلك الأعمال، من خلال تناول بعد فكرى/أيديولوجي/وربما نقدي ما؟

لتكن الرؤية المختارة هنا "دور المرأة مع الرؤية للآخر في الرواية العربية"..

أولا: الآخر.. في عقولنا. (رواية قنديل أم هاشم/ يحيى حقي)

تعد تلك الرواية من أولى الروايات الناضجة فنيا, التي جعلت من الآخر هما يجب البحث فى حقيقته. وقد أصبحت مصر والعالم العربي على أعتاب معطيات ومفاهيم جديدة, نظرا للتوجه العام والخاص بالتعرف على الحضارة والثقافة الغربية عمدا.

انقسم المثقفون خلال العقود الأولى من القرن العشرين الى فريقين.. مجموعة ترى أن الأخذ بمفاهيم وقيم وسلوكيات أصحاب الحضارة الغالبة(الأوروبيون) هو الخلاص الفردي و الجمعي.. بينما ترى مجموعة أخرى بضرورة التمسك بكل ما هو سلفى قديم إسلامي أو عربي.. فيما رأت مجموعة ثالثة (الأقل عددا) الأخذ بما فى الجانبين من فاضل وصالح.وكانت تلك الرواية التي تعبر عن رأى العامة و الخاصة .

عندما عاد "إسماعيل" من أوروبا متعاليا بعلمه (فى الطب) على بيئته البسيطة الفقيرة.. أعلن تمرده, وزاد من غضبته حتى أنه ذهب الى مسجد "السيدة زينب" وكسر قنديل المقام.. بينما العامة تأخذ من زيت القنديل وتستخدمه فى علاج مرضاهم.. منهم "فاطمة" قريبته والتي تربت فى بيت أبيه. فتولت الجيران مهمة الانتقام بعدم الذهاب الى عيادته. فلجأ الطبيب الى "العلاج الشعبي" وينجح فيما فشل العلاج الأوروبي فيه, شفيت فاطمة.

يبدو أن الروائي يتبنى فكرة..لا خلاص بدون البحث فى أنفسنا وعقولنا نحن أولا وليس أخيرا على كل حال, فقد كتب الروائي فى سيرته الذاتية يقول:".. واسم إسماعيل أخذته من اسم صديق لي, كان يمثل فى نظري محاولة المزاوجة بين الشرق والغرب".

ثانيا: الآخر..المستعمر بكل أشكاله (رواية عصفور من الشرق/ توفيق الحكيم)

كتبت تلك الرواية عام1938م, وهى قريبة من زمن كتابة الرواية السابقة , مما يشير الى سخونة وحيوية القضية فى تلك الفترة. عالج الحكيم أفكاره برومانسية بسيطة, وقد عرض فيها كذلك العديد من المذاهب السياسية والاقتصادية حتى ظهور التيارات الفاشية والنازية الجديدة هناك.. فكانت دعوته الرافضة للغرب بكل أشكاله..أما البديل فهو الإنساني الروحي والمتمثل في التراث الشرقي بديلا.

من الطريف أن يكون "الإهداء" ( الى حامينى الطاهرة السيدة زينب), وهو نفس "المكان" بالرواية السابقة. وان كانت الرؤية الدينية هي الأساس, فلا يعنى ذلك الاعتراف الصريح من الروائي بجملة الطقوس التي تمارسها العامة..أي أن الكاتب يتبنى الجانب الفكري فى التناول بالأخذ بجوهر الروح و الجوهر دون الشكل البسيط المباشر.

صحيح كان "محسن" حائرا (حيرة الشرقي فى تلك الفترة), وتأكيد ذلك الجانب, عرض الروائي العديد من الآراء والأفكار من خلال الصديق الروسي "ايفانوفتش" الذي وجده يقرأ فى التوراة والإنجيل والقرآن. وقد اعترف الروسي له قائلا: "أريد أن أعرف.. كيف استطاعت هذه الكتب الثلاثة أن تعطى للبشرية راحة النفس".

بالرغم من المعطيات الأوروبية الثقافية والحضارية في الآداب والموسيقى والعمارة و غيرها, بقى الحكيم (أو محسن بطل الرواية) رافضا له لأنه المستعمر.

ثالثا: الآخر.. والعودة إلى الأنا/الواقع (رواية موسم الهجرة الى الشمال/الطيب صالح)

أبرزت تلك الرواية المواجهة مع "الآخر" على محورين: الشرق الأفريقي في مقابل الغرب الأوروبي, وكذلك الإنسان الأسود فى مقابل الإنسان الأبيض بكل الدلالات الإنسانية والثقافية.

فلم يكن الشكل الدائري للتقنية الفنية للرواية إلا البحث عن هدف فكرى ممزوج بطريقة التناول

سافر "مصطفى" للحصول على الدكتوراه من بلاد الغرب, ويعيش الحياة هناك بكل أبعادها الإنسانية.. وكان "الجنس" هو الشكل الغالب على علاقات البطل, حيث تزوج من أربع فتيات, انتحر ثلاث منهن و قتلت الرابعة! لم يكن الجنس سويا كما علاقة الأزواج, ولم يكن البطل يمارسه إلا من أجل تأكيد دلالة السيطرة والمقدرة, فأصبح لاستخدام الجنس توظيف فني عالي.

لم تنته الرواية بعد تنفيذ حكم السجن على القاتل "مصطفى", لم يغضب, بل اتجه الى قريته تحديدا كي يلتقط أنفاسه و يبدأ من جديد بالزواج من ابنة القرية "حسنة بنت محمود". فلما مات البطل غريقا وحمله النهر(رمز إيزيس الأسطوري), رفضت الزوجة الزواج من العجوز "ود الريس" بل قتلته, وقتلت فيه كل القديم من عادات و تقاليد. 

تشارك تلك الرواية الروايتين السابقتين فى مسألة العودة الى الوطن, وأضافت الرفض الواضح و الصريح للآخر..وللقديم البالي أيضا.

رابعا: الآخر..  سؤال متجدد (رواية نيويورك 80/ يوسف إدريس)

وهى رواية حوارية, نشرت بجريدة الأهرام عام 1980م, وقد غلب الحوار عليها بحيث عبرت عن قدر التساؤل والحيرة التي لم يحسمها الروائي فى النصف الثاني من القرن العشرين.

الحوار بين "هي" التي تعمل معالجة نفسية, و"هو" العربي الذي يزور المدينة الأمريكية للسياحة. كلاهما مجهول الاسم, لا يهم الاسم, المهم أنه يعبر عن رفضه لاقتحام "هي"له ومطاردتها له فى المطعم و الفندق كي تمارس الجنس معه..هكذا . ومن خلال رفضه حيث يقول: "خلاص انتهت عندكم القيمة تماما فى نيويورك حتى لم يبق إلا الدولار قيمة, والمتعة الأنانية الذاتية هدف...".

"هي" ترفض المنطق الشرقي, ليبدأ الحوار, وتقدم الأسعار التي تناسبها, تماما كما تفعل :"اللاتي يحملن السم فى حقيبتهن لابتلاعه إذا ما تعرضن لهجمة من شرطة الآداب".

تتهمه بأنه معقد نفسيا ولا تفقد الأمل فى تحقيق هدفها, لأنها تعتقد أن السبب الحقيقي لرفضه المال المطلوب, فيعلق "هو" قائلا: "متى يا إلهي تعطى بعض الرجال شجاعة البغايا".

تبدو وجهة نظر الروائي للغرب (الآخر) وكأنه لا يرفضه تماما, فيبدو متعاطفا مع قباحة ما تقدمه بقدر أطلق عليه صفة الموضوعية والعقلانية.. وليبقى الآخر عنده محل متابعة وقابل للقبول على درجة ما. الرواية إذن قدمت توجها آخر ليبق "الآخر" محل السؤال متجددا!!

وبعد..

هل استكملنا صورة "المرأة" في الرواية ؟ لم نستكملها. وما أحوجنا الآن الى الوعي بعدو خفي/ ظاهر يستهدف ركائز ثقافتنا العربية/ الإسلامية تحت مفاهيم العولمة وقد كشفت عن وجهها القبيح خصوصا فى توجهها نحو افتراس ثقافة الشعوب. حان وقت العمل الثقافي والمثقفين للمواجهة وكشف الأدوار الخفية هنا أو هناك. والمرأة كأداة فاعله بذاتها، ومفعول بها بأقلام المبدعين، لها دورها المحوري الهام.

 

 

Partager cet article
Repost0
3 juillet 2009 5 03 /07 /juillet /2009 22:28

Wa%2520fa%2520El%2520Omrani.jpgمن ملف العدد الثاني:

 

اللغة الشعرية من الإبداع إلى التلقي 

    قراءة في إبداع الشاعرة وفاء العمراني

 

دة.سميرة مسعودي

 

         إن قدر الشاعر أو الشاعرة هو الانصهار باللغة و الذوبان فيها، إذ لا إبداع شعريا بدون لغة  تسجل تمايزها و فرادتها. و الشاعرة وفاء العمراني تنتمي إلى جيل شعري راهن في تأسيس حداثته على تجديد اللغة و تفجيرها، لاسيما و أن اللغة أصبحت العنصر الأساسي المطالب بتأمين شعرية الجنس الشعري في تجربة هذا الجيل الذي سعى إلى محو الحدود بين الشعر  و النثر في إطار إقراره لقصيدة النثر كتابة شعرية جديدة.

         و من ثم فالشاعرة وفاء العمراني كانت و لاتزال معنية بهذا الرهان اللغوي، بل هي شاعرة مسكونة بهاجس الإبداع و التجديد، الذي مداره تفجير لغة شعرية تخييلية  لها بصمتها الخاصة.

       و قراءتي لإبداعها تتوخى-في مرحلة أولى- استجلاء فرادة و خصوصية هذه اللغة التي تخلق كونا شعريا متميزا. و في مرحلة ثانية، تنظر إلى كيفية تلقي هذه الخصوصية عند القراءة .

          و لهذا سأنطلق من سؤال محوري هو :كيف تؤسس الشاعرة حداثتها اللغوية؟

لقد تناول النقاد بالدراسة لغة الشاعرة فأشار معظمهم إلى تميزها بحضور نفس صوفي يجليه تردد واضح لمعجم الصوفية تمتاحه الشاعرة من شعر التصوف الإسلامي. وهذا صحيح إلى حد بعيد، و لن أتوقف عنده هنا. لأن الحضور الصوفي في تجربة الشاعرة لا يتوقف عند الاستفادة من معجم التصوف و التناص معه فحسب، بل علاقة الشاعرة بالتصوف أعمق من ذلك ، فهي تعتبر التجربة الشعرية تجربة صوفية بامتياز ، فإذا كان الصوفي يسلك طريق التصوف الوجداني من أجل الوصول إلى المعرفة الصوفية، فإن الشاعرة تسلك ذلك الطريق أيضا من أجل تحقيق المعرفة الشعرية التي هي قطعا معرفة لغوية. و بتعبير آخر، فكما ينشد الصوفي التوحد بالذات الإلهية و الفناء فيها مستمتعا بلحظة الإشراق القصوى، كذلك تطمح الشاعرة إلى التوحد باللغة و الفناء فيها من أجل تحقيق الخلق الشعري البكر.و بهذا تؤسس الشاعرة تصورا خاصا للتجربة الشعرية والخلق الشعري، عماده عنصران أساسيان هما الذات و اللغة بحيث تسافر الذات الشاعرة إلى دواخلها سفرا صوفيا من أجل التوحد باللغة في خلق شعري لا مثيل له. فتصير التجربة الشعرية كشفية رؤياوية تنغلق فيها الذات على نفسها لتكشف ما هو مخبوء مختف وراء مظاهر و سطح الأشياء،فتتأسس علاقة جديدة بين الشاعرة و الأشياء من حولها. تقول الشاعرة:

                بيني و بين الأشياء

               تقيم الصداقة عرسها:

               شطح، مكاشفات

              شناشيل تزهو

               و خواصر من نار.(1)

       لكي تتجدد اللغة لابد من أن تتجدد العلاقة التي يقيمها الشاعر بالعالم من حوله،  و الشاعرة هنا تفصح عن هذه العلاقة الخاصة التي أساسها النفاذ إلى عمق الأشياء من أجل كشفها كشفا صوفيا ملؤه الشطح الصوفي القادر على  تخييلها و توليد نسغها فتصبح متوهجة جديدة. فالشاعرة لا تريد أن ترى العالم كما رآه غيرها، بل تطمح إلى تغييره بواسطة منحه ولادة جديدة. و في القصيدة نفسها تقول الشاعرة:

 

              لكل الصباحات المقبلة غيرنا وجهينا-الأشياء و أنا-

               محونا تجاعيدنا

            و دعونا عشقنا ليفقس بيضه

             "سبحاني، إذ يضيق عني زمني"

             قالها الشعر و انفلت يجتث أعشاب الظن

             من غابة الموت.....(2)

       إن الشاعرة تريد أن تؤسس شعرا يقاوم الموت و الفناء، و كي لا يموت الشعر لابد من منحه سمة الإبداع، و من ثم كان عليها أن تتغير هي و الأشياء معا، و التغيير كما تقدمه الصورة الشعرية يقوم على دعامتين: أولاهما محو التجاعيد التي تحيل إلى شيخوخة اللغة القديمة التي قالت أشياء العالم بطريقة معينة إلى أن أصابها التعب و الغَضَن، و ثانيهما دعوة إلى الفناء عشقا في أشياء هذا العالم إلى درجة تمكن الذات من رؤية ما لم ير سابقا حتى تستطيع تسميتها بلغة جديدة . و هذا ما يتيحه السفر الصوفي للشاعرة. ففي إبداعها افتتان لا حد له بالرحيل إلى الأقاصي و الأعماق و المجاهل، باعتبارها مكانا تفجر فيه الذات لغتها الفريدة.تقول الشاعرة:

            منحلة في هذا الغمر البدائي المخضر

            تخاصرني البرية الليلية

             وبعذوبة مجنحة

             فجأة

             تضيئني قدماي

            تتخمر البذرة عند مياه أحاسيس نادرة

                انبجاس، وروف،خصوبة

            هي ذي وردة الأقاصي

            تستنفر اتقادي

            توشوش خلوتي

            فيما تضرمها جماري الغافية المتبقية

            لي الشفوف، النسغ،الوهج

            الأكوان كلها....لي

            بنفسج هاجع ماء، خفق

           وصباحات تنهمر على العمر

                                     بلا استئذان.(3)

 

      إن الأعماق تمثل لحظة الصفر التي تلوذ بها الذات من أجل الخلق، لحظة غمر بدائي واعد بالحياة و الاخضرار، لحظة استثنائية خاصة، حيث تتخمر بذرة الخلق الشعري بواسطة أحاسيس نادرة يفجرها الحدس و الخيال، فتتكاثر و تتكاثر حتى تتوحد في كائن لغوي.إن الأقاصي وردة تغري الذات بالسفر إليها،و تؤجج فيها نار المعرفة، و تستدرجها إلى الدخول في خلوتها الصوفية لتتحرر من خصائصها البشرية و تكتسب خصائص جديدة لا حدود لتحولاتها، فهي تشف و تشتعل و تتحول إلى نسغ للأشياء،و ترحب حتى تسع الأكوان كلها، وهي ماء و خفق وصباحات منهمرة على العمر، إنها  تشهد تحولات متسارعة تمنحها هوية جديدة بواسطة خيال جامح يصهر كل المتناقضات في وحدة لا مثيل لها . إنها تحولات تملأ فضاء الدواخل بصور خيالية لا نهاية لتناسلها تجسد منعرجات الذات و هي تصعد نحو التوحد باللغة، تتلقاها في حيرة و دهشة:

 

                     أتشرنق

           كثيرا شهوتي المحال

          عالم مدهش ينمو في حياضي

          للآتي أن يرسم مغامرته القدسية

                        أصغي

         أرقب البعيد المتجول في دمائي

                        أصغي

        طواحين الروح تنشد سرها الأبدي

        دافقة شجرة الأعماق

                     لا أوصد

       غابة من فجر تقذفني بنظرتها الغورية الشفيفة

       إزهار مفاجئ

      خيول الماء تتراكض في اللحظة البعيدة

      و الجسد يكتمل بحواراته

       أمنحك صداقتي أيها الحبر.(4)

 

       ما أن ترتد الذات إلى أعماقها حتى تتدفق بخيالات و حدوس مدهشة غريبة،تحياها الذات الشاعرة إزهارا مفاجئا، فتكاثر الصور التخييلية في الدواخل و حضورها في لحظة واحدة تشبه حقلا فارغا يزهر في طرفة عين. فتنغمر هذه الذات في رؤى متداخلة، أنوار شفافة، مياه متراكضة، أصوات منشدة... و الذات  تصغي و ترخي سمعها  منفتحة على هذا الغمر الذي سيتجسد في كتابة شعرية . و إذا كانت الشاعرة تتحدث عن اكتمال للجسد بالحوار، فإن هذا الاكتمال لن يتحقق إلا ببلوغ درجة التوحد القصوى باللغة، ففي هذا التوحد فقط يحدث الميلاد الحقيقي، الميلاد الذي يمنح الذات هوية جديدة. فلنصغ إلى الشاعرة و هي تنتشي بهذه اللحظة الفريدة:

                تقولني الرؤيا

                  تسامق

                  إشارة

     عجبا لهذي الروح إذ تلاقي فتنتها

     عجبا لهذا الميلاد

    حضورات كريستالية أتنورها

    وجهه عذوبة مشتعلة ...(5)

           إن الميلاد يُحدَس حضورا نورانيا يخترق الذات، و لنلاحظ الدلالة التي يوقعها فعل"أتنورها" بحيث تتلقى الذات نور الميلاد فتمتصه لتشع به، و لا عجب في ذلك، فكما يكون العارف الصوفي محوا في معروفه ،فإن الذات الشاعرة فانية في معروفها اللغةِ متوحدة به، لقد أصبحت هي إياه، و من ثم يتضح قول الشاعرة "تقولني الرؤيا"  إذ لم يعد هناك حجاب بين الذات و اللغة لقد أصبحا شيئا واحدا، فالشاعرة تقول الرؤيا و الرؤيا تقول الشاعرة. إن الخلق الشعري إذن، يولد من هذا الفناء الصوفي للذات في اللغة ، حيث تتلون اللغة بالرؤى التخييلية للذات،وتلبس الذات فيض اللغة. فتغدوان معا علوا و إشارة ورموزا بفعل الوحدة التي خلقت كيانا جديدا: تقول الشاعرة:

 

         اليومَ أولُ بعثي

         مطر الصبيحة نشوة لا تقاوم

             لون دمي أخضر

         السماء من تحتي لا شكل لها

                       أبدأ

            أقول لكوكب أسمائي:

           لا صيغ لكَ عدا السطوع.(6)

 

         إن ما ينشأ عن هذا التوحد ذات جديدة لا مثيل لها دمها أخضر على غير العادة، و مكانها الفضاء حيث تعلو و تتسامى حتى تتجاوز السماء التي تصبح  تحتها لا فوقها. و بالتالي فإن الأسماء التي تقولها هذه الذات لن تكون حتما عادية، إنها ستكون إشارات ساطعة ترمز إلى هذه الجدة التي اكتسبتها، فهي لن تقول مظاهر الأشياء بل تقول كنهها  و أعماقها كما حَدَستها أثناء رحلتها إلى الأعماق.

      إن الكون الشعري في إبداع الشاعرة وفاء العمراني يسوده انسجام و وئام لا متناهيين،  فالذات أثناء رحلتها إلى الأعماق  تتحرر من كل ما يقيدها إلى الواقع فتنطلق متخففة من ثقله مستسلمة إلى الحدس و الخيال اللذين يفجران آلاف الصور في زمن قياسي، فتتسارع في تحولاتها لتمتص هذه الصور فتحتفظ بها إشارات، و حينما تصل إلى لحظة الإشراق و التوحد باللغة فإن هذه الأخيرة تمتص منها طبيعتها الإشارية ، فلا تقول الأشياء إلا رمزا.

و هنا أتوقف قليلا لأشير إلى ما يميز تجربة الشاعرة عن التجربة الصوفية في علاقتها باللغة:

       تلخص مقولة النفري "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" علاقة الصوفي بلغته،فهو يراها عاجزة عن الإحاطة برحابة الرؤى التي تنتجها الذات الصوفية و هي مسافرة نحو الفناء في الذات الإلهية، و نجد معظم الشعراء الحداثيين الذين ارتبطوا بالنص الصوفي، بطريقة أو بأخرى، يكررون هذه المقولة بتعابير مختلفة لكنها تلتقي عند الإقرار بعجز اللغة عن التعبير عن كثافة ما يحدث في الدواخل و الأعماق.غير أننا لا نجد لدى الشاعرة وفاء العمراني أية شكوى من عجز اللغة عن نقل رؤاها (أتحدث هنا عن دواوينها التالية: الأنخاب، فتنة الأقاصي، هيأت لك) بل على العكس من ذلك تماما، نجدها تمجد اللغة و طاقتها على الخلق حين تتوحد بها الذات، و منشأ هذا التميز في علاقة الشاعرة باللغة يكمن في أن الشاعرة لا ترى في اللغة وسيلة للتعبير عن الرؤى، كما يراها المتصوفة، و كما رأتها كذلك كثير من النظريات الشعرية، إن اللغة تخلق الرؤيا في لحظة مشاهدة  الذات لها (من الشهود الصوفي)

و إن صح التعبير تخلق الرؤيا و تنخلق بها، فالرؤى نفسها تنفجر لغة . فاللغة عند الشاعرة هي الرؤيا ذاتها. أما ما نراه في شعرها من تمنع اللغة عليها أحيانا فإنه يفسر بلحظات القبض و البسط التي تشهدها الذات وهي تعرج نحو اللقاء باللغة، فأحيانا تتعصى اللغة و تنأى و تضن بالوصل، فتقول الشاعرة

 

              ما لهذي الأبجدية أصونها

               و أبقاها

              فتنقلب علي(7)

أو تقول:

         جذوري ضوء يفترش السحاب

         لكن، ها هو الليل يلج عظم السريرة

        و يفيء لمراثي الزبد...

         أيتها الشمس الواهبة

         عديني بغمرك

        كلما قضمني فحيح المرارة الأولى(8)

حين تتمنع اللغة إذن تتلون السريرة بالحلكة التي تعوق انسياب الضوء القادم من الأعماق    و الجذور و تحس الذات المرارة و اليأس، فتبتهل إلى الشمس كي تغمرها بنور اللقاء.أو تلجأ إلى مناجاة اللغة كما يناجي الصوفي ربه راجية لحظات الفيض:

 أوِّلني ضمِّخني  حُفَّني

 يا الحرف الذي عز كما مطر العام

يا السمي الصفي

الطراوة الجذوة

الفرح المُرجأ

يا الذهول.   (9)

 

أما حين تستشرف الذات قرب الوصل، و تأتيها بروقه و إشاراته، فإن الذات تنبسط و تزدهي:

الأمواج الاحتفالية تعلن عودتها

يا لغبطتي الأكثر روعة،

يا لهذا الصوت، بداخلي، المجدول

                                      بجذل الفراشات

يالفجر الحرف في دمائي.(10)

إن اللغة لدى الشاعرة رديف للخلق والإبداع، لذلك تشرق الذات و تنتشي باللغة و لا ترى فيها عجزا بل تفجر الجديد غير المألوف،إنها تستكشف أعماق الأشياء ، و لا تعبر عنها كما هي في العالم الواقعي، و لهذا  فإن الذات تظفر في كل رحلة بخلق شعري بكر:

 

        بحرٌ من الصفاء هو ندائي       

       ولغتي برق الأمداء

       سلاما لصحراء الأبجدية روضتها

       بنعل من جمر (11)

 

إن لغة الشاعرة ليست سوى بروق و إشارات لما زخمت به الذات أثناء رحلتها، و هي إشارات  فقط، ليست لأنها عاجزة عن نقل كثافة الحالة الشعرية ، بل لأن الخلق الجديد لا يمكنه أن يكون إلا متلونا بما حدسته الذات نفسها إشارة و رمزا. و هنا تتحول صحراء الأبجدية إلى نار مشتعلة ما دامت قد روضت بواسطة نعل من جمر. و لارتباط اللغة بالنار عند الشاعرة دلالة خاصة، تقول الشاعرة:

تفيض شرايين الحرف

نطفح بالحضور

   صدى

أنا ناي الأبجديات

و سنبلة شراري……(12)

إن قول الشاعرة" نطفح بالحضور صدى" يشير إلى اتحاد الشاعرة باللغة بحيث تفيضان بالحضور الصوفي في شكل صدى، فتصير الذات صدى للغة و تصبح اللغة صدى للذات. 

و تأكيدا لهذه العلاقة الخاصة تفصح الذات عن تحولها إلى ناي "للأبجديات" متعددة متكثرة.

واللغة هنا ترتبط بالنار من جهتين، من جهة ورود كلمة الشرار  التي تحيل على الاشتعال،  و من جهة تناص الصورة مع ناي جلال الدين الرومي الذي كان  ينفث نارا بدل الهواء.  غير أن اشتعال لغة الشاعرة لا يحيل على الرماد و الفناء و لا حتى على المعاناة اللغوية التي ترتبط بالاحتراق، بل ترتبط بالحياة و الولادة الجديدة بدليل أن الشرار تنازل في التعبير عن طبيعة الاشتعال ليتحول إلى سنبلة. إن للنار هنا قوة التحويل و التغيير، و الشاعرة هي من تقول (النار تقعر كل تسطيح)(13). و ذلك هو أمر اللغة الشعرية عند وفاء العمراني، إنها تقعر كل تسطيح لأنها تنفذ إلى كنه الأشياء باختراق سطحها و الدفع به نحو الأعماق.

 و لغة كهذه تنشد الخلق الذي لم يسبق ،لا بد من أن تكون غامضة و غريبة. و هنا أصل إلى الشق الثاني من هذه المداخلة:

 فإذا كانت الشاعرة تحيا تجربة الخلق الشعري- بالرغم من غرابتها- في انسجام و صفاء روحيين، و ترى أن لغتها قد حققت حداثتها، و من ثم تميزها و فرادتها و إبداعها ،فإن متلقي هذه اللغة لا يستطيع التفاعل معها إلا إذا استطاع أن يحيا التجربة كما عاشتها الشاعرة،و إلا فإنه لا يرى إلا لغة تنغمر في الفوضى و التشتت، و هذا التعارض بين المتلقي و المبدعة يجد تفسيره في اختلاف المواقع التي ينظر منها كل منهما إلى اللغة، فالشاعرة تعيش حالة انسجام قصوى أثناء الحالة الشعرية،تتماهى الذات باللغة فتصبحان شيئا واحدا منسجما، و في هذه اللحظة، تذهل الشاعرة عما حولها و تستسلم لنشوة اللحظة و سحرها، فلا تملك الذات أن تبحث عن المنطق و المعقول، لأن للعالم الداخلي قواعده الخاصة التي لا تراها الشاعرة خارجة عن حدود العقل و المنطق كما سيراها القارئ لحظة القراءة، فالشاعرة ككل مبدع لا ترى الأشياء إلا بإحساسها و وجدانها، و حدسها، و خيالها .في حين أن القارئ العادي لن يرى في هذه اللغة إلا تشتتا و غموضا لأنه يقرأ بعين المنطق و العقل اللذين ينتفيان من لغة شعر الشاعرة ، فيلاحظ خروجها عن كل الأنساق اللغوية التي يعرفها، سواء تعلق الأمر باللغة العادية أو باللغة الشعرية، فتتعطل لديه عملية الفهم التي هي غاية كل قراءة. و بدل البحث عن مدخل جديد للقراءة ينزل بلعنته على هذه اللغة التي لم تعد تقول شيئا فيسمها أحيانا بالغموض و أحيانا بالهذيان و اللامعقول. و للقارئ في هذا الموقف عذره فاللغة كما تنتهي إلى التلقي تبدو في أول أمرها مفتقدة إلى كل الروابط العقلية التي تجعل اللغة مفهومة.

    والأمور التي تربك عملية التلقي و تنتصب حجابا يحول دون وصول القارئ إلى الانسجام الذي يختفي وراء ما يبدو من فوضى اللغة كثيرة أتوقف عند اثنين منها.

فأما الأول فيتجلى في التلاعب بنظام التركيب تقديما و تأخيرا في غياب عنصري الفصل    و الوصل كما هو الحال في قول الشاعرة:

 

بعيدا،

في منتزهات الروح

شبت خبايا جسدي/

تسارعت باتجاه هيآت جديدة

                 وردة

صخرة الماء يانعة وباردة

العين فتنة

حين الروح حديقة (14)

 اهتمت الشاعرة بإثبات فاصلة بعد كلمة" بعيدا" لتنظيم تركيبها النحوي، ولكنها لن تعيد الكرة مرة أخرى بالنسبة الباقي التراكيب، مما يربك سياق القراءة. و إذا كنا نستطيع قراءة الأسطر الشعرية الأولى دون صعوبة، فإننا سنتوقف عند السطر الخامس الذي انفرد بكلمة واحدة هي "وردة" جاءت بعد فراغ واضح بين السطرين الرابع والخامس، ووجودها معزولة في بداية السطر، يدفعنا إلى قراءتها باعتبارها مبتدأ، لكننا لن نعثر لهذا المبتدإ عن خبر. فمباشرة في السطر الموالي نفاجأ بمبتدإ آخر هو "صخرة" المضاف إلى الماء،يمكن  اعتبار (يانعة) خبرا له، "وباردة" معطوف عليه. ونكتشف إمكانية أخرى للقراءة حين تنبهنا لفظ "يانعة" إلى ارتباطها  بالوردة بعلاقة ما، بما أن اليناعة صفة من صفاتها. مما يدفعنا إلى اعتبار "وردة" في هذه القراءة الثانية، خبرا مقدما للمبتدإ المؤخر (صخرة الماء). وبذلك تصبح "يانعة" و"باردة" صفتين للوردة، فاليناعة خاصية من خاصياتها، والبرودة صفة تكتسبها بفعل ارتباطها بصخرة الماء التي أصبحت هي إياها. إذ البرودة إحدى خاصيات الماء، فنظفر حينذاك بالتعبير المنطقي التالي:"صخرة الماء وردة يانعة و باردة"، تعبير منطقي صحيح، لكنه خال من الشعرية التي يفيض بها قول الشاعرة .  

وقد كان بالإمكان أن يُتجاوز هذا الإرباك الذي يحدثه هذا التقديم والتأخير لو أن الشاعرة تدخلت بوضع الفواصل والنقط لتعيين حدود الجمل والتراكيب، لكن اللغة هنا تتحرر من رقابة العقل المنظِّم، فتنقل صور اللحظة الشعرية خامة بكل تناقضاتها وفوضاها وتشابكها، وهذا ما يجعل بعض العناصر اللغوية تبرز في التركيب شاذة ومعزولة يسبق بعضها بعضا دون روابط منطقية أو دون أدنى إشارة إلى وجود هذا التقديم والتأخير، الأمر

الذي يعمق غموض هذه اللغة ويشوش عملية القراءة حين تنعزل بعض الكلمات عن التراكيب التي أدرجت فيها، إلى درجة يصعب فيها على القارئ التأكد من موقعها الصحيح في الجملة كما هو الحال في هذا النموذج :

                   لطفا أيتها الشمس

                   جسدي منشغل بالتوهج

                                      جديدةً

                   كل ضياء أنبجس

                   إليه أرفو أبعادي

                   أهجر الذاكرة / أولد في الإشارة

                   ثوبي جلد هواء

                   الجسد قبلة الرياح

                   يخلط بالنجم الوقت الذي نسجناه

                            أينا المدى ؟

                            أينا السنى ؟ (15)

  فكلمة "جديدةً" في هذا المقطع وضعت منعزلة في سطر شعري، وعبثا نحاول ربطها بما قبلها وبما بعدها من جمل، ولكننا لا نظفر بما يلائم وضع هذه الكلمة المنصوبة، فنضطر إلى افتراض فعل محذوف يلائم السياق والكلمة معا، كأن نقول مثلا (أصبحت جديدة)، ليلائم دلالة الجمل المحيطة بالكلمة. ولكن هذه القراءة التي تتوخى السهولة والوضوح، تحرم هذه اللغة جماليتها وتوهجها وتعيدها إلى منطق الأشياء وألفتها. ومن ثم نبحث عن تخريج آخر لهذه الكلمة، وهو ما يجد إمكانية له في اعتبار "جديدة" حالا مقدما لفعل يوجد في مسافة بعيدة نوعا ما من التركيب. وهو فعل "أولد" من قول الشاعرة (أولد في الإشارة)، فيكون المعنى أن الشاعرة تولد في الإشارة ولادة جديدة، أما جمل (كل ضياء انبجس إليه، أرفو أبعادي، أهجر الذاكرة) فتصبح جملا اعتراضية في هذه القراءة، تفصل بين الحال (جديدة) وبين الفعل (أولد). و انتفاء أدوات الربط والفصل هنا أسلم التركيب إلى الفوضى والاضطراب، الذي يضاعفه استعمال الشاعرة للقاطعة بين قولها أهجر الذاكرة/ أولد في الإشارة، فهي وإن كانت تشير إلى القطيعة بين حالين، فإننا لن ندرك ما إذا كانت القطيعة تتم فقط بين جملتي السطر أم أن القاطعة تشير إلى أبعد من ذلك، إلى القطيعة بين الولادة القديمة والأخرى الجديدة.

 و هذا الاضطراب في هذه التراكيب اللغوية راجع إلى حال الذات الشاعرة التي تخضع لتحولات مستمرة لا تتوقف، وبالتالي فإن التعبير بمنطق عن هذه الحالة مستحيل، لأن اللغة المنطقية بطيئة في نقل كل ما تحس به الذات، فسرعة التحولات التي لا تستغرق سوى ثوان معدودة بفعل الخيال الخلاق الذي يستطيع أن يكثف الزمن كما يشاء يوجد في وضعية متقدمة عن التعبير اللغوي الذي يستغرق مدة زمنية أطول، فكأن اللغة في هذا المقطع تحاول أن تجسد لنا سرعة التحولات في للحظة نفسها التي تحدث فيها. فتبدو الأشياء متناقضة متداخلة.

فبالنظر إلى الجمل التي افترضناها اعتراضية في قراءتنا سنجد أنها تنشئ دلالة تتعلق بماهية الولادة الجديدة، وإن شئنا الدقة، تصور مخاض هذه الولادة. فالشاعرة في هذه التراكيب التي تبدو مضطربة تحاول أن تنقل إلينا الحالة كما حدستها بخيالها في لحظتها. فقد أدركت في لحظة انشغال جسدها بالتوهج أنها بصدد ولادة جديدة، ولكنها لم تستطع أن تعبر سوى عن جدة الحدث فأرجأت نقل  الحدث الذي هو فعل الولادة إلى ما بعد، واكتفت بكلمة "جديدة" لأنها في اللحظة نفسها ستنشغل بمعاينة مخاض هذه الولادة وهو ما عبرت عنه في التراكيب اللغوية – كل ضياء انبجس إليه – أرفو أبعادي- أهجر الذاكرة. وحين تكتمل الولادة الجديدة، تعبر عنها بقولها (أولد في الإشارة)، فتصبح الجمل بعد هذا مصورة لمظاهر هذه الولادة الجديدة. إن اللغة هنا تحاول ملاحقة سرعة الانفعالات وتحولات الذات لتنقلها في لحظتها الآنية، ولهذا تتسم بالاضطراب والغرابة والشذوذ عن المنطق، فيتقدم ما حقه التأخير، ويتأخر ما حقه التقديم.  فتغيب العناصر المنظمة لهذه التراكيب و تنبهم العلاقات النحوية وتضطرب.

 وإذا كانت اللغة- من زاوية الإبداع- في هذه النماذج تعلن بواسطة هذين العنصرين انتفاء الحدود والمقاييس المنطقية المبنية على العقل داخل تجربة شعرية مرتبطة بحالة إبداعية خاصة ومتميزة، فإن ذلك لا يشكل بالنسبة للقارئ سوى عنصر إرباك وقلق يقحم اللغة في الغموض واللامعنى، ويمنعه من التواصل مع هذه التجربة الإبداعية،  حين يجد نفسه عاجزا عن استيعاب الصور المخيلة بواسطة هذه اللغة التي تنزع إلى محو العلاقات المنطقية بين عناصرها، مجسدة نصا شعريا موسوما بالتشتت و الفوضى فيبدو و كأنه ركام من الصور المتناثرة التي لا رابط بينها.

 و هذا ما يضاعف الغموض عند القارئ و يجلي الأمر الثاني الذي أراه يحجب انسجام اللغة الشعرية في إبداع الشاعرة، إذ يبدو النص للقارئ المتسرع الذي يتوخى الفهم   و اقتناص المعنى و كأنه تجميع لصور متنافرة في فضاء واحد، و في إبداع الشاعرة نماذج كثيرة أكتفي بالتمثيل لها بقولها:

 

                  للغريب الضارب في أغوار نذري

                   لمزاميره الطالعة من ضراوة الخفق

                   لأرضه المجلوة بفتنة القتل

                   لجرحه          لأعراسه

                   للغة أشيائه

                   لياسمينة أودعتها عزلة غاباته

                                               ذات قصيدة

                   لملح شهواته في دمي

                   لحلمي النبيذيِّ القديم

                   لليلتنا التي لم تكن،

 

                                      حفي نبضي           (16)

                                             

       تنفرط العلاقات المنطقية بين مجموع الصور التي سعت إلى تحديد الغريب الذي يهدى له حفي النبض. فالمزامير والأرض والجرح والأعراس واللغة والياسمينة، وملح الشهوات، والحلم النبيذي، كلها عناصر متضاربة متنافرة لا تجانس بينها. زادتها الصورة التي أدرجت فيها غموضا، إذ إن الجمع بينها يبدو وكأنه تم بطريقة اعتباطية آلية، هذا ما يجعل الصور تبدو مشتتة ومتشظية، تفتقد اللاحم الذي يوحدها في دلالة معينة، وإن كانت جميعها تشترك في الانتساب إلى الغريب الذي ذكر في بداية الصورة الذي يعلن بنفسه مسبقا على غرابة الأشياء التي يمكن أن يحتضنها باعتباره شيئا غريبا موغلا في الأغوار.

      إن الشعر بفعل التجربة الخاصة التي يتولد بها مرغم على تأسيس لغة جديدة و بالتالي جمالية شعرية جديدة فإذا كانت اللغة في السابق قد أسست جماليتها على الاستعارة الجامعة بين عناصر الصورة بواسطة علاقة المشابهة، فإن الصورة الشعرية هنا تجمع بين ما لا يجتمع لصدورها عن ذات غريبة لم تعد العلاقات المنطقية شغلها و لا في إطار اهتمامها.

 فكما انفرطت العلاقات المنطقية في التركيب اللغوي كذلك تشتتت الصور في النص الشعري في فوضى عارمة مفتقدة المنطق و العقل، معانقة الهذيان و الهلوسة . هكذا ينظر القارئ إلى هذا الخلق الشعري الجديد، و هذه نظرة تسير في الاتجاه المعاكس لنظرة المبدعة إلى شعرها. فما تحياه الشاعرة نشوة و ظفرا بالوصل و إشراقا بكيان جديد نسغه ولادة لغة بكر، يحياه القارئ معاناة مضنية و لهاثا وراء القبض على المعنى المتواري في تضاعيف الكلام. والحال، أن المعنى في هذه التجربة الإبداعية لا وجود له، لأن الشاعرة لا تعبر عن شيء له وجود واقعي، فهي تخلق اللغة من جديد سلاحها الحدس و الخيال. و هذا يعني أنه لم تعد هناك مرجعية مشتركة بين الشاعرة و القارئ، لأن كل ما تخلقه نابع من الدواخل،  من تحرر الأنا الشعرية من قيود الواقع، و بالتالي فمن البديهي أن تصطدم القراءة العادية بكثافة اللغة الشعرية التي أصبحت رموزا و إشارات إلى أحوال الذات في رحيلها نحو الأعماق كما تؤكد الشاعرة حين تقول:

              عميقا

              ينزف عقيق أبجديتي (17)       

  نزيف الأبجدية في الأعماق انهمار لصور لا حد لها تتناسل دون توقف، و أظن أن هذا القول يرمز إلى هذا الانفراط الذي يحدث للغة  فتتشتت في كل اتجاه غير أن الشاعرة لا ترى هذا الانفراط مخلا بالخلق الشعري بل هو نتيجة طبيعية لفرادة هذا الخلق.

          لا أفهم /لا أفهم

          ماسية متشظية

            مثل قصيدتي العصية

                             الآتية(18)

        إن المبدعة  لن تحس إلا بالانسجام التام بين ذاتها و لغتها،انسجام يبلغها درجة النشوة الكاملة، وبطبيعة الحال فإن هذا لن يتم إلا إذا توحدت الذات مع الحالة الشعرية الخاصة. وإذن، من أين يأتي التشتت الذي نلمسه بوضوح في  النص الشعري ؟  

       إن التشتت لن يبرز إلا حين تنفتح الذات لتنقل الحالة الشعرية الوجدانية إلى عالم اللغة،ذلك بأن اللغة التي  توجد داخل الحالة، لابد من أن تخرج إلى الوجود كتابة ، و هذا الخروج يشكل تهديدا وخطرا على الحالة لأنه ينهي الاستمتاع واللذة  التي كان تحدسها الذات، ولذلك فإنها مرغمة على سرعة تسجيل هذه الحالة قبل أن تتلاشى وتضمحل قوتها، وهذا ما تفعله الشاعرة حين تنقل الحالة إلى اللغة المكتوبة، وحينذاك يحدث الخلل، فأثناء معاناة الحالة تتفجر طاقة التخييل بسيل من الصور التي تنبثق دفعة واحدة، في تشابك مذهل ومثير، وفي انسجام لا نظير له، وهذا ما تعجز اللغة عن تحقيقه، فهي بمنطقيتها لا تقول الأشياء إلا في مراحل وعلى دفعات. وانفجار الصور التي حققت انسجاما وتكاملا داخل الحالة كما أحستها الشاعرة في لحظة مكثفة لا تتحقق لغويا إلا إذا فككت، فتسجل عبر دفعات متتالية في جمل لغوية تشكل صورا متقطعة.

        وكان بالإمكان أن يكون لهذه الصور المتقطعة انسجام لغوي لولا أن الشاعرة وهي تنقل الحالة إلى اللغة تكون متلهفة على ألا تضيع منها فرادة الحالة وحرارتها، فتسارع إلى تسجيل الصور كما ترد عليها دون توخي الربط، ففي مرحلة النقل هذه تكون ما تزال تحت تأثير الحالة، ومن ثم لا تعي بأن ما تنقله لا منطقي ولا مترابط . فالتشتت إذا لا يظهر في اللغة من وجهة النظر الإبداعية لأن اللغة تلاحق غرابة الحالة الشعرية التي تتنامى في الدواخل  منتشرة في كل الاتجاهات. إن التشتت يظهر في اللغة من وجهة نظر القارئ الذي لم يعاين حال الذات و لم يضع تميزها في اعتباره فهو يقرأ خلقا جديدا لا سابق له بقياسه إلى مخلوقات سابقة. و هذا لا يستقيم ،لأن الذات كفت عن إعادة خلق العالم كما هو الحال في تجربة الشعر المعاصر و أصبحت تخلقه.

فلنفترض أن الذات الشاعرة عبارة عن صندوق مغلق له فتحة صغيرة. وبداخله حالة شعرية متميزة، ولتكن عقدا فريدا مثلا، حباته من مختلف الأحجار الكريمة، لؤلؤ، زمرد، ياقوت، مرجان، فيروز... الخ، وتميز هذا العقد يكمن في نظام خاص لم الحبات بعضها إلى بعض، ولنفترض أن الشاعرة عز عليها الاحتفاظ بهذا العقد مهملا في الصندوق وأرادت أن تخرجه ليرى الناس فرادته وجماله، لكنها تجد أن الفتحة لا تسع إخراج العقد بكامله في النظام الذي صيغ به داخل الصندوق، بل تسع حبة وراء حبة، فماذا تفعل ؟ إما أن تتركه هناك قابعا في الذات، وإما أن تسحب الخيط الذي يلم حبات العقد، وإذ تختار الخيار الثاني، فإن الحبات تنفرط، فتخرج حبة وراء أخرى، وبهذه الطريقة لن نرى أبدا العقد كاملا في نظامه الأصلي، بل كل ما نحصل عليه هو حبات منفرطة جمعت في شكل فوضاوي، و كما أن الجمال هنا ينشأ عن الحبات الثمينة في حد ذاتها باعتبارها تحمل جمالا فنيا في ذاتها، فإن ذلك لن يغنيها عن جمال مفترض في عقد منظم بطريقة فريدة. ونحن في هذه الحالة لا نملك أي تصور حقيقي عن جمال العقد كما كان في صندوق الشاعرة، لكننا نملك في المقابل الحبات – التي لم تمتلكها الشاعر في بداية صنعها للعقد- بل شكلتها ونحتتها عن طريق الحدس و الخيال ، مما ييسر علينا عملية إعادة تجميعها بطريقة ما ، وهنا ما يهم القراءة هو محاولة إعادة  صياغة عقد شبيه بذلك الذي كان في الصندوق. و- أقول شبيها به -لأنها لن تستطيع أبدا إعادة صياغة العقد الأصلي كما كان في الداخل، بل كل ما تفعله هو أن تتصور وتفترض شكله، ومن ثم تتعدد إمكانيات تجميع الحبات في شكل جمالي جديد.

وقريب من هذا ما يحدث في نقل تجربة الذات إلى اللغة، فقصور هذه الأخيرة عن احتواء الحالة الشعرية بتعددها المنسجم في الأصل هو ما يدفع الشاعرة إلى نقلها في أجزاء وصور متقطعة، ولأنها مصرة على الحفاظ على خصوصية التجربة باعتبارها حالة تتجاوز كل وصف، فإنها لن تحفل بأدائية اللغة ولا بمنطقها، بل تحرص بدل ذلك أن تقترب اللغة من العوالم التي أسستها الحالة الشعرية في لحظة لا تتكرر.  فاللغة رموز لحالات فريدة ، و من طبيعة الرمز الإيحاء و الومض ، و لهذا مهما ادعت القراءة أنها قد توصلت إلى ما يريد الشاعرة البوح به فإن  ادعاءها لا يعدو أن يكون رجما بالغيب ، لأن هذه اللغة حصنت نفسها  من واحدية المعنى التي تقتل الشعر بانغلاقها في محارة الذات التي تجاوزت كل ما هو مشترك بينها و المتلقي  لتنتج معرفتها الخاصة،و بالتالي لغتها الفريدة  التي  تنفلت من أي امتلاء . و يمنحها سمة التعدد الدلالي الذي لا نهاية لمداه.

و أختم كلامي بمحاولة ربط تجربة الشاعرة وفاء العمراني بموضوع هذا اليوم الدراسي  الذي هو " الأدب النسائي بين البعد المرجعي و البعد الأدبي"، فأقول إن الشاعرة وفاء العمراني تخلق اللغة، و من الأجدر من أنثى خبرت مخاض الولادة  لتجسد مخاض الخلق الإبداعي،إنها تحمل اللغة في أحشائها كما تحمل أي أنثى جنينها:

على باب شهوة السؤال

أشرعتني غابات السفر عليك

و أدناني، طوعا، فجر الحرف

         إليك

أنا حاملةَ ثمارك

و الريحَ فاتحةً ذراعيها

لخصوبات مدارك.(19)

و ككل خلق فإن خلقها فريد لا شبيه له، كما تقول الشاعرة

كلماتي غير الكلمات,(20)

و تقول أيضا،

تشرد عن اللغات لغتي,(21)

إن هاجس الشاعرة من وراء هذا الخلق اللغوي هوتحديد هويتها الأنثوية،برسمها لمعالم أنوثة تخلق إبداعها متحررة من قهر تاريخ لغوي جائر موسوم بالفحولة اللغوية التي طبعت إنتاج الشعر العربي ، لذلك تسافر إلى أعماق ذاتها لا يرافقها سوى خيالها و حدسها، لتفجر لغتها الخاصة التي تخلق كونا شعريا  يسوده صفاء وانسجام ، ففي أدب الشاعرة إذن يتراجع البعد المرجعي لصالح البعد الأدبي التخييلي حيث ينبثق عالم لغوي لا يحيل إلا على  نفسه ،عالم تتصالح فيه كل الثنائيات المتضادة،  ، فلا صراع و لا ضغينة ، لا ذكورة و لا أنوثة، و حتى على مستوى تجسيد الكتابة يذوب الشعر في النثر. لا حضور إلا لذات تبدع  لغة خاصة      و بهذه  اللغة تتحدد هوية الشاعرة . إنها مبدعة و كفى.

 

       

الهوامش

 

1-   وفاء العمراني، ديوان "الأنخاب" ق:"المكاشفات"ص58

2-   وفاء العمراني، ديوان"فتنة الأقاصي" قصيدة فتنة الأقاصي ص44

3-   م.ن ،ق.ن،ص 37-38

4-   وفاء العمراني،د:"هيأت لك"ق:"أريج باذخ"ص 45-46

5-   وفاء العمراني، د:فتنة الأقاصي،ق: عدم صديق و آخر لا.ص 115-116

6-   وفاء العمراني،د:فتنة الأقاصي.ق:رذاذ السريرة.ص:97-98

7-   م.ن ،ق:صلاة الغائم ص83

8-   د. هيأت لك،ق:أشبهك أيتها الريح،ص:57-58      

9-   د: فتنة الأقاصي ق: للآتي أنا منذورة، 72-73

10- د:هيأت لك،ق: أشبهك أيتها الريح،ص 55-56

11- م.ن، ق: نعل من جمر،ص:96

12-م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص36

13-د:فتنة الأقاصي، ق: فتنة الأقاصي،ص48

14-د: هيأت لك،ق:أريج باذخ،ص 39-40

15- م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص23-24

16- م.ن،ق: أريج  باذخ،ص9-10

17-  د:فتنة الأقاصي،ق: فتنة الأقاصي:ص 40

18- م.ن، ق:ضاج بي أيها الحب ضاجة بك أيتها المسافة،ص60

19-د:هيأت لك،ق: نشيد الوفاء،ص:83-84

20 د: فتنة الأقاصي، ق: عدم صديق و آخر لا،ص 106

21-م.ن،ق.ن ص111

 

 

Partager cet article
Repost0

مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية، مغربية-دولية ثقافية شاملة مصنفة ومحكمة

  • : Revue Cahiersdifference مجلة دفاتر الإختلاف
  • : مجلة دفاتر الإختلاف Revue Cahiersdifference مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية مغربية-دولية ثقافية مصنفة ومحكمة ملف الصحافة رقم:07\2005 الايداع القانوني:2005/0165 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ p-2028-4659 e-2028-4667 المجلة حائزة على معامل التأثير العربي Arab Impact Factor لسنة 2023 بمعامل 1.22 وسنة 2024 بعامل التأثير 1.83 وسنة 2025 بمعامل التأثير 1.88 وعن سنة 2026 بمعامل التأثير 1.95 وفي الترتيب الربعي Q2 كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية "المنظومة" AL MANDUMAH
  • Contact

مدير المجلة

  • مجلة دفاتر الاختلاف الورقية والالكترونية
  • الدكتور ادريس عبد النور 
	البريد الالكتروني:
abdennour.driss@gmail.com
  • الدكتور ادريس عبد النور البريد الالكتروني: abdennour.driss@gmail.com

الهيئة الاستشارية العلمية

i أعضاء الهيئة الاستشارية العلمية

د.محمد زرو أستاذ التعليم العالي ( اللغة العربية ) عميد كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.مولاي عبد الملك الداودي أستاذ التعليم العالي ، رئيس شعبة اللغة العربية بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.عبد المجيد بنجلالي أستاذ التعليم العالي (أدب ونقد)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د.الطيب الوزاني (ادب ونقد)،  كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د.محمد التاقي أستاذ التعليم العالي (لسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

دة.سعاد اليوسفي أستاذة التعليم العالي (أدب) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د. ادريس الذهبي أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. رضوان الخياطي، أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. فريد أمعضشو أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية، مركز تكوين مفتشي التعليم ، الرباط.

د. محمد بنلحسن  أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها،المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ، فاس.

د. عبد الرحيم أخ العرب، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

دة.عائشة الخضر/ رئيسة الاتحاد العربي للثقافة/ تركيا.

دة. ربيعة حجيلة HAJILA Rabia ، أستاذة التعليم العالي، المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، الرباط، المغرب.

بحث

الهيئة العلمية والتحكيم

أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم

د.عبد المنعم حرفان، أستاذ التعليم العالي، تخصص اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب

.والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس المغرب

د. خالد قدروز، تخصص أدب  ونقد ، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

د. عبد الواحد المرابط، أستاذ التعليم العالي،  تخصص السيميائيات ومناهج النقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق الدار البيضاء.

د.عبد الكامل أوزال، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/.المغرب

د.الشرقي نصراوي أستاذ التعليم العالي  تخصص (السيميائيات والتأويليات) جامعة السلطان مولاي سليمان - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة.

د.الحسني عبد الكبير أستاذ مؤهل تخصص (اللسانيات) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال.

دة.الزهرة براهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (مسرح وأنثروبولوجيا وديدكتيك) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط- سلا- القنيطرة.

د.الغالي بنهشوم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب)، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل مكناس

د. لخلافة كريم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي 

إسماعيل مكناس

د.أحمد دكار، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علم النفس وعلوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

.فاس/المغرب

دة.لطيفة بلخير ،التخصص: أدب حديث ، أستاذة التعليم العالي ،كلية الٱداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ـ فاس ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

دة.جناة سفضار، تخصص تدبير الموارد البشرية، جامعة لافال، كيبيك كندا

د. عبد الله الروملي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الأدب العام والمقارن، التمثلات الثقافية والاجتماعية والإعلامية، مدير مركز دراسات الدكتوراه بكلية اللغات والآداب والفنون ، جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب.

د. عبد الرحمان إكيدر،  أستاذ محاضر مؤهل،  تخصص: (النقد الأدبي والبلاغة)، كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض مراكش.

د. عادل ضرغام ، أستاذ الأدب والنقد كلية دار العلوم جامعة الفيوم، مصر.

دة. بشرى سعيدي. أستاذة محاضرة مؤهلة، تخصص (المسرح وفنون الفرجة) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية جامعة مولاي إسماعيل - مكناس.

دة. سعاد مسكين أستاذة التعليم العالي. تخصص: (السرد العربي) المدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د. هشام بُحَيْري، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص: (النحو واللسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان.

دة. سلوى السعداوي، تخصص: (السرديات والنقد الأدبي، مهتمّة بتحوّلات كتابات الأنا)، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس.

دة. نوال بنبراهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (الدراماترجيا والنقد)، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط.

د. محمد تنفو، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص ديدكتيك اللغة العربية والسرديات ،  المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش آسفي/المغرب

د.محمد أبحير، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال/المغرب

د.محمد الأزمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

د. عبد الرحمن علمي إدريسي، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

محمد زيدان، أستاذ التعليم العالي ، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز  الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد العلمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الدراسات الاسلامية والديدكتيك، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد سوسي، أستاذ مبرز ، دكتور في الفلسفة، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.سميحة بن فارس، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الديدكتيك علوم الحياة والارض ، المدرسة العليا للأساتذة فاس / المغرب

د.عزالدين النملي، أستاذ محاضر ، تخصص اللغة العربية والديدكتيك ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم/المغرب

دة.صليحة أرزاز ، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص لغة فرنسية، ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.المصطفى العناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الاجتماعيات ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.حسان الحسناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فنيطرة/المغرب

د.عمرأكراصي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغربدة.حنان الغوات، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش/المغرب.

د.محمد تمي،أستاذ باحث في مجال المعلوميات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم (TICE) وتحليل البيانات لتعزيز ودعم التعلم الرقمي، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس. 

د. طريق زينون ، أستاذ باحث تخصص اللغة العربية وآدابها ،بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس -مكناس المغرب

هيئة التحرير وشروط النشر

 

أعضاء هيئة التحرير

اسم مدير التحرير

د.ادريس عبد النور

اسم رئيس التحرير

د.خالد قدروز

هيئة التحرير​​

د.طريق زينون-د.نورالدين محقق-ذ.هواري الأمين
ذ.محسن لوميكي-دة.نجاة سفضار-دة.مهدية بنعبيد
د.أيوب بن مسعود-د.محسن الطوصي-
د.مراد بلمودن-د.عبدالرحيم بلكاني

المسؤول التقني والفني

ذ.ياسين مفتاح

ذة.فاطمة نافل

الشروط العامة لنشر البحوث بالمجلة ومنشوراتها:

  • مجلة دفاتر الاختلاف للنشر العلمي مجلة علمية مصنفة ومحكمة ورقية وإلكترونية تعنى بنشر البحوث العلمية في الحقول التالية: العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم التربوية، علوم الشريعة والقانون.
  • تنشر مجلة دفاتر الاختلاف البحوث العلمية الأصيلة للباحثين في هذه التخصصات كافة، من داخل المغرب  وخارجه، مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية. ويشترط في البحث ألا يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر، وعلى الباحث أن يتعهد بذلك خطياً عند تقديم البحث للنشر، وتخضع جميع البحوث للتقويم حسب الأصول العلمية المتبعة.

قواعد النشر:

  • يقدم البحث المقترح للنشر مكتوب بصيغة word بخط Sakkal Majalla حجم 15 دون تضخيم وبالخط نفسه بحجم 12 في الهوامش، شريطة ألا يزيد عدد صفحاته على 20 صفحة (وبواقع 5000 كلمة) بما في ذلك الجداول والصور والرسومات ويستثنى في هذا العدد الملاحق والاستبيانات.
  • تكتب العناوين الرئيسية بحجم 15 والفرعية للفقرات بحجم 14 مع التضخيم (Gras)،
  • يرفق مع البحث ملخص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية، على ألا تزيد عدد كلمات الملخص على 205 كلمة.
  • تكتب بعد الملخص الكلمات الدالة للبحث (Keywords) في حدود 5 كلمات.
  • تطبع الجداول والأشكال داخل المتن و ترقم حسب ورودها في المخطوط، وتزود بعناوين، ويشار إلى كل منها بالتسلسل، وتستخدم الأرقام التالية: (1,2,3…) في كل أجزاء البحث.
  • كل بحث يجب أن يشمل على مانسبته 20% من المراجع الأجنبية
  • يعطى الباحث مدة أقصاها أسبوعا لإجراء التعديلات على بحثه إن وجدت، وللمجلة بعد ذلك إلغاء الملف البحثي تلقائيا في حال تجاوز المدة المذكورة أعلاه.
  • لا تجيز المجلة بأي حال من الأحوال سحب الأبحاث بعد قبولها للنشر ومهما كانت الأسباب.
  • تكتب الهوامش والإحالات أسفل كل صفحة، وتكون حسب النموذج التالي:

- الكتب: لقب واسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، البلد، الطبعة، السنة، الصفحة.

- الدوريات: لقب واسم المؤلف، عنوان المقال، عنوان الدورية،  دار النشر، العدد، السنة، الصفحة.

  • ضبط لائحة المصادر والمراجع وفق ما يلي: اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، المطبعة، مكان النشر، رقم الطبعة. السنة.

توجيهات عامة:

  • لهيئة التحرير الحق بإجراء أي تعديلات من حيث نوع الحرف ونمط الكتابة، وبناء الجملة لغوياً بما يتناسب مع نموذج المجلة المعتمد لدينا.
  • قرار  هيئة التحرير بالقبول أو الرفض قرار نهائي مع الإحتفاظ بحقها بعدم إبداء الأسباب.
  • ملحوظة مهمة: يُنشر إسم وصفة مُحكِّم(ة)الدراسة من السادة أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم داخل الدراسة، كما بشهادة النشر.
  • ترسل البحوث وجميع المراسلات المتعلقة بالمجلة إلى:

cahiers.difference@gmail.com

abdennour.driss@gmail.com

دراسات العدد

من نحن؟

من نحن؟

مجلة دفاتر الإختلاف

Revue Cahiersdifference

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية، مغربية- دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

رقم ملف الصحافة :2005/07

الايداع القانوني:2005/0165

 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ISSN

 P-2028-4659

 E-2028-4667

المجلة حائزة على معامل التأثير العربي

 Arab Impact Factor

لسنة 2023 بمعامل  التأثير 1.22

وسنة 2024 بمعامل التأثير 1.83

وسنة 2025 لمعامل التأثير 1,88

وعن سنة 2026 بمعامل التأثير 1.95

وفي الترتيب الربعي Q2

كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH

دعوة للنشر بالعدد 26

📢 دعوة للنشر في العدد رقم 26) 📢

يسر مجلة دفاتر الإختلاف   REVUE CAHIERSDIFFERENCE  المغربية-الدولية للنشر العلمي والأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية واللغوية والتربوية والقانونية والشرعية، أن تدعو الباحثين والأكاديميين إلى إرسال أبحاثهم للنشر في العدد رقم 26 /نونبر 2026

📌 مجالات النشر:

العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية (الدراسات اللغوية، الأدبية، التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، والتقنية وغيرها).

جميع التخصصات التربوية (المناهج، طرق التدريس، الإدارة التعليمية، التقويم، التكنولوجيا التعليمية، علم النفس التربوي، وغيرها).

⚡ ما يمتاز به النشر في المجلة:

✔ نشر ورفي وإلكتروني واسع الانتشار

✔نشر وفق معايير علمية و أكاديمية رصينة.

✔ تحكيم علمي بمعايير دولية من قبل خبراء متخصصين.

✔ شهادة التحكيم والنشر.