Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
23 novembre 2010 2 23 /11 /novembre /2010 23:06
أنثى موزعة الحقيقة بين الجاهلية والإسلام

عبد النور إدريس

 

□لقد حازت المرأة على اهتمام التشريع الإسلامي، فقد تطرق القرآن الكريم للكثير من شؤونها وبالعديد من السور التي بلغت عشر سور هي : سورة النساء ، الطلاق، البقرة ، المائدة ، النور، الأحزاب، المجادلة ، الممتحنة والتحريم.
إن هذه العناية تدل بقوة على المكانة التي تحظى بها المرأة في التشريع الإسلامي ، فقد أعلى الإسلام من قدرها في مجتمع كان يستعبدها ويئدها فرد لها الحق في الحياة وأقر لها حقوقا لم يكن يستسيغها المجتمع الجاهلي قبلا.

1-1- المرأة و العصر الجاهلي.
1-1- وأد الجاهلية.
إن المرأة في العصر الجاهلي كانت مسلوبة الحقوق الأساسية ، كحقها في الحياة كأنثى ، فقد كان الأب أنداك يئد ابنته عقب ولادتها مباشرة اقتداء بالأعراف القبلية السائدة وخاصة تغلغل المنظور اليهودي للمرأة وخاصة الجاهلي الذي دأب على وأد البنات الشيء الذي يجعل هذا المجتمع ومن خلال انغلاق تفتحه الحضاري يعبر عن هذا التغلغل للإسرائيليات كخلفية ثقافية سائدة تتناسل في وعينا الفقهي والتي جعلت من المرأة حريما مرتبطا بالدنَس والعار وفضاء الاحتشام وقد أجازت اليهودية كديانة انتشار هذا المعطى محملا بقيم محلية جاهلية حيث ذاعت المعتقدات التي خضعت لعملية التأثر والتأثير بين الإسلام والديانات السابقة" فمن المعروف أن اليهود الذين اعتنقوا الإسلام مزجوا بين التراث اللاهوتي اليهودي، وبين العقيدة الإسلامية، واتضح هذا المزج في لجوء المسلمين لإخوانهم المسلمين – الذين كانوا يهودا منهم- في تفسير كثير من القصص القرآني" (1) ، ومن المرجعيات الدينية لظاهرة الوأد الجاهلية ما جاء في سفر التكوين أن اليهودي، «يملك على أولاده حق الموت والحياة، يقتلهم إذا شاء أو يقدمهم قربانا للرب"(2).
وصف القرآن الوضعية الكارثية التي كانت تعيشها المرأة قبل نزول الوحي، وخاصة منذ تلقي عائلتها نبأ ولادتها كما جاء ذلك بسورة النحل حيث قال تعالى:﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ (النحل الآية 58-59.).
إن هذه التلاوين التي تُصبغ بها عواطف الأب الجاهلي من هذه "البُشرى" تعكس وظيفة الأنثى داخل الهرم القبلي الجاهلي وبالتالي تجسيدها لتدهور القيم الخاصة لقبيلتها(3) يقول د.محمد بلتاجي " كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقتل عن القبيلة، ويراها مصدرا لجلب العار له حين تُؤسر من العدو فيفترشها آسرها عنوة واقتدارا أو طواعية واختيارا، فيعير الأب وقبيلته بها" (4) .
، وقد انقسم الوأد إلى :
- 1- وأد الفقر:
ويشكل رغبة الجاهلي في التخلص من عبء تربية أبنائه ذكورا وإناثا بدون تخصيص جنس الموؤود.
- 2- وأد العار:
وكان يقتصر على وأد البنات الذي كانت تمارسه القبائل البارزة بالجزيرة العربية، كربيعة وكندة وطيء وتميم.
- 3- الوأد الميثولوجي:
وهو مرتبط باعتقادهم أن البنت رجس من خلق الشيطان ، فالأنثى مخلوق مدنس وهو باعتباره منظومة خرق يصنف في العقلية الجاهلية ضمن المبعدات حيث يرى الجاهلي أن واجبه الديني يدفعه للتخلص من الأنثى وتقديمها للآلهة كقربان حتى يُمنح ديمومة بقاء واستمرار النظام الثقافي الآمن.
نلاحظ أنه في حالات الوأد الثلاث تكون الأنثى هي الضحية وبذلك فقد حرك القرآن الكريم الشعور بالذنب لدى المسلم عندما قال : ﴿وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قتلت ﴾ (سور التكوير الآية 8-9)، وبذلك حرك الإسلام القيم الايجابية في المجتمع اتجاه الأنثى فمنحها الحق في الحياة باعتبارها مخلوقا يتساوى مع الذكر من حيث قدسية الجنس البشري حيث يتكفل الله خالق الأنثى برزق مخلوقاته يقول ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .إن قتلهم كان خطأ كبيرا ﴾ ( سورة الإسراء الآية 31.)، كما جاء في سورة الأنعام الآية 151، ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ﴾ .
1-2- أنكحة الجاهلية:
وقد تعيش الأنثى نفس الوأد على المستوى المعنوي فتصبح مخلوقا للمتعة والخدمة وإنجاب الأطفال ، فقد كان عرب الجاهلية يشيئون المرأة في نظام أنكحتهم المتعدد والذي جاء على الشكل التالي:
- 1- نكاح الاستبضاع : فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت " كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه .ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه .فإذا تبين حملها أًصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد".
- 2- نكاح المشاع أو ما يسمى بنكاح الرهط:
لقد كان من عادة بعض القبائل العربية أن يشترك رهط من الرجال في زوجة واحدة ، ولقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها قولها :" كان يجتمع الرهط دون العشرة ، فيدخلون على المرأة فيصيبونها.فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم ، فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع .فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل" .
- 3- نكاح البُعولة: وفيه يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
- 4- نكاح البغي ونكاح المتعة: وهو نكاح مؤقت بالنقود أو شيء ما يدفع للمرأة ويحدد زمن نهايته.
- 5- نكاح البدل: ويتبادل فيه رجلان امرأتيهما فيقول الواحد لآخر، انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي.
- 6- نكاح الضغينة: ويتعلق بالسبايا من النساء فالرجل إن سبى امرأة له أن يتزوجها إن شاء.
- 7- نكاح المقت ويسمى كذلك نكاح الضيزن : وهو أن يرث الابن زوجة أبيه فيتزوجها أو يجمع بين الأختين في آن واحد.
- 8- نكاح الخذان : وهو معاشرة المرأة لغير زوجها سرا ، وقد تحدث الإسلام عن متخذات الأخذان ونهى عنه بإقراره لعقوبة الرجم للمحصنة كما نادت به اليهودية القديمة.
- 9- نكاح الشغار:
وهو أن يتزوج رجل أخت رجل آخر مقابل أن يتزوج الثاني أخت الأول.
لقد عالج الإسلام هذه الأنكحة بإلغائها عبر آيات كثيرة ، ولما جاء بمفهوم يصف فيه الرجل بكونه بعلا فقد أبقى على نكاح البعولة الذي يجسد مطلقية الطاعة التي تكنها المرأة لرب بيتها حتى أن الكون الرباني يستاء من خروجها عن طاعته من ذلك " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح " ( بخاري ج 7 ص: 39).
إن نظام الأنكحة الجاهلي يشيِّء المرأة ويجعلها جسدا للمتعة والإخصاب بدون كرامة من جهة ، ويضيع معه صفاء الأنساب من جهة أخرى، فالمرأة لم تلق تكريما يتعلق بانتمائها إلى جنس النساء ، فالوضع الاجتماعي والاعتباري للمرأة في العصر الجاهلي كان سيئا للغاية " فهي محرومة من كثير من حقوقها الأساسية ، ولا تلقى أي نوع من أنواع الإكبار أو التكريم ..وإذا حدث ولقيت شيئا من التكريم عند زوجها ، فإن ذلك لا يحدث إلا لأنها أم لابنه الذي يحبه، أو لأنها ابنة واحد من علِّية القوم " (5).
أما الحماية التي كانت تتمتع بها من قبل الذكور المحيطين بها (الأب، الزوج ، الأخ و الابن) فهي تتساوى مع الحماية التي تلقاها فرسته وبئره ومرعاه.
وقد يتبين لنا مستوى المكانة التي وضع فيها الإسلام المرأة من خلال استقصاء وضعيتها الاجتماعية قبل مجيء الوحي.
- فما هو جديد وضعية المرأة في الإسلام؟
2- جديد وضعية المرأة مع مجيء الإسلام.
مع حلول الإسلام بالجزيرة العربية حازت المرأة جملة من الحقوق المادية والمعنوية : منها الحقوق الإنسانية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية كما تلقت واجباتها التي تتناسب مع الحقوق المعطاة، ولهذا " فالمؤسسات التي هدمها الإسلام ، لم تكن تنسجم مع المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية كالوأد والعضل والقسامة والظهار والإيلاء وحرمان المرأة من الإرث " (6)
2-1- الحقوق الإنسانية .
لقد جعل الإسلام المرأة شريكة للرجل ، فأقر سبحانه بوحدة المصدر المشترك بين الرجال والنساء وبذلك دخلت المرأة دائرة المقدس الرباني وخرجت من دائرة المدنس الاجتماعي يقول تعالى ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء﴾ (سورة النساء الآية 1) ويقول كذلك ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾
(سورة الحجرات الآية: 13).
إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195)
وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282.)
وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقراروالغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.
أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.
2-2- الحقوق المادية .
ينكر البعض على الإسلام في مادة الميراث جعل حظ الرجل يساوي حظ الأنثيين وهذا تحد كبير في مجتمع جاهلي تقتضي تقاليده وأعرافه حرمان المرأة من الميراث واقتصار ذلك على المحاربين من الرجال ، بل وتصل المرأة في هذا المجتمع إلى حد أن تصبح إرثا بحد ذاتها، فجاء الإسلام ليقر هذا الحق في قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (سورة النساء الآية 7.) ، وقد فصل القرآن في سورة النساء الآية :11،واجب الأنثى من الإرث بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ، فعندما أقر الإسلام نفقة الزوجة وجعلها من واجبات الرجل الذي يرث حقا كاملا يعتبر بذلك حظ المرأة مضاعفا بهذا الإنفاق المفروض من جهة الزوج ومن جهة الأب أو الأخ أو العم إذا لم تتزوج وبذلك تكون هذه الوضعية غير مرتبطة بالنقص في إنسانية المرأة ولا يجعل المرأة بتاتا في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل وهو الذي أحاط المرأة بالرعاية فضمن لها حياة اقتصادية مستقرة حيث أخلى ذمتها من أي عبء من الأعباء الاقتصادية لمعيشتها هي أو لغيرها ، فجعل نفقتها على أصولها أوزوجها أو فروعها أو أقربائها في جميع ما تحتاج إليه بالمعروف ﴿ لينفق ذو سعة من سعته﴾ (سورة الطلاق الآية 7.)، وكذلك الآية ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تُضاروهن لتضيِّقوا عليهن ﴾ (سورة الطلاق الآية 6.)وفي سورة البقرة الآية 233، يقول : ﴿ وعلى المولودِ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ كما لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من مما أعطاه لزوجته كصداق أو مهر كما منعه الإسلام من أخد كلا أو بعضا من مالها الأصيل عملا بقوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاته نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا﴾
(سورة النساء الآية 4.)
لقد قرر الإسلام قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الأحكام، في الحقوق والواجبات في قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾( سورة البقرة، الآية 228.).
2-3- الحق في التعبير والرأي.
حازت المرأة على الحق في طلب العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ، واستمع إلى رأيها لسداده وقرره كمبدأ تشريعي عام، وبذلك تلقت المرأة العلم وأصبحت من المفتيات فيه كما جاء في الآية 34 من سورة الأحزاب ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وتتجلى قمة تساوي الرجل والمرأة في تكليفهم بالوصاية على الدين من حيث وضعه تعالى بيدهما مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في الآية 71 من سورة التوبة ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾ ويُروى عن السيدة عائشة أنها قامت بدور كبير في مجال تلقين الأحكام ومكارم الأخلاق حيث كانت تقضي بين المسلمين في أمور الفقه والحياة. وكان من جراء ذلك أن احترم الإسلام رأي المرأة وأحسن الاستماع إليها كما وقع من رأي الخنساء بنت خذام الأنصارية في حوارها مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي أقر فيه الرسول بأن جعله جزءا من التشريع العام وخاصة وجوب أخذ رأي المخطوبة في شريك حياتها وأخذ رأيها في مسألة زواجها ، فأجابته عليه السلام وقد استخلصت حكما عدّل من تطرف الوصاية في نكاح البعولة عندما قالت ولم ينكر الرسول عليها مقالها " لقد أجزت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء" (7).
كما كان رأي المرأة واضح المعالم في تأويل الآيات حيث اعترضت امرأة خطبة عمر رضي الله عنه حول المغالاة في المهور بأن أرجعته إلى فحوى الآية 20 من سورة النساء : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ فما كان من عمر وإمعانا في احترام رأي المرأة والاقتضاء بمعطياته إلا أن عدل عن رأيه في تحديد المهر وقال " أصابت امرأة، وأخطأ عمر" .
ومما يدل على المكانة المتميزة للمرأة في الإسلام واحترام رأيها ووجهة نظرها ما جرى لهند بنت أبي طالب المكناة بأم هانئ، عندما أجارت عدوا من أعداء المسلمين واحتكامها إلى الرسول (ص) عندما امتنعت من تسليمه لعلي ابن أبي طالب فقال لها الرسول : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" .
إن الإسلام قد جعل المرأة تعبر عن رأيها بكل حرية ومسؤولية وما كان من تدخلاتها إلا أن تمت الاستجابة لها مما يدل على معرفتها بأصول التشريع من معرفة دقيقة بتفسير النصوص الدينية وأحكامها، الشيء الذي جعلها تدافع عن حقوقها وحقوق بنات جنسها ، ويكفي دليلا على ذلك حسّها النقدي الذي نظرت فيه أسماء بنت يزيد الأنصارية إقصاء المرأة من جملة الإثابات الإلهية عكس الرجل الذي يتحدث الإسلام عن جزاءاته الكثيرة وفقا لمشاركته العديدة في الحياة العامة ، فقد جاءت ممثلة عن النساء فعرضت وضعية المرأة على أنظار الرسول بكل دقة وبلاغة اندهش لها جميع حضور مجلس الرسول (ص) عندما قالت " ... أنا وافدة النساء إليك، إن الله قد بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، حاملات أولادكم، وأنتم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا حفضنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في الأجر والثواب.." .
لقد كانت إجابة الرسول الكريم تجعل طاعة المرأة لزوجها في مقابل كل أنشطة الرجل التعبدية حيث قال " افهمي أيتها المرأة ، واعلمي من خلفك، أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته، يعدُل كل ذلك".
يظهر من هذا الرد أن التشريع الإسلامي يضع للمسلمة وضعيتين من حيث الأجر والثواب ، الوضعية الأولى تشمل الأنثى بكامل البراءة وهي ما تزال في حضن أبيها ، بينما تنتقل بها الوضعية الثانية إلى بيت الزوجية وهي الوضعية التي تحوز فيها الزوجة على مرضاة الله وثوابه ، فطاعة الزوج هنا من طاعة الله وقد جاء في صحيح البخاري ج7 ص: 39. " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" و " إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (رواه الترمذي والنسائي) إن إباحة خرق التعاليم الدينية في سبيل طاعة الزوجة لا يوازيه إلا رغبة الشريعة في إقرار ربوبية أرضية للرجل .
ثم إن المسلمات بعد ذلك لم ترضخن لهذا الحكم فقد طالبن الرسول بإلحاح بعد ذلك بالخروج إلى الجهاد مع أزواجهن للتمريض وسقي الظمأى ثم طالبن بالخروج إلى المساجد حيث قال النبي ردا على طلبهن " لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله".
كما طالبت النساء بالمشاركة في الحياة العامة بحضور الأعياد فاستجاب الرسول (ص) يقوله" دعوا العواتق وذوات الخدور يشهدن الأعياد " وتأتي طلبات النساء تباعا في حياة الرسول في إطار سعيهم للتحرر من عبودية الرجل واستغلالهن حيث كان الأسياد يكرهون الإماء على البغاء إلى أن جاءت (سورة النور الآية: 33) لتصحيح الوضع بقوله تعالى" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء"، وما حدث مع زوجة سعد بن الربيع وأم كحة في مطالبتهن بحقهن في الميراث ، فما تحيلنا عليه زوجة سعد يدل بعمق على معرفة متفحصة لأحوال مجتمعها وبرغبة الرجل العربي ومرغِّباته في الزواج وتركيزه على يسرها حيث قالت " هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ول تنكحان إلا ولهما مال " تفسير الجلالين ص: 198.
لقد كان هاجس الثواب هو المحرك الأساسي لتحرك المرأة في اتجاه تحررها من عبودية العبد باعتبار أن الله عز وجل لا يجعل واسطة في التقرب إليه وعبادته ، فغيَّرت من الصورة التي وسمها بها العصر الجاهلي ، ويكفي للتدليل على استحكام هذا الهاجس في معركتها ضد معنى قوامة الرجل والوضعية الدونية لها في قول إحداهن للرسول " يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إذا عملت المرأة حسنة كُتبت لها نصف حسنة؟" .

الهوامش


1- د.نصر حامد أبو زيد" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة" ص: 18.
2- سفر التكوين الإصحاح 42 الآية 37.
3 - أنظر(ي) كتابنا" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."مطبعة وراقة سجلماسة ،مكناس الطبعة الأولى شتنبر 2004، ص:115
4- -" مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة"- حقوق السياسية والاجتماعية والشخصية للمرأة في المجتمع الإسلامي-، د.محمد بلتاجي ،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة مصر،الطبعة الأولى 2000.
5 - د.عبد الباسط محمد حسن ، مجلة عالم الفكر ،المجلد السابع، العدد الأول أبريل 1976.
6- زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990
7 - "المبسوط في الفقه" للسرخسي ،مطبعة السعادة، القاهرة،سنة 1324ه- 1903م الجزء الخامس

 

Partager cet article
Repost0
23 novembre 2010 2 23 /11 /novembre /2010 22:10

الجسد بين فينومينولوجيا ميرلوبونتي وسيميولوجيا رولان بارت

بقلم الباحث عبد النور إدريس

تطرق ميرلو بونتي في آخر كتاب له "العين والروح" – 1960- إلى العديد من الأسئلة التي كانت حاضرة في كتابه فينومينولوجيا الإدراك" 1945- phénoménologie de la perception، وهي نفس النظرة التي تتطرق إلى الرؤية والعلاقة التضادية بين الموضوع والشيء المتواجهيْن كمكونين مختلفين، مع استحضار بعدهما من خلال الرؤية التي تحدد هوية كل من الجسد والعالم في تمازجهما ليصبحا واحدا مركبا : جسد- عالم، وبذلك يصبح الجسد غير مستغني عن العالم وبدوره يصبح العالم منصهرا كليا في الجسد،يقول: " وتجربة الجسد تصبح هنا تجربة اللاقطيعة بين الأشياء والأنا". فاللغز الذي يتمحور حوله فكر ميرلو بونتي يجعل الجسد من جهة ناظرا، ومن جهة أخرى منظورا إليه، فهو الجسد الذي يتطلع إلى كل الأشياء ومن خلال النظر إليها يتعرف على الجهة الأخرى في قوتها الناظرة. اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي-

فكيف يمكن للروح أن تدرك معنى العلامة ؟
- كيف للآخر بكل الاختلاف الذي يشكله أن يكون مرآة للأنا ؟
إن الآخر عندما يُختزل في نظرة الآخر إليه ترتسم إذاك العلاقة الفينومينولوجية بين الآخر كجزء من كل والكل كجسد خارجي، فتعدد النظر إلى الجسد من الآخر (آخرين) تحدده في استمراره كجسد سوسيولوجي ومن ذلك يبتعد الفضاء عن حدود كونه واقعا منطقيا لمناولة الأشياء وإدراكها بل يبقى الوسيلة التي تتحقق بها تموضعات الأشياء.
ولقد تطرق لوكر يسLucrèce (99-55 av.jc) في كتابه De la nature إلى العلاقة بين الجسد والروح التي تلعب بدورها دور الحارس والحامي للجسد ولا يمكن التفريق بينهما بدون تدميرهما. قد تكونا منصهرتين منذ لحظة نشأتهما ليعيشا قدرا واحدا وإدراكا مشتركا، ففي اتحادهما عند لوكريس وحركتهما يشتعل بداخل الإنسان توهج الحياة. فالجسد يُحرم من الإحساسات إذا تعطلت الروح. وانتهى Lucrèce بوضع فرضية لا تخلو من إدانة للجسد باعتباره قاصرا عن إدراك جوهر الشيء في ذاته عندما صرح بأن الجسد هو وسيلة فقط لعبور الأحاسيس فالروح تجد صعوبة في نقل تلك الأحاسيس ومن ثم افترض "أن الروح ممكن أن ترى جيدا لو تخلصت من العينين وتلك المنافذ التي تشوش عليها.
وقد عاد ميرلو بونتي في كتابه فينومينولوجيا الإدراك إلى طرح السؤال على وجودنا وقد قسمه إلى الشيء والوعي فاعتبر أن هناك معنيين فقط لكلمة وجود " exister " فقال بتواجده كشيء أو كوعي وجعل من تجربة الجسد الخالص هي من يبوح لنا بشكل الوجود المتعدد في معناه. والجسد الخالص بالنسبة لميرلو بونتي في كتابه الأخير الظاهر والمختفي (le visible et l’invisible) 1964- ليس فكرة لوعي دائم وليس شيئا ماديا ولكنه منبع إحساسات دائمة، ويعتبر الظاهر والمختفي فلسفة للكائن الخام، كثافة المادة الجسدية التي تجعله يرى الأشياء ويقترب منها ولكنه لا يتماهى معها وهذه المادة la chaire عند ميرلو بونتي ليست ذات الطابع المادي بل هي " تقوقع المنظور على الجسد الرائي، هي ما نلمسه فوق الجسد الملموس (...) la chaire ( التي للعالم أو لي ) ليست اعتباطية، عمياء لكن نسيجية ترجع لذاتها وتدعو لنفسها "
وبحسب ما طرح ميرلو بونتي من خلاصات حول التصور الفينومينولوجي، هناك قوله بجسد للروح وهناك روح للجسد وهناك " الشيازم" le chiasme التي تعني عنده " تحديد الروح بمثابة الجهة الأخرى للجسد " والجهة الأخرى تعني لديه أن الجسد غير قابل للوصف وهو جهة أخرى حقيقية التي يختبئ فيها. فبما أن للجسد جهة أخرى غير قابلة للوصف بالمعنى الموضوعي فهذه الجهة هي الجهة الأخرى للجسد.
بينما ميز رولان بارت ما بين العلاقة الحقيقية للجسد وما بين الشكل الذاتي له حيث قال " العلاقة البشرية هي أن جسد الآخر عندي ودوما صورة لأجلي، وجسدي دوما صورة من أجل الآخر، لكن ماهو أكثر وضوحا وأكثر أهمية هو أن جسدي بالنسبة لي شخصيا الصورة التي اعتقد أنها بحوزة الآخر عن هذا الجسد" (1).
إن الصور الشيطانية التي تحيد بالأجساد وتشوه مظهرها عن طريق الحب أو الغضب جعلت رولان بارت يمركز الإشكالية حول خصائص تلك الصور التي تصبح من المعطيات المباشرة بمجرد وضع السؤال حول الجسد. فالصورة تضع نفسها في رحاب النظر أو في تظاهرة جسدية لفكرة ما، فحيث هناك جسد هناك دائما استعراض ممكن للجسد الذي يحتوي على جانب فيزيائي ذو فضاء محدود.
هذا الفضاء قد يتعلق بالأساس بكل ماهو سيميولوجي من حيث أنه لا توجد هناك مثالية في الجسد يمكن أن تعادل مثالية الأعداد أو القيم. فالجسـد من خلال هذا المعطى يحيلنا مباشرة إلى المعطى الامبريقي ومن هنا " فالجسد المثال ليس دائما هو الجسد الحقيقي" (2 ).
رغم ذلك يبقى الإنسان متشبثا بالبعد المتأصل للجسد الخالص لكل واحد منا، ومن ثم يبقى قبل كل شيء جسدا حقيقيا مع الصور الحقيقية التي يعطيها عن نفسه والتي يعطيها لنفسه أمام الآخرين.
فحيث لا أحد يدرك جسده بشكل موضوعي فكل جسد هو بالضرورة عجائبي Fantasmé، ويبقى الخطاب النفسي- التحليلي هو الكفيل بتشخيص الأبعاد المعرفية التي تجعل الإنسان يختلف جسديا ضد طبيعة الأشياء الواقعية الممنوحة من طرف الطبيعة. فالجسد بذلك أصبح لعبة سوسيولوجية ذات وظيفة متخيلة، لمضاعفة أوجه مستنسخة من الصورة الاجتماعية المتجددة في جسد المجتمع، وهي سلسلة الصور التي كان من المفروض أن تبقى في الملكية الخاصة لكل جسد، ومن هنا نستخلص أن النموذج المثالي للجسد هو الذي يعزل باستمرار كل الاختلافات حول طبيعته إلى حدود التحييد الشامل للإخلاف الجنسي. وإذ تُعدِّد الحضارة من صورها حول الجسد ترسخ جسدا معينا مملوءا بالصحة والشباب وهي استيهامات تأبيد صورة جسد تصنع منه فخا للمتلقي في رغبة ليست له، ولهذا نعرف مع رولان بارت أننا عبر صورة الجسد لا نملك سوى ضعفنا.


الهوامش
1- Bruno Huisman/ Francois Ribes « les philosophes et le corps,Dunod, paris, 1992, p, 311

2 - Ibid, p :312.



عبد النور إدريس
عن موقع إيلاف>> ثقافات>> عالم الأدب

الإثنين 31 أكتوبر GMT 17:00:00 2005



Partager cet article
Repost0
5 juillet 2009 7 05 /07 /juillet /2009 11:43

من ملف العدد الثاني:

 

المرأة في بواكير الرواية العربية

 

                                                          بقلم: د السيد نجم

 

مع طلائع القرن الماضي (القرن العشرين) ومع بواكير الاتصال الثقافي مع الغرب، أصبحت المرأة قضية/مجموعة قضايا مصاحبة ومعبرة عن قضايا الوطن كله.. والمتابع لما كتب حول تحرير المرأة من مقالات وغيرها تتجلى له "المرأة" وكأنها تعبير عن قضايا الأمة كلها فى سعيها الى التحرر والبناء الجديد.

لقد طالب "رفاعة الطهطاوي" بتعليم المرأة ووجد السند والتأييد من الشيخ "محمد عبده" وغيره من المتنورين. كما طالب "قاسم أمين" وآخرون بالسفور حتى نجحت "هدى شعراوي" بتشكيل اتحاد نسائي اتجه الى العمل الاجتماعي العام.. ثم كانت المرأة فى التعليم العام والجامعة والمشاركة فى الحياة العامة، وحتى عملت فى قطاعات الحياة العملية المختلفة.

وفى الإبداع الأدبي (خصوصا الرواية) حظيت "المرأة" على اهتمام الروائيين, إلا أن التوقف أمام أشكال تلك التناولات لم يلق الاهتمام الواجب, إلا من خلال الفحص العام للعمل الروائي نفسه, وليس بالنظر البانورامي المكثف عليها وحدها. ذلك من خلال سؤالين:

"كيف تعامل الروائي مع فكرة توظيف "المرأة" في أعماله؟"

ثم "كيف بدت المرأة في بواكير الأعمال الروائية العربية؟"

.. يبدو أن الروائي العربي وجد في "المرأة" قناعا يتخفى خلفه لعرض أفكاره تارة، ولجذب القراء تارة، وللتمثل بالرواية الغربية تارة ثالثة، وفى كل الأحوال لم تكن "المرأة" فاعلة في غالبية تلك الروايات المبكرة من هذا الجنس الجديد الوافد من بلاد الغرب.. (مع قناعة بوجود بذور سردية للرواية بالنثر العربي، إلا أنه لم يكن على مواصفات وخصائص "الفورم" أو الشكل الروائي الوافد بعنفوان وفتوة)

لقد تبدت "المرأة في تلك الروايات المبكرة على عدة أشكال:

أولا.. من خلال العنوان.

*هناك كثر من كتاب الرواية يعد مغرما بإطلاق اسم امرأة على أغلب أعماله الروائية, مثل الكاتب "سليم بطرس البستاني"..الذي كتب: "زنوبيا", " أسماء", " بدور", "سلمى", " سامية".

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة , منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

الطريف أنه بالإحصاء إذا ما ضممنا الاسم الصريح لامرأة أو تلك الأوصاف الدالة عليها بعناوين الروايات التي كتبت في بدايات نشأة جنس الرواية وحتى عام 1949م.. لن تقل نسبة تلك الروايات عن النصف من المجموع الكلى للروايات المنتجة خلال تلك الفترة (تم الإحصاء عن ببليوجرافي الرواية العربية –د.حمدي السكوت 1995م).

*شغلت الرواية بالمرأة على أشكال ودرجات مختلفة, فلما نضجت الرواية في بعض الأعمال الفردية لبعض الروائيين, وكذلك بدت أكثر نضوجا على يد جماعة منهم حتى رسخت كجنس أدبي جديد على العربية (بالنظر إلى الشكل والمفهوم الغربي للرواية).

هناك بعض الروايات في الفترات الأولى للرواية, وربما حتى رواية "زينب", لم تكن أكثر من ترجمات لروايات أجنبية, وخصوصا من الأدب الفرنسي, وبدلا من كتابة ترجمة.. يكتب تأليف وهو المترجم في الحقيقة. تلك الروايات في الغالب يكون عنوانها نسائي. منها باسم أجنبي أو عربي.. باستثناء القليل ومنها "غابة الحق" للكاتب "فرانسيس المراشى".

*كما نالت الشخصيات النسائية التاريخية حيزا من اهتمام الروائيين, فكانت بعض الروايات التاريخية باسمها, منها ما يعتبر اختيارا مناسبا ومنها بهدف جذب القارئ.

بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*يلاحظ الدارس لموضوعات الروايات التي كتبت في البدايات الأولى والى مرحلة طويلة من بعد, غلبة الفكر الأخلاقي, مع إقحام أحكام الوعظ والإرشاد. إذن والموضوع أخلاقي فلابد أن تكون المرأة في حضورها المشوه والمتهمة دائما بأنها لعبة الشيطان.. كما في رواية "مديحة" أو "الشيطان لعبته المرأة".

لا يخلو الأمر من وجود بعض الأعمال (القليلة) التي تجد في المرأة رمزا للوفاء.. كما في روايتين تحديدا, إلا وهما "بثينة" أو "شهيدة الوفاء".. و"دولت" أو "الوفاء الأبدي".

 

*بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة, منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

 

..ثانيا توظيف المرأة من خلال المضمون الروائي

وقد مرت المعالجة الفنية للرواية بتوظيف المرأة على مرحلتين.. توظيف للمرأة (عن وعى وقصدية أو عن غير قصد) هو جعلها رمزا للوطن, فباتت المرأة في العديد من الأعمال الراسخة تعبيرا عن قهر ما أو الرغبة في التحرر من عدو ما, وأحيانا هدفا يلتف حوله الجميع, وتتعدد التناولات الرامزة.

ربما هذا الربط له مبرراته الموضوعية, حيث القرن العشرين هو قرن الاحتلال والتحرر للوطن العربي, ومع تصاعد صيحات الكفاح ضد المحتل, يتبلور التوظيف الرمزي أكثر للمرأة مع اتساق نضوج الكاتب والرواية نفسها كفن جديد. كما جاءت المرأة الرمز مع الوطن حتى بعد التحرر من الأجنبي. وكانت مرحلة الصراعات من أجل حياة أفضل من خلال الصراع الأيديولوجي والتغييرات الاجتماعية الطموحة هنا أو هناك.

لقد عبر الناقد السوري "شاكر مصطفى" في كتابه "القصة في سوريا حتى الحرب العالمية الثانية" عن هذا المدخل ص61 قائلا: "فمع تقدم الطبقة البورجوازية إلى زمام القيادة في المجتمع, تقدمت أيضا مثلها, ومبادئها الاجتماعية, فتطور تكوين الأسرة من الطراز الأبوي ... وظهرت المرأة بعض الظهور... لقد كان الحب خطيئة, فوجد من يدافع عنه, وكانت الحرية فكرة من الأفكار فوجدت السدنة أو الضحايا".

*نماذج روائية:

: رواية "عودة الروح" للكاتب "توفيق الحكيم" عام 1933م من أنضج الأعمال الروائية في حينه.. وكانت "سنية" رمزا شفيفا فنيا لمصر."سنية" فتاة رائعة الجمال.. أحبها الجميع, كل من حولها أحبها, وأعلن عن حبة, كل بطريقته وأفكاره وحيله. و....وفشل الجميع في الوصول إلى قلبها؟! الجميع اكتشف خيبة الأمل في تحقيق مراده, أعلنوا ذلك صراحة لبعضهم البعض .  فتجمعوا من أجل عمل مشترك يتجاوز أزمتهم و يعلون به هم حب سنية.. فاشتركوا معا في أحداث ثورة عام 1919م ضد المحتل الإنجليزي.

بعد الثورة تحرك قلب سنية, اتجه نحو "مصطفى" ممثل الطبقة الوسطى الجديدة, وهو التاجر في مدينة "المحلة".. ونجحت سنية في أن يعدل مصطفى عن فكرة بيع الدكان الذي يملكه لأحد الأجانب (وهو ما حدث و شاع بعد ثورة 1919م), ثم واصل عمله التجاري برضاء الحبيبة.

واضح التوازي والإسقاط معا بين قصص الحب والأحداث اليومية مع كون "سنية" هي مصر,  أو الوطن .

: رواية "زقاق المدق" للكاتب "نجيب محفوظ" عام 1947م, والتي وضعت "محفوظ" بقدم راسخة بين أقرانه ومن سبقوه."حميدة" من حواري القاهرة الفقيرة, فيها من القبح والرذائل ما كان في الحياة الاجتماعية بمصر بعد الحرب العالمية الثانية التي اكتوت البلاد بنارها. بها وفيها سقطت كل الثوابت والقيم بسبب الحرب.

ارتبط بها الحلاق "عباس", وبقيت كل الشخصيات تأكيدا لاكتمال الصورة (ربما صورة المجتمع المصري من خلال مجتمع الحارة), بينما لم تتعلق حميدة بعباس, كان تعلقها  بالسياسي القواد صاحب الملهى الليلي, لم تخرج من الحارة إلا للدخول في عالم فاسد (الملهى). فكان موت عباس العاشق من طرفه فقط مع بقاء حميدة, دليلا على عجز المحاولات الفردية لتخليص الوطن (حميدة). (ربما يكون الكاتب بعرضه هذا يتنبأ بثورة جماعية ويرفض الحلول الفردية, وهو ما قال به الناقد رجاء النقاش في كتابه "أدباء معاصرون" ص71.)   

: رواية "زينب والعرش" للكاتب "فتحي غانم", تعبر عن عدو مختلف, ورمز المرأة الوطن مختلف. كيف لا وقد خرج المحتل , المواجهة أيديولوجية فكرية إذن ؟! "زينب" المرأة الجميلة الطموح, خطط لها الأب قبل وفاته بأن تتزوج أميرا يقدر جمالها. تابعت الأم المهمة, زوجتها من الدبلوماسي بفرنسا, وهو ضعيف الشخصية فحققت معه الثروة ولم تحقق الحب و الاستقرار. على كثرة نزواتها لم تجد الحب والاستقرار إلا مع الصحفي الشاب "يوسف" بكل دلالات البراءة و الشباب المخلص لوطنه.

كما لعبت بقية شخصيات الرواية دورها البارز في تأكيد الجوانب الاجتماعية والسياسية لمصر, من خلال علاقتهم مع "زينب".. هي المحور الرئيسي إذن حتى بالنسبة لعم صالح (غير المثقف).

مع ذلك للكاتب رأي آخر في موضوع رمزية "زينب", يقول في حواره مع الناقد "حسين عيد" المسجل في كتاب" فتحي غانم الحياة والإبداع": " لقد قرأت للأستاذ الطرابيش, حين كتب عن شخصية زينب أنها تمثل مصر... فكما قلت أن العمل الفنى يكتمل بالمتلقي أيضا, ويقول رأيه ويفسره. ولكنى, عندما أكتب الرواية أقصد امرأة من لحم و دم, أما أنها تحولت إلى رمز عند المتلقي.. فهذا أنا لا أقصده مباشرة".

: روايات "ريح الجنوب" و"نهاية الأمس" و"بان الصبح" للروائي "بن هدوقة" الجزائري. ترجع أهميتها في أنها تمثل ثلاث مراحل من كفاح شعب الجزائر من أجل التحرر من المستعمر الفرنسي.. كما تعرض لمراحل التطور الاجتماعي هناك. ماذا عن المرأة إذن وكيف دللت بالرمز؟

"نفيسة" ترفض الزواج من "مالك", لكنها لا تستطيع التعبير أو التصريح بهذا الرفض, ذلك بسبب البناء القيمى في المجتمع والأسرة, فالأب هو السلطة التي تأمر فتطاع مهما كانت النتائج أو الآراء المخالفة.. (في رواية ريح الجنوب)

"نعيمة" تقابل القرار نفسه , من الأب المسيطر , لكنه هذه المرة قرارا بالقتل! يظن الأب أن ابنته حملت سفاحا, بلا أية رغبة أو محاولة للتأكد مما يعتقد قرر قراره. يسحبها من القرية وفى اللحظة الأخيرة تتضح الحقيقة ببراءتها. أما وقد قرر الأب أخيرا أن يعدل من فكرة القتل , قرر قرارا مستبدا آخر, إلا وهو حرمانها من متابعة دراستها بالجامعة. لتبقى المرأة رمزا للاضطهاد والظلم ..( في رواية بان الصبح)

"رقية" تواجه العالم كله, وتشعر بالمقت من الحياة نفسها.. وكيف لا وقد عصفت الحرب بحبها الحقيقي, بزوجها وراعى أسرتها, وعليها أن تتحقق حتى يتحقق لأولادها الحياة الكريمة .. المرأة رمز للمقاومة والصمود أمام الحروب والقسوة بكل أشكالها مع الحفاظ على أبناء الوطن والأجيال الجديدة أو المستقبل.. (في رواية نهاية الأمس )

تلك النماذج المحدودة من الرواية العربية جعلت من المرأة رمزا.. إن عمدا كما هو واضح في البعد الفكري في رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم, وأصبح غير مباشر في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ وذلك لغلبة البعد الاجتماعي على الرواية, أما فتحي غانم فقد رفض تعمد الرمزية في روايته زينب و العرش, ثم جعل بن هدوقة المرأة الضحية وسيلته لاقناع القارئ والوصول إلى أهدافه. وفى كل رمزية الوطن مباشرا كان أو غير مباشر.

*أما المرحلة الثانية لتضمين المرأة فنيا في الرواية العربية، فقد جاءت مع نضح العمل الروائي ورسوخه، مع تعقد المعطيات الفكرية والأيدلوجية وتوظيفها. نلتقط منها علاقة الإنسان العربي مع "الآخر"، وهو ما تجلى بعد الممارسات الواقعية، والاحتكاك العملي بين العربي/ والغربي.. وجل تلك الأعمال الروائي، كتبها روائي عاش في بلاد الغرب طالبا للعلم، أو للعمل الوظيفي بها.

فمنذ بداية انفتاح الإنسان العربي على الحضارة الغربية, و "الآخر" محل البحث والسؤال. فبدا الروائي وكأنه المنوط بالبحث أكثر من غيره مع نضج جنس الرواية بالقرن العشرين. لم يهمل "الآخر" والصراع معه , من حيث هو المستعمر العسكري و السياسي و الثقافي, بل من حيث هو داخلنا يعبث فى عقولنا.. فكانت جملة الأعمال الروائية التي تتصف بالنضج الفني و الفكري معا.

سوف نتخير بعض الأعمال الروائية التي يبدو وكأن كاتبها وضع الآخر أمامه , بعدا فنيا لصياغة روايته. هذا لا يعنى وجود العديد من الروايات غيرها, سواء من الناحية الزمنية وما نشر قبلها..أو بعدها, خصوصا مع أعمال جيل أدباء الستينيات من القرن العشرين, حيث أصبح للآخر دلالة البحث فى الواقع المعاش القريب , ليس ذاك القاطن خلف البحار. بل ومن الناحية التقنية التي سعى البعض فى التمرد على الآخر صاحب الشكل الروائي المميز لذاك الجنس بالبحث عن شكل و تناول بديل كما فى الروايات التي اتخذت من التراث النثري العربي إطارا لبث الأفكار المختارة الجديدة.. وغير ذلك من الجوانب.

.. وعلى الجانب الأكثر بعدا عن التناول المباشر للعمل الروائي، ترى كيف بدت "المرأة" في تلك الأعمال، من خلال تناول بعد فكرى/أيديولوجي/وربما نقدي ما؟

لتكن الرؤية المختارة هنا "دور المرأة مع الرؤية للآخر في الرواية العربية"..

أولا: الآخر.. في عقولنا. (رواية قنديل أم هاشم/ يحيى حقي)

تعد تلك الرواية من أولى الروايات الناضجة فنيا, التي جعلت من الآخر هما يجب البحث فى حقيقته. وقد أصبحت مصر والعالم العربي على أعتاب معطيات ومفاهيم جديدة, نظرا للتوجه العام والخاص بالتعرف على الحضارة والثقافة الغربية عمدا.

انقسم المثقفون خلال العقود الأولى من القرن العشرين الى فريقين.. مجموعة ترى أن الأخذ بمفاهيم وقيم وسلوكيات أصحاب الحضارة الغالبة(الأوروبيون) هو الخلاص الفردي و الجمعي.. بينما ترى مجموعة أخرى بضرورة التمسك بكل ما هو سلفى قديم إسلامي أو عربي.. فيما رأت مجموعة ثالثة (الأقل عددا) الأخذ بما فى الجانبين من فاضل وصالح.وكانت تلك الرواية التي تعبر عن رأى العامة و الخاصة .

عندما عاد "إسماعيل" من أوروبا متعاليا بعلمه (فى الطب) على بيئته البسيطة الفقيرة.. أعلن تمرده, وزاد من غضبته حتى أنه ذهب الى مسجد "السيدة زينب" وكسر قنديل المقام.. بينما العامة تأخذ من زيت القنديل وتستخدمه فى علاج مرضاهم.. منهم "فاطمة" قريبته والتي تربت فى بيت أبيه. فتولت الجيران مهمة الانتقام بعدم الذهاب الى عيادته. فلجأ الطبيب الى "العلاج الشعبي" وينجح فيما فشل العلاج الأوروبي فيه, شفيت فاطمة.

يبدو أن الروائي يتبنى فكرة..لا خلاص بدون البحث فى أنفسنا وعقولنا نحن أولا وليس أخيرا على كل حال, فقد كتب الروائي فى سيرته الذاتية يقول:".. واسم إسماعيل أخذته من اسم صديق لي, كان يمثل فى نظري محاولة المزاوجة بين الشرق والغرب".

ثانيا: الآخر..المستعمر بكل أشكاله (رواية عصفور من الشرق/ توفيق الحكيم)

كتبت تلك الرواية عام1938م, وهى قريبة من زمن كتابة الرواية السابقة , مما يشير الى سخونة وحيوية القضية فى تلك الفترة. عالج الحكيم أفكاره برومانسية بسيطة, وقد عرض فيها كذلك العديد من المذاهب السياسية والاقتصادية حتى ظهور التيارات الفاشية والنازية الجديدة هناك.. فكانت دعوته الرافضة للغرب بكل أشكاله..أما البديل فهو الإنساني الروحي والمتمثل في التراث الشرقي بديلا.

من الطريف أن يكون "الإهداء" ( الى حامينى الطاهرة السيدة زينب), وهو نفس "المكان" بالرواية السابقة. وان كانت الرؤية الدينية هي الأساس, فلا يعنى ذلك الاعتراف الصريح من الروائي بجملة الطقوس التي تمارسها العامة..أي أن الكاتب يتبنى الجانب الفكري فى التناول بالأخذ بجوهر الروح و الجوهر دون الشكل البسيط المباشر.

صحيح كان "محسن" حائرا (حيرة الشرقي فى تلك الفترة), وتأكيد ذلك الجانب, عرض الروائي العديد من الآراء والأفكار من خلال الصديق الروسي "ايفانوفتش" الذي وجده يقرأ فى التوراة والإنجيل والقرآن. وقد اعترف الروسي له قائلا: "أريد أن أعرف.. كيف استطاعت هذه الكتب الثلاثة أن تعطى للبشرية راحة النفس".

بالرغم من المعطيات الأوروبية الثقافية والحضارية في الآداب والموسيقى والعمارة و غيرها, بقى الحكيم (أو محسن بطل الرواية) رافضا له لأنه المستعمر.

ثالثا: الآخر.. والعودة إلى الأنا/الواقع (رواية موسم الهجرة الى الشمال/الطيب صالح)

أبرزت تلك الرواية المواجهة مع "الآخر" على محورين: الشرق الأفريقي في مقابل الغرب الأوروبي, وكذلك الإنسان الأسود فى مقابل الإنسان الأبيض بكل الدلالات الإنسانية والثقافية.

فلم يكن الشكل الدائري للتقنية الفنية للرواية إلا البحث عن هدف فكرى ممزوج بطريقة التناول

سافر "مصطفى" للحصول على الدكتوراه من بلاد الغرب, ويعيش الحياة هناك بكل أبعادها الإنسانية.. وكان "الجنس" هو الشكل الغالب على علاقات البطل, حيث تزوج من أربع فتيات, انتحر ثلاث منهن و قتلت الرابعة! لم يكن الجنس سويا كما علاقة الأزواج, ولم يكن البطل يمارسه إلا من أجل تأكيد دلالة السيطرة والمقدرة, فأصبح لاستخدام الجنس توظيف فني عالي.

لم تنته الرواية بعد تنفيذ حكم السجن على القاتل "مصطفى", لم يغضب, بل اتجه الى قريته تحديدا كي يلتقط أنفاسه و يبدأ من جديد بالزواج من ابنة القرية "حسنة بنت محمود". فلما مات البطل غريقا وحمله النهر(رمز إيزيس الأسطوري), رفضت الزوجة الزواج من العجوز "ود الريس" بل قتلته, وقتلت فيه كل القديم من عادات و تقاليد. 

تشارك تلك الرواية الروايتين السابقتين فى مسألة العودة الى الوطن, وأضافت الرفض الواضح و الصريح للآخر..وللقديم البالي أيضا.

رابعا: الآخر..  سؤال متجدد (رواية نيويورك 80/ يوسف إدريس)

وهى رواية حوارية, نشرت بجريدة الأهرام عام 1980م, وقد غلب الحوار عليها بحيث عبرت عن قدر التساؤل والحيرة التي لم يحسمها الروائي فى النصف الثاني من القرن العشرين.

الحوار بين "هي" التي تعمل معالجة نفسية, و"هو" العربي الذي يزور المدينة الأمريكية للسياحة. كلاهما مجهول الاسم, لا يهم الاسم, المهم أنه يعبر عن رفضه لاقتحام "هي"له ومطاردتها له فى المطعم و الفندق كي تمارس الجنس معه..هكذا . ومن خلال رفضه حيث يقول: "خلاص انتهت عندكم القيمة تماما فى نيويورك حتى لم يبق إلا الدولار قيمة, والمتعة الأنانية الذاتية هدف...".

"هي" ترفض المنطق الشرقي, ليبدأ الحوار, وتقدم الأسعار التي تناسبها, تماما كما تفعل :"اللاتي يحملن السم فى حقيبتهن لابتلاعه إذا ما تعرضن لهجمة من شرطة الآداب".

تتهمه بأنه معقد نفسيا ولا تفقد الأمل فى تحقيق هدفها, لأنها تعتقد أن السبب الحقيقي لرفضه المال المطلوب, فيعلق "هو" قائلا: "متى يا إلهي تعطى بعض الرجال شجاعة البغايا".

تبدو وجهة نظر الروائي للغرب (الآخر) وكأنه لا يرفضه تماما, فيبدو متعاطفا مع قباحة ما تقدمه بقدر أطلق عليه صفة الموضوعية والعقلانية.. وليبقى الآخر عنده محل متابعة وقابل للقبول على درجة ما. الرواية إذن قدمت توجها آخر ليبق "الآخر" محل السؤال متجددا!!

وبعد..

هل استكملنا صورة "المرأة" في الرواية ؟ لم نستكملها. وما أحوجنا الآن الى الوعي بعدو خفي/ ظاهر يستهدف ركائز ثقافتنا العربية/ الإسلامية تحت مفاهيم العولمة وقد كشفت عن وجهها القبيح خصوصا فى توجهها نحو افتراس ثقافة الشعوب. حان وقت العمل الثقافي والمثقفين للمواجهة وكشف الأدوار الخفية هنا أو هناك. والمرأة كأداة فاعله بذاتها، ومفعول بها بأقلام المبدعين، لها دورها المحوري الهام.

 

 

Partager cet article
Repost0
3 juillet 2009 5 03 /07 /juillet /2009 22:28

Wa%2520fa%2520El%2520Omrani.jpgمن ملف العدد الثاني:

 

اللغة الشعرية من الإبداع إلى التلقي 

    قراءة في إبداع الشاعرة وفاء العمراني

 

دة.سميرة مسعودي

 

         إن قدر الشاعر أو الشاعرة هو الانصهار باللغة و الذوبان فيها، إذ لا إبداع شعريا بدون لغة  تسجل تمايزها و فرادتها. و الشاعرة وفاء العمراني تنتمي إلى جيل شعري راهن في تأسيس حداثته على تجديد اللغة و تفجيرها، لاسيما و أن اللغة أصبحت العنصر الأساسي المطالب بتأمين شعرية الجنس الشعري في تجربة هذا الجيل الذي سعى إلى محو الحدود بين الشعر  و النثر في إطار إقراره لقصيدة النثر كتابة شعرية جديدة.

         و من ثم فالشاعرة وفاء العمراني كانت و لاتزال معنية بهذا الرهان اللغوي، بل هي شاعرة مسكونة بهاجس الإبداع و التجديد، الذي مداره تفجير لغة شعرية تخييلية  لها بصمتها الخاصة.

       و قراءتي لإبداعها تتوخى-في مرحلة أولى- استجلاء فرادة و خصوصية هذه اللغة التي تخلق كونا شعريا متميزا. و في مرحلة ثانية، تنظر إلى كيفية تلقي هذه الخصوصية عند القراءة .

          و لهذا سأنطلق من سؤال محوري هو :كيف تؤسس الشاعرة حداثتها اللغوية؟

لقد تناول النقاد بالدراسة لغة الشاعرة فأشار معظمهم إلى تميزها بحضور نفس صوفي يجليه تردد واضح لمعجم الصوفية تمتاحه الشاعرة من شعر التصوف الإسلامي. وهذا صحيح إلى حد بعيد، و لن أتوقف عنده هنا. لأن الحضور الصوفي في تجربة الشاعرة لا يتوقف عند الاستفادة من معجم التصوف و التناص معه فحسب، بل علاقة الشاعرة بالتصوف أعمق من ذلك ، فهي تعتبر التجربة الشعرية تجربة صوفية بامتياز ، فإذا كان الصوفي يسلك طريق التصوف الوجداني من أجل الوصول إلى المعرفة الصوفية، فإن الشاعرة تسلك ذلك الطريق أيضا من أجل تحقيق المعرفة الشعرية التي هي قطعا معرفة لغوية. و بتعبير آخر، فكما ينشد الصوفي التوحد بالذات الإلهية و الفناء فيها مستمتعا بلحظة الإشراق القصوى، كذلك تطمح الشاعرة إلى التوحد باللغة و الفناء فيها من أجل تحقيق الخلق الشعري البكر.و بهذا تؤسس الشاعرة تصورا خاصا للتجربة الشعرية والخلق الشعري، عماده عنصران أساسيان هما الذات و اللغة بحيث تسافر الذات الشاعرة إلى دواخلها سفرا صوفيا من أجل التوحد باللغة في خلق شعري لا مثيل له. فتصير التجربة الشعرية كشفية رؤياوية تنغلق فيها الذات على نفسها لتكشف ما هو مخبوء مختف وراء مظاهر و سطح الأشياء،فتتأسس علاقة جديدة بين الشاعرة و الأشياء من حولها. تقول الشاعرة:

                بيني و بين الأشياء

               تقيم الصداقة عرسها:

               شطح، مكاشفات

              شناشيل تزهو

               و خواصر من نار.(1)

       لكي تتجدد اللغة لابد من أن تتجدد العلاقة التي يقيمها الشاعر بالعالم من حوله،  و الشاعرة هنا تفصح عن هذه العلاقة الخاصة التي أساسها النفاذ إلى عمق الأشياء من أجل كشفها كشفا صوفيا ملؤه الشطح الصوفي القادر على  تخييلها و توليد نسغها فتصبح متوهجة جديدة. فالشاعرة لا تريد أن ترى العالم كما رآه غيرها، بل تطمح إلى تغييره بواسطة منحه ولادة جديدة. و في القصيدة نفسها تقول الشاعرة:

 

              لكل الصباحات المقبلة غيرنا وجهينا-الأشياء و أنا-

               محونا تجاعيدنا

            و دعونا عشقنا ليفقس بيضه

             "سبحاني، إذ يضيق عني زمني"

             قالها الشعر و انفلت يجتث أعشاب الظن

             من غابة الموت.....(2)

       إن الشاعرة تريد أن تؤسس شعرا يقاوم الموت و الفناء، و كي لا يموت الشعر لابد من منحه سمة الإبداع، و من ثم كان عليها أن تتغير هي و الأشياء معا، و التغيير كما تقدمه الصورة الشعرية يقوم على دعامتين: أولاهما محو التجاعيد التي تحيل إلى شيخوخة اللغة القديمة التي قالت أشياء العالم بطريقة معينة إلى أن أصابها التعب و الغَضَن، و ثانيهما دعوة إلى الفناء عشقا في أشياء هذا العالم إلى درجة تمكن الذات من رؤية ما لم ير سابقا حتى تستطيع تسميتها بلغة جديدة . و هذا ما يتيحه السفر الصوفي للشاعرة. ففي إبداعها افتتان لا حد له بالرحيل إلى الأقاصي و الأعماق و المجاهل، باعتبارها مكانا تفجر فيه الذات لغتها الفريدة.تقول الشاعرة:

            منحلة في هذا الغمر البدائي المخضر

            تخاصرني البرية الليلية

             وبعذوبة مجنحة

             فجأة

             تضيئني قدماي

            تتخمر البذرة عند مياه أحاسيس نادرة

                انبجاس، وروف،خصوبة

            هي ذي وردة الأقاصي

            تستنفر اتقادي

            توشوش خلوتي

            فيما تضرمها جماري الغافية المتبقية

            لي الشفوف، النسغ،الوهج

            الأكوان كلها....لي

            بنفسج هاجع ماء، خفق

           وصباحات تنهمر على العمر

                                     بلا استئذان.(3)

 

      إن الأعماق تمثل لحظة الصفر التي تلوذ بها الذات من أجل الخلق، لحظة غمر بدائي واعد بالحياة و الاخضرار، لحظة استثنائية خاصة، حيث تتخمر بذرة الخلق الشعري بواسطة أحاسيس نادرة يفجرها الحدس و الخيال، فتتكاثر و تتكاثر حتى تتوحد في كائن لغوي.إن الأقاصي وردة تغري الذات بالسفر إليها،و تؤجج فيها نار المعرفة، و تستدرجها إلى الدخول في خلوتها الصوفية لتتحرر من خصائصها البشرية و تكتسب خصائص جديدة لا حدود لتحولاتها، فهي تشف و تشتعل و تتحول إلى نسغ للأشياء،و ترحب حتى تسع الأكوان كلها، وهي ماء و خفق وصباحات منهمرة على العمر، إنها  تشهد تحولات متسارعة تمنحها هوية جديدة بواسطة خيال جامح يصهر كل المتناقضات في وحدة لا مثيل لها . إنها تحولات تملأ فضاء الدواخل بصور خيالية لا نهاية لتناسلها تجسد منعرجات الذات و هي تصعد نحو التوحد باللغة، تتلقاها في حيرة و دهشة:

 

                     أتشرنق

           كثيرا شهوتي المحال

          عالم مدهش ينمو في حياضي

          للآتي أن يرسم مغامرته القدسية

                        أصغي

         أرقب البعيد المتجول في دمائي

                        أصغي

        طواحين الروح تنشد سرها الأبدي

        دافقة شجرة الأعماق

                     لا أوصد

       غابة من فجر تقذفني بنظرتها الغورية الشفيفة

       إزهار مفاجئ

      خيول الماء تتراكض في اللحظة البعيدة

      و الجسد يكتمل بحواراته

       أمنحك صداقتي أيها الحبر.(4)

 

       ما أن ترتد الذات إلى أعماقها حتى تتدفق بخيالات و حدوس مدهشة غريبة،تحياها الذات الشاعرة إزهارا مفاجئا، فتكاثر الصور التخييلية في الدواخل و حضورها في لحظة واحدة تشبه حقلا فارغا يزهر في طرفة عين. فتنغمر هذه الذات في رؤى متداخلة، أنوار شفافة، مياه متراكضة، أصوات منشدة... و الذات  تصغي و ترخي سمعها  منفتحة على هذا الغمر الذي سيتجسد في كتابة شعرية . و إذا كانت الشاعرة تتحدث عن اكتمال للجسد بالحوار، فإن هذا الاكتمال لن يتحقق إلا ببلوغ درجة التوحد القصوى باللغة، ففي هذا التوحد فقط يحدث الميلاد الحقيقي، الميلاد الذي يمنح الذات هوية جديدة. فلنصغ إلى الشاعرة و هي تنتشي بهذه اللحظة الفريدة:

                تقولني الرؤيا

                  تسامق

                  إشارة

     عجبا لهذي الروح إذ تلاقي فتنتها

     عجبا لهذا الميلاد

    حضورات كريستالية أتنورها

    وجهه عذوبة مشتعلة ...(5)

           إن الميلاد يُحدَس حضورا نورانيا يخترق الذات، و لنلاحظ الدلالة التي يوقعها فعل"أتنورها" بحيث تتلقى الذات نور الميلاد فتمتصه لتشع به، و لا عجب في ذلك، فكما يكون العارف الصوفي محوا في معروفه ،فإن الذات الشاعرة فانية في معروفها اللغةِ متوحدة به، لقد أصبحت هي إياه، و من ثم يتضح قول الشاعرة "تقولني الرؤيا"  إذ لم يعد هناك حجاب بين الذات و اللغة لقد أصبحا شيئا واحدا، فالشاعرة تقول الرؤيا و الرؤيا تقول الشاعرة. إن الخلق الشعري إذن، يولد من هذا الفناء الصوفي للذات في اللغة ، حيث تتلون اللغة بالرؤى التخييلية للذات،وتلبس الذات فيض اللغة. فتغدوان معا علوا و إشارة ورموزا بفعل الوحدة التي خلقت كيانا جديدا: تقول الشاعرة:

 

         اليومَ أولُ بعثي

         مطر الصبيحة نشوة لا تقاوم

             لون دمي أخضر

         السماء من تحتي لا شكل لها

                       أبدأ

            أقول لكوكب أسمائي:

           لا صيغ لكَ عدا السطوع.(6)

 

         إن ما ينشأ عن هذا التوحد ذات جديدة لا مثيل لها دمها أخضر على غير العادة، و مكانها الفضاء حيث تعلو و تتسامى حتى تتجاوز السماء التي تصبح  تحتها لا فوقها. و بالتالي فإن الأسماء التي تقولها هذه الذات لن تكون حتما عادية، إنها ستكون إشارات ساطعة ترمز إلى هذه الجدة التي اكتسبتها، فهي لن تقول مظاهر الأشياء بل تقول كنهها  و أعماقها كما حَدَستها أثناء رحلتها إلى الأعماق.

      إن الكون الشعري في إبداع الشاعرة وفاء العمراني يسوده انسجام و وئام لا متناهيين،  فالذات أثناء رحلتها إلى الأعماق  تتحرر من كل ما يقيدها إلى الواقع فتنطلق متخففة من ثقله مستسلمة إلى الحدس و الخيال اللذين يفجران آلاف الصور في زمن قياسي، فتتسارع في تحولاتها لتمتص هذه الصور فتحتفظ بها إشارات، و حينما تصل إلى لحظة الإشراق و التوحد باللغة فإن هذه الأخيرة تمتص منها طبيعتها الإشارية ، فلا تقول الأشياء إلا رمزا.

و هنا أتوقف قليلا لأشير إلى ما يميز تجربة الشاعرة عن التجربة الصوفية في علاقتها باللغة:

       تلخص مقولة النفري "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" علاقة الصوفي بلغته،فهو يراها عاجزة عن الإحاطة برحابة الرؤى التي تنتجها الذات الصوفية و هي مسافرة نحو الفناء في الذات الإلهية، و نجد معظم الشعراء الحداثيين الذين ارتبطوا بالنص الصوفي، بطريقة أو بأخرى، يكررون هذه المقولة بتعابير مختلفة لكنها تلتقي عند الإقرار بعجز اللغة عن التعبير عن كثافة ما يحدث في الدواخل و الأعماق.غير أننا لا نجد لدى الشاعرة وفاء العمراني أية شكوى من عجز اللغة عن نقل رؤاها (أتحدث هنا عن دواوينها التالية: الأنخاب، فتنة الأقاصي، هيأت لك) بل على العكس من ذلك تماما، نجدها تمجد اللغة و طاقتها على الخلق حين تتوحد بها الذات، و منشأ هذا التميز في علاقة الشاعرة باللغة يكمن في أن الشاعرة لا ترى في اللغة وسيلة للتعبير عن الرؤى، كما يراها المتصوفة، و كما رأتها كذلك كثير من النظريات الشعرية، إن اللغة تخلق الرؤيا في لحظة مشاهدة  الذات لها (من الشهود الصوفي)

و إن صح التعبير تخلق الرؤيا و تنخلق بها، فالرؤى نفسها تنفجر لغة . فاللغة عند الشاعرة هي الرؤيا ذاتها. أما ما نراه في شعرها من تمنع اللغة عليها أحيانا فإنه يفسر بلحظات القبض و البسط التي تشهدها الذات وهي تعرج نحو اللقاء باللغة، فأحيانا تتعصى اللغة و تنأى و تضن بالوصل، فتقول الشاعرة

 

              ما لهذي الأبجدية أصونها

               و أبقاها

              فتنقلب علي(7)

أو تقول:

         جذوري ضوء يفترش السحاب

         لكن، ها هو الليل يلج عظم السريرة

        و يفيء لمراثي الزبد...

         أيتها الشمس الواهبة

         عديني بغمرك

        كلما قضمني فحيح المرارة الأولى(8)

حين تتمنع اللغة إذن تتلون السريرة بالحلكة التي تعوق انسياب الضوء القادم من الأعماق    و الجذور و تحس الذات المرارة و اليأس، فتبتهل إلى الشمس كي تغمرها بنور اللقاء.أو تلجأ إلى مناجاة اللغة كما يناجي الصوفي ربه راجية لحظات الفيض:

 أوِّلني ضمِّخني  حُفَّني

 يا الحرف الذي عز كما مطر العام

يا السمي الصفي

الطراوة الجذوة

الفرح المُرجأ

يا الذهول.   (9)

 

أما حين تستشرف الذات قرب الوصل، و تأتيها بروقه و إشاراته، فإن الذات تنبسط و تزدهي:

الأمواج الاحتفالية تعلن عودتها

يا لغبطتي الأكثر روعة،

يا لهذا الصوت، بداخلي، المجدول

                                      بجذل الفراشات

يالفجر الحرف في دمائي.(10)

إن اللغة لدى الشاعرة رديف للخلق والإبداع، لذلك تشرق الذات و تنتشي باللغة و لا ترى فيها عجزا بل تفجر الجديد غير المألوف،إنها تستكشف أعماق الأشياء ، و لا تعبر عنها كما هي في العالم الواقعي، و لهذا  فإن الذات تظفر في كل رحلة بخلق شعري بكر:

 

        بحرٌ من الصفاء هو ندائي       

       ولغتي برق الأمداء

       سلاما لصحراء الأبجدية روضتها

       بنعل من جمر (11)

 

إن لغة الشاعرة ليست سوى بروق و إشارات لما زخمت به الذات أثناء رحلتها، و هي إشارات  فقط، ليست لأنها عاجزة عن نقل كثافة الحالة الشعرية ، بل لأن الخلق الجديد لا يمكنه أن يكون إلا متلونا بما حدسته الذات نفسها إشارة و رمزا. و هنا تتحول صحراء الأبجدية إلى نار مشتعلة ما دامت قد روضت بواسطة نعل من جمر. و لارتباط اللغة بالنار عند الشاعرة دلالة خاصة، تقول الشاعرة:

تفيض شرايين الحرف

نطفح بالحضور

   صدى

أنا ناي الأبجديات

و سنبلة شراري……(12)

إن قول الشاعرة" نطفح بالحضور صدى" يشير إلى اتحاد الشاعرة باللغة بحيث تفيضان بالحضور الصوفي في شكل صدى، فتصير الذات صدى للغة و تصبح اللغة صدى للذات. 

و تأكيدا لهذه العلاقة الخاصة تفصح الذات عن تحولها إلى ناي "للأبجديات" متعددة متكثرة.

واللغة هنا ترتبط بالنار من جهتين، من جهة ورود كلمة الشرار  التي تحيل على الاشتعال،  و من جهة تناص الصورة مع ناي جلال الدين الرومي الذي كان  ينفث نارا بدل الهواء.  غير أن اشتعال لغة الشاعرة لا يحيل على الرماد و الفناء و لا حتى على المعاناة اللغوية التي ترتبط بالاحتراق، بل ترتبط بالحياة و الولادة الجديدة بدليل أن الشرار تنازل في التعبير عن طبيعة الاشتعال ليتحول إلى سنبلة. إن للنار هنا قوة التحويل و التغيير، و الشاعرة هي من تقول (النار تقعر كل تسطيح)(13). و ذلك هو أمر اللغة الشعرية عند وفاء العمراني، إنها تقعر كل تسطيح لأنها تنفذ إلى كنه الأشياء باختراق سطحها و الدفع به نحو الأعماق.

 و لغة كهذه تنشد الخلق الذي لم يسبق ،لا بد من أن تكون غامضة و غريبة. و هنا أصل إلى الشق الثاني من هذه المداخلة:

 فإذا كانت الشاعرة تحيا تجربة الخلق الشعري- بالرغم من غرابتها- في انسجام و صفاء روحيين، و ترى أن لغتها قد حققت حداثتها، و من ثم تميزها و فرادتها و إبداعها ،فإن متلقي هذه اللغة لا يستطيع التفاعل معها إلا إذا استطاع أن يحيا التجربة كما عاشتها الشاعرة،و إلا فإنه لا يرى إلا لغة تنغمر في الفوضى و التشتت، و هذا التعارض بين المتلقي و المبدعة يجد تفسيره في اختلاف المواقع التي ينظر منها كل منهما إلى اللغة، فالشاعرة تعيش حالة انسجام قصوى أثناء الحالة الشعرية،تتماهى الذات باللغة فتصبحان شيئا واحدا منسجما، و في هذه اللحظة، تذهل الشاعرة عما حولها و تستسلم لنشوة اللحظة و سحرها، فلا تملك الذات أن تبحث عن المنطق و المعقول، لأن للعالم الداخلي قواعده الخاصة التي لا تراها الشاعرة خارجة عن حدود العقل و المنطق كما سيراها القارئ لحظة القراءة، فالشاعرة ككل مبدع لا ترى الأشياء إلا بإحساسها و وجدانها، و حدسها، و خيالها .في حين أن القارئ العادي لن يرى في هذه اللغة إلا تشتتا و غموضا لأنه يقرأ بعين المنطق و العقل اللذين ينتفيان من لغة شعر الشاعرة ، فيلاحظ خروجها عن كل الأنساق اللغوية التي يعرفها، سواء تعلق الأمر باللغة العادية أو باللغة الشعرية، فتتعطل لديه عملية الفهم التي هي غاية كل قراءة. و بدل البحث عن مدخل جديد للقراءة ينزل بلعنته على هذه اللغة التي لم تعد تقول شيئا فيسمها أحيانا بالغموض و أحيانا بالهذيان و اللامعقول. و للقارئ في هذا الموقف عذره فاللغة كما تنتهي إلى التلقي تبدو في أول أمرها مفتقدة إلى كل الروابط العقلية التي تجعل اللغة مفهومة.

    والأمور التي تربك عملية التلقي و تنتصب حجابا يحول دون وصول القارئ إلى الانسجام الذي يختفي وراء ما يبدو من فوضى اللغة كثيرة أتوقف عند اثنين منها.

فأما الأول فيتجلى في التلاعب بنظام التركيب تقديما و تأخيرا في غياب عنصري الفصل    و الوصل كما هو الحال في قول الشاعرة:

 

بعيدا،

في منتزهات الروح

شبت خبايا جسدي/

تسارعت باتجاه هيآت جديدة

                 وردة

صخرة الماء يانعة وباردة

العين فتنة

حين الروح حديقة (14)

 اهتمت الشاعرة بإثبات فاصلة بعد كلمة" بعيدا" لتنظيم تركيبها النحوي، ولكنها لن تعيد الكرة مرة أخرى بالنسبة الباقي التراكيب، مما يربك سياق القراءة. و إذا كنا نستطيع قراءة الأسطر الشعرية الأولى دون صعوبة، فإننا سنتوقف عند السطر الخامس الذي انفرد بكلمة واحدة هي "وردة" جاءت بعد فراغ واضح بين السطرين الرابع والخامس، ووجودها معزولة في بداية السطر، يدفعنا إلى قراءتها باعتبارها مبتدأ، لكننا لن نعثر لهذا المبتدإ عن خبر. فمباشرة في السطر الموالي نفاجأ بمبتدإ آخر هو "صخرة" المضاف إلى الماء،يمكن  اعتبار (يانعة) خبرا له، "وباردة" معطوف عليه. ونكتشف إمكانية أخرى للقراءة حين تنبهنا لفظ "يانعة" إلى ارتباطها  بالوردة بعلاقة ما، بما أن اليناعة صفة من صفاتها. مما يدفعنا إلى اعتبار "وردة" في هذه القراءة الثانية، خبرا مقدما للمبتدإ المؤخر (صخرة الماء). وبذلك تصبح "يانعة" و"باردة" صفتين للوردة، فاليناعة خاصية من خاصياتها، والبرودة صفة تكتسبها بفعل ارتباطها بصخرة الماء التي أصبحت هي إياها. إذ البرودة إحدى خاصيات الماء، فنظفر حينذاك بالتعبير المنطقي التالي:"صخرة الماء وردة يانعة و باردة"، تعبير منطقي صحيح، لكنه خال من الشعرية التي يفيض بها قول الشاعرة .  

وقد كان بالإمكان أن يُتجاوز هذا الإرباك الذي يحدثه هذا التقديم والتأخير لو أن الشاعرة تدخلت بوضع الفواصل والنقط لتعيين حدود الجمل والتراكيب، لكن اللغة هنا تتحرر من رقابة العقل المنظِّم، فتنقل صور اللحظة الشعرية خامة بكل تناقضاتها وفوضاها وتشابكها، وهذا ما يجعل بعض العناصر اللغوية تبرز في التركيب شاذة ومعزولة يسبق بعضها بعضا دون روابط منطقية أو دون أدنى إشارة إلى وجود هذا التقديم والتأخير، الأمر

الذي يعمق غموض هذه اللغة ويشوش عملية القراءة حين تنعزل بعض الكلمات عن التراكيب التي أدرجت فيها، إلى درجة يصعب فيها على القارئ التأكد من موقعها الصحيح في الجملة كما هو الحال في هذا النموذج :

                   لطفا أيتها الشمس

                   جسدي منشغل بالتوهج

                                      جديدةً

                   كل ضياء أنبجس

                   إليه أرفو أبعادي

                   أهجر الذاكرة / أولد في الإشارة

                   ثوبي جلد هواء

                   الجسد قبلة الرياح

                   يخلط بالنجم الوقت الذي نسجناه

                            أينا المدى ؟

                            أينا السنى ؟ (15)

  فكلمة "جديدةً" في هذا المقطع وضعت منعزلة في سطر شعري، وعبثا نحاول ربطها بما قبلها وبما بعدها من جمل، ولكننا لا نظفر بما يلائم وضع هذه الكلمة المنصوبة، فنضطر إلى افتراض فعل محذوف يلائم السياق والكلمة معا، كأن نقول مثلا (أصبحت جديدة)، ليلائم دلالة الجمل المحيطة بالكلمة. ولكن هذه القراءة التي تتوخى السهولة والوضوح، تحرم هذه اللغة جماليتها وتوهجها وتعيدها إلى منطق الأشياء وألفتها. ومن ثم نبحث عن تخريج آخر لهذه الكلمة، وهو ما يجد إمكانية له في اعتبار "جديدة" حالا مقدما لفعل يوجد في مسافة بعيدة نوعا ما من التركيب. وهو فعل "أولد" من قول الشاعرة (أولد في الإشارة)، فيكون المعنى أن الشاعرة تولد في الإشارة ولادة جديدة، أما جمل (كل ضياء انبجس إليه، أرفو أبعادي، أهجر الذاكرة) فتصبح جملا اعتراضية في هذه القراءة، تفصل بين الحال (جديدة) وبين الفعل (أولد). و انتفاء أدوات الربط والفصل هنا أسلم التركيب إلى الفوضى والاضطراب، الذي يضاعفه استعمال الشاعرة للقاطعة بين قولها أهجر الذاكرة/ أولد في الإشارة، فهي وإن كانت تشير إلى القطيعة بين حالين، فإننا لن ندرك ما إذا كانت القطيعة تتم فقط بين جملتي السطر أم أن القاطعة تشير إلى أبعد من ذلك، إلى القطيعة بين الولادة القديمة والأخرى الجديدة.

 و هذا الاضطراب في هذه التراكيب اللغوية راجع إلى حال الذات الشاعرة التي تخضع لتحولات مستمرة لا تتوقف، وبالتالي فإن التعبير بمنطق عن هذه الحالة مستحيل، لأن اللغة المنطقية بطيئة في نقل كل ما تحس به الذات، فسرعة التحولات التي لا تستغرق سوى ثوان معدودة بفعل الخيال الخلاق الذي يستطيع أن يكثف الزمن كما يشاء يوجد في وضعية متقدمة عن التعبير اللغوي الذي يستغرق مدة زمنية أطول، فكأن اللغة في هذا المقطع تحاول أن تجسد لنا سرعة التحولات في للحظة نفسها التي تحدث فيها. فتبدو الأشياء متناقضة متداخلة.

فبالنظر إلى الجمل التي افترضناها اعتراضية في قراءتنا سنجد أنها تنشئ دلالة تتعلق بماهية الولادة الجديدة، وإن شئنا الدقة، تصور مخاض هذه الولادة. فالشاعرة في هذه التراكيب التي تبدو مضطربة تحاول أن تنقل إلينا الحالة كما حدستها بخيالها في لحظتها. فقد أدركت في لحظة انشغال جسدها بالتوهج أنها بصدد ولادة جديدة، ولكنها لم تستطع أن تعبر سوى عن جدة الحدث فأرجأت نقل  الحدث الذي هو فعل الولادة إلى ما بعد، واكتفت بكلمة "جديدة" لأنها في اللحظة نفسها ستنشغل بمعاينة مخاض هذه الولادة وهو ما عبرت عنه في التراكيب اللغوية – كل ضياء انبجس إليه – أرفو أبعادي- أهجر الذاكرة. وحين تكتمل الولادة الجديدة، تعبر عنها بقولها (أولد في الإشارة)، فتصبح الجمل بعد هذا مصورة لمظاهر هذه الولادة الجديدة. إن اللغة هنا تحاول ملاحقة سرعة الانفعالات وتحولات الذات لتنقلها في لحظتها الآنية، ولهذا تتسم بالاضطراب والغرابة والشذوذ عن المنطق، فيتقدم ما حقه التأخير، ويتأخر ما حقه التقديم.  فتغيب العناصر المنظمة لهذه التراكيب و تنبهم العلاقات النحوية وتضطرب.

 وإذا كانت اللغة- من زاوية الإبداع- في هذه النماذج تعلن بواسطة هذين العنصرين انتفاء الحدود والمقاييس المنطقية المبنية على العقل داخل تجربة شعرية مرتبطة بحالة إبداعية خاصة ومتميزة، فإن ذلك لا يشكل بالنسبة للقارئ سوى عنصر إرباك وقلق يقحم اللغة في الغموض واللامعنى، ويمنعه من التواصل مع هذه التجربة الإبداعية،  حين يجد نفسه عاجزا عن استيعاب الصور المخيلة بواسطة هذه اللغة التي تنزع إلى محو العلاقات المنطقية بين عناصرها، مجسدة نصا شعريا موسوما بالتشتت و الفوضى فيبدو و كأنه ركام من الصور المتناثرة التي لا رابط بينها.

 و هذا ما يضاعف الغموض عند القارئ و يجلي الأمر الثاني الذي أراه يحجب انسجام اللغة الشعرية في إبداع الشاعرة، إذ يبدو النص للقارئ المتسرع الذي يتوخى الفهم   و اقتناص المعنى و كأنه تجميع لصور متنافرة في فضاء واحد، و في إبداع الشاعرة نماذج كثيرة أكتفي بالتمثيل لها بقولها:

 

                  للغريب الضارب في أغوار نذري

                   لمزاميره الطالعة من ضراوة الخفق

                   لأرضه المجلوة بفتنة القتل

                   لجرحه          لأعراسه

                   للغة أشيائه

                   لياسمينة أودعتها عزلة غاباته

                                               ذات قصيدة

                   لملح شهواته في دمي

                   لحلمي النبيذيِّ القديم

                   لليلتنا التي لم تكن،

 

                                      حفي نبضي           (16)

                                             

       تنفرط العلاقات المنطقية بين مجموع الصور التي سعت إلى تحديد الغريب الذي يهدى له حفي النبض. فالمزامير والأرض والجرح والأعراس واللغة والياسمينة، وملح الشهوات، والحلم النبيذي، كلها عناصر متضاربة متنافرة لا تجانس بينها. زادتها الصورة التي أدرجت فيها غموضا، إذ إن الجمع بينها يبدو وكأنه تم بطريقة اعتباطية آلية، هذا ما يجعل الصور تبدو مشتتة ومتشظية، تفتقد اللاحم الذي يوحدها في دلالة معينة، وإن كانت جميعها تشترك في الانتساب إلى الغريب الذي ذكر في بداية الصورة الذي يعلن بنفسه مسبقا على غرابة الأشياء التي يمكن أن يحتضنها باعتباره شيئا غريبا موغلا في الأغوار.

      إن الشعر بفعل التجربة الخاصة التي يتولد بها مرغم على تأسيس لغة جديدة و بالتالي جمالية شعرية جديدة فإذا كانت اللغة في السابق قد أسست جماليتها على الاستعارة الجامعة بين عناصر الصورة بواسطة علاقة المشابهة، فإن الصورة الشعرية هنا تجمع بين ما لا يجتمع لصدورها عن ذات غريبة لم تعد العلاقات المنطقية شغلها و لا في إطار اهتمامها.

 فكما انفرطت العلاقات المنطقية في التركيب اللغوي كذلك تشتتت الصور في النص الشعري في فوضى عارمة مفتقدة المنطق و العقل، معانقة الهذيان و الهلوسة . هكذا ينظر القارئ إلى هذا الخلق الشعري الجديد، و هذه نظرة تسير في الاتجاه المعاكس لنظرة المبدعة إلى شعرها. فما تحياه الشاعرة نشوة و ظفرا بالوصل و إشراقا بكيان جديد نسغه ولادة لغة بكر، يحياه القارئ معاناة مضنية و لهاثا وراء القبض على المعنى المتواري في تضاعيف الكلام. والحال، أن المعنى في هذه التجربة الإبداعية لا وجود له، لأن الشاعرة لا تعبر عن شيء له وجود واقعي، فهي تخلق اللغة من جديد سلاحها الحدس و الخيال. و هذا يعني أنه لم تعد هناك مرجعية مشتركة بين الشاعرة و القارئ، لأن كل ما تخلقه نابع من الدواخل،  من تحرر الأنا الشعرية من قيود الواقع، و بالتالي فمن البديهي أن تصطدم القراءة العادية بكثافة اللغة الشعرية التي أصبحت رموزا و إشارات إلى أحوال الذات في رحيلها نحو الأعماق كما تؤكد الشاعرة حين تقول:

              عميقا

              ينزف عقيق أبجديتي (17)       

  نزيف الأبجدية في الأعماق انهمار لصور لا حد لها تتناسل دون توقف، و أظن أن هذا القول يرمز إلى هذا الانفراط الذي يحدث للغة  فتتشتت في كل اتجاه غير أن الشاعرة لا ترى هذا الانفراط مخلا بالخلق الشعري بل هو نتيجة طبيعية لفرادة هذا الخلق.

          لا أفهم /لا أفهم

          ماسية متشظية

            مثل قصيدتي العصية

                             الآتية(18)

        إن المبدعة  لن تحس إلا بالانسجام التام بين ذاتها و لغتها،انسجام يبلغها درجة النشوة الكاملة، وبطبيعة الحال فإن هذا لن يتم إلا إذا توحدت الذات مع الحالة الشعرية الخاصة. وإذن، من أين يأتي التشتت الذي نلمسه بوضوح في  النص الشعري ؟  

       إن التشتت لن يبرز إلا حين تنفتح الذات لتنقل الحالة الشعرية الوجدانية إلى عالم اللغة،ذلك بأن اللغة التي  توجد داخل الحالة، لابد من أن تخرج إلى الوجود كتابة ، و هذا الخروج يشكل تهديدا وخطرا على الحالة لأنه ينهي الاستمتاع واللذة  التي كان تحدسها الذات، ولذلك فإنها مرغمة على سرعة تسجيل هذه الحالة قبل أن تتلاشى وتضمحل قوتها، وهذا ما تفعله الشاعرة حين تنقل الحالة إلى اللغة المكتوبة، وحينذاك يحدث الخلل، فأثناء معاناة الحالة تتفجر طاقة التخييل بسيل من الصور التي تنبثق دفعة واحدة، في تشابك مذهل ومثير، وفي انسجام لا نظير له، وهذا ما تعجز اللغة عن تحقيقه، فهي بمنطقيتها لا تقول الأشياء إلا في مراحل وعلى دفعات. وانفجار الصور التي حققت انسجاما وتكاملا داخل الحالة كما أحستها الشاعرة في لحظة مكثفة لا تتحقق لغويا إلا إذا فككت، فتسجل عبر دفعات متتالية في جمل لغوية تشكل صورا متقطعة.

        وكان بالإمكان أن يكون لهذه الصور المتقطعة انسجام لغوي لولا أن الشاعرة وهي تنقل الحالة إلى اللغة تكون متلهفة على ألا تضيع منها فرادة الحالة وحرارتها، فتسارع إلى تسجيل الصور كما ترد عليها دون توخي الربط، ففي مرحلة النقل هذه تكون ما تزال تحت تأثير الحالة، ومن ثم لا تعي بأن ما تنقله لا منطقي ولا مترابط . فالتشتت إذا لا يظهر في اللغة من وجهة النظر الإبداعية لأن اللغة تلاحق غرابة الحالة الشعرية التي تتنامى في الدواخل  منتشرة في كل الاتجاهات. إن التشتت يظهر في اللغة من وجهة نظر القارئ الذي لم يعاين حال الذات و لم يضع تميزها في اعتباره فهو يقرأ خلقا جديدا لا سابق له بقياسه إلى مخلوقات سابقة. و هذا لا يستقيم ،لأن الذات كفت عن إعادة خلق العالم كما هو الحال في تجربة الشعر المعاصر و أصبحت تخلقه.

فلنفترض أن الذات الشاعرة عبارة عن صندوق مغلق له فتحة صغيرة. وبداخله حالة شعرية متميزة، ولتكن عقدا فريدا مثلا، حباته من مختلف الأحجار الكريمة، لؤلؤ، زمرد، ياقوت، مرجان، فيروز... الخ، وتميز هذا العقد يكمن في نظام خاص لم الحبات بعضها إلى بعض، ولنفترض أن الشاعرة عز عليها الاحتفاظ بهذا العقد مهملا في الصندوق وأرادت أن تخرجه ليرى الناس فرادته وجماله، لكنها تجد أن الفتحة لا تسع إخراج العقد بكامله في النظام الذي صيغ به داخل الصندوق، بل تسع حبة وراء حبة، فماذا تفعل ؟ إما أن تتركه هناك قابعا في الذات، وإما أن تسحب الخيط الذي يلم حبات العقد، وإذ تختار الخيار الثاني، فإن الحبات تنفرط، فتخرج حبة وراء أخرى، وبهذه الطريقة لن نرى أبدا العقد كاملا في نظامه الأصلي، بل كل ما نحصل عليه هو حبات منفرطة جمعت في شكل فوضاوي، و كما أن الجمال هنا ينشأ عن الحبات الثمينة في حد ذاتها باعتبارها تحمل جمالا فنيا في ذاتها، فإن ذلك لن يغنيها عن جمال مفترض في عقد منظم بطريقة فريدة. ونحن في هذه الحالة لا نملك أي تصور حقيقي عن جمال العقد كما كان في صندوق الشاعرة، لكننا نملك في المقابل الحبات – التي لم تمتلكها الشاعر في بداية صنعها للعقد- بل شكلتها ونحتتها عن طريق الحدس و الخيال ، مما ييسر علينا عملية إعادة تجميعها بطريقة ما ، وهنا ما يهم القراءة هو محاولة إعادة  صياغة عقد شبيه بذلك الذي كان في الصندوق. و- أقول شبيها به -لأنها لن تستطيع أبدا إعادة صياغة العقد الأصلي كما كان في الداخل، بل كل ما تفعله هو أن تتصور وتفترض شكله، ومن ثم تتعدد إمكانيات تجميع الحبات في شكل جمالي جديد.

وقريب من هذا ما يحدث في نقل تجربة الذات إلى اللغة، فقصور هذه الأخيرة عن احتواء الحالة الشعرية بتعددها المنسجم في الأصل هو ما يدفع الشاعرة إلى نقلها في أجزاء وصور متقطعة، ولأنها مصرة على الحفاظ على خصوصية التجربة باعتبارها حالة تتجاوز كل وصف، فإنها لن تحفل بأدائية اللغة ولا بمنطقها، بل تحرص بدل ذلك أن تقترب اللغة من العوالم التي أسستها الحالة الشعرية في لحظة لا تتكرر.  فاللغة رموز لحالات فريدة ، و من طبيعة الرمز الإيحاء و الومض ، و لهذا مهما ادعت القراءة أنها قد توصلت إلى ما يريد الشاعرة البوح به فإن  ادعاءها لا يعدو أن يكون رجما بالغيب ، لأن هذه اللغة حصنت نفسها  من واحدية المعنى التي تقتل الشعر بانغلاقها في محارة الذات التي تجاوزت كل ما هو مشترك بينها و المتلقي  لتنتج معرفتها الخاصة،و بالتالي لغتها الفريدة  التي  تنفلت من أي امتلاء . و يمنحها سمة التعدد الدلالي الذي لا نهاية لمداه.

و أختم كلامي بمحاولة ربط تجربة الشاعرة وفاء العمراني بموضوع هذا اليوم الدراسي  الذي هو " الأدب النسائي بين البعد المرجعي و البعد الأدبي"، فأقول إن الشاعرة وفاء العمراني تخلق اللغة، و من الأجدر من أنثى خبرت مخاض الولادة  لتجسد مخاض الخلق الإبداعي،إنها تحمل اللغة في أحشائها كما تحمل أي أنثى جنينها:

على باب شهوة السؤال

أشرعتني غابات السفر عليك

و أدناني، طوعا، فجر الحرف

         إليك

أنا حاملةَ ثمارك

و الريحَ فاتحةً ذراعيها

لخصوبات مدارك.(19)

و ككل خلق فإن خلقها فريد لا شبيه له، كما تقول الشاعرة

كلماتي غير الكلمات,(20)

و تقول أيضا،

تشرد عن اللغات لغتي,(21)

إن هاجس الشاعرة من وراء هذا الخلق اللغوي هوتحديد هويتها الأنثوية،برسمها لمعالم أنوثة تخلق إبداعها متحررة من قهر تاريخ لغوي جائر موسوم بالفحولة اللغوية التي طبعت إنتاج الشعر العربي ، لذلك تسافر إلى أعماق ذاتها لا يرافقها سوى خيالها و حدسها، لتفجر لغتها الخاصة التي تخلق كونا شعريا  يسوده صفاء وانسجام ، ففي أدب الشاعرة إذن يتراجع البعد المرجعي لصالح البعد الأدبي التخييلي حيث ينبثق عالم لغوي لا يحيل إلا على  نفسه ،عالم تتصالح فيه كل الثنائيات المتضادة،  ، فلا صراع و لا ضغينة ، لا ذكورة و لا أنوثة، و حتى على مستوى تجسيد الكتابة يذوب الشعر في النثر. لا حضور إلا لذات تبدع  لغة خاصة      و بهذه  اللغة تتحدد هوية الشاعرة . إنها مبدعة و كفى.

 

       

الهوامش

 

1-   وفاء العمراني، ديوان "الأنخاب" ق:"المكاشفات"ص58

2-   وفاء العمراني، ديوان"فتنة الأقاصي" قصيدة فتنة الأقاصي ص44

3-   م.ن ،ق.ن،ص 37-38

4-   وفاء العمراني،د:"هيأت لك"ق:"أريج باذخ"ص 45-46

5-   وفاء العمراني، د:فتنة الأقاصي،ق: عدم صديق و آخر لا.ص 115-116

6-   وفاء العمراني،د:فتنة الأقاصي.ق:رذاذ السريرة.ص:97-98

7-   م.ن ،ق:صلاة الغائم ص83

8-   د. هيأت لك،ق:أشبهك أيتها الريح،ص:57-58      

9-   د: فتنة الأقاصي ق: للآتي أنا منذورة، 72-73

10- د:هيأت لك،ق: أشبهك أيتها الريح،ص 55-56

11- م.ن، ق: نعل من جمر،ص:96

12-م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص36

13-د:فتنة الأقاصي، ق: فتنة الأقاصي،ص48

14-د: هيأت لك،ق:أريج باذخ،ص 39-40

15- م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص23-24

16- م.ن،ق: أريج  باذخ،ص9-10

17-  د:فتنة الأقاصي،ق: فتنة الأقاصي:ص 40

18- م.ن، ق:ضاج بي أيها الحب ضاجة بك أيتها المسافة،ص60

19-د:هيأت لك،ق: نشيد الوفاء،ص:83-84

20 د: فتنة الأقاصي، ق: عدم صديق و آخر لا،ص 106

21-م.ن،ق.ن ص111

 

 

Partager cet article
Repost0

مجلة العلوم الإنسانية و الاجتماعية،مغربية ثقافية شاملة مصنفة ومحكمة

  • : Revue Cahiersdifference مجلة دفاتر الإختلاف
  • : مجلة دفاتر الإختلاف Revue Cahiersdifference مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية مغربية-دولية ثقافية مصنفة ومحكمة رخصة النشر رقم:07\2005 الايداع القانوني:2005/0165 تصدر عن مركز دراسات MLM وتحمل الرقم الدولي المعياري/ p-2028-4659 e-2028-4667 المجلة حائزة على معامل التأثير العربي Arab Impact Factor لسنة 2023 بمعامل 1.22 وسنة 2024 بعامل التأثير 1.83 كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH
  • Contact

الهيئة الاستشارية العلمية

i أعضاء الهيئة الاستشارية العلمية

د.محمد زرو أستاذ التعليم العالي ( اللغة العربية عميد كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.مولاي عبد الملك الداودي أستاذ التعليم العالي ، رئيس شعبة اللغة العربية بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.عبد المجيد بنجلالي أستاذ التعليم العالي (أدب ونقد)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د.الطيب الوزاني (ادب ونقد)،  كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د.محمد التاقي أستاذ التعليم العالي (لسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

دة.سعاد اليوسفي أستاذة التعليم العالي (أدب) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د. ادريس الذهبي أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. رضوان الخياطي، أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. فريد أمعضشو أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية، مركز تكوين مفتشي التعليم ، الرباط.

د. محمد بنلحسن  أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها،المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ، فاس.

د. عبد الرحيم أخ العرب، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

 الأستاذة الدكتورة/ عائشة الخضر/ رئيسة الاتحاد العربي للثقافة/ تركيا

بحث

الهيئة العلمية والتحكيم

أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم

د.عبد المنعم حرفان، أستاذ التعليم العالي، تخصص اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب

.والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس المغرب

د. خالد قدروز، تخصص أدب  ونقد ، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

د. عبد الواحد المرابط، أستاذ التعليم العالي،  تخصص السيميائيات ومناهج النقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق الدار البيضاء.

د.عبد الكامل أوزال، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/.المغرب

د.الشرقي نصراوي أستاذ التعليم العالي  تخصص (السيميائيات والتأويليات) جامعة السلطان مولاي سليمان - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة.

د.الحسني عبد الكبير أستاذ مؤهل تخصص (اللسانيات) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال.

دة.الزهرة براهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (مسرح وأنثروبولوجيا وديدكتيك) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط- سلا- القنيطرة.

د.الغالي بنهشوم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب)، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل مكناس

د. لخلافة كريم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي 

إسماعيل مكناس

د.أحمد دكار، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علم النفس وعلوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

.فاس/المغرب

دة.لطيفة بلخير ،التخصص: أدب حديث ، أستاذة التعليم العالي ،كلية الٱداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ـ فاس ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

دة.جناة سفضار، تخصص تدبير الموارد البشرية، جامعة لافال، كيبيك كندا

د. عبد الله الروملي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الأدب العام والمقارن، التمثلات الثقافية والاجتماعية والإعلامية، مدير مركز دراسات الدكتوراه بكلية اللغات والآداب والفنون ، جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب.

د. عبد الرحمان إكيدر،  أستاذ محاضر مؤهل،  تخصص: (النقد الأدبي والبلاغة)، كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض مراكش.

د. عادل ضرغام ، أستاذ الأدب والنقد كلية دار العلوم جامعة الفيوم، مصر.

دة. بشرى سعيدي. أستاذة محاضرة مؤهلة، تخصص (المسرح وفنون الفرجة) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية جامعة مولاي إسماعيل - مكناس.

دة. سعاد مسكين أستاذة التعليم العالي. تخصص: (السرد العربي) المدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د. هشام بُحَيْري، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص: (النحو واللسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان.

دة. سلوى السعداوي، تخصص: (السرديات والنقد الأدبي، مهتمّة بتحوّلات كتابات الأنا)، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس.

دة. نوال بنبراهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (الدراماترجيا والنقد)، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط.

د. محمد تنفو، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص ديدكتيك اللغة العربية والسرديات ،  المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش آسفي/المغرب

د.محمد أبحير، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال/المغرب

د.محمد الأزمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

د. عبد الرحمن علمي إدريسي، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

محمد زيدان، أستاذ التعليم العالي ، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز  الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد العلمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الدراسات الاسلامية والديدكتيك، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد سوسي، أستاذ مبرز ، دكتور في الفلسفة، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.سميحة بن فارس، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الديدكتيك علوم الحياة والارض ، المدرسة العليا للأساتذة فاس / المغرب

د.عزالدين النملي، أستاذ محاضر ، تخصص اللغة العربية والديدكتيك ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم/المغرب

دة.صليحة أرزاز ، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص لغة فرنسية، ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.المصطفى العناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الاجتماعيات ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.حسان الحسناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فنيطرة/المغرب

د.عمرأكراصي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغربدة.حنان الغوات، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش/المغرب.

د.محمد تمي،أستاذ باحث في مجال المعلوميات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم (TICE) وتحليل البيانات لتعزيز ودعم التعلم الرقمي، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس. 

هيئة التحرير وشروط النشر

 

أعضاء هيئة التحرير

اسم مدير التحرير

د.ادريس عبد النور

اسم رئيس التحرير

د.خالد قدروز

هيئة التحرير​​

د.طريق زينون-د.نورالدين محقق-ذ.هواري الأمين
ذ.محسن لوميكي-دة.نجاة سفضار-دة.مهدية بنعبيد
د.أيوببن مسعود-د.محسن الطوصي-
د.مراد بلمودن-د.عبدالرحيم بلكاني

المسؤول التقني والفني

ذ.ياسين مفتاح

ذة.فاطمة نافل

الشروط العامة لنشر البحوث بالمجلة ومنشوراتها:

  • مجلة دفاتر الاختلاف للنشر العلمي مجلة علمية مصنفة ومحكمة ورقية وإلكترونية تعنى بنشر البحوث العلمية في الحقول التالية: العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم التربوية، علوم الشريعة والقانون.
  • تنشر مجلة دفاتر الاختلاف البحوث العلمية الأصيلة للباحثين في هذه التخصصات كافة، من داخل المغرب  وخارجه، مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية. ويشترط في البحث ألا يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر، وعلى الباحث أن يتعهد بذلك خطياً عند تقديم البحث للنشر، وتخضع جميع البحوث للتقويم حسب الأصول العلمية المتبعة.

قواعد النشر:

  • يقدم البحث المقترح للنشر مكتوب بصيغة word بخط Sakkal Majalla حجم 15 دون تضخيم وبالخط نفسه بحجم 12 في الهوامش، شريطة ألا يزيد عدد صفحاته على 20 صفحة (وبواقع 5000 كلمة) بما في ذلك الجداول والصور والرسومات ويستثنى في هذا العدد الملاحق والاستبيانات.
  • تكتب العناوين الرئيسية بحجم 15 والفرعية للفقرات بحجم 14 مع التضخيم (Gras
  • يرفق مع البحث ملخص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية، على ألا تزيد عدد كلمات الملخص على 205 كلمة.
  • تكتب بعد الملخص الكلمات الدالة للبحث (Keywords) في حدود 5 كلمات.
  • تطبع الجداول والأشكال داخل المتن و ترقم حسب ورودها في المخطوط، وتزود بعناوين، ويشار إلى كل منها بالتسلسل، وتستخدم الأرقام التالية: (1,2,3…) في كل أجزاء البحث.
  • كل بحث يجب أن يشمل على مانسبته 20% من المراجع الأجنبية
  • يعطى الباحث مدة أقصاها أسبوعا لإجراء التعديلات على بحثه إن وجدت، وللمجلة بعد ذلك إلغاء الملف البحثي تلقائيا في حال تجاوز المدة المذكورة أعلاه.
  • لا تجيز المجلة بأي حال من الأحوال سحب الأبحاث بعد قبولها للنشر ومهما كانت الأسباب.
  • تكتب الهوامش والإحالات أسفل كل صفحة، وتكون حسب النموذج التالي:

- الكتب: لقب واسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، البلد، الطبعة، السنة، الصفحة.

- الدوريات: لقب واسم المؤلف، عنوان المقال، عنوان الدورية،  دار النشر، العدد، السنة، الصفحة.

  • ضبط لائحة المصادر والمراجع وفق ما يلي: اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، المطبعة، مكان النشر، رقم الطبعة. السنة.

توجيهات عامة:

  • لهيئة التحرير الحق بإجراء أي تعديلات من حيث نوع الحرف ونمط الكتابة، وبناء الجملة لغوياً بما يتناسب مع نموذج المجلة المعتمد لدينا.
  • قرار  هيئة التحرير بالقبول أو الرفض قرار نهائي مع الإحتفاظ بحقها بعدم إبداء الأسباب.
  • ترسل البحوث وجميع المراسلات المتعلقة بالمجلة إلى:

cahiers.difference@gmail.com

cahiersdifference1@gmail.com

مواضيع العدد

من نحن؟

من نحن؟

مجلة دفاتر الإختلاف

Revue Cahiersdifference

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مغربية- دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

رخصة الصحافة رقم:2005/07

الايداع القانوني:2005/0165

 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ISSN

 P-2028-4659

 E-2028-4667

المجلة حائزة على معامل التأثير العربي

 Arab Impact Factor

لسنة 2023 بمعامل  التأثير 1.22

وسنة 2024 بمعامل التأثير 1.83

وسنة 2025 لمعامل التأثير 1,88

كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH

دعوة للنشر بالعدد 23

📢 دعوة للنشر في العدد رقم 23 ) 📢

يسر مجلة دفاتر الاختلاف   REVUE CAHIERS DIFFERENCE  المغربية-الدولية للنشر العلمي والأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغوية والتربوية والقانونية والشرعية، أن تدعو الباحثين والأكاديميين إلى إرسال أبحاثهم للنشر في العدد رقم 23 /يوليوز 2026

📌 مجالات النشر:

العلوم الإنسانية والاجتماعية (الدراسات اللغوية، الأدبية، التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، وغيرها).

جميع التخصصات التربوية (المناهج، طرق التدريس، الإدارة التعليمية، التقويم، التكنولوجيا التعليمية، علم النفس التربوي، وغيرها).

⚡ ما يمتاز به النشر في المجلة:

✔ نشر ورفي وإلكتروني واسع الانتشار

✔نشر وفق معايير علمية و أكاديمية رصينة.

✔ تحكيم علمي بمعايير دولية من قبل خبراء متخصصين.

✔ رسوم رمزية.