Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
10 juillet 2026 5 10 /07 /juillet /2026 16:43
التدبير الحر والحكامة الجيدة في ظل دستور 2011: نحو حماية قانونية فعالة للمرتفق -الجزء الأول

التدبير الحر والحكامة الجيدة في ظل دستور 2011: نحو حماية قانونية فعالة للمرتفق

Libre entreprise et bonne gouvernance dans le cadre de la Constitution de 2011 : vers une protection juridique efficace du contractant

إلهام السمغوني

- باحثة حاصلة على دكتوراه في القانون العام جامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس.

ملخص المقال

أرسى الدستور المغربي لسنة 2011 تصورًا جديدًا لتدبير الشأن العام قائمًا على ترسيخ مبادئ الشفافية والنجاعة والمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة، انتقلت من خلاله الإدارة العمومية من مجرد جهاز لتنفيذ السلطة إلى فاعل مؤسساتي ملزم باحترام المشروعية وضمان حقوق المرتفقين وتحقيق حسن سير المرافق العمومية.

حيث كرست المقتضيات الدستورية الحكامة الجيدة باعتبارها اختيارًا دستوريًا مؤطرًا لعمل الإدارة والمرافق العمومية والجماعات الترابية، من خلال ضمان المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية، والجودة، والشفافية، والمحاسبة. كما رسخت لمبدأ التدبير الحر كدعامة أساسية للامركزية الترابية، مانحة الجماعات الترابية صلاحيات تدبير شؤونها في حدود اختصاصاتها وتحت رقابة القانون، بما يحقق التوازن بين الاستقلال التدبيري ووحدة الدولة ومقتضيات المشروعية.

وقد اضطلعت القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بدور محوري في تنزيل هذا التوجه الدستوري، من خلال تحديد الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة، وتنظيم آليات اتخاذ القرار والمراقبة، وتعزيز الديمقراطية التشاركية بإشراك المواطنين والجمعيات في إعداد وتتبع برامج التنمية. ويعكس ذلك إرادة تشريعية تهدف إلى بناء إدارة ترابية أكثر قربًا وفعالية وانفتاحًا على المرتفقين. كما أحاط المشرع المرتفق بجملة من الضمانات القانونية والقضائية والمؤسساتية لمواجهة الشطط الإداري، في مقدمتها الرقابة القضائية، إلى جانب التظلم الإداري كوسيلة لتصحيح الاختلال داخل الإدارة نفسها. مع تعزيز هذه الحماية بآليات وقائية ومؤسساتية، من قبيل الحق في الحصول على المعلومات، ودور وسيط المملكة، والمشاركة المواطنة، وميثاق المرافق العمومية، فضلًا عن ضرورة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة.

وعليه، يتضح أن دستور 2011 والقوانين التنظيمية المرتبطة به أسسا لإطار قانوني متقدم يهدف إلى تحقيق التوازن بين فعالية الإدارة وحماية حقوق المرتفق. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المقتضيات تظل رهينة بمدى تفعيلها العملي وقدرتها على الانتقال من مستوى النص إلى مستوى الممارسة، بما يضمن حماية فعلية للمرتفق ويعزز الأمن القانوني والإداري في إطار دولة الحق والقانون.

كلمات مفتاحية: الحكامة الجيدة، التدبير الحر، المرتفق، الشطط الإداري، الرقابة القضائية، التظلم الإداري.

Résumé

La Constitution marocaine de 2011 a marqué un tournant majeur dans la conception de la gestion publique, en consacrant les principes de bonne gouvernance, de transparence, d’efficacité, de responsabilité et de reddition des comptes. Elle a transformé le rôle de l’administration publique, désormais tenue de respecter la légalité, de protéger les droits des usagers et d’assurer des services publics continus, équitables et de qualité.

Dans cette perspective, la Constitution a fait de la bonne gouvernance un cadre fondamental de l’action administrative et territoriale, tout en consacrant le principe de la libre gestion comme pilier de la décentralisation, En permettant les collectivités territoriales de disposer ainsi d’une autonomie de gestion dans les limites de leurs compétences, sous le contrôle de la loi, afin de concilier autonomie locale .Les lois organiques relatives aux collectivités territoriales ont concrétisé cette orientation en précisant les compétences des collectivités, les mécanismes de décision et de contrôle, ainsi que les formes de participation citoyenne. En vue de construire une administration territoriale efficace ouverte et proche des citoyens.

Par ailleurs, le législateur a renforcé la protection de l’usager contre les abus administratifs à travers plusieurs garanties juridiques, judiciaires et institutionnelles, notamment le recours administratif, le contrôle juridictionnel, le droit d’accès à l’information, l’intervention du Médiateur du Royaume, la participation citoyenne et la charte des services publics. L’ensemble de ces mécanismes vise à promouvoir une administration responsable, transparente et au service du citoyen.

Mots-clés : bonne gouvernance, libre administration, service public, excès administratif, contrôle judiciaire, recours administratif.

مقدمة

يشكل دستور 2011 بالمغرب منعطفا مهما في مسار تحديث الدولة والإدارة، إذ لم يقتصر على إعادة تنظيم المؤسسات، بل امتد أيضا إلى إرساء فلسفة جديدة في التدبير العمومي تقوم على الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس اللامركزية في إطار الجهوية المتقدمة. وفي هذا السياق، اكتسب مبدأ التدبير الحر مكانة دستورية خاصة، باعتباره أحد الأسس التي يقوم عليها التنظيم الترابي للمملكة[1]، بما يتيح للجماعات الترابية تدبير شؤونها في حدود اختصاصاتها ووفق منطق القرب والفعالية والاستجابة للحاجيات المحلية[2].

وفي هذا الإطار، اكتسب مبدأ التدبير الحر مكانة دستورية متميزة، باعتباره أحد الأسس التي يقوم عليها التنظيم الترابي للمملكة، في ارتباط وثيق بخيار الجهوية المتقدمة، بما يتيح للجماعات الترابية تدبير شؤونها في نطاق اختصاصاتها وفق منطق القرب والفعالية والاستجابة للحاجيات المحلية. وبالموازاة مع ذلك، رسخ دستور 2011 مفهوم الحكامة الجيدة باعتباره آلية لتجويد الأداء الإداري وترشيد العمل العمومي، من خلال إخضاع المرافق العمومية لمبادئ المساواة والشفافية والجودة والإنصاف والاستمرارية والمساءلة. ولم يكن الغرض من ذلك مجرد تحسين المردودية الإدارية، بل كذلك بناء حماية قانونية فعالة للمرتفق في مواجهة مختلف صور الشطط الإداري، سواء تعلقت بالتعسف في استعمال السلطة، أو بالتعقيد المسطري[3]، أو بالتفاوت في الاستفادة من الخدمات العمومية[4].

وقد تعزز هذا التوجه من خلال القوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية، وكذا النصوص التشريعية المرتبطة بتنظيم المرافق العمومية، والحق في الحصول على المعلومات، وآليات التظلم والوساطة والرقابة. وهو ما يعكس إرادة المشرع في بناء إدارة مواطنة، قائمة على منطق الخدمة العمومية لا منطق الهيمنة الإدارية، وعلى الاستجابة القانونية لانتظارات المرتفقين لا على تكريس اختلالات البيروقراطية والتعسف.

وتنبع أهمية الموضوع من كونه يلامس إحدى القضايا الجوهرية في القانون الإداري والقانون الدستوري معًا، والمتمثلة في البحث عن التوازن بين فعالية الإدارة بوصفها أداة لتحقيق المصلحة العامة، وبين ضرورة تقييدها بمبدأ المشروعية وإخضاعها لآليات المساءلة والرقابة حمايةً لحقوق الأفراد. كما أن هذا الموضوع يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى راهنيته العملية، إذ إن مدى تقدم الدولة في المجال الإداري لا يقاس فقط بحداثة نصوصها، بل بقدرتها على تحويل تلك النصوص إلى ضمانات فعلية تكرس الأمن القانوني والإداري للمرتفق. ومن ثم تثار الإشكالية الآتية: إلى أي حد أسهم دستور 2011 في تكريس التدبير الحر والحكامة الجيدة كمدخلين لبناء حماية قانونية فعالة للمرتفق؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية مفادها: إلى أي حد نجح المشرع الدستوري والتنظيمي في تأصيل الحكامة الجيدة والتدبير الحر؟

وكيف تولت القوانين التنظيمية تنزيل هذه المبادئ في مجال تدبير الجماعات الترابية والمرافق العمومية؟

وما طبيعة الضمانات القانونية والقضائية والمؤسساتية المقررة لفائدة المرتفق في مواجهة التعسف الإداري؟

ثم إلى أي حد أفلحت هذه الآليات في الانتقال من مستوى التنصيص القانوني إلى مستوى الحماية الفعلية والعملية؟

ولمقاربة هذا الموضوع بكيفية منهجية، سيتم اعتماد التصميم الآتي:

المطلب الأول: تجليات الحكامة الجيدة والتدبير الحر في دستور 2011 والقوانين التنظيمية؛

المطلب الثاني: الضمانات القانونية المقررة لحماية المرتفق من الشطط الإداري.

المطلب الأول: تجليات الحكامة الجيدة والتدبير الحر في دستور 2011 والقوانين التنظيمية

جاء دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ليشكل لحظة دستورية مفصلية في مسار بناء الدولة القانونية، ليس فقط لكونه أعاد ترتيب العلاقات بين السلط والمؤسسات، بل لكونه أرسى أيضًا تصورًا جديدًا للحكم الإداري والترابي، قوامه الارتقاء بالحكامة الجيدة إلى مستوى الاختيار الدستوري المؤطر لتدبير الشأن العام (الفقرة الأولى)، وتكريس مبدأ التدبير الحر باعتباره إحدى الدعائم الأساسية للامركزية الترابية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحكامة الجيدة كاختيار دستوري مؤطر لتدبير الشأن العام

لم يعد مفهوم الحكامة الجيدة، في الفكر الدستوري والإداري المعاصر، مجرد مفهوم توجيهي يستعمل لتقييم جودة الأداء العمومي، بل أضحى محددًا بنيويًا من محددات الشرعية الحديثة في ممارسة السلطة. وفي هذا الإطار، استوعب دستور 2011 هذا التحول، حين ارتقى بالحكامة الجيدة إلى مصاف المبادئ الدستورية الحاكمة لتدبير الشأن العام، وجعل منها مرجعًا موجّهًا لعمل المؤسسات والمرافق العمومية والجماعات الترابية. ومن ثمة، فإن الحكامة، في التصور الدستوري المغربي، لم تعد مجرد التزام أخلاقي أو سياسي، بل أضحت التزامًا قانونيًا ذا مضمون مؤسساتي واضح، يقتضي إخضاع الإدارة لمبادئ الشفافية والنجاعة والإنصاف والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتتجلى الحكامة الجيدة، في هذا السياق، من خلال ما قرره الدستور في مجموعة من المبادئ التي تؤطر تنظيم المرافق العمومية وسيرها، وفي مقدمتها المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات، فضلًا عن إخضاع هذه المرافق لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة. وهذه المقتضيات تؤشر على تحول نوعي في التصور الدستوري للإدارة، بحيث لم تعد هذه الأخيرة تُعرّف فقط بوظيفتها السلطوية، وإنما بقدرتها على الاستجابة للحاجات العامة في إطار من العدالة الإدارية، والفعالية التدبيرية، والاحترام الصارم لمبدأ المشروعية.

كما تتجسد الحكامة الجيدة في تكريس الإدارة المنفتحة على المرتفقين، من خلال التزامها بتلقي ملاحظاتهم واقتراحاتهم وتظلماتهم، والسهر على تتبعها ومعالجتها. ومثل هذا التوجه يكرس، في العمق، انتقالًا من نموذج الإدارة المغلقة إلى نموذج الإدارة التفاعلية، التي تعتبر المرتفق شريكًا في تقييم الأداء العمومي وفي تقويم الاختلالات التي قد تعتريه. ولا شك أن هذا التحول يعبر عن إعادة صياغة العلاقة بين الإدارة والمرتفق على أسس جديدة، يكون فيها هذا الأخير في مركز الاهتمام الإداري، لا في هامشه.

ويتعزز هذا البناء الدستوري من خلال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يشكل أحد الأعمدة الكبرى للحكامة الجيدة. ذلك أن الإدارة لم تعد بمنأى عن الرقابة أو النقد أو المساءلة، بل أصبحت مدعوة إلى تبرير أعمالها وإثبات مشروعيتها ونجاعتها. ومن ثم، فإن الحكامة الجيدة لا تُختزل في حسن النية الإدارية، وإنما تقوم على بنية قانونية ومؤسساتية تجعل من الشفافية والمحاسبة والرقابة مقومات جوهرية لمشروعية العمل العمومي.

وعليه، فإن دستور 2011 قد أرسى تصورًا متقدمًا للحكامة الجيدة، قوامه تأطير تدبير الشأن العام بمبادئ دستورية ملزمة، تروم بناء إدارة فعالة، شفافة، منصفة، ومسؤولة، قادرة على تحقيق المصلحة العامة دون الإخلال بحقوق المرتفقين أو المساس بضماناتهم.

الفقرة الثانية: التأصيل الدستوري والتنظيمي لمبدأ التدبير الحر

إذا كانت الحكامة الجيدة تمثل الإطار المرجعي العام لتدبير الشأن العام، فإن مبدأ التدبير الحر يشكل أحد أبرز تطبيقاتها في مجال التنظيم الإداري الترابي[5]. فقد أقر دستور 2011 هذا المبدأ باعتباره ركيزة أساسية في بناء اللامركزية الترابية، ومنح الجماعات الترابية مكانة دستورية متقدمة تخولها تدبير شؤونها بكيفية حرة، في حدود اختصاصاتها ووفق الشروط التي يحددها القانون. ويعكس هذا الاختيار إرادة دستورية واضحة تروم تجاوز محدودية التصور التقليدي للامركزية، والانتقال نحو نموذج أكثر جرأة في تمكين الفاعل الترابي من آليات المبادرة والتقرير والتنمية.

ويعتبر مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية أحد مظاهر السلطة التنظيمية المحلية، التي تتمثل في سلطة الجماعات الترابية في وضع قواعد تنظيمية في المجالات التي يخولها القانون لها. حيث يمنح مبدأ التدبير الحر الجماعات الترابية سلطة التنظيم لسيرها الداخلي من خلال ممارسة اختصاصاتها ([6]). في إطار الإقرار الدستوري للجماعة الترابية بسلطة تقريرية وتنظيمية التي تهدف إلى تعزيز مبدأ اللامركزية الإدارية، وكذا تمكين الجماعات الترابية من ممارسة اختصاصاتها بكيفية مرنة وفعالة، بما يلبي حاجيات وانتظارات السكان المحليين[7].

ومن وجهة نظر قانونية، يعتبر مبدأ التدبير الحر بمثابة الترجمة الفعلية لمفهوم التدبير الديمقراطي، أما من الناحية التاريخية فقد دأبت الدساتير السابقة على التأكيد على مبدأ التدبير الديمقراطي للوحدات اللامركزية بواسطة مجالس منتخبة ([8])، عبر تضمين مقتضى دائم بصيغة متواترة (تنتخب الجماعات المحلية مجالس مكلفة بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا طبق الشروط التي يحددها القانون) ([9]). 

كما يستمد التدبير الحر أهميته بالنسبة للجماعات المحلية كحرية دستورية عمومية محلية تمارس في ظلها الجماعات المحلية اختصاصاتها المختلفة، وتفتح الباب أمامها للاختيار الحر بين مختلف البدائل المتاحة لا سيما أثناء اتخاذ القرار المحلي. فمكانة المبدأ تتجلى كذلك من خلال تكريس المرجعية الدستورية للامركزية وتعميق الممارسة الديمقراطية بها، والذي يمنحها ضمانة الوجود حيث يرتبط إحداثها وإلغاؤها بإرادة المشرع البرلماني، وضمانة الاستقلال الذاتي والمؤسساتي من الناحية الإدارية والمالية وهوما يقوي شخصيتها القانونية، ويؤهلها أكثر إلى تحمل الالتزام بالتعهدات والوفاء بها، سواء تجاه مواطنيها أو إزاء الغير، ويضمن لها الحقوق بعيدا عن رقابة سلطة الوصاية المتشددة[10].

ولا يمكن فهم التدبير الحر على أنه استقلال مطلق أو انفصال وظيفي عن الدولة، بل هو استقلال نسبي مؤطر بمبدأ المشروعية، ومحدود بضوابط وحدة الدولة وتكامل وظائفها. فالجماعات الترابية، وإن كانت تتمتع بسلطات تدبيرية ذاتية، فإنها تمارسها في إطار من الرقابة القانونية والمالية والقضائية، بما يضمن عدم تحول هذا المبدأ إلى ذريعة للانفلات من القانون أو للإخلال بمقتضيات الصالح العام. ومن هنا، فإن جوهر التدبير الحر يكمن في إيجاد توازن دقيق بين تمكين الجماعات الترابية من حرية القرار والتدبير، وبين إخضاعها لآليات الرقابة والمحاسبة.

وقد كان للقوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية دور حاسم في تنزيل هذا المبدأ وترجمته إلى مقتضيات عملية[11]. حيث نصت المقتضيات التنظيمية على تحديد اختصاصات الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، وميزت بين الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة، كما بينت أساليب ممارستها، وشروط اتخاذ القرار داخل المجالس المنتخبة، وآليات المراقبة المفروضة عليها، وأقرت آليات للتخطيط والبرمجة والتعاقد، بما يعزز استقلالية الجماعات الترابية في تدبير شؤونها التنموية. وبذلك، فإن القوانين التنظيمية لم تكن مجرد نصوص تنفيذية للدستور، بل مثلت آلية لتدقيق مضمون التدبير الحر، وتأطير مجالاته، وتحديد حدوده، حتى لا يبقى مفهومًا مرنًا قابلاً للتأويل الواسع.

ويزداد هذا المعطى وضوحًا إذا استحضرنا أن المشرع التنظيمي لم يربط التدبير الحر فقط بالاستقلال التدبيري، بل وصله أيضًا بالديمقراطية التشاركية، من خلال إقرار آليات الحوار والتشاور، وتمكين المواطنين والجمعيات من الإسهام في إعداد برامج التنمية وتتبعها، وتقديم العرائض والمقترحات. وهو ما يفيد أن التدبير الحر لا يقصد به فقط تحرير القرار المحلي من المركزية الإدارية، بل يرمي كذلك إلى إعادة تأسيسه على قاعدة المشاركة والقرب والانفتاح على الساكنة.

وعليه، فإن مبدأ التدبير الحر، كما كرّسه دستور 2011 وأطرته القوانين التنظيمية، يعبر عن توجه دستوري يسعى إلى تجاوز النموذج التقليدي القائم على الوصاية الإدارية الصارمة، وتعويضه برقابة قائمة أساسًا على مشروعية القرارات لا على الملاءمة السياسية أو الإدارية. ويروم إعادة بناء التنظيم الترابي للمملكة على أسس اللامركزية المتقدمة، والحكامة الترابية، والمشاركة المواطنة، مع المحافظة على مقتضيات المشروعية والرقابة ووحدة الدولة. وهو بذلك ليس مجرد مبدأ تنظيمي، بل رافعة دستورية لتحديث الإدارة الترابية وتعزيز نجاعتها وقربها من المواطنين.

غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يعني أن التدبير الحر قد تحقق بصورة كاملة. فالتجربة العملية أبرزت استمرار عدة صعوبات، منها محدودية الموارد المالية والبشرية، وتداخل الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية، وضعف القدرات التدبيرية والتقنية لبعض الوحدات الترابية، فضلًا عن استمرار حضور قوي للسلطة المركزية في بعض المجالات الاستراتيجية. لذلك، فإن التدبير الحر في المغرب يبدو مبدأ دستوريًا مؤسسًا بوضوح، لكنه ما يزال في حاجة إلى مزيد من الشروط المؤسساتية والعملية حتى يتحول إلى ممارسة كاملة وفعالة.

تابع الجزء الثاني

 

[1] - دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا سيما الفصول 1 و118 و136 و154 إلى 157 و162

[2] - القوانين التنظيمية للجماعات الترابية: القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، والقانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، والقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.

[3] - المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتنظيم المرافق العمومية.

[4] - القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية.

[5] - إلى جانب الحكامة الجيدة، كرس دستور 2011 التدبير الحر باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للتنظيم الترابي للمملكة. فقد نص على أن التنظيم الجهوي والترابي يقوم على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن، في إطار وحدة الدولة. ويعني ذلك أن الجماعات الترابية لم تعد مجرد امتداد إداري للسلطة المركزية، بل أصبحت أشخاصًا معنوية عامة تتمتع بسلطة تدبير شؤونها بكيفية مستقلة نسبيًا، وفق ما يحدده القانون.

 

[6]-  ذلك أن الدستور المغربي لسنة 2011 نص على مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية في الفصل 142، الذي ينص على أن "الجماعات الترابية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتسير شؤونها بكيفية ديمقراطية"

[7] - إلهام السمغوني:" مبدأ التدبير الحر كمظهر من مظاهر السلطة التنظيمية المحلية" مقال منشور في مجلة القانون والاعمال الدولية الصادرة عن جامعة الحسن الأول سطات.المغرب . أبريل/ ماي 2024,ص 659.

[8]- أحمد بوسيدي:" الأسس الدستورية للجماعات الترابية في الدستور المغربي 2011: مستجدات وآفاق"، الطبعة الأولى، منشورات كلية الحقوق بوجدة،2012، ص. 202.

[9] - عبد الرفيع زعنون:" مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية بالمغرب بين التأصيل الدستوري والحماية القضائية"، مجلة القانون الدستوري والعلوم الإدارية، العدد الثاني، فبراير 2019. المركز الديمقراطي العربي، ألمانيا.ص. 30.

[10] -إلهام السمغوني:" الشرطة الإدارية المحلية: بين النص القانوني والممارسة"، اطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس، السنة الجامعية2021/2022.ص320.

 

[11] - وخاصة القانون التنظيمي المتعلق بالجهات111.14، والقانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والأقاليم112.14، والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات113.14

التدبير الحر والحكامة الجيدة في ظل دستور 2011: نحو حماية قانونية فعالة للمرتفق -الجزء الأول
Partager cet article
Repost0
10 juillet 2026 5 10 /07 /juillet /2026 16:40
التدبير الحر والحكامة الجيدة في ظل دستور 2011: نحو حماية قانونية فعالة للمرتفق- الجزء الثاني-

التدبير الحر والحكامة الجيدة في ظل دستور 2011: نحو حماية قانونية فعالة للمرتفق

الجزء الثاني

Libre entreprise et bonne gouvernance dans le cadre de la Constitution de 2011 : vers une protection juridique efficace du contractant

إلهام السمغوني

- باحثة حاصلة على دكتوراه في القانون العام جامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس.

ملخص المقال

أرسى الدستور المغربي لسنة 2011 تصورًا جديدًا لتدبير الشأن العام قائمًا على ترسيخ مبادئ الشفافية والنجاعة والمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة، انتقلت من خلاله الإدارة العمومية من مجرد جهاز لتنفيذ السلطة إلى فاعل مؤسساتي ملزم باحترام المشروعية وضمان حقوق المرتفقين وتحقيق حسن سير المرافق العمومية.

حيث كرست المقتضيات الدستورية الحكامة الجيدة باعتبارها اختيارًا دستوريًا مؤطرًا لعمل الإدارة والمرافق العمومية والجماعات الترابية، من خلال ضمان المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية، والجودة، والشفافية، والمحاسبة. كما رسخت لمبدأ التدبير الحر كدعامة أساسية للامركزية الترابية، مانحة الجماعات الترابية صلاحيات تدبير شؤونها في حدود اختصاصاتها وتحت رقابة القانون، بما يحقق التوازن بين الاستقلال التدبيري ووحدة الدولة ومقتضيات المشروعية.

وقد اضطلعت القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بدور محوري في تنزيل هذا التوجه الدستوري، من خلال تحديد الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة، وتنظيم آليات اتخاذ القرار والمراقبة، وتعزيز الديمقراطية التشاركية بإشراك المواطنين والجمعيات في إعداد وتتبع برامج التنمية. ويعكس ذلك إرادة تشريعية تهدف إلى بناء إدارة ترابية أكثر قربًا وفعالية وانفتاحًا على المرتفقين. كما أحاط المشرع المرتفق بجملة من الضمانات القانونية والقضائية والمؤسساتية لمواجهة الشطط الإداري، في مقدمتها الرقابة القضائية، إلى جانب التظلم الإداري كوسيلة لتصحيح الاختلال داخل الإدارة نفسها. مع تعزيز هذه الحماية بآليات وقائية ومؤسساتية، من قبيل الحق في الحصول على المعلومات، ودور وسيط المملكة، والمشاركة المواطنة، وميثاق المرافق العمومية، فضلًا عن ضرورة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة.

وعليه، يتضح أن دستور 2011 والقوانين التنظيمية المرتبطة به أسسا لإطار قانوني متقدم يهدف إلى تحقيق التوازن بين فعالية الإدارة وحماية حقوق المرتفق. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المقتضيات تظل رهينة بمدى تفعيلها العملي وقدرتها على الانتقال من مستوى النص إلى مستوى الممارسة، بما يضمن حماية فعلية للمرتفق ويعزز الأمن القانوني والإداري في إطار دولة الحق والقانون.

كلمات مفتاحية: الحكامة الجيدة، التدبير الحر، المرتفق، الشطط الإداري، الرقابة القضائية، التظلم الإداري.

Résumé

La Constitution marocaine de 2011 a marqué un tournant majeur dans la conception de la gestion publique, en consacrant les principes de bonne gouvernance, de transparence, d’efficacité, de responsabilité et de reddition des comptes. Elle a transformé le rôle de l’administration publique, désormais tenue de respecter la légalité, de protéger les droits des usagers et d’assurer des services publics continus, équitables et de qualité.

Dans cette perspective, la Constitution a fait de la bonne gouvernance un cadre fondamental de l’action administrative et territoriale, tout en consacrant le principe de la libre gestion comme pilier de la décentralisation, En permettant les collectivités territoriales de disposer ainsi d’une autonomie de gestion dans les limites de leurs compétences, sous le contrôle de la loi, afin de concilier autonomie locale .Les lois organiques relatives aux collectivités territoriales ont concrétisé cette orientation en précisant les compétences des collectivités, les mécanismes de décision et de contrôle, ainsi que les formes de participation citoyenne. En vue de construire une administration territoriale efficace ouverte et proche des citoyens.

Par ailleurs, le législateur a renforcé la protection de l’usager contre les abus administratifs à travers plusieurs garanties juridiques, judiciaires et institutionnelles, notamment le recours administratif, le contrôle juridictionnel, le droit d’accès à l’information, l’intervention du Médiateur du Royaume, la participation citoyenne et la charte des services publics. L’ensemble de ces mécanismes vise à promouvoir une administration responsable, transparente et au service du citoyen.

Mots-clés : bonne gouvernance, libre administration, service public, excès administratif, contrôle judiciaire, recours administratif.

تتمة

المطلب الثاني: ضمانات حماية المرتفق من الشطط الإداري وحدود الفعالية العملية للمنظومة

أضحت الإدارة العمومية، في ظل التحولات الدستورية والمؤسساتية المعاصرة، تحتل موقعًا محوريًا في بنية الدولة الحديثة، باعتبارها الأداة الرئيسة في تنفيذ السياسات العمومية، وتصريف المرافق العامة، والسهر على إشباع الحاجات الجماعية والفردية للمواطنين. غير أن مركزية الوظيفة الإدارية لا تستمد مشروعيتها من مجرد ما تتوفر عليه الإدارة من امتيازات السلطة العامة، وإنما تتأسس، في جوهرها، على مدى خضوعها لمقتضيات المشروعية، واحترامها لقيم الشفافية والإنصاف والمساءلة، والتزامها بحماية حقوق المرتفقين وضمان حسن سير المرافق العمومية بانتظام واطراد. ومن ثمة، فإن الحديث عن الإدارة في إطار دولة الحق والقانون لا يستقيم إلا بربطها بحتمية الرقابة، وضرورة التقييد القانوني(الفقرة الأولى)، ووجوب مساءلتها كلما انحرفت في استعمال سلطتها أو أخلت بالوظيفة المنوطة بها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الضمانات القانونية والقضائية لحماية المرتفق

إذا كان الدستور قد رسخ الحكامة الجيدة والتدبير الحر، فإنه بالموازاة مع ذلك حرص على تأمين حماية المرتفق من أي انحراف أو تعسف قد يصدر عن الإدارة. وتتجلى هذه الحماية أولًا في الضمانات القانونية، حيث كرس الدستور الحق في الحصول على المعلومات[1]، وهو حق أساسي يسمح للمرتفق بفهم القرارات الإدارية، والاطلاع على شروط وإجراءات الخدمات العمومية، ومراقبة مدى احترام الإدارة للقانون. كما عززت النصوص اللاحقة هذا التوجه عبر تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية[2]، والحد من التعقيد البيروقراطي، وإقرار إلزامية تعليل بعض القرارات أو على الأقل إخضاعها لمنطق الشفافية والقابلية للفهم.

كما وضع الدستور قواعد مباشرة للمرفق العمومي، جعلت تنظيم المرافق العمومية قائما على المساواة في الولوج، والإنصاف في التغطية الترابية، والاستمرارية، والخضوع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية. [3]كما ينص الفصل 155 على أن أعوان المرافق العمومية يمارسون وظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة، ويقرر الفصل 156 تلقي المرافق العمومية ملاحظات المرتفقين واقتراحاتهم وتظلماتهم. وهذه المقتضيات تمنح المرتفق مركزا دستوريا لا يمكن تجاهله عند فحص مشروعية القرار الإداري أو تقييم أداء الجماعات الترابية[4].

ومنه، شكل ميثاق المرافق العمومية خطوة مهمة في اتجاه تحسين علاقة الإدارة بالمرتفق[5]، من خلال إرساء مبادئ الاستقبال الجيد[6]، وتحديد آجال معالجة الطلبات، وتبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، وتلقي التظلمات وتتبعها. وهذه المقتضيات تضفي على حماية المرتفق طابعًا وقائيًا، لأنها تسعى إلى الحد من فرص الشطط قبل وقوعه.

أما على المستوى القضائي، فقد عزز دستور 2011 بشكل واضح رقابة القضاء على أعمال الإدارة، حين نص على أن كل قرار إداري، تنظيميًا كان أو فرديًا، يمكن الطعن فيه أمام القضاء الإداري المختص[7]. ويعد هذا المقتضى من أبرز ضمانات الحماية، لأنه يكرس خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية، ويمنح المرتفق وسيلة فعالة لمواجهة تجاوز السلطة. ويجد هذا التوجه سنده في منظومة القضاء الإداري، خاصة من خلال دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، ودعوى التعويض عن الأضرار الناتجة عن النشاط الإداري غير المشروع.

كما أن استقلال السلطة القضائية والحق في محاكمة عادلة داخل أجل معقول، يشكلان بدورهما عنصرين حاسمين في حماية المرتفق. ذلك أن وجود حق نظري في الطعن لا يكفي، ما لم يكن مقترنًا بقضاء مستقل وقادر على البت في النزاعات بسرعة وفعالية.

الفقرة الثانية: الضمانات المؤسساتية وحدود الفعالية العملية

إلى جانب الحماية القانونية والقضائية، اعتمد دستور 2011 على الضمانات المؤسساتية، وذلك من خلال إقرار أو تعزيز عدد من مؤسسات الحكامة والرقابة والوساطة. وتأتي مؤسسة الوسيط في مقدمة هذه الآليات، باعتبارها قناة غير قضائية تمكّن المرتفق من التظلم ضد تصرفات الإدارة التي تتسم بالشطط أو مخالفة القانون أو الإخلال بمبادئ العدل والإنصاف. وتمتاز هذه المؤسسة بكونها أقل تعقيدًا وأقل كلفة من المسطرة القضائية، كما أنها تسمح بحل عدد من النزاعات بأسلوب توافقي أو تصحيحي.

كما يساهم المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات في حماية المرتفق بشكل غير مباشر، من خلال مراقبة حسن استعمال المال العام وتقييم أداء الأجهزة العمومية، بما يعزز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات المعنية بالنزاهة والوقاية من الفساد، لأن محاربة الرشوة والزبونية والمحسوبية تعد جزءًا أساسيًا من حماية المرتفق وتحقيق المساواة أمام المرفق العام.

ومع ذلك، فإن تقييم هذه المنظومة يقتضي التمييز بين مستوى التأسيس النصي ومستوى الفعالية العملية. فمن الناحية النصية، يبدو أن المغرب راكم ترسانة مهمة ومتناسقة نسبيًا، تسمح بالقول إن هناك تصورًا قانونيًا متقدمًا للإدارة الترابية والعلاقة بين الإدارة والمرتفق. أما من حيث التطبيق، فإن الفعالية ما تزال نسبية ومحدودة أحيانًا بسبب عدة معيقات، من أبرزها:
بطء معالجة بعض المنازعات الإدارية، وصعوبات تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة، وضعف الثقافة الإدارية الحقوقية لدى بعض المرافق، والتفاوت المجالي في جودة الخدمات العمومية، فضلًا عن عدم تكافؤ قدرات الجماعات الترابية في ممارسة اختصاصاتها.

وهذا يعني أن الشطط الإداري لم يعد اليوم يجد تبريره في غياب النصوص، وإنما في فجوة التنزيل بين ما هو مقرر قانونًا وما هو متحقق فعليًا في الواقع الإداري. فالمشكلة لم تعد مشكلة فراغ دستوري أو تشريعي بقدر ما أصبحت مشكلة نجاعة، والتقائية، وتفعيل، ومساءلة.

ومنه، يتضح أن دستور 2011 لم يضع الحكامة الجيدة والتدبير الحر في مسارين منفصلين، بل صاغ بينهما علاقة تكامل وتقييد متبادل. فالتدبير الحر يمنح الجماعات الترابية مجالا حقيقيا للمبادرة والبرمجة والتنفيذ، لكنه لا يرقى إلى استقلال مطلق؛ إذ يظل محكوما بالشرعية، ومبادئ المرفق العام، والشفافية، والمشاركة، والمساءلة، والرقابة القضائية. وفي المقابل، فإن حماية المرتفق من الشطط الإداري لم تعد رهينة فقط بالقاضي الإداري بعد وقوع الضرر، بل أصبحت محاطة بمنظومة متعددة المستويات: التعليل، والولوج إلى المعلومات، والتظلم، والوساطة، والشكايات الرقمية، والديمقراطية التشاركية، والرقابة المالية والمؤسساتية. غير أن الفجوة بين النص والممارسة ما تزال قائمة، خاصة عندما تضعف الثقافة القانونية داخل بعض الجماعات، أو تختلط السلطة التقديرية باعتبارات سياسية أو شخصية، أو تتعطل آليات النشر والتشاور والتقييم.[8]

توصيات عملية

  1. تعزيز إلزامية التعليل في القرارات الفردية والتنظيمية ذات الأثر المباشر على المرتفقين، مع ترتيب آثار واضحة على الإخلال به. [9]
  2. توسيع النشر الاستباقي للمعلومات داخل الجماعات الترابية، خاصة ما يتصل بالمساطر، والرخص، والصفقات، وبرامج التنمية، ومآل العرائض والشكايات.[10]
  3. تأهيل الموارد البشرية المحلية في مجالات الحكامة، وصياغة القرار الإداري، وتدبير المنازعات، والحق في المعلومة، واستقبال المرتفقين.
  4. تفعيل آليات المشاركة المواطنة وعدم اختزالها في شكليات، عبر ربط برامج التنمية وحكامة القرار المحلي بمشاورات موثقة وقابلة للتتبع.[11]
  5. تسريع البت القضائي الاستعجالي في القرارات التي تمس الخدمات الأساسية أو المراكز القانونية الحساسة للمرتفقين.[12]
  6. تدعيم أدوار الوسيط والبوابات الرقمية للشكايات وربطها بمؤشرات لقياس رضى المرتفق وجودة المعالجة.[13]
  7. ترسيخ رقابة مشروعية فعلية لا وصاية مقنّعة، حتى لا تتحول المراقبة الإدارية إلى عائق أمام التدبير الحر أو إلى ذريعة للتدخل غير المبرر.

خاتمة

صفوة القول، أن دستور 2011 في المغرب، مدعومًا بالقوانين التنظيمية للجماعات الترابية وبالنصوص التشريعية المكملة، قد نجح إلى حد كبير في إرساء الأساس الدستوري والقانوني لمنظومة تقوم على الحكامة الجيدة والتدبير الحر وحماية المرتفق من الشطط الإداري. فقد تم دسترة مبادئ الشفافية والجودة والمحاسبة، وترسيخ اللامركزية الترابية في إطار التدبير الحر، وتوسيع رقابة القضاء الإداري، وتعزيز مؤسسات الوساطة والحكامة.

غير أن هذا النجاح يظل نجاحًا تأسيسيًا أكثر منه نجاحًا مكتملًا من حيث الفعالية العملية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن اليوم في صياغة المبادئ، وإنما في جعلها تنعكس بصورة ملموسة في سلوك الإدارة، وفي جودة الخدمات، وفي تنفيذ الأحكام، وفي تمكين الجماعات الترابية من الإمكانات الضرورية لممارسة اختصاصاتها بحرية ومسؤولية.

وبالتالي، يمكن القول إن دستور 2011 وضع اللبنات الأساسية لمنظومة متقدمة، لكن اكتمالها يظل رهينًا بتعميق الإصلاح الإداري، وتعزيز استقلالية الجماعات الترابية، وتجويد العدالة الإدارية، وتقوية آليات التظلم والرقابة، حتى تتحول الحكامة الجيدة والتدبير الحر من مجرد مبادئ دستورية إلى واقع مؤسساتي يومي يلمسه المرتفق في علاقته بالإدارة.

 

 

 

 

[1] - القانون رقم 31.13 المتعلق بحق الحصول على المعلومات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.15 بالجريدة الرسمية عدد 6655 بتاريخ 22 فبراير 2018

[2] - قانون تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية رقم 55.19، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.06 بالجريدة الرسمية عدد 6866 بتاريخ 06 مارس 2020

[3] - الفصل 154 من الدستور المغربي لسنة 2011 الذي ينص على: "يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات.

  تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور."

[4] - دستور المملكة المغربية، الفصلان 155- 156.

[5] - القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.58 بالجريدة الرسمية عدد 7006 بتاريخ 22 يوليوز 2021

[6] - حسب ما جاء به الفصل 157 من دستور المملكة المغربية لعام 2011.

[7] - فقد نص الفصل 118 من دستور المملكة المغربية على أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون، وأن كل قرار إداري، تنظيميًا كان أو فرديًا، يمكن الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة.

[8] - حسب ما ورد في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. (2020). الحكامة الترابية: رافعة للتنمية المنصفة والمستدامة.
https://www.cese.ma، تاريخ الاطلاع: 01/04/2026.

[9] - حسن مشدود: القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية: المضمون والآثار. عن برنامج اليقظة القانونية للأمانة العامة للحكومة. المنشور بتاريخ 24/12/2021في https://www.sgg.gov.ma، تاريخ الاطلاع 31/03/2026.

[10] - وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة. (د.ت.). الحق في الحصول على المعلومات.
https://www.mmsp.gov.ma/ar/وظائفنا/الحق-في-الحصول-على-المعلومات

[11] - القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 بتاريخ 7 يوليو 2015.

[12] - يونس أبلاغ / هشام البرجاوي: إيقاف تنفيذ مقررات مجالس الجهات وباقي الجماعات الترابية الأخرى”: ساحة للتدافع القانوني بين المشرع التنظيمي والمشرع العادي والقاضي الإداري”، مقال صادر في مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، منشور في https://revuealmanara.com/، تاريخ الاطلاع 01/04/2026.

[13] - مؤسسة الوسيط. (2011). الظهير الشريف رقم 1.11.25 القاضي بإحداث مؤسسة الوسيط. https://www.sgg.gov.ma


 

 

التدبير الحر والحكامة الجيدة في ظل دستور 2011: نحو حماية قانونية فعالة للمرتفق- الجزء الثاني-
Partager cet article
Repost0
4 juillet 2026 6 04 /07 /juillet /2026 12:25
التشغيل والجندر: مدونة الشغل والأجيرة المغربية من خلال عقد الشغل

التشغيل والجندر:

مدونة الشغل والأجيرة المغربية من خلال عقد الشغل

د. ادريس عبد النور

 

دراسة محكمة

 

أستاذ باحث  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

 

ملخص:

الكلمات المفاتيح: مدونة الشغل، المرأة الأجيرة، بطاقة الشغل، مقاربة النوع الاجتماعي.

هذه مساهمة بحثية  قاربت فيها صورة المرأة العاملة المغربية ضمن مستجدات مدونة الشغل الجديدة عبر دراسة نقدية استجليت فيها قدر الامكان تعالي النظرة الذكورية للمرأة من خلال التشريع للمجتمع وقد لامست بعض المقاومات لحقوق الانسان من طرف ما يعتبر لدينا كثقافة محلية خاصة بالمواد التالية المشرعنة للخرق القانوني ،173،175،176.

فالمدونة السابقة التي لم تعط لبطاقة الشغل أهميتها الاجبارية والتي نظرا لاحساس العاملة بالانتماء للمقاولة عبر هذه البطاقة من الناحية البسيكولوجية ، وجب التفعيل الحقيقي للمادة 15 التي تخول للاجيرة الاحتفاظ بأحد نظيري عقد الشغل.

كما قاربت فيها وضعية الأجيرة وإشكالية العقد وما يترتب عندلك من حقوق واشكالات وما يمكن أن يحققه الانتماء النقابي النوعي من تثبيت مكانة المرأة داخل القطاع العمالي لجدير بان ننوه به داخل مدونة الشغل على الرغم من عدم استجابة المغرب  لتوقيع الاتفاقية الدولية رقم 87 حول الحرية النقابية وحماية الحق النقابي، وعلى الاتفاقية 135 حول حماية ممثلي العمال .

ورغم الإصلاحات التي تضمنتها المدونة في صيغتها الحالية بخصوص المرأة العاملة من أجل صيانة مكتسباتها وضمان حقوقها, فإن هذه الإصلاحات  تعتبر غير كافية من حيث أنها تتضمن مرونة فعلية تساعد على خرق مقتضياتها الحساسة اتجاه الأجيرات، كما أنها  قد أغفلت فئة خادمات البيوت آلائي يتعرضن لاستغلال بشع من طرف مشغليهن  .

ما هي أسباب إنكار وضعية هذه الفئة من الشغالات اللواتي أغفلتهن مدونة الشغل  رغم ذيوع الوضعية المزرية التي يتعرضن لها ؟.

Sommaire:

Mots-clés: code du travail, femme salariée, carte de travail,genre.

Il s'agit d'une contribution à la recherche dans laquelle j'ai abordé l'image de la femme travailleuse marocaine au sein des évolutions du nouveau code du travail à travers une étude critique dans laquelle il a été révélé autant que possible la transcendance de la vision patriarcale de la femme à travers la législation de la société. , 175,176.

Le code précédent, qui ne donnait pas à la carte de travail son importance obligatoire, et qu'en raison du sentiment d'appartenance du travailleur à l'entreprise à travers cette carte d'un point de vue psychologique, l'activation réelle de l'article 15, qui autorise la salariée à conserver un des exemplaires du contrat de travail.

Il a également abordé la situation de la salariée, la problématique du contrat, les droits et les problèmes qui en découlent pour vous, et ce que peut apporter une affiliation syndicale qualitative dans la stabilisation de la position des femmes au sein du syndicat, et la Convention 135 sur la protection des représentants des travailleurs.

Malgré les réformes inscrites dans le Code dans sa forme actuelle concernant les femmes qui travaillent afin de préserver leurs revenus et de garantir leurs droits, ces réformes sont jugées insuffisantes en ce qu'elles incluent une réelle flexibilité qui aide à enfreindre ses exigences sensibles envers les salariées, et elles ont également négligé la catégorie des bonnes qui sont soumises à une horrible exploitation de la part de leurs opérateurs.

Quelles sont les raisons de nier la situation de cette catégorie de travailleuses délaissées par le Code du travail malgré les malheurs généralisés auxquels elles sont exposées ?.

المقدمة

         تشكل مدونة الشغل قفزة نوعية بتاريخ التشريع المغربي  جاءت في وقت كثر فيه الحديث عن عولمة الرساميل وانتقالها عبر القارات  وانخراط المغرب في  هذا  المسار الاقتصادي  الواعد قد عجل بالنظرة الموضوعية  لكل قضايا الشغل المطروحة منذ مدة على الساحة النقابية إن لم يكن ميكانيزم تجنيد العار قد  ساهم في تحريكها ، وقد جاء في تصدير المدونة تلك الرغبة في الانتقال بالمغرب إلى حلبة التنافسية العالمية  والانخراط الجدي في تطوير الاقتصاد الوطني تقول" تأتي مدونة الشغل في وقت يسعى فيه المغرب  إلى   فتح  أوراش  التأهيل  الاقتصادي والاجتماعي ، للاستجابة لرهانات التنمية ورفع تحديات العولمة والتنافسية ، ولفتح المجال أمام الاستثمار الوطني والأجنبي في القطاع الخاص ، لأهمية الدور المنوط به لبناء اقتصاد عصري."(1)

وقد انخرطت المرأة المغربية في ميدان الشغل بعد التطورات التي طرأت على بنية المغرب الاقتصادية والاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية حيث عملت فرنسا على إعادة بناء اقتصادها المنهار انطلاقا من تأسيسها لمؤسسات ضخمة بالمغرب ، وقد خص ظهير 13/07/1926  المرأة العاملة بمقتضيات تنظيمية لتشغيل النساء  حيث نص هذا الظهير على: (منع قيام النساء بأي عمل يتجاوز 10 ساعات في النهار ومنع العمل الليلي ما بين 9 ليلا والخامسة صباحا ،كما نص هذا الظهير على حق العاملة في إجازة الوضع لثمانية أسابيع بدون اعتبار ذلك بمثابة فسخ للعقد ،كما مكنها من التمتع لمدة 6 أشهر التي تلي الوضع بالتوقف عن العمل لمدة نصف ساعة صباحا وأخرى بالمساء قصد الإرضاع ، كما منع هذا الظهير تشغيل الأجيرات في الاشغال الباطنة تحت الأرض في المناجم والمقالع ، كما نص هذا الظهير على إلزامية سهر رؤساء المحلات الصناعية والتجارية على المحافظة على حسن الآداب والأخلاق ومراعاة أمور الحشمة واللياقة العامة).

نلاحظ أن المبدأ التشريعي لهذا الظهير قد استمر في التواجد بجل التشريعات التي طُبقت بالمغرب  مع بعض التعديلات التي سنستعرضها خلال هذا العرض.

- إذن ما هي الوضعية القانونية للأجيرة بالمدونة الحالية ؟

-  ما هي مستجدات المدونة فيما يتعلق بالعاملة الأجيرة من خلال عقد الشغل ، إبرامه وسيرورته وإنهاؤه؟

-  هل نستطيع الحكم على المدونة في غياب القوانين التنظيمية ،و أن نصف تعاطيها لمشاكل العاملة الأجيرة بالايجابية أو بالسلبية؟

- هل نجد في مراحل عقد الشغل الإمكانية التي نقرا من خلالها الوضعية الدونية للمرأة؟

لقد طرحنا السؤال النقدي التحليلي على مدونة الشغل(99.65) لتعميق التساؤل حول الوضعية القانونية للعاملة الأجيرة  بالاعتماد على أهم مراجع الفقه القانوني وخاصة المرجع الثلاثي التأليف الذي تطرق بالتحليل والنقد لمشروع 1998(2)

وقد انقسم هذا العرض إلى ثلاث محاور رئيسية تطرقت من خلالها لمستجدات المدونة التي لامست فيها البداية الفعلية لانخراط العاملة الأجيرة بالمقاولة بدءا بإبرامها للعقد مرورا بمعرفة آثار صيرورة عقدها وتنفيذه بالموازاة مع ظروف الشغل في إطار التبعية القانونية للمشغل ، حتى مرحلة إنهاء هذا العقد.

كما ذيّلنا هذا العرض ببعض المقاربات النقدية كنتائج نأمل أن يؤدي خروج النصوص التنظيمية  إلى تطبيق مواد المدونة في جو تجد فيه العاملة الأجيرة نفسها متساوية مع الأجير داخل نفس المقاولة.

- فإلى أي حد استطاع عقد الشغل تحقيق التوازن في وضعية المرأة الأجيرة  وتبرير تبعيتها لمشغلها وحق هذا الأخير في إصدار التعليمات على اعتبار أن خضوع الأجيرة وتبعيتها لمشغلها انطلاقا من توقيعها لعقد الشغل هي المبرر الواقعي لتطبيق أحكام المدونة الحالية.

لهذا جاءت إشكالية البحث تستهدف إبراز مستجدات المدونة من خلال الروابط القانونية التي تحكم الروابط العقدية الخاصة بالعاملة الأجيرة من حيث مختلف العطل التي تتمتع بها والتغيبات المؤدى وغير المُؤدى عنها وحفظ الصحة والسلامة والأخلاق الحميدة داخل المقاولة ونظام الأجور ومسألة التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية .

المطلب الأول:المرأة الأجيرة من خلال إبرامها عقد الشغل.

الفقرة الأولى :إنشاء العقد وفق مبدأ عدم التمييز.

تشير المدونة لأول مرة في تاريخ تشريع الشغل المغربي صراحة عن فك ذلك التمييز الذي كانت تعاني منه النساء العاملات فيما قبل ، وجاء القسم الثالث من المادة 9 بصيغة منع التمييز فيما يخص إبرام عقد الشغل " يمنع كل تمييز بين الأجراء"وبذلك أصبح حق المرأة في إبرام عقد الشغل من أساسيات تواجدها بالمقاولة ، وقد نصت المادة 15 التي تستوجب حصول رضى أطراف العقد على "تتوقف صحة عقد الشغل على الشروط المتعلقة بتراضي الطرفين".

وقد ركزت المدونة على مبدأ عدم التمييز لتحقيق أساس تكافؤ الفرص في مواد أخري جاءت تحت اسم ، الوساطة في الاستخدام وتشغيل الأجراء وخاصة المادة478 ، لتكرر أحكام المادة9 لاعتبار الدور الريادي الذي تقون به وكالات التشغيل في هذا الباب تقول :" يمنع على وكالات التشغيل الخصوصية كل تمييز يقوم على أساس العرق ، أو اللون، أو الجنس، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي ، من شانه المس بمبدأ تكافؤ الفرص والمعاملة في ميدان التشغيل."

 

الفقرة الثانية :السياسة الأجرية انعكاس لدونية المرأة داخل العقد.

قبل ظهير18/06/1936،كانت الأجور في ميدان الشغل المغربي تخضع لقانون العقود والالتزامات على أساس مبدأ العرض والطلب حيث أشارت القرارات التي عدّلته (قراري 1937و1938) ،إلى الفرق بين الأجر الممنوح لكل من الرجل والمرأة.

وقد ظلت تصورات  الحماية الفرنسية حاضرة  في بقاء "مناطق  الأجور " إلى غاية 15/01/1972 ، تاريخ صدور المرسوم الذي وحًّد الحد الأدنى للأجور دون التطرق للميز المُؤسس على الجنس والسن(3)

ورغم سعي المغرب لاحترام اتفاقية رقم 100 حول المساواة في الأجور والتعويضات، التي صادق عليها المغرب بظهير 17/12/1980 فإن تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة 1995 قد سجل وجود تمييز بالنسبة لأجور العاملات حيث نسبة أجورهن أقل من 50 °/° فقط من أجور الرجال في نفس وضعيتهن المهنية.

ومن مظاهر استفاقة التشريع المغربي لعناصر التمييز الأجرية بين الجنسين انسجامه الأخير بالمدونة مع روح المواثيق الدولية ومقتضيات الاتفاقيات الدولية التي وقعها بالعلاقة مع مبادئ الدستور رغم توقيعه على الاتفاقية رقم  111 بشأن تحريم التمييز في التشغيل والعمل التي ألغت على المستوى القانوني كل مظاهر التمييز الأجرية القائمة على الجنس بين الرجل والمرأة ، مع العلم أنه قد  صادق سنة 1979 على الاتفاقية رقم100 حول المساواة الأجرية بين الجنسين.

وقد تطرقت المدونة  بالمادة 346 صراحة بالمنع لكل تمييز في الأجر بين الرجل والمرأة، تقول  "يمنع كل تمييز في الأجر بين الجنسين ، إذا تساوت قيمة الشغل الذي يؤديانه . " وقد عززتها بمقتضيات زجرية جاءت بالمادة 361 في إطار الزجر بالغرامة وقد  تُضاعف  الغرامة في حالة خرق مقتضيات المادة  السابقة الذكر إمعانا للأولوية التي تعطيها المدونة لصورة المرأة والتعامل معها ايجابيا داخل سوق الشغل، جاء في هذه المادة"...يعاقب عن عدم التقيد بأحكام المادة 346 بغرامة من 25000 إلى 30000 درهم.

وفي حالة العود تضاعف الغرامة المذكورة أعلاه." (4)

الفقرة الثالثة: شمولية الوضعية التعاقدية للأجيرة ،الشغل الليلي والأعمال  الخطيرة والشاقة .

منذ تأسيسها أصدرت منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 4  سنة (1919) حول التشغيل الليلي للنساء حيث عملت على تحريمه كما صادق المغرب بالإضافة إلى اتفاقية رقم4 ،على اتفاقية رقم 41المعدلة لها، هذه الاتفاقية المتضمنة لاستثناءات خاصة .

لقد تخلت و تراجعت المدونة الحالية عن صيغة منع تشغيل النساء في أي شغل ليلي  التي جاء بها المشروع نحو إقرار قاعدة الإمكان حيث تقول المادة172 ،" يمكن تشغيل النساء ، مع الأخذ بعين الاعتبار وضعهن الصحي والاجتماعي ،في أي شغل ليلي " .

إذ اكتفت أحكام المدونة باحترام تدابير شروط الصحة والسلامة بالنسبة لتشغيل النساء ليلا . كما حددت نفس المادة الشغل الليلي في :

-  النشاطات غير الفلاحية "كل شغل يؤدى فيما بين الساعة التاسعة ليلا والسادسة صباحا".

-  النشاطات الفلاحية "كل شغل يؤدى فيما بين الساعة الثامنة ليلا والخامسة صباحا".

إن النص التنظيمي المشار إليه في المادة   172، قد أصبح لاغيا استجابة لنشاط المقاولة  المتواصل أو الموسمي ، فالمادة 173 ، التي تقول:" لا تسري أحكام الفقرتين الأولى والثالثة من المادة 172 على المؤسسات التي تحتم الضرورة أن يكون النشاط  فيها متواصلا أو موسميا ، أو أن يكون الشغل فيها منصبا على استعمال مواد أولية ، أو مواد في طور الإعداد ، أو على استخدام محاصيل فلاحية سريعة التلف." تعلن صراحة بعدم سريان أحكام الفقرتين من المادة السابقة على هذه المؤسسات مما يجعل المدونة تعطي بيد من فضة وتأخذ بيد من حديد، خاصة إعطاء صلاحيات  الخرق القانوني فيما يتعلق بتشغيل الأجيرات دون سن السادسة عشر وخاصة استغلال تلك الفئة العمرية في تكسير الإضراب المغلف داخل المدونة بصيغ تمويهية كما جاء في المادة 175" يمكن للمشغل ،  في حالة بطالة ناتجة عن قوة قاهرة أو توقف عارض، لايكتسي طابعا دوريا..." وكما جاء كذلك في المادة 176 "يمكن للمشغل ، أن يخالف مؤقتا.....عندما يقتضي الأمر اتقاء حوادث وشيكة الوقوع، ..." إن تقنين الخرق فيما يخص تشغيل الأحداث دون 16 سنة يعتبر آلة من آليات تكسير الإضراب تضعه المدونة بيد المشغل وبالتالي تكون قد أجهزت على المكتسبات التي تحققت في إطار المشروعية النقابية.

أما بالنسبة للأحكام الخاصة بتشغيل النساء فقد نصت المادة 179 على التأكيد على استمرارية النظرة لهاته الأشغال منذ ظهير 13 يوليوز 1926،حيث انه بمقتضاها "يمنع تشغيل الأحداث دون الثامنة عشر ، والنساء ، والأجراء المعاقين ، في المقالع ، وفي الأشغال الجوفية التي تؤدى في أغوار المناجم."

إلا أن هزالة الغرامة المنصوص عليها في المادة 183 (من 300 إلى 500درهم ) مدعاة للخرق ما لم يأتي النص التنظيمي للمادة 181 بجديد يعزز إمكانية التضييق على هذا الخرق .

المطلب الثاني :سريان عقد الشغل

الفقرة الاولى:حماية الحق في الشغل للأجيرة في حالة الوضع.

إن مبدأ توفير الحماية للأمومة قد تطرقت له الاتفاقية المراجعة لمنظمة العمل الدولية رقم103والتوصية رقم 95 ، والتي تنص على مجموعة من التدابير لحماية المرأة العاملة قبل وبعد الولادة وخاصة حماية حقها في الشغل، كما  التزمت كل الاتفاقيات الدولية بتقييد وحظر تشغيل النساء خاصة في فترات الحمل والوضع والرضاغة ،وقد نصت مدونة الشغل الحالية على اعتبار وضع المرأة الصحي والاجتماعي بالمادة 152، على مدة إجازة الوضع المحددة في أربعة عشر أسبوعا مع ترك الباب مفتوحا للاستثناءات الأفيد في هذا الباب تقول " تتمتع الأجيرة ، التي ثبت حملها بشهادة طبية ، باجازة ولادة مدتها أربعة عشر أسبوعا ، ما لم تكن هناك مقتضيات أفيد في عقد الشغل ، أو اتفاقية الشغل الجماعية ، أو النظام الداخلي .

وقد حلل ذ.محمد القري اليوسفي  هذه المادة 154  فوجدها لاتؤدي إلا إلى معنى يحقق  إمكانية تشغيل المرأة  – إن رغبت في ذلك- خلال ستة أسابيع السابقة على الوضع، تنص هذه المادة " حق للمرأة الأجيرة ، إن توقف سريان عقد الشغل فترة تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع بسبعة أسابيع وتنتهي بعد تاريخ الوضع بسبعة أسابيع. "

ثم تساءل لتحقيق الإحالة على إجبارية التوقف قبيل الوضع يقول: " فهل يسمح ذلك بالقول بأن صحة المرأة قبل الوضع أكثر قدرة على تحمل العمل وبالتالي بإمكانها الاشتغال إلى آخر ساعة تضع فيها حملها ؟." (5)

إن حق الأجيرة ورغبتها في  مواصلة عملها قبل الوضع دون وعيها للمخاطر المحدقة بصحتها وبصحة جنينها،  وسعيا منها " للحصول  على ما قد  يوفر لها موارد  إضافية لمواجهة التكاليف الطبية والاجتماعية للولادة في غياب التغطية الكاملة "(6) يستدعي ضرورة  المراجعة النصية على فترة توقف إجبارية قُبيل الوضع حماية لصحة المرأة وسلامة وصحة المولود  المرتقب، وهذا ما لم تستجيب له المدونة الجديدة  بشكل قطعي إجباري ، غير أن المدونة وضعت المادة 154 لتحقيق هذا التوقف الاختياري في حدود النص " حق المرأة الأجيرة ، أن توقف سريان عقد الشغل فترة تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع بسبعة أسابيع ، وتنتهي بعد تاريخ الوضع بسبعة أسابيع".

إن الحالة الاستثنائية التي تدعو المشغل للسهر على تخفيف الأشغال التي تُكلف بها الأجيرة أثناء الفترة الأخيرة للحمل حسب المادة 153، تتناقض مع طبيعة عمل المرأة الذي من المفترض إن تكون متخصصة فيه  الشيء  الذي يتعارض كليا مع مسألة التخصص التي استوجبت تشغيلها مسبقا انطلاقا من الكفاءة والخبرة والمهنية، وبالتالي لايلتقي مع أحكام المادة 9 التي تمنع التمييز بين الأجراء أو عدم المعاملة بالمثل في مجال التشغيل أو تعاطي المهنة.

فحماية المرأة الأجيرة في هذا الباب تقتضي إجبارية التوقف عن العمل انطلاقا من شهادة الطبيب، الشيء الذي لم يصرح به نص المدونة الحالي

الفقرة الثانية : تأثير العناية بالرضيع على سريان عقد الشغل.

نص الشرع  في المادة 156 على إمكانية "الأم الأجيرة باتفاق مع المشغل الاستفادة من عطلة غير مدفوعة الأجر لمدة سنة لتربية مولودها " فإن المدونة قد أوجبت بمقتضى المادة 162 المشغل "تجهيز غرفة خاصة للرضاعة داخل كل مقاولة ، أو على مقربة منها مباشرة ، إذا كان يشتغل فيها ما لايقل عن خمسين أجيرة" .

إن انفتاح هذا النص القانوني على عدد الأجيرات المرضعات (50) ، وإذا أضفنا أن الثقة  في عمل المرأة مهزوز لدى العديد من المشغلين أمكن لنا استخلاص عدم الوصول الواقعي والمتعمد لهذا العدد بالمقاولة المغربية، أما إن كانت إمكانية بلوغ هذا العدد فيمكن لعدد(49) أجيرة أن لا يجعل المرضعات يستفدن من إمكانية مباشرة الإرضاع والاطمئنان على فلذات أكبادهن داخل المقاولة،وإذا اعتبرنا إن اهتزاز الثقة يتلوه غالبا التعامل بسوء النية ، يمكن أن نقوم بعملية حسابية  لعدد الساعات التي يوفرها تجاهل العدد(50) و التي تُذيبها عملية الإرضاع في اليوم بما  أن المادة161 تنص على حق الأجيرة المشروع  في استراحة الرضاعة يوميا ولمدة إثنى عشر شهرا تقول "يحق للأم الأجيرة ، إن تتمتع يوميا ، على مدى اثني عشر شهرا ، من تاريخ استئنافها الشغل إثر الوضع  باستراحة خاصة ، يؤدى عنها الأجر باعتبارها وقتا من أوقات الشغل ، مدتها نصف ساعة صباحا ، ونصف ساعة ظهرا ، لكي ترضع مولودها خلال أوقات الشغل . وتكون هذه الساعة مستقلة عن فترات الراحة المعمول بها في المقاولة ."

إن الفقرة التي تلي الفقرة السابقة توحي بنوع من غموض ظاهر الصياغة تجعل الاستفادة من الرضاعة تهم ساعة يوم واحد في الأسبوع حيث تقول الفقرة الثانية من المادة162" يمكن للأم الأجيرة ، إن تتفق مع المشغل على الاستفادة من هذه الساعة المخصصة للرضاعة في أي وقت من أيام الشغل." وقد كان بالنسبة للصياغة القانونية أن تنهج الوضوح لاعتبار صراحة الفقرة الأولى كأن تقول(في أي وقت من صباح و من مساء يوم الشغل).

أما بالنسبة للمادة 163 والتي تهدف تجميع المرضعات بالمنطقة الصناعية حيث تقول "يمكن إنشاء دار للحضانة بمساهمة عدة مقاولات متجاورة بمنطقة معينة مع تجهيزها وفق الظروف الملائمة" فان هذه المادة تمارس نفس الغموض التعبيري  الذي يترك فراغا كبيرا بالنص من حيث إمكانية استعمال الأجيرة لهذه الدار (الحضانة) قصد الإرضاع ، وإذا كان الأمر كذلك ما هي السبل القانونية لحماية الأجيرة خارج المقاولة وما إذا يعتبرها النص في زمن الشغل فيما إذا تعرضت لحادثة الطريق ، وهل من الممكن تصنيف تلك الحادثة من بين حوادث الشغل ؟ على اعتبار أن المشغل قد رخص لأجيرته  بالاستفادة من نصف ساعة للرضاعة فقط و التي تُستهلك  في الطريق إلى دار الحضانة،" فمكان الشغل هو المكان الذي يباشر فيه الأجير عمله المنوط به،ويأخذ حكمه أيضا كل مكان يتواجد فيه هذا الأجير بناء على أمر        من المشغل أو من ينيبه في ذلك ، أو كان  وجوده فيه  تقتضيه مصلحة العمل ، وبصفة عامة،إن مكان الشغل يمتد إلى جميع الأماكن التي يكون فيها الأجير تحت مراقبة وتوجيه وإشراف المشغل"(7)

ومادامت الأجيرة هنا في إطار التبعية القانونية لمشغلها و مادامت لم تسترد حريتها، فان الحادثة التي تقع لها تعتبر إصابة شغل "فإذا وقعت هذه الأخيرة في وقت كان فيه الأجير تحت هذه المراقبة والإشراف والتوجيه للمشغل ، كانت إصابة شغل ، وذلك بصرف النظر عن الزمان والمكان الذي تقع فيه ، سواء كان ذلك داخل المؤسسة المشغلة، أو ملحقاتها ، أو حتى خارج هذه الأمكنة " (8)

إن هذه التدابير القانونية الحمائية المتعلقة بحماية الأمومة كان على المادة 163 إلا تسكت عنها صراحة تلافيا لأي غموض يمكن إن  يتجاوز هذه الوضعية بعدم خلقها (أي حصر عدد الأجيرات في 49 أجيرة كحد أقصى بالمقاولة).

الفقرة الثالثة : التغطية الصحية .

لقد وضع المشرع المغربي استمرار الحالة المرضية الناتجة عن الولادة  في اعتباره حيث أجاز تمديد فترة التوقف ثمانية أسابيع قبل تاريخ توقع الوضع ، وأربعة عشر أسبوعا بعد تاريخ الوضع(المادة 154) ، الشيء الذي يشكل تنافيا مع مقتضيات ظهير 9نونبر 1992 المعدل للفصل 37 من ظهير 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي الذي يحدد مدة الإجازة المغطاة بتعويضاته في اثنى عشر أسبوعا ستة منها على الأقل بعد الوضع.

وبالتالي" فإن تمديدا لهذه الإجازة من طرف العاملة سيكون خارج هذه التغطية ويبقى الأمر بالتالي رهينا برغبة المشغل في منح الأجر أو التعويض وهذا شأن لن يقوم إلا إذا ضمن عقد الشغل أو الاتفاقية .(9) ولما قررت المدونة تمديد رخصة الحمل إلى  14 الأسبوع أخدا بالاتفاقية رقم 95 التي تتمم الاتفاقية رقم 103/1952 ،يبقى أسبوعان بدون تغطية تستوجب التعديل ورغم أن منظمة العمل الدولية عبر اتفاقية رقم 3/1919،تطلب حماية الأمومة في حدود 12 الأسبوع فإن" CNSS(تتحمل هذه المرحلة (أي الحمل) لمدة 10 أسابيع في حدود 50 في المائة من الراتب الشهري .. ."(10) .

والتمديد المقترح من طرف المدونة يستلزم من الأجيرة تمديد رخصة الحمل عبر التوقف المؤقت عن العمل غير المؤدى عنه.la mise en disponibilité هذا مع العلم ان فترات الحمل تُقتطع من راتب التقاعد لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

المطلب الثالث:إنهاء عقد الشغل

الفقرة الأولى : الدفع بالحمل لإنهاء عقد الشغل.

إن الأجيرة الحامل معرضة لفساد عقد عملها بسبب الحمل ولهذا فقد حمى المشرع  هذا العقد كما حماها من الطرد التعسفي بسبب حملها عبر نصوص قانونية منها المادة 159 التي تنص " لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة ، التي ثبت حملها بشهادة طبية ، سواء أثناء الحمل ، أو بعد الوضع بأربعة عشر أسبوعا. كما لا يمكن إنهاء عقد شغل الأجيرة ،أثناء فترة توقفها عن الشغل بسبب نشوء حالة مرضية عن الحمل أو النفاس ،مثبتة بشهادة طبية.".

لقد تحدث المشرع عن المغادرة الطوعية للأجيرة الحامل وتبرئة ذمتها من أدائها التعويض عن إنهاء عقد الشغل عبر ثلات مواد متتالية ، المادة 156 يقول "يحق للام الأجيرة ، إلا تستأنف شغلها بعد مضي سبعة أسابيع على الوضع " والمادة 157 التي جاء فيها "يمكن للام الأجيرة ، العدول عن استئناف شغلها،" وبالمادة 158كذلك " يمكن للأجيرة الحامل ، إذا أثبتت حملها بشهادة طبية ، أن تترك شغلها دون إخطار.." .

إن هذه المواد لا تشعر بحرج دفع الأجيرة إلى إنهاء عقد الشغل بسبب الحمل وكأن الحمل  والأمومة  والشغل لا  يتعايشون  داخل  المقاولة ، وتظهر التدابير التي اتخذت بهذه المواد كتدابير تمييزية تتعامل بشكل مختلف مع الرجل ، ولهذا وجب حماية العاملة من المادة 66 التي تعطي إمكانيات واسعة للمشغل الذي "يعتزم فيها فصل الأجراء كلا أو بعضا لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو اقتصادية".

كما أن المادة 158 رخصت للعاملة إذا أثبتت حملها بشهادة طبية أن تترك شغلها دون إشعار مشغلها بذلك ولا يترتب على تصرفها أي التزام بأداء التعويض. .والملاحظ أن المادة 154 نصت على أن للأجيرة الحق في إيقاف فترة سريان عقد الشغل لمدة سبعة أسابيع تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع, وهذا لا يؤدي إلا للاستمرار في عملها دون وعي منها بالمخاطر التي تهدد صحتها و صحة جنينها ,سعيا منها (للحصول على ما قد يوفر لها موارد إضافية لمواجهة التكاليف الطبية والاجتماعية في غياب التغطية الكاملة)(11) . لذا كان على المشرع في هذه المادة أن يؤكد على إجبارية التوقف قبل الوضع مثلما فعل في المادة153 التي نص فيها على أنه(لا يمكن تشغيل الأجيرات النفيسات أثناء فترة الأسابيع السبعة المتصلة التي تلي الوضع).

إن حالة الإجهاض المفاجئ تتطلب باعتبارها حالة مرضية نفس فترة التوقف عن العمل في حالة الحمل العادي ولهذا جاءت المادة 159 قصد تصحيح هذه الوضعية حيث تنص على انه " لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة أثناء فترة توقفها عن الشغل بسبب نشوء حالة مرضية  عن الحمل أو النفاس ، مثبتة بشهادة طبية".

وقد تخلت المدونة عن العقوبات الحبسية والاستعاضة عنها بغرامة تتراوح بين 3000و 5000 درهم بسبب تسريح العاملة الحامل ، وقد رأى الفقه القانوني " أن تعزز هذه الحماية بمراجعة هذه العقوبات بالرفع من قيمة الغرامة ومضاعفة تعويض المرأة الحامل متى تبث طردها تعسفيا" (12).

الفقرة الثانية : التحرش الجنسي والفصل التعسفي .

فإذا كان عمل المرأة يحررها بفعل استقلالها المادي وبفعل تفتح شخصيتها على العالم الخارجي لتحس بكيانها المستقل  إن على المستوى السوسيو اقتصادي  أوعلى المستوى النفسي، فان التحرش الجنسي يفقدها طعم هذه الحرية ويفقدها كرامتها الشخصية وبالتالي إرجاعها إلى البيت تحت ضغط الزوج أو الأهل انسياقا للمعايير الأخلاقية والقيمية للمجتمع التقليدي المغربي.

وعندما اعتبرت المادة 40 من مدونة الشغل إن التحرش الجنسي، من الأخطاء الجسيمة ، ضد الأجير(والأجير الأنثى من أكثر المعًّرضين للتحرش الجنسي) من طرف المشغل أو رئيس المقاولة أو المؤسسة ، وضعت إمكانية التقاضي بيد المتضرر من هذا الأجراء في حالة إثبات الخطأ ، والمطالبة بالتعويض عن الضرر لاعتبار ذلك الخطأ (التحرش الجنسي ) بمثابة فصل تعسفي  على اعتبار أن المشغل بمقتضى المادة 24 يعتبر مسؤولا وساهرا على حسن السلوك والأخلاق الحميدة وعلى استتباب الآداب العامة داخل المقاولة، وتنص المادة41 من المدونة  انه "في حالة ثبوت فصل الأجير تعسفيا ، إما بإرجاع الأجير إلى شغله أو حصوله على تعويض عن الضرر "  الذي رفعته المدونة إلى سقف 36 شهرا عوض 24 شهرا بالمشروع.

الفقرة الثالثة :قاعدة "حركية الأجير" بين سريان العقد وإنهائه.

 من بين الإشكاليات التي تدفع العاملة المتزوجة إلى فقدان عملها في إطار ما نسميه بقاعدة "حركية الأجير" والتي أغفلت المدونة التنصيص عليه هو انتقال نشاط المقاولة المشغلة في إطار المادة 19 ،"على الأخص بسبب الإرث ، أو البيع أو الإدماج ،أو الخوصصة " ،  إلى التمركز بمدينة أخرى  غير تلك التي قام بها عقد الشغل  الشيء الذي  يجعل العمل بعيدا عن بيت الزوجية كمشكل قائم الذات فيما يخص تشغيل النساء( المتزوجات) ، فهل تعتبر وضعية المقاولة الجديدة بالنسبة للأجيرة المتزوجة فصلا من الشغل استوجبت بذلك التعويض عنه.؟

فعقد الشغل في إطار حركية الأجير يبقى ساري المفعول حيث " لايؤثر على العلاقة بين الأجير والمقاولة انتقاله من موقع إلى آخر أو من مدينة إلى أخرى في إطار نفس المقاولة " (13).

إلا انه بالنسبة للأجيرة الزوجة والأم يشكل تشرذما لوضعيتها الموزّعة بين  دخولها حالة اجتماعية  في حالة استمرارها في الشغل ، أو دخولها حالة فسخ عقد الشغل في حالة ارتباطها ببيت الزوجية .

إن مراعاة سكنى الأجيرة هنا غير واردة رغم إن المدونة لم تغفله بالمادة 37 في إطار العقوبات التأديبية في حق الأجير في "التوبيخ الثالث أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى يُراعى مكان سكنى الأجير".

ثم إن عدم التحاقها بالمؤسسة المنتقلة يُصبح حسب المادة 42 بمثابة "إنهاء عقد الشغل بصفة تعسفية" وتصبح بذلك الأجيرة مهددة ومطالبة بالتعويض عن الضرر بمقتضى المادة 41 التي تنص على أنه "يحق للطرف المتضرر ، في حالة إنهاء الطرف الآخر للعقد تعسفيا ، مطالبته بالتعويض عن الضرر"

بينما يكتفي المُشغل بمقتضى المادة 136 بالتصريح فقط للعون المكلف بالشغل "إذا انتقلت المقاولة إلى مكان آخر وهي تشغل أجراء .

وعندما تضطر العاملة للبحث عن عمل آخر داخل مدينتها تُحمل المدونة للمشغل الجديد "المسؤولية عن الضرر اللاحق بالمشغل السابق "(المادة 42)" إذا استمر في تشغيل أجير بعد أن علم أنه ما زال مرتبطا بمشغل آخر بموجب عقد شغل".

خاتمة:

عند الصياغة النهائية للمدونة تم رفع التقييد لتشغيل النساء ليلا  نحو طرح إمكانية تشغيلهن  في " أي شغل ليلي "  دون تخصيص ، لايمكن إلا أن نستخلص ما رسمته المدونة من دوائر القلق حول المفهوم الذكوري لتواجد المرأة ببيتها ليلا يقول ذ.عبد الرزاق مولاي رشيد "يجب إعادة النظر في أسطورة الفحولة ، صورة التواجد الضروري للمرأة بالبيت ليلا.(14)"

وقد نختم هذه  المقاربة بالفرضية  التي  وضعها عند تطرقه لوضعية المرأة بالمغرب  حيث قال :" التفكير في موضوع  مماثل يرجع للتساؤل  حول المجتمع كله" (15).

لهذا  فالدراسة حول  المرأة كيفما كان اختصاصها تثير إشكالية العلاقة  التصارعية بين الحضور القوي للموروث المجتمعي ومتطلبات الأزمنة الحديثة ، ما بين الخصوصية والعمومية .

المراجع والهوامش:

1-  مدونة الشغل(تصدير) الجريدة الرسمية عدد 4158، 08/12/2003،ص:3971

2- ذ . محمد القري اليوسفي، ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي: دراسة تحليلية ونقدية لمدونة الشغل المرتقبة,مشروع 1998

3- للمزيد من الاطلاع ، انظر المرجع السابق ص:192وما يليها

4- المادة 361

5- ذ. محمد القري اليوسفي ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي، نفس المرجع السابق ص:124.

6- -نفس المرجع السابق ص:124.    

7 - د.عبد اللطيف خالفي ، حوادث الشغل والأمراض المهنية ، دراسة نظرية وتطبيقية في ضوء تعديلات ظهير 23يوليوز 2002،المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات ، مراكش، الطبعة الأولى ،2003،ص:59.

 8- نفس المرجع السابق ص:103.

9- ذ.محمد القري اليوسفي، ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي، دراسة تحليلية نقدية لمدونة الشغل المرتقبة، مشروع 1998، ص:126.

10-marocaine et sécurite sociale, fettouma benabdnbi-jerrari, editions le fennec, page : 102.  

11 - ذ . محمد القري اليوسفي و آخرون : دراسة تحليلية ونقدية لمدونة الشغل المرتقبة,مشروع 98 ,ص124

2 - نفس المرجع السابق ،ص: 128

13- ذ.محمد الشرقاني، محاضرات في مدونة الشغل المرتقبة( مشروع 2000) لطلبة السنة الثالثة لشعبتي القانون الخاص والعام ،الجزء الأول ،السنة الجامعية 2000-2001.

14- Abderrazak Moulay rchid « la condition de la femme au Maroc, édition de la faculté des sciences Economiques et sociales de rabat, introduction générale p : 477 -

15-abderrazak Moulay rchid « la condition de la femme au Maroc , p :3

 

التشغيل والجندر: مدونة الشغل والأجيرة المغربية من خلال عقد الشغل
Partager cet article
Repost0
24 juin 2026 3 24 /06 /juin /2026 11:50
اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية الجزء الأول

اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية الجزء الأول

اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية- الجزء الأول

جمال عبد الدين المرزوقي     إشراف: د. الحضري عبد النور

جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب

دراسة محكمة

ملخص: نتناول في هذه الدراسة علاقة اللسانيات الاجتماعية باللسانيات العامة، كما نَظَّرَ لها فيردناند دي سوسير (Ferdinand De Saussure)، ونهلت منها مدارس اللسانيات على اختلاف تياراتها. وقد عالجنا على ضوء هذه المعطيات الأسس النظرية الممهدة لفكرة اللسانيات الاجتماعية في معقلها الأوروبي، ومدى تأثيرها في اللسانيات الأمريكية التي اهتمت بالدراسة الميدانية للكلام في علاقته بالمجتمع، آخذين بعين الاعتبار حرص اللسانيات الاجتماعية التنوعية الأمريكية على إبراز مظاهر التنوع اللغوي للمجتمع الأمريكي، وباقي المجتمعات.

كلمات مفاتيح: اللسانيات؛ اللسانيات الاجتماعية؛ المدارس اللسانية؛ الأسس النظرية والمنهجية؛ الكلام؛ الدراسة الميدانية؛ التنوع اللغوي؛

Résumé : Dans cet article, nous étudions la relation entre la sociolinguistique et la linguistique générale, telle qu’elle a été conceptualisée par Ferdinand De Saussure, dont découle diverses écoles et courants linguistiques.

Dans cette perceptive, nous avons traité les Fondements théorique qui ont élaboré le concept de linguistique sociale comme elle a été conçue à l’échelle européen, et adopté par l’approche empirique dans le parler de la société américaine, et les autres sociétés.

تقديم

يكشف تاريخ اللسانيات الحديثة والمعاصرة، أهمية الأدوار الريادية لفيردناند دي سوسير (Ferdinand De Saussure) في التأسيس الفعلي للسانيات العامة، بحيث عمل على تحديد موضوعها في اللغة في علاقتها باللسان باعتبارهما يمثلان الطبيعة الاجتماعية للغة من جهة وعلاقتهما بالكلام الممثل للطبيعة الفردية من جهة ثانية. وهو بذلك قد وضع الأسس النظرية والمنهجية الممهدة لفكرة اللسانيات الاجتماعية في معقلها الأوروبي، وتأثيرها في المدارس الأمريكية، التي اهتمت بالدراسة الميدانية للكلام في علاقته بالمجتمع.

نتبنى فرضية اللسانيات العامة الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية، وندافع عليها كأطروحة في محاور هذه الدراسة، اعتمادا على أن ريادة دي سوسير في مجالات مختلفة لها ارتباط بالدراسة اللغوية منهجية علمية تجريبية وصفية، بوأت الدرس اللساني الحديث في أوروبا مكانة هامة؛ إذ شكلت منطلقا علميا للتبشير بالسيميولوجيا، واستثمار المنهج البنيوي اللساني في الدراسات النقدية والأدبية، وفي علم الأنثروبولوجيا وباقي العلوم الإنسانية

فإلى أي حد يمكن اعتبار اللسانيات الأوروبية مع رائدها دي سوسير، دعوة صريحة لانفتاح اللسانيات العامة على الأسس الأبستمولوجية التي استقاها من العلوم التجريبية، مما ساهم في تكامل المعرفة الإنسانية؟ وكيف تداركت اللسانيات الاجتماعية الأمريكية استبعاد دي سوسير للسياق الاجتماعي للغة، فاهتمت أولا: بتفسير ظاهرة التنوع ((La variation الموجود في بنية اللغة، عن طريق بعض خصائص المجتمع المتضمنة في اللغة. ثانيا: تفسير التحول ((Le changement في اللغة؛ أي كيف يحصل التحول عن طريق العلاقات بين اللغات الإنسانية المتعددة؟ ولماذا أصبح التنوع اللغوي موضوعا للسانيات الاجتماعية مع ويليام لابوف؟

1ـ اللسانيات الاجتماعية في مهدها الأوروبي.

نسعى في هذا المحور من الدراسة إلى الوقوف على مراحل نشأة اللسانيات الاجتماعية في مهدها الأوروبي مع رائدها السويسري فيردناند دي سوسير، الذي اهتدى إلى وصف المحدد الاجتماعي للسانيات من خلال الطبيعة الاجتماعية للغة؛ وقد أهمل السياق الذي أفرزها، ووسائل اشتغالها في الميدان. وبذلك يكون دو سوسير قد وضع أرضية علمية لمعالجة تلك الأبعاد، في إطار المدرسة السويسرية والفرنسية والبريطانية على الصعيد الأوروبي، والمدرسة الأمريكية اللابوفية على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية؛ هذه الأخيرة أولت أهمية خاصة للسياق الاجتماعي والهوية الثقافية للمجتمع، وجعلت من التنوع موضوعا لها، فاعْتَبِرَتْ بذلك لسانيات الكلام والميدان بامتياز.

« و بفضل أفكار دي سوسير ـ بلغت الدراسات اللسانية الحديثة و المعاصرة درجة من الدقة والضبط

والموضوعية، والشمول، مما أتاح لها أن تتبوأ مكانة مرموقة بين فروع المعرفة الإنسانية، بل أخذت زمام المبادرة في هدم الأسوار التي أقيمت من دون مسوغ علمي واضح بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية...»[1]

وعليه، فإن قدرة دي سوسير على مد الجسور بين العلوم الطبيعية و العلوم الإنسانية، تدعونا إلى الاعتراف له بالريادة، ليس فقط لأنه جعل علوم اللغة الحديثة تتجاوز المنظور التاريخي المقارن للغات والتفاضل بينها على أساس ديني أو عرقي... إلخ، والانكباب على تحديد موضوع اللسانيات في اللغة وفق تصور نظري صارم، و ذلك بتمييزه عن الكلام، و دعوته للدراسة السانكرونية والتزمنية للغة والكلام، في مقابل الدراسة الدياكرونية التعاقبية. وهكذا يكون قد وَجَّهَ الانتباه للطبيعة الاجتماعية للغة في مستواها التجريدي في مقابل الطبيعة الفردية للكلام الذي يعتبر تحيينا للغة باستعمالها في المجتمع؛ فبفضل دي سوسير اقتنع الباحثون في اللسانيات الأوروربية و الأمريكية بأهمية اتخاد اللغة موضوع وصف دقيق لها في علاقتها بالمجتمع، و من ثم أصبحنا نتعامل معها علميا كظاهرة من الظواهر الاجتماعية قابلة للتحليل العلمي الصارم.

على خطى دي سوسير استطاع تلميذه الفرنسي أنطوان ميي Antoine Meillet)) (1866م ـ 1936م) أن يؤسس مدرسة اللسانيات الاجتماعية الفرنسية، و قد وجه لأستاذه نقدا أبدى فيه رفضه لإهماله آليات البحث اللساني الاجتماعي في بعده السياقي.

وبناء عليه، أكد علماء اللغة الفرنسيون والأوروبيون، أن أنطوان ميي عمل على إبراز أهمية اللغة المنطوقة وصفاتها الاجتماعية المحددة للتنوع اللغوي بحسب ما نقله اللساني العربي عبد المنعم السيد، إذ نقل آراء بعض اللغويين الذين أَرَّخًوا لبدايات علم اللغة الاجتماعي « و من هؤلاء اللغوي الفرنسي (بيلُون) الذي يؤكد ريادة المدرسة الفرنسية في الاتجاه اللغوي، يشير إلى نتيجة مفادها: أن علم اللغة الاجتماعي وُجِدَ في فرنسا بجهود ميي، وفندريس، و دُوزَا، و كُوهَن، و غيرهم.»[2]

يمكن إجمال خصائص البحث في اللسانيات  الاجتماعية الفرنسية مع رائدها ( أنطوان ميي)
و تلامذته في تسمية الأشياء بمسمياتها في إطار رؤية لغوية و أفكار غير مسبوقة، شكلت جِدَّتُهَا نقطة تحول كبيرة في مسيرة اللسانيات الاجتماعية الأوربية عامة و الفرنسية منها خاصة، و تتمثل نقطة التحول هاته في الأفكار التالية.

أولا: اللغة ظاهرة اجتماعية.

ثانيا: أهمية البحث في خصائص التنوع اللغوي.

ثالثا: أهمية القيم الاجتماعية، و أثرها في اللغة.

رابعا: أهمية اللغة المنطوقة ( أو الكلام) و صفاتها الاجتماعية.

خامسا: أهمية الإصلاح اللغوي و العرف الاجتماعي.

فإلى أي حد يمكن اعتبار أفكار ميي ذات البعد الاجتماعي للغة بداية التحول من الاهتمام بالبنية الداخلية للغة مع دي سوسير إلى الاهتمام بالكلام والسياق؟

لقد عمل جان روبرت فيرث John Rupert Firth)) ( 1890م – 1960م) رائد المدرسة البريطانية للسانيات الاجتماعية بمعية تلامذته، على تطوير البحث في هذا التخصص اللساني الأوروبي، و قد أولى أهمية كبرى للبحث الميداني و لسانيات الكلام، و الحالة أنه تبنى موقفا لم ينتبه إليه دي سوسير رائد اللسانيات السويسرية، و لا أنطوان ميي رائد المدرسة الفرنسية، حيث رأى أنه لا يمكن أن نفرض المعنى أو نتوقعه خلرج البحث الميداني، إذ هو الذي يسمح لنا باستخلاصه من كلام الذي ينجزونه من أبناء المجتمع، فلا ينبغي أن نعزل اللغة عن بيئتها التي تنتمي إليها.

« إن تركيز فيرث على الجانب الاستعمالي للغة يظهر بشكل واضح في كل مراحل دراسة اللغة عنده، فهو يصر على أن المعنى لا يُشَكَّلُ من الكلمات فقط، بل يمتد إلى الأفعال والناس الذين يتكلمون الكلمات

وينجزون الأفعال فهو لا يعزل اللغة عن المجموعة الاجتماعية التي تَكَوَّنَ فيها.»[3]

وعليه، يمكننا القول: إن اللسانيات الاجتماعية مع فيرث رائد المدرسة البريطانية، بدأت تتجه نَحْوَ الاستقلال النظري المؤطر لدراسة التنوع اللغوي على مستوى اللغة المنطوقة التي يمثلها الكلام. غير أن فيرث لم يَسْلَم في ذلك من التأثر بعالم الاجتماع الروسي برونيسواف مالينوفسكي(Bronislaw Malinowski)  (1884 م ـ 1942 م)، فكيف سيكون واقع حال اللسانيات الاجتماعية مع المدرسة الأمريكية؟

 

2ـ اللسانيات الاجتماعية الأمريكية: النشأة والتطور

تتميز مدرسة اللسانيات الاجتماعية الأمريكية بارتكازها على تنوع المعطى الاجتماعي في بعده الجغرافي. فإلى جانب الهنود الحمر الذين يمثلون السكان الأصليين لأمريكا، استوطنت القارة موجات بشرية متنوعة، من سكان القارة الأوربية ذات الأصول اللاتينية والإفريقية، والعربية والأندلسية، وذلك انطلاقا من تلك التي اكتشفت القارة الأمريكية، والتي استعمرتها وعملت على دمج مختلف مكوناتها البشرية بما فيها العنصر الإفريقي من العبيد الذي جلبته من القارة الإفريقية، ومن التحق بأمريكا بعد استقلالها وتطورها عن القارة الآسيوية وباقي بقاع العالم.

ومن ثَمَّ، فإن الجهود الأولى للسانيات واللسانيات الاجتماعية الأمريكية، قد اتجهت إلى دراسة اللغة بناء على مراعاة خصوصية البنية الاجتماعية الأمريكية المتسمة أصلا بالتنوع والتعدد. وقد تعزز هذا المعطى بتوجه رائد اللسانيات واللسانيات الاجتماعية الأمريكي فرانز أوري بواس (Franz Boas) (1858 م ـ 1942 م)، إلى استثمار الفكر اللساني الأنثروبولوجي، حيث أكد صراحة على ضرورة الاهتمام بالطابع الاجتماعي للغة في علاقته بالكلام.

«وبفعل زعامة بواس للدرس اللغوي؛ فقد ارتبطت الأبحاث اللغوية منذ مدة مبكرة بالدراسات الأنثروبولوجية التي اعتمدت على العمل الميداني في جمع النصوص الأنثروـ لغوية، و تصنيف لغات الهنود الحمر، وعلاقة هذه اللغات بمجتمعاتها. ولقد كانت هذه المدرسة في تصورها للعلاقة بين اللغة والثقافة أقرب إلى تصور المدرسة الفرنسية؛ فاللغة عندها نتاج ثقافي، أو ميراث اجتماعي أكثر من كونها حدثا أو عملا اجتماعيا.»[1]

والجدير بالملاحظة أن الاهتمام البنيوي ذي الطبيعة الاجتماعية الميدانية من طرف فرانز بواس
ومدرسته اللسانيات البنيوية الأمريكية التي تزامنت مع أفكار دي سوسير الرائدة، فإن تَوَجُّهَهُ إلى اللسانيات التزامنية والتأكيد على الطبيعة الاجتماعية للغة، والدراسة الميدانية للكلام، يكاد يجعلنا نقر باستقلال اللسانيات واللسانيات الاجتماعية الأمريكية عن جذورها الأوروبية.

« أما البداية الحقيقية لعلم اللغة الأمريكي، فقد تبلورت مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع ظهور، و تطور اللسانيات التزامنية، و بصورة تكاد تكون مستقلة عن المدارس الأوروبية.»[2]

و إذا كان (فرانز بواسْ) قد أكد على أهمية الطابع الاجتماعي للغة داعيا إلى دراسة الكلام في علاقته بالمجتمع في الميدان، متأَثِّرًا بمنهج علم الاجتماع الأنتروبولوجي، فإن (سابير، و بلومفيلد)، قد عملا على تطوير الفكر اللغوي الأمريكي، منسجمين مع مبدإ تكامل المعرفة و العلوم الانسانية، حيث تأثر سابير بعلم الاجتماع في إطار ما بات يعرف بعلم اللغة الاجتماعي، في حين تأثر بلومفيلد بالمذهب النفسي السلوكي الأمريكي. و قد بنى نظريته اللغوية مستفيدا من الفكر اللساني الأوروبي ذي الطبيعة المنهجية الوصفية التجريبية ـ كما أسس لها دي سوسير ـ مع حرصه على ملاءمة تحليلاته الميدانية مع البيئة الاجتماعية للمجتمع الأمريكي، علاوة على النَّهْلِ من مستجدات فكر الأنتروبولوجي البنيوي الفرنسي (كلود ليفي ستراوس) (Claude Lévi-Strauss)، الشيء الذي لم يمكن متاحا للسانيات الاجتماعية الأوروبية، لكونها أهملت السياق الاجتماعي للغة، ورغم إقرارها بالطابع الفردي للكلام، فإنها لم تدرس تنوعاته في الميدان. فإلى أي حد يمكن اعتبار اللسانيات و اللسانيات الاجتماعية مع روادها في أمريكا ـ في شخص بلوم فيلد ـ قد تأثروا بالدرجة الأولى بالبحث اللساني الأوروبي و علم الاجتماع و الأنتروبولوجيا و علم النفس الأمريكي، مما ساعد على تمهيد الطريق إلى ظهور علم اللغة الاجتماعي من جهة، و اللسانيات الاجتماعية  التنوعية اللابوفية من جهة ثانية؟

 

[1] ـ زكي كريم، اللغة والثقافة ـ دراسة أنترو ـ لغوية لألفاظ وعلاقة القرابة في الثقافة العربية، ص. 32.

[2] ـ بوقرة نعمان، اللسانيات ـ اتجاهاتها وقضاياها الراهنة، ص. 125.

 

[1] ـ حلمی خليل «العربية وعلم اللغة البنيوي ـ دراسة في الفكر اللغوي العربي، ص. 93.

[2] ـ السيد عبد المنعم، وجدامي أحمد، رؤى اللغويين الغربيين لجذور علم اللغة الاجتماعي، ص. 294.

[3] ـ جون جوزيف، اللغة والهوية ـ قومية ـ إثنية ـ دينية، ترجمة: د. عبد النور خراقي، مجلة عالم المعرفة، ص 78، الكويت، عدد 342، أغسطس 2007 م.

تابع 

 

[1]ـ Leila Messoudi, Etudes sociolinguistique, Kénitra ? Publication de la Faculté des lettres et des sciences Humaines, Université Ibn Tofail, 2003.

[2] - Ferdinand De Saussure, cours de linguistique générale, Paris, Payot, 1972, p. 63.

[3] ـ حلمی خليل «العربية وعلم اللغة البنيوي ـ دراسة في الفكر اللغوي العربي، ص. 93.

[4] ـ أوزوالد ديكرو، و جان ماري سشافير، القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، ترجمة: منذر عياشي، ص. 264.

[5] ـ السيد عبد المنعم، وجدامي أحمد، رؤى اللغويين الغربيين لجذور علم اللغة الاجتماعي، ص. 294.

[6] ـ جون جوزيف، اللغة و اللهوية ـ قومية، دينية، ترجمة : خرافي عبد النور، عالم المعرفة، ص 78.

[7] ـ زكي كريم، اللغة و الثقافة ـ دراسة أنترو ـ لغوية لألفاظ و علاقة القرابة في الثقافة العربية، ص. 32.

[8] ـ بوقرة نعمان، اللسانيات ـ اتجاهاتها و قضاياها الراهنة، ص. 125.

اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية الجزء الأول
Partager cet article
Repost0
24 juin 2026 3 24 /06 /juin /2026 11:49
اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية الجزء الثاني

اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية- الجزء الثاني

دراسة محكمة

تتمة

2 – 1 مرحلة علم اللغة الاجتماعي

يرجع الفضل في توطين علم اللغة الاجتماعي بالقارة الأمريكية إلى عالم اللغة الأمريكي
(ويليام برايت) الذي أعطى للسانيات الاجتماعية في إرهاصاتها الأولى بعدا جديدا تجاوز به حدود علم اللغة الاجتماعي. لقد لعب (وليام برايت)
(William Bright) الأمريكي، وزملاؤه دورًا كبيرا في مناقشة القضايا الكبرى لعلم اللغة الاجتماعي، وهو في الوقت نفسه يؤكد على التبشير باللسانيات الاجتماعية. لذلك يعتبر المؤتمر الذي دعا إليه (برايت) لسانيي العالم سنة (1964م) محطة نضج الوعي بأهمية علم اللغة الاجتماعي، حيث انكب المشاركون في على مناقشة فكرة رئيسة مفادها أن علم اللغة الاجتماعي قادر على كشف ما التبس أو غمض من مفاهيم وتصورات حول الطبيعة الحقيقية للغة في ارتباطها بالمجتمع الذي أفرزها. وذلك وَفْقَ رؤية شمولية علمية، سمحت بتقييم ما تراكم من تراث الفكر اللساني الضخم في معقله الأوروبي على اختلاف مدارسه وتياراته، أو في المدرسة الأمريكية وخاصة في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلس.

وسنقتصر في هذا السياق على مناقشة أهم الأبعاد التي تناولها (برايت)، وقد لخصها هلبش جرهالد كالتالي:

1ـ الهوية الاجتماعية للمتكلم في عملية التواصل.

2ـ الهوية الاجتماعية للسامع.

3ـ المحيط الاجتماعي المتحدث فيه.

4ـ التحليل التزامني والتعاقبي للهجات.

5ـ التقديرات المتباينة لسلوك المتكلم اللغوي.

6ـ مدى الاختلاف اللغوي سواء كان متعددا لهجيا أو لغويا، أو لهجيا فرديا.

7ـ إمكانات تطبيق علم اللغة الاجتماعي، بالنظر إلى تشريح المجتمع، وتاريخ اللغة والسياسة اللغوية.[1]

تكمن أهمية الأبعاد السبعة، في كونها حاولت أن تجيب عن كل الأسئلة التي تطرحها اللغة في أبعادها اللسانية من دي سوسير إلى تاريخ انعقاد المؤتمر، و قد ركزت على الهوية الاجتماعية للمتكلم في عملية التواصل، و بذلك فقد ارتقت إلى مناقشة لسانيات النص و الخطاب من جهة، و أدخلت في حسابها الأطراف الأساسية في عملية التواصل، و المتعلقة بأهمية الربط بين المتكلم و السامع المتلقي، و المحيط الاجتماعي المتحدث فيه، كما أن هذه الأبعاد أولت أهمية خاصة للتحليل التزامني و التعاقبي للهجات و أخذت بعين الاعتبار التقديرات المتباينة لسلوك المتكلم اللغوي، التي تنم عن الاهتمام بالتنوع اللغوي للمتكلم، والاختلاف اللغوي سواء كان متعددا لهجيا أو لغويا، أو لهجيا فرديا. وانطلاقا من تحليل هذه المعطيات والربط فيما بينها يتبين مدى التطور الكبير الذي أبانت عنه هذه الأبعاد التي تجاوزت حدود علم اللغة الاجتماعي إلى مناقشة التنوع اللغوي في إطاره اللهجي أو على مستوى اللهجة الفردية وعلاقتها بالمجتمع أو ما بات يعرف عند اللسانيات الاجتماعية التنوعية اللابوفية بالعشيرة اللغوية أو الجماعة اللغوية.

يتأكد من القراءة التحليلية لأبعاد المؤتمر الأول لعلم اللغة الاجتماعي أن الأساس الذي بنى عليه (ويليام برايت) أشغال هذا المؤتمر بقدر ما تصب في اتجاه دراسة اللغة من وجهة نظر علم اللغة الاجتماعي، فقد بشر بوضوح بميلاد اللسانيات الاجتماعية التنوعية التي هي في حد ذاتها تطوير للسانيات الاجتماعية الأوروبية مع دي سوسير والأمريكية مع جهود كل من (فرانز بواس) و (ليونار بلومفيلد) و (زليج هاريس)، وغيرهم.

ومما يزكي هذا الطرح هو أن أغلب المشاركين في المؤتمر اشتغلوا في مجال التعدد اللغوي على نطاق واسع، وقد عملوا كلهم في مبحث التغيير اللغوي الذي يطال العلاقة مع الأحداث الاجتماعية، وتطور فيما بعد إلى الحرص على المسك بعلاقة اللغة بالمجتمع. ومما زكى هذا التوجه في الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة انشغال اللسانيين الأمريكيين بهموم لغوية اجتماعية، منها تعليم اللغة الإنجليزية للأطفال من كل الشرائح الاجتماعية بما فيها الأمريكية ذات البشرة السوداء. وهو ما حذا بهم إلى الاتجاه الميداني التطبيقي لعلم اللغة الاجتماعي، والمتمثل في السياسة اللغوية والمسايرة للمجتمع المتنوع والمتطور، لاسيما بعد مقال (فرجسون) عن الازدواجية اللغوية، مما جعل الباحثين يُعْنَوْنَ بظواهر أخرى من صميم اللسانيات الاجتماعية ويتعلق الأمر تحديدا بالتعدد اللغوي ومشكلاته.

يذكر (لويس جان كالفي، Louis-Jean Calvet) الفرنسي، (65 يونيو 1942 م ـ 29 أكتوبر 2025 م) بخصوص اللسانيين المشاركين في مؤتمر (ويليام برايت) «أن هذا العدد من الباحثين كان همهم العلمي واحدًا، وقضاياهم العلمية واحدة، مما جعلهم أكثر تأثيرا في العالم، وأصبح لعلم اللغة الاجتماعي، نظرا لهذا التوجه، وتلك الجهود ـ مصطلحا ومفهوما منذ تاريخ انعقاد المؤتمر عام 1964م في لوس أنجلس.»[2]

2 ـ 2 مرحلة اللسانيات الاجتماعية التنوعية.

يمكن القول ـ من خلال ما تقدم من معطيات ـ إن نشوء اللسانيات الاجتماعية كان نتيجة تضافر جهود اللسانيين الأوروبيين الذين أكدوا على أهمية الطبيعة الاجتماعية للغة متأثرين بأفكار إيميل دوركايم الاجتماعية مع دي سوسير، رائد المدرسة السويسرية وأنطوان ميي رائد المدرسة الفرنسية، وروبرت فيرث رائد المدرسة الانجليزية، وكانت هذه المرحلة ممهدة للسانيات الاجتماعية الأوروبية. غير أن تطورها على الصعيد النظري والتطبيقي، ستشهده المدرسة الأمريكية من خلال الجهود التأسيسية لويليام برايت مع مؤتمر علم اللغة الاجتماعي سنة 1964 بلوس أنجلس، وكانت قضايا التنوع اللغوي وعلاقة اللغة بالمجتمع في شقها النظري والتطبيقي نقلة نوعية بشرت بظهور اللسانيات الاجتماعية التنوعية مع ويليام لابوف.

وإذا كانت مرحلة الستينيات من القرن العشرين قد مثلت تبشيرا حقيقيا باللسانيات الاجتماعية من خلال أبعاد مؤتمر علم اللغة الاجتماعي الذي دعا إلى تنظيمه (وليام برات) وساهم فيه بقدر وافر (ويليام لابوف)، فإن مرحلة السبعينات والثمانينات تمثل مرحلة التأسيس والتقعيد، في حين أن مرحلة التسعينات وبداية القرن الواحد والعشرين، فإنها تمثل مرحلة الانتشار والتمكين للسانيات الاجتماعية على المستوى العالمي.

ويمكن الاستعانة بجدول توضيحي في هذا الشأن كما يلي:

 

مرحلة التأسيس والتقعيد النظري والتطبيقي

مرحلة الامتداد والتمكين على المستوى العالمي

(أ) السبعينات من القرن العشرين، وتمثلها أعمال كل من:

  • فيشمان (Fishman) (1971م) و (1972م)
  • لابوف (Labov) (1972 م)
  • توردغيل (Traudgil) (1974 م)
  • كاردن (Grdin) (1974 م)
  • لا بوف (Labov) (1976م)
  • بوكوس (Boukous) (1976 م)

(ب) الثمانينات من القرن العشرين وتمثلها أعمال كل من:

  • لا بوف (Labov) (1981 م)
  • كالفي (Calvet) (1987 م)
  • غمرز (Gumberz) (1989 م)
  • ديتمار (Ditmar) (1989 م)

(أ) التسعينات من القرن العشرين، وتمثلها أعمال كل من:

  • مارسي (Marçais) (1991 م).
  • بوير (Boyer) (1991 م)
  • كالفي (Calvet) (1999، م 1993 م).
  • أشارد (Achard) (1993 م).
  • بوكوس (Boukous) (1995 م).
  • المسعودي Mesoudi)) (1995 م) و (1996 م أ) و (1996 م ب) و (1996 م ج)
  • كالفي (Calvet) (1996 م)
  • بيلو (Bulot) (1999 م)

(ب) بداية القرن الواحد والعشرين وتمثلها أعمال كل من:

  • بلونشي (Blanchet) (2000 م)
  • المسعودي (Messoudi) (2000 م) و
    ( 2003 م).

 

                                                                 

يُجمع مؤرخو اللسانيات الاجتماعية الأوروبية منها والأمريكية على الخصوص، أن أعمال هؤلاء اللسانيين، ساهمت منذ مخرجات مؤتمر (ويليام برايت) خلال ستينيات القرن العشرين، في الانتقال من التبشير بعلم اللسانيات الاجتماعية، وهي تعترف بالدور الكبير الذي لعبته اللسانيات الأوروبية بكونها تمثل مهدا للفكر اللساني الاجتماعي. أما بالنسبة لسبعينيات القرن العشرين، وأوائل الألفية الثانية، وبداية القرن العشرين، فتمثل مرحلتين حاسمتين في اتجاه التأسيس والتقعيد النظري والتطبيقي، خلال عقد التسعينيات وبداية الألفية الثانية والقرن والواحد والعشرين. فإذا كانت أسئلة اللسانيات الاجتماعية مع دي سوسير في مهدها الأوروبي قد طرحت أسئلة اللغة كموضوع أساس للسانيات وأقرت بطبيعتها الاجتماعية، وتناولت علاقتها بالكلام في إطار ثنائية (اللغة/ الكلام)، فاهتمت بالبنية الداخلية للغة في مستواها (الصوتي، والصرفي، والتركيبي والدلالي، الخ...، وأكدت على الطبيعة الفردية للكلام لكونه يحين اللغة ويخرجها من طابعها التجريدي. غير أنها أهملت السياق الاجتماعي والثقافي الذي أفرزها. وبالرجوع إلى جهود اللسانيين المذكورين في الجدول التوضيحي السابق، فإننا ومن خلال قراءة متأنية لطبيعة أسئلة اللسانيات الاجتماعية في مرحلة التأسيس والتقعيد النظري والتطبيقي الميداني، سنبين بوضوح أنها كرست خلال ستينيات القرن العشرين في فعاليات مؤتمر علم اللغة الاجتماعي سنة 1964 م، مبدأ تكامل المعرفة والعلوم الإنسانية من خلال الاستفادة من مناهج علم الاجتماع لدراسة ظاهرة اللغة. ومن هنا طرح سؤال هذه المرحلة على الشكل التالي ما علاقة علم اللغة الاجتماعي باللسانيات الاجتماعية؟ أما مرحلة التأسيس والتقعيد النظري والتطبيقي خلال السبعينيات والثمانينيات فقد انصب الاهتمام بالتحديد العلمي للأسس النظرية والتطبيقية للسانيات الاجتماعية، وذلك للإجابة عن الأسئلة التالية: هل اللسانيات الاجتماعية لسانيات الكلام؟ أم لسانيات خارجية؟ أم لسانيات التنوع؟ وهل هي لسانيات خاصة بالميدان؟

واستنادا إلى نتائج الدراسات الواردة في الجدول السابق فقد جاءت الإجابة عن هذه الأسئلة إيجابية، حيث أكدت على أهمية الكلام في تحديد التنوع اللغوي كموضوع أساس للسانيات الاجتماعية وهو ما أكد على دراسته ويليام لابوف في إطار ما بات يعرف باللسانيات الاجتماعية التنوعية، وأفرز نشوء علم اجتماع الكلام الذي يعنى بمستويات وتمثيلات المتكلمين بناء على ممارستهم اللغوية الفعلية في العشيرة اللغوية.

وإن اهتمام اللسانيات الاجتماعية التنوعية اللابوفية، جعلها تنفتح على علوم إنسانية ولسانية مجاورة متنوعة لدرجة أن ويليام لابوف كما يذكر عبد النور الحضري ينظر إلى اللسانيات الاجتماعية نظرة جامعة مانعة حيث يقول: «اللسانيات الاجتماعية ليست فرعا من اللسانيات، وليست مجال تقاطع معرفي فهي قبل كل شيء اللسانيات، كل اللسانيات.»[3]

جاء في القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان في هذا الصدد ما يلي: «يُعَدُّ ويليام لابوف هو المؤسس لهذا الاتجاه. ويعرف هذا الاتجاه بوصفه منهجا يَعْتَدُّ بالتغير اللغوي. وإذا كان هو كذلك، فإنه يتعارض مع مقاربة تشومسكي،" الذي يجعل هدفه وصف كفاءة المتكلم السامع المثالی فی إطار جماعة متجانسة"، وذلك بالاعتماد على الأحكام القاعدية. وبما أن اللسانيات الاجتماعية تهتم باللغة كما تتكلم بها جماعة لسانية، فإنها لا تستطيع أن تجعل تجانس البنى القاعدية مُسَلَّمَةً تصادق عليها، ومنها، فإنها تهتم بكل ما يتغير في اللغة وتدرس البناء الاجتماعي لهذا التغير.»[4]

وبناء عليه، فإن ويليام لابوف عندما أكد بأن اللسانيات الاجتماعية هي اللسانيات كل اللسانيات، فقد أقر باستفادتها من اللسانيات الاجتماعية في مهدها الأوروبي وعمل على تطويرها وفق مبدإ تكامل المعرفة والعلوم الإنسانية.

فقد استطاعت اللسانيات مع لابوف أن تستثمر كل الجهود العلمية من مختلف التخصصات العلوم الإنسانية والحقة مما كرس التفكير العلمي التجريبي الوصفي مع فكر دي سوسير، وتوجه إلى التنوع اللغوي مع اللسانيات الميدانية التطبيقة مع ويليام لابوف.

 

خاتمة:

تبين من خلال تتبعنا لأطوار اللسانيات في علاقتها باللسانيات الاجتماعية في مهدها الأوروربي و في المدرسة الأمريكية أن الأسس النظرية و المهنجية عرفت تحولات كبرى، يمكن تلخيصها إجمالا في أن الأفكار العلمية التي اهتم بها اللسانيون، وبلوروها بالقارة الأوروبية، وانتشرت في بقاع العالم نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شكلت مهدا لنشأة تيارات و مدارس لغوية لسانية كبرى، كالبنيوية الوصفية (دي سوسير)، والبنيوية الوظيفية (مارتيني)، والتوزيعية الأمريكية (هاريس و بلوم فيلد)، و التوليدية ( تشومسكي)، رائد مدرسة النحو التوليدي التي استقصت اللغات الطبيعية لبناء النحو الكلي.

على أن أغلب هذه التيارات والمدارس تبنت المنهج البنيوي، وعالجت اللغة كموضوع أساس للسانيات وهي تدرك أهميتها الاجتماعية التي أكدها دو سوسير من خلال ثنائية ( اللغة / الكلام) وتشومسكي خلال ثنائية (القدرة / الإنجاز)، غير أنها تناولتها في إطار نسقي داخلي، واستبعدت السياق الاجتماعي و الثقافي الذي أفرزها.

كما أن هناك تيارات في البحث اللساني الاجتماعي الأمريكي ( فيشمان و لابوف وغيرهما) توجهت إلى تفسير أمرين: تفسير التنوع في اللغة بناء على خصائص المجتمع المتضمنة في اللغة، و تفسير التحول فيها لأسباب اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية،... إلخ، و هو ما مثل تحولا كبيرا في تاريخ اللسانيات، حيث بدأ الاهتمام بدراسة التنوع اللغوي كموضوع للسانيات الاجتماعية، بدل الاهتمام باللغة ولا شيء آخر غير اللغة أكد ذلك دو سوسير.

وهكذا، سيعرف ميدان اللسانيات تَوجها نحو استقصاء التنوعات اللغوية التي تطال عملية الكلام
( صوتيا وصرفيا وتركيبيا ودلاليا)، مما أدى إلى نشوء و تطور لسانيات عرفت باللسانيات الاجتماعية، اشتغلت على موضوع التنوع والتحول اللغويين و اهتمت بالكلام و السياق و الميدان.

ومن الملاحظ  أن استعمالات مصطلح اللسانيات الاجتماعية متعددة: فهي تستعمل استعمالا موسعا يعتمد كل مقاربة تعالج التنوع اللغوي في علاقته بالمتغيرات الاجتماعية، واستعمالا ضيقا ينظر إلى التنوعات اللغوية كمؤشرات اجتماعية، تتوفر على سمات تحدد المتكلمين من طريقة كلامهم، الشيء الذي نَحَا بموضوع  اللسانيات الاجتماعية المتمثل في (التنوع اللغوي) إلى التميز عن مصطلح اللسانيات (اللغة) ومصطلح علم الاجتماع (المجتمع واللغة).

وقد تم التركيزعلى علاقة اللسانيات الاجتماعية التنوعية بالسياق السوسيو ثقافي من جهة وتقاطع اهتماماتها المعرفية التنوعية من جهة ثانية، ولذلك نجد رائدها ويليام لابوف يعتبر اللسانيات الاجتماعية هي اللسانيات أو كل اللسانيات.

وإنه من باب ثقافة الاعتراف للمجهودات التي بذلتها اللسانيات عامة في توجهها الاجتماعي، حيث شكلت مهدا للسانيات الاجتماعية لكونها اهتمت بإبراز الطابع الاجتماعي للغة مع رائد المدرسة السويسرية (دي سوسير)، والمدرسة الفرنسية (أنطوان ميي)، والمدرسة الأنجليزية (فيرث)، فإن إقصاءها للكلام والميدان من التصور النسقي للغة، قد أسقطها في النظرة المثالية التي تهتم بالممكن والمفترض، على حساب الاهتمام باستخلاص الظواهر اللغوية المتغيرة غير المتجانسة التي تُحَيِّنُ النسق و تجعله أكثر ارتباطا بالواقع الفعلي للمجتمع.

لقد استطاعت مدرسة اللسانيات الاجتماعية الأمريكية تجاوز إهمال مدارس اللسانيات الاجتماعية الأوروبية للبعد الخارجي للغة، فاهتمت بالكلام، و جعلت من الميدان أساس المعرفة للتغيرات اللغوية في المجتمع.

كانت هذه إذا، لمحة عن الأسس النظرية و المنهجية التي انبنت عليها اللسانيات الاجتماعية اسجلاء للعلاقة بين اللغة و المجتمع. وذلك من خلال رصدنا لمهدها الأوروبي، وتطورها الواضح مع المدرسة الأمريكية، وامتداداتها في العالم. و إننا لا ندعي الإحاطة بما يلزم من عناصر تقريب هذه المادة البحثية الشائكة تصورا و مهجا، متوخين البرهنة على أن الفرضية التي تبنيناها كأطروحة أساسية دافعنا على إثبات صحتها، ومفادها أن اللسيانيات الأوروبية تعتبر حقا مهدا للسانيات الاجتماعية، التي تطورت في أحضان المدرسة الأمريكية على يد رائد اللسانيات الاجتماعية التنوعية ويليام لابوف.

 

 

المراجـــع:

1ـ الكتب    

  • Leila Messoudi, Etudes sociolinguistique, Kénitra ? Publication de la Facultés des lettres et des Sciences Humaines, Université Ibn Tofail, 2003.
  • Ferdinand de Saussure, Cour de linguistique générale, Paris, Layot, 1972.

ـ حلمي خليل، العربية و علم اللغة البنيوي ـ دراسة في الفكر اللغوي العربي الحديث، درا المعرفة الجامعية الإسكندرية،1995 م.

ـ أوزوالد ديكرو، و جان ماري سشافير، القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، ترجمة: منذر عياشي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ المغرب، ط 3، 2013 م.

ـ زكي كريم، اللغة و الثقافة ـ دراسة أنتروبو لغوية لألفاظ و علاقة القرابة في الثقافة العربية، ط 2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009 م.

ـ بوقرة نعمان، اللسانيات، اتجاهاتها الراهنة، ط 1، عالم الكتب الحديثة للنشر و التوزيع،2009 م.

ـ كزار حسن، اللسانيات الاجتماعية في الدراسات الحديثة ـ التلقي و التمثلات، ط 1، بيروت / لبنان، 2018 م.

ـ فلوريان كولماس ،دليل اللسانيات،ترجمة : د.خالدالأشهب،وذ.ماجدولين النهيبي ،ط1،المنظمة العربية للترجمة،2009 م.

ـ الحضري عبد النور، مقال موسوم بـ: " اللسانيات الاجتماعية في المغرب من خلال كتاب ليلى المسعودي، دراسة النظرية و المنهج"، ضمن الكتاب الجامعي: " تكامل المغرفية و العلوم الانسانية، عربية فرنسية، منشورات مختبر اللغة و المجتمع، CNRST – URAC56، جامعة ابن طفيل، كلية الآداب و العلوم الإنسانية، 2017 م.

ـ بنقدور عبد الفتاح، اللغة دراسة تشريحية ـ إكلينيكية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، حسان الرباط ـ المغرب، ط 1، 2012 م.

2 ـ المجلات

ـ السيد عبد المنعم، وجدامي أحمد، رؤى اللغويين لجذور علم اللغة الاجتماعي، مجلة كلية دار العلوم، عدد 58، 2001 م.

ـ جون جوزيف، اللغة والهوية ـ قومية ـ إثنية ـ دينية، ترجمة: د. عبد النور خراقي، مجلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 342، أغسطس 2007 م.

 

[1] ـ    دليل السوسيوـ لسانيات، فلوريان كولماس، ترجمة: د خالد الأشهب، وذ. ماجدولين النبهي، ط1 المنظمة العربية للترجمة،2009م، ص. 49.

[2] ـ كزار حسن، اللسانيات الاجتماعية في الدراسات الحديثة التلقي والتمثلات، ص. 103.

[3] ـ الحضري عبد النور، اللسانيات الاجتماعية في المغرب من خلال كتاب ليلى المسعودي، دراسة في النظرية والمنهج، منشورات جامعة ابن طفيل، كلية العلوم الإنسانية، مختبر اللغة والمجتمع، تكامل المعرفة والعلوم الإنسانية، ص. 114 ـ 115.

[4] ـ القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، أوزوالد ديكرو، جان ماري سشايفر، ترجمة: د. منذر عياشي، منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ المغرب، ط 3، 2013م، ص. 134.

اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية الجزء الثاني
Partager cet article
Repost0
20 juin 2026 6 20 /06 /juin /2026 14:16

التواصل المدرسي رافعةً لتفعيل الأندية التربوية وتعزيز جودة الحياة المدرسية

د عبد الجليل بوسيف

ملخص

يسائل هذا المقال العلاقة بين التواصل المدرسي وفعالية الأندية التربوية، من منطلق أن جودة الحياة المدرسية لا تُبنى فقط بالمقررات بل أيضا بجودة العلاقات والمعلومات المتداولة بين الفاعلين التربويين. ويقف المقال، عبر مقاربة تحليلية نظرية، عند الإطار المفاهيمي لهذه المفاهيم الثلاثة، ثم يستعرض أبرز المرجعيات النظرية المفسرة للتواصل داخل المؤسسات، قبل تحليل وظائفه وآليات تفعيله داخل الأندية وتحدياته، ليختم بمداخل علمية لتجويد الحياة المدرسية. وتخلص الدراسة إلى أن تثمين التواصل المؤسساتي داخل الأندية يشكل رافعة استراتيجية لتحسين مناخ المؤسسة وتعزيز الانتماء المدرسي وتطوير الكفايات الحياتية للمتعلمين.

الكلمات المفتاحية: التواصل المؤسساتي؛ الأندية التربوية؛ جودة الحياة المدرسية؛ الحكامة التشاركية؛ المناخ المدرسي.

Abstract

This article examines the relationship between institutional communication and the effectiveness of school clubs, as extracurricular spaces complementing classroom instruction, starting from the premise that school-life quality rests not only on curricula but also on the quality of relationships and information among educational actors. Through a theoretical-analytical approach, it addresses the conceptual framework, reviews the main theoretical references, analyzes the functions and activation mechanisms of communication within school clubs, discusses related challenges, and proposes scientific approaches for improving school life. The study concludes that institutional communication within school clubs is a strategic lever for institutional climate, school belonging, and learners' life skills.

Keywords: Institutional communication; school clubs; quality of school life; participatory governance; school climate.

مقدمة

لم يعد التواصل داخل المؤسسات التعليمية مجرد وظيفة إجرائية، بل أضحى مدخلا أساسيا لفهم ديناميات الفعل التنظيمي وتفسير الأداء المؤسساتي[1]. فالمؤسسة التعليمية، بوصفها نسقا اجتماعيا مركبا، تحتاج قنوات تواصلية فعالة تربط مكوناتها البشرية لتحقيق أهدافها. وتُعد الأندية التربوية من أبرز الفضاءات التي تختبر فيها قدرة المؤسسة على التواصل، بحكم كونها فضاءات لامنهجية قائمة على الانخراط الطوعي لا تشتغل بفعالية إلا في مناخ تواصلي يسمح بتدفق المعلومة وبناء الإجماع[2]. ومن ثمة يطرح هذا المقال السؤال المركزي التالي: كيف يمكن للتواصل المؤسساتي أن يشكل رافعة حقيقية لتفعيل الأندية التربوية، وبالتالي الإسهام في تعزيز جودة الحياة المدرسية؟

وتتفرع عنه أسئلة فرعية تتعلق بحدود المفهوم ومرجعياته النظرية ووظائفه وآلياته وتحدياته. وتكتسي معالجته أهمية خاصة في ظل تحول النظر إلى المدرسة من فضاء للتلقين إلى فضاء للتنشئة الاجتماعية، ومحدودية الاهتمام الذي يحظى به التواصل المؤسساتي في الأدبيات التربوية العربية مقارنة بحقلي التدبير والإعلام.

اعتمدنا مقاربة تحليلية-تركيبية تستند إلى تحليل الأدبيات النظرية والمرجعيات المؤسساتية، عبر ضبط المفاهيم، واستقراء المرجعيات النظرية لتحليل واقع الأندية، ثم استخلاص مداخل عملية قابلة للتوظيف. وينبني المقال على تسعة محاور: الإطار المفاهيمي، والمرجعيات النظرية، والوظائف، وآليات التفعيل، والتحديات، والمداخل العلمية، وقراءات مقارنة دولية، ومناقشة عامة، وخاتمة وتوصيات.

أولا: الإطار المفاهيمي للموضوع

1. مفهوم التواصل المؤسساتي

يُعرَّف التواصل المؤسساتي بأنه مجموع العمليات التي تعتمدها مؤسسة لنقل المعلومات بين مكوناتها الداخلية ومحيطها الخارجي، بهدف بناء صورة موحدة وتحقيق أهدافها[3]. ويتميز، خلافا للتواصل الاجتماعي العام، بكونه موجَّها وممنهجا. وفي السياق المدرسي، يُعرَّف بكونه الوسائل التي تعتمدها المؤسسة لتنظيم تبادل المعلومات بين الإدارة والأطر والتلاميذ والآباء، بغاية خلق مناخ من الثقة والانخراط[4]. ويتخذ أشكالا متعددة: عمودي وأفقي وخارجي. كما يُميَّز بين مستوى رسمي عبر القنوات المعترف بها، ومستوى غير رسمي ينسج عبر التفاعلات اليومية وكثيرا ما يكون أسرع تأثيرا[5], وبين تواصل توجيهي قائم على التبليغ وتواصل تفاعلي قائم على الحوار، مع ترجيح متزايد في الأدبيات الحديثة لصالح هذا الأخير.

2. مفهوم الأندية التربوية

تُعرَّف الأندية التربوية بأنها فضاءات لامنهجية تتيح للمتعلمين الانخراط الطوعي في أنشطة متنوعة (ثقافية، فنية، علمية، بيئية، رياضية) تعزز الكفايات الحياتية[6]. ولا تقتصر أهميتها على البعد الترفيهي، بل تمتد إلى بناء الشخصية المتوازنة وترسيخ قيم المواطنة. وتتنوع بين ثقافية وأدبية وعلمية وبيئية ورياضية وفنية، وأخرى مرتبطة بالإعلام المدرسي والمواطنة الرقمية، بما يستوعب مختلف الميولات شريطة تأطير كفء وتواصل فعال[7]. ويتوقف نجاحها على توازن بين استقلاليتها النسبية في تدبير برامجها وانخراطها في مشروع المؤسسة، وهو توازن يستدعي تواصلا مستمرا بين الأطراف.

3. مفهوم جودة الحياة المدرسية

تحيل جودة الحياة المدرسية على الشروط المادية والنفسية والاجتماعية والتربوية التي توفرها المؤسسة لأفرادها لضمان رضاهم وانتمائهم وأمانهم[8]. ولا تقتصر على البعد التعليمي المحض، بل تشمل نوعية العلاقات ومناخ الانضباط وفرص المشاركة. وقد ميّز بعض الباحثين بين أربعة مكونات: الأمن والسلامة، والتدريس والتعلم، والعلاقات الإنسانية، والبيئة المؤسساتية[9], ويخترق التواصل المؤسساتي هذه المكونات الأربعة جميعها، ما يجعله متغيرا مفسرا مركزيا لجودة الحياة المدرسية.

4. العلاقة التكاملية بين المفاهيم الثلاثة

ترتبط المفاهيم الثلاثة بعلاقة تكاملية دائرية: التواصل هو الأداة التي تُفعَّل بها الأندية، وهذه الأخيرة هي الفضاء الذي يتجسد فيه ميدانيا، بينما تمثل جودة الحياة المدرسية الأثر المرغوب؛ فالتواصل وسيلة، والأندية ميدان، وجودة الحياة المدرسية هدف[10]. فضعف التواصل ينعكس على فعالية الأندية، وضعف هذه الأخيرة ينعكس بدوره على جودة الحياة المدرسية، وهذا الترابط يبرر معالجة المفاهيم الثلاثة معا ضمن إطار تحليلي واحد.

ثانيا: المرجعيات النظرية المؤطرة للتواصل المؤسساتي

1. النموذج الرياضي للتواصل (شانون وويفر)

يقوم نموذج شانون وويفر (1949) على تصور خطي للتواصل يمر عبر مرسل ورسالة وقناة ومستقبل، مع تشويش محتمل[11]. ورغم طابعه الميكانيكي، يظل مفيدا في تحليل الاختلالات التقنية التي تعتري مسار المعلومة داخل المؤسسة.

2. نظرية الفعل التواصلي (هابرماس)

طور هابرماس تصورا نقديا لفكرة الفعل التواصلي الهادف إلى التفاهم المتبادل عبر حوار عقلاني حر من الإكراه[12]. ويكتسي أهمية خاصة في تحليل التواصل داخل الأندية، بالنظر إلى الطابع التشاركي الذي ينبغي أن يميز العلاقة بين المؤطرين والمتعلمين، بعيدا عن التعليمات الفوقية.

3. نظرية الأنساق الاجتماعية (لوهمان)

يرى لوهمان أن التواصل هو الوحدة الأساسية المكوِّنة للأنساق الاجتماعية، وأن المؤسسة لا توجد إلا عبر عمليات تواصلية متجددة[13]. وتفيدنا في فهم الأندية أنساقا فرعية تحافظ على استقلاليتها النسبية عبر تواصل داخلي خاص، مع بقائها مرتبطة بالنسق العام.

4. سوسيولوجيا التنظيمات (كروزيي وفريدبرغ)

يرى كروزيي وفريدبرغ أن الفاعلين داخل أي تنظيم يمتلكون هوامش حرية واستراتيجيات خاصة، والتواصل أداة إدارة علاقات القوة والتفاوض[14]. وتفيدنا في فهم كون تفعيل الأندية لا يتم بمجرد توجيهات إدارية، بل يقتضي تفاوضا وثقة بين الإدارة والأساتذة والتلاميذ.

5. النظرية البنائية الاجتماعية للتعلم

تؤكد بنائية فيكوتسكي الاجتماعية أن التعلم يُبنى اجتماعيا عبر التفاعل والتواصل، وأن منطقة النمو القريبة تتفعّل بالوساطة اللغوية[15], ما يمنح التواصل داخل الأندية بعدا بيداغوجيا لا يقل أهمية عن بعده التنظيمي.

6. نظرية انتشار المستحدثات (روجرز)

تفيدنا نظرية روجرز في فهم انتشار ثقافة الانخراط التشاركي عبر مراحل متدرجة تبدأ بـ'الرواد المبتكرين' وصولا إلى تعميم الممارسة[16], وتُبرز أهمية 'قادة الرأي' داخل المؤسسة في تسريع هذا الانتشار.

7. نظرية الثقافة التنظيمية (شاين)

يرى شاين أن كل مؤسسة تنتج 'ثقافة تنظيمية' من افتراضات ضمنية وقيم معلنة وممارسات ظاهرة، والتواصل وسيط نقلها[17]. وتفيدنا في فهم كون تفعيل الأندية يستدعي ثقافة مؤسساتية تُثمّن الانخراط اللامنهجي جزءا من هوية المؤسسة لا نشاطا هامشيا.

8. قراءة تركيبية

يتضح أن التواصل المؤسساتي داخل الأندية ظاهرة مركبة تتقاطع فيها أبعاد تقنية وفلسفية-أخلاقية وسوسيولوجية وسيكوبيداغوجية، تسمح بمقاربة الأندية أنساقا فرعية تحتاج تواصلا منظما، وفضاءات للحوار الحر، وميدانا للتعلم البنائي الاجتماعي.

ثالثا: وظائف التواصل المؤسساتي داخل الأندية التربوية

1. الوظيفة الإخبارية

تضمن تدفق المعلومة المتعلقة ببرامج الأندية ومواعيدها بشكل متساوٍ بين الفاعلين، بما يحد من الإشاعة ويعزز الشفافية[18].

2. الوظيفة التحفيزية والتعبوية

يسهم التواصل الفعال في شحذ حافزية التلاميذ للانخراط في الأندية، وفي تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية حول أهمية الاستثمار في هذا الرافد اللامنهجي.

3. الوظيفة التنسيقية

ينسق التواصل المؤسساتي الجهود بين متدخلي تدبير الأندية (الإدارة، الأساتذة، جمعية الآباء، الشركاء)، بما يضمن انسجام البرمجة وتوزيع الأدوار.

4. الوظيفة الثقافية والهوياتية

يساهم في بناء هوية جماعية للنادي وربطها بمشروع المؤسسة، عبر تثمين الإنجازات وتوثيقها، مما يعزز الانتماء[19].

5. الوظيفة التكوينية

يشكل التواصل داخل الأندية فرصة تكوينية للمتعلمين، إذ ينمي مهارات التعبير والإنصات والتفاوض، وتمتد هذه الكفايات إلى باقي حياتهم المدرسية.

6. الوظيفة التقويمية والتنظيمية

ينقل معطيات سير الأنشطة إلى الجهات المعنية بما يتيح قرارات مبنية على معطيات دقيقة، ويضبط الجدولة تفاديا لأي تضارب.

7. الوظيفة الوقائية

يقلص الانخراط الإيجابي في أنشطة منظمة من هامش الفراغ الذي قد يُستثمر في سلوكات غير مرغوبة كالعنف أو التنمر، كما يسهل رصد أي معاناة نفسية مبكرة لدى المتعلمين[20].

وتتفاعل هذه الوظائف فيما بينها عضويا: ضعف أي وظيفة ينعكس سلبا على البقية، كضعف الوظيفة الإخبارية الذي يُضعف الحافزية، وضعف الوظيفة التقويمية الذي يحرم المؤسسة من التغذية الراجعة.

رابعا: آليات تفعيل التواصل المؤسساتي داخل الأندية التربوية

1. الآليات التنظيمية والمؤسساتية

تقتضي إحداث بنيات واضحة لتدبير التواصل، كتخصيص منسق للتواصل ضمن مجلس التدبير، ووضع مخطط تواصلي سنوي، واعتماد لوحات إعلانية[21].

2. الآليات البيداغوجية والتربوية

تتمثل في إدماج مقاربة تشاركية في تدبير الأنشطة، عبر لقاءات دورية لتقييمها، واعتماد أساليب تفاعلية كالعمل بالمشاريع والعصف الذهني.

3. الآليات الرقمية والتكنولوجية

أضحت الوسائط الرقمية أدوات فعالة لتوسيع دائرة التواصل حول أنشطة الأندية، وإشراك الأسر عن بعد، وتوثيق الإنجازات[22].

4. آليات الشراكة والانفتاح على المحيط

يتطلب تفعيل الأندية بناء شراكات مع الفاعلين المحليين، ما يستدعي تواصلا خارجيا منظما قائما على الاتفاقيات وتبادل الزيارات.

5. آليات التقييم والتغذية الراجعة

لا يكتمل التواصل دون آلية تغذية راجعة تقيس أثر الأنشطة ورضا المنخرطين، عبر استمارات ولقاءات دورية وتقارير سنوية تُعرض على مجالس المؤسسة.

6. الآليات البشرية والتكوينية

يستدعي الأمر تكوين الأساتذة المؤطرين في التواصل التربوي وتقنيات التنشيط، وتكوين تلاميذ 'سفراء' يتولون التواصل مع زملائهم بما ينمي كفايات القيادة لديهم[23], مع إشراك جمعيات الآباء في هذا التكوين كشريك فاعل.

7. نموذج مقترح لمخطط تواصلي سنوي

يمر هذا المخطط عبر أربع محطات: التعريف في بداية السنة، والمواكبة عبر نشرات دورية أثناءها، والتوثيق مع الأنشطة الكبرى، والتقييم في نهايتها[24], بما يضمن استمرارية التواصل طيلة السنة. ولا تتحقق نجاعة هذه الآليات إلا بإدماجها ضمن رؤية مؤسساتية شمولية تجعل التواصل جزءا من ثقافة العمل اليومي لا إجراء استثنائيا.

خامسا: تحديات وإكراهات تفعيل التواصل المؤسساتي داخل الأندية

1. إكراهات بنيوية وتنظيمية

تعاني بعض المؤسسات من غياب بنية واضحة لتدبير التواصل، وضعف الحيز الزمني المخصص للأندية، وثقل البرامج الدراسية[25], إضافة إلى غياب استمرارية مؤسساتية بحكم الحركية السنوية للأطر، مما يوقف بعض الأندية بمجرد مغادرة مؤطرها في غياب تواصل موثق.

2. إكراهات بشرية وتكوينية

يشكل غياب تكوين خاص في التواصل التربوي والتنشيط عائقا رئيسا، إذ يُسند تأطير الأندية أحيانا بمنطق تكميلي لضبط النصاب لا بمنطق الرغبة والكفاءة.

3. إكراهات ثقافية وتمثلاتية

لا تزال بعض التمثلات تنظر إلى الأندية كأنشطة ترفيهية هامشية، ما يضعف الحافزية على التواصل الجاد حولها، ويتعزز بضغط اجتماعي يربط النجاح حصريا بنتائج المواد الأساسية.

4. إكراهات رقمية وتقنية

تحد الفجوة الرقمية وضعف التجهيزات ومحدودية التكوين من الاستثمار الأمثل للوسائط الرقمية، إضافة إلى إشكال حماية المعطيات الشخصية للتلاميذ.

5. إكراهات مرتبطة بالحكامة التشاركية

يبقى ضعف انخراط التلاميذ والآباء في التخطيط والتقييم، واقتصار التواصل أحيانا على منطق تنازلي أحادي، عائقا أمام الطابع التشاركي للحياة المدرسية[26].

6. قراءة تركيبية

تتشابك هذه الإكراهات لتشكل 'دائرة جمود تواصلي': ضعف التكوين يُضعف الممارسة، وضعفها يعزز التمثلات السلبية التي تحد بدورها من الاستثمار في البنيات اللازمة. وكسر هذه الدائرة يتطلب تدخلا متزامنا على مختلف المستويات.

سادسا: المداخل العلمية لتجويد الحياة المدرسية عبر التواصل المؤسساتي

1. مدخل الحكامة التشاركية

يقوم على توسيع دائرة القرار لتشمل مختلف الفاعلين عبر آليات تشاركية كمجالس التلاميذ وجمعيات الآباء، بما يجعل الأندية فضاءات لممارسة المواطنة والديمقراطية التشاركية داخل المدرسة[27], ويفترض أن التواصل الصاعد من التلاميذ لا يقل أهمية عن التنازلي في ضمان ملاءمة البرامج لحاجاتهم.

2. مدخل الجودة الشاملة

يستند إلى مبادئ إدارة الجودة الشاملة التي تعتبر التواصل الداخلي أحد أهم مقومات تحسين الأداء المستمر، عبر معايير واضحة وقياس دوري وإشراك الفاعلين[28], ويقترح تطبيق دورة ديمينغ (تخطيط-تنفيذ-تحقق-تصحيح) بحيث يصبح التواصل جزءا من كل خطوة لا إجراء تبليغي لاحق.

3. مدخل علم النفس الإيجابي والرفاهية المدرسية

يركز على أهمية المشاعر الإيجابية والعلاقات الجيدة في تحقيق الرفاهية المدرسية وفق نموذج سيليغمان (PERMA)، بما يجعل الأندية رافعة مباشرة لتحسين الرفاهية النفسية للمتعلمين[29], إذ يسهم التواصل الإيجابي القائم على التشجيع في بناء رأسمال نفسي يمتد أثره إلى بقية الحياة المدرسية.

4. مدخل الهندسة البيداغوجية للأندية

يدعو إلى معالجة الأندية بمنطق هندسي يبدأ بتشخيص الحاجات، مرورا بتصميم برامج وفق أهداف معرفية ومهارية ووجدانية، وصولا إلى التنفيذ والتقييم، مع جعل التواصل حاضرا في كل مرحلة.

5. مدخل التنشيط التربوي وبناء المشروع الجماعي

يقوم على اعتماد تقنيات ديناميكية الجماعات في تدبير الأندية، بما يحول التلميذ من متلقٍّ إلى فاعل في بناء مشروع النادي وقواعده[30].

6. مدخل التدقيق التواصلي

يقترح إخضاع الممارسة التواصلية لتشخيص منهجي دوري بأدوات كالاستبيانات وتحليل الوثائق، بهدف الوقوف على مواطن القوة والضعف قبل وضع خطة تحسين مضبوطة[31], بما يحوله من ممارسة عفوية إلى مسار مؤسساتي قابل للتقييم والتطوير.

7. تركيب

يقتضي تجويد الحياة المدرسية عبر التواصل مقاربة نسقية تجمع الأبعاد التنظيمية والنفسية-الاجتماعية والبيداغوجية والتقييمية، ولا تكتسي هذه المداخل قيمتها إلا بتكاملها ضمن مشروع مؤسساتي واحد يضع التواصل في قلب استراتيجية تفعيل الأندية.

سابعا: قراءات مقارنة في تجارب دولية

1. التجربة الفرنسية

أرست فرنسا بنية متخصصة تحت مسمى 'الحياة المدرسية' يُشرف عليها مستشار متخصص مهمته تنظيم التواصل وتنشيط الأندية، بما يضمن جهة واضحة المسؤولية[32], خلافا لأنظمة أخرى تُوزَّع فيها هذه المهمة بشكل غير منظم.

2. التجربة الفنلندية

تراهن فنلندا على مبدإ الثقة كأساس للتواصل، عبر منح استقلالية واسعة للمدارس والمتعلمين في اقتراح الأنشطة، مع تواصل أفقي مكثف بين الأساتذة وأولياء الأمور قائم على تقارير غير رسمية[33], ما يؤكد أن جودة التواصل ترتبط بمناخ الثقة أكثر من الإجراءات الرسمية.

3. النموذج الأنجلوسكسوني

تعتمد بريطانيا والولايات المتحدة نموذج الأنشطة الطلابية اللامنهجية ذات الحكم الذاتي الواسع، إذ يتولى الطلاب وضع برامج الأندية وتنظيم فعاليات إشهارية سنوية للتعريف بها[34], ما يعكس فلسفة تُعلي من شأن القيادة الطلابية الذاتية.

4. تجارب عربية

شرعت دول عربية، كالمغرب وتونس والإمارات، في مأسسة تدريجية للحياة المدرسية عبر أدلة مرجعية ومنصات رقمية لتتبع الأنشطة اللامنهجية، غير أنها تبقى في حاجة إلى مواكبة أكبر على مستوى التكوين والموارد[35].

5. الدروس المستخلصة

يمكن استخلاص أهمية بنية مؤسساتية واضحة المسؤولية (التجربة الفرنسية)، ومناخ ثقة ييسر التواصل (التجربة الفنلندية)، وإشراك المتعلمين في تدبير تواصل أنديتهم (النموذج الأنجلوسكسوني)، مع مراعاة الفوارق البنيوية والثقافية بين السياقات.

ثامنا: مناقشة عامة

يمكن فتح نقاش حول طبيعة العلاقة بين التواصل المؤسساتي وجودة الحياة المدرسية من زاويتين: طبيعتها، وحدود تعميم النتائج. فبخصوص الأولى، تشير الأدبيات إلى أن العلاقة تفاعلية دائرية لا سببية أحادية: التواصل الجيد يحسّن جودة الحياة المدرسية، وهذه بدورها تخلق مناخا مواتيا لمزيد من التواصل الإيجابي، في حلقة تصاعدية، وينطبق العكس في حلقة متراجعة، وهذا الطابع الدائري يجعل التدخل الإصلاحي ممكنا من أي مدخل.

أما الزاوية الثانية فتتعلق بكون التجارب الدولية المستعرضة نشأت في سياقات متباينة عن السياق العربي، ما يستدعي الحذر عند إسقاطها آليا دون مراعاة خصوصيات كل مؤسسة، وتبقى المداخل المقترحة إطارا عاما مرنا قابلا للتكييف لا وصفة جاهزة.

ويبقى من أبرز حدود هذا المقال طابعه النظري غير المسنود بدراسة ميدانية تقيس أثر التواصل فعليا، وهو ما يفتح أفقا بحثيا لدراسات كمية أو كيفية مستقبلية تختبر الفرضيات المطروحة هنا. وعمليا، فإن ما يميز المؤسسات الناجحة في تفعيل أنديتها ليس وفرة مواردها بقدر ما هو قيادة تربوية واعية بأهمية التواصل وقادرة على استثمار المتاح ضمن رؤية واضحة.

تاسعا: خاتمة وتوصيات

يتبين أن التواصل المؤسساتي متغير محوري في تفعيل الأندية وتعزيز جودة الحياة المدرسية، بالنظر إلى وظائفه المتعددة وارتباطه بمرجعيات نظرية متنوعة. غير أن تفعيله يظل مشروطا بتجاوز إكراهات بنيوية وبشرية وثقافية ورقمية، عبر مقاربة شمولية تنظيمية وتكوينية ورقمية وتشاركية، كما بيّنت المقارنة الدولية التي تبنته أنظمة متقدمة بصيغ متنوعة، مع التمييز بين المبادئ العامة والآليات الخاصة بكل سياق.

وفي ضوء ما سبق، نوصي بإحداث خلية للتواصل المؤسساتي داخل كل مؤسسة؛ وإدماج وحدات تكوينية في التواصل التربوي والتنشيط ضمن برامج التكوين الأساس والمستمر؛ وتعميم الوسائط الرقمية التشاركية في التعريف بالأنشطة وتوثيقها؛ وإرساء آليات دورية لتقييم أثر الأندية بمؤشرات واضحة؛ وتعزيز الحكامة التشاركية عبر إشراك التلاميذ في التخطيط والتقييم؛ وتوثيق الذاكرة المؤسساتية لكل نادٍ لضمان استمراريته؛ وتشجيع البحث الميداني حول أثر التواصل على جودة الحياة المدرسية.

وختاما، فإن الاستثمار في التواصل المؤسساتي بوصفه رافعة استراتيجية لا يخدم فقط تفعيل الأندية، بل يسهم في إرساء ثقافة مؤسساتية قوامها الانفتاح والثقة والمشاركة، وهي أساس متين لأي حياة مدرسية هادفة.

لائحة المراجع

المراجع باللغة العربية

خليل عبد الرحمن المعايطة، الاتصال التربوي وأثره في العملية التعليمية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الثانية، 2010.

محمد الدريج، التواصل التربوي: مفاهيم ومقاربات، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء، 2015.

عبد الكريم غريب، الأندية التربوية بين النص التشريعي والواقع العملي، مجلة علوم التربية، العدد 45، الرباط، 2018.

عبد الكريم غريب، مدخل إلى سوسيولوجيا المؤسسة التعليمية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الثالثة، 2016.

روجي موكيلي، ديناميكية الجماعات وتقنيات التنشيط التربوي، ترجمة محمد الطاهري، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2012.

دليل الحياة المدرسية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المملكة المغربية، الطبعة المنقحة، 2008.

المذكرة الوزارية رقم 157 بتاريخ 12 نونبر 2004 المتعلقة بالأندية التربوية، وزارة التربية الوطنية، المملكة المغربية.

الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية، 2015.

الميثاق الوطني للتربية والتكوين، لجنة التربية والتكوين، المملكة المغربية، 1999.

المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، تقرير حول واقع الأنشطة اللاصفية في الوطن العربي، تونس، 2020.

References in Foreign Languages

Crozier, Michel & Friedberg, Erhard. L'acteur et le système: les contraintes de l'action collective. Paris: Éditions du Seuil, 1977.

Détrie, Philippe. Conduire une démarche de communication interne: du diagnostic à l'action. 3rd ed. Paris: Dunod, 2010.

Habermas, Jürgen. Théorie de l'agir communicationnel. Trans. Jean-Marc Ferry. Vol. 1. Paris: Fayard, 1987.

Le Goff, Jean-Pierre. La communication interne dans l'organisation scolaire. Paris: Éditions ESF, 2013.

Libaert, Thierry. Le plan de communication: définir et organiser votre stratégie de communication. 6th ed. Paris: Dunod, 2017.

Luhmann, Niklas. Social Systems. Trans. John Bednarz Jr. Stanford: Stanford University Press, 1995.

Miège, Bernard. La société conquise par la communication. Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 1989.

National Association of Secondary School Principals (NASSP). Breaking Ranks: The Comprehensive Framework for School Improvement. Reston, 2011.

National School Climate Council. The School Climate Improvement Process: A Guide. New York, 2007.

Rogers, Everett. Diffusion of Innovations. 5th ed. New York: Free Press, 2003.

Sahlberg, Pasi. Finnish Lessons 2.0: What Can the World Learn from Educational Change in Finland. New York: Teachers College Press, 2015.

Sallis, Edward. Total Quality Management in Education. 3rd ed. London: Kogan Page, 2002.

Schein, Edgar. Organizational Culture and Leadership. 4th ed. San Francisco: Jossey-Bass, 2010.

Toulemonde, Bernard. Le système éducatif en France. 4th ed. Paris: La Documentation Française, 2011.

Seligman, Martin. Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being. New York: Free Press, 2011.

Shannon, Claude & Weaver, Warren. The Mathematical Theory of Communication. Urbana: University of Illinois Press, 1949.

UNESCO. Quality Education for All: Towards a Better School Life. Paris: UNESCO, 2016.

UNESCO. Education in the Digital Age: Towards an Open and Connected School. Paris: UNESCO, 2019.

Vygotsky, Lev. Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Cambridge: Harvard University Press, 1978.

 

[1]انظر في هذا الصدد: خليل عبد الرحمن المعايطة، الاتصال التربوي وأثره في العملية التعليمية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الثانية، 2010، ص. 45-52.

[2]المذكرة الوزارية رقم 157 بتاريخ 12 نونبر 2004 المتعلقة بالأندية التربوية، وزارة التربية الوطنية، المملكة المغربية.

[3]Bernard Miège, La société conquise par la communication, Presses Universitaires de Grenoble, Grenoble, 1989, p. 34-38.

[4]محمد الدريج، التواصل التربوي: مفاهيم ومقاربات، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء، 2015، ص. 21-29.

[5]Jean-Pierre Le Goff, La communication interne dans l'organisation scolaire, Éditions ESF, Paris, 2013, p. 18-27.

[6]دليل الحياة المدرسية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المملكة المغربية، الطبعة المنقحة، 2008، ص. 60-75.

[7]دليل الحياة المدرسية، مرجع سابق، ص. 65-72.

[8]منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، جودة التعليم من أجل الجميع: من أجل حياة مدرسية أفضل، باريس، 2016، ص. 12-18.

[9]National School Climate Council, The School Climate Improvement Process: A Guide, New York, 2007, p. 10-14.

[10]عبد الكريم غريب، مدخل إلى سوسيولوجيا المؤسسة التعليمية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الثالثة، 2016، ص. 112-118.

[11]Claude Shannon & Warren Weaver, The Mathematical Theory of Communication, University of Illinois Press, Urbana, 1949, p. 5-16.

[12]Jürgen Habermas, Théorie de l'agir communicationnel, trad. Jean-Marc Ferry, Fayard, Paris, 1987, tome 1, p. 101-120.

[13]Niklas Luhmann, Social Systems, trans. John Bednarz Jr., Stanford University Press, Stanford, 1995, p. 137-175.

[14]Michel Crozier & Erhard Friedberg, L'acteur et le système: les contraintes de l'action collective, Éditions du Seuil, Paris, 1977, p. 25-40.

[15]Lev Vygotsky, Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes, Harvard University Press, Cambridge, 1978, p. 84-91.

[16]Everett Rogers, Diffusion of Innovations, Free Press, New York, 5th edition, 2003, p. 20-38.

[17]Edgar Schein, Organizational Culture and Leadership, Jossey-Bass, San Francisco, 4th edition, 2010, p. 17-26.

[18]خليل عبد الرحمن المعايطة، مرجع سابق، ص. 88-93.

[19]Philippe Détrie, Conduire une démarche de communication interne: du diagnostic à l'action, Dunod, Paris, 3e édition, 2010, p. 55-63.

[20]National School Climate Council, op. cit., p. 22-25.

[21]دليل الحياة المدرسية، مرجع سابق، ص. 102-108.

[22]منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، التعليم في عصر الرقمنة: نحو مدرسة منفتحة ومتصلة، باريس، 2019، ص. 30-37.

[23]روجي موكيلي، مرجع سابق، ص. 130-140.

[24]Philippe Détrie, op. cit., p. 95-110.

[25]عبد الكريم غريب، الأندية التربوية بين النص التشريعي والواقع العملي، مجلة علوم التربية، العدد 45، الرباط، 2018، ص. 15-22.

[26]Michel Crozier & Erhard Friedberg, op. cit., p. 45-50.

[27]الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية، الرافعة 8، 2015، ص. 22-25.

[28]Edward Sallis, Total Quality Management in Education, Kogan Page, London, 3rd edition, 2002, p. 40-55.

[29]Martin Seligman, Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being, Free Press, New York, 2011, p. 16-20.

[30]روجي موكيلي، ديناميكية الجماعات وتقنيات التنشيط التربوي، ترجمة محمد الطاهري، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2012، ص. 70-85.

[31]Thierry Libaert, Le plan de communication: définir et organiser votre stratégie de communication, Dunod, Paris, 6e édition, 2017, p. 60-78.

[32]Bernard Toulemonde, Le système éducatif en France, La Documentation Française, Paris, 4e édition, 2011, p. 145-152.

[33]Pasi Sahlberg, Finnish Lessons 2.0: What Can the World Learn from Educational Change in Finland, Teachers College Press, New York, 2015, p. 65-80.

[34]National Association of Secondary School Principals (NASSP), Breaking Ranks: The Comprehensive Framework for School Improvement, Reston, 2011, p. 55-63.

[35]المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، تقرير حول واقع الأنشطة اللاصفية في الوطن العربي، تونس، 2020، ص. 40-48.

التواصل المدرسي رافعةً لتفعيل الأندية التربوية وتعزيز جودة الحياة المدرسية
Partager cet article
Repost0
15 mai 2026 5 15 /05 /mai /2026 21:29
كتاب " مقولات السرد في الرواية العربية" لعبد الرحمن النوايتي

كتاب " مقولات السرد في الرواية العربية" لعبد الرحمن النوايتي

دراسة السرد في الرواية العربية من منظور نقد النقد

د. ادريس عبد النور

 

 مداخل أساسية:

يتناول هذا الكتاب دراسة السرد في الرواية العربية من منظور نقد النقد، حيث يركز على تحليل المفاهيم والمقولات التي يتناولها النقد الأدبي في تعامله مع النصوص الروائية. يقوم المؤلف بتقييم مدى تطور هذه المقولات وكيفية تأثيرها في فهم وتحليل الرواية العربية. كما يتناول الأدوات النقدية المستخدمة في دراسة السرد الروائي، مع تقديم نقد للمناهج والمقاربات المتبعة في تحليل النصوص. يحاول فيه النوايتي توضيح الفجوات أو القصور في بعض تلك المناهج، سواء كانت تقليدية أم حديثة، ويبحث في الكيفية التي يمكن بها تحسينها أو تطويرها لتتناسب مع الخصوصية الثقافية والتاريخية للرواية العربية.

يتميز الكتاب برؤية نقدية تحليلية تعيد النظر في أسس النقد الروائي العربي وتقدم مقترحات لكيفية تجديد وتطوير النقد الأدبي ليتجاوز الأنماط الجامدة ويصبح أكثر قدرة على فهم الديناميات الجديدة في الرواية العربية.

"مقولات السرد في الرواية العربية" هو كتاب يبدو أنه يتناول تحليل الأساليب السردية في الرواية العربية، ويناقش تطورها والتقنيات التي يستخدمها الكتاب العرب في سرد قصصهم، حيث يمكننا التركيز على الجوانب التالية عبر تساؤلات اساسية:

1. المنهجية والتحليل:

الوضوح والعمق: هل يتناول الكتاب موضوعه بأسلوب واضح ومنهجي؟ هل يتم تقديم النظريات السردية بشكل يسهل فهمها للقراء سواء كانوا متخصصين أو غير متخصصين؟

التأصيل التاريخي: هل يقدم الكتاب خلفية تاريخية كافية للسرد في الرواية العربية، ويشير إلى الأصول الأدبية القديمة وأثرها على الرواية المعاصرة؟

التنوع الجغرافي: هل يغطي الكتاب تنوع الرواية العربية بين مختلف البلدان والثقافات العربية؟ فالأساليب السردية في المغرب، المشرق، والخليج قد تختلف، وهو جانب مهم لتحليل سرديات الرواية.

2. الأمثلة والنصوص:

الأمثلة التطبيقية: هل يقدم الكتاب أمثلة تطبيقية لنظرياته عبر تحليل نصوص أدبية معروفة؟ هل تم اختيار الروايات بذكاء لتمثل مدارس أدبية مختلفة؟

التوازن بين الكلاسيكي والمعاصر: هل يتم التركيز على الروايات الكلاسيكية فقط أم يشمل الكتاب الرواية العربية الحديثة وما تطرحه من أساليب سردية جديدة؟

3. الأسلوب النقدي:

الموضوعية: هل يتسم نقد الكتاب بالموضوعية، أم أن هناك تحيزات أدبية أو أيديولوجية؟

التجديد: هل يقدم الكتاب رؤى جديدة حول السرد في الرواية العربية، أم أنه يكرر ما سبق أن تناوله النقاد الأدبيون؟

4. الأثر العام:

الإسهام الأكاديمي: هل يشكل الكتاب إضافة مميزة إلى المكتبة العربية الأدبية؟ هل يمكنه أن يكون مرجعًا أكاديميًا للنقاد أو الطلاب المتخصصين في الأدب؟

التأثير على القراء العاديين: هل يجعل القارئ العادي يفهم أساليب السرد بشكل أعمق، أم أنه موجه فقط للنقاد؟

بناءً على هذه التساؤلات، يمكن تقييم الكتاب بشكل شامل:

يتناول النوايتي في كتابه"مقولات السرد في الرواية العربية" البنية السردية للرواية، حيث يسعى إلى تفكيك العناصر التي تجعل الرواية وسيلة تعبير فعّالة. يتناول مناهج القراءة المتعددة ويبحث في الكيفية التي يمكن أن يتجاوز بها النص الأدبي الحدود التقليدية للقراءة والتحليل. النوايتي يقترح أن النص الأدبي الحديث لا يخضع للقواعد الجامدة، بل إنه يتطلب انفتاحا نقديا واستعدادا لفهم المتغيرات السردية التي تحكم هذا النوع الأدبي.

ويركز أيضًا على الرمزية في الرواية، محللاً الرموز والشفرات التي يستخدمها الروائيون للتعبير عن المعاني المخفية والتفاعل مع القارئ. حيث يظهر كيف أن الرمزية في النص الروائي تشكل جسرا بين الثقافات والتجارب الإنسانية، وتساعد في فتح حوار حول القضايا الكبرى المتعلقة بالهوية والوجود.

وتحتل السيميائيات أيضًا مكانة مهمة في مقاربات النوايتي، إذ يعالج كيف يمكن تحليل النصوص الروائية من منظور العلامات والإشارات التي تساهم في تشكيل المعاني الأدبية. يعكس اهتمامه بالسيميائيات رغبة في كشف الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي تؤطر الرواية، ويدفع القراء نحو استكشاف أعمق للعلاقات بين النصوص وسياقاتها المتعددة.

من خلال تحليله للرواية، يعمل النوايتي على تحرير النص من المقاربات الجامدة التي تحصر في نطاق الدراسة التقليدية، ويفتح الباب أمام قراءات أكثر مرونة وشمولية للنصوص الأدبية.

بهذا الشكل، يمثل عمل د. عبد الرحمان النوايتي  في مجال الرواية محاولة لتطوير أدوات نقدية تواكب التغيرات الحديثة في الأدب، وتسهم في تعزيز الفهم العميق لهذا النوع الأدبي المتجدد.

عند تناول نقد النقد في كتاب "مقولات السرد في الرواية العربية" للدكتور عبد الرحمان النوايتي ، يمكن أن نركز على بعض الجوانب المهمة:

1. مراجعة وتقييم المناهج النقدية:

في كتابه، قد يركز عبد الرحمن النوايتي على نقد مناهج السرد التي اعتمدها النقاد العرب في تحليل الرواية. هذا يتضمن مناقشة مدى صلاحية أو قصور هذه المناهج في التعامل مع الرواية العربية وتطورها. يمكن للنوايتي أن يشير إلى مواطن القوة والضعف في تلك المناهج، ويقترح بدائل أو تعديلات عليها.

2. تحليل النصوص الأدبية مقارنة بالنقد السابق:

يقوم عبد الرحمان النوايتي بتقييم كيفية تعامل النقاد مع نصوص معينة في الرواية العربية. هنا، يدخل في نقد النقد من خلال تقديم تحليل مغاير لتلك النصوص، مظهرا كيف أن بعض النقاد قد أهملوا جوانب معينة أو أساؤوا فهم تقنيات السرد.

3. التحيزات النقدية:

من أهم جوانب نقد النقد هو تسليط الضوء على التحيزات التي قد تكون أثرت في تقييم النقاد للنصوص الأدبية. هل يشير النوايتي إلى أن بعض النقاد قد انجرفوا نحو تحيزات أيديولوجية، سياسية، أو ثقافية عند نقد الروايات العربية؟ وهل يقدم نقدًا لهذه التحيزات؟ هذا جزء أساسي من نقد النقد، حيث يتم تقييم مدى موضوعية النقد السابق.

4. تطوير الأدوات النقدية:

قد يتناول الكتاب قضية الحاجة إلى تطوير أدوات نقدية جديدة لتحليل السرد العربي، خاصة مع التغيرات الاجتماعية والثقافية المعاصرة. نقد النقد هنا يتجلى في تسليط الضوء على الأدوات النقدية المستخدمة تاريخيًا وما إذا كانت لا تزال ملائمة في التعامل مع الرواية الحديثة.

5. تفاعل النقد العربي مع المناهج العالمية:

من الممكن أن يطرح النوايتي قضية كيفية استجابة النقاد العرب للمناهج النقدية العالمية، مثل البنيوية، التفكيكية، وما بعد الحداثة. هل تعامل النقد العربي مع هذه المناهج بشكل مثمر، أم أنه اقتصر على تطبيق سطحي؟ هذا النوع من التحليل يعتبر نقدا لنقد النقاد الآخرين ويبرز الفجوات التي قد تكون موجودة في تبني تلك المناهج.

6. تأثير نقد النقد على تطوير الرواية العربية:

أن أحد أهداف نقد النقد هو تحسين الممارسة الأدبية نفسها. وقد ناقش النوايتي كيف أن إعادة تقييم النقد الأدبي قد يساهم في تعزيز الابتكار السردي في الرواية العربية، ويحفز الكتاب على استخدام تقنيات سردية أكثر تعقيدًا وعمقًا.

وعند التحدث عن "نقد النقد" في كتاب مثل "مقولات السرد في الرواية العربية" لعبد الرحمان النوايتي، من المهم أن نوضح أن نقد النقد هو نوع من التحليل الأدبي الذي يتناول كيفية تقييم النقاد للأعمال الأدبية أو كيفية نقد النظريات والمفاهيم النقدية نفسها. فالكتاب يتعامل مع نقد أساليب السرد في الرواية العربية، فهو يحتوي على نقد لأعمال نقدية سابقة أو يعالج مناهج النقد الأدبي بشكل أكثر عمقاً. ويمكننا تناول "نقد النقد" في هذا الكتاب من عدة زوايا:

1. تحليل مناهج النقد السابقة:

من الضروري معرفة أن عبد الرحمان النوايتي مع النظريات النقدية السابقة. فكيف يقدم رؤيته الخاصة حول السرد في الرواية العربية مقارنةً برؤى نقاد آخرين؟

إذا قام الكتاب بتحليل آراء نقدية معينة، فإن "نقد النقد" هنا يعني تقييم مدى فاعلية هذه الآراء وتأثيرها على فهم السرد. على سبيل المثال، هل قدم النوايتي رؤى نقدية جديدة تتحدى أو تدعم المناهج التقليدية في نقد السرد؟

2. التعاطي مع التحيزات النقدية:

في نقد النقد، يتم التركيز على تحيزات النقاد الأدبية أو الأيديولوجية. هل يشير النوايتي إلى وجود تحيزات معينة لدى النقاد العرب في تعاملهم مع الرواية العربية؟ وكيف يقيم تلك التحيزات؟ وهل يقدم بديلاً أكثر موضوعية أو شاملًا؟

3. التطبيق العملي لنظريات النقد:

من خلال تحليل الأعمال الأدبية، يقوم النوايتي بنقد الطرق التي تعامل بها النقاد مع بعض النصوص. هل قام النقاد السابقون بتفسير النصوص السردية العربية بشكل موضوعي؟ أم أنهم تجاهلوا جوانب معينة من السرد العربي لأسباب منهجية أو أيديولوجية؟

4. إضافة أو مراجعة الأدوات النقدية:

قد يسعى النوايتي إلى إعادة تقييم الأدوات والمفاهيم النقدية التي استخدمها نقاد السرد العربي. على سبيل المثال، هل الأدوات التي تم استخدامها في تحليل الرواية العربية كافية لفهم تعقيداتها؟ أم أن هناك حاجة إلى تطوير مفاهيم نقدية جديدة؟

5. تأثير نقد النقد على القارئ:

"نقد النقد" لا يهدف فقط إلى مخاطبة الأكاديميين، بل يؤثر أيضًا على القراء الذين قد يكونون غير متخصصين. هل يسهم الكتاب في تعزيز فهم القراء غير المتخصصين لكيفية عمل النقد الأدبي؟ ويساعدهم في رؤية النصوص السردية من منظور نقدي أعمق؟

كتاب "مقولات السرد في الرواية العربية" لعبد الرحمن النوايتي يعد محاولة جادة لتقديم قراءة منهجية جديدة حول السرد العربي، خاصة في ظل التغيرات التي شهدها النقد الأدبي، ويأتي الكتاب ليبرز تجديدات في الكتابة النقدية، سواء من حيث الموضوع أو المنهج. وفيما يلي عرض مفصل لكل فصل، مع إبراز التجديد في الكتابة النقدية للناقد:

الفصل الأول: المقدمات النظرية للسرد والنقد

في هذا الفصل، يضع النوايتي الأسس النظرية لمفهوم السرد، مستخدمًا منهجا نقديا مقارنا بين الأدبيات الغربية والعربية. يعتمد الناقد على مقاربة تجمع بين البنيوية والتفكيك، وهو ما يعد تطورًا في الكتابة النقدية لأنه يرفض التمسك بمقاربة واحدة جامدة. النقطة الجديدة هنا هي توظيفه لتعددية منهجية، حيث يوضح أهمية استخدام أكثر من منظور نقدي لتحليل السرد بشكل شامل. كما يناقش قضية تأثير النظريات النقدية الغربية على النقد العربي، لكنه يرفض التقليد الأعمى، مما يفتح بابًا لتطوير نقد عربي مستقل.

يقدم النويتي إطارا نظريا عاما لمفهوم السرد في الرواية العربية، ويعرف السرد بوصفه عملية تشكيل المعنى من خلال النصوص. يوضح الفروقات بين السرد التقليدي والسرد الحديث، ويستعرض الأطر النظرية الأساسية التي استخدمها النقاد العرب والغربيون لتحليل الروايات. يناقش أيضاً مدى تأثير المناهج الغربية، مثل البنيوية وما بعدها، على النقد الأدبي العربي.

الفصل الثاني: مفاهيم السرد في الرواية العربية

النوايتي في هذا الفصل يقدم مراجعة نقدية لمفاهيم السرد التقليدية مثل الحبكة، الزمن، والشخصيات. الجديد في هذا الفصل هو أنه لا يكتفي بتحليل هذه المفاهيم من منظور تقليدي، بل يقدم تجديدًا يتمثل في تحليل هذه المفاهيم ضمن السياق العربي الاجتماعي والسياسي. يعيد النويتي النظر في مفاهيم مثل "الزمن السردي" و"التفاعل بين الشخصيات"، مشيرا إلى أن الأدب العربي يحتاج إلى أدوات تحليل تناسب خصوصيته الثقافية. النقد في هذا الفصل يخرج من إطار النص إلى تحليل علاقة النص بالسياق الذي نشأ فيه.

يركز هذا الفصل على تحليل المفاهيم الأساسية المتعلقة بالسرد، مثل الحبكة، الزمن، والشخصيات. يعرض كيف تم تناول هذه المفاهيم من قبل النقاد العرب مقارنة بالمدارس النقدية الغربية. يراجع النويتي الممارسات النقدية التي تم تبنيها في تحليل النصوص الروائية العربية، وينتقد بعض التأويلات السطحية التي قدّمها نقاد السرد التقليديين.

الفصل الثالث: السرد والهوية الثقافية

هذا الفصل يمثل انعطافة في الكتابة النقدية للنوايتي حيث يدمج بين الأدب والنقد الثقافي. الجديد هنا هو ربط السرد الروائي بالهوية الثقافية، مما يعطي بعدا جديدا لتحليل النصوص. يعالج الناقد كيف أن السرد يعكس الهوية والتاريخ واللغة بشكل عميق، ويستخدم في ذلك منهجًا يجمع بين النقد الأدبي والدراسات الثقافية. هذا الاتجاه في الكتابة النقدية يعتبر جديدا نسبيا، لأنه يدخل السرد في حوار مع مفاهيم الهوية والانتماء والتمثل الاجتماعي، مما يخلق نقدا أكثر شمولية وواقعية.

ينتقل هذا الفصل إلى تحليل العلاقة بين السرد والهوية الثقافية في الرواية العربية. هنا يتناول النويتي قضايا مثل تأثير التاريخ واللغة على بناء السرد في النصوص العربية. يناقش كيف أن السرد الروائي يعكس الهوية الثقافية العربية ويعبر عن هموم مجتمعية مثل الهوية القومية، والانتماء، والتحولات السياسية والاجتماعية. يطرح سؤالا مهما حول ما إذا كان النقد الأدبي العربي قد تمكن من استيعاب هذه الأبعاد الثقافية بطريقة فعالة أم لا.

الفصل الرابع: نقد النقد في الرواية العربية

هذا الفصل يُظهر التجديد الحقيقي في الكتابة النقدية لعبد الرحمن النويتي، حيث يقوم بتحليل مناهج النقد السابقة وتقديم تقييم عميق لها. هنا يقوم الناقد بنقد النقاد أنفسهم، ويراجع ممارساتهم ويبين مواطن القوة والضعف فيها. الجديد هنا هو أنه يرفض الهيمنة المطلقة لمناهج معينة مثل البنيوية أو التفكيك، داعيا إلى تبني منهج نقدي مفتوح ومتعدد الأبعاد. يعتبر هذا الفصل مساهمة في تطوير مفهوم "نقد النقد"، حيث يبتعد عن الجدل الأكاديمي الصرف ويهتم بالأسئلة الجوهرية حول كفاءة المناهج النقدية في تحليل النصوص العربية.

هذا الفصل يعد جوهر الكتاب، حيث ينخرط النويتي في عملية نقد النقد. يقوم بتحليل كيفية تعامل النقاد مع الرواية العربية ويقدم مراجعات لممارساتهم النقدية. يسعى هنا إلى كشف التحديات التي يواجهها النقد العربي في التعامل مع النصوص المعاصرة، مثل غياب المقاربات متعددة الأبعاد التي تستوعب النص في سياقاته الاجتماعية والسياسية والنفسية. يستعرض نماذج نقدية بارزة، ويقيم مدى كفاءتها وملاءمتها للتحليل الأدبي.

الفصل الخامس: السرد وتجارب الحداثة وما بعدها

يتناول هذا الفصل السرد في ظل تيارات الحداثة وما بعدها. الجديد هنا هو قدرة الناقد على تحليل النصوص العربية ضمن هذه التيارات العالمية دون فقدان الهوية المحلية للنص. النويتي يعالج الأساليب السردية الجديدة التي دخلت الأدب العربي، مثل تعدد الأصوات والسرد المفتوح وكسر الحدود بين الأنواع الأدبية. النقد هنا يتميز بالتنوع، حيث يحاول الناقد تطبيق أدوات حداثية وما بعد حداثية على الرواية العربية، مع تساؤلات حول مدى فاعلية هذه الأدوات في النصوص التي تعبر عن قضايا محلية وتاريخية.

يتناول هذا الفصل قضايا الحداثة وما بعدها في السرد الروائي العربي. يحلل الكيفية التي أثرت بها هذه التيارات الفكرية والفنية على بناء السرد في الرواية العربية. يستعرض الكيفية التي تم بها تأطير الحداثة في الروايات العربية، ويبحث في مدى استيعاب النقاد للتحولات السردية الجديدة التي أدخلتها تيارات ما بعد الحداثة، مثل التعددية السردية وكسر الحدود التقليدية بين الأنواع الأدبية.

الفصل السادس: الرواية العربية والتأويل النقدي

في هذا الفصل، يعرض النويتي دراسات تطبيقية لروايات عربية باستخدام أدوات تأويل نقدي متقدمة، مثل السيميائية والبنيوية والتفكيكية. الجديد في هذا الفصل هو طرحه لنموذج نقدي يتبنى التأويل المتعدد للنص، وهو خروج عن النقد التقليدي الذي يركز على تفسير وحيد. يعتبر هذا تطورا كبيرا في الكتابة النقدية، حيث يبرز تعددية التأويلات كقيمة نقدية. كما يؤكد على أن تعدد الأبعاد في تأويل النصوص يفتح المجال لفهم أعمق وأكثر تعقيدا للسرد الروائي.

في هذا الفصل الأخير، يقدم النويتي دراسة تطبيقية على بعض الروايات العربية البارزة، مستخدمًا الأدوات النقدية التي ناقشها في الفصول السابقة. يقوم بتأويل بعض النصوص الروائية من خلال مناهج نقدية مختلفة مثل البنيوية، التفكيكية، والسيميائية. يعرض أيضاً كيف يمكن أن تؤدي تعددية التأويلات النقدية إلى فهم أعمق وأكثر شمولاً للنصوص الروائية.

ويختتم النوايتي الكتاب باستنتاجات تدعو إلى التجديد في النقد الروائي العربي، مركّزًا على ضرورة الخروج من الأطر النقدية الجامدة والانتقال نحو نقد أكثر انفتاحا وتفاعلا مع التحولات الثقافية والاجتماعية. يشير إلى أن النقد الأدبي العربي بحاجة إلى منهج نقدي جديد يجمع بين الأصالة والتحديث، مع استيعاب خصوصيات النص العربي.

ويضع النويتي استنتاجات عامة حول حالة النقد الأدبي في العالم العربي، ويقدم توصيات لتطوير النقد الروائي من خلال تبني مناهج أكثر انفتاحًا ومرونة. يدعو إلى إعادة النظر في أدوات النقد التقليدية وتكييفها بما يتناسب مع التحولات الثقافية والفكرية التي يشهدها العالم العربي.

 

يبرز عبد الرحمان النوايتي في "مقولات السرد في الرواية العربية"، رؤية عميقة للتفاعلات السردية التي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الأدبية للرواية العربية. كما يركز على كيفية تعامل الرواية العربية مع مقولات السرد مثل الزمن، والشخصية، والحبكة، واللغة، وكيف تتفاعل هذه العناصر فيما بينها لتصوغ خطابًا سرديًا متمايزًا عن الرواية الغربية أو العالمية.

الرؤية العميقة للتفاعلات السردية:

يذهب النوايتي إلى أبعد من مجرد وصف العناصر السردية، حيث يركز على تفاعلها الديناميكي مع بعضها البعض، مما يجعل النص الروائي العربي مساحة للحوار بين التقاليد والحداثة، وبين الواقع التاريخي والتطلعات المستقبلية. هذه التفاعلات ليست محصورة في البنية الفنية فقط، بل تمتد إلى ما وراء النص لتشمل البعد الاجتماعي والثقافي والسياسي. يوضح النويتي كيف:

  1. الزمن السردي:

يلعب الزمن في الرواية العربية دورا معقدا، فهو ليس فقط وسيلة لنقل الأحداث، بل يعكس أيضًا تصورات المجتمع العربي للزمن، ما بين الماضي المجيد، والحاضر المضطرب، والمستقبل المجهول. يتناول النوايتي فكرة الزمن الدائري أو المتقطع الذي يظهر في العديد من الروايات العربية، كأداة لتمثيل الصراع بين التراث والحداثة، مما يجعل الزمن في الرواية أداة للتفكير في الهوية العربية.

  1. الشخصيات والسياق الاجتماعي:

 تبرز الشخصيات في الرواية العربية كرموز للصراع الاجتماعي والثقافي. يشير النويتي إلى أن الشخصيات ليست مجرد أدوات لتمثيل الأحداث، بل تعكس التنوع والاضطراب الاجتماعي والسياسي في العالم العربي. تحليل الشخصيات في الكتاب يسلط الضوء على الصراع الداخلي الذي تواجهه المجتمعات العربية في محاولة الحفاظ على هويتها وسط تحديات العولمة والحداثة.

  1. البنية السردية والتجريب:

يركز النويتي على البنية السردية غير التقليدية التي ظهرت في الرواية العربية المعاصرة. هذه البنية، التي تتلاعب بالزمن والسرد غير الخطي، تعبر عن محاولات الروائيين العرب لتجاوز الأشكال الكلاسيكية والتعبير عن واقع معقد ومتشظ. يرى النويتي أن هذا التوجه التجريبي في السرد يعبر عن رغبة في التحرر من القوالب الغربية، ويؤسس لخطاب سردي يعكس الخصوصية العربية.

هل أسهم الكتاب في تشكيل الهوية الأدبية للرواية العربية:

كتاب مقولات السرد في الرواية العربية يقدم إسهاما واضحا في إعادة تأطير الهوية الأدبية للرواية العربية من خلال ثلاثة محاور أساسية:

  1. إعادة التوازن بين المحلي والعالمي:

يبرز الكتاب كيف أن الرواية العربية نجحت في الجمع بين العناصر المحلية الأصيلة (التاريخ، الدين، الثقافة الشعبية) والتقنيات السردية العالمية الحديثة، مما سمح بتشكيل هوية أدبية متفردة للرواية العربية. هذه الهوية لا تتبع الخط الغربي بل تعيد صياغة تقنياته بما يتناسب مع الواقع العربي.

  1. الربط بين السرد والهوية الجماعية:

يرى النويتي أن الرواية العربية ليست مجرد فن أدبي، بل وسيلة للتفكير في الهوية الجماعية للمجتمع العربي. التفاعلات السردية التي يعرضها النويتي في الكتاب تعكس الصراع بين الهويات المتعددة (الدينية، القومية، الجندرية) وكيف تتفاوض هذه الهويات داخل النص الروائي. الكتاب يُظهر كيف أن الرواية العربية تتحول إلى فضاء للتعبير عن الهوية والانتماء، سواء كان ذلك من خلال العودة إلى التراث أو من خلال نقد الواقع الراهن.

  1. التنوع الأسلوبي واللغوي:

يبرز الكتاب التنوع الأسلوبي واللغوي الذي تعتمده الرواية العربية للتعبير عن قضايا المجتمع. من خلال تحليل اللغة السردية، يشير النويتي إلى أن الرواية العربية تستغل تعدد المستويات اللغوية (العربية الفصحى، اللهجات المحلية، والشعر) لإيصال أصوات متعددة داخل النص، مما يعكس تعقيد الهوية العربية المتعددة الطبقات.

ختاما: إسهام مقولات السرد في الرواية العربية يكمن في تقديمه إطارا نقديا متكاملا لفهم كيفية تشكل الهوية الأدبية للرواية العربية عبر تفاعلات سردية تجمع بين المحلي والعالمي، والتقليدي والحديث. الكتاب لا يقدم فقط تحليلاً نظريًا للسرد، بل يعيد التفكير في دور الرواية كأداة لتشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية العربية في ظل عالم متغير.

"مقولات السرد في الرواية العربية" لعبد الرحمن النوايتي يعد إسهاما مهمًا في دراسة الرواية العربية من خلال التركيز على عناصر السرد وكيفية تفاعلها داخل النص الروائي. يعتمد النوايتي في هذا العمل على تحليل نقدي عميق لمقولات السرد، مثل الزمن، والشخصيات، والبنية السردية، والأسلوب. ومن خلال هذا التحليل، يسعى إلى تسليط الضوء على الخصائص التي تجعل الرواية العربية تتميز بأسلوبها الفريد وسط التحولات السردية العالمية.

الخصائص المتميزة في الكتاب:

  1. التركيز على خصوصية الرواية العربية:

ينطلق النويتي من فرضية أن الرواية العربية ليست مجرد محاكاة للرواية الغربية، بل تحمل ملامح متميزة تعبر عن التجربة الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي. يستعرض التطور التاريخي للرواية العربية، ويظهر كيف تفاعلت مع التحولات السياسية والثقافية.

2. تأصيل مقولات السرد: يعيد الكتاب تعريف مقولات السرد من منظور عربي، بحيث يربط بين هذه المقولات وبين الأوضاع الثقافية والاجتماعية في العالم العربي. يتناول النويتي مواضيع مثل الزمن السردي وعلاقته بالواقع العربي المتغير، وهو ما يمنح الكتاب طابعًا تأصيليًا مميزًا.

3. التعددية الأسلوبية: واحدة من نقاط القوة في هذا الكتاب هي تأكيده على التعدد الأسلوبي في الرواية العربية، حيث لا تلتزم الرواية العربية بنمط سردي واحد بل تمزج بين أساليب سردية مختلفة، مما يعكس تنوع التجارب الحياتية واللغوية في المنطقة العربية.

4. البنية الروائية: يشدد النويتي على أهمية البنية الروائية، وكيف أن التلاعب بالزمن والشخصيات والبناء الروائي يعكس التوترات الاجتماعية والسياسية. يحلل نماذج روائية عربية معاصرة ليظهر كيف تم توظيف هذه البنية بشكل مبدع.

النقد من وجهة نظر نظرية الرواية:

من منظور نظرية الرواية، يتميز كتاب النويتي باعتماده على مقاربات نقدية حديثة تجمع بين التحليل البنيوي والسيميائي، مما يجعله مناسبًا لدراسة التطور الفني في الرواية العربية. ومع ذلك، قد يُنتقد الكتاب في بعض الجوانب بسبب التركيز على النماذج الروائية الأكثر شهرة، مع إهمال بعض التجارب الروائية الأقل شهرة والتي قد تقدم تجديدات فنية مميزة.

في النهاية، "مقولات السرد في الرواية العربية" يمثل دراسة قيمة في مجال النقد الروائي العربي، ويقدم رؤية عميقة للتفاعلات السردية التي تسهم في تشكيل الهوية السردية في بنية السرد العربي.

 

 

كتاب " مقولات السرد في الرواية العربية" لعبد الرحمن النوايتي
Partager cet article
Repost0
15 avril 2026 3 15 /04 /avril /2026 14:08

التواصل المؤسسي ودوره في بلورة الشراكات الاستراتيجية للمؤسسة التعليمية

د عبد الجليل بوسيف

 

ملخص

يسائل هذا المقال العلاقة بين التواصل المؤسسي وبلورة الشراكات الاستراتيجية للمؤسسة التعليمية، باعتبار هذه الشراكات (مع الجماعات الترابية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والفاعلين الدوليين) رافدا أساسيا لتعبئة موارد إضافية، وباعتبار أن نجاحها، من التشخيص إلى التعاقد فالتنفيذ والتقييم، مشروط بجودة التواصل الذي يؤطرها. ويحاول المقال، عبر مقاربة تحليلية نظرية، ضبط الإطار المفاهيمي لهذين المفهومين، ثم استعراض المرجعيات النظرية المفسرة لهذه العلاقة، قبل تحليل وظائف التواصل في بلورة الشراكات وآلياته ومؤشرات قياس أثره وتحدياته، مع الاستئناس ببعض التجارب المقارنة. وتخلص الدراسة إلى أن التواصل المؤسسي الفعال يشكل شرطا ضروريا، وإن لم يكن كافيا وحده، لبناء شراكات استراتيجية مستدامة تخدم جودة التعليم والتعلم.

الكلمات المفتاحية: التواصل المؤسسي؛ الشراكة الاستراتيجية؛ المؤسسة التعليمية؛ أصحاب المصلحة؛ الحكامة التشاركية.

Abstract

This article examines the relationship between institutional communication and the development of strategic partnerships for the educational institution (with local authorities, civil society, the private sector, and international actors), an essential lever for mobilizing additional resources. It establishes the conceptual framework, reviews the theoretical references, analyzes the functions of communication in shaping partnerships, its activation mechanisms, and indicators for measuring impact, along with related challenges, drawing also on comparative experiences. The study concludes that effective institutional communication is necessary, though not by itself sufficient, for building sustainable strategic partnerships serving the quality of teaching and learning.

Keywords: Institutional communication; strategic partnership; educational institution; stakeholders; participatory governance.

مقدمة

لم تعد المؤسسة التعليمية، في ظل التحولات التي تعرفها المنظومات التربوية المعاصرة، فضاء منغلقا على ذاته، بل أصبحت مطالبة بالانفتاح على محيطها عبر شراكات استراتيجية متعددة الأطراف تشمل الجماعات الترابية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والفاعلين الدوليين، بما يمكّنها من تعبئة موارد إضافية[1]. غير أن بناء هذه الشراكات وتفعيلها بشكل مستدام لا يتم بمجرد التوقيع على اتفاقية، بل يقتضي مسارا تواصليا متكاملا يمتد من التشخيص المشترك إلى التعاقد، مرورا بالتنفيذ، وصولا إلى التتبع والتقييم.

ومن هنا تنبع الإشكالية المركزية: كيف يمكن للتواصل المؤسسي أن يشكل رافعة لبلورة شراكات استراتيجية فعالة ومستدامة للمؤسسة التعليمية؟ وتتفرع عنه أسئلة تتعلق بحدود المفهومين ومرجعياته النظرية ووظائفه وآلياته ومؤشراته وتحدياته.

وتكتسي معالجة الموضوع أهمية خاصة في سياق يراهن فيه الإصلاح التربوي المغربي، ضمن القانون الإطار 51.17 والرؤية الاستراتيجية 2015-2030، على الشراكة كآلية لتمويل المنظومة التعليمية، إلى جانب رهان دولي على 'الشراكات من أجل التعليم'

 كأداة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة[2], مع محدودية الدراسات العربية التي تربط بين حقلي التواصل المؤسسي والشراكات الاستراتيجية في المجال التربوي. اعتمدنا مقاربة تحليلية-تركيبية عبر ضبط المفاهيم، ثم استقراء المرجعيات النظرية، ثم استخلاص آليات ومؤشرات عملية. وينبني المقال على تسعة محاور: الإطار المفاهيمي، والمرجعيات النظرية، والوظائف، والآليات، والمؤشرات، والتحديات، وقراءات مقارنة، ومناقشة عامة، وخاتمة وتوصيات.

أولا: الإطار المفاهيمي للموضوع

1. مفهوم التواصل المؤسسي

يُعرَّف التواصل المؤسسي بأنه مجموع العمليات التي تعتمدها مؤسسة ما لتنظيم تبادل المعلومات بين مكوناتها الداخلية وبينها وبين محيطها الخارجي، بهدف بناء صورة موحدة عنها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية[3]. ويتخذ، حين يتعلق الأمر ببناء شراكات، طابعا يجمع بين البعد الإخباري والإقناعي والتعاقدي. ويُميَّز بين التواصل الداخلي الذي يهيئ المؤسسة لمنطق الشراكة، والتواصل الخارجي الموجَّه نحو الشركاء، مع الإشارة إلى أن نجاح هذا الأخير مشروط بانسجام داخلي مسبق حول أهداف الشراكة[4], تفاديا لرسائل متضاربة حين تتحدث الإدارة بلسان معين بينما يحمل بعض الأساتذة تحفظات غير معلنة.

2. مفهوم الشراكة الاستراتيجية

تُعرَّف الشراكة الاستراتيجية بأنها علاقة تعاقدية طويلة المدى بين طرفين أو أكثر، تقوم على تبادل الموارد (مادية، بشرية، معرفية، رمزية) لتحقيق أهداف مشتركة يصعب على كل طرف تحقيقها بمفرده، وتتجاوز العلاقات الظرفية[5]. ويميز هذا التعريف الشراكة عن مجرد 'التعاون' العابر غير المؤطر بوثيقة رسمية. وفي السياق التربوي، هي كل علاقة تعاقدية منظمة تربط المؤسسة بفاعل من محيطها لدعم مشروعها، سواء ببنية تحتية أو تمويل أو خبرة[6], بما يميزها عن أشكال الدعم الظرفي بطابعها التعاقدي المنظم وامتدادها الزمني الأطول.

3. مقومات الشراكة الاستراتيجية الناجحة

تتوقف نجاعة أي شراكة على وضوح الأهداف المشتركة، وتكافؤ نسبي في تبادل المنافع، واستمرارية العلاقة، ووجود آليات واضحة للتتبع والتقييم؛ ويشكل التواصل الجيد الشرط الجامع بين هذه المقومات. ويُضاف عامل الانسجام بين ثقافة المؤسسة وثقافة الشريك، إذ إن اختلاف أنماط التواصل قد يُنتج سوء تفاهم متكررا حتى مع وجود إرادة حقيقية للتعاون.

4. العلاقة التكاملية بين المفهومين

يمكن تصور العلاقة وفق مسار تفاعلي مركب: فالتواصل المؤسسي يشكل الأداة التي تُبنى بها الثقة الأولية، ثم الوسيط الذي تُصاغ عبره بنود الاتفاقية، ثم الآلية التي تُدار من خلالها العلاقة طيلة مدة الشراكة، بما في ذلك تدبير الخلافات وتجديد الالتزام. ويستدعي هذا التمييز بين جودة التواصل لحظة التوقيع وجودته عبر كامل دورة الحياة، إذ لا يضمن نجاح الأول نجاح الثاني، فكثيرا ما يتراجع التواصل الجيد تدريجيا أثناء التنفيذ رغم جودته لحظة التوقيع.

ثانيا: المرجعيات النظرية المؤطرة للموضوع

1. نظرية أصحاب المصلحة (إدوارد فريمان)

ترى هذه النظرية أن نجاح أي مؤسسة يتوقف على قدرتها على تدبير علاقتها بمختلف الأطراف المتأثرة بنشاطها (Stakeholders) لا فقط بمساهميها المباشرين، وأن التواصل المنتظم معها شرط أساسي لبناء شراكات مستدامة[7]. وتفيدنا في تحديد خريطة الشركاء المحتملين والتفكير في استراتيجية تواصلية خاصة بكل فئة، لاختلاف أولوياتهم ومنطق قرارهم.

2. نظرية الاعتماد على الموارد (فيفر وسالانسيك)

ترى أن المؤسسات تبني شراكات أساسا لتعويض موارد تفتقر إليها داخليا، وأن قوتها التفاوضية تتوقف على امتلاكها موارد بديلة تقلص اعتمادها على شريك واحد[8], ما يفسر لجوء بعض المؤسسات إلى تنويع شركائها تفاديا لأي تبعية مفرطة.

3. نظرية الشبكات الاجتماعية (مارك غرانوفيتر)

تُبرز أهمية 'قوة الروابط الضعيفة'، إذ إن العلاقات غير المباشرة تكون أحيانا أكثر فائدة من العلاقات المباشرة في فتح آفاق شراكة جديدة[9], وتدعو المؤسسة إلى الانفتاح على شبكات أوسع بدل الاقتصار على معارفها المعتادة.

4. نظرية التبادل الاجتماعي (بيتر بلاو)

تفترض أن استمرارية أي شراكة تتوقف على إدراك الطرفين لتوازن نسبي بين ما يُقدَّم وما يُستفاد منه، وأن غياب هذا التوازن أو التواصل الواضح حوله يُنتج شعورا بالغبن قد يُنهي العلاقة[10], ما يستدعي إبراز القيمة المضافة التي تعود على الشريك لا الاقتصار على عرض حاجيات المؤسسة.

5. نظرية الفعل التواصلي (يورغن هابرماس)

توفر إطارا معياريا يفترض أن الاتفاقيات الأكثر استدامة هي المبنية على حوار عقلاني حر من الإكراه تُحترم فيه مصالح جميع الأطراف، لا المفروضة من طرف أقوى[11].

6. نظرية رأس المال الاجتماعي (روبرت بوتنام)

تُبرز أهمية شبكات الثقة والقيم المشتركة في تسهيل التعاون الجماعي، وتفسر لماذا تنجح بعض المؤسسات في بناء شراكات مستدامة أسهل من غيرها بفضل رصيدها من الثقة المتبادلة[12].

7. نظرية الحكامة الرشيدة

تُشدد على مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة في تدبير أي علاقة تعاقدية، وتفترض أن استدامة الشراكات تتوقف على احترام هذه المبادئ من التفاوض إلى التقييم المشترك[13].

8. النظرية المؤسساتية الجديدة (ديماجيو وباول)

تفترض أن المؤسسات تميل، عبر 'التماثل المؤسساتي'، إلى تبني ممارسات مماثلة لمثيلاتها الناجحة سعيا لكسب الشرعية الاجتماعية، وأن التواصل حول التجارب الناجحة يحفز مؤسسات أخرى على الانخراط في منطق الشراكة[14], ما يفسر انتشار ثقافة الشراكة حين تلعب مؤسسات رائدة دور 'النموذج'.

9. نظرية العقد النفسي (دنيز روسو)

تحيل على الالتزامات الضمنية غير المكتوبة التي يتوقعها كل طرف من الآخر، والتي تتجاوز البنود الرسمية[15], وتفسر بعض حالات فشل الشراكات رغم احترام بنودها المكتوبة، حين تخيب توقعات ضمنية كدرجة معينة من الاعتراف أو التواصل المنتظم.

10. قراءة تركيبية

يمكن مقاربة بلورة الشراكات من زوايا متكاملة: استراتيجية-تنظيمية (أصحاب المصلحة، الاعتماد على الموارد، المؤسساتية الجديدة) تُعنى بتحديد الشركاء وتوازن القوة؛ وسوسيولوجية (الشبكات، التبادل الاجتماعي، رأس المال الاجتماعي) تُعنى ببنية العلاقات؛ ومعيارية-أخلاقية (الفعل التواصلي، الحكامة الرشيدة) تُعنى بعدالة التبادل؛ ونفسية-تنظيمية (العقد النفسي) تُعنى بالبعد الضمني. ويمكن تركيبها زمنيا: تحديد الشركاء من أصحاب المصلحة والاعتماد على الموارد، والتفاوض من الفعل التواصلي والعقد النفسي، وتدبير العلاقة الطويلة من الشبكات ورأس المال الاجتماعي والحكامة الرشيدة، بينما تفسر المؤسساتية الجديدة انتشار ثقافة الشراكة بين المؤسسات المتجاورة.

ثالثا: وظائف التواصل المؤسسي في بلورة الشراكات الاستراتيجية

1. الوظيفة التعريفية والترويجية

تتمثل في التعريف بالمؤسسة ومشروعها لدى الشركاء المحتملين، عبر إبراز نقط قوتها والقيمة المضافة التي تقدمها، كخطوة أولى ضرورية قبل أي تفاوض[16].

2. الوظيفة الإقناعية والتفاوضية

يضطلع التواصل بإقناع الشركاء بجدوى الانخراط في الشراكة، وإدارة التفاوض حول بنودها بشكل يوازن بين المصالح، ويقتضي معرفة دقيقة بأولويات الشريك تفاديا لعروض غير واقعية تُضعف مصداقية المؤسسة.

3. الوظيفة التعاقدية والتوثيقية

تتمثل في صياغة اتفاقية واضحة تحدد التزامات كل طرف وآجال التنفيذ ومؤشرات النجاح، بلغة مبسطة يفهمها الجميع بنفس الطريقة، تفاديا لصياغات معقدة تُفهم بشكل مختلف من كل جهة موقعة.

4. الوظيفة التنسيقية

يسهم التواصل المنتظم في تنسيق الأنشطة المشتركة وضبط الأدوار أثناء التنفيذ وتفادي التضارب، وتكتسي هذه الوظيفة أهمية خاصة حين تتعدد الشركاء في نفس المشروع.

5. وظيفة بناء الثقة والاستدامة

يسهم التواصل المستمر، حتى خارج اللحظات الرسمية، في بناء ثقة متجددة تشكل الضامن الحقيقي لاستمرارية الشراكة وتجديدها بعد انتهاء مدتها الأولى[17].

6. الوظيفة التقييمية والتتبعية

يتيح تتبع درجة تنفيذ بنود الاتفاقية وتقييم أثرها بشكل دوري، بما يسمح برصد الاختلالات وتصحيحها، ويُستحسن أن يأخذ هذا التقييم طابعا تشاركيا يُشرك المستفيدين المباشرين لا الأطراف الموقعة فقط.

7. قراءة تركيبية للوظائف

تتفاعل هذه الوظائف ضمن مسار يبدأ بالتعريف، ويمر بالإقناع فالتعاقد، وينتهي بالتنسيق والتقييم، بينما تشتغل وظيفة بناء الثقة أفقيا كشرط ضمني لنجاح كل حلقة؛ وضعف أي وظيفة يعرض مسار الشراكة للتعثر.

رابعا: آليات تفعيل التواصل المؤسسي لبلورة الشراكات الاستراتيجية

1. آليات التشخيص وتحديد الشركاء المحتملين

تتمثل في تشخيص دقيق لحاجيات المؤسسة ولخريطة الفاعلين في محيطها، بما يوجه التواصل نحو الشركاء الأكثر ملاءمة لكل حاجة، عبر مصفوفة تصنفهم بحسب طبيعة الموارد وقربهم الجغرافي أو المؤسساتي.

2. آليات إعداد ملفات وعروض الشراكة

يقتضي إعداد ملفات تعريفية وعروض واضحة ومقنعة تبرز أهداف المؤسسة والمنافع المتبادلة، بلغة تراعي خصوصية كل فئة من الشركاء المستهدفين[18].

3. آليات التعاقد والتوثيق القانوني

تشمل صياغة اتفاقيات مكتوبة تحدد الالتزامات والآجال ومؤشرات النجاح وآليات تسوية الخلاف، ويُستحسن أن تتضمن بندا خاصا بآليات التواصل نفسه (وتيرة الاجتماعات، الجهة المسؤولة) لا الاكتفاء بالالتزامات المادية فقط.

4. آليات التواصل الرقمي والإشعاع

يسهم توظيف المواقع الإلكترونية والوسائط الرقمية في الإشعاع بأنشطة الشراكة، ويمكن أن يلعب دورا في جذب شركاء جدد يطّلعون على تجارب سبق توثيقها ونشرها.

5. آليات لجان التتبع المشترك

يُستحسن إحداث لجنة تتبع مشتركة مع كل شريك تجتمع دوريا لمراجعة تقدم التنفيذ، تضم إلى جانب ممثلي الطرفين ممثلين عن الفئات المستفيدة مباشرة، بما يقرّب التواصل من الأثر الفعلي.

6. آليات تثمين الشراكة والاعتراف بالشركاء

تسهم مبادرات تثمين مساهمة الشركاء (تكريم، تقارير سنوية، شهادات تقدير) في تعزيز التزامهم المستقبلي وشعورهم بالانتماء إلى المشروع التربوي، لا فقط بأداء التزام تعاقدي.

7. آليات تدبير الخلافات المحتملة

تستدعي أي شراكة طويلة الأمد آلية واضحة متفق عليها مسبقا لتدبير الخلافات، تقوم على الحوار المباشر أولا، ثم وساطة طرف ثالث محايد عند الاقتضاء قبل التفكير في فسخ الاتفاقية.

8. نموذج مقترح لدورة تواصلية متكاملة للشراكة

تمر هذه الدورة عبر أربع مراحل: التشخيص، ثم الاتصال والتفاوض، ثم التعاقد والتنفيذ، ثم التقييم والتجديد[19], بما يضمن استمرارية التواصل طيلة دورة حياة الشراكة، ولا تتحقق نجاعتها إلا بإدماجها ضمن رؤية مؤسساتية شمولية تجعل البحث عن شركاء جزءا من الاشتغال اليومي لا نشاطا استثنائيا.

خامسا: مؤشرات قياس أثر التواصل على فعالية الشراكات الاستراتيجية

1. مؤشر عدد الاتفاقيات الموقعة والمفعلة

يقيس عدد اتفاقيات الشراكة مع التمييز بين 'المفعلة' التي تشهد أنشطة فعلية و'الجامدة' التي تبقى حبرا على ورق، عبر سجل بسيط يُحيَّن سنويا يوضح وضعية كل اتفاقية وأسباب ذلك.

2. مؤشر نسبة تنفيذ بنود الشراكة

يقيس النسبة الفعلية للأنشطة المنفذة في آجالها مقارنة بمجموع الأنشطة المبرمجة، ويمكن تفصيله بحسب نوع الالتزام (مالي، لوجستي، بيداغوجي) لتحديد أكثر الجوانب صعوبة.

3. مؤشر رضا الشركاء

يقيس درجة رضا الشركاء عن جودة التواصل والنتائج المحققة، عبر استبيانات دورية بعد كل مرحلة من التنفيذ تتضمن أسئلة حول وضوح المعلومة وانتظام التواصل واحترام الآجال.

4. مؤشر استدامة الشراكة

يقيس مدى استمرارية العلاقة بعد المدة التعاقدية الأولى، سواء بالتجديد أو التوسيع، باعتباره المعيار الأعمق للحكم على النجاح، بخلاف المؤشرات الآنية التي قد لا تصمد أمام اختبار الزمن.

5. مؤشر تنوع الشركاء ومصادر الدعم

يقيس مدى تنوع الشركاء الذين تتعامل معهم المؤسسة، باعتبار أن الاعتماد المفرط على شريك واحد يُضعف موقعها التفاوضي ويعرضها لمخاطر انقطاع الدعم.

6. مؤشر تواتر التواصل خارج اللحظات الرسمية

يقيس عدد التفاعلات غير الرسمية بين المؤسسة وشركائها خارج اجتماعات التتبع الرسمية، كمؤشر غير مباشر على عمق العلاقة وتجاوزها للطابع التعاقدي الجاف.

7. قراءة تركيبية للمؤشرات

تشكل هذه المؤشرات نسقا متكاملا لا يكفي فيه الاعتماد على مؤشر واحد، إذ قد توقع مؤسسة عددا كبيرا من الاتفاقيات دون تحقيق نسبة تنفيذ أو استدامة جيدة، ما يستدعي تشخيصا أعمق لجودة التواصل، ويمكن توظيفها في 'لوحة قيادة' بسيطة تُعرض دوريا على مجلس التدبير.

سادسا: تحديات وإكراهات تفعيل التواصل المؤسسي لبلورة الشراكات

1. إكراهات قانونية وتنظيمية

تعاني بعض المؤسسات من غموض الإطار القانوني المنظم لإبرام اتفاقيات الشراكة، خصوصا مع القطاع الخاص، مما يجعل بعض المديرين يترددون خشية تجاوز صلاحياتهم، ويزيد من ذلك غموض مسطرة طلب الترخيص المسبق.

2. إكراهات بشرية وتكوينية

يفتقر كثير من الأطر إلى تكوين في تقنيات التواصل والتفاوض وإعداد ملفات الشراكة، وتبقى مهمة البحث عن شراكات غير مؤطرة ضمن المهام الرسمية، وتُفقد الحركية السنوية للمديرين المؤسسة خبرتها التراكمية في التفاوض.

3. إكراهات ثقافية وتمثلاتية

لا تزال بعض المؤسسات تنظر إلى البحث عن شركاء كنشاط ثانوي مرتبط بمناسبات معينة، بدل اعتباره سيرورة استراتيجية مندمجة في مشروع المؤسسة، وقد يُنظر أحيانا إلى طلب الشراكة كنوع من 'الاستجداء' بدل تبادل متكافئ.

4. إكراهات مرتبطة بتوازن القوة التفاوضية

قد تجد المؤسسات، خصوصا في المناطق الأقل حظا، نفسها في موقع تفاوضي ضعيف أمام شركاء أكثر خبرة، مما قد يُفضي إلى شراكات غير متوازنة، ويستدعي دعما خارجيا ونماذج اتفاقيات موحدة تحمي مصالح المؤسسة.

5. إكراهات مرتبطة باستدامة العلاقة

كثيرا ما تتوقف الشراكات بعد تغير المدير أو الأطر المسؤولة، مما يكشف هشاشة أساسها الشخصي بدل المؤسساتي، ويستدعي توثيقا أفضل لذاكرة الشراكة.

6. إكراهات مرتبطة بالمنافسة بين المؤسسات

قد تتنافس مؤسسات مجاورة على جذب نفس الشركاء المحليين المحدودين، مما يستدعي تواصلا استباقيا يبرز التميز النوعي لكل مشروع بدل تكرار نفس الخطاب العام.

7. قراءة تركيبية للإكراهات

تتقاطع هذه الإكراهات لتُنتج أحيانا شراكات هشة بدل مستدامة، وتجاوزها يستدعي تدخلا متزامنا على المستويات القانونية والبشرية والثقافية والتفاوضية، مع تفاوت في حدتها بحسب حجم المؤسسة وموقعها.

سابعا: قراءات مقارنة في تفعيل الشراكات الاستراتيجية

1. التجربة الفرنسية

تعتمد فرنسا 'العقود الإقليمية للتعليم' التي تربط المؤسسات بالجماعات المحلية ضمن إطار تعاقدي يحدد أدوار كل طرف، مع تواصل منتظم عبر لجان تتبع مشتركة[20].

2. التجربة الفنلندية

تراهن المدارس الفنلندية على شراكات غير مثقلة بالإجراءات مع فاعلين محليين، قائمة على ثقة متبادلة تراكمت عبر الزمن، بما يمنحها مرونة دون الحاجة لاتفاقيات معقدة[21].

3. النموذج الأنجلوسكسوني

تعتمد الولايات المتحدة وبريطانيا نموذج 'شراكات المدرسة والمقاولة' حيث تلعب جمعيات وسيطة دور الربط والتواصل بين المدارس والمقاولات، بما يقلص العبء التواصلي المباشر على إدارة المدرسة[22].

4. التجربة الألمانية

يقوم النظام الثنائي الألماني على ربط المؤسسات بالمقاولات عبر غرف الصناعة والتجارة التي تنظم التواصل وتوزيع الأدوار، بما يجعل الشراكة جزءا بنيويا من النظام لا مبادرة اختيارية[23].

5. تجارب عربية

طورت دول عربية، كالإمارات، برامج شراكة منظمة بين القطاعين العام والخاص في التعليم ضمن أطر تعاقدية وتواصلية واضحة تحدد حقوق والتزامات كل طرف[24].

6. الدروس المستخلصة

يمكن استخلاص أهمية إطار تعاقدي واضح (فرنسا)، ورصيد ثقة يسهل الشراكات غير الرسمية (فنلندا)، وجهات وسيطة تيسر التواصل مع القطاع الخاص (النموذج الأنجلوسكسوني)، وإدماج الشراكة كبنية دائمة (ألمانيا)، وأطر محكمة توازن المصالح (بعض التجارب العربية).

ثامنا: مناقشة عامة

يُظهر ما سبق أن العلاقة بين التواصل المؤسسي وفعالية الشراكات الاستراتيجية علاقة تفاعلية متدرجة عبر الزمن لا سببية آنية: فالتواصل الجيد يُبنى عليه تعاقد واضح، والتعاقد الواضح ييسر تنفيذا سلسا، والتنفيذ الناجح يعزز الثقة التي تُغذي تواصلا أفضل في الدورات اللاحقة، في حلقة إيجابية متصاعدة.

غير أن التواصل الجيد شرط ضروري لا كافٍ بمفرده، إذ تتدخل عوامل أخرى كتوفر الموارد الفعلية لدى الشريك واستقرار السياق المؤسساتي، ما يفسر وجود مؤسسات تتواصل جيدا دون نتائج ملموسة لغياب عوامل مكمِّلة. ويبقى من أبرز حدود هذا المقال طابعه النظري غير المسنود بدراسة ميدانية، وهو ما يفتح أفقا بحثيا لاختبار هذه الفرضيات عبر تحليل اتفاقيات الشراكة أو استجواب المسؤولين عنها.

وعلى المستوى العملي، لا يتوقف نجاح المؤسسة في بلورة شراكات على حجم شبكة علاقاتها الأولية بقدر ما يتوقف على قدرتها على تحويلها إلى تواصل مؤسسي منظم يبني الثقة تدريجيا، وهو ما يضع مسؤولية مهمة على القيادة التربوية. وتدعو هذه المناقشة إلى تجاوز النظرة الاختزالية التي تربط الشراكة بالبعد المالي فقط، نحو اعتبار التواصل ذاته موردا استراتيجيا: فسمعة مؤسساتية قائمة على تواصل شفاف تشكل رأسمالا رمزيا يسهل بناء شراكات جديدة.

تاسعا: خاتمة وتوصيات

خلص هذا المقال إلى أن التواصل المؤسسي متغير محوري في تفسير نجاح المؤسسة التعليمية في بلورة شراكات استراتيجية فعالة ومستدامة، وأن هذا الأثر يمر عبر وظائف متعددة تستدعي آليات تفعيل واضحة من التشخيص إلى التقييم والتجديد، ويتوسطه إطار نظري يجمع مقاربات استراتيجية وسوسيولوجية ومعيارية ونفسية، ويقتضي قياسه نسقا متكاملا من المؤشرات.

غير أن تفعيله يظل مشروطا بتجاوز إكراهات قانونية وبشرية وثقافية وتفاوضية، عبر توضيح الأطر القانونية، وتكوين الأطر في التواصل والتفاوض، وترسيخ ثقافة منفتحة على الشراكة، وتوثيق الذاكرة المؤسساتية. كما بيّنت المقارنة الدولية أن هذا الرهان يتخذ صيغا متعددة بحسب السياق، من الإطار التعاقدي المحكم إلى العلاقة القائمة على الثقة المتراكمة.

وفي ضوء ما سبق، نوصي بإحداث خلية أو مسؤول عن التواصل المؤسسي والشراكات داخل كل مؤسسة أو المديريات الإقليمية؛ وتنظيم دورات تكوينية في تقنيات التفاوض وإعداد ملفات الشراكة؛ ووضع دليل مرجعي مبسط للمسطرة القانونية؛ وإحداث لجان تتبع مشتركة مع كل شريك؛ وتوثيق حصيلة كل شراكة في تقرير سنوي يُعرض على مجلس التدبير؛ وتشجيع البحث الميداني حول أثر التواصل على استدامة الشراكات؛ وتشجيع التعاون بين المؤسسات المجاورة لتبادل التجارب؛ وتنويع مصادر الشراكة حفاظا على التوازن التفاوضي؛ وإدراج بند لتدبير الخلافات ضمن كل اتفاقية.

وختاما، فإن الاستثمار في التواصل المؤسسي بوصفه رافعة لبلورة شراكات استراتيجية فعالة لا يخدم فقط تعبئة موارد إضافية، بل يسهم في ترسيخ ثقافة الانفتاح والحكامة التشاركية، أحد الرهانات الكبرى للإصلاح التربوي الراهن.

لائحة المراجع

المراجع باللغة العربية

دليل الشراكة التربوية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المملكة المغربية، 2015.

القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الجريدة الرسمية عدد 6805، المملكة المغربية، 2019.

الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية، 2015.

المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، تقرير حول الشراكة بين القطاعين العام والخاص في التعليم بالوطن العربي، تونس، 2020.

References in Foreign Languages

Blau, Peter. Exchange and Power in Social Life. New York: John Wiley & Sons, 1964.

DiMaggio, Paul & Powell, Walter. The Iron Cage Revisited: Institutional Isomorphism and Collective Rationality in Organizational Fields. American Sociological Review, vol. 48, no. 2, 1983.

Freeman, R. Edward. Strategic Management: A Stakeholder Approach. Cambridge: Cambridge University Press, 2010 (reprint).

Granovetter, Mark. The Strength of Weak Ties. American Journal of Sociology, vol. 78, no. 6, 1973.

Habermas, Jürgen. Théorie de l'agir communicationnel. Trans. Jean-Marc Ferry. Vol. 1. Paris: Fayard, 1987.

Libaert, Thierry. Le plan de communication: définir et organiser votre stratégie de communication. 6th ed. Paris: Dunod, 2017.

Miège, Bernard. La société conquise par la communication. Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 1989.

National Association of Secondary School Principals (NASSP). Breaking Ranks: The Comprehensive Framework for School Improvement. Reston, 2011.

Pfeffer, Jeffrey & Salancik, Gerald. The External Control of Organizations: A Resource Dependence Perspective. Stanford: Stanford University Press, 2003.

Putnam, Robert. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon & Schuster, 2000.

Rousseau, Denise. Psychological Contracts in Organizations: Understanding Written and Unwritten Agreements. Thousand Oaks: Sage Publications, 1995.

Sahlberg, Pasi. Finnish Lessons 2.0: What Can the World Learn from Educational Change in Finland. New York: Teachers College Press, 2015.

Toulemonde, Bernard. Le système éducatif en France. 4th ed. Paris: La Documentation Française, 2011.

UNESCO. Education Sector Governance: Concept, Rationale, Approaches. Paris: UNESCO, 2017.

UNESCO. Sustainable Development Goals 2030: Goal 4 - Quality Education. Paris: UNESCO, 2016.

 

[1]القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الجريدة الرسمية عدد 6805، المملكة المغربية، 19 غشت 2019، المادة 4.

[2]منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أهداف التنمية المستدامة 2030: الهدف الرابع - التعليم الجيد، باريس، 2016، ص. 20-25.

[3]Bernard Miège, La société conquise par la communication, Presses Universitaires de Grenoble, Grenoble, 1989, p. 34-38.

[4]Thierry Libaert, Le plan de communication: définir et organiser votre stratégie de communication, Dunod, Paris, 6e édition, 2017, p. 45-52.

[5]Jeffrey Pfeffer & Gerald Salancik, The External Control of Organizations: A Resource Dependence Perspective, Stanford University Press, Stanford, 2003, p. 143-154.

[6]دليل الشراكة التربوية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، المملكة المغربية، 2015، ص. 8-15.

[7]R. Edward Freeman, Strategic Management: A Stakeholder Approach, Cambridge University Press, Cambridge, 2010 (reprint), p. 31-49.

[8]Jeffrey Pfeffer & Gerald Salancik, op. cit., p. 143-154.

[9]Mark Granovetter, The Strength of Weak Ties, American Journal of Sociology, vol. 78, no. 6, 1973, p. 1360-1380.

[10]Peter Blau, Exchange and Power in Social Life, John Wiley & Sons, New York, 1964, p. 88-97.

[11]Jürgen Habermas, Théorie de l'agir communicationnel, trad. Jean-Marc Ferry, Fayard, Paris, 1987, tome 1, p. 101-120.

[12]Robert Putnam, Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community, Simon & Schuster, New York, 2000, p. 19-24.

[13]UNESCO, Education Sector Governance: Concept, Rationale, Approaches, Paris, 2017, p. 12-19.

[14]Paul DiMaggio & Walter Powell, The Iron Cage Revisited: Institutional Isomorphism and Collective Rationality in Organizational Fields, American Sociological Review, vol. 48, no. 2, 1983, p. 147-160.

[15]Denise Rousseau, Psychological Contracts in Organizations: Understanding Written and Unwritten Agreements, Sage Publications, Thousand Oaks, 1995, p. 21-35.

[16]دليل الشراكة التربوية، مرجع سابق، ص. 20-25.

[17]Robert Putnam, op. cit., p. 21-24.

[18]Thierry Libaert, op. cit., p. 110-120.

[19]دليل الشراكة التربوية، مرجع سابق، ص. 35-42.

[20]Bernard Toulemonde, Le système éducatif en France, La Documentation Française, Paris, 4e édition, 2011, p. 190-198.

[21]Pasi Sahlberg, Finnish Lessons 2.0: What Can the World Learn from Educational Change in Finland, Teachers College Press, New York, 2015, p. 100-108.

[22]National Association of Secondary School Principals (NASSP), Breaking Ranks: The Comprehensive Framework for School Improvement, Reston, 2011, p. 85-92.

[23]UNESCO, Education Sector Governance: Concept, Rationale, Approaches, Paris, 2017, p. 28-33.

[24]المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، تقرير حول الشراكة بين القطاعين العام والخاص في التعليم بالوطن العربي، تونس، 2020، ص. 25-33.

التواصل المؤسسي ودوره في بلورة الشراكات الاستراتيجية للمؤسسة التعليمية
Partager cet article
Repost0
15 mars 2026 7 15 /03 /mars /2026 15:00

التواصل ودوره في تفعيل الشراكة وبلورة مشروع المؤسسة المندمج

د عبد الجليل بوسيف

ملخص

يتناول هذا المقال إشكالية التواصل بوصفه رافعة أساسية لتفعيل الشراكة التربوية وبلورة مشروع المؤسسة في صيغته المندمجة، انطلاقًا من فرضية مفادها أن جودة التواصل بين مختلف الفاعلين التربويين والشركاء المؤسساتيين تُعد شرطًا موضوعيًا لنجاح أي مبادرة تشاركية داخل الفضاء المدرسي. وقد اعتمد المقال مقاربة تحليلية وصفية تستند إلى الأدبيات النظرية في علوم التواصل والإدارة التربوية، وإلى المرجعيات المؤسساتية والقانونية المنظمة للشأن التربوي بالمغرب، من قبيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والقانون الإطار رقم 51.17، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030. ويخلص المقال إلى أن التواصل الفعال، بمستوياته الداخلية والخارجية، وبأبعاده الرسمية وغير الرسمية، يشكل الخيط الناظم الذي يربط بين مراحل التشخيص والتخطيط والتنفيذ والتقويم في مشروع المؤسسة، كما يُسهم في بناء الثقة المتبادلة بين المدرسة ومحيطها.

الكلمات المفتاحية: التواصل التربوي، الشراكة، مشروع المؤسسة، الاندماج، الإدارة التربوية، الفاعلون التربويون.

مقدمة

تحتل قضية التواصل موقعًا محوريًا ضمن الاهتمامات المتجددة للفكر الإداري التربوي المعاصر، باعتباره سيرورة تفاعلية تتجاوز البعد التقني الإجرائي المحض لتغدو آلية استراتيجية في تدبير المؤسسات وبناء التوافقات وتحقيق الانخراط الجماعي حول الأهداف المشتركة. ولم يعد التواصل، في هذا السياق، مجرد نقل للمعلومة من طرف إلى آخر، بل أصبح يُنظر إليه بوصفه فعلًا تربويًا بامتياز، يُسهم في تشكيل ثقافة مؤسساتية قائمة على الحوار والمشاركة والمساءلة.

ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث راهنت مختلف الإصلاحات التربوية المتعاقبة، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 فالقانون الإطار رقم 51.17، على مقاربة تشاركية تجعل من المؤسسة التعليمية فضاءً مفتوحًا على محيطه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، عبر آليتين أساسيتين متكاملتين: الشراكة التربوية من جهة، ومشروع المؤسسة بصيغته المندمجة من جهة أخرى. غير أن نجاح هاتين الآليتين رهين، إلى حد بعيد، بمدى فعالية التواصل بين مختلف الفاعلين المعنيين: الإدارة التربوية، هيئة التدريس، التلاميذ، الآباء وأولياء الأمور، الجماعات الترابية، المجتمع المدني، والقطاع الخاص.

وتنبع إشكالية هذا المقال من ملاحظة ميدانية مفادها أن العديد من مشاريع المؤسسات وأشكال الشراكة التربوية تصطدم، في واقع الممارسة، بمعيقات تواصلية تحول دون تحقيق الأهداف المسطرة، سواء تعلق الأمر بضعف تدفق المعلومة، أو غياب قنوات تواصل مؤسسية واضحة، أو صعوبة التنسيق بين الفاعلين متعددي المرجعيات والانتظارات. من هنا تُطرح الإشكالية المركزية التالية: ما الدور الذي يضطلع به التواصل في تفعيل الشراكة التربوية وإنجاح مشروع المؤسسة في بعده المندمج؟ وما هي الآليات الكفيلة بتجاوز معيقات التواصل داخل المنظومة التربوية؟

وتكتسي معالجة هذه الإشكالية أهمية مضاعفة بالنسبة للطالب المتدرب في سلك الإدارة التربوية، باعتباره الفاعل الذي سيوجد مستقبلًا في قلب هذه السيرورة التواصلية، مطالبًا بالتوفيق بين مقتضيات التدبير الإداري الصارم ومتطلبات القيادة التربوية التشاركية المرنة.

ومن الناحية المنهجية، اعتمد هذا المقال على مقاربة تحليلية وصفية، تقوم على مساءلة الأدبيات النظرية المتوفرة في حقلي علوم التواصل والإدارة التربوية، وعلى قراءة نقدية للنصوص المرجعية والقانونية المنظمة للشأن التربوي بالمغرب، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى دراسة ميدانية إحصائية بالمعنى الدقيق، وهو ما يبقيه مفتوحًا على أفق البحث التطبيقي المستقبلي.

وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنعتمد تصميمًا يتوزع على ستة محاور رئيسة: يخصص الأول للإطار المفاهيمي المؤطر للموضوع، ويتناول الثاني التواصل كآلية لبناء الشراكة التربوية، ويناقش الثالث دور التواصل في مختلف مراحل مشروع المؤسسة المندمج، بينما يرصد الرابع أهم معيقات التواصل داخل المنظومة التربوية المغربية، ويقترح الخامس آليات عملية لتفعيل التواصل وتجويد الشراكة ومشروع المؤسسة، على أن يختم المقال بمحور سادس تطبيقي يقدم نموذجًا مقترحًا لمخطط تواصلي يمكن اعتماده داخل المؤسسات التعليمية.

المحور الأول: الإطار المفاهيمي للموضوع

يستدعي البحث في العلاقة بين التواصل والشراكة ومشروع المؤسسة تحديدًا أوليًا لأهم المفاهيم المؤطرة للموضوع، باعتبار أن الدقة المفاهيمية شرط منهجي ضروري لكل مقاربة علمية.

1.1. مفهوم التواصل: التعريف والعناصر

يُعرَّف التواصل (Communication) لغةً بأنه المشاركة والتبادل، أما اصطلاحًا فيُقصد به تلك السيرورة الدينامية التي يتم بموجبها تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر بين طرفين أو أكثر، بهدف إحداث تأثير أو تفاهم مشترك حول موضوع معين. ويستند التواصل، وفق النموذج الكلاسيكي الذي أرساه كل من شانون وويفر[1]، إلى مجموعة من العناصر الأساسية المتفاعلة فيما بينها: المرسل الذي يصوغ الرسالة، والرسالة بوصفها المضمون المراد نقله، والقناة التي تمر عبرها الرسالة، والمستقبل الذي يستقبل الرسالة ويؤولها، إضافة إلى التغذية الراجعة التي تسمح بقياس مدى فهم الرسالة وتقويم فعاليتها، والسياق الذي تتم فيه العملية التواصلية.

ولا يقتصر التواصل التربوي على هذا البعد الإجرائي التقني، بل يتجاوزه إلى بعد علائقي وإنساني، حيث يرى بعض الباحثين، على غرار المقاربة التفاعلية لمدرسة بالو ألتو[2]، أن التواصل ليس مجرد نقل معلومة، بل هو بناء مشترك للمعنى ينبني على التفاعل المستمر بين الأطراف، وعلى إدراك كل طرف لموقعه وموقع الآخر داخل المنظومة العلائقية.

ومن الزاوية نفسها، تُعد صيغة لاسويل الاستفهامية[3] إطارًا تحليليًا مبسطًا ومفيدًا لفهم أي فعل تواصلي، من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: من يقول؟ ماذا يقول؟ عبر أية قناة؟ لمن يقول؟ وبأي أثر؟ ويمكن إسقاط هذا النموذج على السياق المدرسي، حيث يتحول مدير المؤسسة أو أي فاعل تربوي آخر إلى مرسل يصوغ رسائل متعلقة بالشراكة أو مشروع المؤسسة، موجهة إلى فئات مستهدفة متنوعة، عبر قنوات متعددة، بهدف إحداث أثر محدد يتمثل في التعبئة أو الانخراط أو الإقناع.

1.2. أنواع التواصل ومستوياته

يمكن تصنيف التواصل داخل المؤسسة التعليمية وفق معايير متعددة. فمن حيث الوسيلة، يُميَّز بين التواصل اللفظي الذي يعتمد الكلمة المنطوقة أو المكتوبة، والتواصل غير اللفظي الذي يشمل الإشارات ولغة الجسد ونبرة الصوت والفضاء المكاني. ومن حيث الطابع، يُميَّز بين التواصل الرسمي الذي يسلك القنوات الإدارية المعتمدة كالمراسلات والمذكرات ومحاضر الاجتماعات، والتواصل غير الرسمي الذي ينشأ عفويًا بين الأفراد خارج الأطر البنيوية الرسمية.

أما من حيث الاتجاه، فيمكن التمييز بين التواصل النازل الذي ينتقل من الإدارة إلى باقي الفاعلين، والتواصل الصاعد الذي يعكس انشغالات القاعدة نحو الإدارة، والتواصل الأفقي الذي يتم بين فاعلين في المستوى التراتبي نفسه، إضافة إلى التواصل الخارجي الذي يربط المؤسسة بمحيطها المجتمعي والمؤسساتي[4]. وتكمن أهمية هذا التصنيف في كونه يساعد الفاعل الإداري على تشخيص القنوات الأنسب لكل موقف تواصلي، بما يضمن نجاعة الرسالة ووصولها إلى الفئة المستهدفة.

1.3. مفهوم الشراكة التربوية وأسسها المرجعية

تُعرَّف الشراكة التربوية بأنها علاقة تعاقدية طوعية بين المؤسسة التعليمية وفاعل أو أكثر من الفاعلين الخارجيين، سواء كانوا جماعات ترابية، أو جمعيات المجتمع المدني، أو مقاولات القطاع الخاص، أو مؤسسات عمومية أخرى، بهدف تعبئة موارد بشرية أو مادية أو لوجستية إضافية لخدمة أهداف تربوية محددة، ضمن رؤية تشاركية تقوم على التكامل والتضامن وتبادل المنفعة. وقد أطرت المنظومة القانونية والتنظيمية المغربية هذا المجال عبر مجموعة من النصوص، أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي دعا إلى فتح المدرسة على محيطها[5]، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 التي جعلت من الشراكة رافعة من روافع الحكامة[6]، فالقانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي كرّس مبدأ التعاقد والشراكة كآلية لتعبئة الموارد وتقاسم المسؤولية بين الدولة والفاعلين غير الحكوميين[7].

وتتأسس الشراكة التربوية الناجعة على مجموعة من المبادئ، من أبرزها: وضوح الأهداف والالتزامات المتبادلة، والشفافية في تدبير الموارد، والاستمرارية في العلاقة التعاقدية، والتقويم الدوري للنتائج. ولا يمكن لأي من هذه المبادئ أن يتحقق بمعزل عن تواصل فعال ومنتظم بين أطراف الشراكة.

1.4. مفهوم مشروع المؤسسة وصيغته المندمجة

يُعرَّف مشروع المؤسسة بأنه مسلسل تشاركي تعاقدي، تحدد بموجبه المؤسسة التعليمية أولوياتها وأهدافها الخاصة، انطلاقًا من تشخيص دقيق لوضعيتها، وذلك في أفق زمني محدد، عبر تعبئة كل الفاعلين والموارد المتاحة داخليًا وخارجيًا[8]. ويشكل مشروع المؤسسة، في جوهره، ترجمة محلية للتوجهات الوطنية للإصلاح التربوي، مع مراعاة الخصوصيات المجالية والاجتماعية لكل مؤسسة.

أما الصيغة المندمجة لمشروع المؤسسة، فتحيل على مقاربة أكثر شمولية تتجاوز منطق المشاريع القطاعية المتفرقة أو الأنشطة المعزولة، لتنحو نحو دمج مختلف الأبعاد التربوية والبيداغوجية والتدبيرية والشراكاتية في رؤية موحدة ومتكاملة، تراعي الانسجام بين مختلف البرامج والمخططات التي تشتغل عليها المؤسسة، سواء تعلق الأمر بالمخطط الاستعجالي، أو برامج الدعم الاجتماعي، أو أنشطة الحياة المدرسية، أو اتفاقيات الشراكة القائمة. ويقوم هذا الاندماج على تظافر جهود كل الفاعلين التربويين ضمن حكامة تشاركية واحدة، وهو ما يجعل من التواصل الداخلي والخارجي شرطًا بنيويًا لتحقيق هذا الانسجام والتكامل.

1.5. العلاقة التكاملية بين التواصل والشراكة ومشروع المؤسسة

يتضح من خلال المفاهيم السابقة أن ثمة علاقة عضوية تربط بين التواصل والشراكة ومشروع المؤسسة، بحيث يُشكل التواصل الآلية الإجرائية التي تُفعِّل الشراكة وتضمن انسجام مكونات مشروع المؤسسة. فبدون تواصل فعال، تبقى الشراكة مجرد اتفاقية شكلية معلقة، ويبقى مشروع المؤسسة وثيقة إدارية غير مفعَّلة على أرض الواقع. وهو ما يجعل من دراسة هذه العلاقة التكاملية مدخلًا أساسيًا لفهم شروط نجاح أي مبادرة تشاركية داخل الفضاء المدرسي.

ولتوضيح هذه العلاقة بمثال ملموس، يمكن تصور مؤسسة تعليمية توقع اتفاقية شراكة مع جماعة ترابية لتجهيز قاعة متعددة الوسائط: فمهما كانت هذه الاتفاقية سليمة من الناحية القانونية والمالية، فإن نجاحها الفعلي يبقى رهينًا بتواصل واضح يشرح لهيئة التدريس كيفية استثمار هذا التجهيز بيداغوجيًا، وبتواصل موازٍ يُطلع التلاميذ والآباء على الغاية من المشروع، وبتواصل منتظم مع الجماعة الترابية حول مآل الإنجاز، وهو ما يجسد بوضوح كيف يتحول التواصل من مجرد إجراء مصاحب إلى شرط بنيوي لتحقيق الأثر المنشود من الشراكة.

المحور الثاني: التواصل كآلية لبناء الشراكة التربوية

إذا كان التواصل يشكل، كما أسلفنا، شرطًا بنيويًا لنجاح الشراكة التربوية، فإن هذا المحور يسعى إلى تفصيل الكيفية التي يسهم بها التواصل، بمستوييه الداخلي والخارجي، في بناء شراكة تربوية فعالة ومستدامة.

2.1. التواصل الداخلي: أساس التعبئة الجماعية

يُعد التواصل الداخلي بين مختلف مكونات المؤسسة التعليمية، من إدارة تربوية وهيئة تدريس وأطر إدارية وتلاميذ وجمعية آباء وأولياء التلاميذ، شرطًا أوليًا لنجاح أي مشروع شراكة. ذلك أن أي اتفاقية شراكة، مهما كانت جودتها، لن تحقق أهدافها ما لم يتم تقاسمها والتعريف بها ومناقشة مضامينها مع مختلف الفاعلين الداخليين، عبر مجالس المؤسسة ولجانها المتخصصة، بما يضمن الانخراط الفعلي وليس الشكلي في تنفيذها.

ويضطلع مدير المؤسسة التعليمية، بوصفه قائدًا تربويًا وتواصليًا في آن واحد[9]، بدور محوري في هذا الصدد، من خلال حرصه على تعميم المعلومة، وتنظيم لقاءات تواصلية دورية، وخلق مناخ من الثقة يشجع على التعبير الحر عن الآراء والانشغالات المرتبطة بمشاريع الشراكة[10].

2.2. التواصل الخارجي: بوابة المؤسسة نحو محيطها

يمتد التواصل، في بعده الخارجي، ليشمل علاقة المؤسسة التعليمية بمختلف الفاعلين المحتملين في الشراكة: الجماعات الترابية التي تُعد شريكًا استراتيجيًا في تمويل البنيات التحتية والتجهيزات، وجمعيات المجتمع المدني التي تسهم في تعزيز الحياة المدرسية والدعم الاجتماعي والنفسي، والمقاولات والفاعلين الاقتصاديين الذين يمكن أن يوفروا دعمًا ماديًا أو فرصًا للتكوين والتوجيه، إضافة إلى المؤسسات العمومية الأخرى كالمستشفيات ومراكز التكوين المهني.

ويتطلب هذا التواصل الخارجي مقاربة استباقية من لدن الإدارة التربوية، تقوم على استكشاف الشركاء المحتملين، والتعريف بحاجيات المؤسسة ومشاريعها بشكل واضح ومقنع، وصياغة خطاب تواصلي يبرز القيمة المضافة للشراكة بالنسبة لكل الأطراف، بما يخلق علاقة رابح-رابح تُحفز الشركاء على الانخراط المستدام وليس العابر.

وتجدر الإشارة إلى أن الثقة تبقى العنصر الجوهري الذي يؤطر كل تواصل خارجي ناجح، وهو ما يتقاطع مع طرح هابرماس حول الفعل التواصلي القائم على التفاهم المتبادل[11]، ذلك أن الشركاء المحتملين، سواء كانوا مؤسسات عمومية أو خاصة أو جمعيات مدنية، لا ينخرطون في علاقة شراكة إلا إذا استشعروا جدية المؤسسة التعليمية ومصداقيتها في تدبير الموارد والوفاء بالالتزامات، وهو ما يتطلب انتظامًا في التواصل وشفافية في تقديم المعطيات، بعيدًا عن أي مبالغة أو وعود غير قابلة للتحقق.

2.3. التواصل ودوره في تجويد التعاقد وتتبع الشراكة

لا يقف دور التواصل عند حدود التعريف بالشراكة أو استقطاب الشركاء، بل يمتد إلى مرحلتي التعاقد والتتبع. ففي مرحلة التعاقد، يُسهم التواصل الواضح في صياغة بنود اتفاقية الشراكة بدقة، بما يحدد التزامات كل طرف وأدواره ومسؤولياته، تفاديًا لأي التباس قد يؤدي لاحقًا إلى نزاعات أو تعثرات في التنفيذ. أما في مرحلة التتبع والتقويم، فإن التواصل المنتظم بين المؤسسة وشركائها، عبر تقارير دورية ولقاءات تقييمية، يسمح برصد الاختلالات في حينها ومعالجتها، وتثمين النتائج الإيجابية، وتجديد الثقة بين الأطراف، وهو ما يضمن استمرارية الشراكة وتطورها بدل اقتصارها على مبادرة ظرفية محدودة الأثر.

المحور الثالث: دور التواصل في مراحل مشروع المؤسسة المندمج

يُشكل مشروع المؤسسة، في صيغته المندمجة، مسارًا مرحليًا متكاملًا، يمر عبر أربع محطات أساسية: التشخيص، والبلورة والتخطيط، والتنفيذ، والتقويم. وسنحاول في هذا المحور إبراز الدور الذي يضطلع به التواصل في كل مرحلة من هذه المراحل.

3.1. التواصل في مرحلة التشخيص

تنطلق عملية بناء مشروع المؤسسة من تشخيص شامل ودقيق لوضعية المؤسسة، يشمل الجوانب البيداغوجية والتدبيرية والمادية والعلائقية. ويستدعي هذا التشخيص تعبئة تواصلية واسعة تتيح لمختلف الفاعلين، من مدرسين وتلاميذ وأولياء أمور وشركاء، التعبير عن وجهات نظرهم وانشغالاتهم عبر أدوات متنوعة كالاستمارات والمقابلات والاجتماعات التشاورية. وكلما كان التواصل في هذه المرحلة منفتحًا وشفافًا، كلما كان التشخيص أكثر واقعية وموضوعية، بعيدًا عن التشخيصات الشكلية المعدة سلفًا دون إشراك حقيقي للفاعلين.

3.2. التواصل في مرحلة البلورة والتخطيط

بعد استكمال التشخيص، تنتقل المؤسسة إلى مرحلة بلورة الأهداف والأولويات وصياغة خطة العمل، وهي مرحلة تتطلب تواصلًا تفاوضيًا بامتياز، يهدف إلى التوفيق بين مختلف الرؤى والانتظارات، وبناء توافق جماعي حول الأولويات المشتركة. ويضطلع مجلس التدبير والمجالس التربوية بدور أساسي في هذا الصدد، شريطة أن تُدار اجتماعاتهما وفق مبادئ التواصل الفعال: الاستماع النشط، ووضوح الطرح، واحترام الرأي المخالف، والبحث عن حلول توافقية بدل فرض القرارات.

3.3. التواصل في مرحلة التنفيذ والتتبع

تُعد مرحلة التنفيذ الاختبار الحقيقي لصلابة مشروع المؤسسة، وفيها يتجلى دور التواصل في تنسيق الأدوار بين مختلف المتدخلين، وضمان تدفق المعلومة حول التقدم المحرز والصعوبات المعترضة، عبر آليات كلجن التتبع واللقاءات الدورية والتقارير المرحلية. كما يُسهم التواصل المستمر في الحفاظ على الحافزية الجماعية، عبر تثمين الإنجازات الجزئية وإشراك الفاعلين في تدبير أي تعديلات طارئة على الخطة الأصلية.

3.4. التواصل في مرحلة التقويم

تختتم دورة مشروع المؤسسة بمرحلة التقويم، التي تستدعي بدورها تواصلًا واضحًا حول النتائج المحققة مقارنة بالأهداف المسطرة، من خلال تقارير تركيبية تُعرض على مختلف الفاعلين والشركاء. ولا يقتصر التقويم على وظيفة المحاسبة، بل يشكل أيضًا فرصة تواصلية لاستخلاص الدروس وإعادة البناء الجماعي للمشروع في نسخته اللاحقة، بما يضمن استمرارية دينامية التحسين المستمر.

ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن التغذية الراجعة الناتجة عن هذه المرحلة ليست غاية في ذاتها، بل هي مدخل لدورة جديدة من التواصل تفضي إلى تشخيص محين وأهداف مجددة، بما يجعل من مشروع المؤسسة سيرورة حلزونية مستمرة لا تتوقف عند إنجاز نهائي، بل تتجدد باستمرار وفق منطق التحسين التصاعدي، شريطة أن يظل التواصل حاضرًا كخيط ناظم يربط بين كل حلقاتها.

المحور الرابع: معيقات التواصل في المنظومة التربوية المغربية

على الرغم من الأهمية البالغة للتواصل في تفعيل الشراكة ومشروع المؤسسة، فإن الممارسة الميدانية تكشف عن جملة من المعيقات التي تحد من فعاليته داخل المنظومة التربوية المغربية.

4.1. معيقات تنظيمية وبنيوية

يعاني التواصل داخل بعض المؤسسات التعليمية من غياب قنوات مؤسسية واضحة ومهيكلة، حيث تظل بعض الاجتماعات والمجالس شكلية أكثر منها فضاءات تواصل حقيقي وتفاعل بناء. كما يُلاحظ أحيانًا تداخل في الأدوار والمسؤوليات بين مختلف الفاعلين، وضعف في تفعيل آليات التتبع الدوري لاتفاقيات الشراكة، مما يُضعف من انسيابية المعلومة وتناسقها.

4.2. معيقات بشرية وثقافية

ترتبط بعض المعيقات بضعف الكفايات التواصلية لدى بعض الأطر الإدارية والتربوية، سواء من حيث مهارات التعبير والإصغاء، أو من حيث القدرة على التدبير الإيجابي للاختلاف[12]. كما تسهم بعض الممارسات الثقافية المتوارثة، القائمة على منطق السلطة الهرمية الصارمة بدل منطق التشارك، في الحد من انفتاح قنوات التواصل الأفقي والصاعد داخل المؤسسة.

4.3. معيقات تقنية ولوجستية

يُضاف إلى ما سبق ضعف التجهيزات التقنية ببعض المؤسسات، خصوصًا في الوسط القروي، وصعوبة الولوج إلى وسائل التواصل الرقمي الحديثة، وهو ما يحد من إمكانية اعتماد قنوات تواصل بديلة وسريعة مع الشركاء الخارجيين، ويُبقي التواصل حبيس الأشكال التقليدية البطيئة أحيانًا في استجابتها لمتطلبات التتبع الآني للمشاريع.

4.4. معيقات مرتبطة بتعدد المرجعيات والانتظارات

يضاف إلى المعيقات السالفة الذكر تعدد المرجعيات الثقافية والمهنية للفاعلين المتدخلين في الشراكة ومشروع المؤسسة، فبينما تنطلق الإدارة التربوية من منطق مؤسساتي ضابط، قد ينطلق شركاء المجتمع المدني من منطق تطوعي أكثر مرونة، وقد تنطلق الجماعات الترابية من منطق سياسي وانتخابي له حساباته الخاصة. وهذا التباين في المرجعيات والانتظارات يفرض على التواصل التربوي أن يضطلع بوظيفة الترجمة والتوسط بين هذه اللغات المختلفة، وهي مهمة دقيقة تتطلب مرونة عالية وقدرة على قراءة السياق.

المحور الخامس: نحو آليات لتفعيل التواصل في خدمة الشراكة ومشروع المؤسسة

تأسيسًا على ما سبق، يمكن اقتراح مجموعة من الآليات العملية الكفيلة بتجاوز معيقات التواصل وتعزيز فعاليته في خدمة الشراكة ومشروع المؤسسة المندمج.

5.1. تعزيز الكفايات التواصلية للفاعل الإداري التربوي

يقتضي الأمر الاستثمار في برامج التكوين المستمر لفائدة الأطر الإدارية والتربوية في مجالات التواصل الفعال، والقيادة التشاركية، وتقنيات التفاوض وتدبير الاجتماعات[13]، بما يُمكِّنها من الاضطلاع بأدوارها كفاعل تواصلي حقيقي داخل المؤسسة وخارجها.

5.2. هيكلة قنوات التواصل المؤسسي

من الضروري إرساء نظام تواصلي واضح المعالم داخل المؤسسة، يحدد الجهات المصدرة للمعلومة والمستهدفة بها، وتواتر اللقاءات التواصلية، وأدوات التوثيق والتتبع، بما يضمن انسيابية المعلومة وتقاسمها بشكل منتظم بين كل الفاعلين، بدل الاقتصار على تواصل ظرفي ارتجالي.

5.3. الانفتاح على الوسائل الرقمية الحديثة

يُنصح باعتماد الوسائل الرقمية المتاحة، كالمنصات الإلكترونية وتطبيقات المراسلة الفورية والمجموعات الرقمية الخاصة بأولياء الأمور والشركاء، بما يُسهم في تسريع تدفق المعلومة وتوسيع دائرة المشاركة والتفاعل، مع الحرص على استكمالها بالقنوات الكلاسيكية لضمان الشمولية وعدم إقصاء الفئات الأقل ولوجًا إلى التكنولوجيا.

5.4. ترسيخ ثقافة التشارك والمساءلة

يبقى الرهان الأعمق مرتبطًا ببناء ثقافة مؤسساتية جديدة تقوم على التشارك بدل التعليمات الفوقية، وعلى الشفافية والمساءلة بدل الغموض والتستر، بما يُعيد للتواصل قيمته الحقيقية كفعل تربوي هادف إلى بناء الثقة المتبادلة بين المدرسة ومحيطها.

المحور السادس: نموذج تطبيقي مقترح لمخطط تواصلي في خدمة الشراكة ومشروع المؤسسة

تجسيدًا للمقاربة النظرية المعروضة في المحاور السابقة، يقترح هذا المحور نموذجًا تطبيقيًا مبسطًا لمخطط تواصلي يمكن أن يعتمده مدير المؤسسة التعليمية في تدبير الشراكة ومشروع المؤسسة المندمج، مع التذكير بأن هذا النموذج قابل للتكييف حسب خصوصيات كل مؤسسة وسياقها المحلي.

6.1. مرتكزات المخطط التواصلي المقترح

ينبني المخطط التواصلي المقترح على أربعة مرتكزات أساسية[14]: أولًا، تحديد دقيق للفاعلين المعنيين بكل مرحلة من مراحل مشروع المؤسسة، سواء كانوا فاعلين داخليين أو خارجيين. ثانيًا، اختيار آليات التواصل الأنسب لكل فئة من الفاعلين، بين الاجتماعات المباشرة والمراسلات الرسمية والوسائل الرقمية. ثالثًا، تحديد الأدوات الداعمة لكل آلية، من محاضر وتقارير ولوحات إعلانية ومنصات رقمية. رابعًا، تحديد المخرج المنتظر من كل عملية تواصلية، بما يسمح بتقييم مدى تحقق الهدف منها.

يمكن قياس نجاعة هذا المخطط التواصلي من خلال مجموعة من المؤشرات الكمية والكيفية، من قبيل: نسبة حضور الفاعلين في اللقاءات التواصلية المبرمجة، ودرجة وضوح المعلومة المتداولة لدى مختلف الأطراف، وعدد الاختلالات التي تم رصدها ومعالجتها في وقتها بفضل التتبع التواصلي المنتظم، ومدى استمرارية الشركاء في الانخراط عبر الدورات المتعاقبة لمشروع المؤسسة. وتبقى هذه المؤشرات أدوات استئناسية قابلة للتكييف حسب أولويات كل مؤسسة وإمكاناتها.

خاتمة

خلص هذا المقال إلى أن التواصل يشكل، بمختلف مستوياته وأشكاله، الرافعة الأساسية التي يقوم عليها نجاح الشراكة التربوية وتفعيل مشروع المؤسسة في صيغته المندمجة. فمن خلال التواصل الداخلي، تتحقق التعبئة الجماعية حول أهداف الشراكة ومشروع المؤسسة، ومن خلال التواصل الخارجي، تنفتح المؤسسة على محيطها وتستقطب شركاء فاعلين وموارد إضافية. كما تبين أن التواصل يرافق مشروع المؤسسة في كل مراحله، من التشخيص إلى التقويم، بما يضمن انسجامه واستمراريته.

غير أن هذه الأدوار الحيوية للتواصل تظل مرهونة بتجاوز جملة من المعيقات التنظيمية والبشرية والتقنية التي ترصدها الممارسة الميدانية، وهو ما يستدعي تظافر الجهود على مستوى التكوين والتأطير والحكامة المؤسساتية، بما يُمكِّن من الانتقال بالتواصل من ممارسة ارتجالية ظرفية إلى ثقافة مؤسساتية راسخة، تُشكل الأساس المتين لكل مشروع تربوي طموح.

وفي الأخير، يبقى هذا الموضوع مفتوحًا على مزيد من البحث الميداني الذي يمكن أن يستقصي، عبر أدوات كمية وكيفية، تمثلات الفاعلين التربويين الفعليين حول واقع التواصل داخل مؤسساتهم، بما يُغني النقاش النظري بمعطيات تجريبية دقيقة.

وانطلاقًا من هذه الخلاصات، يمكن التوصية بضرورة إدراج مكون التواصل التربوي بشكل أكثر عمقًا ضمن برامج تكوين الأطر الإدارية التربوية، ليس بوصفه مادة نظرية معزولة، بل بوصفه كفاية عرضانية تُبنى عبر التداريب الميدانية ومحاكاة المواقف الواقعية، إلى جانب ضرورة تفعيل آليات مؤسساتية دائمة للتواصل داخل كل مؤسسة تعليمية، بدل الاكتفاء بمبادرات ظرفية مرتبطة بمناسبات معينة، وذلك حتى يستقر التواصل كثقافة راسخة تخدم استدامة الشراكة التربوية ونجاعة مشروع المؤسسة في بعده المندمج.

لائحة المراجع

1. الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المغرب، 1999.

2. الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المغرب.

3. القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الجريدة الرسمية، المغرب، 2019.

4. وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية، المغرب.

5. وزارة التربية الوطنية، دليل مشروع المؤسسة، المغرب.

6. علاوي عبد الرحمان، الإدارة التربوية والتدبير المدرسي، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء.

7. بوعزة أحمد، التواصل التربوي: المفاهيم والوظائف، منشورات مجلة علوم التربية.

8. Watzlawick P., Beavin J. H., Jackson D. D., Une logique de la communication, Éditions du Seuil, Paris.

9. Shannon C. E., Weaver W., The Mathematical Theory of Communication, University of Illinois Press.

10. Habermas J., Théorie de l'agir communicationnel, Fayard, Paris.

[1]Shannon C. E., Weaver W., The Mathematical Theory of Communication, University of Illinois Press, Urbana, 1949.

[2]Watzlawick P., Beavin J. H., Jackson D. D., Une logique de la communication, Éditions du Seuil, Paris, 1972.

[3]Lasswell H., «The Structure and Function of Communication in Society», in The Communication of Ideas, Institute for Religious and Social Studies, New York, 1948.

[4]بوعزة أحمد، التواصل التربوي: المفاهيم والوظائف، منشورات مجلة علوم التربية، الطبعة الثانية، الدار البيضاء.

[5]الميثاق الوطني للتربية والتكوين، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الطبعة الأولى، المغرب، 1999.

[6]الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المغرب، 2015.

[7]القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الجريدة الرسمية عدد 6805، المغرب، 2019.

[8]وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، دليل مشروع المؤسسة، الطبعة الأولى، الرباط، المغرب.

[9]علاوي عبد الرحمان، الإدارة التربوية والتدبير المدرسي، منشورات عالم التربية، الطبعة الثالثة، الدار البيضاء.

[10]وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية، الطبعة الأولى، الرباط، المغرب، 2008.

[11]Habermas J., Théorie de l'agir communicationnel, Tome 1, Fayard, Paris, 1987.

[12]وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، دليل مشروع المؤسسة، مرجع سابق.

[13]علاوي عبد الرحمان، مرجع سابق.

[14]وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية، مرجع سابق.

التواصل ودوره في تفعيل الشراكة وبلورة مشروع المؤسسة المندمج
Partager cet article
Repost0
4 mars 2026 3 04 /03 /mars /2026 17:32
إدارة الوقت وتنظيم الأولويات في الأسرة المسلمة على ضوء الهدي القرآني والنبوي

 

إدارة الوقت وتنظيم الأولويات في الأسرة المسلمة

على ضوء الهدي القرآني والنبوي

دة. فاطمة كمال 

دراسة محكمة

حاصلة على شهادة الدكتوراه في الآداب في شعبة الدراسات الإسلامية: وحدة التكوين والبحث

 "تاريخ الأديان والحضارات الشرقية"، كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد المالك السعدي تطوان

أستاذة التعليم الثانوي التأهيلي بجهة الدار البيضاء-سطات – المغرب

ملخص الدراسة

تسعى هذه الدراسة إلى تأصيل مفهوم إدارة الوقت وتنظيم الأولويات داخل الأسرة المسلمة  في إطار المنظور الإسلامي، ببيان مرتكزاتهما في ضوء الهدي القرآني والهدي النبوي، ، مع تحليل التحديات المعاصرة التي أفرزتها العولمة وما صاحبها من تحولات ثقافية واقتصادية أثّرت في البنية الأسرية ووظائفها التربوية

وتنبع إشكالية البحث من ملاحظة اتساع الفجوة بين التصور الشرعي لمكانة الوقت وترتيب الأولويات، وبين الممارسات الأسرية المعاصرة التي يشوبها الاضطراب ، المتمثل في ضعف التخطيط الزمني، وهيمنة الثقافة الاستهلاكية، وتراجع التواصل الأسري، واختلال ميزان الأولويات تحت تأثير المتغيرات الثقافية والاقتصادية

اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي الاستنباطي؛ وذلك بجمع النصوص الشرعية المتعلقة بالوقت والأولويات، وتحليل مضامينها الدلالية والتربوية، ثم استنباط القواعد الكلية الحاكمة لإدارة الزمن داخل النسق الأسري، وربطها بمقاصد الشريعة الإسلامية ومراتبها

انتهت الدراسة إلى اقتراح جملة من الآليات التطبيقية المستمدة من الهدي القرآني والنبوي، بما يسهم في تحصين الأسرة المسلمة وتحقيق توازنها واستقرارها في ظل متغيرات العصر

الكلمات المفتاحية

الأسرة المسلمة – إدارة الوقت -  تنظيم الأولويات

Study Abstract    

This study seeks to provide a detailed examination of the concept of time

management and the organization of priorities within the Muslim family from an Islamic perspective. It clarifies its foundations in light of Qur’anic guidance and Prophetic teachings, while analyzing contemporary challenges brought about by globalization and the cultural and economic transformations that have affected the family structure and its educational functions, as well as their impact on the functional construction of the Muslim family.

The research problem stems from the observation of a widening gap between the normative Islamic conception of the value of time and the arrangement of priorities, and contemporary family practices, which are marked by disorder. This is reflected in weak time planning, the dominance of consumer culture, the decline of family communication, and the imbalance of priorities under the influence of cultural and economic changes.

The study adopts the descriptive-analytical and deductive approach by collecting the relevant Islamic texts related to time and priorities, analyzing their semantic and educational implications, and then deducing the comprehensive governing principles for managing time within the family system, linking them to the objectives and hierarchy of Islamic law (Maqasid al-Shariah).

The study concludes by proposing a set of practical mechanisms derived from Qur’anic and Prophetic guidance aimed at strengthening the Muslim family and achieving its balance and stability in light of contemporary changes.

Keywords:

Muslim family – Time management – Organization of priorities.

تقديم 

    تُعَدّ الأسرةُ نواةَ البِناء الاجتماعي والخلية الأولى التي يتشكّل منها المجتمع، وصلاحُها شرطٌ لازمٌ لصلاحه واستقامته. وقد حظيت الأسرة المسلمة بمكانة مركزية في الدراسات التربوية والفكرية لما تمثله من مجالٍ حاسم في ترسيخ القيم وتشكيل الوعي وبناء الهوية، غير أنّ التحولات المتسارعة التي فرضتها العولمة، وما رافقها من تدفُّق للأنماط السلوكية والقيمية الوافدة، أسهمت بشكل متسارع في إحداث اختلالات عميقة في البنية الأسرية؛ فظهر التراجع في وظائف التنشئة، وضعف الروابط التواصلية، وتفاقم التعارض بين ضغوط الحياة المادية وبين مقتضيات الالتزام الديني والقيمي

ومن ثَمّ أصبح النظرُ في قضايا الأسرة المسلمة وتحدياتها ضرورةً وجودية ملحّة تستدعي مقاربة علمية رصينة تستلهم الهدي القرآني والنبوي في بناء الأسرة الرشيدة القادرة على مواجهة هذه المتغيرات بثبات ووعي، وصار البحث عن مقاربات تطبيقية واقتراح مداخل عملية مستمدة من الهدي القرآني والنبوي ، تسهم في تحصين بناء الأسرة من جميع الزوايا ضرورة منهجية

نحط الرحال اليوم برحاب لحظات تأمل في الزمن الأسري، باعتباره مجالا من مجالات استخلاف واهبِه سبحانه إلى الموهوبِ لهم،  أي أفراد الأسرة،  نروم من خلالها الإجابة عن السؤال الإشكالي المركزي الآتي

كيف تسهم إدارة الوقت والتخطيط الزمني وتنظيم الأولويات في ضوء الهدي القرآن ي والنبوي، في بناء أسرة مسلمة متوازنة قادرة على مواجهة تحديات العولمة وضغوط الحياة المعاصرة؟

أهمية الدراسة

 الدراسة لها أهمية نظرية وأهمية تطبيقية

الأهمية النظرية: الدراسة إضافة علمية من نواح متعددة

من الناحية الدينية

- استنباط الأسس القرآنية والنبوية وترسيخها لتحصين الأسرة

من الناحية الاجتماعية

- تبني حلول واقعية لمشكلات التفكك الأسري في ظل العولمة

من الناحية التربوية

- تعزيز ثقافة إدارة الوقت وتنظيم الأولويات لدى أفراد الأسرة لتحقيق الاستقرار الأسري

الأهمية التطبيقية

تقدم الدراسة تصورا مقترحا قابلا للتنفيذ العملي لمواجهة التحديات الراهنة التي تعاني منها الأسرة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية يمكن اعتماده في دراسة الوعي الأسري وتفتح الباب أمام الباحثين في موضوع الأسرة

الأهداف الوظيفية للدراسة

1. بيان الأسس الربانية لفقه إدارة الوقت وتنظيم الأولويات في الأسرة المسلمة، انطلاقا من الهدي القرآني والنبوي؛

2. تحليل أبرز التحديات الحديثة التي باتت تعترض قدرة الأسر على إدارة وقتها وترتيب أولوياتها، في زمن العولمة؛

3. اقتراح آليات عملية قابلة للتفعيل، من شأنها الإسهام في تمكين الأسرة من تحويل إدارة الوقت وتدبير الأولويات إلى أداة فاعلة لتحقيق التوازن والفعالية والاستقرار الأسري بما يعزز التماسك الأسري، ويُسهم في مواجهة تحديات الحياة المعاصرة

المنهج المتبع

المنهج الوصفي التحليلي الاستنباطي القائم على جمع النصوص الشرعية ودراستها من حيث الدلالات التربوية والسلوكية، انتهاء باستنباط القيم العملية القابلة للتطبيق في الأسرة المسلمة المعاصرة

مصطلحات الدراسة

الأسرة المسلمة – إدارة الوقت – تنظيم الأولويات

خطة المقاربة والبحث

أولا: فقه إدارة الوقت وتنظيم الأولويات في الهدي القرآني والنبوي

- فقه الوقت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وأهمية إدارته

- تنظيم الأولويات وأهميتها من منظور القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة

ثانيا: تحديات إدارة الوقت وتنظيم الأولويات للأسرة في زمن العولمة

-  تحديات العولمة وضعف التخطيط الزمني الأسري

- الخلل في ترتيب الأولويات الأسرية بين الحاجات الضرورية والمتطلبات التكميلية

ثالثا: الآليات التطبيقية العملية المستمدة من الهدي القرآني والنبوي لتحصين الأسرة المسلمة المعاصرة

-آليات تطبيقية عملية مستمدة من القرآن الكريم

- آليات تطبيقية عملية مستمدة من الهدي النبوي

خاتمة وتوصيات

المفاهيم المفتاحية والمصطلحات الوظيفية

الأسرة المسلمة – إدارة الوقت – تنظيم الأولويات

الأسرة المسلمة

لغة: الدرع الحصين[1]

قال ابن الأثير: الأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته لأنه يتقوى بهم[2]

في الاصطلاح: الوحدة الاجتماعية التي تحفظ النوع الإنساني كله، وتتألف الأسرة من رجل وامرأة يرتبطان معا بعلاقة زواج شرعي، وينتج عن هذه العلاقة الأبناء[3]

2- إدارة الوقت

الوقت في اللغة: مقدار من الزمان قدر لأمر ما[4] 

اصطلاحا: الفترة التي تخصص لإنجاز عمل أو تحقيق هدف معين

إدارة الوقت: تعني الاستخدام الأمثل للوقت، وللإمكانيات المتوفرة بطريقة تؤدي إلى أهداف مهمة، أي أنها عملية مستمرة من التخطيط والتقويم المستمر لكل الأنشطة التي يقوم بها الفرد خلال فترة زمنية محددة تهدف إلى تحقيق فاعلية مرتفعة في استغلال الوقت المتاح للوصول إلى الأهداف المنشودة[5]

ومن مهارات إدارة الوقت: التخطيط للوقت – تنظيم الوقت – رقابة الوقت – القضاء على مضيعات الوقت

 - مفهوم إدارة وقت الأسرة

تعني : "قدرة الأسرة على تنظيم الزمن المتاح بما يحقق أداء الواجبات الشرعية، وتلبية الحاجات الأساسية، وتحقيق التوازن بين العمل والراحة والتربية والعبادة"[6]

3- تنظيم الأولويات

تعريف الأولويات

الأولويات جمع "أولوية"، وهي التقديم في الرتبة أو الأهمية أو الزمان. قال ابن فارس: "الهمزة واللام والواو أصلٌ يدل على التقدُّم والسبق"[7]

وفي الاصطلاح: هي ترتيب الأعمال والواجبات وفق الأهمية الشرعية أو المصلحة العامة أو الضرورة الزمنية

معنى التنظيم: التنظيم هو إحكام الترتيب وفق نظام دقيق يراعي المقاصد والنتائج

تنظيم الأولويات: " إحكام ترتيب الأعمال والمهام حسب أهميتها، بحيث يقدم الأهم فالأهم، ولا يضيع الوقت فيما لا فائدة فيه "

إدارة الوقت وتنظيم الأولويات في الأسرة المسلمة على ضوء الهدي القرآني والنبوي

أولا: فقه إدارة الوقت وتنظيم الأولويات في الهدي القرآني والنبوي

1- فقه الوقت في القرآن الكريم

أولى القرآن الكريم الوقت منزلة عظيمة، فذكره بأساليب متنوعة
1. القَسَم بالزمن: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾  [8]. ﴿وَالضُّحَى﴾[9]، ﴿وَاللَّيْل إذا يغشىِ﴾[10]، هذا القسم بالوقت يؤكد قيمة الوقت، فالله تعالى لا يقسم إلا بعظيم

2. الدعوة إلى اغتنام الوقت وترك الفراغ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾[11]، أي لا فراغ في حياة المسلم، بل انتقال من عبادة إلى أخرى. وهي علاج للفراغ السلبي "لأن الوقت إما مستثمر أو مهدر"

3. الدعوة إلى الصبر والاصطبار في استثمار الوقت، تأسيا بهدي الأنبياء والرسل عليهم السلام، ومن ذلك ذكر الله تعالى: "قصة نوح عليه السلام الذي قضى ألف سنة إلا خمسين عامًا في الدعوة". فإدارة الوقت عنده عبادة تحتاج إلى صبر فهو عليه السلام كان يقيس الوقت بالأداء لا بالحصاد ، وهكذا الأسرة والتربية والقيم وغيرها كلها مشاريع زمنية طويلة تحتاج الى صبر واستمرارية وتكرار حتى وإن تأخرت النتائج

4. ومن ذلك قصة نبي الله يوسف - عليه السلام - مع ملك مصر، إذ فسر رؤيا الملك عبر خطة زمنية لكسب الوقت في سنوات الرخاء، بمضاعفة الإنتاج، وتخزينه بأسلوب علمي؛ للاستفادة منه في سنوات الجدب ، هذه القصة تعلم أن إدارة الوقت ليست انتظارا للأزمات بل استعدادا لها قبل وقوعها 

5. تنظيم العبادات بالأوقات: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾[12]
6.  التحذير من إضاعة الوقت: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾[13]. فطول الأمل "عدو إدارة الوقت الأسري لأننا لايمكن أن نعيش على الأمل الملهي بل على التخطيط الزمني الواعي

7.  والوقت أيضا مقصد شرعي لتحقيق عمارة الأرض، وتخويل العبد زمنا للسعي واختيار أنماط الكسب في ما آتاه الله تعالى من النعم، والتي من بينها نعمة الوقت، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ  إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[14]

هذا؛ وإضافة إلى جميع ما سبق، فقد بنى القرآن الكريم على الوقت، كما هو معلوم؛ مجموعة من الأحكام سواء في جانب الاعتقاد أو التعبد أو السلوك (التفاعل الإنساني)
ففي الجانب العقدي؛ على سبيل المثال

نجد القرآن الكريم ربط فعل الخلق في مواضع متعددة بزمن محدد بغض النظر عن المقياس المعتبر؛ فذكر أن السماوات والأرض خلقت في ستة أيام، قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾[15]، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾[16]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾[17]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾[18]، وغيرها من الآيات التي جعلت عامل الوقت حاسما

كما أنه حسم نهاية الكون بأجل مسمى عنده سبحانه؛ فقال: ﴿‏‏ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾[19] فبين بداية الخلق ونهايته محسوم بعامل الزمن، كما أن أجل (وقت) كل مخلوق محسوم قبل الولادة، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[20]، بل حتى إنزال آخر كتاب سماوي كان في زمن محدد "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم" باعتبار أن أول نزول له كان جملة واحدة ثم تتابع منجما...وهذه كلها أمور عقدية  إيمانية بنى عليها القرآن الكريم أحكاما. للتأكيد على أهمية الوقت، وكيف ينبغي على المسلم أن يبني عليه تصوراته وتصرفاته في الحياة، ومنها في تنظيم وإدارة وقته داخل الأسرة

وفي الجانب التعبدي

بنى القرآن الكريم على عامل الوقت والزمن أحكاما عديدة، بل يمكن الجزم بأن كل عبادة مرهونة بزمن ووقت محدد؛ ومن ذلك الصلوات المكتوبة مضبوطة بوقت يلزم أداؤها فيه "كتابا موقوتا"، وكذا بالنسبة لركن الزكاة فهي مؤقتة بزمن؛ (آتوا حقه يوم حصاده)؛ والصيام موقوت بزمن له بداية ونهاية ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القرآن الكريم﴾؛ وكذا بالنسبة لفريضة الحج (الحج أشهر معلومات) ... فكل العبادات كان عامل الوقت حاسما فيها

أما في الجانب السلوكي (المعاملاتي)

فالأمثلة أكثر من أن تعد أو تحصى؛ فقد ربط القرآن الكريم كثير من العقود التي يبرمها الناس بالآجل (الوقت)؛ ومثال ذلك الدين ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾[21]، وعقد الإجارة "إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تاجرني ثمانية حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك"، وعقد الطلاق "  فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" سورة الطلاق، والعدة ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾[22]

فمما تقدم يظهر أن القرآن الكريم جعل عامل الوقت مهما وحاسما؛ سواء من جانب التنظيم أو التناسب... وهذا يجعل المسلم يبني علاقاته التفاعلية مع الآخر وفق نظام الزمن (اعط لكل ذي حق حقه) ومنه علاقة الأنسان بأسرته وأهل بيته

فيكون عامل الوقت مؤثرا في سلوك المسلم منذ تفكيره في بناء وإنشاء أسرة؛ والتي تبتدأ بالخطبة التي هي خطوة زمنية يأخذ فيها كل طرف قرار الاقدام أو الاحجام... ثم الولادة وتنظيم النسل، والمدة الزمنية التي تتطلبها كل مرحلة في العناية بالأبناء؛ وعناية الأزواج بعضهما لبعض...

فقه الوقت في السنة النبوية المطهرة النبوية

 وللرسول صلى الله عليه وسلم منهجا فريدا في تنظيم الوقت وإدارته لأن سيرته هي التطبيق العملي لما جاء في القرآن الكريم "كان قرآنا يمشي على الأرض"؛ فرغم ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مسؤوليات متنوعة كمهمة التبليغ؛ والقيادة وما يستتبعها من تسيير وتدبير... لكنه لم يكن مخلا قط بجانب أقرب الناس إليه وهم أزواجه وأبناؤه وأقاربه؛ تميز منهجه في تقديره للوقت بالحكمة والتوازن والدقة فقسّم يومه بين العبادة والعمل والأسرة وخدمة المجتمع

يقول صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون(خاسر) فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ". (رواه البخاري)

ويقول عليه السلام: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه  " (رواه الترمذي)

الحديث الأول فيه: تنبيه وتحدير من ضياع الوقت، و الحديث الثاني فيه : محاسبة ومساءلة عن استثماره

ومن صور هذا المنهج

- الوقت في الإسلام عبادة وجزء من التربية على المسؤولية، وهو ما يظهر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ "[23]

- وهو مما سيسأل عنه يوم القيامة كما في الحديث الشريف: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع. عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه  [24]"

- التوازن بين العبادة والعمل والأسرة: قالت عائشة رضي الله عنها: كَانَ صلى الله عليه وآله وسلم فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ قَامَ إِلَى الصَّلاَة[25]

- تخصيص وقت للتربية والقدوة: كما في تعامله مع حفدته الحسن والحسين رضي الله عنهما، كان صلى الله عليه وسلم يحملهما على كتفه الشريف ويمازحهما ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما[26]" مما يدل على الاستثمار التربوي للوقت الأسري

- المرونة في إدارة الوقت: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل العبادة في الخلوة، ويشارك أهله في شؤون البيت عند الحاجة. عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلْتُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ[27]

- تنظيم أوقات العبادة المشتركة: حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرك أفراد أسرته في العبادة الجماعية، فقال: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته....[28]"

- إدارة المناسبات والأعياد لتقوية العلاقات الأسرية: قالت عائشة رضي الله عنها:"دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وعندي جاريتان تغنِّيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، فقال رسول الله ﷺ: دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدُنا؛ لتعلم يهود أن في ديننا فسحة[29]. فإدارة الوقت لا تعني الإرهاق المستمر والجدّ الدائم لأن ذلك يُفضي إلى الملل والانقطاع 

- مشاورته لأزواجه (أم سلمة في صلح الحديبية)[30]. فبعد صلح الحديبية، أمر النبي ﷺ الصحابة أن:ينحروا الهدي ويحلقوا رؤوسهم فتثاقل بعضهم فأشارت أم سلمة علي الرسول ﷺ بأن يفعل ذلك أولا،فلما رأى الصحابة ذلك، بادروا جميعًا بالامتثال. في هذه المشاورة ،حكمة أسرية وإدارة وقت، فالأسرة التي تُحسن الشورى، تُحسن استثمار وقتها

- تخصيص وقت لزيارة ابنته فاطمة رضي الله عنها

ويجملها حديث "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" ومن مقتضيات الخيرية تخصيص وقت للأسرة

3- فقه تنظيم الأولويات في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة النبوية

ترتيب الأولويات يعتبر مبدأً أصيلًا في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وضرورةً شرعية وتربوية للحفاظ على تماسك الأسرة واستقرارها خصوصا بعد اشتداد تأثير العولمة، وضغط الحياة المادية، وتداخل الأدوار الأسرية

المنهج القرآن ي في تنظيم الأولويات

- التمييز بين الأعمال

قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ... ﴾[31] تؤسس لمنهج التمييز بين الأعمال بحسب درجتها في القرب إلى الله وهي أصل قرآني راسخ في تنظيم الأولويات ومنها الأسرة

- الاعتدال والتوازن

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾[32]. فالاعتدال أساس في تنظيم الجهد والمال والوقت داخل الأسرة

- المودة والرحمة والسكن

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً....﴾[33]، فالمودة والرحمة والسكن جعلها الله أولوية ومقصدًا أعلى

- التربية الإيمانية

اقتداءً بقول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ... ﴾[34] قدم لقمان التربية العقدية على بقية الجوانب. لأولويتها وأهميتها

- الإصلاح بين الزوجين قبل الطلاق

 كما في قوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾[35] يقدم القرآن الكريم سلسلة من خطوات الإصلاح قبل اتخاذ قرار الانفصال . فالآية تضع منهجًا
للاستباق وتنظيم الأولويات وإدارة الوقت عند الأزمات،.

- الوقاية قبل الانحراف

  كما في قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾[36]
القرآن الكريم يوجه الوالدين إلى تحصين الأسرة قبل وقوع الخطأ ووقوع الانحراف

المنهج النبوي في تنظيم الأولويات 

جسّد النبي ﷺ هذا المفهوم في حياته اليومية والدعوية، فكان يُقدّم ما كان أكثر نفعًا للأمة وأقرب إلى الله تعالى

قال ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز[37]

ومن ملامح منهج النبي ﷺ في تنظيم أولويات أسرته

- الموازنة بين العمل والعبادة والراحة

اتباعًا لهدي النبي ﷺ حين قال: "إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه"[38].  فهذا الحديث يمثل القاعدة الذهبية في فقه الموازنة بين الواجبات ومنها حق الأسرة

- تخصّيصه ﷺ وقتًا للحديث مع أزواجه ومسامرتهم

كما في حديث أم زرع الذي روته عائشة رضي الله عنها[39]، وفيه دليل على إعطاء الوقت للعاطفة الأسرية ضمن سلم الأولويات النبوية

- العدل بين أفراد الأسرة

أهم أولوية في البيت النبوي هي العدل بين الزوجات والأولاد دليله: حديث: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم[40]

- تربية الأبناء على الإيمان قبل أي تربية أخرى

النبي ﷺ قدّم التربية الدينية على بقية أنواع التربية دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" [41]

- الرفق كأساس للتعامل الأسري

النبي ﷺ جعل الرفق أولوية تتقدم على التوجيه، والنصح، والعقاب دليل ذلك: حديث: "إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَهُ"  [42]

- حماية الأسرة من الأخطار الروحية والفكرية

 جعل النبي ﷺ مسؤولية الأسرة وحمايتها في قمة الأولويات وواجب مقدّم على الانشغالات العامة. حديث: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"[43]

ثانيا: تحديات إدارة الوقت وتنظيم الأولويات للأسرة المسلمة في زمن العولمة

1– تحديات العولمة وضعف التخطيط الزمني الأسري

 تواجه الأسرة المسلمة المعاصرة تحديًا كبيرا يتمثل في تأثير العولمة وهو ما يؤدي إلى خلل بيّن في إدارة الوقت وترتيب الأولويات. ويزداد هذا الاختلال حين يغيب التخطيط الأسري الواعي الذي يُحدِّد الأهداف ويقسم الأدوار ويرتب الحاجات وفق مراتبها الشرعية

*تحديات العولمة

يقول محمد بن عبد الله الشمراني "العولمة جعلت الزمن الأسري مُستلباً لصالح الشاشات"[44]. يشير هذا القول إلى أن العولمة اليوم تعد عاملاً حاسمًا في إرباك إدارة الوقت داخل الأسرة المسلمة، وتنظيم أولوياتها، إذ رسخت ثقافة استهلاكية تعلي من شأن الكماليات والمظاهر والممتلكات، على حساب الاهتمام بالضروريات الأساسية كالعبادة، والتربية على القيم، وبناء العلاقات الأسرية. فأصبحت الأسرة تواجه ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا يدفعها نحو نمط حياة سريع ومرهق يُضعف فرص التخطيط المشترك وتنظيم الأولويات الداخلية.  مما يستدعي تجديد الوعي الأسري وإعادة تأسيس ثقافة زمنية واعية قادرة على مواجهة هذا التأثير العميق، ومن الآثار الناجمة للعولمة على الأسرة:

- هيمنة الثقافة الاستهلاكية: العولمة خلقت نمطاً حياتياً يقوم على السرعة والإنتاج والاستهلاك، مما يجعل التخطيط غير مستقر ويطغى الجانب المادي على الروحي

- تراجع الروابط الأسرية: بسبب الانشغال التكنولوجي الذي أدى إلى الفردانية والميل إلى العزلة الاجتماعية

- التشويش على القيم المحلية وتآكلها وتعدد المرجعيات: أصبحت الأسر تتلقى قيمها من مئات المصادر مما أضعف سلطتها التربوية

- تداخل الأدوار بين الزوجين: انخراط المرأة في سوق العمل مع بقاء الأدوار التقليدية ثابتة يؤدي إلى ضيق الوقت وصعوبة توزيع المهام[45]

- الفجوة بين الأجيال داخل الأسرة: حيث يتبنى الأبناء قيمًا وأنماط حياة مختلفة عن تلك التي نشأ عليها آباؤهم وأجدادهم، مما قد يؤدي إلى صراعات وسوء فهم

* ضعف التخطيط الزمني الأسري

رغم أن الإسلام أعطى أهمية كبيرة للوقت كما تقدم معنا إلا أن كثيرا من الأسر تعاني غياب الوعي بهذه الأهمية بفعل عوامل متعددة أبرزها، ضعف الثقافة التنظيمية وضعف التواصل، الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية والانشغال المفرط، وطغيان ثقافة التأجيل والمماطلة

 ويعتبر التخطيط الزمني الأسري ووضع برامج يومية تخدم احتياجات الأسرة، مهارات ضرورية للحياة يؤدي غيابها إلى إهدار الوقت والفشل في ترتيب الأولويات الشيء الذي يخلق مجموعة من المشاكل التي تهدد استقرار الأسرة والتي من أهمها: الارتجالية وتشتت الاهتمامات وكثرة المهام المؤجلة وضياع الفرص التربوية بتأخر الإنجاز.

ومن الآثار الناجمة عن ضعف التخطيط للزمن الأسري

- غياب وضوح الأهداف .

- سيطرة العشوائية في التوجيه .

- غياب التنسيق في توزيع الأدوار بين الزوجين .

- غياب برامج وخطط تربوية للأسرة .

- غياب المتابعة والتقويم .

2– الخلل في ترتيب الأولويات بين الحاجات الضرورية والمتطلبات التكميلية

يُعدّ اختلال ميزان الأولويات الأسرية من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة المعاصرة في إدارة الوقت وتنظيم متطلبات الحياة

أفرز تنامي مظاهر الاستهلاك والعولمة الثقافية اختلالا في ميزان الأولويات الأسرية، حيث أصبحت العديد من الأسر تنشغل بالمتطلبات الكمالية فتستهلك جزء مهما من الزمن الأسري في تحقيق رغبات ترفيهية على حساب حاجات ضرورية تقوم عليها استقامة الأسرة واستقرارها، سواء على مستوى بناء الشخصية أو تعزيز الروابط الأسرية أو أداء الوظائف التربوية التي تنضبط بتوجيهات الهدي القرآن ي والنبوي مثل التربية، التعليم، العبادات، وصلة الرحم، وإدارة الوقت اليومي

كما ساهم هذا الاختلال في تضارب الأدوار داخل الأسرة، وضعف قدرة الوالدين على ضبط الاحتياجات الحقيقية للأسرة، وتراجع الوعي بمعيار الضروري–الحاجي–التحسيني هذا الهرم في الأولويات الذي اعتمده الفقه الإسلامي لضبط مقاصد السلوك الإنساني وترتيب حاجاته، أصبح أغلب الأسر المعاصرة تقلبه داخل التخطيط الأسري .

وقبل الحديث عن ما أفرزه هذا الخلل نحاول أن نعطي صورة عن مجمل الحاجات الضرورية للأسرة والحاجات التكميلية

الحاجات الضرورية للأسرة هي المتطلبات الأساسية التي لا تستقيم الأسرة إلا بها

يقول الإمام الشاطبي: " الضروريات هي ما لا بد منه في قيام مصالح الدين والدنيا.[46] "

ويقرر الدكتور الريسوني أن الضروريات : "هي المصالح التي يتوقف عليها قيام الدين والدنيا، وإذا فقدت اختل نظام الحياة وعم الفساد"  [47]

والضروريات تشمل: حاجات المعيشة من مأكل ومشرب وسكن وعلاج ولباس، وحاجات تربوية من تعليم على القيم وتعديل السلوكات، وحاجات نفسية من تواصل أسري واستقرار عاطفي وأمن نفسي، وحاجات دينية من حفاظ على الواجبات الشرعية

أما المتطلبات التكميلية فهي متطلبات ثانوية لا يضر غيابها بالأسرة وتشمل: جل المظاهر المادية الاستهلاكية من مثل: نمط عيش فيه رفاهية مبالغ فيها كالسفر المتكرر، ومتابعة الموضة والصيحات الحديثة، والانشغال بشراء الكماليات الإلكترونية، أو الإنفاق على الترفيه (الولائم والمناسبات)

 ولعل أكبر المشاكل التي نتجت عن الخلل في ترتيب الأولويات بين الضروري والتكميلي

- ضعف التواصل الأسري: تقديم الكماليات الترفيهية على جلسات الحوار والتربية

- أزمات مالية داخل الأسرة: بزيادة الإنفاق على غير الضروريات

- فقدان التوازن القيمي: بتراجع السلطة الوالدية على الأبناء بسبب اتجاه أولوياتهم نحو المظاهر والكماليات وإغفالهم للقيم

ثالثا: آليات تطبيقية عملية مستمدة من الهدي القرآن ي والنبوي لتحصين الأسرة المسلمة المعاصرة:

1- آليات تطبيقية عملية مستمدة من القرآن الكريم لتحصين الأسرة المسلمة المعاصرة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾[48].

الآية الكريمة تمثل أقوى تكليف شرعي يحمّل الوالدين مسؤولية حماية الأسرة وإصلاحها، وأساس في التخطيط الأسري، والآية أيضا منهج وقائي للأسرة يشمل

التحصين العقدي والفكري للأسرة، تنظيم الأولويات داخل الأسرة، ضبط الوقت وتقليل خطر العولمة على الأسرة، رقابة ما يتم استهلاكه من وسائل الإعلام .

آية التحريم هذه تمثل القاعدة المركزية في تحصين الأسرة، لأنها تضع ثلاثة أسس:

- الوقاية التربوية: في قوله عز وجل: "قوا"

- شمول المسؤولية: في قوله تعالى: "أنفسكم وأهليكم"

- الغاية: حماية الأسرة من كل طريق يوصل إلى الانحراف في قولة جل شأنه: "نارا"

والمتصفح لآي القرآن الكريم يجدها تمثل نموذجا لتحصين الأسرة المسلمة المعاصرة إذا ما تم فهم دلالاتها، سنحاول اختيار بعضها ودلالاتها العملية في تحصين الأسرة المسلمة المعاصرة.

* ففي مجال التخطيط الأسري وإدارة الموارد  المالية:

يمكن استثمار قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾[49].

 وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾[50].

وقوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾[51].

في

- إعداد ميزانية شهرية للأسرة وتحديد أولويات الإنفاق.

- تخصيص جزء من الميزانية للادخار والطوارئ.

- ترشيد الإنفاق بتقليل الكماليات والتركيز على الضروريات.

- الاقتصاد في الوقت وتجنب التبذير الزمني كتجنب إضاعة الوقت في الشاشات ووسائل التواصل غير الهادفة.

* وفي مجال تنظيم الوقت وترتيب الأولويات

يمكن استثمار الآيات القرآنية التالية:

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾[52].

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾[53].

﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾[54].

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾[55].

 ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[56]

 ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾[57].

في

- تقسيم أوقات اليوم باعتماد "جدول زمني أسري" أسبوعي يجمع بين الواجبات الدينية والدنيوية (الصلاة – الدراسة – القراءة – الترفيه المنضبط – التواصل الأسري)

- تنظيم الحياة الأسرية حول غاية العبادة والإعمار، لا حول الاستهلاك واللهو.

- تدريب الأبناء على قيمة الإنجاز وتقدير الوقت من مثل: (تقليل الوقت المهدور على الهواتف ومواقع التواصل - اعتماد سياسة "ساعة بلا هاتف يومياً داخل المنزل".

* في مجال مواجهة العولمة والانحراف الرقمي:

يمكن استثمار قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾[58].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[59].

في

-  تعزيز الهوية الإسلامية في مواجهة ثقافة التقليد والانبهار بالغرب.

- اختيار الرفقة الصالحة.

- مراقبة المحتوى الإلكتروني للأبناء، ووضع ضوابط واضحة للاستخدام الرقمي داخل الأسرة، بطريقة تربوية تشاركية.  

- توعية الأبناء بخطورة المحتويات الهدامة (إلحاد – عنف – انحلال).

- تشجيع ثقافة "الإنجاز اليومي" بدل التسويف والكسل الذي تروّجه العولمة الرقمية.

* في مجال التربية الأخلاقية

يمكن استثمار قوله تعالى: ﴿يَبُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾[60]. وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[61].

في 

تخصيص "جلسات أسبوعية لوصايا لقمان الحكيم لابنه ": (نصائح، قيم، قصص) غرس الصلاة  كنظام يومي [62]– التدريب على القيادة الأخلاقية – المسؤولية والانضباط الزمني – الربط بالثوابت الدينية – اعتماد الحوار الراقي – حماية الخطاب الأسري من العنف والغضب والألفاظ الجارحة – تعليم مهارات التواصل ومهارة الاعتذار والتسامح.  

* في مجال بناء الرقابة الذاتية والنية الصالحة

يمكن استثمار قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[63].

وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[64].

في

- غرس مفهوم "الله يراك".

- تدريب الأبناء على مراجعة الذات يومياً والمراقبة الذاتية في الالتزام بالمواعيد.

- اعتماد أسلوب "المحاسبة الأسبوعية" للأسرة.

- تجديد النوايا” لتجديد المقاصد في تنظيم الوقت والعمل.

* في مجال ترتيب الأولويات على ضوء مقاصد الشريعة:

استثمار قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾[65].
وقوله عز وجل ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾[66].

في

-  تعليم أفراد الأسرة قاعدة: " الضروري قبل الحاجي، والحاجي قبل التحسيني".

- تقديم العبادات والواجبات الأسرية على المظاهر الكمالية والاستهلاكية.

- مناقشة أولويات الأسرة أسبوعيا (الدراسة، العبادة، صلة الرحم، الترفيه نحو أنشطة نافعة (رياضة، مطالعة، أعمال تطوعية).

2- آليات تطبيقية عملية مستمدة من الهدي النبوي لتحصين الأسرة المسلمة المعاصرة:

قال رسول الله ﷺ:" كُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعِيَّتِه الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رَعِيَّتِه، والرجلُ راعٍ في أهله وهو مسؤولٌ عن رَعِيَّتِه، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِها ومسؤولةٌ عن رَعِيَّتِها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيِّدِه ومسؤولٌ عن رَعِيَّتِه"[67].

الحديث يُعدّ قاعدة تشريعية في فقه الأسرة، وتندرج تحته كل المفاهيم التي نحتاجها اليوم في بناء بيت متماسك، فهو يرسم أدوار الزوجين، ويضبط الأولويات، ويعزز الرقابة الذاتية، ويوفر منهجا لمواجهة العولمة الرقمية، ويبني أسرة متوازنة.

يمثل الهدي النبوي أحد أهم المصادر التي يمكن العودة إليها لاستلهام آليات عملية تعيد للأسرة انسجامها وقوتها وتوازنها، فقد كان النبي ﷺ النموذج الأمثل في بناء الأسرة على المحبة، والعدل، والرحمة، وحسن إدارة الوقت وتنظيم الأولويات، والحاجة الآن ملحّة إلى تطبيق هذه المبادئ في ظل التحديات المعاصرة، مثل العولمة، وضغط العمل، وضعف التخطيط الأسري.

والذي يتأسى بسيرته ﷺ يجدها إلى جانب القرآن الكريم تمثل نموذجا لتحصين الأسرة المسلمة المعاصرة إذا ما تم فهم دلالاتها وتطبيقها.

سنحاول اختيار بعض الأحاديث النبوية ودلالاتها العملية في تحصين الأسرة المسلمة المعاصرة.

* ففي مجال تنظيم الوقت داخل البيت:

يمكن استثمار أحاديث عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه"[68].

سُئلت عائشة رضي الله عنها: "ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مِهْنَةِ أهله".

في

توزيع المهام العائلية على جميع أفراد الأسرة.

وضع جدول أسبوعي للأعمال المنزلية يشارك فيه الأب، الأم، والأبناء.

تعليم الأبناء الاعتماد على النفس وخدمة الأسرة.  

تعزيز قيمة التعاون.

* في مجال التربية بالقدوة:

استثمار حديث عائشة، قالت عائشة رضي الله عنها" كان خُلُقُه القرآن الكريم"[69].

في

التزام الوالدين بالصدق، والانضباط، وتجنب التناقض التربوي.

اعتماد ميثاق اخلاقي أسري مستمد من القرآن الكريم (قراءة قيمة قرآنية وتطبيقها خلال الأسبوع)

تطبيق القيم بدل الاكتفاء بالنصح.

* في مجال الاهتمام بالصحة النفسية للأسرة:

استثمار حديث عائشة:" سابقني رسول الله ﷺ فسبقته"[70]. في:

وضع أنشطة أسبوعية للترفيه: نزهة، ألعاب جماعية، رياضة...

جلسات دعم نفسي للأبناء.

اعتماد تعزيز السلوك الإيجابي.

* في مجال التربية باللطف وعدم العنف:

استثمار قول الرسول ﷺ: "إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَهُ"[71].

في

- استخدام اللغة الهادئة في التوجيه.

- تعويض الصراخ بجلسات الحوار.

- مكافأة الأبناء على الكلام الطيب.

- تدريب الأسرة على خفض الصوت وضبط نبرة الكلام.

* في مجال تنظيم الأولويات:

استثمار الحديث الشريف: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "

في

وضع برنامج أسبوعي للأسرة وفق قاعدة: الضروريات، الحاجيات، الكماليات مع مراجعتها وإعادة ضبطها.

وضع جدول لتنظيم أوقات النوم، الطعام، العبادة.

3- الثمار التربوية المرجوة من هذه الآليات:

- بناء أسرة واعية بالزمن كمصدر للنجاح الدنيوي والأخروي.

- تحصين الأبناء من الانجراف وراء الثقافة الاستهلاكية للعولمة.

- غرس قيم المسؤولية والانضباط الذاتي في إدارة الوقت وتنظيم الأولويات.

- ترسيخ مفهوم التخطيط الشرعي للأسرة بدل العشوائية.

- تحقيق التوازن بين الروح والمادة في الحياة اليومية.

خاتمة

أرسى القرآن الكريم قواعد منهجية واضحة في إدارة وقت الأسرة، وترتيب الأولويات بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات، كما جسّد النبي ﷺ هذه القواعد في سيرته من خلال إدارة دقيقة للوقت، وتوزيع عادل للمهام، وموازنة حكيمة بين العبادات والواجبات الأسرية والاجتماعية، مما يتبين معه أن استعادة الوعي بالهدي الرباني والنبوي يعد مرجعًا فعّالاً وضرورة لمعالجة الاختلالات الحاصلة في كيان الأسرة وبنائها بشكل متين حتى تكون قادرة على التكيف مع متغيرات العصر دون التفريط في ثوابتها وقيمها.

ومما مر معنا يتبين جليا أن الهدي القرآن ي والنبوي يوفر نماذج عملية ومبادئ قابلة للتطبيق، حفاظا على توازن الأسرة واستقرارها، خصوصا مع تنامي خطر العولمة وضغوط الحياة الحديثة.

توصيات:

استلهاما من ذلك، وبناء على ما سبق، يمكن أن نخلص إلى جملة من التوصيات من أهمها:

- إجراء المزيد من الدراسات التحليلية للدور التربوي للقرآن والسنة النبوية المطهرة في التوازن الأسري والقيام بنشرها من خلال المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.   

- إدماج مهارات التخطيط الأسري وإدارة الوقت وترتيب الأولويات ضمن مفردات برامج مادة التربية الإسلامية خصوصا والمناهج التربوية عموما مع أمثلة عملية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسيرة السلف الصالح، وكذا من التجارب الحياتية الراهنة الناجحة.

- إعداد دلائل عملية وبرامج تدريبية وورش تطبيقية للأسر حول كيفية إدارة الوقت الأسري ومراجعة الأولويات.

- إنتاج برامج توعوية ومحتوى إعلامي للأسرة يوازن بين الحداثة والقيم الأسرية.

- تصميم أدوات عملية (جداول، بطاقات تنظيم، مصفوفات متابعة) لتسهيل تنفيذ الآليات التطبيقية العملية داخل الأسرة.

تجسد المصفوفة منطق فقه الأولويات في إدارة الوقت داخل الأسرة المسلمة من خلال التمييز بين

-   ما هو مهم وعاجل : وهي الواجبات التي لا تحتمل التأخير يؤدى فيها الحق في وقته ،

-  والمهم غير العاجل : وهو مجال البناء التربوي والتخطيط الأسري وهو أساس الاستقرار والوقاية من الأزمات

- وغير المهم العاجل : وهذا يعالج بالحكمة والتفويض حتى لا يطغى على الأولويات ،

-   وغير المهم غير العاجل : فهذا يترك صونا لوقت الأسرة وحماية لقيمها"

وهذا المعنى الذي عبرت عنه المصفوفة في إدارة الوقت وتنظيم الأولويات يلخص ويجسد بدقة قول الإمام علي كرم الله وجهه : " من اشتغل بغير المهم ضيع الأهم "

وتبقى هذه المصفوفة نموذجا للإقتداء ، وأداة إرشادية قابلة للتعديل والتكييف مع بقاء المعيار ثابثا : "تقديم الأهم على المهم "

مصادر ومراجع البحث والدراسة

القرآن الكريم

أبو السعد، مصطفى.: فنون تربية الأبناء. الكويت: دار اقرأ للنشر والتوزيع، ط1، 2007م.

اللاحم، خالد بن عبد الكريم : إدارة الوقت من منظور إسلامي. الرياض: دار ابن الجوزي، ط1، 1420هـ 1999م).

بكار، عبد الكريم : الأسرة المسلمة وتحديات العصر. القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط5، 2011م.).

المزيدي، أحمد فريد : الأسرة وتربية الأولويات في المنظور الإسلامي. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2015م

عودة، أمين : الأسرة المسلمة والتحديات المعاصرة. بيروت: دار النفائس، ط1، 2014م. علوان، عبد الله ناصح

علوان، عبد الله ناصح : تربية الأولاد في الإسلام. القاهرة: دار النشر، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة ط3، 2008م

  الزحيلي، وهبة : أصول الفقه الإسلامي : دمشق: دار الفكر، ط1، 1986م.

الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى : الموافقات في أصول الشريعة ،ج2،  تحقيق: عبد الله دراز. بيروت: دار المعرفة، ط1، 1997م

10- الشوني عبد الرحمن :  فن إدارة الوقت للأسرة، الرياض: دار المسلم للنشر والتوزيع، ط3، 2017م

الكتاني فاطمة :  التربية الوالدية، الرباط: المعارف الجديدة، ط1، 2012.

 سويدان، طارق :  فقه الأسرة. الكويت: شركة الإبداع الفكري، ط1، 2009

القرضاوي، يوسف : فقه الأولويات: دراسة جديدة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. دار النشر: مكتبة وهبة، القاهرة ، ط7، 2001.

بريك محمد : التخطيط للحياة الأسرية. الرياض: دار القلم، ط1، 2018

الشمراني، محمد بن عبد الله :  العولمة والأسرة المسلمة. الرياض: دار الوطن، ط1، 2015

النابلسي، محمد راتب : موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام. دمشق: دار المعرفة، ط1، 2006

القوري منير: إدارة الوقت في الأسرة المسلمة ،القاهرة ،دارالسلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ط1 ،2004

الشاطبي، أبو إسحاق :  الموافقات، بيروت، دار المعرفة، ط4، 1997

القرضاوي، يوسف : الوقت في حياة المسلم، القاهرة، دار الشروق، ط2، 1996

الريسوني، أحمد : نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ، دار النشر:  الولايات المتحدة الأمريكية المعهد العالمي للفكر الإسلامي - الطبعة الثالثة 1995م.

[1] ابن منظور، لسان العرب ص4/19

[2] النهاية في غريب الأثر ص1/106

[3] معالم الأسرة المسلمة في القرآن الكريم شيرين زهير أبو عبدو ص 14

[4] المعجم الوسيط

[5]  أحمد إبراهيم أحمد 2003 الادارة المدرسية في مطلع القرن الحادي العشرين، القاهرة: دار الفكر العربي ص 190

[6] عبد الرحمن بن علي الشوني ، فن إدارة الوقت للأسرة، دار المسلم، ص18

[7]  ابن فارس، مقاييس اللغة، ج1، ص 145

[8] سورة العصر: 1-2

[9] سور ة الضحى: 1

[10] سورة الليل: 1

[11] سورة الشرح: 7 -8

[12] سورة النساء: 103

[13] سورة الحجر: 3

[14]سورة الأنعام: 165

[15] سورة هود:7

[16] سورة الفرقان:59

[17] سورة ق:38

[18] سورة يونس: 3

[19] سورة الأنعام: 2

[20] سورة الأعراف: 34

[21] سورة البقرة: 282

[22] سورة الطلاق: 4

[23] رواه البخاري، رقم 6412 / ص 45

[24] رواه الترمذي، رقم 2417 / ص 46

[25] رواه البخاري، رقم 676 / ص 78

[26] رواه البخاري، رقم 3749 / ص 201

[27] رواه أحمد، رقم 24906 / ص 211

[28] رواه أبو داود، رقم 1308 / ص 77

[29] رواه أحمد، رقم 23922، ص 102

[30] ابن هشام، السيرة النبوية، ج 3، ص 318

[31] سورة التوبة: 19

[32] سورة الفرقان: 67

[33] سورة الروم: 21

[34] سورة لقمان: 13

[35] سورة النساء: 35

[36] سورة التحريم: 6

[37] رواه مسلم، كتاب القدر، حديث رقم 2664، ص 245

[38] البخاري، رقم 1968 ص 90

[39] رواه البخاري، كتاب النكاح، حديث رقم 5189، ص 1021

[40] رواه البخاري (2587) ومسلم (1623).

[41] رواه أبو داود (495).

[42] رواه مسلم (2594)

[43] رواه البخاري (893) ومسلم

[44] العولمة والأسرة المسلمة، دار الوطن، صـ 44

[45]  أمين عودة، الأسرة المسلمة والتحديات المعاصرة، دار النفائس، صـ 96–98

[46] الموافقات، ج2، ص9

[47] نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ص 85

[48] سورة التحريم: 6

[49] سورة الإسراء:29 

[50] سورة الفرقان: 67    

[51] سورة الإسراء: 27

[52]  سورة الإسراء: 12

[53] سورة الرعد: 8             

[54] سورة العصر: 1-2   

[55] سورة الشرح: 7    

[56] سورة الذاريات: 56

[57] سورة المؤمنون: 115

[58] سورة البقرة: 168

[59] سورة هود: 113

[60] سورة لقمان:17 

[61] سورة الإسراء: 53

[63] سورة ق: 18 

[64] سورة الرعد: 11

[65] سورة الحشر: 9

[66] سورة الجمعة: 11   

[67] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم (1829)  صحيح البخاري، كتاب الجمعة، رقم 893

[68]  النكاح رقم 5192 رواه البخاري،

[69] رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، رقم: 746

[70] رواه أبو داود، الأدب، رقم: 2578

[71] رواه مسلم، البر والصلة، رقم: 2594.

إدارة الوقت وتنظيم الأولويات في الأسرة المسلمة على ضوء الهدي القرآني والنبوي
Partager cet article
Repost0
20 février 2026 5 20 /02 /février /2026 21:13
الحياة المدرسية في العصر الرقمي رؤى ومقاربات

الحياة المدرسية في العصر الرقمي رؤى ومقاربات

القيم والتربية القيمية في الحياة المدرسية

الطالبة الباحثة: صفاء قسطاني

دراسة محكمة

ملخص:

يتناول هذا المقال موضوع الحياة المدرسية في العصر الرقمي، مسلطا الضوء على التحديات والفرص التي يفرضها التحول الرقمي على المؤسسات التعليمية. يهدف البحث إلى تحليل العلاقة بين التربية الرقمية والتربية على القيم، مع التأكيد على أن دمج التكنولوجيا في التعليم ليس مجرد عملية تقنية، بل هو مشروع قيمي وأخلاقي.

يستعرض المقال في فصله الأول الإطار النظري، موضحا كيف تطور مفهوم التربية الرقمية من مجرد "محو الأمية الحاسوبية" إلى نظام قيمي متكامل، ويتطرق إلى منظومة القيم في المدرسة المغربية بمرجعياتها الدينية والوطنية والكونية. وفي الفصل الثاني، يحدد المقال محاور التربية الرقمية، مركزًا على أهمية المواطنة الرقمية، وضرورة ترسيخ السلوكيات الرقمية السليمة، وتعزيز القيم الأخلاقية في التواصل الافتراضي.

أما الفصل الثالث، فيقدم تطبيقات عملية لترسيخ هذه القيم، مثل دمج مفاهيم التربية الرقمية في المناهج الدراسية، وتوفير التكوين المستمر للمدرسين، وإشراك الأسر في العملية التربوية. ويختم المقال بتأكيد أن تحقيق هذه الرؤية يستلزم تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، باعتباره استثمارًا طويل الأمد في بناء جيل يمتلك الكفاءات الرقمية ويتشبع بالقيم.

الكلمات المفتاح: القيم المدرسية - المواطنة الرقمية -  التربية على القيم - السلوكيات الرقمية

Résumé :

Cet article explore le thème de la vie scolaire à l'ère du numérique, en mettant en lumière les défis et les opportunités que la transformation numérique impose aux établissements d'enseignement. La recherche vise à analyser la relation entre l'éducation numérique et l'éducation aux valeurs, en soulignant que l'intégration de la technologie dans l'enseignement n'est pas un simple processus technique, mais un projet éthique et moral.

Dans son premier chapitre, l'article examine le cadre théorique, expliquant comment le concept d'éducation numérique a évolué de la simple "alphabétisation informatique" à un système de valeurs intégré. Il aborde également le système de valeurs de l'école marocaine, avec ses références religieuses, nationales et universelles. Dans le deuxième chapitre, l'article identifie les axes de l'éducation numérique, en se concentrant sur l'importance de la citoyenneté numérique, la nécessité d'établir des comportements numériques sains, et le renforcement des valeurs morales dans la communication en ligne.

Le troisième chapitre présente des applications pratiques pour ancrer ces valeurs, telles que l'intégration des concepts de l'éducation numérique dans les programmes scolaires, la formation continue des enseignants et l'implication des familles. L'article conclut en affirmant que la réalisation de cette vision nécessite la conjugaison des efforts de toutes les parties concernées, car il s'agit d'un investissement à long terme dans la construction d'une génération compétente sur le plan numérique et imprégnée de valeurs.

مقدمة

في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، شهدت الحياة المدرسية تحولات عميقة غيرت من طبيعة التعلم، وأساليب التدريس، وطبيعة العلاقات بين المتعلم، والمدرس، والإدارة، والأسرة. أصبحت المدرسة اليوم فضاء يمتد بين الواقع الحضوري والبيئات الرقمية، حيث يمكن للمتعلمين الوصول إلى موارد تعليمية متنوعة والتفاعل مع أقرانهم ومعلميهم عبر منصات رقمية، وممارسة الأنشطة اللاصفية بطرق مبتكرة تتجاوز حدود الفصل التقليدي

إن هذا التحول الرقمي للمدرسة يفتح آفاقاً واسعة لإعادة التفكير في البيداغوجيا، وفي استراتيجيات التعلم والتعليم، كما يطرح تحديات جديدة تتعلق بالفجوة الرقمية، وأمن المعلومات والهوية الرقمية للمتعلمين وضرورة الحفاظ على القيم الأخلاقية والتربوية في الفضاء الرقمي

يهدف هذا المقال إلى تحليل العلاقة الجوهرية بين التربية على القيم والتربية الرقمية، مع تقديم رؤى ومقاربات عملية تضمن بناء جيل قادر على التفاعل الإيجابي والمسؤول مع التكنولوجيا. ولتحقيق هذه الأهداف، ينقسم هذا المقال إلى ثلاثة فصول؛ يتناول الفصل الأول الإطار النظري لمفهوم التربية الرقمية والقيم المدرسية، بينما يناقش الفصل الثاني محاور التربية الرقمية في الحياة المدرسية، ويقدم الفصل الثالث تطبيقات عملية لتعزيز هذه القيم في الوسط التعليمي. إن معالجة هذا الموضوع لا تعد ترفا فكريا، بل ضرورة مجتمعية ملحة في سبيل بناء مواطن رقمي مسؤول ومتشبع بالقيم الأصيلة

الفصل الأول: الإطار النظري لمفهوم التربية الرقمية والقيم المدرسية

يتناول هذا الفصل الإطار النظري الذي يؤسس للعلاقة بين التربية الرقمية والتربية على القيم في السياق المدرسي، مستعرضا تطور مفهوم التربية الرقمية من مجرد "محو الأمية الحاسوبية" في الماضي إلى نظام قيمي شامل في العصر الحالي. تبدأ التربية الرقمية كعملية تربوية شاملة تهدف إلى بناء وعي قيمي ومعرفي لدى المتعلم، ليكون قادرا على التفاعل مع الوسائط الرقمية كفضاء للتعلم والإنتاج والتواصل، وليس مجرد أداة تقنية محايدة

ولعل هذا ما يبرز العلاقة الجوهرية بين التربية الرقمية والتربية على القيم، حيث تمنح القيم للتربية الرقمية مقاصدها وغاياتها الإنسانية، بينما توفر لها الرقمية فضاء جديدا لتفعيلها ونشرها. وفي هذا الصدد، تحتل منظومة القيم مكانة مركزية في المنهاج التربوي المغربي، والتي تتوزع بين قيم دينية قائمة على العقيدة الإسلامية، وقيم وطنية تهدف إلى تعزيز الانتماء، وقيم كونية منفتحة على مبادئ الديمقراطية والتسامح. وتزداد الحاجة إلى ربط هذه القيم بالتربية الرقمية في ظل فضاء رقمي منفتح يحمل في طياته الإيجابيات (كالمعرفة والانفتاح) والسلبيات (كالعنف وخطاب الكراهية).

- أولا: مفهوم التربية الرقمية وأصولها

تطّر مفهوم التربية الرقمية بشكل ملحوظ عبر مراحل متعددة، حيث بدأ في ثمانينيات القرن الماضي بتركيز أساسي على "محو الأمية الحاسوبية"، والتي كانت تهدف إلى تمكين الأفراد من استخدام الأدوات التقنية والبرمجيات الأساسية. ومع التوسع الهائل لشبكة الإنترنت في العقود اللاحقة، تحوّل الاهتمام إلى "المواطنة الرقمية" التي تجاوزت المهارات التقنية لتشمل الالتزامات الأخلاقية والسلوكية في العالم الافتراضي. لم يعد الهدف مقتصراً على كيفية استخدام الأداة، بل تعدى ذلك إلى كيفية التفاعل مع الآخرين بمسؤولية واحترام

وقد تسارعت هذه التحولات بشكل غير مسبوق في ظل جائحة كوفيد-19، التي فرضت واقعاً جديداً للتعليم عن بعد، مما جعل دمج الرقمنة في العملية التعليمية ضرورة ملحة. هذا الواقع الجديد لم يقتصر على نقل المحتوى التعليمي عبر المنصات الرقمية فحسب، بل أكد أيضًا على الحاجة الماسة إلى تربية رقمية متكاملة، تضمن أن يتعامل المتعلمون مع هذه التقنيات بوعي ونضج، وتُحصّنهم من المخاطر المحتملة كالتنمر أو الإشاعات، مما جعل البعد القيمي للرقمنة أكثر أهمية وإلحاحًا من أي وقت مضى

تشير التربية الرقمية إلى مجموع الممارسات التربوية والتعليمية التي تستند إلى استثمار التكنولوجيا الرقمية في بناء المعرفة، وصقل المهارات، وتوجيه السلوكيات في الفضاء الافتراضي. ويعرّفها ميشيل ريبل (M. Ribble) بأنها: "عملية إعداد الأفراد ليكونوا مستخدمين مسؤولين وفاعلين للتكنولوجيا، قادرين على ممارسة حقوقهم وواجباتهم في العالم الرقمي بما يضمن الأمن والكرامة للجميع"¹

هذا المفهوم يتجاوز البعد التقني إلى بعد قيمي وأخلاقي، إذ لا يمكن تصور إدماج الرقمنة في المدرسة بمعزل عن ميثاق أخلاقي المتعلمين

تعرف التربية الرقمية في الأدبيات التربوية بأنها منظومة من الضوابط والمعايير التربوية والأخلاقية التي ترشد المتعلم والمعلم إلى الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، بما يضمن له الاستفادة من إمكاناتها مع تجنّب مخاطرها [1]. وهي عملية تتجاوز حدود التدريب على المهارة التقنية لتشمل تكوين وعي قيمي يتيح للفرد ممارسة سلوكه الرقمي وفق مبادئ المسؤولية الاجتماعية والالتزام الأخلاقي[2] . كما تعد مسارا لمحو الأمية الرقمية يبدأ من المبادئ الأساسية وصولًا إلى إدراك الأبعاد المركبة للتكنولوجيا في سياقها المعرفي والاجتماعي[3]

وانطلاقًا من هذه التعاريف، يمكن اقتراح تعريف جامع للتربية الرقمية على النحو الآتي

التربية الرقمية هي عملية تربوية شمولية تروم بناء وعي قيمي ومعرفي لدى المتعلم، يجعله قادرًا على التفاعل مع الوسائط الرقمية بوصفها فضاء للتعلم والإنتاج والتواصل، لا مجرد أدوات تقنية محايدة. وهي تسعى إلى ترسيخ قيم أصيلة مثل الصدق، والمسؤولية، واحترام الخصوصية، والتعايش مع الآخر في الممارسات الرقمية، مع تمكين الفرد من استثمار التكنولوجيا في خدمة ذاته ومجتمعه. وبهذا المعنى، فإن التربية الرقمية مشروع قيمي-إنساني يهدف إلى تحويل الكائن الرقمي إلى مواطن مسؤول يمارس حقوقه الرقمية بوعي، ويلتزم بواجباته الأخلاقية تجاه نفسه والآخرين

إن هذا التعريف يبرز العلاقة الجوهرية بين التربية الرقمية والتربية على القيم، حيث تمنح القيم للتربية الرقمية معناها ومقاصدها، بينما تمنح الرقمية للقيم فضاءً جديدًا لتفعيلها ونشرها في الواقع المعاصر.

ثانيا :منظومة القيم في المدرسة يؤطر سلوكيات المغربية

تحتل القيم مكانة مركزية في المنهاج التربوي المغربي، إذ نصّ الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) على أن المدرسة مطالبة بـ"ترسيخ الهوية المغربية الموحدة، القائمة على الدين الإسلامي واللغة العربية، والمنفتحة على قيم الحداثة الكونية"²

كما أكد البرنامج الاستعجالي 2009-2012 على ضرورة "التربية على السلوك المدني وتعزيز ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان"³

ويلاحظ أن القيم المعلنة في النصوص المرجعية الرسمية تتراوح بين

قيم دينية: تقوم على العقيدة الإسلامية باعتبارها مرجعية أخلاقية وتشريعية.

قيم وطنية: غايتها تعزيز الهوية والانتماء والالتزام بالمصلحة العامة

قيم كونية: منفتحة على مبادئ الديمقراطية، الحوار، التسامح، وحقوق الإنسان

تشكل السلوكيات الرقمية السليمة امتدادا لقيم الانضباط التي يجب ترسيخها في الوسط المدرسي. فكما يمنع العنف اللفظي والجسدي في القسم، يمنع أيضا التنمرالإلكتروني أو السخرية من الزملاء عبر المنصات الرقمية. ولم يعد دور التربية الحديثة يقتصر على تنظيم سلوك المتعلمين الواقعي، بل يشمل أيضًا تنظيم سلوكهم الافتراضي لتحقيق الانسجام التام بين الهويتين.

أمثلة واقعية للسلوكيات الرقمية السليمة

لتعزيز هذه السلوكيات، يجب تقديم أمثلة ملموسة من الحياة اليومية للمتعلمين

التحقق من المحتوى: ينبغي تعليم المتعلمين كيفية التحقق من صحة مصدر المعلومات قبل مشاركتها، وتجنب تداول الأخبار الزائفة أو الإشاعات

الاحترام والخصوصية: لابد من  احترام خصوصيات الآخرين وعدم نشر صورهم أو معلوماتهم الشخصية دون إذن مسبق

الوعي بالسلامة: من خلال الحرص على استخدام كلمات مرور قوية، وتجنب مشاركتها مع الآخرين

الاستخدام المعتدل: وذلك بتجنب الإدمان الرقمي والاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي

المسؤولية الشخصية: ينبغي الوعي بأن لكل فعل رقمي أثرًا قانونيًا وأخلاقيًا

دور القدوة: يلعب المدرسون والإداريون دورا محوريا كقدوة في تبني هذه السلوكيات. فالقدوة الحسنة هي السبيل الأمثل لترسيخ هذه القيم لدى المتعلمين. يجب أن يكون المدرس نفسه نموذجا يحتذى به في استخدامه للتكنولوجيا، سواء في طريقة تواصله مع الطلاب، أو في مشاركته للمعلومات، أو في التزامه بالآداب العامة على الإنترنت. كما أن إعداد أدلة تربوية توضح السلوكيات الرقمية السليمة التي يجب الالتزام بها يمكن أن يدعم هذا الدور

 ثالثا: العلاقة بين التربية على القيم والتربية الرقمية

 تعريف القيم

   القيم هي"مجموعة من المثل العليا والمبادئ المعيارية التي تعمل المنظومة التعليمية على غرسها في شخصية المتعلم، قصد توجيه سلوكه الفردي والاجتماعي، وضبط تفاعله داخل المدرسة وخارجها"[4].

   القيم هي:"معتقدات راسخة تُكسب السلوك طابعًا إلزاميًا، وتُسهم في توجيه الفعل الإنساني، ويُعَدّ التعليم الوسيلة المركزية لترسيخها وضمان انتقالها بين الأجيال"[5]

   القيم "اتجاهات وجدانية ومعايير اجتماعية يتبناها الفرد داخل النسق التربوي، وتشكل دافعًا داخليًا لضبط سلوكه، وتُعطي معنى للتجربة التعليمية بما يتجاوز البعد المعرفي الصرف"[6]

   القيم "رأسمال رمزي تتقاسمه الجماعة التربوية، ويضمن للمدرسة أداء وظيفتها في التنشئة الاجتماعية، حيث تتحول القيم من مجرد أفكار نظرية إلى ممارسات عملية تعكس هوية المجتمع"[7]

إن القيم في المنظومة التعليمية ليست مجرد مفاهيم أخلاقية، بل هي أهداف تربوية عليا تشكل الإطار المرجعي لكل مناهج التعليم. وهي تنقسم إلى

قيم فردية: مثل الصدق، الأمانة، الاجتهاد

قيم اجتماعية: مثل التعاون، التسامح، التضامن

قيم كونية: مثل العدالة، الحرية، احترام حقوق الإنسان

وهي الضامن الأساسي لتحقيق التكامل بين التربية المعرفية والتربية الأخلاقية

وفي ظل التحولات التكنولوجية الراهنة، تبرز الحاجة الملحة إلى ربط التربية الرقمية بالبعد القيمي، وذلك لسببين رئيسيين

أولاً، لأن الفضاء الرقمي فضاء منفتح، يحمل إيجابياته (المعرفة، الانفتاح، التعاون) وسلبياته (العنف، الكراهية، المس بالمقدسات)

ثانياً، لأن المدرسة مسؤولة عن تهييء الناشئة لاكتساب مهارات رقمية تراعي البعد الأخلاقي، وتجنبهم السقوط في سلوكيات رقمية منحرفة مثل التنمر الإلكتروني أو الغش أو القرصنة

وقد نبّه عبد الرزاق بلعقروز إلى أن "الإنسان الرقمي مهدد بفقدان إنسانيته إذا لم يرافق التطور التقني تأسيس قيمي يضبطه ويرشده"⁴، وهو ما يجعل من التربية الرقمية جزءاً لا ينفصل عن التربية القيمية

تعد حماية المتعلمين من التحديات الأخلاقية في الفضاء الافتراضي أحد أهم الأدوار التي تقوم بها المؤسسات التربوية. ويشمل ذلك مكافحة ظواهر مثل التنمر الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، ونشر المحتوى غير اللائق، وهي تحديات تستلزم تفعيل آليات عملية لتعزيز القيم الأخلاقية في التواصل الافتراضي

ومن أبرز هذه الآليات

استخدام القصص الرقمية: يمكن للمدرسة استثمار قوة السرد من خلال إنتاج أو عرض قصص رقمية أو رسوم متحركة تتناول قضايا حقيقية مثل التنمر الإلكتروني، أو خطورة مشاركة المعلومات الشخصية. وتساعد هذه القصص على توصيل الرسائل الأخلاقية بشكل مؤثر ومباشر، مما يترك أثراً عميقاً في وعي المتعلمين

مسابقات الإبداع الرقمي: يمكن تنظيم مسابقات بين الطلاب لتشجيعهم على إنتاج محتوى رقمي إيجابي يروج للقيم الأخلاقية. فبدلًا من أن يكونوا مجرد مستهلكين للمحتوى، يصبحون مبدعين لمحتوى هادف. على سبيل المثال، يمكن تنظيم مسابقة لأفضل فيديو قصير حول "احترام الآخرين على الإنترنت"، أو أفضل مدونة تناقش "أخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي"، أو أفضل رسم بياني يوضح "كيفية حماية البيانات الشخصية"

تسهم هذه الآليات في تحويل القيم الأخلاقية من مجرد مبادئ نظرية إلى ممارسات وسلوكيات يومية، مما يعزز من قدرة المتعلمين على اتخاذ قرارات مسؤولة في العالم الرقمي

 رابعا:مرجعية الإسلامية والقانونية للتربية على القيم الرقمية

يعد البعد الأخلاقي أساسا جوهريا في كل استخدام للتكنولوجيا، وهو ما يوضحه الإسلام من خلال نصوصه القرآنية والسنة النبوية. فمن المنظور القرآني، جاء في قوله تعالى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا" (البقرة: 83). و هذا التوجيه القرآني لا يقتصر على التفاعل الواقعي المباشر، بل يمتد ليشمل التواصل الرقمي، حيث يجب أن يكون الخطاب في الفضاء الافتراضي صادقًا، محترمًا، وبعيدًا عن التجريح أو الإيذاء

أما من السنة النبوية، فقد جاء في الحديث الشريف: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (رواه البخاري ومسلم)، وهو حديث يرسخ قاعدة عامة يمكن إسقاطها على الفضاء الرقمي؛ إذ يجب حماية "اليد الرقمية" واللسان الافتراضي" من أي إساءة أو تنمر إلكتروني. بمعنى آخر، يتحمل كل مستخدم مسؤولية أخلاقية عن أفعاله على الإنترنت بنفس قدر مسؤوليته في الحياة الواقعية، وهذا ينسجم مع مفهوم المواطنة الرقمية الذي يربط الحقوق بالواجبات

من الناحية القانونية والإدارية، بادرت وزارة التربية الوطنية المغربية إلى تنظيم الاستعمال الآمن للتكنولوجيا في الوسط المدرسي عبر إصدار مذكرات رسمية. ومن أبرزها

المذكرة رقم 047×19 (2019)، التي نصت على

  "إرساء ثقافة المسؤولية واليقظة لدى التلميذات والتلاميذ في تعاملهم مع الوسائط الرقمية، وترسيخ قيم المواطنة الرقمية بما يحفظ الحقوق ويحترم الواجبات"[8]

 كما أكدت المذكرات الموازية على ضرورة تكوين الأساتذة والمفتشين في مجال التربية الرقمية، لتفعيل البرامج التعليمية التي تدمج القيم الأخلاقية مع التكنولوجيا

إن هذا الجمع بين المرجعية الإسلامية والقانونية يظهر أن التربية على القيم الرقمية ليست خيارا اختياريًا، بل ضرورة تربوية وأخلاقية وقانونية، تهدف إلى حماية المتعلم، وتأهيله ليكون مواطنا رقميا مسؤولا قادرا على ممارسة حقوقه وواجباته ضمن الفضاء الافتراضي بوعي واعتدال

الفصل الثاني: محاور التربية الرقمية والقيم في الحياة المدرسية

التربية على المواطنة الرقمية والمسؤولية الإلكترونية

تعرف المواطنة الرقمية بأنها "مجموعة من المعايير والممارسات التي تمكّن الأفراد من استعمال التكنولوجيا بشكل مسؤول وآمن، بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم وحقوق الآخرين"⁶. وهي امتداد للمواطنة التقليدية، لكن في فضاء جديد أكثر اتساعًا وتأثيرًا

ويقوم هذا البعد على مبدأ أساسي: أن استعمال الوسائط الرقمية ليس مجرد حق فردي، بل هو التزام جماعي تحكمه ضوابط أخلاقية وقانونية. ففي السياق المغربي، نصّ القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء (2018) على تجريم التحرش الرقمي باعتباره انتهاكًا لحقوق المواطنة⁷. وهذا يوضح أنّ الدولة تعترف رسميًا بوجود "مواطنة رقمية" تحتاج إلى تأطير قانوني

من منظور تربوي، تقتضي المواطنة الرقمية في المدرسة تعليم المتعلمين

احترام حقوق الملكية الفكرية وعدم السطو على إنتاج الغير

الاستخدام الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي دون الإضرار بالآخرين

الالتزام بالمسؤولية الإلكترونية عبر حماية المعطيات الشخصية وتجنب القرصنة

السلوكيات الرقمية السليمة داخل الوسط المدرسي

تشكل السلوكيات الرقمية السليمة امتدادًا لقيم الانضباط داخل المدرسة. فكما يُمنع العنف اللفظي والجسدي في القسم، يُمنع أيضًا التنمر الإلكتروني أو السخرية من زملاء عبر المنصات الرقمية

وقد بيّن الباحث محمد الدريج أن "التربية الحديثة لم تعد تكتفي بتنظيم السلوك الواقعي للمتعلمين، بل مطالبة كذلك بتنظيم سلوكهم الافتراضي بما يحقق الانسجام التام بين الهويتين"⁸

وتتجلى أهم السلوكيات الرقمية التي يجب ترسيخها في الوسط المدرسي في

الاحترام: احترام خصوصيات الآخرين وعدم مشاركة صور أو معلومات دون إذن

الأمان: الحرص على كلمات مرور قوية وعدم تقاسمها

الاعتدال: تجنب الإدمان الرقمي والاستخدام المفرط للشبكات الاجتماعية

المسؤولية: الوعي بأن لكل فعل رقمي أثرًا قانونيًا وأخلاقيًا

كما أن وزارة التربية الوطنية المغربية أصدرت المذكرة 099×20 (2020) بخصوص "تنظيم التعليم عن بُعد"، وشددت على "ضرورة ترسيخ سلوكيات رقمية متوازنة لدى المتعلمين، تجمع بين التحصيل الدراسي واحترام قيم المواطنة الرقمية"⁹

تعزيز القيم الأخلاقية في التواصل الافتراضي بين المتعلمين

إن التواصل الافتراضي غدا اليوم أحد الركائز الأساسية للعملية التعليمية، خاصة مع تسارع التحول الرقمي بعد جائحة كوفيد-19، حيث فرض التعليم عن بعد واقعا جديدا على المدرسة والمتعلم والأستاذ معا. غير أن هذا النمط من التواصل أفرز تحديات قيمية وأخلاقية حقيقية، تتجلى في ضعف الضبط السلوكي، وانتشار بعض الممارسات السلبية مثل التنمّر الإلكتروني، خطاب الكراهية، تداول الأخبار الزائفة، والسطو على الملكية الفكرية. وقد كشفت دراسة أعدتها اليونسكو سنة 2021 أن ما نسبته 32% من المراهقين في العالم العربي تعرضوا لأشكال من التنمّر الإلكتروني، وهو مؤشر على هشاشة المنظومة القيمية داخل الفضاء الرقمي.[9]

من المنظور الإسلامي، يظل التواصل الافتراضي خاضعًا لضوابط الشرع ومقاصده، حيث دعا القرآن الكريم إلى تهذيب اللسان وضبط العلاقات الإنسانية حتى في غياب التواصل المادي، قال تعالى

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} (الحجرات: 12)

فهذه القاعدة القرآنية تمثل أساسا لبناء "ميثاق أخلاقي مدرسي رقمي" يُلزم المتعلمين والمعلمين معًا بقواعد الاحترام، صون الكرامة، وحماية الخصوصية، مما يجعل البيئة التعليمية الرقمية امتدادًا للفضاء التربوي الحضوري من حيث القيم

ولكي يتم تعزيز القيم الأخلاقية في التواصل الرقمي بين المتعلمين، يمكن التفكير في جملة من الآليات العملية

1. إدماج مادة "أخلاقيات الفضاء الرقمي" في المناهج الدراسية، باعتبارها جزءًا من التربية على المواطنة الرقمية

2. تنظيم ورشات تدريبية حول ثقافة الحوار وقبول الاختلاف، بما يقي المتعلمين من الانزلاق نحو العنف الرمزي أو اللفظي

3. إقرار ميثاق مدرسي رقمي يجرّم خطاب الكراهية، الإشاعة، التشهير، وانتحال الهوية، على غرار ما يتم في الميثاق الداخلي للمؤسسات التعليمية

4. تفعيل الشراكات مع الأسر والمجتمع المدني لنشر الوعي بخطورة السلوكيات غير الأخلاقية عبر الإنترنت، وتطوير استراتيجيات وقائية لحماية الناشئة

5. الاستفادة من التجارب العالمية، مثل تجربة "Digital Citizenship Education" التي اعتمدها مجلس أوروبا (2019)، حيث يتم إعداد المتعلم ليكون "مواطناً رقمياً مسؤولاً" يمارس حقوقه ويلتزم بواجباته في العالم الافتراضي

أما على مستوى التصورات الفكرية، فقد أكد المفكر زكي الميلاد أن "القيم الإنسانية الكبرى مثل التسامح والاعتراف بالآخر ينبغي أن تترجم رقميًا بنفس القوة التي تُترجم بها واقعيًا"[10] وهو طرح يعزز فكرة التكامل بين العالم الواقعي والافتراضي في التربية على القيم

وبذلك يتضح أن رهان التربية في العصر الرقمي ليس فقط توظيف التكنولوجيا في التعلم، بل بالأساس إعادة بناء منظومة قيمية رقمية، تجعل المتعلم قادرًا على التفاعل بإيجابية، احترام الخصوصية، وممارسة حقوقه وواجباته داخل الفضاء الافتراضي، انسجاما مع المبادئ الإسلامية والقيم الكونية المشتركة.

الفصل الثالث: التطبيقات العملية لتعزيز القيم والتربية الرقمية في الحياة المدرسية

يمثل هذا الفصل الجانب التطبيقي في معالجة إشكالية التوازن بين القيم الأخلاقية والتطور الرقمي في المدرسة المغربية، حيث يبرز كيف يمكن تحويل المبادئ النظرية إلى ممارسات عملية تسهم في بناء جيل متوازن، قادر على الاندماج في العصر الرقمي دون أن يفقد بوصلته القيمية/.

إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية

تعد المناهج الدراسية البوابة الأولى لترسيخ القيم الرقمية داخل المدرسة، ذلك أن المتعلم يكتسب عبرها معارف وسلوكات توجه تفاعله مع العالم الافتراضي. إن إدماج التربية الرقمية في المواد الدراسية لا يعني إضافة مقررات جديدة فقط، بل دمج القيم الرقمية داخل الدروس القائمة (التربية الإسلامية، الاجتماعيات، اللغات...)

وقد أكدت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) أن "التربية الرقمية لم تعد ترفًا تربويًا، بل ضرورة حضارية تواكب تحولات المجتمع"[11]. ومن المقترحات العملية

إدماج دروس في المواطنة الرقمية ضمن مواد التربية الإسلامية والاجتماعيات، مع ربطها بمفاهيم قرآنية كالأمانة (﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ – النساء: 58

تخصيص حصص تطبيقية حول الوقاية من التنمر الإلكتروني وكيفية التعامل مع الإشاعات والأخبار الزائفة، بما يعزز قيم الصدق والحذر

إدخال أنشطة رقمية إبداعية (المدونات الصفية، المجلات الرقمية، المسابقات الافتراضية)، تسمح للمتعلمين بممارسة القيم عمليا عبر وسائط تقنية

في اللغة العربية: يمكن تحليل نصوص أدبية أو صحفية تتناول قضايا الإنترنت، أو كتابة مقالات عن إيجابيات وسلبيات العالم الرقمي. كما يمكن إدراج تمارين تتعلق بأساسيات النقد الإعلامي الرقمي والتمييز بين الأخبار الحقيقية والزائفة

في الرياضيات: يمكن استخدام البيانات الإحصائية حول استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لتحليل السلوك الرقمي. فمثلًا، يمكن للطلاب إعداد رسوم بيانية توضح معدلات استخدام الإنترنت أو أنواع المحتوى الأكثر تداولاً، مما يعزز مهارات التفكير النقدي والتحليل

في الفنون: يمكن للطلاب تصميم ملصقات أو رسوم بيانية توعوية حول الاستخدام الآمن للإنترنت، أو إنتاج مقاطع فيديو قصيرة للتوعية ضد التنمر الإلكتروني

 التكوين المستمر للمدرسين والإداريين

المدرس هو القدوة الأولى في الوسط التربوي، وأي ضعف في تكوينه الرقمي أو الأخلاقي ينعكس مباشرة على المتعلمين. يشير الباحث عبد الرزاق بلعقروز إلى أنّ "أزمة التربية ليست في الوسائل بقدر ما هي في الفاعلين القادرين على استثمار الوسائل وتوجيهها بما يخدم البناء القيمي للمتعلمين"[12]

لتفعيل هذا الإدماج، يجب تأهيل المدرسين بمهارات التربية الرقمية. يمكن تحقيق ذلك من خلال ورشات عمل تفاعلية تركز على كيفية دمج التكنولوجيا في المناهج، أو عبر دورات تكوينية على منصات إلكترونية تتيح للمدرسين التعلم الذاتي

لذلك، من بين الإجراءات العملية:

تنظيم دورات تدريبية للمدرسين في مجالات "البيداغوجيا الرقمية" و"الأمن السيبراني"

إعداد أدلة تربوية توضح السلوكيات الرقمية السليمة التي ينبغي الالتزام بها في الفضاء الافتراضي

اعتماد ورشات مشتركة بين المفتشين، التلاميذ والمدرسين، لمناقشة القضايا الأخلاقية المرتبطة بالاستخدام الرقمي (حماية المعطيات الشخصية، مواجهة خطاب الكراهية...)

 إشراك الأسر في التربية الرقمية

يعتبر الانفصام بين البيت والمدرسة من أبرز عوامل ضعف التربية الرقمية. فالأسرة غالبا ما تترك أبناءها أمام الشاشات لساعات طويلة، دون مرافقة أو توجيه، ثم تُحمِّل المدرسة مسؤولية ما ينجم عن ذلك

ولكي تصبح الأسرة شريكا حقيقيا، يمكن تفعيل ما يلي

عقد لقاءات تواصلية دورية بين الآباء والمدرسين حول مخاطر العالم الافتراضي

توزيع أدلة توجيهية للأسر حول كيفية حماية أبنائهم من الإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني

تشجيع الأسر على صياغة "ميثاق أسري رقمي"، ينظم وقت الاستعمال، ويحدد القيم المرجعية المستندة إلى الضوابط الشرعية والأعراف المغربية

 إرساء ميثاق رقمي مدرسي:

يعتبر الميثاق الرقمي المدرسي وثيقة تربوية داخلية تضع ضوابط واضحة للسلوكيات الرقمية. ويوقع عليه جميع الفاعلين (تلاميذ، مدرسون، إدارة).

ويتضمن الميثاق المقترح

احترام خصوصية الآخرين، وعدم نشر صورهم أو بياناتهم دون إذن مسبق

الالتزام بعدم استعمال الكلمات النابية أو خطاب الكراهية

اعتبار أي تجاوز أخلاقي في العالم الافتراضي مخالفة تربوية تستوجب المساءلة

وقد أظهرت التجربة الأوروبية في هذا المجال انخفاض نسب التنمر الإلكتروني بنسبة 40% خلال ثلاث سنوات بعد اعتماد مواثيق مدرسية رقمية[13]، وهو ما يمكن أن يشكل مصدر إلهام للتجربة المغربية

يعد الميثاق الرقمي المدرسي وثيقة ملزمة تحدد الحقوق والواجبات في الفضاء الرقمي المدرسي. يمكن أن يتضمن الميثاق جملا واضحة ومحددة مثل

"يجب على جميع المتعلمين عدم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة لتصوير الزملاء دون موافقتهم داخل المؤسسة"

"يمنع منعا باتا استخدام لغة مسيئة أو التسبب في أي شكل من أشكال التنمر الإلكتروني في المجموعات المدرسية الرقمية"

تعتبر الأسر شريكا فاعلا في العملية التربوية. إذ يمكن تزويدها بـأدوات مساعدة مثل

تطبيقات الرقابة الأبوية الآمنة: التي تساعدهم على حماية أبنائهم من المحتوى الضار

نماذج جاهزة للميثاق الأسري الرقمي: الذي يحدد قواعد استخدام الأجهزة الرقمية في المنزل

 إدماج المجتمع المدني والهيئات الرسمية

إن المجتمع المدني شريك استراتيجي للمدرسة في تكريس القيم الرقمية، خاصة الجمعيات الشبابية والحقوقية. ومن أبرز مجالات التعاون

إطلاق حملات تحسيسية داخل المؤسسات التعليمية حول مخاطر العالم الرقمي

توفير تطبيقات تربوية رقمية بديلة تراعي البعد القيمي والثقافي المغربي

التعاون مع النيابة العامة والأمن الوطني للتصدي للجرائم الإلكترونية التي تستهدف المتعلمين

 وقد نصت خريطة الطريق 2022-2026 لإصلاح التعليم على "أهمية الانفتاح على الشركاء المحليين في دعم المشاريع التربوية ذات الصلة بالتحول الرقمي"[14]، وهو ما يعزز فكرة الشراكة بين المدرسة والمجتمع

 تعزيز البعد الإسلامي في التربية الرقمية

تعد المرجعية الإسلامية أساسًا للقيم في المغرب، وأي مشروع للتربية الرقمية لا بد أن يستند إليها. ومن القواعد الذهبية في هذا المجال قول النبي ﷺ: " المسلم من سلم المسلمون من لسانِه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى اللهُ عنه " (رواه البخاري ومسلم)[15].  و يمكن تطوير صياغة حديثة له لتواكب العصر: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه في الواقع ومن كتاباته في العالم الافتراضي"

كما يمكن الاستناد إلى مبادئ قرآنية مثل:

حفظ الكرامة الإنسانية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ - الإسراء: 70.

 التحذير من الغيبة والنميمة: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) - الحجرات: 12

الصدق وتجنب الكذب: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ - الحج: 30

هذه القيم يمكن ترجمتها إلى "قواعد رقمية إسلامية" موجهة لسلوك المتعلم داخل الفضاء الافتراضي

إن القيم الإسلامية ليست منعزلة عن القيم الكونية. على سبيل المثال، يتكامل احترام خصوصية الآخرين في الإسلام مع مفهوم حماية البيانات الشخصية في القوانين الدولية، كما يتوافق الالتزام بصدق القول في الإسلام مع ضرورة مكافحة الأخبار الزائفة. هذا الترابط يظهر أن التربية الإسلامية توفر إطارا أخلاقيا قويا للتعامل مع تحديات العالم الرقمي

خاتمة

يتضح من خلال الفصول الثلاثة أن موضوع القيم والتربية الرقمية في الحياة المدرسية ليس قضية تقنية أو إجرائية فحسب، بل هو قضية تربوية وأخلاقية عميقة تتصل بجوهر مشروع المدرسة المغربية، وبقدرتها على التوفيق بين مرجعيتها الحضارية الإسلامية ومتطلبات العصر الرقمي. فالفصل الأول أبرز أن القيم في التصور الإسلامي ليست مجرد مبادئ نظرية، وإنما هي موجهات عملية لبناء شخصية المتعلم، وأنها تمثل الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه أي رؤية تربوية. أما الفصل الثاني فقد بين أن التحول الرقمي يشكل فرصة نوعية لتجويد التعلمات وتوسيع آفاق التواصل، لكنه في الوقت ذاته يحمل تحديات حقيقية تتعلق بالهوية، والأمن الرقمي، وحماية الناشئة من الانحرافات الفكرية والسلوكية. ثم جاء الفصل الثالث ليعرض التطبيقات العملية التي يمكن أن تجعل من المدرسة فضاءً لتكريس المواطنة الرقمية، عبر إدماج التربية الرقمية في المناهج، وتأهيل المدرسين، وإشراك الأسر، ووضع مواثيق داخلية، والانفتاح على المجتمع المدني، مع تعزيز البعد الإسلامي باعتباره صمام أمان يحمي الفضاء التربوي من التفلت الأخلاقي.

وعليه، فإن المدرسة المغربية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بـ بناء جسور بين الأصالة القيمية والحداثة الرقمية، وذلك عبر رؤية شمولية تتكامل فيها ثلاثة مستويات

1- المستوى التربوي التعليمي: من خلال تطوير المناهج والبرامج بما يدمج القيم الرقمية في مواد التعليم الأساسية، ويجعل من المتعلم فاعلًا مسؤولًا في استعمال التكنولوجيا

2-  المستوى التكويني المهني: عبر إعداد المدرسين والإداريين ليكونوا قدوة رقمية، قادرة على استعمال الوسائل التكنولوجية في ضوء مبادئ الأخلاق الإسلامية والتربية على المواطنة

3-  المستوى المؤسسي التشريعي: عبر سن قوانين داخلية (مواثيق مدرسية) وتشريعات وطنية، تحمي المتعلمين من مخاطر العالم الافتراضي، وتضمن حقوقهم الرقمية، وتربط المدرسة بمحيطها المجتمعي والمدني

إن الرهان الأكبر يكمن في تحويل الرقمنة من مجرد أداة تقنية إلى مشروع قيمي، يجعل من الإنترنت فضاءً للتعاون والتعلم والإبداع، بدل أن يكون مجالًا للتفكك القيمي أو السلوكات السلبية. وهذا لا يتحقق إلا إذا تضافرت جهود المدرسة، والأسرة، والمجتمع المدني، والهيئات الرسمية، في إطار شراكة استراتيجية واضحة.

كما أن استحضار البعد الإسلامي في التربية الرقمية ليس خيارًا ثانويًا، بل هو ضرورة حضارية، لأن الإسلام قدّم قواعد راسخة للتواصل الإنساني (حفظ الكرامة، الصدق، الأمانة، اجتناب الأذى...)، وهذه القواعد نفسها تصلح لتكون أساسًا لبناء أخلاقيات رقمية متجذرة في الهوية الوطنية، ومنفتحة على القيم الإنسانية المشتركة

وبذلك، فإن بناء مدرسة مغربية قادرة على تحقيق التوازن بين الأصالة والرقمنة ليس مجرد شعار، بل مشروع استراتيجي يرسم ملامح مواطن الغد: متشبع بالقيم الإسلامية والوطنية، متمكن من أدوات العصر، ومؤهل للإسهام في نهضة وطنه في ظل العولمة الرقمية.

ختامًا، يمثل التحول الرقمي في المدرسة المغربية فرصة تاريخية لإعادة تعريف الأدوار التربوية بما يخدم بناء مواطن رقمي واعٍ ومسؤول. لقد أثبتت هذه الدراسة أن دمج التكنولوجيا في التعليم ليس مجرد عملية تقنية، بل هو مشروع قيمي وأخلاقي يستلزم تضافر الجهود لضمان أن تكون المدرسة فضاءً يجمع بين الأصالة الرقمية، من خلال تبني أفضل الممارسات التكنولوجية، والتربية على القيم الوطنية والدينية والكونية. إن تحقيق هذه الرؤية لا يمكن أن يكون مشروعًا مؤقتًا أو جهدًا منفردًا، بل هو استثمار طويل الأمد في أجيال المستقبل، يتطلب وعيًا جماعيًا وتخطيطًا استراتيجيًا.

وعليه، فإن النجاح في هذا المسار يستدعي دعوة مفتوحة للعمل المشترك بين جميع الأطراف المعنية: على وزارة التربية الوطنية توفير الأطر والبرامج الداعمة، وعلى الأسر أن تكون شريكًا أساسيًا في توجيه أبنائها، وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن تساهم في نشر الوعي، ليكون التغيير الشامل حقيقة ملموسة. إنها مسؤولية مشتركة لبناء جيل يمتلك الكفاءات الرقمية، ويتشبع بالقيم الأخلاقية، وقادر على المساهمة الإيجابية في بناء مجتمع المعرفة.

لائحة المراجع

أولا: المراجع العربية

البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث رقم (10)

الدريج، محمد. التربية على القيم: المفهوم، المقاربات والآليات. الرباط: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – الإيسيسكو، 2005

النحلاوي، عبد الرحمن. أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع. دمشق: دار الفكر، 2001

بلعقروز، عبد الرزاق. مداخل مفهومية: مباحث فلسفية وفكرية. بيروت: دار ابن النديم، 2017

بلعقروز، عبد الرزاق. مداخل مفهومية: مباحث فلسفية وفكرية. بيروت: دار روافد، 2017

دوركايم، إميل. التربية والأخلاق. ترجمة: عبد الله عبد الدائم. القاهرة: دار الفكر العربي، 1960

الميلاد، زكي. قضايا في الفكر الإسلامي المعاصر: الحاكمية، السلام، التسامح. بيروت: مركز الحضارة، 2018

وزارة التربية الوطنية المغربية. المذكرة رقم 047×19 حول الاستعمال الآمن للتكنولوجيا في الوسط المدرسي. الرباط: وزارة التربية الوطنية، 2019

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. خريطة الطريق 2022-2026 لإصلاح المدرسة المغربية. الرباط: قطاع التربية الوطنية، 2022

المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو). التربية الرقمية: رؤية جديدة لمستقبل التعليم. الرباط: مطبوعات الإيسيسكو، 2020

ثانيا: المراجع الأجنبية

 European Commission. Cyberbullying and Online Safety in Schools. Brussels: EU Report, 2019.

 UNESCO. When Schools Shut: Gendered Impacts of COVID-19 School Closures. Paris: UNESCO, 2021.

ثالثا: المصادر الرقمية

النجاح نت. "التربية الرقمية: المفهوم والأهمية والأهداف". 2023. على            : [annajah.net](https://www.annajah.net)

شبكة النبأ المعلوماتية. "التربية الرقمية: بناء أجيال واعية في عصر التكنولوجيا". 2024 على [annabaa.org](https://annabaa.org/arabic/informatics/41055).

 Masar التربية الرقمية: بناء المواطن الرقمي في عصر التكنولوجيا". 2023. على          [masar.aiacademy.info](https://masar.aiacademy.info/?p=358972023)

الهوامش

[1]  النجاح نت، التربية الرقمية: المفهوم والأهمية والأهداف، 2023، ص. الرابط: annajah.net](https://www.annajah.net

[2]  annabaa.org، التربية الرقمية: بناء أجيال واعية في عصر التكنولوجيا، 2024، ص. 5، الرابط annabaa.org](https://annabaa.org/arabic/informatics/41055

[3]   Masar، التربية الرقمية: بناء المواطن الرقمي في عصر التكنولوجيا، 2023، ص. 7 الرابط masar.aiacademy.info](https://masar.aiacademy.info/?p=358972023

[4]  عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، دار الفكر، دمشق، 2001، ص. 145

[5]  عبد الرزاق بلعقروز، مداخل مفهومية: مباحث فلسفية وفكرية، دار روافد، بيروت، 2017، ص. 87

[6]  محمد الدريج، التربية على القيم: المفهوم، المقاربات والآليات، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – الإيسيسكو، الرباط، 2005، ص. 33

[7]     إميل دوركايم، التربية والأخلاق، ترجمة: عبد الله عبد الدائم، دار الفكر العربي، القاهرة، 1960، ص. 52

[8]  وزارة التربية الوطنية المغربية. المذكرة رقم 047×19 حول الاستعمال الآمن للتكنولوجيا في الوسط المدرسي. الرباط، 2019، ص. 32

[9]  UNESCO. When schools shut: Gendered impacts of COVID-19 school closures. Paris: UNESCO, 2021, p. 45

[10]   الميلاد، زكي. قضايا في الفكر الإسلامي المعاصر: الحاكمية، السلام، التسامح. بيروت: مركز الحضارة، 2018، ص. 112.

[11]  المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، التربية الرقمية: رؤية جديدة لمستقبل التعليم، الرباط: مطبوعات الإيسيسكو، 2020، ص. 45.

[12]  عبد الرزاق بلعقروز، مداخل مفهومية: مباحث فلسفية وفكرية، بيروت: دار ابن النديم، 2017، ص. 214

[13]  . European Commission, Cyberbullying and Online Safety in Schools, Brussels: EU Report, 2019, p. 67.

[14]  وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، خريطة الطريق 2022-2026 لإصلاح المدرسة المغربية، الرباط: قطاع التربية الوطنية، 2022، ص. 32.

[15]  البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث رقم (10).

الحياة المدرسية في العصر الرقمي رؤى ومقاربات
Partager cet article
Repost0
8 février 2026 7 08 /02 /février /2026 18:50
إصدار جديد.العدد رقم 21 / يناير 2026
إصدار جديد.العدد رقم 21 / يناير 2026

إصدار جديد.العدد رقم 21 / يناير2026

 

الفهرس

 

الفهرس

10

افتتاحية العدد (21)

12

اللغة العربية والتأنيث بحث في المؤنت النحوي

د. ادريس عبد النور

15

أُسس نظرية العلامات تأليف: شارل موريس

تقديم وترجمة: د.عبد الواحد المرابط

26

النظر البلاغي للحذف في كتاب سيبويه

د. عبدالرحيم بلكاني

53

أهمية دمج التطريز في أنظمة الذكاء الاصطناعي تطريز اللغة العربية نموذجا

دة. الزهرة جبلاوي

72

تقويم مهارات اللغة العربية باستعمال الذكاء الاصطناعي تطبيقات تقويمية رقمية

د. يوسف اعسيلة

93

من معرفة القراءة إلى قراءة المعرفة تصور تكاملي لتدريس مكون القراءة للناطقين بغير العربية

د. إدريس الشرقاوي

114

اتساع الحجاج وآليات ترتيب الحجج في نظرية بيرلمان الحجاجية

الباحث عسو بوعلام

138

قراءة في الشروح الأدبية بالمغرب العلوي الأول

د. رضوان الخياطي

154

تلقي الخطاب النقدي: كتاب التاريخ والتراث في الرواية العربية الجديدة للدكتور حسن لشكر نموذجا.

الباحث أحمد الحصار

177

شعرية الرمز وآفاق التأويل في القصيدة النثرية عند "محمد الماغوط"

الباحث شرف ايت حماد

189

السينما المغربية والصور النمطية: فيلم "عرق الشتا" للمخرج حكيم بلعباس أنوذجا

الباحث مصطفى رفعات

206

المسلمون ومناهج البحث العلمي

الباحثة عواطف الحجاجي

230

المقاصد الكلية للمال العام في القرآن الكريم

الباحث يوسف بربيط

250

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة علمية محكمة ومصنفة، ورقية وإلكترونية

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مغربية - دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

    افتتاحية العدد (21)

يندرج هذا العدد من مجلة دفاتر الاختلاف ضمن أفق معرفي لا يتعامل مع البحث العلمي بوصفه إنتاجًا للنتائج، بقدر ما ينظر إليه باعتباره ممارسة نقدية مستمرة، تُعيد مساءلة أدواتها، ومفاهيمها، وشروط إمكانها. فالمساهمات المنشورة هنا لا يجمعها موضوع واحد بالمعنى التقليدي، ولا تخضع لمنطق التجانس المنهجي، بل تتقاطع داخل فضاء إبستمولوجي مشترك، قوامه القلق المعرفي، ووعي الحدود، والانفتاح على التوتر بوصفه قيمة تحليلية.

تشتغل دراسات هذا العدد على مستويات مختلفة من التحليل، لكنها تشترك في انشغالها بتفكيك ما يبدو بديهيًا داخل الحقول التي تنتمي إليها، سواء عبر إعادة فحص المفاهيم المؤسسة، أو مساءلة المسارات التأويلية السائدة، أو اختبار صلاحية المناهج في ضوء تحوّلات معرفية وثقافية متسارعة. ومن ثمّ، لا تُقدَّم النصوص بوصفها إجابات مكتملة، بل كاقتراحات فكرية تضع القارئ أمام أسئلة مركّبة، وتدعوه إلى المشاركة في فعل التفكير لا استهلاك خلاصاته.

ويُلاحَظ أن العلاقة بين النظرية والتطبيق، في مختلف المساهمات، ليست علاقة إسقاط أو توظيف آلي، بل علاقة توتّر منتج، تُختبَر فيها المفاهيم داخل اشتغالها التأويلي، وتُعرَّض فيها المناهج لامتحان السياق. بهذا المعنى، لا تتحوّل النظرية إلى سلطة تفسيرية مغلقة، ولا يغدو النص أو الظاهرة مجرّد مادة للشرح، بل ينشأ بينهما حقل تفاعلي يسمح بإعادة بناء المعنى على نحو غير نهائي.

إن “الاختلاف” الذي يقترحه هذا العدد لا يُفهم بوصفه تنوّعًا شكليًا في المقاربات، ولا كترتيب تعايشي بين قراءات متجاورة، بل كخيار إبستمولوجي واعٍ، يُقاوم الاختزال، ويرفض التسوية المعرفية، ويجعل من التباين مدخلًا لتوسيع أفق الفهم. فالاختلاف هنا ليس نقيضًا للصرامة العلمية، بل شرطًا من شروطها.

ومن خلال هذا المنظور، تواصل دفاتر الاختلاف ترسيخ موقعها كمجلة لا تكتفي بمواكبة النقاشات الأكاديمية، بل تسعى إلى إعادة توجيهها، عبر فتح فضاء حواري تتجاور فيه الحقول، وتتقاطع فيه الأسئلة، دون أن تُمحى خصوصياتها أو تُفرَض عليها وحدة قسرية. فالمجلة تراهن على المعرفة بوصفها فعل مساءلة دائم، لا منظومة مغلقة من المسلّمات.

إن هذا العدد، بما يحمله من تنوّع منهجي وعمق تحليلي، يقترح على القارئ قراءةً بطيئة، نقدية، ومنفتحة، قراءة لا تبحث عن خلاصات نهائية، بل عن إمكانات جديدة للفهم. وبهذا، يظلّ الاختلاف، كما أرادته المجلة منذ تأسيسها، ممارسة معرفية حيّة، لا شعارًا تحريريا عابرًا.

تتجلّى هذه الروح، على سبيل المثال، في بعض المساهمات التي تنشغل بإعادة فحص مفاهيم راسخة داخل حقولها، لا من موقع الهدم أو القطيعة، بل من داخل مساءلة تاريخ تشكّلها، وسياقات تداولها، وحدود فاعليتها التفسيرية. هنا، لا تُعامَل المفاهيم كأدوات محايدة، بل كإنشاءات معرفية مشروطة، تستدعي إعادة التفكير في ما تتيحه وما تُقصيه في الآن ذاته.

يتقدّم الاشتغال التأويلي في بعضدراسات العدد بوصفه ممارسة نقدية تُعيد ترتيب العلاقة بين النص وسياقه، وبين الخطاب وشروط إنتاجه. لا تُقرأ الظواهر أو المتون بوصفها معطيات مكتملة، بل كفضاءات مفتوحة للتأويل، تتقاطع فيها مستويات متعددة من الدلالة، ويغدو فيها الاختلاف في القراءة مدخلًا لتوسيع أفق الفهم، لا علامة على تشتّت المعنى.

كما يبرز في بعض المقالات انشغالٌ صريح بمساءلة المنهج ذاته، سواء عبر اختبار صلاحيته في مقاربة موضوعات مركّبة، أو عبر الكشف عن حدوده حين يُستعمل خارج سياقاته الأصلية. في هذه النصوص، لا تُقدَّم المناهج بوصفها وصفات جاهزة، بل كاختيارات معرفية لها تبعاتها النظرية والإجرائية، وهو ما يمنح البحث العلمي بعده الانعكاسي الضروري.

وعلى الرغم من هذا التنوّع في زوايا الاشتغال، فإن ما يجمع بين المساهمات هو هذا الوعي المشترك بأن المعرفة لا تتقدّم عبر التراكم الكمي للنتائج، بل عبر تعميق الأسئلة، وإعادة فتح الملفات التي يُظَنّ أنها أُغلقت. بذلك، لا يشتغل هذا العدد على موضوع بعينه بقدر ما يشتغل على طرائق التفكير فيه، وعلى مساءلة الأطر التي تُنتج الخطاب العلمي نفسه.

إن “الاختلاف” الذي يتشكّل عبر مقالات هذا العدد لا يُختزل في التنوّع الشكلي، ولا يُدار بمنطق التعايش السلمي بين مقاربات متجاورة، بل يُمارَس بوصفه خيارًا إبستمولوجيًا واعيًا، يجعل من التباين شرطًا للفهم، ومن التوتر محرّكًا للتحليل. اختلاف لا يُسوّى ولا يُحايد، بل يُفكَّر فيه.

ومن خلال هذا التصوّر، تواصل مجلة دفاتر الاختلاف ترسيخ موقعها كمجلة علمية لا تكتفي باحتضان النصوص، بل تعمل على بناء فضاء حواري تتقاطع فيه الحقول، وتتجاور فيه الأسئلة، دون أن تُمحى خصوصياتها أو تُفرَض عليها وحدة قسرية. مجلة تراهن على المعرفة بوصفها فعل مساءلة دائم، لا منظومة مغلقة من اليقينيات.

بهذا المعنى، يدعو هذا العدد قارئه إلى قراءة نقدية بطيئة، تُنصت للاختلاف داخل النصوص، وتتعامل معها بوصفها لحظات في نقاش معرفي أوسع، يظل مفتوحًا على إمكانات جديدة للفهم. وهنا، لا يكون الاختلاف شعارًا تحريريًا، بل ممارسة معرفية حيّة، تُشكّل جوهر المشروع العلمي للمجلة

مع خالص التقدير

مدير التحرير: د. ادريس عبد النور

رئيس التحرير: د. خالد قدروز

مجلة دفاتر الاختلاف

Partager cet article
Repost0
8 février 2026 7 08 /02 /février /2026 18:46
المسلمون ومناهج البحث العلمي

المسلمون ومناهج البحث العلمي

 

ذة: عواطف الحجاجي

 

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه جامعة عبد المالك السعدي تطوان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مسلك الدراسات والعلوم الإسلامية علوم حضارة وتراث، محور التاريخ الإسلامي ومناهج البحث العلمي.

دراسة محكمة

ملخص

لقد تميزت الأمة الإسلامية بتميزها في حب العلم واتباع مناهج بحث علمية محكمة، وارتكزت مناهجهم على قواعد موضوعية ودقيقة بدءًا من القرآن الكريم الذي وضع أسس التفكير العلمي والمنهجية في البحث. عرف المنهج لغة بأنه الطريق الواضح والخطة المحددة، واصطلاحًا هو الأسلوب المستخدم للوصول إلى الحقيقة في العلوم. البحث هو بذل الجهد في موضوع لجمع الحقائق وتحليلها، بينما العلم هو الاعتقاد المطابق للواقع، وتعتبر المناهج العلمية ضرورة للوصول إلى نتائج دقيقة وموثوقة. تميز الفكر الإسلامي بريادته في تطوير مناهج متعددة مثل المنهج الاستقرائي، المنهج التاريخي، المنهج الأصولي والجدلي، كما تبنّى المسلمون الشك العلمي كأسلوب لتحقيق اليقين. دعت الحضارة الإسلامية إلى الجمع بين العقل والتجريب مع الالتزام بالقواعد الأخلاقية والدينية، مما جعلها سباقة في تأسيس مناهج البحث العلمي التي ساهمت في تقدم العلوم والحضارة الإنسانية

الكلمات المفتاحية :مناهج البحث العلمي- الإسلام والعلم -المنهج الاستقرائي -المنهج التاريخي المنهج الأصوليا  لمنهج الجدلي

:Summary

The Islamic nation has been distinguished by its love for knowledge and adherence to rigorous scientific research methodologies, rooted in objective and precise principles starting from the Quran, which laid the foundations of scientific thinking and research methodology. Methodology, linguistically, is a clear path or plan, while technically it is the approach used to reach the truth in sciences. Research involves effort invested in a subject to collect and analyze facts, and science is defined as belief that corresponds to reality. Scientific methods are essential for achieving accurate and reliable results. Islamic thought excelled in pioneering various methods such as inductive, historical, foundational (usuliyah), and dialectical methodologies. Muslims adopted scientific skepticism as a means to attain certainty. Islamic civilization advocated the integration of reason and experimentation while adhering to ethical and religious principles, leading to advancements that significantly influenced the progress of sciences and human civilization.

Keywords: Scientific research methods - Islam and science - Inductive method - Historical method - Fundamentalist method - Dialectical method.

  مقدمة

 منذ أن بزغ نور المصطفى خير البرية على الأرض انفلق هذا النور وتفتق وتوهج، فجاء الحبيب صلى الله عليه وسلم مخلصا للبشرية من أوحال الجهل ومخرجا للناس من عبادة الأوثان إلى عبادة رب الأكوان. وبعد أن كانت العرب تعيث في براثن الوثنية والجهل وتتجرع ويلات العصبية والكفر جاء القرآن الكريم دستورا هاديا إلى طريق الحق وصراطا مبينا. وبنعمة من الله وفضل غدا المسلمون يتنعمون في رياضات الأنس بالله العلي العظيم ويهتدون سبل العلم، إنها أمة اقرأ التي أضاء لها الوحي والقرآن دروب العلم والمعرفة فأبدعت وارتقت وازدهرت فانتشر نورها وضياؤها في بقاع الأرض

   لقد تميزت الأمة الإسلامية بحبها للعلم وبتبحرها فيه فعلمت الأمم والشعوب في مراحل كثيرة من تاريخها  وكانت لهم قدوة بارزة بفضل نبوغها العلمي واعتمادها لمناهج بحث قويمة ملائمة للعلوم ومتلائمة ومتطلبات الزمن وروحه، كما أن التتبع والتوسع في بحوث المنهج العلمي لدى المسلمين أدى إلى تجلي صورة المنهج لديهم والخطوات العلمية الكبيرة التي خطوها في هذا المجال، ويمكن من الوقوف على مدى الإسهام الكبير الذي حققه مفكرو الإسلام في مجال البحث العلمي.حيث كانت عناية الإسلام بالمناهج كبيرة لأنها وسيلة التثبت والتحقق في طلب العلم، وأسس الإسلام طرقا جديدة في التفكير والسلوك والنظرة إلى الأحداث والظواهر الكونية، وبذلك تغيرت طرق الإنتاج العقلي ومناهج التفكير. وخط القرآن الكريم للمسلمين قواعد مناهج البحث العلمي الذي سار المسلمون على هديها واقتبسوا من أنوارها فحققوا بها إنجازات علمية وحضارية يشهد بفضلها الكبير على العلم الإنساني الحديث

:أولا:المنهج لغة واصطلاحا

   المنهج لغة هو" الطريق الواضح والخطة المرصودة، ونهج: أخذ النهج والمنهج والمنهاج، وطريق نهج وطرق نهجة، ونهجت الطريق؛ بينته وانتهجته؛ استبنته، ونهج الطريق وأنهج وضح"[1].يقال "أنهج الطريق: أي استبان، وصار نهجا واضحا بينا"[2]

    والمنهج اصطلاحا هو:"الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة"[3]. فهو "خطة معقولة لمعالجة المشكلة وحلها عن طريق استخدام المبادئ العلمية المبنية على الموضوعية والادراك السليم لا البداهة والتخمين أو التجربة العابرة أو مجرد المنطق"[4]

:ثانيا: البحث لغة واصطلاحا

  جاء في المعجم الوسيط: "البحث بذل الجهد في موضوع ما، وجمع المسائل التي تتصل به وثمرة هذا الجهد ونتيجته"[5]. و"بحث عن الشيء بحثا: استقصى طلبه. وبحث في الأرض: حفرها"[6]

    والبحث في الاصطلاح: "إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين الشيئين بطريق الاستدلال"[7]. والبحث استقصاء دقيق "يهدف إلى اكتشاف حقائق وقواعد عامة يمكن التحقق منها مستقبلا، وهو عملية تطويع الأشياء والمفاهيم والرموز، بغرض التعميم"[8]

:ثالثا:العلم لغة واصطلاحا

   العلم لغة: هو "نقيض جهل ورجل علامة، وعلام، وعليم(...) وما علمت بخبرك، أي ما شعرت به وأعلمته بكذا، أي أشعرته وعلمته تعليما"[9]. والعلم في الاصطلاح هو: "الاعتقاد الجازم المطابق للواقع"[10]  ويشير العلم إلى "سلسلة مترابطة من المفاهيم والقوانين والإطارات النظرية التي نشأت نتيجة للتجريب أو المشاهدات المنتظمة"[11]

:رابعا:ماهية البحث العلمي

   البحث العلمي هو:" نشاط علمي منظم يقوم على طلب المعرفة وتقصيها حتى الوصول إليها استنادا إلى مناهج محددة في تقصيه لحقائق المعرفة"[12]. وهو عملية فكرية منظمة يقوم بها الباحث، من أجل تقصي الحقائق في موضوع البحث، باتباع منهج البحث، بغية الوصول إلى نتائج البحث [13]. فهو عملية تقصي وتنقيب منظمة يتم فيها اتباع أساليب وطرائق ومناهج علمية محددة للحقائق العلمية بغرض التأكد من صحتها أو تعديلها

:خامسا:منهج البحث العلمي

   منهج البحث العلمي هو الأسلوب أو الطريق الذي يسلكه الباحث في تتبعه وتقصيه للحقائق العلمية  في أي درب من دروب المعرفة، وفي أي مجال من مجالات العلوم النظرية والعلمية[14]. ومنهج البحث العلمي هو: "الطريقة التي يتعين على الباحث أن يلتزمها في بحثه، حيث يتقيد باتباع مجموعة من القواعد العامة التي تهيمن على سير البحث في سبيل الوصول إلى الحلول الملائمة لمشكلة البحث"[15]

سادسا: اهمية المنهج في البحث العلمي

    يرتبط البحث مهما كان نوعه بمنهج يتبعه، وهذا المنهج مهما كان نوعه ضروري للوصول إلى نتائج لأن مسألة البحث في المناهج تعد من المسائل الأساسية في العلوم الطبيعية والإنسانية "وذلك لأن نتائج كل علم ترتبط بالمنهجية المتبعة، ويثبت تاريخ العلم الحديث أنه ليس هنالك من علم دون منهج يشكل حلقته الأساسية التي يبنى عليها "[16]

 وتتجلى مهمة مناهج البحث العلمي في رسم المعالم التي ترشد الانسان إلى الاستخدام الأمثل للعقل "حتى يبدع ويجدد؛ فهي لا تنشئ في الباحث قدرات وطاقات لا يتمتع بها، وحتى ينتفع بدراسة هذه المناهج يجب أن تتوافر فيه صفات خاصة، حتى لا تصبح معرفته بالمناهج فكرا نظريا لا وشيجة بينها وبين معاناة التجربة العملية في البحث والتأليف"[17]. وعليه فإن أهمية مناهج البحث العلمي تتأتى من كونها مرتكزات ترتقي من خلالها البحوث العلمية كمالاً، وإتقاناً، وإحكاماً، لكون المنهج يعتبر مقياساً لجودة البحث، والتي تتوقف     على الالتزام به. لذلك أصبح المنهج ضروريا في تقدم العلوم باختلاف أنواعها وأصنافها[18]

سابعا: المنهج في القرآن الكريم

    ورد لفظ المنهج في القرآن الكريم: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾[19]. واستعمل لفظ المنهاج وليس المنهج؛ فالمنهاج هو الطريق أو الشريعة، في حين أن المنهج مجرد طريقة في الاستدلال والمنهاج أسلوب حياة، نظام أخلاقي واجتماعي وسياسي في حين أن المنهج أقرب إلى طريقة النظر[20]. حيث قرن الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة المنهاج بالشرعة إذ هناك شرعة يريدها الناس بحثا عن الاستقامة وتنظيم حياة الخلق وفقا لشرعة الحق وتحقيق العدل فيهم وذلك ما لا يتحقق إلا بمنهاج واضح وبين[21]. ذلك أن القرآن الكريم أرسى قواعد الموضوعية في الالتزام في النقل والبحث والتقصي والصياغة، ذلك أن رسالة المفسر والباحث والأديب تنطلق من قواعد الحق والاستقامة دفاعا عنها[22]  مصداقا لقوله الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾[23]

   وقد أوحى القرآن الكريم في الكثير من آياته العظيمة بأسس المنهج التاريخي بالأسلوب القصصي وبالإخبار عن أحوال الأمم السالفة، وقصصهم مع الأنبياء فكانت" الحقيقة التي يطرحها القصص القرآني هي العبرة وهي الدرس الذي يجب استخلاصه"[24]، قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾[25]. كما تضمن القرآن الكريم مفاهيم محورية تعتبر أدوات للمنهج التاريخي فقد اهتم بالجوانب التاريخية والحضارية مثل مفهوم الاستخلاف والتسخير والمفهوم الحضاري للعبادة الوفاق، والانشقاق والعبث والغائية الإصلاح والإفساد، العقل والحس والإرادة[26]

كما أرسى القرآن الكريم قواعد المنهج التجريبي، وحدد عناصره الأساسية المتمثلة في التجربة، وحدد قواعده التنظيمية المتمثلة في قوانين الاستقراء وضع علماء المسلمين قواعد المنهج الاستقرائي المتمثلة في التأمل والتفكر والتناسق التام بين ظواهر النظر[27]. يقول الدكتور نصر محمد عارف: "إننا نجد أن القرآن الكريم ومنذ أربعة عشر قرنا قد ساهم في ابتداع، وصياغة عناصر وقواعد ومنهج الاستقراء التجريبي بوضع قوانينه التي يستعان بها، ويستند إليها في فهم حقيقة الظواهر الكونية والطبيعية المخلوقة"[28]

   لقد خط القرآن الكريم جذور المنهج الأصولي القياسي، حيث تضمنت آيات كثيرة موضوع القياس كما في الآية الكريمة من سورة يس: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ٨١ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[29] وتشير الآية الكريمة إلى" إثبات حكم الشيء بناء على ثبوته لنظيره بشكل أقوى لأن من خلق الشيء يكون قادرا على خلق مثله أو أقل منه"[30]

:ثامنا: المسلمون والمنهج

    عرفت الحضارة الإسلامية منذ نهضتها الأولى نشأة مهمة وقوية للفكر المنهجي والمنهج، وهذا من أهم العوامل التي تفسر الدور المعرفي الذي لعبته في مرحلتها التاريخية، فإنه بالإضافة إلى مناهج المتكلمين ومناهج الفلسفة الإسلامية ومناهج المتصوفة، ومناهج العلوم الرياضية والعلوم التجريبية عند العرب. وشكل علم أصول الفقه الذي تقدم منظومة العلوم النقلية في جوهره علما لمناهج البحث العلمي، وعن طريق بحث واستخلاص الآليات والقواعد والسبل الاستدلالية التي انطوى عليها وأسس لها هذا العلم، فقد كشف عن منهجيات مقننة، استنباطية وتجريبية واختبارية نقدية، أبانت وبرهنت عن أصالة الروح المنهجية   في الثقافة الإسلامية[31].وكشف علم أصول الفقه عن قدرة العقل الإنساني على تحويل العلم والوحي   إلى منطق، وتحويل النص إلى منهج[32]. وترتكز المناهج الإسلامية المختلفة على قاعدة إيمانية، تمتد جذورها إلى أعماق الحياة الإنسانية جميعها، تتغلغل في العقيدة والأخلاق، وتظهر في شؤون الحياة [33]. كما ركز المنهج الإسلامي على مجال العقيدة كونها قضية وجود الإنسان وحياته ومصيره، فكان منهاج التربية العقائدية متأنيا، واقعيا، يقول الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾[34]

   ولا شك في أن عظمة المنهج العلمي الإسلامي تتجلى في أنه تجريبي عقلي في آن واحد ويعتبر الإنسان بكامله بحواسه وعقله وإرادته وبصيرته وحدسه، هو الوسيلة الأولى والأخيرة لتحصل المعرفة العلمية ويبطل أي اقتصار مصطنع على إحدى وسائل المعرفة، مثلما يفعل العقليون والتجريبيون وأصحاب النزعة النقدية والنزعة الاجتماعية وغيرهم[35]

   والمتأمل في مناهج البحث العلمي في الإسلام، يقطع بتعدد مناهج البحث العلمي عند المسلمين وذلك بتعدد العلوم والفنون. "فمناهج العلوم الطبيعية، التي تدرس المادة والظواهر الكونية الثابتة، تختلف وتغاير مناهج العلوم الإنسانية، التي تدرس النفس الإنسانية وظواهرها الاجتماعية المعقدة والمتغايرة بتغاير مكونات هذه النفس. والمناهج التي تعين على تصور "عالم الغيب" لا يمكن أن تكون هي ذات المناهج التي نتصور بها عالم الشهادة.. ومناهج العلوم العقلية مغايرة ومتميزة عن مناهج الفنون والآداب القولية والبصرية [36].فهو منهج متميز بتميز الإنسان المسلم، الذي تميزه عن غيره: عقيدة وشريعة ربانيتين أثمرتا حضارة متميزة هي حضارة الإسلام

   وحيث إن المنهج العلمي هو المشكاة المعبرة عن روح حضارة أي أمة من الأمم، وحيث توجد حضارة يوجد منهج؛ لأنه في جوهره حشد للطاقات وتجميعها والتنسيق بين معطياتها حتى تصب في الهدف الواحد  فتكون أغنى فاعلية وأكثر قدرة على التجدد والعطاء[37] .و وبما أن الأمة الإسلامية كغيرها من الأمم لها حضارة ومدنية وتاريخ، فقد أبدع علماء المسلمين في عصورهم الأولى في جميع مجالات الحياة، فعمروا الأرض بعلمهم، كما عمروها بدينهم، "استنادا إلى قواعد ثابتة وتنظيم عقلي منهجي، فما دام هناك إبداعا علميا مشهودا تحقق على أيدي علماء المسلمين، فذلك يعني أن لهم منهجية علمية في بحوثهم واكتشافاتهم  كانت جزءا من إبداعهم ذلك، ولا يعقل أن نقول بأنهم أبدعوا واكتشفوا دونما منهج علمي اعتمدوه  في أبحاثهم"[38]

   هكذا كانت عناية الإسلام بالمناهج كبيرة لأنها وسيلة التثبت والتحقق في طلب العلم وبدون المنهج السليم من البحث يتيه الذهن ويشرد وتتحكم فيه الأهواء ويضل الطريق، ولا يعد الإنسان عالما ما لم يسلك منهجا علميا يحقق به معلوماته وموضوعاته[39]

:تاسعا: الريادة الإسلامية في مناهج البحث العلمي

   المتأمل في التراث الفكري الإسلامي وفي آثار المسلمين العلمية والأدبية يقر ويشهد بنبوغهم المعرفي والمنهجي في شتى مجالات البحث العلمي، فقد كان لهم منهجهم الخاص المستند على الاستقراء والملاحظة والتجربة، والقياس الأصولي الذي يختلف مع القياس الأرسطي، ويعود هذا النبوغ والتميز  إلى  دعوة الإسلام إلى العلم وطلبه من المهد إلى اللحد، وأنه عبادة وجهاد إلى ما تمتع به علماء الإسلام من الاستعلاء على الشهوات والصبر على البحث، وكذا  إلى الحرية العلمية، والمناخ العلمي العام الذي يحفز على التنافس المحمود ويشجع على الانتاج العلمي المفيد[40]

   وقد سبق علماء المسلمين علماء أوروبا بعدة قرون في وضع المنهج التاريخي[41] وضبط قواعده، حيث وضع علماء السنة منهج التحقيق للمرويات رواية ودراية، ولم تقتصر عنايتهم على السند بل امتدت أيضا إلى دراسة المتن ووضعوا أصول الجرح والتعديل، وصنفوا في طبقات الرجال وتواريخ الرجال، وقسموا الخبر إلى درجات من الصحة والحسن والضعف والوضع بحسب درجات الضبط والعدالة، حتى انتظم هذا المنهج كاملا فيما يعرف بعلم "مصطلح الحديث"[42]. حيث استند علماء المصطلح على المنهج العلمي في نقد مصدر الرواية واعتماد منهج الشك في التجريح والتعديل ووضعوا المقاييس الدقيقة وتصنيف الرواة إلى طبقات[43]

   واعتمد علماء الإسلام على المبادئ العلمية التي توصل إليها فلاسفة التاريخ أخيراً في النقد الخارجي[44]  النقد الداخلي[45] للنصوص التاريخية، كما وضعوا جميع الاحتمالات لتحقيق النصوص[46].ووضع علماء التفسير القواعد والأساليب العلمية لتفسير النصوص القرآنية وصنف علماء الإسلام كتباً في هذا المجال واحتل المؤرخون المسلمون مكان الصدارة في مدونة تطور الكتابة التاريخية[47]. وتوصل علماء الإسلام   إلى كل ما توصل إليه علماء مناهج البحث التاريخي الغرب من النقد الداخلي والخارجي[48] كما عرفوا طرق التحليل والتركيب التاريخية، وفحص الوثائق، ومنهج المقارنة، والتقسيم والتصنيف. واستخدم ابن خلدون المنهج الاستقرائي في براعة نادرة، مستندا على التحليل والتركيب ومستخدما قياس الغائب على الشاهد   من ناحية واستقراء الحوادث العارضة في المشاهدة، للتوصل إلى أحكام عامة[49]

   ونشأ المنهج التجريبي[50] عند المسلمين ليؤكد تعويل العلماء في اكتساب معارفهم وفي التعرف على السنن الكونية ومن وتفسير ما يحدث حولهم على الوقائع المحسوسة وليس على مجرد التأمل النظري لأن" معيار صدق أفكارنا وفروضنا هو مدى تطابقها مع الطريقة التي تسير عليها وقائع العالم الخارجي"[51]

   وكان للمسلمين السبق والريادة في وضع المنهج التجريبي القائم على الرصد والاستقراء والتجربة الحسية حيث كانت المناهج في معظمها  قبل الإسلام تجنح إلى التجريدات الصورية والتأملات الذهنية المحضة ولما جاء الإسلام كسر الحاجز بين الكون والإنسان ودفع الإنسان إلى عمارته، وأمره بالنظر    في الملكوت المشهود ليكتشف أسراره ويتمكن من تسخيره وفق ما أعطاه الله من عقل، وحتى يتحقق له مناط الخلافة التي أنيطت به والتي تقوم أساسا على عمارة الكون والتمكين لقيام المنهج الإلهي في الأرض " وبدأت المسالك الإسلامية في البحث تنحو منحى عمليا يتفاعل مع الواقع، ولا يقتصر على التجريدات الذهنية،وتمثل ذلك في الاستقراء الواقعي للأشياء، والمقايسة بين الأشياء الجزئية واستنباط القوانين العامة من الجزئيات الواقعية"[52]

   وشكل المنهج التجريبي في حياة المسلمين نقلة نوعية في مسالك البحث العلمي، وكان من أجلى الصور في تفاعل المسلمين مع الكون ومع الواقع المشاهد و" إن أعظم النتائج العلمية لمدة أربعة قرون إنما كانت صادرة عن العبقرية الإسلامية، كما أن معظم الأبحاث العلمية الممتازة مدة هذه القرون الأربعة إنما نمت في لغة العلم الكبرى حينئذ وهي اللغة العربية" [53]. تقول المحققة زيغريد هونكه: "أن العرب في الواقع هم الذين ابتدعوا طريقة البحث العلمي الحق القائم على التجربة، لقد سرت بين العلماء الإغريق الذين لم يكونوا جميعا بالإغريقيين بل كان أغلبهم من أصل شرقي سرت بينهم رغبة في البحث وملاحظة الجزئيات. ولكنهم تقيدوا دوما بسيطرة الآراء النظرية، ولم يبدأ البحث العلمي الحق القائم على الملاحظة والتجربة إلا عند العرب، فعندهم فقط بدأ البحث الذائب الذي يمكن الاعتماد عليه، بتدرج من الجزئيات إلى الكليات، وأصبح منهج الاستنتاج هو الطريقة العلمية السليمة للباحثين"[54]

   وإذا كان علماء العصر الحديث قد أكدوا على أن منهج الشك من أهم ابتكارا ت فرنسيس بيكون وديكارت فإن المستقرئ لإنجازات العرب العلمية يكتشف بأن المسلمين الأوائل كانوا قد مارسوا هذا الأسلوب العلمي والقارئ  مثلا لكتب الجاحظ  يجد أنه كان لديه وعي كبير المنهج التدريبي وقد وظفه    في أبحاثه، وأوصي بوجوب تعلمه، ومعرفة الحالات الموجبة له، يقول:" اعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة له لتعرف مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلم الشك في المشكوك فيه تعلما، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج إليه(...) والعوام أقل شكوكا من الخواص  لأنهم لا يتوقفون في التصديق، ولا يرتابون بأنفسهم فليس عندهم إلا الإقدام على التصديق المجرد أو على التكذيب المجرد وألغوا الحالة الثالثة"[55]. حيث يتضح أن أسلوب الشك عند الجاحظ ليس غرضه المعاندة، بل هو مرحلة ضرورية قبل الوصول إلى اليقين

 كما وضع الإمام الشافعي رضي الله عنه قواعد الاستدلال الأصولي في القرن الثاني الهجري في كتابه "الرسالة"، وقام المنهج الأصولي الاستدلالي على قاعدتين: الأولى: قاعدة العلية" أي أن لكل معلول علة"،والثانية: قاعدة الاضطراد في وقوع الحوادث" أي أن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أنتجت معلولا متشابها"[56]. وهاتان القاعدتان هما اللتان أقام عليهما "جون ستيوارت مل" سنة 1873 م قواعد منهجه وحاز قصب السبق في ذلك، لكن الحقيقة هي أن قواعد الاستنباط والاستدلال كانت موجودة ومعروفة منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم وطبقها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الاستدلال وأخذت عنهم بعد ذلك"[57]. قال ابن خلدون: " فان كثيرا من الواقعات بعده صلوات الله وسلامه عليه لم تتدرج في النصوص الناسة فقاسوها بما ثبت وألحقوها بما نص عليه بشروط في ذلك الالحاق تصحيح تلك المساواة بين الشبيهين أو المثلين حتى يغلب على العلن إن حكم الله تعالى فيهما واحد وصارة لك دليلا شرعيا بإجماعهم عليه وهو القياس وهو رابع الادلة واتفق جمهور العلماء على أن هذه هي أصول الأدلة"[58]. وهو ما يؤكد سبق المسلمين للمنهج الاستدلالي

   وتظهر جليا ريادة المسلمين في "المنهج المقارن" حيث طبقوا قواعده التي وصل لها العلم الحديث    في مصنفاتهم منذ قرون خلت فنجد مثلا ابن حزم الأندلسي (ت: 456) يذكر في كتابه الملل يبين الآفات العلمية والأخطاء المنهجية التي وقع فيها المؤلفون في عصره ومن قبله مما أفسد انتاجاتهم وبخس  من عملهم[59]. ثم بين منهجه العلمي وخطواته المنهجية المتبعة في تأليف الفصل فذكر: "فجمعنا كتابنا هذا مع استخارتنا الله عز وجل في جمعه، وقصدنا به إيراد البراهين المنتجة عن المقدمات الحسية أو الراجعة   إلى الحس من قرب أو من بعد على حسب قيام البراهين التي لا تخون تحصلا مخرجة إلى ما أخرجت له ألا يصح منه إلا ما صححت البراهين المذكورة فقط، إذ ليس الحق إلا ذلك، وبالغنا في بيان اللفظ وترك التعقيد"[60]. حيث التزم بقواعد المنهج المقارن التي تدرس في أكبر المراكز العلمية لمقارن الأديان المعاصرة

   كما تشهد كتب آداب البحث والمناظرة والجدل، على سبق المسلمين في المنهج الجدلي إذ يجد المتأمل    في تلك المصنفات يجد منهجا كاملا شاملا يشبه المنهج الجدلي الحديث، كما يطبق في أعظم المجامع والأكاديميات العلمية. ومازال هذا المنهج ثبوتا في الكتب التي طال عليها الزمن وهي منسية مطوية[61]

    ومن مناهج البحث العلمي التي يظهر فيها تميز علماء المسلمين وسبقهم نجد المنهج المقارن الذي يظهر مثلا في كتاب الشهرستاني (ت: 548) الملل والنحل؛ حيث تميز هذا التصنيف بغزارة المادة وشموليتها وانتهج فيه طريق الاستقصاء في البحث، والدقة والتحقيق في الموضوعات التي تعرض إليها، كما ظهر بارزا الاعتدال في الأحكام التي يصدرها، وصرح بأنها أحكام غير صادرة عن هوى أو ميل مبرزا ذلك في قوله: "وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على وحدته في كتبهم، من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم"[62]. والنماذج في المكتبة الإسلامية وافرة تشهد بالسبق والريادة في المنهج المقارن عند علماء الإسلام

 اجتهد المسلمون مهتدين بالمنهج القرآني مقتدين بسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وساروا على نهجه في البحث والدرس وطلب العلم، فكانوا فعلا خير أمة أخرجت للناس فاجتهدوا في جميع منابع العلوم ونهلوا منها ولم يكتفوا فقط بالنقل بل إنهم أبدعوا وابتكروا علوما مناهج علمية دقيقة حققوا بها الريادة والسبق فتتمكنوا من بناء حضارة إسلامية ظلت قائمة ساطعة لقرون

قائمة المصادر والمراجع

 القرآن الكريم

أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة، تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية بيروت لبنان،1319ه-1998م، الطبعة الأولى.

أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، إعداد د عدنان درويش ود محمد المصري مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419ه-1998م، الطبعة الثانية.

أبو عمرو عثمان الجاحظ، الحيوان، تحقيق د عبد السلام هارون دار الجيل لبنان، 1384ه-1965م، الطبعة الثانية.

أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري الفصل في الأهواء والملل والنحل، تحقيق د محمد ابراهيم نصر، د عبد الرحمان عميرة، دار الجبل بيروت، 1416ه-1996م، الطبعة الثانية.

أنجلو أوسينوبوس، المدخل إلى الدراسات التاريخية، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار النهضة العربية، 1963م، (د ط).

الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين مرتبا على حروف المعجم، تحقيق وترتيب الدكتور عبد الحميد الهنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت 1424ه-2002م، الطبعة الأولى.

 د ابراهيم أنيس، د عبد الحليم منتصر د عطية الصوالحي، د محمد خلف الله أحمد، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية مكتبة الشروق الدولية، القاهرة 1425ه - 2004م، الطبعة الرابعة.

 د أحمد بدر، أصول البحث العلمي، المكتبة الأكاديمية الكويت، 1996 م، الطبعة الأولى.

د الزواوي بغورة، إشكالية المنهج في العلوم الإنسانية، مجلة البصائر المجلد: 12، العدد الثاني، رمضان 1429 هـ.

د توفيق يوسف الواعي، الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية، الهيئة العامة مكتبة الإسكندرية 1988م، الطبعة الأولى.

د حسن حنفي، دراسات إسلامية، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1981م، الطبعة الأولى.

د حسن حنفي، قضايا العلوم الإنسانية إشكالية المنهج، المنهج الفلسفي، إشراف د يوسف زيدان، وزارة الثقافة الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة، سلسلة الفلسفة والعلم 1

 د طه جابر العلواني معالم في المنهج القرآني، الرابطة المحمدية للعلماء، مقال ضمن وحدة الإحياء، بتاريخ 28-03-2016.

د عبد الرحمان الزنيدي حقيقة الفكر الإسلامي، دار المسلم الرياض،1415م، الطبعة الأولى.

د عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، وكالة المطبوعات شارع فهد سالم الكويت، 1977م، الطبعة الثالثة.

د عبد الفتاح خضر، أزمة البحث العلمي في العالم العربي مكتبة الملك عبد العزيز العامة الرياض،1412ه- 1992م، الطبعة الثالثة.

د علي سامي النشار مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار النهضة العربية بيروت لبنان، 1404ه-1984م، الطبعة الثالثة.

د عماد الدين خليل، دليل التاريخ والحضارة الإسلامية في الأحاديث النبوية، دار الرازي عمان،1424ه- 2004، الطبعة الأولى.

 د غازي حسين عناية، مناهج البحث العلمي في الإسلام، دار الجبل، بيروت،1990م، (د ط).

د غازي عناية إعداد البحث العلمي، مؤسسة شباب الجامعة قسنطينة الجزائر ،1985 م، (د ط)، ص: 11.

د محمد السيد الجليند، منهج القرآن في تأسيس اليقين، المكتبة الأزهرية للتراث القاهرة، 1429ه- 2000م، الطبعة الأولى.

د محمد حسن مهدي بخيت مناهج البحث العلمي المعاصرة، مكتبة طريق العلم، الأردن، 2014م، الطبعة الأولى.

د محمد زيان عمر البحث العلمي منهجه وتقنياته، جامعة الملك عبد العزيز مطبعة خالد حسين الطرابيشي، الرياض، 1395ه، (د ط).

د محمد عابد الجابري مدخل إلى القرآن الكريم، مركز دراسات الوحد العربية بيروت، 1427م - 2006م الطبعة الأولى.

 د محمد عبد السلام، مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، مكتبة نورالقاهرة،2000م، الطبعة الأولى.

 د محمد عمارة، في المنهج الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي سلسلة المنهجية الإسلامية 1411ه-1991م، الطبعة الأولى.

د محمد قاسم، المدخل إلى مناهج البحث العلمي، دار النهضة العربية بيروت، 1999م، الطبعة الأولى.

 د نديم مرعشلي، د أسامة مرعشلي، الصحاح في اللغة والعلوم، إعداد دار الحضارة العربية بيروت، 1394ه-1974م، الطبعة الأولى.

د نصر محمد عارف، قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1417ه-1996م الطبعة الأولى.

د يمين طريف الخولي مفهوم المنهج العلمي، مؤسسة هنداوي المملكة المتحدة، 2020 م، (د ط).

زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع أثر الحضارة العربية في أوروبة، نقله عن الألمانية فروق بيضون كمال دسوقي، دار الجبل بيروت، دار الآفاق الجديدة بيروت، ،1413ه-1993م، الطبعة الثامنة.

عبد الرحمان بن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر، طبعة بولاق مصر،1865م، (د ط).

علي بن محمد السيد الشريف الجرجاني معجم التعريفات، تحقيق ودراسة محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، القاهرة 2004م، (د ط).

الهوامش

[1] أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة، تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية بيروت لبنان،1319ه-1998م، الطبعة الأولى، الجزء الثاني ص: 311-312

[2] د نديم مرعشلي، الصحاح في اللغة والعلوم دار الحضارة العربية بيروت، 1394ه-1974م، الطبعة الأولى، مادة" نهج" ص:331

 [3] د عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، وكالة المطبوعات شارع فهد سالم الكويت، 1977م، الطبعة الثالثة. ص:5

 [4] د أحمد بدر أصول البحث العلمي، المكتبة الأكاديمية بيروت 1996 م، الطبعة الأولى، ص:245

[5] د ابراهيم أنيس المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية مكتبة الشروق الدولية، القاهرة 1425ه - 2004م، الطبعة الرابعة، ص: 40

[6] أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، إعداد د عدنان درويش ود محمد المصري مؤسسة الرسالة، (د ب)، 1419ه-1998م، الطبعة الثانية، ص:245

[7]علي بن محمد السيد الشريف الجرجاني، معجم التعريفات تحقيق ودراسة محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، القاهرة ،2004م، (د ط)، (الباء مع الحاء) ص :39

[8] د أحمد بدر، أصول البحث العلمي وضوابطه، ص:22

[9] الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين مرتبا على حروف المعجم، تحقيق وترتيب الدكتور عبد الحميد الهنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت 1424ه-2002م، الطبعة الأولى. الجزء الثالث، باب "العين"، ص:121

[10] علي بن محمد السيد الشريف الجرجاني/   معجم التعريفات، تحقيق ودراسة محمد صديق المنشاوي، ص: 130

[11] د غازي حسين عناية إعداد البحث العلمي، مؤسسة شباب الجامعة قسنطينة الجزائر ،1985م (د ط)، ص: 11

[12] د غازي حسين عناية، مناهج البحث العلمي في الإسلام، دار الجبل، بيروت،1990م، ص: 153

[13] أنظر: د عبد الفتاح خضر، أزمة البحث العلمي في العالم العربي، مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض،1412ه  1992م، الطبعة الثالثة، ص:17

[14] أنظر: د محمد حسن مهدي بخيت، مناهج البحث العلمي المعاصرة، مكتبة طريق العلم، الأردن 2014م، الطبعة الأولى  ص: 163-164

[15] د عبد الفتاح خضر، أزمة البحث العلمي في العالم العربي، ص: 17

[16] د الزواوي بغورة، إشكالية المنهج في العلوم الإنسانية، مجلة البصائر المجلد: 12، العدد الثاني، رمضان 1429 هـ  ص:15

[17] د محمد دسوقي منهج البحث في العلوم الإسلامية، دار الأوزاعي القاهرة، 1404ه-1984م، الطبعة الأولى، ص :52

[18] أنظر: د محمد عبد السلام مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، مكتبة نور القاهرة،2000م، الطبعة الأولى ص:11

[19] سورة المائدة، الآية:48

[20] أنظر: د حسن حنفي، قضايا العلوم الإنسانية إشكالية المنهج، المنهج الفلسفي، إشراف د يوسف زيدان، وزارة الثقافة الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الفلسفة والعلم 1 ص: 45

[21] أنظر: د طه جابر العلواني معالم في المنهج القرآني، الرابطة المحمدية للعلماء، مقال وحدة الإحياء، بتاريخ 28-03-2016

[22] أنظر: د نصر محمد عارف قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي القاهرة،1417ه -1996م، الطبعة الأولى، ص:147

[23] سورة النحل، الآية :89

[24] د محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، مركز دراسات الوحد العربية بيروت، 1427ه-2006م، الطبعة الأولى، ص:259

[25] سورة يوسف، الآية :3

[26] أنظر: د عماد الدين خليل، دليل التاريخ والحضارة الإسلامية في الأحاديث النبوية، دار الرازي عمان،1424ه- 2004م الطبعة الأولى، ص:9

[27] أنظر: د نصر محمد عارف، قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، ص:148

[28] د نصر محمد عارف، قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، ص:156

[29] سورة يس، الآية :81-82

[30] د محمد السيد الجليند، منهج القرآن في تأسيس اليقين، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة 1429ه- 2000م، الطبعة الأولى، ص: 79

 [31] أنظر: د يمين طريف الخولي مفهوم المنهج العلمي، مكتبة هنداوي، 2020 م، (د ط)، ص: 28-29

 [32] أنظر: د حسن حنفي، دراسات إسلامية، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1981م، الطبعة الأولى، ص:94

[33] د توفيق يوسف الواعي، الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية، الهيئة العامة مكتبة الإسكندرية، 1988م، الطبعة الأولى، ص: 250-251  

[34] سورة الإسراء، الآية: 106

[35] أنظر: د أحمد فؤاد باشا قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية نسق إسلامي لمناهج البحث العلمي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1996م، (د ط)، ص:82

[36]أنظر: د محمد عمارة، في المنهج الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي سلسلة المنهجية الإسلامية 1411ه-1991م الطبعة الأولى، ص: 13

[37] أنظر: د محمد دسوقي منهج البحث في العلوم الإسلامية، ص: 9-10

[38] د أحمد عماد البرغوثي، د محمود أبوسمرة، منهجية البحث العلمي عند العلماء المسلمين، مجلة الجامعة الإسلامية، سلسلة الدراسات الإنسانية المجلد السادس عشر العدد يونيو، 2008م، ص:456

[39] أنظر: د حلمي عبد المنعم صابر، منهجية البحث العلمي وضوابطه في الإسلام، رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة، 1418ه العدد 183، ص:17

[40] د محمد دسوقي، منهج البحث في العلوم الإسلامية، ص: 28-29

[41] المنهج التاريخي هو مجمل القواعد التي يتبعها الباحث في علم التاريخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية، وإعادة بناء الماضي بكل وقائعه واسترداد أبعاده بجميع تفاعلات الحياة فيه. أنظر: د إبراهيم عامر قنديلجي، منهجية البحث العلمي، دار اليازوري العلمية، عمان ،2013 م، الطبعة الأولى، ص :96

[42] أنظر: د حلمي صابر، أصول البحث ومناهجه، ص:24

[43] أنظر: د ة عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، مقدمة في المنهج، تقديم أيمن عيسى، مركز تراث للبحوث والدراسات القاهرة، 2019م، الطبعة الأولى، ص:81

[44]تتجلى مهمة النقد الخارجي في إثبات صحة الوثيقة أو أصالتها وأنها ليست محرفة أو منحولة، وتكاد مهمة النقد الخارجي للوثائق لا تخرج عن مهمة توثيق النصوص وتحقيقها بوجه عام. أنظر: دة عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، مقدمة في المنهج، ص:116

[45] يهدف النقد الداخلي الوصول إلى صدق النص التاريخي، من حيث موضوعه ومضمونه، فهو يدل على مجموع العمليات التي يستخدمها الباحث في فهم محتويات الوثيقة، ونقد الظروف التي أحاطت بكتابتها. أنظر: د عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، ص: 205

[46] أنظر: د محمد زيان عمر، البحث العلمي منهجه وتقنياته، مطبعة خالد حسين الطرابيشي، جامعة الملك عبد العزيز الرياض، 1395ه، (د ط)، ص:25

[47] أنظر: د حلمي صابر، أصول البحث ومناهجه، ص:25- 28

[48] أنظر: أنجلو أوسينوبوس، المدخل إلى الدراسات التاريخية، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار النهضة العربية، 1963م  (د ط)، ص:51-167

[49] أنظر: د علي سامي النشار مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار النهضة العربية بيروت لبنان، 1404ه-1984م، الطبعة الثالثة، ص:148 - 149

[50] المنهج التجريبي "محاولة للتحكم في جميع المتغيرات والعوامل الأساسية باستثناء متغير واحد حيث يقوم الباحث بتطويعه أو تغييره بهدف تحديد وقياس تأثيره في العملية: د أحمد بدر، مناهج البحث العلمي، ص: 267

[51] أنظر: د محمد قاسم، المدخل إلى مناهج البحث العلمي، دار النهضة العربية بيروت، 1999م، الطبعة الأولى، ص:107

[52] د عبد الرحمان الزنيدي، حقيقة الفكر الإسلامي، دار المسلم الرياض،1415م، الطبعة الأولى، ص: 111

[53] د علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص: 260

[54] زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع أثر الحضارة العربية في أوروبة، نقله عن الألمانية فروق بيضون، كمال دسوقي  دار الجبل بيروت، دار الآفاق الجديدة بيروت، ،1413ه-1993م، الطبعة الثامنة، ص: 401

[55] أبو عمرو عثمان الجاحظ، الحيوان، تحقيق د عبد السلام هارون دار الجيل لبنان، 1384ه-1965م، الطبعة الثانية الجزء السادس، ص: 36

[56] د علي سامي النشار، مناهج البحث العلمي في الإسلام، ص: 260

[57] د عبد الرحمان الزنيدي، حقيقة الفكر الإسلامي، ص: 111

[58] عبد الرحمان بن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر، طبعة بولاق مصر 1865م، (د ط). الجزء الأول، ص: 378

[59] أنظر: أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري الفصل في الأهواء والملل والنحل، تحقيق محمد ابراهيم نصر، عبد الرحمان عميرة، دار الجبل بيروت 1416ه-1996م، الطبعة الثانية، ص:35-36

[60] أنظر: أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري الفصل في الأهواء والملل والنحل، ص:36

[61] أنظر: د علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص:148 - 149

[62] الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الجزء الأول، ص:22

المسلمون ومناهج البحث العلمي
Partager cet article
Repost0
20 janvier 2026 2 20 /01 /janvier /2026 18:48
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

 

النحو العربي  والتأنيث

بحث في المؤنث النحوي

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ  محاضر مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية والديدكتيك والنقد الأدبي النسائي

Abdennour.driss@gmail.com

الكلمات المفاتيح: اللغة العربية، التأنيث، المؤنث النحوي، الجسد، كتابة المرأة.

مقدمة:

اللغة العربية نظام رمزي خالق للتصورات وتسكنه التمثلات، فهي تساهم في فعل التحويل الثقافي لأنها تجدد في سياقاتها وتخلق انطلاقا من التصورات الجديدة معجمها الدلالي والذهني وتجعل من خطاب التأنيث حالة وعي يلقي بعلامته بين يدي المتلقي، حيث يطرح فيه نوعية إقصاء السمات العملية عن المؤنث الذي يتصوره النسق منتجا دوما للمعنى الواحد الذي لا يخرج عن التأنيث، فضحكة الرجل تمثل إشارة متعددة الدلالة، أما ضحكة الأنثى فليس لها سوى معنى واحد قررته الثقافة وحسمت الأمر فيه لأنها تصدر عن جسد مؤنث مطلوب منه إنتاج التأنيث لا غير.

Mots clés : langue arabe, féminin, féminin grammatical, corps, écriture féminine.

Introduction:

La langue arabe est un système symbolique créateur de perceptions et habité de représentations, elle contribue à l'acte de transformation culturelle car elle renouvelle dans ses contextes et crée à partir de nouvelles perceptions son lexique sémantique et mental et fait du discours féminin un état de conscience qui projette sa marque dans les mains du destinataire, dans laquelle se présente la qualité d'exclure les traits pratiques du féminin qu'il imagine. Le système produit toujours un sens unique qui ne s'écarte pas de la féminité, car le rire d'un homme représente un multi- signe significatif, alors que le rire d'une femme n'a qu'un seul sens décidé par la culture et décidé de la matière en elle car il provient d'un corps féminin qui est tenu de produire uniquement la féminité.

1ـ التأنيث مفهوم ثقافي.

لعب المصطلح اللغوي دورا في لفت نظر الثقافة إلى الجسد الأنثوي، حيث تجمدت تمفصلاته في وضعيات مرتبطة بالفترة الزمنية الذهبية للأنثى، زمن الإغراء فأبرز آليات التحويل هذه تأتي من المصطلح اللغوي ومن مجموع المفردات المخصصة لكل فعل أنثوي، " فالجسد المؤنث لا يمشي بوصفه جسدا طبيعيا بل إنه (يتثنّى) و(يتأوّد)و(يرفل)، وهذه مفردات تخصصها اللغة لمشية الحسناوات، اللواتي يمشين (مشي القطاة إلى الغدير)"([1]).

وعندما تُنكر الثقافة قيمها المادية والمعنوية عن هذا الجسد المؤنث، تسمح للرجل باللغة كسمة فحلية، ولا تسمح الثقافة الذكورية للمرأة إلا بنصيب يأخذ من اللغة حاجته، وقد عكس هذا المعطى مشملات حوار الجنسين فأفردت الاختلافات بينهما لغة خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالإناث، نظرا لكون النسق الثقافي في مجمل تجلياته يجعل من الأنوثة صفات وليس جوهرا، على اعتبار أن المرأة إذا حضرت بين الرجال حملت معها تفوقها المؤثر عبر الحكي والجسد وإيحاءات لغتها المتعددة في الصمت والنظرات والكلام، أما إذا حضرت في النص اللغوي فتحتل الهامش الذي يغذي تفوق الذكر ويُبرزه ويُعلي من شأنه، "ومن عادة الرجال أنهم لا يتكلمون في حضور المرأة إلا في حدود. وإذا غابت المرأة انفتحت لغة الرجل على مجالات لا حصر لها، خاصة تلك المجالات الخاصة بنظر الرجل للأنثى وتفسيره للغة جسدها وأحكامه عليها"([2]).

كل ما سبق يدعونا لاستخلاص حقيقة ثابتة تعطي تمايزا ما بين مكونين أساسيين في بحثنا، وهو الوقوف على التمايز الحاصل ما بين كلمة "امرأة " وكلمة "أنثى"، فالمرأة تتضمن الأنثى، والأنثى التي يعرفها النسق الثقافي مرتبطة بالزمن الثقافي ذاته الذي يفرق بدوره ما بين مراحل نمو الجسد الأنثوي، وبذلك تكون المرأة متعددة التسمية بحسب وظيفة جسدها فهي: الصبية والفتاة والزوجة والأم والحماة والعجوز والعذراء، العزباء، الحامل، اليائس والشمطاء..، فيكون المؤنث هنا محمَّلا بقيم  ثقافية خاصة، من حيث أنه يُرسخ في الثقافة ارتباط النضج الأنثوي بزمن الأيض، ومرتبط ارتباطا وثيقا بالولادة والتناسل، فالجسد الأنثوي في النسق الثقافي الذي لا يلد ولا ينسُل لا يدخل في دلالة التأنيث، وهذا ما يدعمه الاصطلاح الثقافي عندما يصنف المرأة التي انقطعت عنها دم الحيض في سن اليأس، أي سن اللاأنوثة، وتؤكد الثقافة هنا خصوبة الجسد باعتباره معطى أساسيا يعزز ويحصر شروط المؤنث  في صفات جسدية تحل فيه لفترة زمنية معينة، أي مع البلوغ، وتغادره مع سن اليأس لتدخل الأنثى في مرحلة اللاهوية، يقول النسق الثقافي على لسان ابن عبد ربه بن محمد الأندلسي:"وآخر المرأة شر من أوله، يذهب جمالها ويذرب لسانها وتعقُم رحمها ويسوء خلقها"([3])، فبعد سن اليأس لا يرى النسق الثقافي العربي في عالم المرأة إلا عالما يقف عن الدوران، الشيء الذي دفع المرأة إلى الانشغال المرضي بتمديد هذا الزمن حتى تنال رضى الثقافة والنسق، وبالتالي الرضى عن نفسها من خلال ذلك، فتوسلت بالجمال الاصطناعي من زينة ولباس وعطور، ومن وسائل أخرى كشفط الدهون والتنحيف والرياضة، أما المرأة الكاتبة فقد تجمّلت باللغة والثقافة للإعلان عن نفسها بالمعنى والسياق.

وقد عمل الإشهار ايضا على إبراز واستعادة القيم المجتمعية وتخزينها في الوعي الجمعي لجمهور المتلقين والتركيز على الصفات الخاصة بكل جنس، فوصف الذكور بالجنس الخشن، في حين وصف النساء بالجنس اللطيف، وبذلك ساهم الإشهار في شيوع التداول الثقافي للمؤنث الصناعي استجابة للصورة الثقافية التي تحيط به، مستعينا في عملية التحويل هاته بالتطور الصناعي واستخدام اختراعاته التجميلية كوسائط ثقافية للتمويه على القيم الذكورية التي تتنكر لجسد الأنثى (الصبية والكهلة..)، ففي الدولة الأموية كان النخاسون يلجؤون إلى الحيلة والتدليس في إخفاء عيوب الإماء بما أن المشتري المُتفرِّس يقلب الإماء بنظره الثاقب كأي سلعة :"فيعمدون إلى تغيير البشرة فيُحيلون السمراء إلى ذهبية اللون، ويحيلون الدربة إلى بيضاء ويحمرون الخذود المصفرة، ويجعدون الشعور السبطة ويبسطون الشعور المجعدة، ويسمنون الأعضاء الهزيلة، وينعِّمون الأطراف الخشنة، ويزيلون مافي الوجه من آثار الجدري والنمش والوشم والكلف، ويجلون الأسنان، ويخضِّبون البرص، ويطيبون الفم والجسد ويفعلون ماهو أكثر من ذلك، فيجعلون الثيب بكرا، ويخفون الحمل ويغيرون زرقة العين لتصير كحلاء"([4]) فمثلا كان الجسد الأنثوي في التمثلات السابقة أبيض البشرة، وهو الآن ذهبي dorée ومُعتنى بجماليته، وقد حولت الملابس وأنظمة الحمية واختراعات التجميل الصناعية الكهلات إلى إناث يحيطهن الإغراء والمعجبين.

2ـ الجسد الأنثوي كائن لغوي.

لقد كان شهر ماي من سنة 1968 م بداية لمرحلة وُصفت بأنها مرحلة من أجل الجسد، رفعت فيه سيمون دي بوفوار شعارها التاريخي عندما صرخت بأن: "هذا الجسد جسدنا ونحن نريد أن نسكنه بحق ونتصرف به بحرية"، وقد جعلت هذه المرحلة من الجسد أحد وسائطها الرسمية لتخطّي العديد من القيود والتراتبيات الرمزية، ولم يكن من سبب لتحرير الجسد المهان سوى تحرره ليصبح شريكا غير مرتقب لتطور الذات، فمع تطور فعل تحرير الجسد داخل فضاءات ثقافية وعاطفية، تولدت الرغبة في نسج مفاهيم عامة لوصف جديد حياة المرأة: "فتحقق الجسد كمحك للتطور وليس بتاتا شيء خاضع للتحرير، لكنه أصبح الوسيلة ذاتها للتحرر وواسط بين الأنا المتناهي واللامتناهي الأعلى"([5]).

إن أهمية الجسد باعتباره كائنا لغويا، تلخصها إشكالية البحث التي تتمحور حول خصوصيات الكتابة بالجسد الأنثوي كخطاب ينتج لغته الخاصة للتعبير عن هموم ووضعية المرأة على المستوى الأدبي، فللكاتبة عالمها الخاص داخل الخطاب الرمزي الذي يحتاج منا فقط مفتاح الإصغاء إلى صوتها المتميز .

إن الجسد الأنثوي خطاب يتلقاه المتلقي باعتباره ذاتا خارج القيم، مستعملا خلال القراءة المنطق الذكوري الذي يشكل مركزا أساسيا للعنف الرمزي، وإذ يعيش متخيل المرأة هذا التعدد التأويلي، يعيش الجسد الأنثوي بين الحجم الثقافي والمعطى الوظيفي، فالجسد كلٌّ وأجزاء، فالجزء عند المتلقي يحيل على الكل، والكل يقوم بدوره في تطعيم الصورة الذهنية التي توحي بالكل من خلال الجزء.

قد تضع المرأة جسدها في مواجهة المؤسسات، فتجعله أكثر جدبا وإغراء لتسهيل تبادله، وهذا يجعلها تولي جسدها العناية الفائقة وتحوله إلى الرغبة، ولو أنها لاتتمكّن من تحقيق رغبتها الذاتية، فالرغبة ليست مستقلة ولا تنبع من ذواتنا، بل تثيرها في أنفسنا رغبة شخص آخر، لأن الرغبة قضية يستلزمها السياق الرمزي الذي ينتظم داخله المجتمع الذي تعيش فيه المرأة، والتي تختار الانمحاء الوجودي كي تكتب جسدها من الداخل، وتعمل على إظهاره بأشكال مختلفة من الخارج.

إن كتابة الجسد الأنثوي تفضح المركزية الذكورية في كل أشكالها المادية والأيديولوجية المختفية باستمرار داخل اللغة التي أحكمت خناق الذات الأنثوية.

إن التركيز على إشكالية اللغة باعتبارها مسكنا للاختلافات ستكون من بين الإضافات التي تُضاء بها الذهنية الثقافية لمجتمع العربية ، كما أن جعل الجسد المؤنث احتفالا بلاغيا تؤكد فيه الثقافة الذكورية مهارتها الإبداعية اللغوية، فما زالت المرأة المعاصرة داخل الخطاب الذكوري رهينة الممارسات المُخاتلة: " فالجسد قد يكشف ما تخفيه اللفظة، ويعبر بطريقة غير مباشرة بل وهو أهم وسيلة من الوسائل غير المباشرة في التعبير. وتعبيره أقدم تعبير، والتعبير الذي يتجاوز كل لغة تشترك فيه لغات العالم، لأنه كلام حي عضوي معيوش ومنقوش في اللحم والعضم. يعني ذلك أن اللاوعي، أو ما هو قريب من هذا المصطلح، مسجل في الجسد"([6])، لكن يبقى هذا الجسد وبدون وعيه لذاته قابل لأن يهان إلى الأبد في الخطاب قبل الواقع.

فحيث يُنَشّْط الإسطير اللغوي هيمنة الرجال على النساء يتكفل الحفر اللغوي بمساعد النساء على برمجة انسلالهن من مواصفات النسق وتكسير مركزية النص الأدبي، يقول خليل عبد الكريم ،"على فهم الاسطير الفهم الأمثل وعلى تفسير كلياته التفسير الأصح وأن التغاضي عن هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق الموضوعية لن يزيد الأمور إلا خطلا وربكا"([7]). فدراسة اللغة في المجتمع ومعرفة الإطار الثقافي الذي يهين المرأة يتحدد أساسا بالنشاط العام الذي تمارسه المرأة داخل المجتمع، وقد أكد رواد علم الاجتماع اللغويsociolinguistique))أن التطور الثقافي يحدث تغيرا في دلالة الألفاظ وحيويتها التوليدية، ولهذا أعتبر السياق اللغوي- الاجتماعي الذي يحيط بالمرأة في مجتمعنا متغيرا وازنا لا بد من إدراكه ومساءلته.

وقد قاربت مارينا ياغيلو Marina Yaguello  الوضعية السوسيو- لسانية للغة النساء، فاستندت على الحقل الأيديولوجي، وركزت على متغير الوضعية النسائية أكثر من الجنس، حيث تبنت وجهة النظر الاجتماعية عوض وجهة النظر البيو-نفسية المعتمدة على الطبيعة الأنثوية وأبدية الأنثوي، كما أكدت في كتابها" Les mots et les femmes" وعبر تساؤل قوي ودال عنونت به الفصل الخامس من الجزء الثاني قالت فيه "أيجب إحراق القواميس"([8]).      

 حيث أبرزت البُعد الكوني للغة في تصنيفها للمرأة وتأبيد اضطهادها، وهي تحيل في سياقاتها المتنوعة على ذاكرة دلالية واحدة تتجسد في القوة المرتبطة بما هو مذكر، وعلى اللين والسهولة المرتبطة بكلمة "أنثى"، ويظهر الاختلاف الجنسي معها كعامل ملتصق أكثر بالحقل السوسيو- ثقافي والذي تنعكس فيه اللغة كنسق سيميوطيقي، وهي من خلال بنيتها ولعبة تدليلها  connotation تشبه مرآة ثقافية تعمل على تثبيت التمثلات الرمزية لخلق المرجعيات النمطية التي تعمل على تغذية تلك التمثلات بخصائص استمرارها وحضورها، يقول كريستيان بايلون في هذا الشأن: "إن الخطاب النسائي كتحقيق للنسق التحتي للغة المشتركة كثيرا ما يُعرض كخصائص للمجتمعات البطريركية والبدائية، وهي تعرض كذلك كأساس للتابو"([9]).

  • فإلى أي حد تخلصت المرأة الكاتبة من سطوة النسق الاجتماعي واللغوي والثقافي في خلق سلوكها اللغوي الخاص؟
  • وهل ساعدت كتابة الجسد الأنثوي في تنشيط الحفر اللغوي؟
  • هل لكل من الرجل والمرأة علاقة مختلفة مع اللغة؟
  • كيف تتحدث النساء بينهن؟ وكيف نتحدث معهن؟
  • كيف نتحدث عنهن؟
  • ما هي صورة المرأة التي تعكسها اللغة ؟

لقد ساهم الجسد في الإجابة على معظم التساؤلات، كما ساهم في بناء المفهوم الحقيقي للتذكير والتأنيث، حيث تحول بوساطته اعتبار الجسد الأنثوي قيمة طبيعية ذات جوهر ثابت بيولوجيا إلى مفهوم ثقافي، ومن ذلك أصبح الجسد الأنثوي كائنا لغويا يناقض التصور الذهني الذكوري المنغرس في الوجدان الثقافي والذي يقدم الأنثى باعتبارها كائنا غير لغوي ويصفها فقط بالجسد الشهي ذي قيمة خرساء، ذلك النسق في المجتمع العربي يعتبر بمثابة شرط وجودي وثقافي، الخروج عليه تفقد معه الأنثى موقعها المؤنث، (لقد نطق صمت الأنثى عند الفقهاء واعتبروه ردا إيجابيا في مسألة الخطبة والزواج)، ولهذا لم يكن العقل العربي البطريركي ينتظر من أي كاتب يحمل جسدا أنثويا أن يبدع عبر اللغة، فالرجل فيه جسد وعقل والمرأة جسد وشهوة، ولذلك جعل من فصاحة المرأة سلاطة لسان وثرثرة، يقول محمد عبد الله الغدّامي في هذا الشأن: "أما لماذا يجري تفريغ الجسد المؤنث من اللغة وعزله عن الفعل والتفاعل اللغوي، فهذا عائد إلى التصور الثقافي الذي يرى أن جسد المرأة خال من العقل وهذا تصور عالمي، ونقرأ لدى الدنمركيين هذا المثل: (للنساء فساتين طويلة وأفكار قصيرة)"([10]).

كما نجد بالمثل الانجليزي نفس التصور يقول المثل:(الفتيات لكي تنظر إليهن وليس لتسمعهن).

أما بالعالم العربي فتعتبر حكايا ألف ليلة وليلة خير مثال على التمثيل الثقافي الذي ساد قبلها، واستمر حاضرا في المخيال العربي على المستوى اللغوي بعدها، فالمرأة تقول للمرأة عبر المتن السردي هذه الجملة التي تبتدئ بها سلسلة النصائح التي توجه للفتاة وهي تدخل عالم الرجل (وما خلقت النساء إلا للرجال)، هذه الجملة التي توهم بأصلها الديني، وبمحتوى قصة الخلق التي جاءت على الصيغة التوراتية.

3ـ التمثل اللغوي للجسد الأنثوي.

احتفت الكتابة الأدبية النسائية بالجسد ومن خلال تركيزها على هذه التيمة، اعتُبر جسد المرأة محورا تتمركز حوله اشتغالات النقد الأدبي النسائي الذي انتقل من حركات النساء المطالبة بالمساواة والتحرر إلى مواكبة وإبراز الموروث الأدبي الأنثوي، وإدخاله إلى المؤسسة الأدبية والنقدية، وإذ يشكل الجسد في التمثلات التخيلية الشعرية والروائية والقصصية مكانة متميزة، لايمكن بتاتا اختزال كينونة المرأة في الجسد فقط، دون إغفال عالمها النفسي والشعوري والعقلي والاجتماعي، وإلا تحول الجسد إلى بضاعة يتعمق معها الإقصاء الثقافي، وتستجيب المرأة له بشكل لا شعوري، وتسعى للاحتفال بجسدها بوصفه حاملا للذة، وترى نفسها جسدا مثيرا فقط.

يحتوي الأدب النسائي على مدخلات للجسد باعتباره بؤرة لتجلّي الدلالات وقاعدة للمعنى في حالة تجاذب مع المحيط الخارجي الطبيعي والثقافي الذي أنشأه، فأصبح عبور المرأة لعالم الفن/الكتابة، محاولة للتواجد كجسد، وبذلك أنتجت المرأة الكاتبة جسدا لغويا كشف دواخلها وأعماقها النفسية، مع العلم أن ما تكتبه المرأة يبقى دائما هو المُعَبِّر الأساسي عن كينونة نسائية  ضمن وضع مشمول بالضغط الاجتماعي والثقافي، شكّل نظرا لقوته بنية ونسقا، تحدد معه مسبقا الدور الذي سيلعبه كلا الجنسين، حيث لا يمكن للكتابة بالجسد الأنثوي أن تكون إلا ناطقا رسميا عن تلك الكينونة خارج منطق الجبرية البيولوجية التي تعتمد التكوين الجنسي معيارا للقيم الثقافية. ويرتبط الجسد الأنثوي باعتباره واقعة ثقافية بالخطاب اللغوي بكل تنوعاته، إذ هي وسائله المثلى في التعبير عن عمقه الوجودي والتنفيس عما يحسه ويفكر به.

إن الكلام والسرد خصوصا بدأ ينصاع للمؤنث، وتمكنت المرأة في الآونة الأخيرة من استدعاء الكلمات وآليات التعبير التي هيمن عليها "المذكر"، بما هو حامل لسياق ثقافي تاريخي مشمول بالمنطق الذكوري. ولقد عانت المرأة في السابق من غطرسة هذا السياق الثقافي اللغوي الذي كان يؤول لغة المرأة وخطابها، إلى استنطاق ذاتي مملوء بالاعترافات. فحتى التقسيم إلى مملكتين: مملكة الرجل ومملكة المرأة والمحصورة أساسا في تباين الفضاءات التي يتحركون فيها، لا يمكنها أن تعبر إلا عن عقلية ذكورية تضيف المرأة إلى ممتلكات الرجل.

فجسد الأنثى يتمثل في الخطاب اللغوي، وينقسم إلى مناطق حساسة وتمفصلات دلالية تحيل على اللذة والرغبة، وبذلك ترسخ بالنسق الثقافي معجم يحجب عن الأنثى ما يبيحه للذكر، فلغة العربي مثلا ينظر لها على أنها من ضمن خطاب حريمي وفضاء مغلوق لا تلجه المرأة إلا إذا كانت مخترقة للنظام الثقافي السائد. ولذلك لا تجد النساء بدا من التماهي مع الخطاب العام للتعبير عن أنفسهن، بالرغم من أن هناك تمفصلات مورفولوجية بقيت حبيسة خطاب الذكر، حيث لا تجد النساء في اللغة حاجتهن في الوصف والتعبير:" فأفضل وسيلة للبرهنة على أن مفردات [كثيرة] تعوزنا وأن اللغة الفرنسية لم توجد من أجل النساء، هي النزول إلى أسفل جسدنا والتعبير عن اللامعبر عنه واستعمال المعجم، كما هو من غير تورية ولا تعديل"([11]). غير أن اللغة بوصفها نظاما لغويا، تتصف بالبراءة من التحيُّز ضد المرأة.

أخيرا:

صحيح أن الرجل استحوذ على اللغة بسبب الترتيب الذي أقره المجتمع بأفضلية الذكر وتقديمه في اللفظ وفقا لعُرف خارج عن نظام اللغة، تلك التي حمَّلها بالمضامين التفضيلية للذكر على الأنثى واتخذها أداة للإيحاء بأنه السيد/المركز، وهي التابع/الهامش، وحاول إقناعها بشتى الطرق بذلك محتميا بالحتميات البيولوجية التي أعاد تأويلها اجتماعيا، لكن اللغة بوصفها نظاما لغويا، لم تخضع لهذا التحكم حيث حافظت على العناصر الأساسية التي تجعل استخدام اللغة صالحا في التعبير والاتصال لكلا الجنسين.

مراجع البحث


[1] - الغدّامي محمد عبد الله، "المرأة واللغة-2- ثقافة الوهم..مقاربة حول المرأة والجسد واللغة"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 1998،ص : 53.

[2]  - ثقافة الوهم ، نفس المرجع السابق ، ص: 56.

[3] - ابن عبد ربه أحمد بن محمد الأندلسي، " طبائع النساء وما جاء فيها من عجائب وغرائب وأخبار وأسرار "،  ترجمة وتحقيق محمد إبراهيم سليم ، منشورات مكتبة ابن سينا، الطبعة الأولى، سنة: 1998، ص: 163.

[4] - الترمانيني عبد السلام،" الرق ماضيه وحاضره" عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الطبعة الثانية، عدد 23 ، أبريل 1985 ، ص: 87.

[5] - Ysé tardan – masquelier «  les chemins du corps », aix –les- bains, albin michel, 1995, p : 12.

[6] -  علي زيعور" تأويل لغة الجسد داخل اللاوعي الثقافي العربي" مجلة الفكر العربي المعاصر" عدد 54-55 ، يوليوز وغشت سنة 1988، ص: 68.

[7] - خليل عبد الكريم " العرب والمرأة ، حفرية في الاسطير المخيم" الانتشار العربي وسينا للنشر سنة: 1997، ص: 238.

[8] - Yaguello (marina) « les mots et les femmes, Essai d’approche sociolinguistique de la condition féminine»Petite bibliothèque Payot, Paris, 1978, p : 209

[9] - Christian Baylon « sociolinguistique , société,langue, et discours, Nathan Université, deuxième édition ; 1996, p :120.

  [10]- الغدامي محمد عبد الله" المرأة واللغة-2- ثقافة الوهم مقاربة حول المرأة والجسد واللغة" نفس المرجع السابق، ص: 66.

[11] - مجلة علامات، نفس المرجع السابق، ص: 119.

Partager cet article
Repost0
10 janvier 2026 6 10 /01 /janvier /2026 18:47
"قراءة في "الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول
"قراءة في "الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول

"قراءة في "الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول

الدكتور رضوان الخياطي

أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس

دراسة محكمة  

                موضوع مداخلتي قراءة في "الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول" للمفضل الكنوني. هذا المؤلف في أصله رسالة جامعية[1] أعدها الأستاذ للحصول على شهادة دكتوراه الدولة في اللغة العربية، وقد أنجزها خلال اشتغاله أستاذا باحثا، فالأطروحة ثمرة تجربة طويلة في التدريس والتأطير والبحث الأكاديمي، مما جعلها مرجعا أساسيا في مجال نقد النقد

ملخص

تتناول هذه الدراسة ظاهرة الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول، من خلال تحليل مناهج الشُّراح المغاربة ومقارنتها بالمناهج المشرقية والأندلسية. يكشف الباحث عن الخصوصية المغربية في شرح المتون، ويبرز تطور المناهج في ظل بيئة ثقافية نشطة

ويعتمد المنهج على دراسة البنية النصية، وتقسيمها إلى وحدات صغيرة، مع التركيز على التفسير اللغوي، والجانب البلاغي، والسياق التاريخي. كما يوظف الباحث مفاهيم من جمالية التلقي لكشف دينامية العلاقة بين النص والقارئ، ويبرز مستوى التفاعل والمرونة لدى الشُّراح

وتُظهر المقارنة تنوع الحقول المعرفية الموظفة في الشروح (لغة، نحو، بلاغة، تاريخ…) بما يمنح قراءة موسوعية وتأويلاً متعدد المستويات. وتخلص الدراسة إلى تميّز المدرسة المغربية في الشرح، وتكامل خصائصها العلمية والجمالية

كلمات مفاتيح-لشروح الأدبية- العصر العلوي-جمالية التلقي-مقارنة المناهج-الخصوصية المغربية

Summary

This study focuses on literary commentaries in Morocco during the First ‘Alawi period, analyzing and comparing the methods used by Moroccan commentators with those of the Eastern and Andalusian traditions.

The researcher highlights the unique Moroccan approach to explicating poetic texts, based on structural segmentation, linguistic clarification, rhetorical analysis, and historical contextualization.

Drawing on concepts from Reception Aesthetics, the study emphasizes the interactive role of the reader and the interpretive flexibility of commentators.

Through comparative evaluation, the research reveals the diversity of knowledge fields applied in commentary (grammar, lexicon, rhetoric, history, logic), resulting in a multidisciplinary reading.

The conclusion underlines the distinct scientific and artistic character of the Moroccan school of commentary and its contribution to literary criticism.

Keywords -Literary commentary-Reception aesthetics- Interpretive methodology-Structural analysis-Moroccan scholarship.

:نقد النقد

تندرج الدراسة ضمن ما اصطلح عليه الناقد الفرنسي طزفيطان طودوروف ب"نقد النقد"[2]. يدرس الناقد نصوصا نقدية تشرح أعمالا إبداعية، وهي تنقسم إلى نوعين؛ نوع حظي بأكثر من شارح، وآخر تناولته بالدرس يد واحدة فقط.

في هذا المقال، سنقتصر على النوع الثاني، للسبب نفسه، ولكون الشروح في أصلها مخطوطات أخرجتها للنور يد الباحث، تحقيقا ودراسة. وتنقسم هذه النصوص بدورها إلى صنفين: صنف يشرح فيه الدارس قصيدة من إبداعه، وصنف يشرح فيه قصيدة من إنتاج شاعر آخر

يحمل كل صنف صورة قارئه، فالصنف الأول ذو طبيعة تعليمية، يقتصر الشارح فيه على التفسير اللغوي، وبيان المعنى العام للوحدة المشروحة. أما الآخر فذو طابع موسوعي واتجاه تثقيفي عام، يغلب عليه المنحى الذوقي والجمالي والتحليل النقدي، موجه لقارئ خاص من أعيان الفكر وأهل الاختصاص.

:الشاعر الشارح لقصيدته

اختار الباحث نصين يشرح فيهما كل شاعر قصيدة من إبداعه، وهذا النوع من النقد طريف ومغر، ذلك أن الناقد الشاعر يضطلع بمجموعة من الوظائف التواصلية: فهو مرسل ومرسل إليه، وهو مالك الرسالة وسننها، والمحدد لمرجعها. في هذا النوع من النصوص تكون الدلالة محددة؛ فالقارئ الأول، أي صاحب النص يكون قد كشف عنها، وقدمها للقارئ الثاني بعد شرح المفردات، والإسهاب في بيان المعاني بالوقوف عند معنى كل بيت، وهذا ما يقره القارئ الثاني بقوله: «يلاحظ أنه خلال تفسيره اللغوي يركز على دلالات الألفاظ التي تشي بالمعنى، حتى يظهر بيانه للمعنى وكأنه تحصيل حاصل»[3]، فماذا تبقى للقارئ الثاني، إذا كان الشارح هو المرسل والمرسل إليه ومالك السنن ومبين المقصود من الرسالة ومن كل ملفوظاتها؟ إذن، الطريق إلى النص الأول مسيج أمام القارئ الثاني، فالدلالات محددة مسبقا، فعليه التعامل مع النص الشارح بمعزل عن القصيدة، وهذا ما فعله بالتحديد، إذ درس الشروح بمعزل عن النصوص الإبداعية، موضوع الشرح الأول، فلم يحل القارئ الثاني إلى القصائد إطلاقا، وحضور الأبيات الشعرية في دراسته هي مجرد أمثلة ساقها القارئ الأول، واستدل بها القارئ الثاني، فهو يحيل إلى النص الشارح وليس إلى النص المشروح. وهذا ما استنتجه القارئ الثاني بنفسه، وعبر عن ذلك بقوله: «ولا غرابة في ذلك، فالشارح يشرح نفسه، فهو أعلم بما يقصد بلغة النص، لأنه صائغها الأصلي (...) وقتلها شرحا وتحليلا وتدقيقا وتفصيلا (...) مما لم يبق معه مجال آخر لشرح جديد»[4].

اهتم الدارس بمنهج الشراح فقط، فدراسته دراسة نصية نسقية، تنطلق من النص وتعود إليه، ولا تتجاوزه، وهذا ما يلاحظه القارئ لهذه الدراسة:

:منهج اليوسي في شرح داليته

في دراسته لشرح دالية اليوسي استهل الباحث دراسته بالمقدمة بما هي نص ذو وظيفة توجيهية وتواصلية، يوضح فيها الشارح للقراء غايته من شرح داليته، وينبههم بأنه سيقتصر على «تفسير الألفاظ وبيان معاني الأبيات...»[5] ، لكن هذا العقد القرائي المبرم مع القارئ سيتم الإخلال به، إذ لم يلتزم الشارح ببنوده، وهذا ما لا حظه القارئ الثاني، فقد «أورد الشارح كثيرا من القضايا المساعدة في الشرح، سواء ما تعلق منها بالنحو أو البلاغة أو العروض، أو ما تعلق بالأخبار التاريخية والتعريف ببعض الأعلام وقصصهم الذين ترد أسماؤهم أثناء الشرح، أو غيرها من القضايا الأخرى المتنوعة التي تجعل الشرح غنيا بالمعلومات التي يتضمنها، حافلا بالمادة المعرفية المدعمة للشرح»[6].

يبين الدارس مرتكزات اليوسي في شرح داليته، ويحددها في عدة عناصر: يدرس الباحث كل عنصر على حدة، ويستهل دراسته بملاحظات عامة عن الظواهر البارزة في الشرح، ثم يفسر كل ظاهرة على حدة؛ ففي العنصر الأول لاحظ عدم إخضاع اليوسي القصيدة لمقياس واحد أثناء تقسيمها إلى وحدات، فأعاد ذلك لسببين: اهتمام الشارح بالوحدات المعنوية، وطول حجم القصيد: «ولسنا ندري المعيار الذي اعتمده الشارح في هذا التقسيم، وإن كان المرجع أنه مال في هذا التقسيم إلى اعتماد الوحدات المعنوية منطلقا لشرح القصيدة، فبعض المعاني قد تستوعبها أبيات مفردة، وبعضها الآخر قد يحتاج بيانها إلى عدة أبيات (...)، هذا دون أن نغفل أن طول حجم القصيدة الذي يبلغ خمسمائة وأربعين بيتا ربما يكون قد ضغط على الشارح للتحكم في حجم الشرح...»[7].

ولاحظ في العنصر الثاني اهتمام الشارح بالتفسير اللغوي وجعله في المقام الأول، فقد انطلق الشارح من «ثقافة العالم اللغوي، وحس الأديب الشاعر الذي قد ينتبه إلىى بعض الخلفيات الدلالية والإيحائية للغة، قد لا يلتفت إليها غير الأديب الشاعر»[8] ، ولذا جاء «شرحه حافلا بأنواع المعاني، وألوان التأويلات التي تربط دلالات الألفاظ بالسياقات التي ترد فيها، والمعاني التي تسخر للدلالات عليها»[9].

لقد جعل اليوسي تفسير الألفاظ مدخلا للمعاني، وهذان العنصران هما المتحكمان في الشرح إلى حد كبير، ولم يكتف الباحث بالملاحظة وتفسير أسباب الظاهرة، بل يبين التقنيات الموظفة في هذا النوع من الدراسة، منها حرص الشارح على ربط المعاني بعضها ببعض مبينا أدوات الربط المستعملة لتحقيق هذه الغاية، وما يترتب عن تحقيق هذه الطريقة ، فهي -حسب الباحث- تفرض على الشارح دراسة عمودية، يتبع خلالها «معاني القصيدة في تسلسلها وتدافعها وترابطها»[10]، ثم يعلل سبب اختيار هذا النمط من الشرح: «وكأن الشارح كان يسعى بهذا إلى إحكام بناء المعنى الكلي أو المعنى العام للقصيدة».

وبعد رصد الظاهرة وتفسيرها وتحليلها بتقديم نماذج وأمثلة يصدر حكما تقييميا للتقنيات الموظفة في الشرح، يقول: «وهذه براعة فنية ومنهجية في تناول النص المجسد لوحدته العضوية والموضوعية»[11].

ولا يخلو الحكم القيمي من التفسير والتعليل أيضا: «ولعل لخصوصية موضوع القصيدة، وصداها في نفسية الشاعر-الشارح أثرا في بلورة هذه المقصدية بقوة ووضوح، فموضوح القصيدة ذو قدسية خاصة في معتقد الشاعر، لأنه مدح لأحد أقطاب الإصلاح والعلم في عصره يحتل من وجدان الشاعر-الشارح مكانا رفيعا. ولعل الشرح نفسه، بواسطة الشاعر، يسعى إلى تأكيد هذا المستوى من التفسير والإجلال والإكبار والعرفان الذي يكنه الشاعر للقطب الممدوح، فكان الحرص في الشرح منصبا على بيان هذا المقصد»[12].

نلحظ أن الباحث في دراسته لمرتكزات منهج اليوسي أولى عناية خاصة للعناصر الثلاثة الأولى على حساب العناصر الأخرى، ولعل ذلك راجع إلى كون كل من العنصر الرابع والخامس والسادس مرتبط بالتفسير اللغوي وبيان معاني القصيدة، كما أن هذه العناصر لا تمثل ظواهر مضطردة في شرح الدالية؛ فالشارح يعالج بعض القضايا النحوية: «ولم يكن تناول هذه القضايا النحوية لمجرد عرض المعلومات والأوصاف العلمية المتصلة بها بقدر ما كان مسخرا لتوجيه المعاني وبيانها والبرهنة على سلامة قصد الشارح»[13].

ولم يحظ العنصر الخامس باهتمام كبير من لدن الباحث، لأن الشارح نفسه لم يعره عناية كبيرة.

أما بالنسبة للعنصر السادس، المتمثل في اهتمام الشارح بالجانب البلاغي، فإن الشارح، كما لاحظ الباحث، اكتفى بالإشارة إلى «الصور والأساليب البلاغية التي تتضمنها القصيدة، وكانت إشارته لهذه القضايا البلاغية عبارة عن إشارات مقتضبة إلى نوع الصورة أو الأسلوب، دون استرسال في بسط الكلام حول ما يتصل بالقضية»[14].

ولم يكتف الباحث بتقديم الملاحظات، بل علل سبب عدم تفصيل الشارح لهذه القضية، قائلا:  «والظاهر أن اليوسي لم يكن يعنيه تفصيل المبحث البلاغي أو ذكر آراء البلاغيين في الموضوع، مما يعني أنه ظل مخلصا للتركيز على الجانب اللغوي وبيان المعنى»[15].

ويقدم الباحث أمثلة عن الإشارات البلاغية التي وردت عرضا أثناء الشرح، ويبين النوع البلاغي الأكثر هيمنة في شرح اليوسي: «إن الملاحظ في تتبع الأساليب البلاغية التي أشار إليها اليوسي في شرحه أنها تكاد تقتصر على مباحث وأساليب البيان»[16]. وعلل الباحث سبب هيمنة هذا النوع من الأساليب، بقوله: «ولا غرابة في ذلك ما دام الشارح يهتم ببيان معاني الأبيات الشعرية، ويكشف عن طبيعة الصور التي تؤدي هذه المعاني، ومباحث البيان وأساليبه، كما هو مقرر عند معظم البلاغيين تختص بدراسة الصور، فكان من الطبيعي أن تكون هذه الأساليب هي الغالبة على المادة البلاغية المستثمرة في الشرح»[17].

إن عدم اهتمام الباحث بالعناصر المذكورة راجع لكونها آليات لتفسير الألفاظ وبيان المعاني، فإفراد الباحث لها مباحث خاصة نابع من رغبته في توضيح طرق اشتغال هذه الآليات داخل النص الشارح، وكيفية توظيفها لتحقيق الغاية المنشودة وهي بيان المعاني.

وبالنسبة للعنصر السابع المتمثل في «تعريف الشارح ببعض الأعلام والأماكن، وإيراد بعض القصص المتصلة بجوانب هذه الأعلام»[18]، فإن هذه التعريفات والقصص تندرج ضمن المنهج التاريخي الذي يعنى بحياة الأدباء، وبيئتهم، وعصرهم، معززا الدراسة بمجموعة من الأخبار والقصص، كما هو الحال في قصة امرئ القيس مع قيصر الروم. وقد علل الباحث إيراد هذه الأخبار والقصص برغبة الشارح في توفير مادة ثقافية متنوعة أثرت الشرح، وأغنت آلته المنهجية المعتمدة فيه.

أما العنصر الأخير، المتمثل في تطعيم الشرح بالاستشهادات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وأشعار العرب، فهو ذو غرض فني، ولكون الاستشهادات من أسس مناهج الشرح الأدبي في العصر العلوي الأول، فهي تدخل في «باب التلوين العلمي والنفسي الذي يخلق في القارئ الرغبة في تتبع الشرح، والشوق للاستزادة مما يقدمه الشارح من ألوان معرفية، تزيد فضاء النص رحابة وانفتاحا على آفاق شكلت مضمارا فسيحا ركضت فيه مخيلة الشاعر-الشارح، ونهلت من ثر ينابيعه وغزير روافده، وكأن اليوسي بهذا التنوع الذي يطبع مضامين قصيدته (...) يحيل المتلقي على خلفية ثقافته الأدبية التي تغطي زمان وجغرافية وتاريخ الشعر العربي، وأن شعره يسير على مذهب العرب»[19]. إن منهج اليوسي في شرح داليته يمثل «اتجاها معروفا من اتجاهات شرح النصوص الأدبية التي راجت في المشرق والأندلس خلال حركة تطور مناهج الشرح، ومفهومه ومقاصده»[20].

:منهج ابن زكري في شرح همزيته

استهل الشارح دراسته، على غرار اليوسي، بمقدمة يبين فيها للقارئ الأسباب التي حذت به إلى شرح قصيدته الهمزية، ويوضح مرتكزات منهجه، والخطوات المنهجية التي سيتبعها في شرحه؛ فالشرح يسعى إلى التوضيح والتحقيق والإظهار والبيان، وتحديد طبيعة الموضوع، وهو موضوع جليل؛ فالقصيدة نظمها الشاعر في مدح الرسول (ص) تقربا من الله بالتقرب من الرسول (ص)، واستجابة لطلب بعض الإخوان وحثهم للشاعر على شرح قصيدته.

                وإذا كان الشارح الأول يوضح للقارئ الأهداف من شرحه وعناصر منهجه، فإن الشارح الثاني يستبق تطلعات القارئ، وينبئه بأن الشرح سيكون غنيا من حيث مواده، ودسما من حيث مضامينه، وذلك نظرا لطبيعة هذا النوع من الشرح، فهو ذو «طابع موسوعي، على عادة بعض الشروح الأدبية في عصره. هذا الطابع الذي جعل بعض الشروح من أهم المصنفات وأنواع التآليف في الثقافة العربية الإسلامية بعامة، والثقافة المغربية بخاصة»[21].

وبعد رصد العناصر الأساسية في مقدمة الشرح، يحدد الباحث مرتكزات منهج ابن زكري، وقد حددها في العناصر التالية

تقسيم المتن إلى وحدات صغرى ممثلة في البيت الواحد غالبا

شرح البيت ببيان معناه قبل تفصيله

تحقيق المباني، أي تفسير الألفاظ المكونة للبيت تفسيرا معجميا، وتحديد الوظائف النحوية لألفاظ البيت

الاهتمام بالمستوى البلاغي

شرح الأبيات اعتمادا على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة

الاستشهاد بمادة شعرية غزيرة

 تحميل الألفاظ مدلولات صوفية

توظيف المادة التاريخية في الشرح والتفسير

استهل الباحث دراسته بملاحظة عن البناء المعماري لشرح الهمزية، فالشارح الأول قسم المتن إلى وحدات صغرى ممثلة في بيت واحد غالبا، والتزم هذا التقسيم طيلة شرحه للقصيدة، ولم يحذ عن القاعدة إلا نادرا. وكعادته يعقب الشارح الثاني على كل ظاهرة من ظواهر شرح الشارح الأول، وبعد التعقيب، يقدم حكما تقييميا يربط فيه هذا الإجراء بالمنهج ككل، لقد حدد الشارح الأول أهدافه في المقدمة، وجعل توضيح المعاني العنصر الأول في علمية الشرح، وقد التزم بهذا المقصد، لكن الشارح الثاني لم يقدم لنا معاني القصيدة، بل بين الإجراءات الفنية والتقنية التي وظفها الشارح الأول في شرحه للمعاني، وذلك انسجاما مع عنوان دراسته المركز على منهج الشارح وبيان الآليات والتقنيات الموظفة في منهج شرحه.

إن شرح ابن زكري -حسب الباحث- متميز على عدة مستويات، ففي حديثه عن خصوصية الشراح المغاربة، يقول: «ولابن زكري إسهام جاد في التميز الذي طبع الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول، يتجلى ذلك في الصورة العامة لشرح همزيته، غايات، ومنهجا، وأسلوبا، واستثمارا لمختلف الحقول المعرفية في تعميق الشرح وإثرائه وإغنائه وإمداده بعناصر القوة والخصوبة»[22].

إن ابن زكري شاعر وشارح لقصيدته، وهي في مدح الرسول (ص)، ولعل طبيعة القصيدة -حسب الباحث- غمرته بأسرارها وأنوارها وهو يشرحها، فهو رجل متصوف ومتعلق بشخص الممدوح، فبرزت هذه المؤثرات في قراءة وشرح قصيدته «فكأن الشارح كان يعيد خلق القصيدة نثرا، ويفكك رموزها، ويفصل مجملها، ويسرج قناديل أسرارها، من روحه لا من عقله (...)، فإن شرح لغة النص تتحكم فيه المفاهيم الصوفية بصورة قوية. ولعل مرد ذلك إلى ضغط الحالة النفسية والمزاجية الخاصة التي هيمنت على الرجل شاعرا وشارحا»[23].

:منهج محمد بن موسى الناصري في شرح "النسيم العاطر

                على عكس الدراستين السابقتين حيث انصبت دراسة الباحث على النص مباشرة، فإن دراسته ل"شرح النسيم العاطر" تشكل استثناء، إذ استهلها بمقدمة طويلة، قدم فيها للقارئ مجموعة من المعلومات، فإذا كانت الشروح السابقة شرح الشعراء لإبداعهم الشعري، فإن "شرح النسيم العاطر" هو شرح ناقد لقصيدة من إبداع أخيه، والأمر لا ينحصر في المجال العائلي، بل يتعداه إلى المؤسسة بأكملها؛ وهي الزاوية الناصرية: «فالنص، موضوع العرض، شرح لقصيدة النسيم العاطر في مدح القطب أبي العباس أحمد بن ناصر لصاحبها أبي العباس أحمد بن موسى بن محمد بن ناصر، وقد أنجز الشرح أخ الناظم محمد بن موسى (...)، ومما يسترعي انتباه الدارس، قبل ممارسة الدراسة، أن العمل في جوهره ومظهره ناصري بحت، حيث إن منشئ القصيدة ناصري، وموضوعها ناصري، وشارحها ناصري »[24]، فكان لا بد من الناحية المنهجية تقديم بعض المعلومات عن النص قبل دراسته من الداخل؛ فالمقدمة تضطلع بوظيفة توضيحية وتوجيهية؛ تبين هوية صاحب القصيدة، وشارحها، ومنهج شرحه، وسيمات فكر أدباء الزاوية الناصرية، فالباحث يرنو إلى «تبين خصائص ومميزات الفكر الأدبي والرؤية الفنية والمنهج النقدي الذي ترسخت تقاليده وأعرافه لدى علماء وأدباء الزاوية الناصرية»[25]. كما يود تبرير أسباب اختياره لهذا النموذج دون غيره؛ ففي نظره يشكل "شرح النسيم العاطر" «نموذجا لمنهج مغربي متميز في شرح المتون الأدبية، يملك مشروعيته الفكرية والفنية والنقدية، ويقوم على تصور منهجي يحقق إضافات علمية وفنية تتكامل مع مناهج الشراح المغاربة الآخرين لتؤسس أسلوبا مغربيا في تلقي النص، ومنهاجا خاصا في شرحه، وبيان مكوناته ومقاصده»[26].

إن الرغبة في الكشف عن خصائص ومميزات الفكر الأدبي والرؤية الفنية والمنهج النقدي لدى أدباء الزاوية الناصرية، لا يمنع الباحث من الاحتياط والحذر من التعميم، ذلك أن دراسة نموذج واحد لا يمكنه تحقيق طموح الباحث، وهو يعبر عن ذلك بقوله: «إن الحديث عن منهج الناصريين في شرح المتون الأدبية لا يمكن أن يحيط بالأسس العامة لهذا المنهج من خلال تتبع عمل واحد، إذ يتطلب الأمر تتبع تجليات هذا المنهج وتطبيقاته في مختلف الروح التي أنجزها علماء وأدباء "الزاوية الناصرية"، مما لا تسمح به خصوصية الظرف والمناسبة الآن. ولكن ذلك لا ينفي أن هذا العمل ذو دلالة واضحة على خصائص وخصوصيات المنهج الناصري في شرح النص الأدبي»[27]. ولعل ما يبرر اختيار هذا النموذج هو عدم وجود شرح للنسيم العاطر[28].

بعد هذه الملاحظات، ينتقل الباحث إلى النص، مستهلا دراسته من المقدمة حيث يبين الشارح للقارئ الأسباب التي حذت به إلى شرح القصيدة، محددا إياها في ستة عوامل، تتداخل فيها الجوانب الذاتية بالعلمية: إعجاب الشارح بالقصيدة، وأحقيتها بالشرح، والرغبة في نيل فضل التبرك بالقطب، ومكانة صاحب القصيدة بين الشعراء، والرغبة في السير على سنن العلماء المبرزين في هذا الاتجاه، إثباتا لذاته وقدراته العلمية والأدبية، وإبراز دور الناصريين في مجال الإبداع الأدبي الرفيع، وقوة حضورهم في حركة الشروح العلمية والأدبية التي نشطت نشاطا ملحوظا في ظل الدولة العلوية[29].

في دراسته المحايثة للنص يبين الدارس منهج الشارح، فهو منهج تكاملي، انتقى فيه الشارح «أجود خصائص اتجاهات الشروح المعروفة، وتركيبها في تكامل وانسجام لتؤدي وظيفة الشرح وغاياته المثلى»[30].

ومن خلال تتبع طريقة الشارح في الشرح وأسلوبه يبرز الباحث مرتكزات منهج الشارح، محددا إياها في العناصر التالية:

تحقيق المتن وتوثيق مادته، وتقسيم النص إلى وحدات متساوية تتركب من أربعة أبيات

التركيز في الشرح، في المقام الأول، على الجانب اللغوي، وذلك باستعراض مختلف معاني اللفظة وأوجه استعمالها، لترجيح المعنى المقصود. ويلاحظ الباحث أن الناصري لم يعن بالجانب النحوي، إذ لم يخض الشارح في «القضايا النحوية البحتة والتحليل النحوي المجرد التي تنأى به عن غاياته وطبيعته ومنهجه»[31]. ويعزي الباحث «احتفال الشارح بعناصر اللغة والنحو والبلاغة والعروض في شرحه لم يقصد منه مجرد عرض نظري لمسائلها، ولا مناقشات مجردة لقضاياها، وإنما كان يهدف من وراء ذلك إلى الاستعانة بها في فهم النص»[32].

:المنهج النقدي لدى الناقد المفضل الكنوني

إن منهج الباحث، في نظري، لا ينحصر في دراسته المباشرة لمنهج الشروح، بل بكيفية تناول موضوع الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول بصفة عامة، أقصد أن الشق النظري لا يقل أهمية عن الشق التطبيقي، إذ يمثل الجانبان مجتمعين الرؤية النقدية للباحث، وهي رؤية منسجمة ومتكاملة، تكشف عن نفسها من خلال الدراسة المباشرة لمناهج الشراح ومن خلال الشق النظري، ولا سيما في مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها.  

:المقدمات والخلاصات

تشكل مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها مناسبة لبسط الرؤية النقدية للباحث، وعلاوة على كون هذه المقدمات والخلاصات تقدم صورة عن محتويات الباب وفصوله، فإنها كذلك لحظة مواتية للتنظير النقدي، فمن خلالها يتلمس القارئ المنهج المتبع في الدراسة، لأن الباحث لم يفصح عن منهجه بشكل واضح في المقدمة العامة لبحثه، إلا أن القارئ الملم بالمناهج الأدبية يستطيع الكشف عن المناهج التي توسل بها الباحث، فعلاماتها مبثوثة في ثنايا البحث، ولاسيما في مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها.

إنه لمن نافل القول إن المناهج تدرس النصوص الأدبية الإبداعية، ولا توظف، في الغالب، لدراسة النصوص النقدية، فالآثار الوصفية تحتاج إلى اجتهاد شخصي من لدن الباحثين، على عكس الأعمال الإنشائية، فيمكن دراستها بمنهج محدد، أو مناهج معروفة لدى النقاد.

يحيل الباحث إلى المفاهيم الإجرائية التي وظفها الناقد طزفيطان طودوروف، باعتباره صاحب مصطلح "نقد النقد"، وهي: الإسقاط، والتعليق، والقراءة الشعرية[33]. وقد أورد الباحث هذه الإشارات -حسب قوله- «ليبين مستوى التيه الذي وصل فيه بعض منظري مناهج النقد المعاصر، في اكتشاف واستجلاء جوهر شرح النصوص باعتبارها قراءات متجددة لها، وإظهار تخبطهم وتعسفهم في محاولة الفصل بين مستويات الشرح والقراءة لجعل كل مستوى شكلا نمطيا لقراءة معينة»[34].

ويرى أن «الشروح الأدبية المغربية، موضوع الدراسة، باشرت مناهج شرحها المستويات الثلاثة في التحام، وانسجام، وتآزر، وتكامل، أصبحت معه عملية الشرح مستوعبة للنصوص المشروحة، من جميع جوانبها، ومحققة لمقاصد الشرح في جميع مستوياتها، ومؤكدة اعتبار النصوص المشروحة حقول إنتاج مستثمر للمعاني والدلالات»[35]. ومعلوم أن كل منهج يستند إلى نظرية، أي مجموعة من الأفكار المترابطة والمنسجمة التي تنطلق من فلسفة محددة، فإن مناهج الشراح تفتقر-حسب الباحث- إلى هذا العنصر الأساسي في العملية النقدية: «إذا كان المنهج في بعده الفلسفي يعني بلورة رؤية فلسفية عامة تتحكم في رؤية المتلقي الشارح، وتوجه فعل القراءة، وتحدد الآليات المعتمدة فيها، فإن أساليب الشراح لا ترقى إلى هذا المستوى الفلسفي العميق والدقيق، فبقيت طرقا وأساليب واتجاهات سميت مناهج تساهلا»[36].

                وإلى جانب افتقار الشروح إلى رؤية منسجمة تنطلق من فلسفة محددة، فإنها كذلك تفتقر إلى حد ما إلى المفاهيم الإجرائية النقدية، أي منظومة اصطلاحية نقدية خاصة بهذا الضرب من ضروب المعرفة، ولذا وجب علينا التمييز بين مناهج الشراح، والمناهج التي توسل بها الدارس المفضل الكنوني في دراسته لشروحهم، وهو يحدد منهجه بقوله: «واعتبارا لكون النصوص الشارحة، موضوع الدراسة، لم تسبق دراستها من قبل، فقد كان لزاما علي التعريف بها ووصف طرق الشراح وأساليبهم في شرحها وتحديد أهم مرتكزات مناهجهم واتجاهاتهم في هذه الشروح. وعرضت هذه الطرق والأساليب للتحليل والنقد أحيانا، مما يجعل المنهج المعتمد في مجمله يزاوج بين الوصف والنقد وإبداء الرأي الشخصي»[37].

                لقد كان الباحث حذرا حينما عد طرق وأساليب الشراح مناهج تساهلا، وأن طرقه وأساليبه المتمثلة في الوصف والتحليل تشكل «أداتين بانيتين لهيئة المنهج وصورته»[38]. إن الوصف والتحليل في عرف النقد الأدبي خطوتان إلى جانب مجموعة من الخطوات الأخرى؛ فالعملية النقدية تتطلب الوصف والشرح والتفسير والتحليل والتأويل والتقييم، وهي مستويات في الدراسة، وطرق توظفها المناهج في دراسة النصوص.

بعد قراءة متأنية، لاحظنا أن الباحث توسل بالمناهج التالية: البنيوية، والتأويلية، وجمالية التلقي والمنهج التاريخي، لكنه لم يفصح عن هذه المناهج، فالقارئ يجدها مشتتة على طول صفحات البحث، ولا سيما في مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها.

إن المفضل الكنوني قارئ ثان، يدرس نصوصا تنتمي إلى الماضي، وهذا النوع من الدراسة يقتضي حتما التوسل بالمفاهيم الإجرائية لنظرية التلقي، وهذا ما نلاحظه في هذا العمل، ولعل مقدمة الباب الثالث الموسوم ب"الحقول المعرفية المستثمرة في الشروح" لدليل قاطع على توسل ناقدنا بالأطر النظرية لجمالية التلقي ومفاهيمها الإجرائية، إذ نلفي تصورات ومصطلحات هذه النظرية؛ من قبيل: "أفق التوقع"، و"المسافة الجمالية"، و"استجابة القارئ" و"ردود أفعال القارئ"، و"المناطق غير المحددة"، و"القارئ الخبير"، وغيرها من مصطلحات نظرية التلقي: «إن قوة هذه النصوص تظهر في استجابتها لآفاق وتوقعات القارئ الجديد، أي القارئ التاريخي الذي ينتمي زمنيا إلى غير عصر النصوص (...) مهمة القارئ الجديد، أي الشارح، تتمثل في تقريب المسافة بين الأفقين التاريخيين لزمن إبداع النصوص وزمن القراءة الجديدة»[39].

                كما يوظف مصطلح "القارئ الخبير" للناقد الأمريكي (سطانلي فيش Stanley Fish)، «فالشارح الخبير ينطلق في قراءة النص من مستويين أساسيين للكشف عن معنى النص ومغزاه في الآن نفسه، وهما: كيف يقول النص، وماذا يقول النص؟»[40]. ويوظف أيضا مفهوما إجرائيا أساسيا في نظرية التلقي، وهو "المناطق غير المحددة"، بقوله: «فالنص المشروح حمل ثقيل (...) قد توجد في النص مناطق غير محددة يضطر الشارح إلى توظيف مهاراته وتجاربه الذاتية التي ترتبط أيضا بمعاييره وقيمه الخاصة»[41]. ويوظف كذلك مصطلح "ردود فعل القارئ": «إن النص المشروح، في بعض الأحيان، قد يكون عمقه الدلالي والرمزي مخالفا لمفاهيمنا وأفكارنا المسبقة، مما يؤدي إلى رد فعل القارئ تتمثل بعض مظاهره في إعادة النظر في النص، وتجريب مستويات قرائية متعددة للوصول إلى الطريق الأنسب لانسجام النص مع القراءة، واحترام القراءة لطبيعة النص وخصوصياته»[42].

                لا شك أن هذه المصطلحات، وغيرها كثير، المستقات من نظرية التلقي، لدليل على اعتماد الباحث على الأسس النظرية لجمالية التلقي ومفاهيمها الإجرائية، وهي تندرج ضمن نظرية أوسع، وهي النظرية التأويلية التي تعنى بالقارئ، وتمنحه سلطة كبيرة في فهم النص وتأويله انطلاقا من أفقه المعرفي، أي من المعايير النقدية التي يحملها. 

وإلى جانب تصورات ومصطلحات نظرية التلقي، نجد مصطلحات من "المنهج التاريخي"، نذكر منها: "روح العصر"، و"البيئة"، "والسياق التاريخي"، والأسرة الفكرية". تشكل بعض هذه المفاهيم عناصر مقولة "المؤثرات" عند (هيبوليت طين Hyppolitte Taine)، وهو أحد الرواد الكبار للمنهج التاريخي، الذي يرى أن النص الأدبي هو نتاج لمجموعة من المؤثرات التي خضع لها الأديب، وهي: "العرق، والبيئة، والعصر أو اللحظة التاريخية"، فالنص يعبر عن "روح العصر" ويحمل آثار القوم الذي ينتسب إليهم الأديب، والبيئة التي نشأ فيها، والأحداث التاريخية التي عايشها.

                وإذا كان الباحث قد استقى هذه المفاهيم الإجرائية من المنهج التاريخي، إلا أنه لم يستثمر التصورات النقدية والخلفيات المعرفية لهذا المنهج، لأن دراسته دراسة بنيوية، محايثة للنص؛ فالقارئ "للشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول" يلحظ غياب تعريف ولو موجز بالأعلام، أي بالشراح.

وبالإضافة إلى غياب التفاصيل عن حياة الشراح، فإن ما يثير القارئ أيضا هو عدم الاهتمام بأحداث التاريخ العام؛ فغالبا ما نجد في الأطاريح تأريخا للفترة السياسية المعنية والفترات السابقة عنها لتقديم صورة عن مجريات الأحداث وتأثيرها على الكتاب وإنجازاتهم، إلا أن بحثنا اقتصر على سياق تاريخي واحد، فقد عني بالبيئة الثقافية في العصر المقصود بالدراسة، مستعرضا التطور الذي حصل في الإنتاج الثقافي والأدبي على وجه الخصوص والذي يعد استمرارا للجهود المبذولة في العصور السابقة، وللعناية التي أولاها الحكام العلويون للعلم والعلماء، ولرغبة العلماء في ترك بصماتهم في تاريخ الأدب المغربي. لم يخض الدارس في تفاصيل الأحداث التاريخية، فجاء العمل خاليا من الحشو والتفاصيل التي اعتاد الدارسون المتوسلون بالمنهج التاريخي إثقال عملهم بها. وهذه سمة عامة تطبع كل المواضيع التي تناولها الباحث بالدرس والتحليل، فللباحث نزوع نحو التلخيص والاقتضاب، وهو يشير إلى ذلك في أكثر من موضع، ويمكن التمثيل لذلك بقوله: «إن تتبع مختلف عناصر وجزئيات هذا الموضوع (...) يحتم الخوض في القضايا المركزية والهامشية المرتبطة به، واستعراض حشد من الآراء والأمثلة والشواهد لا يحيط به الحصر (...) وتجنبا للتكرار المؤدي إلى الملل، والإسهاب غير المقيد»[43].

اقتصر الباحث في دراسته على السياق المعرفي للشروح في العصر العلوي الأول، فقد سعى إلى وضع «حركة الشروح في سياقها الفني المرتبط أساسا بالسياق المعرفي العام والسياق التاريخي المؤثر، بصفة عامة، وبيان موقع حركة الشروح بالمغرب في العصر العلوي الأول من هذه الحركة العامة، بصفة خاصة»[44].

 اعتمد الباحث دراسة بنيوية بتقسيم النص الشارح إلى بنيات صغرى، أو ما اصطلح عليه بمرتكزات منهج الشارح، باعتبارها سلسلة من البنيات، تشكل فيما بينها شبكة من العلاقات، بحيث يضطلع كل عنصر بوظيفة مرتبطة ارتباطا عضويا بوظائف العناصر الأخرى. هذا النوع من الدراسة يتسم بالانغلاق، لأنه ينظر إلى النص باعتباره نصا مغلقا، لكن الباحث عمل على تكسير هذه الدائرة المغلقة، وأدخل عنصرا يعد من عناصر الدراسات المنفتحة، فقد وظف آلية "المقارنة" لتكسير البنية المغلقة.

إن القارئ "للشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول" يلاحظ أن الموازنة تكون دوما مقرونة بالتعقيب، حيث تبرز شخصية الباحث، ويفصح منهجه النقدي عن فعاليته وحيويته.  

:     2) المقارنة والتعقيب

بعد دراسة منهج كل شارح على حدة، يخصص الباحث الباب الثالث للحقول المعرفية التي نهل منها الشراح واستثمروها في شرحهم للنصوص الأدبية. وقد رتبها الباحث وفق صورة ترتيبها في الشروح نفسها:

-الحقل اللغوي المعجمي

-الحقل النحوي

- الحقل البلاغي

-الحقل العروضي

-الحقل التاريخي

-حقول معرفية أخرى

*حقل رواية الأشعار

*حقل العلوم العقلية والنقلية

*الحقل النقدي[45]

إن ما يميز هذا الباب هو المقارنة التي يقيمها الباحث بين مناهج الشراح، وهذه الموازنة تزخر بالتعقيبات على طرق تناول عنصر من العناصر المذكورة أعلاه بالدراسة؛ ففي حديث الباحث عن أهمية العنصر اللغوي قارن بين حضوره في شرح اليوسي وابن زاكور، ليستنتج أن توظيف هذا العنصر في الشرح بشكل كبير ليس سمة خاصة بالشارحين، بل نلفيها في شروح العديد من الشراح: «إن هذه الخصائص الإيجابية الهامة التي استثمرها (...) تسري كذلك في الأساليب التي اتبعها الشراح الآخرون في هذا المجال، فقد اهتموا جميعا بالشرح اللغوي كمدخل رئيس لشروحهم (...)، فكأن هؤلاء الشراح اتفقوا مسبقا على تقديم هذا العنصر على غيره من العناصر، بما يعنيه التقديم علميا، وليس ترتيبيا»[46]

وإذا كانت المقارنة بين شرح اليوسي وشرح ابن زاكور تخص المشترك بين الشارحين، فإن مقارنة شرح اليوسي بشرح ابن زكري تهم نقط الاختلاف فيما بينهما، ويبرز ذلك في طريقة شرح الألفاظ؛ فصاحب شرح الدالية لا يتوسع في الشرح، و«يكتفي بملخص لمعنى البيت، ليترك مجال الشرح أمام شراح آخرين، فلا يسد منافذ القصيدة، بل يجعلها قابلة لشروح جديدة ومنفتحة على قراءات متجددة. وهذا على عكس ما فعله ابن زكري مثلا في شرح همزيته حيث قتلها شرحا وتحليلا وتدقيقا وتفصيلا (...) مما لم يبق معه مجالا آ خر لشرح جديد»[47]

كما يتميز ابن زكري عن الشراح الآخرين بطريقته في شرح البيت، فهو يبدأ بذكر معناه العام في معظم شرحه لأبيات القصيدة «خلاف ما اتبعه الشراح الآخرون (...)، ولعل مخالفة ابن زكري لما تواضع عليه الشراح في ابتداء شروح المتون بتفسير ألفاظها، راجعة إلى مفهومه الخاص لقراءة المتن وشرحه (...)، وهذا الإجراء يمثل أحد مظاهر تميز شرح ابن زكري عن الشروح الأخرى»[48]

إن الشروح لم تنطلق من فراغ، فهي ليست ابتكارا مغربيا محضا، بل هي امتداد لحركة أدبية ونقدية تضرب جذورها عميقا في التاريخ الأدبي العربي، مما اقتضى من الباحث القيام بعملية أركيولوجية للبحث عن هذه الجذور، ورصد تطورها، وبيان «العوامل المؤثرة في هذا الامتداد والتطور عبر البيئات المختلفة التي أنتجت هذه الشروح، وما ميز هذه البيئات من محاولة الاستجابة لحاجات ثقافية وعلمية ملحة اقتضتها طبيعة التطور، وفرضها روح العصر»[49]

اهتم الباحث بالشروح الشعرية وأبرز الروافد التي نهل منها الشراح المغاربة، فحددها في رافدين: رافد شرقي وآخر أندلسي. وليبين مدى تأثير الرافد المشرقي على نظيره المغربي، قدم لمحة موجزة عن تطور حركة الشروح في المشرق العربي، مركزا أساسا على المناهج الموظفة من لدن الشراح المشارقة في شرحهم للنصوص، إبداعية كانت أو نقدية، فحدد المراحل التي قطعتها هذه الشروح في مرحلين

مرحلة ما قبل المنهج

مرحلة التوثيق العلمي وتحكم المنهج

وبما أن الأندلس كانت جزءا من المغرب، وأن تأثر الأندلسيين بالمشارقة كان قويا في المراحل الأولى، قبل استقلال الشخصية الأندلسية بذاتها، وبما أنه أصبحت للمغرب مراكز ثقافية متعددة، بالإضافة إلى جامع القرويين، يزورها علماء وأدباء من المشرق والأندلس، كما يزور المثقفون المغاربة المراكز الثقافية الأندلسية على وجه الخصوص، فإنه كان لزاما على الباحث تقديم لمحة عن حركة الشروح في الأندلس محددا سيماتها المميزة، وقد جعلها في أربعة أنواع

الشروح التعليمية العامة

الشروح الذوقية الجمالية

الشروح الخاصة (ابن بدرون)

الشروح الأدبية الجامعة اللاحقة بكتب الأدب

توخى الباحث من هذه اللمحة الموجزة عن تطور حركة الشروح في الأندلس «رسم صورة تقريبية للشروح الأندلسية تسهل مقارنتها بالشروح المشرقية، وتمكن من استحضار أثر البيئة -أو البيئات العلمية- في المشرق والأندلس، في حوافز الشرح، ومناهجه، وغاياته، ومقاصد الشراح وخصائص شخصياتهم العلمية، واستجابتهم لروح عصورهم، وتلبيتهم لحاجاتهم الثقافية بشكل عام»[50]

كما كانت غايته رصد تأثر الشروح المغربية بنظيراتها الأندلسية، مستنتجا أنه على الرغم من اهتمام كل من المغاربة والأندلسيين بكتب الشرح، وانكبابهم على شرح المتون في كل العلوم والمعارف، وإنجازهم في ذلك عددا كبيرا من الشروح، إلا أن «اختلاف البيئتين العلميتين في المغرب والأندلس كان له أثره الواضح في اختلاف توجه شراح كل قطر، واختيار مادة الشرح، وغلبة الاهتمام بنصوص معينة تبعا لمقاصد الشراح، واستجابة للحاجات الثقافية لكل من المغرب والأندلس»[51]

وبالإضافة إلى اختلاف البيئتين الثقافيتين، فإن لاختلاف الطباع أثر كبير في العناية بنوع من الشروح: «فقد كان شغف الأندلسيين بالأدب أغلب على طبقة كبيرة من أعلامهم، وكان أغلب علماء المغرب ميالين إلى الاهتمام بالعلوم الشرعية في المقام الأول، ويأتي بعد ذلك التفاتهم إلى الأدب كتكملة للثقافة وتحلية لها»[52]

إن حركة الشروح في المغرب ثمرة عملية التلاقح الثقافي بين المثقفين المغاربة والأندلسيين والمشارقة، فقد شكل المغرب حلقة «وصل سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية بين المشرق والأندلس، بل كان محطة علمية وسياسية رئيسية بين المشرق والأندلس، إلى جانب وجود أقدم جامعة علمية به، وهي جامعة القرويين، صنعت وأطرت ازدهارا علميا كبيرا بالمغرب عبر مختلف عصوره الإسلامية»[53]

في كل عملية تلاقح ثقافي يتم تقليد النماذج الراقية السابقة، والأدباء المغاربة يخضعون لنفس المنطق، لكن إذا كان التقليد ومحاكاة النماذج الأصلية ضروري في كل مرحلة من مراحل التطور، إلا أن الشخصية الأدبية المغربية قد فرضت نفسها في تاريخ الأدب العربي، إذ برزت «ملامح خاصة بالمغرب، أثمرتها ظروفه الخاصة، وبيئاته العلمية، وحاجاته الثقافية، وخصوصية شخصيته وطبيعة تكوينها، ونوع القيم التي تشبع بها، ومجالات اهتمامها، ومقاصد علمائها، ومناهجهم العلمية، ووسائل بلوغ هذه الغايات والمقاصد. كل ذلك وغيره، جعل حركة التأليف بصفة عامة، والتأليف في الشروح الأدبية، بصفة خاصة، تخضع لخصوصيات مغربية انعكست على حركيتها، وأثرت في تطورها»[54]

وبما أن غاية الباحث من تتبع حركة الشروح في المشرق والأندلس هي بيان الروافد التي نهل منها الشراح المغاربة، والكشف عن جوانب الجدة فيها، وتلمس مقدار الإضافات التي أضافها الشراح المغاربة، فإن اختيار العصر العلوي الأول إطارا زمنيا لموضوع الدراسة أسعف الباحث في تحقيق غايته، ذلك أن الشروح استفادت من البيئة الثقافية الجديدة لحركة التأليف في الشروح، فقد امتاز هذا الواقع الجديد بتنوع المادة المشروحة، وغزارتها، وطبعها الأدبي الصرف، ووضوح مناهج الشرح، والقيمة العلمية والأدبية الكبيرة لهذه الشروح. فقد تمخض هذا العصر عن حركة أدبية سواء من حيث الإبداع الشعري أو من حيث الشروح الأدبية أو الدراسات الأدبية. كما شهد هذا العصر كذلك تطورا ملحوظا في علوم اللغة والأدب»[55]

:خاتمة

                اختار الباحث النصوص بعناية فائقة، سواء تعلق الأمر بطبيعة النصوص أو بمناهج دراستها؛ فبعض الشروح مخطوطات أخرجها الدارس للوجود، وبعضها الآخر مرقونة، وحظيت بعدة دراسات لكنها لم تقابل بشروح أخرى، ولاسيما الشروح المغربية في الفترة المذكورة.

                وبالإضافة إلى طبيعة الشروح، اتسمت مناهج الشراح بالتنوع وتعدد مستويات القراءة والتحليل والموضوعية بالتخفيف من هيمنة الذاتية. وقد التزم الباحث بهذه الخاصية، وجعلها سمة مميزة لدراسته، ولعل توظيفه للمنهج البنيوي الذي يقيد ذاتية الكاتب، ويعطي الأهمية للنص وللعناصر الداخلية المكونة له دون إقحام عناصر خارجة عن النص، لدليل على موضوعية الدراسة

حاول الباحث تطبيق منهج نقدي يقوم على الوصف، والشرح، والتفسير، والتحليل، والمقارنة، والتعليق، والتقييم، والتعليل؛ يستهل دراسته بوصف البنية الكلية للنص الشارح، وتفكيكه بتقسيمه إلى بنيات صغرى، أو ما يسميها ب"المرتكزات" وهو إجراء بنيوي، فالناقد الفرنسي جرار جنيت مثلا، يقسم النص إلى "تمفصلات كبرى" و"تمفصلات صغرى" في دراسته البنيوية للنصوص الأدبية. ويدرس كل عنصر على حدة، ويبدي ملاحظات على كل ظاهرة ويشرحها ويفسرها ويعقب ويختم بالدراسة بالتقييم، أي بإصدار الأحكام، والجميل في الدراسة أن التعقيب على كل ظاهرة يتبع بالتعليل، بما في ذلك الأحكام القيمية التي يصدرها على تلك الظواهر

يمتلك الباحث رؤية نقدية منسجمة مكنته من تقديم إضافات إلى نقد النقد، عبر إدماج المقارنة في التحليل البنيوي للنصوص الواصفة، وتطعيمه بمفاهيم إجرائية مستقاة من جمالية التلقي التي تولي القارئ أهمية قصوى، وتمنحه سلطة كبيرة. وإذا كان الباحث، بما هو قارئ جديد ينتمي إلى عصر غير عصر الشروح، قد مارس سلطته بحرية، فإنه أبدى مرونة واحتراما لخصوصية النصوص، إذ لم يفرض معاييره المعاصرة على معايير الشراح المغاربة المنتمين للعصر العلوي الأول، فقد انصب اهتمامه على المنهج الذي وظفه الشراح، فدرس مكوناته، وأبنيته، ومرتكزاته، وكشف عن الآليات والتقنيات التي استعانوا بها في الشرح والتفسير والتحليل، وبين الحقول المعرفية التي استثمروها في شروحهم

                كما سعى الباحث إلى الكشف عن العناصر الجديدة التي أضافها الشراح المغاربة في هذا العصر، مقارنا أعمالهم بالدراسات المشرقية والأندلسية السابقة عن دراساتهم، وران إلى توضيح خصوصية منهج كل شارح مغربي، وتبين مدى إسهامه في ازدهار الحركة الفكرية والأدبية في العصر العلوي الأول

:الهوامش

[1]  المفضل الكنوني: الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في اللغة العربية وآدابها، الموسم الجامعي 2006-2007، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس

[2]  T. TODOROV :  Critique de la critique. Un roman d’apprentissage, Ed. Seuil, Paris, 1984.

[3]  المفضل الكنوني، المصدر نفسه، ص 227.

 [4] المصدر نفسه، ص 224-374.

[5]  المصدر نفسه، ص 224.

[6]  المصدر نفسه.

 [7] المصدر نفسه، ص 225.

 [8] المصدر نفسه، ص 225-226.

 [9] المصدر نفسه، ص 228.

 [10] المصدر نفسه.

 [11] المصدر نفسه.

 [12] المصدر نفسه.

[13]  المصدر نفسه، ص 230.

[14]  المصدر نفسه.

[15] المصدر نفسه.

[16] المصدر نفسه، ص 232.

[17]  المصدر نفسه.

[18]  المصدر نفسه.

[19]  المصدر نفسه، ص233 .

[20]  المصدر نفسه، ص233-234 .

[21]  المصدر نفسه، ص307 .

[22]  المصدر نفسه، ص 417 .

[23]  المصدر نفسه، ص 422 .

[24] المصدر نفسه.

[25]  المصدر نفسه، ص 292 .

[26]  المصدر نفسه.

[27]  المصدر نفسه، ص 295 .

[28]  المصدر نفسه.

[29]  المصدر نفسه، ص  293-294.

[30]  المصدر نفسه، ص 295 .

[31]  المصدر نفسه، ص 302 .

[32]  المصدر نفسه.

[33] المصدر نفسه، ص 349.

[34]  المصدر نفسه.

[35]  المصدر نفسه.

[36]  المصدر نفسه، ظهر. ص 10.

[37]  المصدر نفسه.

[38]  المصدر نفسه.

[39]  المصدر نفسه، ص 345.

[40]  المصدر نفسه، ص 337.  

[41]  المصدر نفسه.

[42] المصدر نفسه.

[43]  المصدر نفسه، ص 18.

[44] المصدر نفسه، ص 19.

[45] المصدر نفسه، ص 350.

[46]  المصدر نفسه، ص 370.

[47]  المصدر نفسه، ص 374.

[48]  المصدر نفسه، ص 417.

[49] المصدر نفسه، ص 18.

[50]  المصدر نفسه، ص 38.

[51] المصدر نفسه، ص 33.

[52]  المصدر نفسه، ص 33.

[53]  المصدر نفسه، ص 41.

[54]  المصدر نفسه.

[55]  المصدر نفسه، ص 51-52.

"قراءة في "الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول
Partager cet article
Repost0
1 octobre 2025 3 01 /10 /octobre /2025 16:21
المنهج السيميائي: من سؤال النقد الأدبي إلى السؤال المرجعي للمؤنث

المنهج السيميائي

من سؤال النقد الأدبي إلى السؤال المرجعي للمؤنث

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ محاضر مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية و الدراسات الجندرية والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

 

ملخص

لعل من أبرز مقومات المناهج النقدية الحديثة قوة وقدرة على الوصول إلى أعماق العمل الأدبي، تكمن في إثارة الأسئلة، ومحاورة الذات والآخر بغية الوصول إلى إجابات مقنعة عن أسئلتها، ويشكل النموذج اللغوي ضمن المناهج النقدية نقطة مهمة أثْرَت حقل المنهجية الحديثة، وأنارت طريقها بدءً من النموذج البنيوي، الذي أنتج المجتمع من خلاله قيما جديدة تجلت في الصورة على شكل مفاهيم في بداية الستينيات، مرورا بالنموذج البنيوي التكويني الذي أعاد للذات الكاتبة اعتبارها، مُجَدِّدا ومخالفا بذلك أحكام النقد الشكلاني والبنيوي السابق، بحيث انقلب رأسا على البنيوية التي عملت على تقويم النص، مع الانتقاص من قدر المؤلف، بحيث نزع النقد التكويني القدسية عن النص وأطاح بمكانة مفهوم الأثر الأدبي، فانفتح بذلك انغلاق النص البنيوي عندما حل "ماقبل النص" مكان النص، خاصة مع الاستفزاز النقدي الذي دفع بالناقد جاك بوتي Jacques Petit لكتابة مقالته الشهيرة " لاوجود للنص" (1975م). مرورا بالمنهج السيميائي، الذي وسع من دائرة البنيوية، باعتباره:" أداة لقراءة كل مظاهر السلوك الإنساني بدء من الانفعالات البسيطة ومرورا بالطقوس الاجتماعية، وانتهاء بالأنساق الأيديولوجية الكبرى" ([1])، وأبعدها عن تشبثها باعتقاد امكانيتها في تحديد النصوص دون الاكتراث لمعانيها، على أساس أن المعنى كيان جاهز يمكن الامساك به خارج الرصيد المعنمي المودع في ذاكرة المعجم اللغوي، وبذلك انخرط المنهج السيميائي في عملية الكشف عن المعاني المودعة في الأشياء معتبرا المعنى نتاج نسق "ما"، يشكل أساس التحكم في إنتاجه، ونتاج روابط متحكمة بمصيره، وجزءا لا يتجزأ من سيرورة تكونه، كما أنه لا ينفصل عن الواقعة الثقافية التي تبنيه انطلاقا من المعارف التي يشير إليها النص، فأكدت السيميائيات بذلك أن العالم  دلالات، وأن المعاني ليست كيانات جاهزة

الكلمات المفاتيح: المنهج السيميائي، النقد الأدبي ، شارل ساندرس بورس،السيميائيات، المؤنثالسيميائي

Sommaire :

L'une des composantes les plus importantes des programmes critiques modernes est peut-être la force et la capacité d'atteindre les profondeurs de l'œuvre littéraire, qui consistent à soulever des questions et à dialoguer avec soi-même et l'autre afin de parvenir à des réponses convaincantes à leurs questions. Le structuralisme, à travers lequel la société a produit de nouvelles valeurs qui se sont manifestées dans l'image sous forme de concepts au début des années soixante, en passant par le modèle structurel formatif qui a restauré l'auto-considération de l'écrivain, renouvelant et violant les dispositions du formel précédent et la critique structurale, pour qu'elle bouleverse le structuralisme qui travaillait à l'évaluation du texte, avec La dévalorisation de l'auteur, pour que la critique formative dépouille le texte de sa sacralité et renverse le statut du concept de trace littéraire, ouvrant ainsi la fermeture du texte structurel quand « l'avant-texte » a remplacé le texte, surtout avec la provocation critique qui a poussé le critique Jacques Petit à écrire son célèbre article « Il n'y a pas de texte. » (1975 ap. J.-C.). A travers l'approche sémiotique, qui élargit le cercle du structuralisme, comme : un outil de lecture de tous les aspects du comportement humain, en commençant par les émotions simples et en passant par les rituels sociaux, et en terminant par les grands systèmes idéologiques, et loin de s'accrocher à la croyance qu'ils peut définir des textes sans prêter attention à leurs significations, sur la base que la signification est une entité prête qui peut être tenue en dehors de l'équilibre sémantique déposé dans la mémoire du lexique linguistique, et ainsi la méthode sémiotique a été impliquée dans le processus de révélation de la sens déposés dans les choses, considérant le sens comme le produit d'un système « quelque », qui constitue la base pour contrôler sa production, et le produit de liens contrôlant son destin, et une partie intégrante du processus de sa formation, car il est inséparable de la réalité culturelle qui le construit sur la base des savoirs auxquels le texte se réfère, la sémiotique a donc confirmé que le monde est sémantique, et que les significations ne sont pas des entités toutes prêtes.

Mots-clés : méthode sémiotique, critique littéraire, Charles Sanders Burrs, sémiotique, Féminin Sémiotique.

ترشيف الدخول

اتجه النقد الحديث إلى تسجيل لحظات أساسية في تلقي النص الأدبي، من ميلاد القارئ المُساهم في معنى النص، إلى الكتابة عن النص والاحتفال به وتأويله بما يخرج عن الرأي الشائع، حيث أصبح النقد مُغَلِّبا خاصية المغالاة على الإحاطة بحدود النص، يقول رولان بارت في هذا الشأن: " ينبغي أن يكون ٍ[النقد] مغاليا بطبيعة الحال. فالنقد الذي يبقى حبيس الرأي الشائع لن تكون له خصلة مميزة أو طعم خاص" ([2])

وقد استمر المشروع البنيوي على النهج الذي بدأه الشكلانيون عقب تشتت وتيه الوسائط التقليدية بين القراءة والنص الأدبي، وأمام الرعب من فوضى التفسير لجأت البنيوية إلى مفهوم العلمية التي وفرها النموذج اللغوي، واكبتها في ذلك دعوتها إلى علمية النقد على يد رولان بارت التي وصفها ب: " علم شروط المحتوى"، للخروج بالنقد الأدبي من دوائر القراءات والتفسيرات الانطباعية.

ثم بدأ الإحتفال المعرفي بالنص يتجه نحو التأويل، الذي انطلق مع السميائيات، يقول ميشيل جاريتيMichel Jarrety في ذلك إن:" هدف البنيوية هو تبيان العلاقات القائمة بين عناصر النص لاستخلاص البنيات المجردة التي هي الموضوع الحقيقي للبحث. وعلى حين أن النقد التأويلي يربط شكل العمل الأدبي بمحتواه"([3])

وهنا لابأس من التطرق إلى بعض المكونات النظرية لأشهر المناهج النقدية السالفة الذكر لمعرفة منطلقاتها وبعض أسسها وآليات اشتغالها وخلفياتها المرجعية، التي قامت عليها تحليلاتها التطبيقية، والامساك بعدد من المفاهيم الإجرائية التي اعتمدت عليها في تحليل الخطاب الأدبي، فأصبحت من بين الأدوات التحليلية لكل ناقد عربي، حيث أصبحت هذه المناهج الثقافية ومن أهمها: البنيوية التكوينية والسيميائيات والتفكيكية نبراسا لكل ناقد يلج مجال الاشتغال على النص الأدبي، وشكلت معالم نقدية واضحة، تم بواسطتها تجلية أسرار النص وفك عوالمه المعنمية، خاصة وهي تتعاطى بالتحليل للسرد النسائي: القصصي والروائي

سنعمل في قراءتنا هاته على كشف الأطر المنهجية التي ينتظم فيها الفعل النقدي الأدبي، مع العلم أن الكشف عن المدارس النقدية وحضورها في الكتابة النقدية والإبداعية له أهمية منهجية في فهم الواقع النقدي، ليس فقط من أجل احتوائه بل أيضا من أجل تجاوزه

المنهج السيميائي

النموذج التأويلي

بعد أن تحرر النص الأدبي من صرامة القيد المنهجي المعتمد على اللغة، وبعد أن اعتُبر الخطاب حول النص نصا مستقلا بذاته يَتَجَدَّد بتعدد القراءات التي تحيل على أنه لم يكتمل بعد، على أساس أن تعدد قراءاته يبقيه في حيّز النص غير المُنجَز، يبدأ النموذج التأويلي تطلعاته النقدية السيميائية ذات المنزع اللساني مع فرديناند دوسوسير([4]) ،الذي فتح الباب أمامنا للتعرف على النص الأدبي، فأخذ النقد الأدبي يكتشف عجز البنيوية على استكناه كل الأسئلة المطروحة على النص، وصار النص وحدة تتجه إلى أهدافه المعلنة وغير المعلنة معتمدة على حقيقة ما يتحقق مع اللغة كما يراها جاك ديريدا Dérida Jacques( 1930-2005م)، الذي أعلن أن لا حقيقة خارج النص الذي يشكل بدوره رافدا من روافد الواقع الاجتماعي

وقد شكلت اللغة النموذج الأول للنموذج الثقافي الذي بدأ في التشكل مع السميائيات التأويلية، واكتمل مع التفكيكية والهرمنوطيقا، لكن تم الإتفاق بين هذه النماذج حول ما يشكله التمركز الغربي من حضور حول الذات والعقل، وما تستوجب أنماط تجلّيه من خلخلة وتفكيك، فتمكن شتراوس من خلخلة تمركز الغرب حول ذاته عندما رد الاعتبار للشعوب اللاكتابية وجعلها لا تقل منطقية عن منطقية الإنسان الأوروبي([5])

كما تم الإتفاق أيضا على أن مكونات هذه المناهج تكمن فاعليتها خارج النسق اللغوي، وبذلك اتصفت نظرية شارل ساندرز بورس Charles Senders PEIRCE (1839-1914م) السيميوطيقية([6]) بالسيميائية ذات المنزع المنطقي، كما اشتهرت بالتحديد الشامل والأكثر عمومية الذي أعطته لعلم العلامة، من حيث أن بورس جعل من العلامة ونسقها أساسا للعالم، يقول عن ذلك إيميل بنفنيست: "إن بورس ينطلق من مفهوم العلامة لتعريف جميع عناصر العالم سواء كانت هذه العناصر مفردة أو عناصر متشابكة، حتى الإنسان – في نظر بورس – علامة، وكذلك مشاعره وأفكاره، ومن اللافت للنظر أن كل هذه العلامات، في نهاية الأمر، لا تحيل إلى شيء سوى علامات أخرى"([7])، فهي [أي العلامة ] تقدم نفسها متجاوزة للمعطى المباشر باعتبار انتمائها إلى صفة الإنساني، وهي تتسرب إلى الذهن كفكرة عن الشيء، وليس الشيء ذاته، محيلة العالم إلى تمفصلات ممكنة للمعنى، وهي بالإضافة إلى ذلك تقدم نفسها إلى المتلقي كوحدة موضوعية ممتلئة بالتساؤلات حول المعنى الذي يحيل إلى  التساؤل عن معنى النشاط الإنساني وعن معنى التاريخ، داخل نسق من التوالد اللامتناهي للتدليل، والذي استوجب من إميل بنفنست إقرارا بوجود اختلاف بين العلامة والمدلول حتى لا تندثر العلامة، خاصة وأن أمر اكتفائها بذاتها أمر مستحيل ما دام "الأول" يحيل على " الثاني" عبر " "ثالث" هو نفسه قابل لأن يتحول إلى " أول " يحيل على " ثان" عبر " ثالث" جديد.([8])

إن تكوين العلامة  الثلاثي (ماثول- موضوع- مؤول) هو بالتحديد استعادة للتقسيم الثلاثي الذي يحكم عملية إدراك الكون، وضبط قوانينه كما يقول د. سعيد بنكراد ولهذا :" فإن استيعاب كنه العلامة وطرق اشتغالها ونمط الاحالات داخلها مشروط بفهم إواليات الإدراك الذي يستند ، عند بورس" إلى النوعية والاحاسيس (أول) ، وإلى الموجودات الفعلية  (ثان)، وإلى رابط الضرورة والفكر والقانون (ثالث). ومن السهل جدا وضع هذا الترابط  ضمن منطق الإحالات الخاصة بالعلامة: والأول يحيل على الثاني عبر أداة التوسط التي يمثلها الثالث. وبعبارة أخرى، فإن الأحاسيس والنوعيات هي معطيات عامة (أول) تُصب في الموجودات الفعلية (ثان) وذلك عبر قانون يضمن دوام الإحالة وتحديد وجودها استقبالا (ثالث)" ([9])، وسنمثل هذا التصور في الخطاطة التالية:

* السيرورة التأويلة عند بورس:

لقد ساهم شارل ساندرز بورس في بناء رؤيتنا للوقائع والعالم، من خلال تركيزه على ما تحمله الواقعة من طاقة لإنتاج الدلالة من جهة، ومن خلال اعتبار حضور العلامة الذي يغطي في الآن معا إنتاجها للمعنى وتلقيها له، حيث اهتم بالكيفية التي تنتج بها علامة ما علامات أخرى، كما أبرز وظيفة الدلالة المفتوحة "سيميوزيس" sémiosis ، أي السيرورة المؤدية إلى إنتاج الدلالة وتداولها والتي تتناسل فيها أنساق العلامات ودلالاتها دونما نهاية محتملة لتخومها، وخاصة ما يتعلق بمظاهر السلوك الثقافي، مع تأكيده على الطابع الثلاثي للعلامة الذي يتكون من ماثول «représentamen »( كمستوى تركيبي) وموضوع » « objet(كمستوى دلالي له علاقة بالعلامة) ومؤول  «interprétant » (كمستوى تداولي في علاقته بالعلامة) والذي يعتبر حجر الزاوية في تعريف ووجود هذه العلامة، وفي أشكال تجلياتها، وهو يستقي عناصر تأويله من مصادر متنوعة منها الثقافي والأيديولوجي والخرافي والأسطوري والديني، فبورس يرى أن كل مفهوم معرفي إذا ما فُهم على أنه علامة أو رمز فله ثلاث وظائف أساسية هي الوظيفة: الأيقونية والإشارية والرمزية، من تم، فالسيميائيات في نظر بورس، وكما يعرفها السيميائي المغربي د. سعيد بنكراد: "ليست صنافة جامدة تدرج أنواع العلامات في خانة قارة بشكل نهائي، إنها، على العكس من ذلك، ترد كل الأنساق إلى حركية الفعل الإنساني، إنها تجعل من الانسان علامة وتجعل منه صانعا للعلامة وتقدمه كضحية لها في نفس الآن" ([10])

وينتقل هذا الحضور داخل الفعل الإنساني بين الماضي والمستقبل دون قطيعة بالنسبة للإحالات التي تولدها العلامة في الحاضر من حيث أن استيعابها في شكلها الكلي لا يقول بموتها، بل يوحي بانتقالها إلى نسق دلالي جديد ينبعث من قابلتيها للامتداد في فعل العلامة واستمرارها في الذات المؤولة، بمعنى أن العلامات الثقافية لها دلالتها المحلية المرحلية التي تحيل عليها العلامات مباشرة، أي دلالة المعنى الحقيقي المباشر DENOTATION وهي دلالة عينية، لكن هذه العلامات تتحول إلى دوال ذات دلالة أخرى في مرحلة أخرى مشبعة بالإيحاء، أو ما يسمى بظلال الدلالة CONNOTATION وهي دلالة مجازية، كما سنبينها هنا

واقترح رولان بارت في كتابه"الأساطير" ما يشكل حقل الدوال حقل العبارة، وما يشكل حقل المدلولات، حقل المحتوى كما رسمناه هنا في  الترسيمة التالية: التدليل الرئيسي عند بارت  

يرى بارت، حسب الشكل الذي اقترحناه أعلاه، أن باقة الورد مجرد دال إذا كانت العاطفة دلالتها، وهكذا يكون لدينا مصطلح جديد: هو العلامة- التي هي نفسها باقة الورد- نتج عن اتحاد الدال والمدلول معا في "باقة الورد" ، ولهذا فباقة الورد هي علامة نتجت عن اتحاد الدال والمدلول، وهي بوصفها كذلك تختلف عن باقة الورد بوصفها دالا أي بوصفها وحدة زراعية نباتية، فباقة الورد كدال شأنها في ذلك شأن الدال اللغوي، مفرغة من الدلالة، لكنها كعلامة تكون مشحونة بالدلالة لا بسبب وجودها كنبات، ولكن نتيجة المزج الحاصل بين القصد البشري وطبيعة المجتمع وصيغ أعرافه وتقاليده وأدوات اتصاله.

إن التطور الحاصل في مجال السيميائيات، انتقل بفعل تأثير جماعة موسكو تارتو (école tatu) إلى سميائيات ثقافية تنظر إلى الثقافة على أنها من المولدات القوية للمعنى، على اعتبار أنها نظاما دالا كبيرا Macro Système حسب يوري لوتمان Youri Loutmanالتي بلور فيها فياتشلاف. ف. إيفانوف v.v.Ivanov مفهوم"النموذج" فوصفت الأنظمة السيميائية بكونها أنظمة مندمجة يؤسس فيها العالم أساس التصور المحمول في اللغة، على اعتبار: "أن اللغة الطبيعية تحمل في طياتها "نسقا للعالم"، أي أن البشر يودعون في اللغة نظرتهم للعالم "([11]).

 سميائيات الثقافة

لقد أصبح الإنسان مدركا للأشياء من خلال بعدها الرمزي، غير منفصلة عن نسق ما من العلامات التي تحدد تكامله وانسجاميته كل المعاني المودعة خلسة في النصوص المشتملة على تلك الأشياء، والتي يتم تأويلها وفق غايات نفعية مرتبطة بما يوفره المحيط والقارئ والسياقات الخارج – نصية من إمكانية لإنتاج المعاني الناتجة عن العناصر التأويلية التي تمنحه انفتاحه وتنوعه، وتعود إلى الأيديولوجيا والأسطورة والدين.

  المؤنث وذكورية المنهج السيميائي

تقارب الكتابة النسائية موضوعا مُغلَّفا بالعديد من الطابوهات التي تتوالد في اللغة من جهة، وفي المناهج النقدية من جهة أخرى من حيث أن : الجندر"- على عكس النقد الجنثوي المعني بالكتابة الأنثوية- وعلى عكس مفهوم  "الأنثوية " في فكر ما بعد البنيوية هي استكشاف لكل ما ينجم عن نظام الجنس التكويني والجنوسة من حفر أيديولوجي وتأثيرات أدبية"([12]).

 إن سيطرة الرجل على السياقات اللغوية المتنوعة بما فيها الخطاب الرمزي بكل أشكال الدعم الديني ،الفلسفي، القانوني والأدبي والفني، جعلته يعزز مركزيته القضيبية Phallogocentrisme، بما هي منظومة تجعل الكتابة موضوع تهميش ومحو، وتُعلي سلطة القضيب والقيم التي تجعل الرجل سيد المرأة، وتجعل التفكير تأكيدا للهوية وإنكارا للاختلاف، من ذلك اعتبر الرجل مجال اللغة بشكل خاص مجالا حيويا مَوْضَع فيه رؤيته للعالم، واختصره إلى مصطلحات تنتمي لهذه المركزية، كما أخضع لسلطته الأشياء والأشخاص بما فيها المرأة التي لم تعد كما في السابق: "كائنا شفاهيا لا تملك سوى الخطاب الشفوي البسيط الذي ظلت المرأة محبوسة فيه على مدى قرون من التاريخ والثقافة. ولم تعد كائنا ليليا لا تحكي إلا في الليل ولا تتمثل لها اللغة إلا تحت جنح الظلام، وإذا حل الصباح سكتت عن الكلام المباح" ([13]).

فعندما تُقارَب وضعية المرأة من طرف المنهج البنيوي تصطدم صورة المرأة بلغة تنتشي بعمق ذكوريتها، ونفس الصورة تنتجها بعض المناهج الثقافية مابعد البنيوية، كالبنيوية التكوينية والسيميائيات التي تتعاظم فيها نظرة الإقصاء ودونية المرأة لسببين:

أولا: بسبب البناء الذكوري للمفاهيم.

ثانيا: بسبب البعد السياقي، الذي يضيف الحضور والتألق للمناهج الثقافية، ويُذكي الاغتراب الثقافي للنساء، الشيء الذي دفع بالمرأة وفئة الكاتبات خصوصا إلى الكتابة بالجسد للتعبيرعن الحضور الذاتي لمواجهة الخطاب الذكوري المركزي.

إن الجسد الأنثوي يمنحنا كمتلقين بؤرة التفاعل مع ثقافة مجتمع ما، ومن هنا نستخلص أن النموذج المثالي للجسد هو الذي يعزل باستمرار كل الاختلافات حول طبيعته المادية إلى حدود التحييد الشامل للإختلاف الجنسي، ليصبح جسدا صافيا خاليا من كل الأبعاد الدلالية التي أُلصقت به. فالجسد الأنثوي يجعل النص السردي مكشوفَ كل الأبعاد الإنسانية، ويتمثل في مادية النص وقد أكد د. سعيد بنكراد على أن غياب الجسد الأنثوي داخل النص الروائي بمثابة غياب للنص ككل (جاء ذلك في سياق تطرقه بالتحليل لرواية الضوء الهارب لمحمد برادة،([14])، وقد طرح سببين لتعليل ذلك حيث قال: " يكمن الأول في أنه إذا كان بالإمكان التخلص من بعض الشخصيات الرجالية دون الإخلال ببناء النص، فإنه يستحيل فعل ذلك مع شخصية نسائية واحدة دون أن تنهار الرواية. ويعود الثاني إلى أن الخطاب في كليته مؤسس على "دورة كلامية" تقود من "أنا" مذكرة تؤسس عالمها انطلاقا من "أنتِ" مؤنثة. إن أي إخلال بهذا "النظام التلفُّظي" هو إخلال بنظام القيم المبثوثة في النص."([15]).

إن الجسد الأنثوي ينتمي بقوة القيم الاجتماعية إلى الحقل السيميائي وخاصة الحقل التواصلي، فالجسد الأنثوي في النص الأدبي يتحرك باعتباره أفقا سرديا مشمولا بضرورة الحضور الفيزيائي،  وخاصة حضور النسق الابستمولوجي للثنائيات الذي يجعل السيميائيات منهجا ثقافيا، ولهذا فأنتَ لوحده في السرد عقم تُؤدي في النهاية إلى سرد نرجسي يتمركز حول ذاته، من هذا المعنى، فالذكر بالسرد لا يتمكن من الحضور المطلق، الفاعل، المقدس إلا بوجود أنتِ المؤنثة، من حيث أن الرجل لايستطيع أن يتحدد بوصفه رجلا إلا من خلال مقابل له، أي المرأة، والتي يضعها على أنها آخر أو "لا رجل"، فهو هنا لايخص نفسه بقيمة إيجابية إن لم يخصها هي بقيمة سلبية مقابلة، ولذا لا تكون المرأة مجرد آخر مطلق بل هي "آخر" متعلق بالرجل صميميا بوصفها الصورة لما ليس هو، وهكذا يحتاج الرجل إلى هذا الآخر كي يكون ماهو عليه في النسق الثقافي، حتى وهو يقصيه ويهمشه، ولهذا فالحضور المطلوب هنا هو حضور شكلي يمنح المرأة الدور الثانوي الحريمي، بما هي غائبة عن الفضاء العام ومكان القرار، وحاضرة في فضاءات ذات الطابع الحريمي والأنثوي، ويأتي حضورها الشكلي فقط ليعيد التوازنات لمكونين ذكوريين أساسين هما :

1 النظام التلفظي.

 فحيث أن هناك علاقة وطيدة تربط بين الكلمة/ اللغة والسلطة لدرجة أن رغبة أحدهما تتحقق في الاستيلاء على الآخر، يصبح خطاب اللغة بالسرد سلطويا يحافظ على صورة الذكر بصورة آلية، لأن أي تغيير في هذا الخطاب يفترض اقتسام هذه الامتيازات مع المؤنث، ويعني ذلك نفوذا أقل للمذكر، ولهذا فحضور المرأة يمنح الذكر كلية الحضور، ويمنحه سلطة المراقبة والفعل، ولهذا فالنظام اللغوي التلفظي يعمق الاختلافات بين الجنسين.

الإخلال بنظام القيم المبثوثة في النص.2

إن العمل الأدبي يقرؤنا بقدر ما نقرؤه، والقيم المبثوثة في النص هي قيم مجتمع تأسست على إقصاء الأنثى كجوهر، والإبقاء عليها في الهامش لتحيل فقط على الجسد العام وتميزه، وهذا الوضع يحتاج نقدا شموليا مغايرا تماما لما سبقه، لتفكيك الترابط الغامض الذي يترسخ عبر وساطة القراءة واللغة، فالرسالة الغامضة تجعل المُرسَل إليه غامضا بتعبير رومان ياكوبسون، وهذا الغموض يعتبر من أهم أدوات السلطة، ولهذا لا يبرز تفوق الذكر الحامل لرؤية وقيم مجتمع ذكوري إلا مع وجود الأنثى، حيث وجودها الضروري بالسرد يعزز العلاقة السلطوية بين المرسل العارف (كامل العقل) والمرسل إليه الجاهل (نصف عقل)، وأعتقد أن الجسد العام المعني هنا يُغَلِّبُ الجسد المذكر على المؤنث.

إن الجمع التشاركي بين الذكورة والأنوثة يجعل من الأنوثة دالا وتصبح الذكورة هي المدلول، أما العلاقة بين هذه الثنائية فهي تنتج الحد الثالث أي تصبح هنا الأنوثة علامة، وهي بوصفها كذلك مختلفة كليا عن الأنوثة بوصفها دالا، وبهذا المعنى وحسب السيرورة التأويلية لبورس يكون المذكر معطىً عاما يحيل على المؤنث عبر قانون النسق الثقافي.(أنظر الجدول التالي)

المؤنث في البناء السردي السيميائي

إن الأنوثة هنا باعتبارها دالا فهي فارغة، أما كعلامة فهي مليئة بنفس قيم المجتمع المألوفة، فأنتِ المؤنثة بالسرد عندما تغيب يغيب المدلول المحدد وهو التميُّز الذكوري، ولهذا أصبحت الأنثى علامة، ومن ذلك ينهار السرد بدون أنثى في المنهج السيميائي، إذ حضورها الشكلي بالسرد، يجعل المذكر قويا ومتميِّزا في مرتبة اللغة والمجتمع.

خاتمة

جاء المنهج التفكيكي بعد ذلك معتمدا على منهجية الحفر والتنقيب فيما هو مغيب في الخطاب الفلسفي والأدبي، متخذا من الانفتاح على النص وعلى إمكانياته التأويلية مَعْبَرا واستراتيجية لفتح التأويل على مصراعيه، كما احتفل بذلك جاك ديريدا في نصوصه النقدية التي تُقْرِن عملية قراءة النص بعملية فض "بكارة" أنثى أسطورية، بمجرد "اختراق" غشاء بكارة النص، يلتئم الغشاء من جديد ليعود النص بكرا ينتشي بحالة عذريته واستعصائه على قارئه، وهو يحقق في القراءات المتتالية للنص نفسه عملية إرجاء مستمرة للمعنى، ولم يتم تجاهل نتائج الدراسات النفسية والاجتماعية والجمالية ومناهج النقد الأدبي المعاصر، وخاصة جمالية التلقي والتفكيك والنقد الثقافي كما تم تجاهلها مع البنيويين والشكلانيين الذين ركزوا فقط على التحليل الألسني للنص

المراجع

  1. - د. بنكراد سعيد، " السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها" منشورات الزمن، شرفات، الكتاب رقم: 11، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، سنة: 2003، ص: 16.
  2. - بارت رولان،" النقد والحقيقة" ترجمة إبراهيم الخطيب، مراجعة: محمد برادة، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، الطبعة الأولى، سنة: 1985، الصفحة: 120.
  3. - جاريتي ميشيل،" النقد الأدبي الفرنسي في القرن العشرين"، ترجمة د. محمد أحمد طجو، النشر العلمي والمطابع، جامعة الملك سعود، الرياض، الطبعة الأولى، سنة 2004، ص: 73.
  4. - الغانمي سعيد، "معرفة الآخر مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة" تأليف جماعي، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، الطبعة الأولى، حزيران 1990، ص: 58.
  5. - بنفنيست إيميل، "سميولوجيا اللغة في أنظمة العلامات" تعريب حنون مبارك، مجلة دراسات أدبية ولسانية، المغرب، عدد: 2 ، سنة: 1986، ص: 172-173.
  6. -Benveniste (Emile) : Problèmes de linguistique générale Π , éd Gallimard,
  7. - د. بنكراد سعيد، "المؤول والعلامة والتأويل –بصدد بورس- " مجلة علامات ، العدد: 9 سنة 1998، ص: 93..
  8. - د.بنكراد سعيد، " السيميائيات والتأويل، مدخل لسيميائيات ش.س.بورس" المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة: 2005، ص: 28.
  9. - عواد علي وآخرون: معرفة الآخر.." نفس المرجع السابق، ص 107.
  10. - د. الرويلي ميجان ود. البازعي سعد " دليل الناقد الأدبي.." نفس المرجع السابق، ص: 152
  11. - الغذامي محمد عبد الله: المرأة واللغة – 2 – ثقافة الوهم مقاربة حول المرأة والجسد واللغة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،الطبعة الأولى، سنة: 1998، ص: 128.
  12. - د. بنكراد سعيد ، الجسد بين السرد ومقتضيات المشهد الجنسي، مجلة علامات، العدد: 6، سنة 1996،ص: 28. التشديد منّي
 
 
المنهج السيميائي: من سؤال النقد الأدبي إلى السؤال المرجعي للمؤنث
Partager cet article
Repost0
27 juin 2025 5 27 /06 /juin /2025 16:47
نقد الشعر المغربي وإشكالية المنهج بين سؤال التغريب والخصوصية

:نقد الشعر المغربي وإشكالية المنهج

بين سؤال التغريب والخصوصية

الباحثة: زينب الكرت

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه، بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة،

بإشراف: دة ربيعة بنويس

دراسة محكمة

الملخص

شهدت الساحة النقدية المغربية محاولات سعت إلى تتبع التجربة الشعرية المعاصرة بالمغرب، و رصد علاقتهما بالتجربة الشعرية في المشرق، هكذا شكلت التجربة الستينية في المغرب ،التي مثلها الشعراء الرواد، المتن الاول للحركة النقدية المعاصرة موضوعا لها و جعلته مدارات التحليل و النقد انطلاقا من زوايا متعددة. وفي ذلك يتداخل البحث العلمي الوصفي الكتابات ذات الطابع الصحفي والجدلي العابر.

إن العديد من الدراسات النقدية المغربية الرصينة انبثقت الانبثاق الواضح بين رحاب الدرس الجامعي الأكاديمي و شكلت لحظة مضيئة في سيرورة هذا النقد. وتبعا لذلك فهي تمثل لبنات الحركة النقدية المعاصرة التي واكبت جزءا من هذا المشهد الشعري المعاصر. و قامت بدور لا  يمكن التغافل عنه ولا التغافل عما أسهمت به نظريا و منهجيا و إجرائيا.

الكلمات المفاتحية: النقد الأدبي المغربي - الشعر المعاصر -المنهجية النقدية -تطور الشعر.

Abstract :

The Moroccan critical arena has witnessed attempts to trace the contemporary poetic experience in Morocco and monitor its relationship with the poetic experience in the East. Thus, the 1960s experience in Morocco, represented by pioneering poets, formed the primary body of the contemporary critical movement, subject to analysis and criticism from multiple angles. In this context, descriptive scientific research intersects with journalistic and polemical writings.

Many solid Moroccan critical studies have clearly emerged within the confines of academic university studies and constitute a shining moment in the development of this criticism. Consequently, they represent the building blocks of the contemporary critical movement that has accompanied a portion of this contemporary poetic scene. They have played a role that cannot be overlooked, nor can their theoretical, methodological, and procedural contributions.

Keywords: Moroccan literary criticism - Contemporary poetry - Critical methodology - Poetic evolution.

تمهيد

كان ميلادُ القصيدة الشعرية المغربية المعاصرة، بداية الستينيّات من القرن الماضي، إيذانًا بدخول الإبداع الشعريّ بالمغرب ضمن دائرة من التحوّلات الجوهريّة التي مسّت معنى الشعر ومغزى تلقّيه، إنّه الميلاد الذي تأخّرَ، بأكثر من عَقد ونصف، عن مثيله الذي انطلق في المشرق منذ النصف الثاني من عَقد الأربعينات. واكبَت هذا التحوّلَ في المشرق ديناميةٌ نقديّة سعَت، منذ خمسينات القرن الماضي، إلى رصْد تجلياته في بناء القصيدة نصّيًّا وفي بناء المعنى، بصورة ساهمتْ في إنتاج خطاب نقديّ عن الشعر العربيّ المُعاصر، انطلاقًا ممّا أسّستْه مثلا مجلّة "شعر"، التي صدر عددها الأوّل منذ عام 1957، أمّا نقد الشعر المعاصر في المغرب فلم يَشهد انطلاقاته الواضحة إلّا في سبعينات القرن الماضي بعد أن تسنّى للشعر المغربيّ المعاصر أن يراكم نصوصًا للشعراء الرواد أمثال محمد الخمار الكنوني وأحمد المجاطي ومحمد السرغيني ومحمد الميموني وعبد الكريم الطبال وغيرهم.

هكذا شهدت الساحة النقدية المغربية مُحاوَلات سعَت إلى تتبّع التجربة الشعرية المعاصرة في المغرب، ورصد علاقتها بالتجربة الشعريّة في المشرق، حيث شكّلت التجربة الستينيّة في المغرب، التي مثّلها الشعراء الرواد، المتنَ الأوّل للحركة النقديّة المعاصرة. إذ برزت حركة نقدية نشيطة تناوَلت الشعر المغربي المعاصر موضوعًا لها وجعلتْهُ مدارًا للتحليل والنقد انطلاقا من زوايا متعددة، وفي ذلك يتداخل البحث العلمي الوصفي بالكتابات ذات الطابع الصحفي والجدلي العابر.

إذا كانت الكتابات ذات الطابع الصحفي العابر لا تعنينا هنا، فان العديد من الدراسات النقدية المغربية الرصينة انبثقت الانبثاق الواضح من بين رحاب الدرس الجامعيّ الأكاديمي وشكّلت لحظة مضيئة في سيرورة هذا النقد، وتبعًا لذلك، فهي تُمثّل لبنات الحركة النقدية المعاصرة التي واكبت جزءًا من المشهد الشعريّ المعاصر، وقامت بدور لا يمكن التغافل عنه ولا التغافل عمّا أسهمَت به نظريًّا ومنهجيًّا وإجرائيًّا.

يصعب حصر كلّ المساهمين في نقد الشعر المغربي المعاصر الذي يسعى مقالنا إلى الانتماء إليه والمشاركة في إسهاماته. فالدور الذي نهض به نقاد الشعر المعاصر إنجازٌ ساهم فيه شعراء ونقاد، إذ من المشاركين فيه من الشعراء محمد السرغيني وأحمد المجاطي ومحمد بنيس وعبد الله راجع وغيرهم، أما من النقاد فنذكر نجيب العوفي وإدريس الناقوري وأحمد أعراب الطريسي.

سنحاول في هذه الورقة أن نستنطق جزءًا من هاته الإسهامات النقدية التي تعتبر لبنات أولى في صرح التجربة النقديّة المعاصرة بالمغرب، وذلك بالتمثيل لها، على النحو الذي يسمحُ باستجلاء جانب من اهتمامات هذا النقد.

اولا:الشعر المعاصر وإشكال منهج القراءة

عندما تسنى للشعر المغربي المعاصر بَعد عَقدٍ من ميلاده أن يَتحوّل إلى ظاهرة أو أن يُدرَكَ بوصفه ظاهرةً تدعو إلى التحليل والتفسير، بدأ التفكيرُ في دراسته بناءً على مُقتضيات المنهج الذي يُسعفُ في النهوض بهذا التحليل والتفسير، وبذلك كان تناوُل ظاهرة الشعر المغربيّ المعاصر مُرتبطًا بسؤال منهج القراءة ولاسيما في الدراسات الأكاديميّة لمّا صارَت الأبحاث الجامعيّة تُدمجُ موضوعَ هذا الشعر ضمْن انشغالاتها، وقد جسّدت أطروحة محمد بنيس نموذجًا من الدراسات التي انشغلت بسؤال المنهج في قراءة الشعر المغربي المعاصر بغاية إضاءة بنيته الداخليّة وعلاقته بالتحوّلات الاجتماعيّة والتاريخيّة، وهي الأطروحة التي نُشرت بُعيْد مُناقشتها في كتاب يحمل عنوان: ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينيّة.

يبدو من خلال عنوان الكتاب، أنّ محمد بنيس يتحفّظ في نعْت الشعر، الذي اتّخذه متنًا للدراسة، بصفة المغربيّ، إذ حرص على صياغة عنوانه بتركيب لغويّ يدلّ على أنّ الشعر، الذي شكّل موضوعَ بحثه، لم يَبلغ بعدُ ما يجعله مُمتلكًا للخصائص التي تُخوِّلُ له صفة المغربيّ. وهو أمرٌ يطرحُ سؤالًا معقّدًا هو: ما الذي يجعل الشعر ممتلكًا لهذه الصفة؟ إذ لا يكفي، في امتلاك هذه الصفة، أن يكون الشعر من إنتاج مغاربة كما لا يكفي أن يكون صادرًا في المغرب، إنّه إشكالٌ دقيق أثاره محمد بنيس منذ عنوان كتابه، لكنّه لم يُبلور أجوبة بشأنه، بقدر ما صاغ بحسّ نقديّ أحكامًا وعمل على دعمها، وهي أحكام قابلة، كما هي حال كلّ حكم نقديّ، إلى المراجعة.

رام محمد بنيس في كتابه ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينيّة، مقاربة مجاليْن؛ الأوّل مختصّ بقراءة الشعر المعاصر في المغرب من البدايات إلى الامتداد، وهي الفترة التي حصرها بين 1964 و1975، والمجال الثاني انصبّ على "وعي إشكاليّة المنهج"[1]، مزاوجًا في ذلك بين قراءة الظاهرة الشعريّة ومنهجها.

كان إشكال المنهج الذي يتعيّنُ اعتماده في مقاربة ظاهرة الشعر المعاصر موَجّهًا للعمل وحاضرًا في الطريقة التي تناولَ بها محمد بنيس هذه الظاهرة، يعود هذا الحضور القويّ للوعي بإشكاليّة المنهج إلى أمْريْن: الأوّل كون هذا الوعي، في الأساس العميق الذي حاولنا إثارته مما تقدّم، حصيلةً لما تَراكَمَ في تاريخ نقد الشعر الحديث بالمغرب، منذ كان هذا النقد انطباعيًّا إلى حين بلوَرته لمعاييره ولطرائق مقارباته، أمّا الأمر الثاني، فيرجعُ إلى ما عرفته الأبحاث العالميّة منذ ستينيّات القرن الماضي بشأن موجة البنيويّة لمّا تبنّاها دارسو الأدب. وهي الموجة التي تميّزت، في البدء، بطابعها الشكلاني الذي وجّه كلَّ اهتمامه إلى بنية النصّ الداخليّة متجاهلًا علاقة هذه البنية بالمجتمع وبالتاريخ، إنّه الطابع الذي حرصَ محمد بنيس، في دراسته لظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، على التنبيه على حدوده، يقول: "إنّ الدعوة المتصاعدة إلى تبنّي الشكلانيّة كاختيار وحيد لقراءة النص أضحَت شبه ملموسة، ولا تقلّ خطورتها عن خُطورة سيادة المناهج التقليديّة، ومن ثمّ فإنّ البعد عن مغبّة السقوط في شِراكِ الشكلانيّة كان حاضرًا في ذهني وأنا أقومُ باختيار المنهج والبحث عن وسائل تطبيقه دونما تجنٍّ على المتن أو الواقع"[2]، هذا الوعي بحدود المقاربة الشكلانيّة في دراسة الظاهرة التي يتناولها هو ما حدا بالدارس إلى اعتماد المنهج البنيويّ التكوينيّ.

في ضوء هذا المنهج، تناولَ محمد بنيس موضوعه في ثلاثة أبواب؛ خصّ الباب الأوّل للبنية السطحية وللبنية العميقة للمتْن المدروس، وعمل في الباب الثاني على الانتقال في المقاربة من داخل المتن إلى خارجه، وفي الباب الثالث، سعى إلى إدخال بنية المتن الداخليّة والخارجيّة ضمن بنية أوسع هي البنية الاجتماعيّة والتاريخيّة[3]، على نحو لم يكُن يفصل دراسة الظاهرة عن إشكال التفكير في المنهج الملائم لمقاربتها.

لم ينحصر الوعي بإشكال القراءة في اعتماد المنهج البنيوي التكوينيّ وحسب، بل ظهر في جوانب عديدة منها الحرص على تحديد موضوع الدراسة بدقة، ذلك ما أشار إليه محمد بنيس عندما شدّد على أنّ مجال تحليله يقتصر "على المتن الذي يجمع القصيدة الإيقاعيّة-الدلاليّة المكتوبة باللغة العربيّة الفصحى، والمنشورة في الجرائد والمجلّات والدواوين الشعريّة القليلة"[4]، إنّ هذا التشديد ذو أهمية بالغة، لأنه يستثني الشعر المكتوب باللغة الفرنسيّة والشعر الشعبي المصوغ باللغة الدارجة، وهما شعران أقرّ محمد بنيس بأهمّيتهما الكبيرة في متن الظاهرة التي يدرسها[5].

إلى جانب الوعي المنهجيّ بضرورة تحديد المتن المدروس في ضَوء الاختلاف الذي يَسِمُ موضوع الشعر المعاصر في المغرب، ثمّة أيضًا وعيٌ منهجيّ يَظهر بصورة لافتة في كتاب محمد بنيس انطلاقًا من الحِرص على ضَبط المصطلحات وتدقيقها بخلفيّة نظريّة يُمكن التمثيل إلى ذلك، بتمييزه بين مصطلحَي الشعر الحرّ والشعر المعاصر، مُهمِلاً الأوّل ومعتمدًا الثاني. فالأوّل، في نظره، "ليس إلّا فصلًا هشًّا وثانويًّا بين هذه الممارسة الشعريّة النوعيّة المستحدثة في العالم العربي، وبين ما سبقتها من ممارسات، والفصل عند الذين يسمّون هذه الممارسة المستحدثة بالشعر الحُرّ، يقوم أساسًا على تمييز القصيدة المعتمدة على قانون الشطريْن عن عموم القصيدة القائمة على وحدة التفعيلة"[6]، في حين، يرى محمد بنيس، أنّ الشعر الحرّ هو "خروج هامشيّ على القانون الشعريّ، وينحصر في مجال البنية الإيقاعيّة، تمّ استحضاره بشكل حيي وجانبيّ، أمّا الشعر المعاصر فقوانينه تتعدّى البنية الإيقاعيّة لتشمل مُتتاليات النص، وقوانين البلاغة"[7]، إنّها المتتاليات والقوانين التي حرص محمد بنيس على تحليلها في النصوص التي شكّلت متنَه، لأنّ الشعر المعاصر في نظره "لا تتحدّد قوانينه بالخروج على أسلوب الشطرين فقط، بقدر ما تتداخلُ مجموعة من القوانين الداخليّة للنصّ لتحدث جميعها ظاهرة تفصلها عن ما هو سابق عليها"[8].

إنّ إدراج دراسة محمد بنيس في سياق تفكير النقد الشعري المعاصر في إشكال المنهج نابعٌ من حضور الوعي المنهجي في كلّ أطوار الكتاب، بل إنّ صاحب الكتاب خصّ حيّزًا مهمّا لما سمّاه في مقدّمة كتابه بـ"تعريف منهجي"[9]، حرصَ من خلاله على تعليل انتقاله، في مقاربة الظاهرة المدروسة، من البنيويّة الشكلانيّة إلى البنيويّة التكوينيّة، وعلى تعليل الدوافع التي جعلته، من الناحية المنهجيّة، يُزاوج في هذه المقاربة بين الطبيعة اللغوية للنصّ الأدبي وضِمْنه الشعريّ والطبيعة الاجتماعيّة الجدليّة لهذا النصّ. وبذلك توجّهَ الباحث، في دراسته لظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، إلى استقراء البنية الداخليّة للمتن، ثمّ البحث عن تفسير ثقافيّ وتاريخيّ اجتماعيّ لهذه البنية.

إذا كان تاريخ نقد الشعر المعاصر في المغرب يحتفظ لكتاب "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينيّة" بدوره في الإسهام في ديناميّة هذا النقد بخلفيّة نظريّة ومنهجيّة، فإنّ هذا التاريخ يُسجّلُ أيضًا ما تضمّنه الكتاب من تعثّرات كانت موضوع مُساءلة في القراءات التي تناولته، فقد عُدّ المنهج البنيويّ التكوينيّ الذي اعتمده محمد بنيس في القراءة غيرَ مُنسجم مع النص الشعريّ، والعاملُ في عدم الانسجام هو أنّ هذا المنهج نشأ وتبلوَرَ في دراسة النص الروائيّ بوجه خاصّ، ومن ثمّ فإنّ الانتقال به إلى النص الشعريّ قد لا يتلاءم مع أسس هذا المنهج ومع طرائق اشتغاله، ولعلّ هذا المَأخذ هو ما تجلّى في هشاشة الأدلّة التي اعتمدها محمد بنيس عندما كان ينتقلُ من البنية الداخليّة للمتن إلى محاولة العثور على تفسير لهذه البنية في الجوانب الاجتماعية والتاريخيّة، فغالبًا ما بدا هذا الانتقال غير مُقنع، بل بدا في كثير من الأحيان قريبًا من إسقاط أحكام جاهزة على البنية الداخليّة للنصّ الشعريّ وليس توليدًا لهذه الأحكام من مسار تحليلي.

    ثانيا: ترسيخ الوعي بالمنهج في مقاربة القصيدة المعاصرة 

في سياق انشغال الدرس الأكاديميّ بالشعر المغربي المعاصر وانخراط الجامعة في إرساء نقد ذي خلفيّة نظرية ومنهجيّة، يندرج البحث الجامعيّ الذي أنجزَه عبد الله راجع عن القصيدة المغربيّة المعاصرة، مُكرِّسًا به هذا الانخراط، شأنه في ذلك شأن الكتاب السابق لمحمد بنيس، وهو البحث الذي نُشِر تحت عنوان: "القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد"، عاملًا على تقوية الوعي بإشكال القراءة التي تتطلّبها هذه القصيدة في ضوء مكاسب المناهج النقديّة الجديدة.

يُعدّ عبد الله راجع واحدًا من الشعراء المغاربة القلائل الذين زاوجوا - بحق- بين الإبداع الشعري والممارسة النقديّة، إذ ظلّ منشغلا بتطوير مُنجزه الشعريّ الحديث، كما أتاحَ له انشغالًه النظريّ والتزامه المعرفي الذي اكتسبه من ثقافته الأكاديمية أن يقدّم مقترَحًا نقديًّا لقراءة المنجَز الشعري المغربيّ، لاسيما المنجَز الشعري الذي أبدعَهُ أبناءُ جيله من شعراء السبعينات، وأن يفكر من داخل ممارسته الشعريّة فيما يخصّ تجربة الكتابة عنده بوجه خاص، كما في بيانه "الجنون المُعقلن".

درس عبد الله راجع في كتابه "القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد" النتاج الشعري لجيل السبعينات (محمد بنيس وأحمد بلبداوي وأحمد بنميمون، وعبد الله راجع...) الذي انعكسَت عليه أصداء الصراع الإيديولوجي والسياسي، وكان نتاجًا متفرّقا ومخترَقًا بأحكام قيمة مسبقة، ورؤى انطباعية متعسّفة، وقد صرّح عبد الله راجع منذ بداية الدراسة بحرصه على مقاربة نماذج لم يتناولها محمد بنيس في كتابه "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب"؛ يقول: "رغبتي في الواقع إنما تقود إلى حضور متن شعريّ لم تواكبه دراسة نقدية تحليلية تشذب منه وتغذيه، فدراسة الصديق محمد بنيس ركزت على أغلب الأسماء التي كان لها حضورها القوي في الساحة الشعرية خلال مرحلة الستينات وبداية السبعينات،وكان لدي إحساس قوي، بأن الأسماء التي ظهرت بعد هذه الفترة يملك الكثير منها نكهة متميزة ومذاقا مغايرًا لما كان سائدًا في الستينات، فكان لزاما علي ألّا أغضّ الطرف عن هذا الحضور القويّ والمتميز لمتن شعريّ ينبغي فحصه والتمعّن فيه"[10]، ورغم أنّ المتن الذي انبنَت عليه مقاربة عبد الله راجع ركّز على المرحلة السبعينيّة، فإنّ دراسته بقيَت محكومةً، من الزاوية المنهجيّة، بصِلات قويّة بدراسة محمد بنيس.

تجلّت هذه الصِّلات المنهجيّة في حِرص عبد الله راجع على تقديم قراءةٍ تحتكم إلى المنهج النقديِّ نفسِه الذي اعتمدَته دراسة محمد بنيس، أي المنهج البنيويّ التكويني، وبذلك، فإنّ الدراستيْن تتقاطعان في المنهج المُعتمَد، وفي وَعيهما القويّ بأنّ مُقاربة الشعر المغربي المعاصر تطرح أسئلةً مركزيّة بشأن إشكال القراءة ومتطلّبات هذه القراءة منهجيًّا وإجرائيًّا، تبعًا لذلك، اعتمدَ عبد الله راجع، في توَسّله بالمنهج البنيويّ التكوينيّ، على إجراء من صميم هذا المنهج، وهو الانتقال من الفهم، الذي ارتبط في دراسته بوصف البنية الداخليّة للمتن المدروس وتحليلها، إلى التفسير، بما يتطلّبه من ربْط هذه البنية بالمجتمع وبالتاريخ، وبما سمّاه عبد الله راجع بالمساحات "الثقافية والنفسيّة والواقعيّة التي تمخّض عنها المتن الشعريّ مُتأثرًا بها ومؤثّرا فيها"[11].

إلى جانب اعتماد المنهج البنيوي التكوينيّ، استندَت دراسة عبد الله راجع، من الناحية المنهجيّة، إلى مفاهيم مُستمدّة من البحث الأسلوبيّ والبلاغيّ الجديد، ولاسيما عند دراسته لبنية اللغة الشعرية (المعيار والانزياح والتضاد والسياق والتناصّ)، مُفيدًا من نظرية الانزياح عند جون كوهين، أو عند دراسته للبنية الإيقاعيّة (الوقفة والقافية والتشكيل الإيقاعي وبحر الخبب) أو البناء المعماري - الدرامي البسيط والمعقد- التصاعدي الذي ربطه بمعاناة الشاعر النفسية من واقع مضطرب، ثم أثناء دراسته آليات المتخيل الشعري (الصورة، الرمز، الأسطورة)، منطلقًا من إدراكه لقدرة هذه الآليات على نقل الأبعاد النفسية، وما تُحقّقه من انسجام بين الوظيفتين الدلاليّة والنفسية، وقد قصر بحثَهُ أساسًا على إبراز التشكّلات المحلّيّة لأسطورة برومثيوس، إذ رأى أن الروح البروميثية تسري في المتن الشعري المدروس، من خلال تركيزه على النماذج التاريخية التي تشدّدُ على فكرة الاستشهاد من أجل الآخر.

ومثلما حرص محمد بنيس على تحديدِ ما استثناه في مَتن الشعر المغربي الحديث، أي الشعر المكتوب بالفرنسيّة والشعر الشعبيّ، عملَ عبد الله راجع بدوره على حصْر متن دراسته في القصيدة المغربيّة المكتوبة بالعربيّة والقائمة على النظام التفعيليّ خلال السنوات العشر المسمّاة سنوات السبعينات[12]. إنّ هذا العنصر المشترك بين الدراستيْن يكشفُ عن ثلاثة أمور. الأوّل، يتعلّق بالأساس المنهجيّ الذي صار يُلزمُ الباحث بحصْر مَتن دراسته، انسجامًا مع الدقّة التي يقتضيها هذا الأساس، الأمر الثاني يُبيّنُ الوعيَ بأنّ الشعر المغربي لا ينحصر في القصائد المكتوبة باللغة العربيّة الفصيحة، وبأنّه يضمّ نصوصًا مكتوبة بالفرنسيّة، على نحو يجعل مهمّة نقد هذا الشعر تتطلّبُ معرفة باللغات وبالعربيّة الفصيحة وبالعامية، الأمر الثالث، يوضّحُ أنّ تناول النقاد للشعر المغربي المعاصر صار واعيًا باختلاف البناء النصّي في هذا الشعر، وذلك بتنصيص هؤلاء النقاد على التبايُنات التي تسِمُ القصيدة المغربيّة المُعاصرة من خلال التمييز فيها بين شعر التفعيلة وشعر قصيدة النثر.

انطلاقًا من الحسّ المنهجيّ الذي بدأ يتبلورُ بصورة دقيقة في كتاب "القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد"، عملَ عبد الله راجع على تناوُل عناصر بنائيّة في هذه القصيدة واتخاذها إجراءًا في التحليل والتأويل، ذلك ما اتّضح من تناوُله لنظام الإيقاع في القصيدة ولدَور هذا النظام في بناء الدلالة، فقد خصّص عبد الله راجع فصلًا كاملًا في كتابه لمناقشة بنية الإيقاع بحرص شديد على وَصْف هذه البنية وتحليليها قبل الكشف عن بُعدها الدلاليّ، لأنّ عبد الله راجع لم يكن يستسيغ فصْل الإيقاع عن الدلالة.

لقد غدا البُعد المنهجي في نقد الشعر المغربي المعاصر لافتًا في كتاب عبد الله راجع، فإلى جانب اعتماد المنهج البنيوي التكويني والحرص على رسْم حُدود المتن الشعريّ، هناك أيضًا تدقيق في المصطلحات والمفاهيم، ويمكن التمثيل لهذا الضبط المصطلحي من السَّعْي إلى تحديد الفرق بين مصطلح "الحديث" ومصطلح "المعاصر". عن المصطلح الثاني، يقول عبد الله راجع: "لهذا المصطلح وجهان، وجه يقوم على البعد الزمنيّ وآخر يتأسّس انطلاقًا من اعتبار المعاصرة حركة رؤيويّة بالأساس"[13]، وقد عدّ البُعد الرؤيويّ مركزيًّا في التحديد مقارنة بالبعد الزمنيّ، إذ رأى أنّ هناك شعراء مازالوا يكتبون، غير أنّ إنتاجاتهم الشعرية لا تندرجُ تحت المعاصَرة، لهذا نصّ على ضرورة مُراعاة البُعد الثاني، وهو البُعد "الذي يقوم على اعتبار المعاصرة حركة رؤيويّة، من تجلّياتها في المجال الشعريّ قلب الكثير من المفاهيم المترسّبة في الذهن عن الكتابة والإبداع الشعريّيْن"[14]. تبعًا لذلك، تحفّظ عبد الله راجع في عدّ الشعر الحرّ شعرًا معاصرًا، لأنّ الأول خروج جزئيّ عن نظام الشطرين، معوّضًا إياه بنظام الشطر الواحد، أمّا الشعر المعاصر في نظره فخروجٌ كلّيّ "لا عن الإيقاع المألوف بمفرده، بل عن اللغة ودلالاتها المألوفة، عن البناء المعماريّ للنصّ الشعريّ، عن كلّ ما كان، سابقًا، مبعث اطمئنان وهدوء، المعاصرة نسفٌ كلّيّ وبناء كلّيّ"[15].

تبقى الإشارة إلى أن كتاب عبد الله راجع هو تنامي الوعي بالأساس المنهجي في دراسة الشعر المعاصر، وظهور هذا الوعي في مستويات عديدة من الدراسة. كما أنّه كان واعيًا بضرورة بناء ذاكرة نقديّة معاصرة، انطلاقًا من تفاعله مع دراسات سابقة، ومع أسئلة سبقت إثارتها، من أمثلة ذلك حِرصه على وصف القصيدة بنعت المغربيّة، خلافًا لما قام به محمد بنيس عندما سمّى كتابه ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، وليس ظاهرة الشعر المغربي المعاصر، وفي هذا السياق، يقول عبد الله راجع: "كان بإمكاني أن أقول: القصيدة المعاصرة في المغرب ولا أقول القصيدة المغربيّة المعاصرة، لولا أنّ المتن الذي عكفتُ على دراسته ليس متنًا مُعاصرًا فحسب ولكنّه متن مغربيّ أيضًا، بمعنى أنّ صوت الواقع المغربيّ واضح فيه، وبصمات نفسيّة المبدع أشدّ وضوحًا فيه"[16]، ومع أنّ عبد الله راجع اعتمدَ نعت "المغربيّ" في وصف الشعر، إلّا أنّ تعليله للأمر يبدو غير كافٍ، لأنّ الشعر ليس انعكاسًا لواقع ولا يمكن لـ"مغربيّته" أن تقترن بعناصر خارجيّة، أي بعناصر من خارج الشعر.

إلى جانب كلّ ما تقدّم، عوّل عبد الله راجع بصورة رئيسة على مفهومَي الشهادة والاستشهاد في دراسة المتن الذي اختاره موضوعًا لكتابه، حتى عدّ المفهومَين في هذا المتن تجسيدًا لبنية، وتناوَلَهُما بوصفهما نسقًا، لا على المستوى النفسيّ والاجتماعي وحسب، بل أيضًا على المستوى اللغوي والإيقاعي والمعماري والخياليّ، انطلاقًا من تلاحُم الشكل بالمضمون.

يندرج كتاب "القصيدة المغربيّة المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد" ضمن مسار مُراكمة نقد الشعر المُعاصر لأسئلته النظريّة والتحليليّة بحسٍّ يعي أهمّية المنهج في إشكال القراءة، غير أنّ استمرار عبد الله راجع، على غرار ما قام به محمد بنيس، في اعتماد منهج نشَأ في دراسة النص الروائيّ والانتقال به إلى دراسة النص الشعريّ، كشفَ أيضًا حُدود هذا المنهج البنيوي التكوينيّ في مقاربة الشعر، وهو ما صرّح به عبد الله راجع في قوله: "لا سبيل إلى تطبيق فعليّ ودقيق لهذا المنهج"[17]، كما أنّ حِرصَ عبد الله راجع على إدماج التحليل النفسي في مُعالجةِ الشعر يَطرحُ مشاكل تُهدّد بإسقاط جوانب خارجية على القصيدة.ا

ثالثا: الشعر المعاصر من موقع الرافد الصوفي

بعد كتاب ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب لمحمد بنيس وكتاب "القصيدة المغربيّة المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد" لعبد الله راجع، ظهرَت دراسات أخرى اتّخذت من الشعر المغربيّ المعاصر متنًا لها، واعتمدَت زوايا أخرى في المقاربة والتحليل، من الزوايا التي اعتُمِدَتْ في دراسة الشعر المغربي المعاصر اتّخاذُ رافد نصّيّ من روافد البناء الشعريّ مُنطلقًا للتحليل والتأويل، وهو ما يمكنُ التمثيل له بكتاب "الصوفية في الشعر المغربي المعاصر: المفاهيم والتجليات" لمحمد بنعمارة.

حرص محمد بنعمارة على تناوُل موضوعه اعتمادًا على بابين، تناول الباب الأوّل سيرورة الاختلاف والتنوّع، وقد قسّمه الى فصلين، عالج فيهما دوافع الاختلاف وأسُسه، وركّز في الفصل الأول على أربعة مباحث:

بعد تناوله لمفهوم الصناعة الشعرية في المبحث الأول، عالج، في المبحث الثاني  أحد المفاهيم الحيويّة، الذي هو مفهوم التجربة الشعريّة، معتمدًا في إضاءة هذا المفهوم على المرجعيّة الصوفية وعلى آراء شعراء عرب معاصرين، أمّا المبحث الثالث، فخصّه للمَلمح الصوفي في الوعي الشعريّ انطلاقًا من التركيب اللغوي الذي ميّز فيه، اعتمادًا على المرجعيّة الصوفية، بين العبارة والإشارة، قبل أن يستدلّ على ذلك بنماذج من لغة الشاعر المغربي المعاصر محمد السرغيني، وفي السياق ذاته حرصَ الناقد على إضاءة جوانب أخرى من تجربة هذا الشاعر محمد السرغيني الذي جسّد في نظره الأثرَ القويّ للتصوف في بناء التجربة الشعرية؛ وفي المبحث الرابع، تناولَ محمد بنعمارة، اعتمادًا على الرافد الصوفي الذي اتّخذه منطلَقًا للقراءة، التعارُض الذي عاشه الشعراء المغاربة المعاصرون بين اتّساع الرؤيا وضيق العبارة، مُستثمرًا قولة النفري الشهيرة: "إذا اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارة"، وقد مثّل لهذا التعارض بنماذج شعريّة من تجربة محمد السرغيني وأحمد المجاطي وأحمد مفدي ومحمد بنطلحة.

في الفصل الثاني من الباب الأوّل، عالج محمد بنعمارة تجاربَ من الشعر المغربي المعاصر اعتمادًا على مداخل إجرائيّة مُستمدّة من المرجعيّة الصوفية، من هذه المداخل ما سمّاه بـ"كتابة الحرف"، و"الكتابة بالدم"، كاشفًا عن اتخاذ الشاعر المغربي الدّم حبرًا للكتابة، على نحو تحوّل فيه الرافد الصوفي المعتمَد في القراءة أساسَ بناء المعنى وبناء التأويل.

أمّا الباب الثاني من الكتاب، فخصّه المؤلِّف لدراسة "التجلّيات" الصوفية في مَتن الشعر المغربيّ المعاصر، انطلاقًا من التوظيف الصوفي للقرآن، وهو ما أضاءه اعتمادًا على إبراز علاقة الصوفيّة بالقرآن قبل أن ينتقل إلى رصْد حُضور القرآن في التركيب الشعريّ داخل نصوص الشعراء المغاربة المعاصرين، من التجليات الصوفية التي حلّلها محمد بنعمارة في الشعر المغربي المعاصر، ثمّة أيضًا البُعد الرمزي للأعداد والإشارات الحروفيّة والغنى الذي أضْفاه هذا البعد على البناء الشعريّ[18].

يُشكّل كتاب "الصوفية في الشعر المغربي المعاصر: المفاهيم والتجليات" لمحمد بنعمارة امتدادًا للوعي المنهجيّ الذي صار أحدَ أسُس نقد هذا الشعر، إذ شكّل مفهوم التناص، بصورة ضمنيّة، أساسًا من الأسُس النظريّة والمنهجيّة المعتمَدة في الكتاب، انطلاقا من رصْد مؤلِّفه للعلاقات النصيّة بين قصائد الشعراء وكتابات الصوفيّة، كما أنّ أطوار الدراسة التي أنجزها محمد بنعمارة توضّحُ حِرص النقد، في هذه المرحلة التي يُجسّدها هذا الكتاب، على مقاربة الشعر المغربي المعاصر انطلاقا من اقتفاء النصوص الغائبة فيه والعمل على تحليل دور هذه النصوص في إغناء التجربة الشعرية وفي بناء الدلالة.

إلى جانب ما تقدّم، يُشكّلُ كتاب محمد بنعمارة نموذجًا للدراسات التي اتخذَت مُنطلقًا مُحدَّدًا واعتمدته موَجِّهًا للتحليل والتأويل، وقد كان لافتًا أنّ المنطلق كان من صميم ما يبني النصّ الشعريّ شكلاً ودلالةً. وبذلك، يتّضح أنّ نقد الشعر المغربي المعاصر صار يُراكم وعيًا منهجيًّا تجسّدَ في طرائق التحليل وفي المستويات الإجرائيّة التي يعتمدها.

رابعا: نقد تجربة الشاعر الواحد

إنّ التراكُم الشعريّ الذي تحقّق في المشهد الثقافيّ المغربيّ يُلزمُ النقد دومًا بمُواكبَته وبتجديد أدوات قراءته وتحليله، حيث تمكّن الشاعر المغربي المعاصر من مُراكمة مجاميع شعريّة عديدة تسمحُ للنقد بأن يُقاربَ مفهومَ التجربة الكتابيّة لدى الشاعر الواحد، وبذلك غدا إنجاز دراسات عن الشاعر الواحد مَطلبًا نظريًّا ومنهجيًّا، في هذا السياق، ظهرَت دراسات تنصّ على ضرورة إنجاز مُقاربات عن تجربة الشاعر الواحد، لأنّ هذه المُقاربات هي التي يُمْكن أن تُبيّنَ عناصرَ التقاطع والاختلاف بين تجارب الشعر المغربيّ المعاصر وأن تقود إلى بناء أحكام نقديّة دقيقة عن هذه التجارب.

من الدراسات التي نصّت على ضرورة إنجاز بُحوث عن الشاعر الواحد في أفق تجميع عناصر الائتلاف والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر، يُمكن الإشارة إلى مؤلَّف "الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر" لخالد بلقاسم. هذا الكتاب الذي شدّد منذ مقدّمته على ضرورة تأجيل الحديث عن الشعر المغربيّ بوصفه بنيةً، معتبرًا أنّ هذا الحديث سابق لأوانه، ولم تتهيّأ له الدراسات التي يمكن أن تقود إليه، فمُقاربة الشعر المعاصر بوصفه بنية معناه أنّ النقد قد أنجزَ دراسات عن تجارب بعيْنها واستطاع أن يكشف عن أسس كلّ تجربة على حدة، وهو ما لم يتحقّق بعدُ في نقد الشعر المغربيّ المعاصر. في هذا السياق، يقول خالد بلقاسم عن دراسته: "تتخلّى هذه الدراسة عن مفهوم البنية في توصيف الشعر المغربيّ المعاصر، لا لمحدوديّة المفهوم في ذاته، وإنّما لاعتبارات منهجيّة تُعضدها وضعيّة نقد هذا الشعر، التي لم تنشغل بعدُ باستجلاء العناصر المحدّدة لتجربة الشاعر الواحد، على النحو الذي يُتيحُ مُقاربة العلاقة بين تجارب الشعراء في ضوء التجانس والاختلاف اللذيْن يُضيئان مفهوم البنية"[19].

إنّ مسار نقد الشعر المعاصر لم يُراكم، في نظر مؤلّف الكتاب، دراسات تفصيليّة دقيقة عن تجربة الشاعر الواحد، بما يسمحُ، بَعد توفّر هذه الدراسات عن الشعراء المغاربة المعاصرين، بالانتقال إلى الحديث عن الشعر المغربيّ المعاصر بصورة تستحضر الائتلاف والاختلاف بين تجاربه، لذلك من غير المُمكن الحديث، في هذه المرحلة من نقد الشعر المغربيّ المعاصر، عن هذا الشعر بوصفه بنيةً، ومن تم دعا المؤلّف إلى إنجاز دراسات سمّاها "أوّليّة"، أي الدراسات التي "تنهضُ بالمقاربة التفصيليّة لخطاب الشاعر الواحد من مواقع مختلفة يكون الشعر مُهيَّأً، دومًا، لفتحها"[20]، إنّها مهمّة مُعالجة نصوص الشاعر الواحد بإصدار كُتُب مُتفرّقة عنه، لأنّ هذه الكُتب تُمكّنُ، إن هي تناولَت شاعرًا بعينه، من إنتاج خطاب تفصيلي دقيق عن التجربة الواحدة، وكلّما تهيّأ للنقد أن يُحلّلَ بتفصيل تجارب مختلفة من الشعر المغربيّ المعاصر، إلّا وتسنّى له أن ينتقل حينئذ إلى الحديث عن هذا الشعر بوصفة بنيةً تتضمّنُ تقاطعَ التجارب واختلافاتها.

اِنطلاقًا من هذا التصور، حرصَ مؤلّف "الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر" على دراسة تجارب خمس شعراء مغاربة، مقترحًا مدخلاً قرائيّا خاصًّا لتأويل تجربة كلّ واحد منهم، ومع أنّ الشعراء الذين تناولهُم الباحث في مؤلّفه ينتمون جميعًا إلى ما عُرف بالمرحلة السبعينيّة، فقد قام بنقد مفهوم الجيل، وذلك باعتباره مفهومًا هشًّا لا يُحدّد الزمن الشعريّ الذي تنتمي إليه القصيدة بل يحدّدُ الزمن المقيس الذي يبقى بمنأى عن ضبط ما يبني القصائد ويقرّر ائتلافها واختلافها[21].

هكذا حصر الباحث مَتنَ دراسته في الأعمال الشعرية لمحمد بنيس ومحمد بنطلحة وأحمد بلبداوي والمهدي أخريف ومحمد الأشعري. حيث تناولَ كلَّ شاعر من شعراء المتن المدروس انطلاقًا من عمل شعريّ أو عمليْن؛ مؤكّدًا أنّ "ما راكمه هؤلاء الشعراء في مَسارهم الكتابي يقتضي دراسات أشمل ممّا أنجزناه"[22]، في سياق ذلك، قارب الباحث المجموعة الشعرية "نهر بين جنازتيْن" لمحمد بنيس اعتمادًا على افتراضٍ ذهبَ فيه إلى احتضار اللغة العربيّة خارج الكتابة وتجدُّد هذه اللغة في المُنجَز النصيّ والكتابيّ للشاعر، وقام بتأويل مجموعة "نشيد البجع" لمحمد بنطلحة انطلاقًا من قدرة التركيب الشعريّ لدى بنطلحة على التحرّر من الإكراه السياسيّ ومن إلزاماته، وعالج المجموعة الشعرية "تفاعيل كانت تسهر تحت الخنصر" لأحمد بلبداوي اعتمادًا على اللعبة الخطّيّة التي تقوم عليها الدلالة في هذه المجموعة الشعريّة، ثم حلّل أعمالًا شعريّة للمهدي أخريف بناءً على موضوعة أثيرة لديه وهي بناء تصوّر عن الكتابة بالكتابة، وفي الختام، الأخير خصّ الفصل الأخير لموضوع جسد المرأة في بناء الخطاب لدى محمد الأشعري.

لقد سعى مؤلّف الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر إلى إبراز أهميّة الدراسات الخاصّة بالشاعر الواحد، معتبرًا أنّ ما راكمه الشعراء المغاربة المعاصرون لم يخضع بعد للدراسة التفصيليّة التي يمكن أن تقود إلى الحديث عن الشعر المغربي بوجه عام، وبذلك، فالكتاب دعوة إلى إنجاز دراسات عن تجربة الشاعر الواحد.

خاتمة

إن الغايةَ من هذا المقال، الذي مثّلنا له ببعض المؤلفات النقديّة، هو تحقيق أمران أساسيّان، الأمر الأوّل: هو إبراز الدور الذي قام به مؤسّسو نقد الشعر المغربيّ الحديث، منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، في وَضْع اللبنات الأولى لهذا النقد، ثمّ التنصيص على أثر هذا الدور في ما أنجزهُ بعدَهُم نُقّاد الشعر المغربي المعاصر؛ إنّ الصِّلة بين النقديْن لا تظهرُ من القراءة المتسرّعة، إذ تحتاج إلى تثمين مجهود النقاد الرواد (محمد بن العباس القباج، عبد الله كنون، أحمد زياد وغيرهم) والانتباه إلى آفاقِ ما كانوا يؤسّسون له، باعتبار هذا التأسيس ممتدًّا بالإيجاب وبالسلب في أعمال نقاد الشعر المغربيّ المعاصر. أما الأمر الثاني: إبراز الحاجة الدائمة إلى صيانة ذاكرة نقد الشعر المغربيّ المعاصر من الانقطاع، فهذه الصيانة لا تتسنّى إلّا بوَصْل نقد الشعر المغربيّ الحديث بنقدِ الشعر المغربي المعاصر، فالانقطاع الذي وَسَمَ هذه الذاكرة، والذي نبّهَ عليه الكثيرُ من النقاد، يقتضي العملَ باستمرار على التصدّي له، وهو ما لا يستقيمُ إلاّ بثقافة الاعتراف بمجهود الرواد وبوَصْل اللاحق بالسابق.

لا ندّعي من وراء هذا المقال تطويقَ مسار نقد الشعر المغربيّ المعاصر، فهذا التطويق مهمّةٌ واسعة تحتاج إلى دراسات عديدة وإلى بحوث تنضافُ إلى ما قام به دارسون سابقون، فكانت الغاية هي التمثيل فقط لمسار نقد الشعر المغربيّ الحديث والمعاصر، بغاية الاعتراف بما أنجزَه النقاد السابقون.

لائحة المصادر والمراجع

عبد الله راجع، القصيدة المغربية المعاصرة، بنية الشهادة والاستشهاد، الجزء1، ضمن الأعمال الكاملة، الجزء الأول، منشورات وزارة الثقافة، دار المناهل، الرباط، ط1، 1988.

خالد بلقاسم، الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر، منشورات وزارة الثقافة، مطبعة المناهل، الرباط، ط1، 2007.

محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينيّة، دار العودة، بيروت، لبنان، ط1، 1979.

محمد بنعمارة، الصوفية في الشعر المغربي المعاصر "المفاهيم و التجليات"، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، ط 1،  2000.

[1]- محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينيّة، دار العودة، بيروت، لبنان، ط1، 1979، ص:9.

[2]- محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، ص:11.

[3]- نفسه، ص:11.

[4]- نفسه، ص:13.

[5]-عن الشعر المغربي المكتوب بالفرنسيّة، يقول محمد بنيس إنّ "له أهمّية بالغة، من حيث كونه وعيًا تاريخيًّا لفئة من الشعراء الذين تلقّوا تعليمهم في شروط استعماريّة أو راجعة لمخلّفات الاستعمار، وقد حقّق هذا الشعر على يد عبد اللطيف اللعبي، والطاهر بنجلون، ومصطفى النيسابوري، ومرسي زغلول، وعبد الكبير الخطيبي، وعبد العزيز المنصوري، ومحمد الواكيرة تطوّرًا خلّاقًا، لم تستطع الممارسة الشعرية باللغة العربيّة الفصحى أن تصل إليه". ويقول عن الشعر الشعبيّ، إنّه "من غير شكّ، من الأعمدة القويّة للممارسة الشعريّة بالمغرب قديمًا وحديثًا، اتّخذ اللغة الدارجة بالمغرب أداته التعبيريّة تارة، واللهجات الأخرى مرّة ثانية"، ص:14.

[6] - محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، م، س، ص:15.

[7]- نفسه، ص:14.

[8]- محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، ص:1

[9]- نفسه، ص:18-20. (بتصرف).

[10] عبد الله راجع، القصيدة المغربية المعاصرة، بنية الشهادة والاستشهاد، الجزء الأول، ضمن الأعمال الكاملة، الجزء الأول، منشورات وزارة الثقافة، دار المناهل، الرباط، 1988، ص: 5.

 [11]-- نفسه، ص:7.

[12]- عبد الله راجع، القصيدة المغربية المعاصرة، بنية الشهادة والاستشهاد، ص:7.

 [13]- نفسه، ص:9.

[14]- نفسه، ص:9.

[15]- عبد الله راجع، القصيدة المغربية المعاصرة، بنية الشهادة والاستشهاد، ص:9.

[16]- نفسه، ص:10.

[17]- نفسه، ص:17.

    [18] - محمد بنعمارة، الصوفية في الشعر المغربي المعاصر: المفاهيم والتجليات، شركة النشر و التوزيع المدارس، الدار البيضاء، ط1، 2000  ص:125.

[19]-خالد بلقاسم، الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر، منشورات وزارة الثقافة، مطبعة المناهل، الرباط، ط1، 2007، ص:4.

[20]- خالد بلقاسم، الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر، ص:5.

[21]- نفسه، ص:7.

[22]- نفسه، ص:7.

نقد الشعر المغربي وإشكالية المنهج بين سؤال التغريب والخصوصية
Partager cet article
Repost0
2 mai 2025 5 02 /05 /mai /2025 19:26
المدرسة المغربية ورهان الوقاية: تفعيل الحياة المدرسية لمواجهة العنف والانحراف
المدرسة المغربية ورهان الوقاية: تفعيل الحياة المدرسية لمواجهة العنف والانحراف

 

المدرسة المغربية ورهان الوقاية:

تفعيل الحياة المدرسية لمواجهة العنف والانحراف

The Moroccan School and the Challenge of Prevention: Activating School Life to Combat Violence and Deviation

د. عبد الغفور الوالي[1]

دراسة محكمة

ملخص:

نتناول من خلال هذا المقال التحديات التي تواجه المدرسة المغربية، مع التركيز على ظواهر العنف والانحراف في الوسط المدرسي، والتأكيد على دور المدرسة كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية والتعليم، مستعرضين انعكاسات التحولات السوسيواقتصادية على تزايد هذه الظواهر. نهدف من خلاله إبراز أهمية الوقاية كمنهج استراتيجي لتجنب تفاقم الظاهرة، مع التأكيد على ضرورة تفعيل الحياة المدرسية. لتحقيق هذا الهدف، تتطلب هذه الأخيرة تقديم أنشطة صفية ولاصفية تهدف إلى تنمية القيم الأخلاقية والاجتماعية، وتعزيز المهارات الحياتية كالتفكير النقدي وإدارة العلاقات الشخصية. كما نسلط الضوء على دور المختص الاجتماعي ودوره في تنشيط الحياة المدرسية، وذلك من خلا رصد السلوكات الشاذة وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، مما يُسهم في بناء بيئة تعليمية جاذبة ومؤثرة.

نخلص إلى أهمية الحياة المدرسية كمناخ تربوي يمكن المدرسة من جعلها فضاء وقائيًا فعّالا يعزز توازن المتعلم النفسي والاجتماعي، ويعمل على تطوير المهارات اللازمة لمواجهة التحديات المجتمعية وعلى رأسها السلوكات المنحرفة والجانحة، بما يسهم في استقرار المجتمع على المدى البعيد.

الكلمات المفتاحية: العنف المدرسي، الانحراف، الحياة المدرسية، الوقاية التربوية، الدعم النفسي والاجتماعي

Summary:

This article explores the challenges facing the Moroccan school system, with a particular focus on the phenomena of violence and deviant behavior within the school environment. It emphasizes the school’s role as an institution of socialization and education, while highlighting the impact of socio-economic transformations on the rise of these issues. The article aims to underscore the importance of prevention as a strategic approach to curbing the escalation of such behaviors, stressing the need to activate school life as a fundamental pillar of educational reform.

To achieve this goal, school life must include both curricular and extracurricular activities that foster ethical and social values, and promote essential life skills such as critical thinking and the management of interpersonal relationships. The article also sheds light on the crucial role of the social worker in revitalizing school life—through monitoring deviant behaviors and providing psychological and social support—which contributes to building an engaging and effective educational environment.

Ultimately, the article concludes by affirming the significance of school life as an educational climate that enables the school to become a preventive and nurturing space. This space supports the learner’s psychological and social balance and fosters the development of the necessary skills to face societal challenges—particularly deviant and delinquent behaviors—thereby contributing to long-term social stability.

Keywords: school violence, delinquency, school life, educational prevention, psychosocial support

 

[1]- باحث في علم الاجتماع، أستاذ مادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي، الأكاديمية الجهوية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة - جهة فاس مكناس (العنوان الإلكتروني: abdelghafoureducation@gmail.com،.

 

المدرسة المغربية ورهان الوقاية: تفعيل الحياة المدرسية لمواجهة العنف والانحراف
Partager cet article
Repost0
3 février 2025 1 03 /02 /février /2025 07:10
Intelligence artificielle générative pour les enseignants : Applications, Opportunités et Enjeux Éthiques

Intelligence artificielle

générative pour les enseignants :

Applications, Opportunités et Enjeux Éthiques

Dr. TIMMI Mohamed

Une étude contrôlée

دراسة محكمة

CRMEF Fès Meknès

 

Résumé

L'intelligence artificielle générative (IA générative) est une technologie innovante qui révolutionne les pratiques pédagogiques, en permettant la création de contenus éducatifs originaux et adaptés. Basée sur des modèles neuronaux avancés comme GPT et DALL-E, elle offre des solutions pour personnaliser les leçons, créer des supports interactifs et automatiser les évaluations, tout en allégeant les tâches organisationnelles des enseignants. Cette étude met en avant les avantages significatifs de l'IA générative, notamment sa capacité à améliorer l'accessibilité pour les élèves ,ayant des besoins spécifiques, tout en répondant aux attentes des systèmes éducatifs modernes.

Cependant, l'intégration de cette technologie soulève des défis éthiques majeurs, tels que le plagiat, les biais algorithmiques et la protection des données personnelles. Pour garantir une utilisation responsable, des mesures stratégiques sont proposées, incluant l'élaboration de cadres éthiques, le renforcement des compétences numériques des enseignants et la réduction des inégalités numériques. Ces initiatives visent à maximiser le potentiel de l'IA générative pour une éducation plus équitable, innovante et adaptée aux défis du XXIe siècle.

Mots clés :

Intelligence artificielle générative, IA en éducation, Éthique de l’IA, Réduction des inégalités numériques, Innovation pédagogique, Transformation des pratiques éducatives

Abstract
Generative artificial intelligence (AI) is an innovative technology that is revolutionizing educational practices by enabling the creation of original and tailored educational content. Based on advanced neural models like GPT and DALL-E, it offers solutions to personalize lessons, create interactive materials, and automate assessments, while reducing teachers' organizational workload. This study highlights the significant benefits of generative AI, particularly its ability to improve accessibility for students with specific needs, while meeting the expectations of modern educational systems.

However, the integration of this technology raises major ethical challenges, such as plagiarism, algorithmic biases, and data privacy concerns. To ensure responsible use, strategic measures are proposed, including the development of ethical frameworks, the enhancement of teachers' digital competencies, and the reduction of digital inequalities. These initiatives aim to maximize the potential of generative AI for a more equitable, innovative, and future-ready education system.

Keywords:
Generative artificial intelligence, AI in education, AI ethics, Reducing digital inequalities, Educational innovation, Transforming educational practices.

1. Introduction

L'intelligence artificielle générative (IA générative) est une technologie révolutionnaire capable de produire des contenus originaux, en l’occurrence des textes, des images, des vidéos et des sons. Elle repose sur des modèles neuronaux complexes, tels que les réseaux de transformateurs (à l'exemple de GPT et DALL-E), qui utilisent des algorithmes avancés pour analyser et générer des données de manière autonome[1] [2]. Ces systèmes, entraînés sur de vastes corpus de données, exploitent des méthodes d'apprentissage profond pour identifier des motifs complexes et reproduire des structures similaires dans de nouveaux contextes.

Depuis sa conception, l'IA générative a transformé de nombreux secteurs, notamment la santé, les arts, le commerce et l'éducation. Dans le domaine pédagogique, elle offre des opportunités sans précédent pour créer des contenus adaptés aux besoins individuels des étudiants et pour réduire la charge de travail des enseignants. Par exemple, les modèles comme ChatGPT peuvent générer des plans de cours personnalisés en quelques secondes, tandis que DALL-E peut produire des illustrations à partir de simples descriptions textuelles [3].

Cet article explore les applications pédagogiques de l’IA générative, en mettant l’accent sur son potentiel pour la création de contenu éducatif et sur les avantages qu’elle offre aux enseignants et aux élèves. Nous présentons ,également ,des enjeux éthiques liés à son utilisation ,à savoir les questions de plagiat, de biais dans les modèles et de protection des données. En analysant ces aspects, notre objectif est de fournir une base solide pour une intégration réfléchie et éthique de l'IA générative dans le système éducatif.

2. Concept de l’IA générative

2.1. Fonctionnement

L’intelligence artificielle générative repose sur des modèles neuronaux avancés, principalement les réseaux de transformateurs. Ces modèles, tels que GPT (Generative Pre-trained Transformer)BERT (Bidirectional Encoder Representations from Transformers) et DALL-E, utilisent des architectures complexes pour analyser et générer des contenus de manière autonome.

Ces modèles fonctionnent suivant les étapes qui suivent :

  1. Collecte et préparation des données : Les modèles sont entraînés sur des bases de données massives contenant du texte, des images ou d'autres contenus. A titre d’exemple , OpenAI a entraîné GPT sur des corpus couvrant une variété de domaines  [1].
  2. Entraînement supervisé et non supervisé : Pendant l’entraînement, les modèles apprennent à reconnaître les motifs dans les données, grâce à des méthodes supervisées ou non supervisées. Par exemple, BERT utilise un apprentissage bidirectionnel pour prédire les mots masqués dans une phrase [4].
  3. Génération de contenu : Une fois créé , le modèle peut générer des réponses ou produire du contenu en fonction de requêtes précises. A ce niveau, citons l’exemple de DALL-E qui génère des images à partir de descriptions textuelles et ce, en combinant des concepts de manière innovante [3].

Il est certain que ces modèles s'appuient sur des millions, voire des milliards de paramètres, pour garantir la cohérence et la pertinence des contenus produits. Leur capacité à comprendre le contexte et à reproduire des styles variés en fait des outils révolutionnaires pour la création de contenu éducatif.

2.2. Typologie

IA textuelle : Production de textes

Les modèles textuels, comme ChatGPT, sont conçus pour générer du texte à partir de requêtes des utilisateurs . Ils sont maniés pour diverses applications, telles que la rédaction d’essais, de résumés ou de scripts. Ces modèles s'appuient sur l'analyse contextuelle pour produire des réponses cohérentes et adaptées à la demande [1]. A ce niveau, ChatGPT peut rédiger un plan de leçon pour un cours de sciences.

IA visuelle : Création d’images

Les outils comme DALL-E et MidJourney permettent de créer des images à partir de descriptions textuelles. DALL-E, par exemple, génère des illustrations en combinant des concepts visuels complexes [3]. Ces technologies sont employées ,dans l’éducation, pour créer des supports visuels adaptés, comme des schémas scientifiques ou des images historiques.

IA audio/vidéo : Synthèse vocale et vidéos

Des plateformes ,comme Synthesia, produisent des vidéos éducatives en manipulant des avatars numériques et des synthèses vocales. Ces outils sont importants afin de créer des tutoriels ou des présentations vidéo dans différentes langues, rendant le contenu accessible à un public diversifié [5].

IA multimodale : Combinaison de textes et d’images

Les modèles comme CLIP (Contrastive Language-Image Pretraining) associent texte et image pour produire des résultats multimodaux. Par exemple, un enseignant peut entrer une requête textuelle, et CLIP générera une image ou une combinaison qui correspond au texte. Cette technologie s’avère ,particulièrement, intéressante puisqu’elle permet de créer des activités pédagogiques interactives (Radford et al., 2021).

2.3. Applications éducatives

Aide à la personnalisation de l’enseignement

L’IA générative permet de personnaliser les contenus en fonction des besoins individuels des élèves. Par exemple, ChatGPT peut proposer des explications adaptées à chaque niveau de compréhension, facilitant , ainsi, l’apprentissage différencié [1]. Cette personnalisation aide les enseignants à mieux cibler les difficultés spécifiques des étudiants.

Automatisation de tâches répétitives

Les outils d’IA comme GradeScope peuvent corriger automatiquement des copies ou des quiz, permettant aux enseignants de consacrer plus de temps à l’accompagnement pédagogique [6]. Cela réduit considérablement leur charge administrative.

Création de supports pédagogiques interactifs

Avec des outils tels que DALL-E et Canva, les enseignants peuvent créer rapidement des supports visuels, comme des infographies ou des cartes conceptuelles, pour rendre les cours plus attractifs [3]. Ces supports interactifs augmentent l’engagement des élèves et favorisent une meilleure rétention des connaissances.

3. Applications pédagogiques de l’IA générative

3.1. Plans de cours et contenu éducatif

Les outils d’IA générative, comme ChatGPT, permettent de créer des plans de cours adaptés aux besoins des élèves. Ces modèles peuvent générer des séquences d’enseignement structurées, incluant des activités et des évaluations alignées sur les objectifs pédagogiques [7].

  • Exemple concret : Une leçon sur les lois de Newton peut inclure une introduction théorique, des activités pratiques comme des expériences sur le mouvement, et des quiz pour évaluer la compréhension des concepts fondamentaux. ChatGPT peut ,également, proposer des variations pour adapter la leçon à différents niveaux scolaires.

3.2. Supports visuels et interactifs

Les outils visuels comme DALL-E permettent de créer des illustrations personnalisées pour enrichir les supports pédagogiques.

  • Applications dans les sciences : Génération de schémas détaillés illustrant des concepts comme l’anatomie humaine ou les cycles biologiques.
  • Applications dans l’histoire : Création d’images représentant des événements historiques, aidant les élèves à visualiser des époques passées de manière engageante.

Il est évident que les supports interactifs favorisent un apprentissage immersif, permettant aux élèves de mieux comprendre des concepts abstraits.

3.3. Évaluation et feedback

L’IA générative est également utile pour automatiser et personnaliser les évaluations.

  • Quiz personnalisés : Des plateformes comme Quizlet ou Kahoot ! utilisent l’IA pour créer des évaluations adaptées au niveau de chaque étudiant [8]. Cela aide à identifier les lacunes et à renforcer les compétences individuelles.
  • Automatisation des corrections : GradeScope permet d’automatiser la correction des évaluations, garantissant une réduction de la charge administrative des enseignants tout en fournissant des feedbacks précis et rapides.

3.4. Synthèse et résumés

Les modèles comme ChatGPT peuvent simplifier des documents complexes pour rendre le contenu accessible à tous les étudiants, notamment ceux rencontrant des difficultés d’apprentissage.

  • Exemple : Un texte scientifique dense peut être condensé en résumés clairs, présentant les points essentiels dans un langage plus simple et compréhensible.
  • Bénéfices : Cette fonctionnalité aide les élèves à mieux saisir des concepts complexes, réduisant les obstacles à l’apprentissage.

3.5. Accessibilité et inclusivité

L’IA générative joue un rôle crucial dans la création d’un environnement d’apprentissage inclusif.

  • Traduction instantanée : Des outils comme Google Translate, associés à des modèles d’IA, permettent de traduire du contenu éducatif pour les étudiants non francophones[9].
  • Adaptation pour les besoins spéciaux : Les textes peuvent être reformulés pour les apprenants avec des troubles de l’apprentissage, comme la dyslexie, ou présentés dans des formats accessibles, comme l’audio ou le braille.

Il est certain que ces applications renforcent l’équité dans l’accès à l’éducation et réduisent les barrières liées aux langues ou aux handicaps.

4. Enjeux éthiques et responsabilités

4.1. Plagiat et triche

L'essor de l'intelligence artificielle générative, surtout de certains outils tels que ChatGPT, a introduit de nouvelles dynamiques dans le domaine de l'éducation. Ces technologies, bien qu'offrant des opportunités pédagogiques innovantes, nécessitent ,également, l’affrontement de plusieurs défis en matière d'intégrité académique.

Authenticité du travail

L'utilisation de l'IA ,pour la réalisation de devoirs, peut compromettre l'authenticité des travaux soumis par les étudiants. Les productions générées par l'IA ne reflètent pas nécessairement les compétences réelles des apprenants, ce qui peut entraver leur processus d'apprentissage et fausser l'évaluation de leurs connaissances. Une étude récente souligne que 55 % des étudiants déclarent utiliser des outils d’IA générative au moins occasionnellement, ce qui soulève des préoccupations quant à la véritable acquisition des compétences visées [10]

Conséquences sur l'éthique scolaire

L'adoption non encadrée de l'IA dans les travaux académiques peut éroder l'intégrité scolaire. Les enseignants constatent une augmentation des cas de plagiat liés à l'utilisation de l'IA, ce qui remet en question les valeurs d'honnêteté et de responsabilité au sein des établissements éducatifs. Des rapports indiquent que certains étudiants utilisent l'IA pour rédiger leurs travaux, parfois même à l'insu de leurs coéquipiers, compromettant, ainsi, l'éthique académique [11]

Solutions possibles

Pour contrer ces dérives, plusieurs mesures peuvent être envisagées :

  • Intégration d'outils de détection : L'utilisation de logiciels spécialisés, tels que Turnitin, permet d'identifier les contenus générés par l'IA et de détecter les cas de plagiat. Cependant, il est crucial de noter que ces outils ne sont pas infaillibles et peuvent parfois produire des faux positifs, accusant à tort des étudiants innocents [10]. 
  • Sensibilisation des étudiants : Il est essentiel d'éduquer les apprenants à l'importance de l'effort personnel et de l'intégrité académique. Des initiatives visant à prévenir le plagiat et la tricherie à l'ère de l'IA, en mettant l'accent sur les valeurs éthiques, peuvent contribuer à réduire ces comportements [12]. 

4.2. Biais et discrimination

Les modèles d'intelligence artificielle (IA) sont entraînés sur de vastes bases de données, susceptibles de contenir des biais culturels, linguistiques ou socio-économiques. Ces biais peuvent entraîner des conséquences significatives, notamment la reproduction d'inégalités et des recommandations partiales.

Reproduction d'inégalités

Les biais présents, dans les données d'entraînement, peuvent conduire les modèles d'IA à sous-représenter certains groupes d'apprenants. A cet égard, une étude souligne que les systèmes d'IA peuvent perpétuer des discriminations en raison de biais intégrés, affectant, ainsi l'équité des décisions automatisées [13]

Biais dans les recommandations

Les outils éducatifs adaptatifs basés sur l'IA pourraient privilégier certains contenus ou méthodes, limitant l'accès à une éducation diversifiée. Une recherche récente met en évidence que les biais algorithmiques ,en éducation, peuvent se manifester de diverses manières, influençant les recommandations et les opportunités offertes aux étudiants [14]

Solutions possibles

Pour atténuer ces biais, il est essentiel d'impliquer des experts issus de divers horizons dans la conception des modèles et de mettre en place des audits réguliers pour détecter et corriger les biais. Une analyse des propositions législatives européennes souligne l'importance de réglementer l'utilisation de l'IA pour réduire l'impact de ces biais et promouvoir la protection des groupes vulnérables [15]

4.3. Confidentialité et protection des données

L'utilisation de l'intelligence artificielle (IA) ,dans l'enseignement, nécessite ,souvent, la collecte de données personnelles des élèves et des enseignants .Les résultats recueillis soulève des préoccupations en matière de sécurité et de confidentialité.

Risques majeurs

Les données sensibles, telles que les performances académiques ou les habitudes d'apprentissage, peuvent être vulnérables en cas de cyberattaques ou de pratiques de gestion inadéquates. Une étude récente souligne l'importance de la protection des données dans les systèmes d'IA éducatifs, mettant en évidence les défis liés à la confidentialité et à la sécurité des informations collectées [16]

Conformité aux réglementations

Il est essentiel de respecter les lois à propos de la protection des données, telles que le Règlement Général sur la Protection des Données (RGPD) en Europe. Les institutions doivent s'assurer que leurs pratiques de collecte et de traitement des données sont conformes aux exigences légales pour protéger la vie privée des individus. Des recherches récentes discutent de la réglementation de l'IA dans les domaines de la protection des données, soulignant la nécessité d'une conformité stricte aux normes établies [17]

Solutions possibles

Pour atténuer ces risques, plusieurs mesures peuvent être mises en place :

  • Utilisation de plateformes sécurisées : Adopter des systèmes dotés de protocoles de sécurité robustes pour protéger les données contre les accès non autorisés.
  • Limitation de la collecte de données : Restreindre la collecte aux informations strictement nécessaires pour les objectifs pédagogiques, minimisant ainsi l'exposition potentielle des données sensibles.
  • Sensibilisation à la cybersécurité : Former les utilisateurs, y compris les enseignants et les élèves, aux bonnes pratiques en matière de sécurité numérique pour renforcer la protection des données.

4.4. Formation des enseignants

L'efficacité de l'IA en éducation dépend de la capacité des enseignants à l'utiliser correctement.

  • Manque de formation : Beaucoup d'enseignants ne sont pas familiarisés avec les outils d'IA, ce qui peut limiter leur adoption ou conduire à une utilisation inappropriée.
  • Formation continue : Proposer des programmes de formation sur les technologies d'IA et leurs applications pédagogiques.
  • Accompagnement : Fournir un support technique et des ressources didactiques pour aider les enseignants à intégrer l'IA dans leurs pratiques.

En abordant ces enjeux avec soin, il est possible de maximiser les avantages de l'IA tout en réduisant ses risques.

5. Propositions stratégiques

5.1. Élaboration de cadres éthiques

Il est essentiel de développer des cadres éthiques clairs pour encadrer l’usage de l’IA en éducation. Ces cadres doivent :

  • Garantir la protection des données des élèves et des enseignants.
  • Prévenir les abus et les biais systémiques.
  • Encourager une utilisation éthique et transparente des outils d’IA.

5.2. Renforcement des compétences des enseignants

Investir dans des programmes de formation continue pour permettre aux enseignants de :

  • Maîtriser les outils numériques et d’IA.
  • Intégrer efficacement ces technologies dans leurs pratiques pédagogiques.
  • Comprendre les limites et les risques associés à l’utilisation de l’IA.

5.3. Promotion de collaborations interdisciplinaires

Pour maximiser l’impact positif de l’IA, il est crucial de favoriser des collaborations entre :

  • Enseignants : Apportent leur expertise pédagogique et leurs besoins pratiques.
  • Développeurs : Conçoivent des outils adaptés et accessibles.
  • Décideurs : Définissent des politiques favorisant une intégration équitable de l’IA. Ces collaborations permettent de créer des solutions pédagogiques pertinentes et efficaces.

5.4. Réduction des inégalités numériques

Assurer un accès égal aux technologies est une priorité. Les stratégies pour y parvenir incluent :

  • Fournir des infrastructures technologiques dans les régions défavorisées.
  • Rendre les outils d’IA accessibles à faible coût.
  • Offrir des programmes d’éducation numérique pour les élèves et les enseignants, quel que soit leur milieu.

Ces propositions stratégiques visent à garantir une utilisation réfléchie et équitable de l’IA dans le domaine de l’éducation.

6. Conclusion

L’intelligence artificielle générative représente une avancée décisive dans le domaine éducatif, en ouvrant de nouvelles perspectives pour enrichir l’apprentissage et améliorer les pratiques pédagogiques. Grâce à sa capacité à personnaliser les contenus, à automatiser certaines tâches et à offrir des expériences interactives, elle constitue un outil précieux pour répondre aux défis contemporains de l’éducation. Toutefois, cette révolution technologique doit être accompagnée d’une approche responsable et éthique.

Pour garantir une intégration équilibrée, il est impératif de développer des cadres réglementaires clairs qui protègent les données personnelles des utilisateurs et préviennent les risques de biais algorithmiques. De plus, il est crucial de former les enseignants afin qu’ils puissent maîtriser ces outils et en exploiter pleinement le potentiel, tout en restant conscients de leurs limites. Des politiques inclusives doivent également être mises en œuvre pour réduire la fracture numérique et garantir un accès équitable à ces technologies dans toutes les régions.

En adoptant une approche réfléchie et collaborative, l’IA générative peut devenir un levier puissant pour construire un système éducatif plus équitable, innovant et inclusif. Elle offre l’opportunité d’améliorer la qualité de l’enseignement tout en favorisant l’épanouissement des élèves et en soutenant les enseignants dans leur mission. Ainsi, l’IA générative, utilisée de manière responsable, peut transformer durablement l’éducation pour répondre aux besoins du XXIe siècle.

Références

[1]        T. Brown et al., "Language models are few-shot learners," Advances in neural information processing systems, vol. 33, pp. 1877-1901, 2020.

[2]        S. Bengesi, H. El-Sayed, M. K. Sarker, Y. Houkpati, J. Irungu, and T. Oladunni, "Advancements in Generative AI: A Comprehensive Review of GANs, GPT, Autoencoders, Diffusion Model, and Transformers," IEEE Access, 2024.

[3]        A. Ramesh et al., "Zero-shot text-to-image generation," in International conference on machine learning, 2021: Pmlr, pp. 8821-8831.

[4]        J. Devlin, M.-W. Chang, K. Lee, and K. Toutanova, "Pre-training of deep bidirectional transformers for language understanding. arXiv," arXiv preprint arXiv:1810.04805, 2018.

[5]        C. Vallis, S. Wilson, D. Gozman, and J. Buchanan, "Student perceptions of AI-generated avatars in teaching business ethics: We might not be impressed," Postdigital Science and Education, vol. 6, no. 2, pp. 537-555, 2024.

[6]        I. Gambo, F.-J. Abegunde, O. Gambo, R. O. Ogundokun, A. N. Babatunde, and C.-C. Lee, "GRAD-AI: An automated grading tool for code assessment and feedback in programming course," Education and Information Technologies, pp. 1-41, 2024.

[7]        G.-G. Lee and X. Zhai, "Using ChatGPT for Science Learning: A Study on Pre-service Teachers' Lesson Planning," IEEE Transactions on Learning Technologies, 2024.

[8]        J. Kapoor, I. Kaur, and G. Kaur, "Artificial Intelligence Technology-Embedded Learning: Rethinking Pedagogy for Digital Age," in 2023 2nd International Conference on Applied Artificial Intelligence and Computing (ICAAIC), 2023: IEEE, pp. 87-93.

[9]        Y. Wang and G. Stockwell, "Training to use machine translation for vocabulary learning," in Theory and Practice in Vocabulary Research in Digital Environments: Routledge, 2024, pp. 132-153.

[10]      C. M. Anson and O. Kruse, "Plagiarism detection and intertextuality software," in Digital Writing Technologies in Higher Education: Theory, Research, and Practice: Springer, 2023, pp. 231-243.

[11]      M. Khalil and E. Er, "Will ChatGPT G et You Caught? Rethinking of Plagiarism Detection," in International Conference on Human-Computer Interaction, 2023: Springer, pp. 475-487.

[12]      U. Mittal, S. Sai, and V. Chamola, "A comprehensive review on generative ai for education," IEEE Access, 2024.

[13]      X. Ferrer, T. Van Nuenen, J. M. Such, M. Coté, and N. Criado, "Bias and discrimination in AI: a cross-disciplinary perspective," IEEE Technology and Society Magazine, vol. 40, no. 2, pp. 72-80, 2021.

[14]      R. S. Baker and A. Hawn, "Algorithmic bias in education," International Journal of Artificial Intelligence in Education, pp. 1-41, 2022.

[15]      M. López Belloso, "Women's Rights Under AI Regulation: Fighting AI gender bias through a feminist and intersectional approach," in Law and Artificial Intelligence: Springer, 2022, pp. 87-107.

[16]      Y. Hong, A. Nguyen, B. Dang, and B.-P. T. Nguyen, "Data ethics framework for artificial intelligence in education (AIED)," in 2022 International Conference on Advanced Learning Technologies (ICALT), 2022: IEEE, pp. 297-301.

[17]      D. Krivokapić, I. Živković, and A. Nikolić, "Artificial Intelligence Regulation in the Areas of Data Protection, Information Security, and Anti-discrimination in Western Balkan Economies," in 2022 45th Jubilee International Convention on Information, Communication and Electronic Technology (MIPRO), 2022: IEEE, pp. 1233-1239.

mohamed.timmi@usmba.ac.ma

Intelligence artificielle générative pour les enseignants : Applications, Opportunités et Enjeux Éthiques
Partager cet article
Repost0
7 janvier 2025 2 07 /01 /janvier /2025 16:24
الترجمة والجندر : اللغة من الترجمة الآلية إلى الترجمة الثقافية

الترجمة والجندر

 اللغة من الترجمة الآلية إلى الترجمة الثقافية

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ محاضر مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية و الدراسات الجندرية والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

تعتبر التجليات الكبرى للوعي النسائي مقرونة بالعمل الابداعي محصورة في انتمائه إلى جنس النساء خاصة بعد أن استحكمت السلطة الأدبية جملة من المعايير خندقت حيوات النساء.

ولما انتقل مفهوم الجنس بتأثير من القوى الجندرية، إلى مجال الثقافة بعد أن أسكنته الثقافة الذكورية مجال الطبيعة ، أصبحت قاعدة المساواة في الحقوق وخاصة اللغوية والأدبية مطلبا هيكل القوى الجندرية في اتجاه قطب الدراسات الاجتماعية والثقافية التي تعنى بأوضاع النساء الاجتماعية والاقتصادية عامة  والرمزية والفكرية والأدبية خاصة بما هو فعل سياسي واقعي، الشيء الذي انعكس على الفكر والخطاب النسوي وبالتالي الكتابة النسائية وخاصة الخصائص الأسلوبية واللغوية التي تعرضت لنقد وتهميش أساسه عدم مواءمتها للمعايير والبنى النقدية والأدب المعتمد (the literary canon)

ومن تجليات المنظور النسوي في الأدب ما ارتفع من أصوات نسائية على مستوى البنية السردية التي عملت على قلب الصور النمطية للأدوار الاجتماعية المرتبطة حميميا بالنساء.

فالترجمة بهذا المعنى هي عملية نقل المعنى من لغة إلى أخرى، وتتضمن هذه العملية فهم النص الأصلي بشكل صحيح، واختيار الكلمات والتعابير المناسبة في اللغة المستهدفة لنقل المعنى بأقرب صورة ممكنة. وتتطلب الترجمة أيضا مهارات لغوية وثقافية ومعرفية بالموضوع الذي يتم ترجمته.

أما بالنسبة للجندر، فيشير هذا المصطلح إلى الصفات والأدوار الاجتماعية المرتبطة بالجنس (الذكر والأنثى)، والتي تعتبر قائمة على الثقافة والتقاليد والمعتقدات المجتمعية. ويشمل الجندر العديد من الجوانب، مثل السلوك والمظهر واللغة والتفاعلات الاجتماعية.

الكلمات المفاتيح: الدراسات الجندرية، الترجمة الألية، الترجمة الثقافية، الترجمة النسوية،الأدوار اللغوية

summary:

The major manifestations of women's awareness, coupled with creative work, are considered limited to belonging to the gender of women, especially after the literary authority took control of a set of standards that entrenched women's lives.

When the concept of sex moved, under the influence of gender forces, to the field of culture after the Masculinity culture placed it in the field of nature, the rule of equality in rights, especially linguistic and literary, became a requirement for the structure of gender forces in the direction of the pole of social and cultural studies that are concerned with the social and economic conditions of women in general and the symbolic, intellectual and literary conditions in particular. It is a realistic political act, something that was reflected in feminist thought and discourse and thus women’s writing, especially the stylistic and linguistic characteristics that were subjected to criticism and marginalization based on their lack of compatibility with the standards, critical structures, and approved literature (the literary canon).

One of the manifestations of the feminist perspective in literature is the rise of female voices at the level of the narrative structure, which worked to overturn the stereotypes of social roles intimately linked to women.

Translation, in this sense, is the process of transferring meaning from one language to another. This process includes understanding the original text correctly, and choosing appropriate words and expressions in the target language to convey the meaning as closely as possible. Translation also requires linguistic, cultural and knowledge skills about the subject being translated.

As for gender, this term refers to the traits and social roles associated with sex (male and female), which are considered based on culture, traditions, and societal beliefs. Gender includes many aspects, such as behaviour, appearance, language and social interactions.

Keywords: gender studies, machine translation, cultural translation, feminist translation, linguistic

roles

مقدمة

قد توفر الترجمة الألية التكلفة المادية مع توفير الوقت حيث كتب لبرنامج ، الوافي، المترجم العربي إلى العربية دواعي الاستمرار على كل ما سبقه من برامج حيث طورته شركة عربية

كما ظهرت العديد من البرامج للترجمة الألية من العربية وإليها ، بعضها متاح على الشبكة العنكبوتية مثل

-موقع غوغل للترجمة translate google

-موقع ترجمان لشركة صخر  tarjim

- موقع عجيب ajeeb

من هذا المنطق تعتبر الترجمة الألية التي مواكبة للتطور العلمي والتكنولوجي حيث تم طرح سؤال مهم يتعلق بمهمة المترجم، وهل وجب عليه التركيز على أسلوب صياغة النص أم على معناه، لتنتقل منصة السؤال إلى صعوبات الترجمة الألية خاصة تلك العلاقة التي شابها التوتر بين الدراسات الأدبية وعلم الاجتماع، وخاصة ما قد يشكل انحرافا عن القواعد المتعارف عليها والتي تحكم لغة ما، ليظهر جليا مناحي قصور الترجمة الألية حيث تغيرت أسئلة دراسات الترجمة إلى قضايا تتجاوز المرحلة الشكلية إلى مرحلة تتعلق بالسياق والاثنوغرافيا والتاريخ والاجتماع ، في اتجاه الدراسات الثقافية وما يوازيها في دراسات الترجمة والتي تجسدت في العلاقة المتوترة بين الدراسات الأدبية وعلوم اللغة ، حتى استقرت، متجاوزة المدخل اللغوي ، داخل المساحة التي تقترحها الدراسات الثقافية حيث إن " التلاقي بين الدراسات الثقافية ودراسات الترجمة، عندما تحقق أخيرا ، كان مثمرا، فكان العمل في المجالين يطعن في الحدود العلمية القائمةويسير –فيما يبدو- نحو إيجاد ساحة جديدة تمكنهما من التفاعل، لم يكن المقصود إيلاء الأولوية لمدخل واحد فحسب. وقد ثبت من البداية أن المداخل المختلفة منحازة بطبيعتها". [1]

لقد أصبح مفهوم الجندر مفهوما أقرب إلى مجال الدراسات الاجتماعية والثقافية التي تسعى إلى تتبع علاقات القوى الجندرية في سياقاتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وتحليل مظاهره وأسبابه، من هنا تتضمن دراسات الجندر مقارنات، وتفسح المجال أمام دراسات الذكورة والأنوثة وما ترتبط بها من سلوكات وخصائص وتصورات وأشكال للتعبير يتم صياغتها في ظل أوضاع اجتماعية وثقافية معينة تنعكس بالتالي على الاعراف الاجتماعية والحقوق والواجبات الواردة في التشريعات" [2]

وتتعلق الترجمة والجندر ببعضهما البعض فيما يتعلق بالعملية اللغوية للترجمة وكيفية تأثير الجندر على هذه العملية. فعلى سبيل المثال، قد يؤثر الجندر على الكلمات التي يتم اختيارها في الترجمة، وعلى الأدوات اللغوية المستخدمة لنقل المعنى. كما يمكن أن يؤثر الجندر على الطريقة التي يتم فيها تفسير المعنى وفهمه. لذلك، يجب أن يتم اعتبار أهمية الجندر عند القيام بعملية الترجمة لضمان نقل المعنى بدقة ودون تحيز جندري

وتنقسم الترجمة إلى ثلاثة أقسام

الترجمة ضمن اللغة الواحدة – intralingual translation وهي تعني إعادة صياغة مفردات رسالة ما في إطار نفس اللغة

الترجمة من لغة إلى لغة أخرى interlingual translation  وتعني ترجمة الإشارات اللفظية لإحدى اللغات عن طريق الإشارات اللفظية للغة أخرى: )الترجمة التحريرية ----< الترجمة الشفهية

الترجمة من علامة إلى أخرى intersemiotic translation  وتعني هذه الترجمة نقل رسالة من نوع معين من النظم الرمزية إلى نوع آخر دون أن تصاحبها إشارات لفظية وبحيث يفهمها الجميع

وتعد الترجمة فنا مستقلا بذاته ،فهو يعتمد على الإبداع والحس اللغوي والقدرة على تقريب الثقافات ويمكن البشرية من التواصل والتلاقي بين الحضارات

حيث يعرفها catford بأنها " عملية إحلال النص المكتوب بإحدى اللغات )لغة المصدر( إلى نص يعادله مكتوب بلغة أخرى )اللغة المستهدف النقل إليها( وبذلك فهو يركز على نقل الأثر الذي ينتج عن النص المكتوب وليس مجرد نقل المكونات اللغوية على مستوى المفردات أو القواعد"

أما Holliday فيعتقد أن "المعادل النصي فيما بين نصي اللغة المصدر واللغة المنقول إليها لا يتطلب بالضرورة إيجاد المقابل الشكلي بين هذين النصية على مستوى المفردات أو القواعد ، ولكن إيجاد معادل على مستوى النص بأكمله"

ولهذا فالترجمة الآلية تعرف بأنها عملية تحويل نص مكتوب أو منطوق من لغة إلى أخرى باستخدام تقنيات متطورة عن طريق أجهزة إلكترونية وحواسيب دون الاستعانة بالعنصر البشري. مثلا :موقع غوغل للترجمة – موقع ترجمان tarjim – موقع عجيب ajieb

بينما اعتمدت الترجمة التقليدية وشيدت معالمها على قاعدة غياب المترجم (invisibility) وشفافية النص (transparancy) وطلاقة الترجمة (fluency)

أولا: الترجمة وقضايا النوع الاجتماعي

تبدأ العلاقة الأولى للترجمة بقضايا النوع الاجتماعي ومنذ انطلاقتها في ثمانينيات القرن الماضي[3] والتي ما تزال تلح على الإعمال البحثي بدءا بمقالة لوري تشامبرلين "الجندر والمجاز في الترجمة (1988) والتي ركزت على عدد من الصور المجازية المستخدمة في الإشارة على الترجمة وكأن علاقة النص المترجم هي علاقة امرأة برجل. وهي تشير إلى الترجمة باعتبارها غزوا نصيا واختراقا ثقافيا

كما تعد شيري سايمون من جامعة كوتكورديا من أبرز الباحثات في مجال دراسات الترجمة النسوية وقضايا الجندر في الترجمة ، من كتبها 

1994 - الترجمة والثقافة في الأدب الكيبيكي

1996 - الجندر في الترجمة

2006 - في ترجمة مونتريال

2011 - مدن في الترجمة

ومن التعاريف التي ماتزال قائمة حجة بالنظرية النسوية المهتمة بالترجمة في علاقتها بالجندر تعريف الباحثة النسوية ماجي همّ Maggie Humm  التي عرفت الجندر" بمجموعة من الخصائص والسلوكات التي تشكلت ثقافيا ويتم اضفاؤها على الإناث والذكور والنظرية النسوية المعاصرة حريصة على التمييز بين الجنس والنوع"[4]

ولما أعلن استيل فريدمان اعتقاده بأن النساء والرجال لديهما بالتلازم القيمة نفسها، وجد خطاب الحركة النسوية طريقه سريعا إلى الأدب حيث سمي هذا الخطاب النسوي بخطاب الجندر أوالجندرة حيث تتجه الكتابة إلى تأييد خطاب الرجل الذي سيطر على القول لعقود دخلت.

ومن ذلك شكل هذا الخطاب تواجده معبرا عن ذاته في الترجمة بما هي إعادة كتابة من صميم الكتابة الأدبية لتصبح مشكلة الترجمة النسوية التي تبنت استراتيجيات جديدة في ممارسة الترجمة خاصة وهي تتجه إلى اللغة ومع دعوتها إلى التخلي عن تقاليد حرستها ممارسة كتابية تسود إلى الآن

ومع بداية القرن العشرين مارست النساء العربيات بدورهن الترجمة كشكل من أشكال الاعتراف بهن ككتابات وجسرا للعبور قبل ان تتجوهر القراءة والتأويل في ميدان الأدب

فتمت الترجمة وفق ما تليه "الايديولوجية النسوية في الترجمة" التي أعادت ترجمة أثار أدبية مجددا نظرا لما يشوب ترجمتها من تشويه للخطاب والحاقها قسرا بالايديولوجية الذكورية

إن هاجس تحرير الترجمة الأدبية من الغطرسة الذكورية اعتبر أنداك استراتيجية في أفق التحرير الشامل للمجتمع برمته. تقول سوزان لوتينير هوارد "ترجمتي فعالية سياسية تروم جعل اللغة تتحدث باسم النساء ، ما يعني أنني عند توقيعي على ترجمة أفيد استعمالي لكل استراتيجية ترجمية متيسرة بغاية جعل ما هو نسوي واضحا لغويا ،لأن ابراز النساء للعيان في اللغة يعني جعلهن يُرَيْنَ ويُسمعن في العالم الفعلي ،وذلك ما تتحدث عنه الحركة النسوية

وعلى إثر ذلك تم انتقاد الترجمة الانجليزية التي انجزها هوارد بارشلي (1953) لكتاب سيمون دي بوفوار (1949) واعتبرنها مثلا دالا على النزوع الذكوري في الترجمة بما اعتراها من نقائص تم تداركها لاحقا

ومن نقائص هذه الترجمة حسب أولغا كاسترو سكوت المترجم عن

العلاقات السحاقية 

سكوته عن أول اتفاقية تخص حقوق المرأة عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية

سقوط نصف فصل عنوانه "المرأة المتزوجة"

ثانيا: استراتيجيات الترجمة النسوية أو الفجوة النوعية

تعد هالة كمال من المترجمات النسويات المصريات التي أعلنت في مقدمة كتابها "النقد الأدبي النسوي" إلى أنه لا يكفي لترجمة النص النسوي  امتلاك المترجمة والمترجم زمام اللغتين المعنيتين فقط ،بل يوجد عدة شروط لضمان صحة ترجمة النصوص النسوية وهي 

إدراك للمفاهيم الفكرية في النص النسوي

معرفة بتطور النظرية النسوية ومصطلحاتها

اتخاذ موقف داعم للفكر النسوي وعارف بالنظرية النسوية وتفاصيلها الواردة في الكتاب الخاضع للترجمة

وجود وعي بعلاقات القوى الكامنة في حقل الترجمة

إدراك خصوصية الخطاب النسوي

التعامل مع ترجمة النص النسوي باعتبارها فعلا سياسيا لا تقتصر على نقل المعرفة والثقافة والفكر ،بل يسعى إلى بناء معرفة جديدة نسوية باللغة العربية

اتباع استراتيجية التعريب[5]

بينما أشارت لويزفان فلوتوبين )مترجمة نسوية كندية( في مقالتها "الترجمة النسوية، السياقات والممارسات والنظريات" إلى عناصر من عدّتها من ضمن استراتيجيات الترجمة النسوية منها 

الاكمال Supplementing

أن تقوم المترجمة والمترجم بإيجاد معادل موضعي ولغوي في اللغة المترجم إليها تعويض الفجوة التي تحدث لاختلاف اللغات عن بعضها البعض وينتج عن هذه الاستراتيجية تعبير واضح في اللغة المستخدمة في النص الاصلي

التصدير والهوامش

استخدام المترجم والمترجمة مساحة التقدير والهوامش لمشاركة القارئ الاستراتيجيات والقرارات التي اتخذها والصعوبات التي واجهتها في ترجمة النص [6]

الاختطاف (هيكرة النص)

هو التلاعب باللغة لتحويل وتصحيح النص الأصلي غير النسوي لغويا ،إلى نص واع نسويا وجندريا في اللغة المترجم إليها

وقد ربطت لويزفان فلوتوبين قضايا اللغة والترجمة والثقافة والنسوية في كتابها "عصر النسوية (1997) "ب

النسوية كعلم : الفجوة والنوعية

النسوية كوعي : الإدراك الواعي بالظلم المجتمعي والتاريخي

النسوية كمقاومة : بناء النسوية كمنهج للمقاومة

وتعتبر الرؤية النسوية عندها حركة أداة لنشر المعرفة ورفع الوعي النسوي باعتبار تاريخيتها

الحركة النسوية الأولى : نهاية القرن 19 حتى منتصف القرن 20 مواجهة الحواجز القانونية والحق في التصويت

الموجة النسوية الثانية : بداية ستينيات القرن 20 وسبعينياته ركزت على المساوات الجندرية وتحرر المرأة والجسد

الحركة النسوية الثالثة : تسعينيات القرن الماضي إلى الآن

بينما آمنت بنظرية التقاطعية حيث كلمة نساء لا تعتر عن مجموعة واحدة حيث الهويات متعددة ولا يمكن إغفال هرمية القمع ونظام التمايزات حيث وضعت الهوية الجنسية والعرقية والطبقية كمحور في النظام الجندري

إن ما أقصده بالترجمة والجندر يتعلق بالعلافة المرصودة بين النظرية النسوية ودراسات الترجمة وخاصة ترجمة النص النسائي إلى اللغة العربية وهو تصور منهجي تخلت فيه الدراسات الثقافية حسب باسنيت وليفيفير " عن مرحلتها التبشيرية باعتبارها قوة معارضة للدراسات الأدبية التقليدية وأصبحت تنظر بدقة أكبر في قضايا علاقات الهيمنة الكامنة في إنتاج النصوص، وعلى غرار ذلك تقدمت دراسات الترجمة فانتقلت من المناقشات التي لا تنتهي حول " التعادل" إلى مناقشة العوامل التي تتحكم في انتاج النصوص عبر الحدود اللغوية" [7]مما يستدعي حزمة من الشروط أساسية لضمان دقة الترجمة لغويا مع صحة نقل الأفكار معرفيا وهي تتشكل كالآتي:

لا يكفي لترجمة النص النسائي امتلاك زمام اللغتين وانما يتطلب الأمر ادراك المفاهيم الفكرية الواردة بالنص والمختفية بالنص النسائي.

ضرورة نحت وصياغة مصطلحات جديدة حيث وجود وعي بعلاقات القوى الكامنة في فعل الترجمة فيما هي فعل تأويلي يقوم فيه المترجم والمترجمة بدور الوساطة بين النص الأصلي والنص المترجم.

إدراك خصوصية الخطاب النسائي من حيث كونه خطابا سياسيا يستهدف تمكين النساء معرفيا.

التعامل مع ترجمة نص نسائي بما هو فعل سياسي لا يقتصر على نقل المعرفة والثقافة والفكر ،بل يسعى إلى بناء معرفة جديدة نسائية باللغة العربية.

ثالثا: الممارسة النظرية للترجمة من منظور نسوي

:مع لورنس فينوتي لا بد للباحث من معرفة مفاهيم أساسية منها

الترويض أم التغريب 

أي ترويض النص لإضفاء سمة الطلاقة عليه لغويا وأسلوبيا بحيث يبدو النص بعد ترجمته وكأنه أصلي غير مترجم مكتوب بلغة المترجم ويحمل روح الثقافة إليها

أما التغريب فهو يتعلق بنقل النص من لغة إلى لغة مع الحفاظ على ملامحه اللغوية والأسلوبية والثقافية عند ترجمته دون ترويضه أو تطويعه بما يساير اللغة والثقافة المنقول إليها

وحيث يذهب فينوتي إلى أن التغريب عند الترجمة إلى الانجليزية يمكن أن يكون شكلا من أشكال مقاومة الاستعلاء العرقي والعنصرية والنرجسية الثقافية والامبريالية يبدو مع ذلك أن الترجمة النسوية هي أقرب إلى اتباع استراتيجية التغريب ،لما فيها من عدم محو للسمات اللغوية والأسلوبية  والثقافية للنص المنقول ، وعدم اخضاع النص المترجم إلى منظومة اللغة المُترجم إليها حتى بعيدا عن سياق الهيمنة ، وبذلك فإن الترجمة النسوية باستنادها إلى الفكر النسوي تستدعي منح الطرف المهمش صوتا، ومقاومة كافة أشكال العنف والتمييز والهيمنة على مستوى الفعل ، أي عند ممارسة الترجمة

ويظهر أنه في حالة الترجمة النسوية يصبح التغريب مضاعفا

مفهوما التعاطف والتوافق

يحصل هذا التقارب الفكري بين المترجم والمؤلف وهذه العلاقة لا تقتصر على وجود توافق واستلطاف بينهما بل وجود هوية مشتركة تجمعهما

وتكمن هنا الأزمة الحقيقية في عدم التخصص، فقد تأتي الترجمة موضوعية لكن مغلوطة بسبب العداء للفكر النسوي بقدر عدم المعرفة بأعماقه وأبعاده ، فتكون النتيجة نصا منقولا حرفيا أكثر من كونه مترجما من لغة إلى أخرى

المترجم والمترجمة المرئية

ويتحدث لورنس فينوتي عن مفهوم "المترجم الخفي"-invisible translator- على اعتبار أن الترجمة ليست فعلا موضوعيا وإنما حصيلة تأويل المترجم إذ النتيجة أنه كلما كان المترجم مرئيا في النص كلما ازدادت موضوعية النص الفعلية

أما المترجمة الخفية فتتناقض منهجيا مع الفكر النسوي الذي يركز على الاعتراف به كأساس للموضوعية وبالتالي على جعل المخفي مرئيا والمسكون عنه مسموعا

ومن ذلك فالترجمة النسوية هي ترجمة كاشفة تشف النص من أوهام قد تشوه الواقع على اعتبار أنها تعتبر الكتابة تأويلا ، وإلى الترجمة بوصفها إعادة كتابة -rewriting- وتمثيلا -représentation- لنص لا نقل له

وقد ركز ديفيد روس على سلطة المترجم في الحاكم على المعنى المقصود والاختيار بين المترادفات خلال عملية الترجمة ولهذا تتجاهل الترجمة النسوية ادعاء موضوعية الترجمة ولهذا تسعى إلى تسليط الضوء على الوجود الأنثوي في النص من خلال تأنيث اللغة بما يعكس تواجد المرأة في النص مؤلفة ومترجمة وذاتا وقارئة

ترجمة الخطاب النسوي-!

 توضح سوزان باسنيت في كتابها عن دراسات الترجمة أن الترجمة من منظور النظرية الأدبية تجمع بين علم اللغويات وبين نظرية التلقي وبين نظريات التأويل والتمثيل.

وتتقاطع النظرية الأدبية مع الدراسات الثقافية مع النظرية النسوية ودراسات الترجمة

كما أن جياتري سبيفاك في مقالتها "سياسات الترجمة 1993" تطرح فكرة استسلام المترجمة للنص وانصياعها للنص الأصلي من منطلق كون "الترجمة هي أكثر افعال القراءة حميمية"

فيم تطرقت باربارا جودار في دراستها "التنظير للخطاب النسوي/الترجمة النسوية" إلى مفهوم الترجمة باعتبارها إعادة كتابة للنص الأصلي -rewriting- على أساس أن الترجمة بمثابة انتاج للنص لا محاكاة وتكرارا ولد في لغة أخرى ، فعلى حد قول شري سايمون على أعتاب السياسات الواعية التي تطبقها البحوث النسوية ما قالته عن حقيقة تلك المواقع التي انكسفت والتي قيل إنها عالمية)الثقافة العظمى، وشرعة الكتب العظمى والتموذج الثقافي (.فاتضح أنها تعبير في جوهره عن قيم ذكور الطبقة المتوسطة البيض [8]

الترجمة النسوية للنص الأدبي السردي- -

تنصت الترجمة النسوية إلى الصوت السائد والاصوات الخفية كما تتمثل سمات هوية الرواية والبطلة والمؤلفة ومدى تمتع المرأة بسلطة السرد وتمثيل الذات أي مدى ظهور المرأة في النص وتغييرها عن حياة النساء والموقف الايديولوجي الذي يعكسه النص بشأن علاقات القوى الجندرية.

عندما نترجم نصا نسائيا غالبا ما يتبادر إلى ذهن المترجم أو المترجمة المتفاعلة مع القوى الجندرية  أسئلة من قبيل

من يقوم بدور البطولة؟ كيف يتم تصوير الشخصيات النسائية؟ هل يتم تصوير الجنسين في أدوار نمطية؟ كيف يتم تصوير/تنميط الانوثة والذكورة في النص؟ هل  يحدث تطور للشخصيات النسائية؟ في أي اتجاه؟ ما هي سمات الهوية وسياساتها في النص؟ من صاحب الصوت المهيمن على النص؟ من يقوم برواية النص – راوي أو راوية؟ هل توجد تعددية في الأصوات ووجهات النظر؟ من يتحكم في وجهة النظر السائدة في النص؟ هل تقوم الشخصيات النسائية بالتعبير على تجاربها من منظور نسائي؟ أم أن المنظور السائد يعكس الهيمنة الذكورية وفيم المجتمع الأبوي؟ كيف يتم تصوير الصراع في النص الأدبي؟ هل هو صراع داخل الشخصية النسائية؟ ما أوجه هذا الصراع؟ هل هل صراع بين الشخصية النسائية وشخصيات تمثل أنماط مجتمعية؟ كيف ينتهي الصراع؟ هل تخضع الشخصية النسائية للقيم السائدة أو تنجح في ايجاد بدائل؟ ما أوجه الصراع بين الرجل والمرأة في النص؟ هل توجد ملامح معينة تتسم بها الشخصيات النسائية في النص من حيث تكرار بعض المفردات أو استخدام صور مجازية معينة أو مستوى ما من اللغة ،ما هي أهم السمات الأسلوبية المستخدمة في النص مثل مساحات الصوت والصمت والمسكوت عنه؟ وهل يحمل النص نبرة استضعافية أو استعلائية أو تحريضية وما دلالتها؟ ما علاقة النص بالنوع الأدبي الذي ينتمي إليه؟ ما الرسالة التي يحملها النص فيما يتصل بعلاقة القوى بين الجنسين؟

خاتمة

تعتبر الترجمة من الأساليب الأساسية لفرض المعنى مع إخفاء علاقات السلطة التي تكمن خلف إنتاج ذلك المعنى، فين تخفي الترجمة علاقات السلطة عن المتلقي تضيف قوتها الرمزية إلى علاقات السلط التي تدور في فلكها، كان ذلك ما حاولت الدراسات الجندرية كشفه باستعمال النقل عبر الثقافي والذي تجسد في مدى استيعاب النظام الأدبي الأنجليزي لرباعيات الخيام مثلا والتي ترجمها فيتزجيرالد استيعابا كاملا حتى تجاوزت إطار الترجمة.

ولما نحت  النظرية الأدبية بالنسبة للفكر النسوي قضايا كالتمثيل   representation  والمنظور  perspective والصوت  voice تم التركيز على سلطة التمثيل لما له من دور في ترسيخ التنميط وتشكيل الهويات، وهو جانب أساسي في إعلاء الصوت النسائي في النص الأدبي في تعرية المسكوت عنه والكشف عن مواقع القهر والتمييز.

المراجع

[1] - سوزان باسنيت وأندريه ليفيفير، بناء الثقافات مقالات في الترجمة الأدبية، ترجمة محمد عناني، نشر مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط1، سنة 2017، ص: 186

[2] -هالة كمال ،النقد الأدبي النسوي ص: 15.

[3] - وتعتبر مدينة كيبك الكندية مهد الترجمة النسوية في الثمانينات.

[4] -(Maggie Humm «gender in the dictionaty of feminist theory » p84)

[5] - هالة كمال ،النقد الأدبي النسوي ص: 9

[6] - كانت هالة كمال سباقة إلى استعمال هذه الاستراتيجية، وكذا زندة أوبكر في تصدير كتابها المترجم "النسوية والدراسات الدينية (2012).

[7] - سوزان باسنيت وأندريه ليفيفير، بناء الثقافات مقالات في الترجمة الأدبية، نفس المرجع السابق، ص: 196.

[8] - عن سوزان باسنيت وأندريه ليفيفير، بناء الثقافات مقالات في الترجمة الأدبية، ص: 199.

 

الترجمة والجندر : اللغة من الترجمة الآلية إلى الترجمة الثقافية
Partager cet article
Repost0
3 janvier 2025 5 03 /01 /janvier /2025 16:22
The hinges of gender criticism and human discourse-Gender Approach-

The hinges of gender criticism and human discourse

-Gender Approach-

Dr. driss Abdennour

Court study

       Research Professor at the Regional Center for Professions of Education and Training Fez - Meknes / Morocco

Professor of Arabic language, didactics and women's literary criticism

Abdennour.driss@gmail.com

abstract:

The concept of “gender”, despite being a problematic concept, makes it easier for the student to decipher the meanings and connotations that cultures give to gender differences, as it can be used as an analytical tool. And here, as we touch on the critical approach to the issue of privacy and difference in women’s writing, we consider the gender approach as an introduction to understanding the complexities of communication between different forms of human interaction, because of its effects and manifestations in the act of symbolic written communication, as the concept of gender is capable of interpreting differences Between men and women on the basis that they are a product of historical processes and their divisions into social symbols that define each gender (male and female) within a particular culture. The boundaries and separations that society establishes between them are fragile, fragile borders that are not fixed before their budge, and the concept of gender here plays a leading role in revealing the gaps of previous literary studies, which considered many of the traits as natural feminine characteristics, and based on them their theoretical hypotheses, which are nothing but qualities that women acquired and imitated through A very complex process, in which the individual overlaps with the collective within each particular culture, where the concept has assumed a critical function, revealing the gaps in literary, social, political and practical studies. This is without forgetting that the concept of gender does not eliminate or marginalize the biological differences that exist between men and women, given that these differences are programmed into our nature as human beings.

Key words: the gender approach, gender criticism, women's literary criticism, women's writing, writing body.

 

Les charnières de la critique de genre et du discours humain

-Approche Genre-

Dr. driss Abdennour

Une étude contrôlée

Résumé:

Le concept de « genre », bien qu'il soit un concept problématique, permet au chercheur de déchiffrer plus facilement les significations et les connotations que les cultures donnent aux différences de genre, car il peut être utilisé comme un outil d'analyse. Et ici, alors que nous abordons l'approche critique de la question de la vie privée et de la différence dans l'écriture des femmes, nous considérons l'approche de genre comme une introduction à la compréhension des complexités de la communication entre les différentes formes d'interaction humaine, en raison de ses effets et de ses manifestations dans l’ acte de communication écrite symbolique, car le concept de genre est capable d'interpréter les différences entre les hommes et les femmes sur la base qu'elles sont le produit de processus historiques et de leurs divisions en symboles sociaux qui définissent chaque genre (homme et femme) au sein d'une culture particulière . Les frontières et les séparations que la société établit entre eux sont fragiles, des frontières fragiles qui ne sont pas fixées avant leur mouvement, et le concept de genre joue ici un rôle de premier plan pour révéler les lacunes des études littéraires antérieures, qui considéraient de nombreux traits comme naturels féminins. caractéristiques, et sur la base de leurs hypothèses théoriques, qui ne sont que des qualités que les femmes ont acquises et imitées à travers un processus très complexe, dans lequel l'individuel se superpose au collectif au sein de chaque culture particulière, où le concept a assumé une fonction critique, révélant les lacunes dans les études littéraires, sociales, politiques et pratiques. Ceci sans oublier que le concept de genre n'élimine ni ne marginalise les différences biologiques qui existent entre les hommes et les femmes, étant donné que ces différences sont programmées dans notre nature  humaine.

Mots clés : approche genre, critique de genre, critique littéraire féminine, écriture féminine, corps d'écriture: Question linguistique

 

تمفصلات النقد الجندري والخطاب اللغوي - الإنساني

- مقاربة النوع الاجتماعي (الجندر)

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

ملخص:

                        ان مفهوم "الجندر" بالرغم من كونه مفهوما إشكاليا، يسهل على الباحث عملية فك رموز المعاني والدلالات التي تمنحها الثقافات للفوارق الجنسية حيث يمكن استعماله أداة تحليلية، فبالإضافة لانتقاده للتصورات السائدة والمؤسسات والقيم الاجتماعية والثقافية، بإمكانه أيضا بناء معارف وتصورات جديدة في الأدب والفن والفلسفة والقانون، وهنا إذ نلامس المنحى النقدي لقضية الخصوصية والاختلاف في كتابة المرأة، نعتبر مقاربة النوع الاجتماعي (الجندر) مدخلا لفهم تعقيدات التواصل ما بين أشكال مختلفة من التفاعل الإنساني، لمـا له من تأثيرات وتمظهرات في فعل التواصل الرمزي الكتابي، فمفهوم النوع الاجتماعي قادر على تأويل الاختلافات بين الرجل والمرأة على أساس أنها نتاج للسيرورات التاريخية وتقسيماتها إلى رموز اجتماعية تحدد كل جنس (ذكر وأنثى) داخل ثقافة معينة. إن الحدود والفواصل التي يقيمها المجتمع بينهما حدود هشة، واهية غير ثابتة أمام زحزحتها، ويلعب مفهوم النوع هنا دورا رائدا في كشف ثغرات الدراسات الأدبية السابقة التي اعتبرت الكثير من السمات خاصيات أنثوية طبيعية، وأقامت عليها فرضياتها النظرية، وهي ليست سوى صفات اكتسبتها النساء وتقمصنها عبر سيرورة بالغة التعقيد، يتداخل فيها ما هو فردي بما هو جماعي داخل كل ثقافة معينة، حيث اتخذ المفهوم وظيفة نقدية، كاشفة عن الثغرات في الدراسات الأدبية والاجتماعية والسياسية والعملية. هذا دون أن نغفل أن مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) لا يلغي ولا يهمش الفوارق البيولوجية القائمة بين الرجل والمرأة، على اعتبار أن هذه الفوارق مبرمجة في طبيعتنا كبشر.

الكلمات المفاتيح: مقاربة النوع الاجتماعي ، النقد الجندري، النقد الأدبي النسائي، الكتابة النسائية، كتابة الجسد، السؤال اللغوي,

1- In monetary formation

Our critical practice based on this approach depends on the dismantling of the masculine discourse, by working to shake up the concepts that make women a stifled voice amid multiple circles of blocking and prohibition, in the midst of many societal forms that are included in stability: symbols, rituals, traditions, customs, and acquired patriarchal culture, which prevent the emergence of a special voice for women.

The feminine literary criticism, which we will give a synthetic name, combines women’s literary criticism and the approach of gender with the use of the word gender that was previously explained as a reference to it: gender criticism that takes feminine creativity as its subject, and searches in the feminine text about the awareness that flows in its corners, which is On behalf of the woman in expressing her silence, illustrating the idea of ​​the woman writer representing herself and her gender.

 Women are surrounded by many cultural structures and pressured traditional contexts that make them unable to represent themselves, or rather the rest of women, due to the multiplicity of veils and the thickness of ideological curtains that stand in the way of the writer to shake some of the convictions of the patriarchal society, convictions that nourished postulates with the passage of time. The woman who writes because of her insistence on the act of writing, her hand is on the wound of women.

• How does a woman express joy, pregnancy, livelihood, time and the duration of women's monthly habit?

Language works to transmit and crystallize ideas and practices related to gender. The circulated, written, and transmitted language in body movements still bears the signs of a male who has established masculine data in it, with the exclusion of the woman’s world at the linguistic level. As he considers it his best way to be at the center of every theoretical or intellectual discussion, and it is also considered one of the most important tools of this culture for its continuity and reproduction of itself. The exchange of language through the body, even if it participates with the man in the normal expression, it is superior to him in the expressions of the body. The direct language of the body is one of the weapons of a woman to defend her direct existence in front of the authority of the prevailing linguistic institution, and against the open and hidden dissolution and fusion in the masculinity class. In contrast, women’s celebration of their body and its languages ​​is contrasted with the man’s celebration of his virility, through which he expresses his being and his superiority in the rungs of knowledge and cultural authority. Therefore, women have the right to consider the issue of difference in terms of differentiation, not in terms of equality.

2- Critical engineering in the realm of gender

The gender criticism that we adopt in this research hopes to create new lines in the engineering of traditional criticism, which has been using the concepts of objectivity and neutrality in analysis and approach in dealing with women’s writing, as the Arab critical discourse was practiced in the majority by men who expressed a central patriarchal ideology, I tried to discuss women's writing from the standard of equality, at the expense of privacy, difference, and differentiation. This discourse, as it is ignorant of the issue of sexual difference, confirms the weakness of its discourse and vision and the limited conception of women’s literature, which reflects some of its cognitive and historical obstacles.

Gender criticism in the context of its presentation of the problem of women’s literature makes the legality of sexual difference and its impact on the act of writing an independent topic, and thus it seeks to create new outlets in women’s studies and narratives, given the intellectual position of the women’s text towards the official institution and the authority and dominance of society. For example, we refer to the Hijab Foundation as a process of gender drawing of the body rather than an ideological process. With this criticism, we feel that reorganizing the differences between men and women on the basis of the hijab is a process of reviving the societal prohibition that abolishes the woman’s body, and makes her move only with what the punishment mechanism allows.

The masculine thought system produces all kinds of violence against women, from physical violence to moral and symbolic violence, while “abolishing the other” is one of the ingredients that has become unable to be a basis for new knowledge and criticism representing global diversity, and thus bypassing the foundations of the Western mind with regard to its dependence on The instrumental nature of the mind, and ignoring the human cultural character on which the gender criticism is based, which pursues the examination of the reality of women: self, body and thought based on their position in the world, analyzing this positioning and listening to its total and partial facts. The concept of representations that Mustafa Tamim defines as, “Bringing The object and its appearance in front of the eye or in the mind through drawing, sculpture or language during speech” ( 1), the female body is considered an ideal carrier of all the representations in which the masculine logic imagines the public and private world of women, and an essential component of the structure of these representations through what the woman includes in her speech as he interrogates her body, and often deputize for her direct speech. The reality of the representations that the female body carries about itself and the other, is an expression of how the imagined image of women is manifested in all kinds of discourse.

For this reason, gender criticism employs the gender approach and takes it as a strategy to control the interpretive paths of the literary act and deal with it according to the representations it constitutes, which fall into a series of cultural biases subject to the context of the pattern. This critical perception also falls within the cultural approach, with its focus on literary discourse forms and analysis, especially the field of linguistic studies, to reveal the original and natural situation of women in it and the nature of the conflict between it and the discourse of patriarchal thought. Gender criticism cannot but appreciate most of the manifestations of writing about women, whether on the part of the man or on the part of the woman herself, especially what these manifestations discover from different issues that constitute a kind of cultural movement rebellious against ready-made formats, which gives this women literary criticism marked with criticism. Gender is a theoretical and methodological dimension.

3- The methodological and analytical preoccupations of gender criticism

Gender criticism, based on the theoretical foundations of sexual difference, and based on analytical convictions, cannot but contribute to the development of literary criticism theory. Its major characteristics are the exclusion of the feminine, as it appears that women occupy the position of subordinate, marginalized, and excluded because of the dominance of transcendental concepts of thought and language, and because of the patriarchal culture that referred women to subordinate and disciple.

In our critical treatment, we focused on the concept of gender (gender) to reveal the hidden aspect in the world of femininity - whose conscious representation has been absent in modern critical schools - on the basis of the close connection between the literary dimension and the reference dimension that calls for criticism and examination of texts, invoking its analysis tools from The field of reference, Khaleda Saeed says: “If we look at the artwork with its reference dimension, it was a testimony or sign of a fact that preceded the text and existed outside it and independent of it and its laws. Urban, Bedouin... In this case, the examination of this reference level in the text is carried out with tools for analysis and lesson borrowed from the field of reference.(2)

 The woman writer constitutes an essential subject for women’s literary criticism, i.e. gender criticism, due to the borrowing of the tools of its critical approach from the field of reference and based mainly on the scientific conclusions of the gender approach, as well as in terms of taking the issue of sexual difference into consideration in its theoretical and analytical dimension, and giving the issue of language its importance as a device for detecting Cultural and social deception, ending with the female body that carries the psychological and societal formation of women and society together, which allows the violation of the masculine position biased against women by language and culture.

The woman is an object that has always been represented through the masculine discourse, given the clear difference between “talking about” and “talking to” that occupied this discourse. The original cultural context that expresses identity and self.

4- Critical foundations of gender criticism

1) Awareness of the importance of linguistic subtraction

The first topic approached by gender criticism is related to linguistic representation, which aims to propose the possibility of decoding discourse linguistically, and revealing the taboos that language represents in community awareness.(3) In the “Marxism and Interpretation of Culture Conference” held in 1983 AD and entitled: “Can the subaltern speak?”, where the studies of the subaltern were linked to this question, through what this controversy crystallized about cultural identities and the concept of class and gender subordination, it focused on the issue of language that makes women’s writing It belongs by force and deed to the field of the margin by virtue of gender or race or both, while RL Trask focused on the division that appears clearly in the language of society, saying: “The division between men and women in a society is one of the clearest social divisions, and it is surprising that This division is very clear in the speech of that society” ( 4), which is why language is considered a distinguishing mark for the specialization of women’s literature. Gender can prove its cognitive usefulness as a concept that constitutes a variable in the construction of the critical approach that is exposed to the sexual position of the author, whether the author is a man or a woman. He also performs the concept of the female body as it identifies with the femininity that is endemic to language, movements and social representations.

The features and characteristics of gender criticism lie in the questions it poses to the written women’s text, such as:

• What does the woman write about?

• Is the narrator's gender important from a creative point of view?

• Does women's creativity have one mechanism in which women's writing is involved?

• What are the concerns of this writing?

• How does the writer make her speech an essential expression and record of her living reality in society?

What makes us convinced of the feasibility of seeing and visualizing gender-based criticism is what women’s writing enjoys, whether the women’s text is a poetic poem, story, novel, plastic painting, film, play, or other literary genre, from characteristics and distinguishing marks, intellectual perspectives and formats An aesthetic that contributes to the creativity of the women’s text, whose high coding ability gives it the character of continuity and presence after its direct impact has passed. The most important thing is to clarify the closures of the women’s literary text in the light of the perception of women’s oppression, and what women’s writing is saturated with from life experiences full of human tragedy, starting from the formed subconscious In the experience of killing the girl by her family in order to wash the shame, and through infanticide and captivity, and the transformation of the female body into a tool for pleasure in the light of moral duplicity, as much as she despise the body, she works to exaggerate its sanctification, reduce the woman to her virginity and force her to marry, with her demand to have a boy and condemning her to have a girl, And the practice of violence against her, marriage, divorce and withholding of her, although these practices, as the writer crystallizes them in her women’s writing, constitute the depth of vocabulary, concepts and main issues that address Let the women's text have it, making it transformed by force from the tomboyish text frame to a new writing style that searches for equality, freedom and distinction through rebellion. While literary criticism directs thought patterns towards the creative components of the text based on a critical vision that aims to analyze the stylistic, structural and semantic systems of women’s literature, the discourse of gender criticism is influenced by the creative achievement of women, and it tries to explore how women’s literature represents the world of women linguistically, physically and culturally. Psychologically, despite the weakness of this achievement and its modernity in influencing society due to its description of the marginality of what it represents, and in view of the immunity enjoyed by socially established beliefs, and which are not allowed to be handled by criticism, after the male identity that invented the stallion logic, agreed to turn into a diwan that can translate The self and the other at the same time.

As gender criticism turns to the past in order to dismantle it and disrupt its references that humiliated women throughout history, it turns strongly to the analysis that leads to the discovery of the constituent elements of the modern text that falls under the category of women’s writing, and the inventory of its prominent features and the loosening of bitumen from its data in behavior and the structure of general thinking, as the women’s text is not an expression On the ideology of its writer, and it is not a reflection of a society dominated by the majority, but rather a text that gives you the feeling of a minority crisis, that inhabits the spaces of silence inside and outside the text, as it dwells in the quality of its stumbles as it addresses the silent, as it reflects the fact that the human self is devoured by plurality, meaning that the “other” dwells The self does not exist outside it, and this leads to the saying that being male or female is not an inevitable fate except when the prevailing culture deludes it. While it is difficult to limit the human entity to a belief, tradition, or gender, every subject, male or female, does not withstand the fact that man is selves that differ according to the conditions of the same self in different times and places.

The task of the feminist literary critic (= the gender critic) here, in addition to monitoring the literary text, is to reveal the web of material, ideological and symbolic practices that encapsulate every expressive act of women. In the past, it has been far from establishing a tradition in itself, or being currently an organic part of the recognized literary tradition. Perhaps the literary language and the female body, which we have given an important analytical aspect, are among the mechanisms used to suppress the heterosexual and suppress the female, and perhaps our reliance on deconstruction as a methodology More than the semiotic approach is due to: “The tendency to pure semiotics is a cause and effect at the same time for a more general tendency in narratives to isolate texts from the context of their production and reception” (5).

The conclusion that says that patriarchal culture is subject to this heterogeneity through linguistic methods, it is necessary to uncover and know the mechanisms of its operation that enabled the man to blur the features of women and the feminine in them, as it worked to spread the ideological contradiction between men and women.

The representations of language included everything, and its spaces extended to the linguistic law that frames the relationship between male and female, the corruption of the masculine pronoun and dominated the discourse and its axis around itself, although most grammarians say that grammatical gender is random and independent of connotations and sexual signs, and as a result, women engaged in politics chose New linguistic methods provided them with an approach to the dominant language, the language of authority, which is the language of man. The linguistic discourse in its entirety, and whatever its nature, remains inhabited by masculine extensions of its power so that it can possess the speaker’s gender. The literary body summarizes the physical body as a symbolic representation within the text. This perception, as the language has worked continuously to present the society’s perception of the body that automatically determines the cultural pattern, making it an absolute body that does not address our consciousness as much as it addresses the memory that extends in time.

• So, how did the woman employ her body in the face of the cultural pattern, and how did she write and codify that confrontation?

2) Monitoring the literary employment of the female body

The female body in women’s writing is the semi-unknown continent that declares its challenge to literature, and the focus of our analyzes focused on the female text. It is centered around the special relations of events, actions, and facts, and since the narrative representation works to reconstruct the cultural dominances whose manifestations clearly appear in the female text, we will shed light on the subject of the female body in the tales of the Thousand and One Nights, as a model in which the narrator practiced moving from the oral towards Entabtism, because it contains suggestions related to the freedom of women, and the symbolic, cultural and societal violation that she is exposed to in a world saturated with male culture. Therefore, the female body with One Thousand and One Nights has become an official spokesperson for the Arab narrative because it is not isolated from historical backgrounds, aspirations, and psychological, emotional, mental and social values. Related to women and their world, as employed by women in their liberation movement, as a form of resistance to arrogance Masculinity: the cultural and social practice of historical oppression against women.

For women’s writing, as mentioned earlier, the female body comes primarily to confront and resist the dominant institutions that support male domination, including language and symbolic discourse transmitted in speech, images, myths, writing and rituals. French feminism in the words of Ann Rosalind Jones sees that: “Resistance This comes through the restoration of childish bodily pleasures, and after that the bodily pleasures that were suppressed by the father’s law, but he could not erase them, and the woman must live her physical experience in the light of new facts that are not imposed by the centralization of men” (6).

While Anne Rosa Lind Jones agrees with Lucy Irigari about the potential of the female body to inspire some energy in women, Helen Hyxos goes to great lengths to place the female body the optimum possibility for women to enjoy their existence, awareness and writing. This trend leads researchers towards the importance of the female body in the existence and being of women. , makes a woman’s experience with her body among the only objective components of women who stand in the face of the symbolic masculinity patterns that permeate Western thought, and this is mostly done by declaring a woman’s sexual identity that begins by declaring her body as a form of sharp difference between her and the man.

While we agree with the trend expressed by the French writings that the female body should be seen as a source for women’s writing, the value of the female body in this research is a powerful discourse that makes it dependent on the woman’s hand, who can destroy and rebuild through it a male-biased social reality. However, we do not claim, as the French feminist says, that the female body is the only source of self-knowledge, if not in fact a mediator between knowledge within the woman and knowledge outside it.

Late feminist criticism, especially with Anne Rosa Lind Jones, goes on to say that female sexuality has no precedent for social experience. With his small family first, and with symbolic systems that have a great influence on the individual's view of the sexual object (7).

It is no wonder that American feminism and French feminism agree that the female body is the best place through which women can express their rejection of masculine forces that try to isolate them. It is a form of "union" expression and struggle to defend women's freedom, but based on the characteristics of exception and privacy.

• Is it possible for the female body to be a source of an alternative discourse that moves from the social review to the written textual ?

In order to establish her symbolic discourse, the woman writer’s strategy needs two basic elements, one of which was expressed by Madeleine Gagnon in her saying: “We are not masters of ourselves, nor of others, nor do we confront ourselves so that we can liberate them, nor do we remain looking to ourselves in order to understand ourselves, all we have to do is To erase all that might hinder us or harm us in order to create new forms of writing, we preserve what gives us strength, and what is convenient for us, and this will upset the position of the self-centered man.(8)

As for the second element of the strategy, it lies in the difficulty that makes women move from the body to the language, which puts women face to face with the symbolic system, where all the taboos rise up to announce the inability of women to penetrate the language that carries since the ages of the man’s point of view and his vision of the world.

The woman, while using language, places in it her discovery of her sensory pleasure that stems from her relationship with her body, but writes to the recipient who possesses the power and taste of the audience of readers, as well as the means of publishing and distribution.

• Do women write what they want when they are far from the society for which they are writing?

This is a fundamental question expressed by Ann Rosa Lind Jones with another question in which she said: “Well, now you are sitting in your office, alone, not letting anyone or anything hold you back, are you free now?

The writer answered this deep question in two points that constitute so far the most important answer that still governs the written behavior of women. She says:

First: “After this long investigation, you are swimming in a terrible soup of values, and in order to be safe, you must reject the so-called feminine values ​​which are in fact not feminine, but rather a social scheme, and you must identify with masculine values ​​that are not masculine, but rather Men have taken over it, they have given it the mark of human values, you must mix all this with counter-values ​​of oppression, violence, domination and the like, in this mixture, where is your true identity?

Second: It is assumed that you are writing in a specific form, I mean a specific form in which you feel that you have not been usurped by anyone, novels or poetry directed to a limited audience, and in this case the audience will call you a shweira or a weak novelist, and not every woman can bear this(9)

Conclusion:

The French edition of women’s writing would not have been effective if it did not contain its transcendence in itself. It cuts off distinction by using spare parts from within the masculine culture itself. The new proposal established by women’s writing for women’s awareness will not take place without creating trends and orbits in the language, with its approach and structures. And its one-sided conventions, which limit female self-knowledge and curb the feminine’s movement towards a world free of material and ideological masculine domination. Armed with her new awareness, the woman has only to turn with all her might to create a new structure for her revolution: the body/language, to realize that writing the body is now among the  mechanisms that gnaw the body of the existing masculine culture.

This is how feminist writing invested the female body:

 First: As an introduction to understanding the body’s strategy in expressing itself and the identity of its bearer.

Secondly: In order to create a culturo-textuelle legitimacy for this writing that strips the substance of the body in order to make the apparent express the interior and its yearning for liberation, and to remove the veneer of enslavement from the female self, the thing that constituted richness and richness in this writing, and it joins the creative and critical tide. .

References and footnotes

1- Tamim Al-Mustafa, Representations and their Employment in Acquisition of Knowledge, Association for Research, Authorship, Translation and Publishing in the Tadla Azilal Region, New An-Najah Press, Casablanca, first edition, 2002, page: 10.

2- Said Khaleda, “Woman’s Liberation, Creativity,” a series under the supervision of Fatima Mernis, published by Al-Fanik, An-Najah Press, Casablanca, 1991, p. 88.

3- She translated into English Jacques Derrida's book Of Grammatology, which was credited with introducing deconstruction into the Anglo-Saxon culture.

4- R.L Trask, The Basics of Language, translated by Rania Ibrahim Youssef, The National Project for Translation 381, the Supreme Council of Culture, Cairo 2002, pg. 98.

5- Susan Lancer, "Towards a Feminist Narrative Science", Windows magazine, No. 33, September 2005, p. 86.

6- Anne Jones, Rosa Lind: Writing the Body: An Attempt to Understand Feminist Writing, translated by Ahmed Sabra, Windows Magazine No. 33, 2005, p. 115.

7- Anne Jones, Rosa Lind, ibid., p. 118.

8- Windows magazine, the same previous reference, p. 121.

9- Anne Jones, Rosa Lind, Windows magazine, ibid., p. 123.

The hinges of gender criticism and human discourse-Gender Approach-
Partager cet article
Repost0
3 janvier 2025 5 03 /01 /janvier /2025 12:56
آليات التفكير النقدي لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير/ج1

آليات التفكير النقدي لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير/ج1

د. نورالدين بونتل

دراسة محكمة

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين- فاس مكناس

ملخص

إذا كان التعلم بدون تفكير لا فائدة منه، فالتفكير بدون تعلم أمر خطير؛ معادلة قديمة ما يقرب 2500 سنة، حذر ضمنها (كونفوشيوس) من العواقب المترتبة عن الفصل بين  التعلم والتفكير باعتبارهما نشاطين فكريين داخليين متفاعلين.

والمقصود هنا، هو التفكير النقدي باعتباره مسارا مكونا من مجموعة من العمليات المركبة تركيبا متسلسلا، يتم تحريكها لدى الأشخاص من خلال التأمل وممارسة الحوار، وفق وجهات نظر معرفية محددة.

تفرض علينا هذه العلاقة بين التفكير النقدي والتعلم، كممارسين في الحقل التربوي، أن نفتح مجالا للتأمل الذاتي، ثم أن نتساءل عن أثر حضور (أو غياب) هذه العلاقة في التطوير المهني الشخصي، و أثرها في التطوير المهني والشخصي للمتعلم. وذلك في إطار البحث عن أجوبة لأسئلة عديدة ذات الصلة بالتعليم والتعلم، ومن أهم هذه الأسئلة:

- ما المنهج التربوي الذي يسهل هذه العلاقة بين التعلم والتفكير لدى المتعلم؟

- كيف نعلم المتعلم أن يتعلم؟

- ما هي الطرائق البيداغوجية القادرة على تطوير  القدرة على التفكير النقدي وتفعيل المهارات المعرفية لدى المتعلم؟

سنحاول من خلال الجواب عن هذه الأسئلة تسليط الضوء على آليات التفكير النقدي وأثره في تعلم التعلم.

الكلمات المفاتيح: التفكير النقدي، التعلم، المهارات المعرفية.

Summary :

If learning without thinking is useless, thinking without learning is dangerous; an ancient equation of nearly 2500 years, in which Confucius warned of the consequences of separating learning and thinking as two internal, interactive intellectual activities.

What is meant here is critical thinking as a path consisting of a set of complex, sequential processes that are moved in people through contemplation and dialogue practice, according to specific cognitive perspectives.

This relationship between critical thinking and learning forces us, as practitioners in the educational field, to open a space for self-reflection, and then to ask about the impact of the presence (or absence) of this relationship on personal professional development, and its impact on the professional and personal development of the learner. This is within the framework of searching for answers to many questions related to education and learning, the most important of which are:

- What is the educational approach that facilitates this relationship between learning and thinking in the learner?

- How do we teach the learner to learn?

- What are the pedagogical methods capable of developing the ability to think critically and activate cognitive skills in the learner?

By answering these questions, we will try to shed light on the mechanisms of critical thinking and its impact on learning.

 Keywords: critical thinking, learning, cognitive skills.

1. التفكير النقدي: المفهوم والأبعاد المجالية

التفكير النقدي عمليات معرفية (Guilbert, 1990 ; Lipman, 2003 ; Paul, 1990)، أو إجراء ضمن سياق  ينطوي على العديد من الإجراءات المعرفية (Gagnon, 2011). وهي خلاصة ما أجمع عليه العديد من الباحثين (Ennis, 1985 ; Lipman, 2003 ; MC Peck 1981 ; Paul, 1990 ; Siegel, 1988) حول مفهوم التفكير النقدي باعتباره "ممارسة تأملية تركز على تحديد ما يجب أن نقتنع به أو نفعله، وعملية فكرية توجه التفكير والعمل بطرق منطقية ومضبوطة". أما أهم مجالاته المعرفية فهي الفلسفة، والأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، وعلوم التربية. لذلك لا يمكن الحديث عن تفكير نقدي واحد، بل تفكير نقدي متعدد ومختلف باختلاف المجالات والمقاربات (Boisvert, 1999)، كما لا يمكن أن يستقيم مفهوم التفكير النقدي إلا داخل المجال المعرفي الذي يعالج ضمنه، وبناء عليه، فإن مقاربة التفكير النقدي في مجال علوم التربية مقاربة نقدية بيداغوجية، تنهل مرجعيتها العلمية من الفلسفة وعلم النفس. وهو ما نوضحه ضمن السياق التالي:

1. 1.  الركن السيكولوجي وعلاقته بالتفكير النقدي

في علم النفس، تتم دراسة الذكاء (الذكاءات المتعددة) استنادا إلى عمليات معرفية بفضل دمج القياسات النفسية، باعتبارها إحدى مكونات النموذج المعرفي، والتي أنشأت طرقا منهجية لا تزال تشكل الأساس للأبحاث المعاصرة في علم النفس. كما ابتكرت طرق تدريس تقوم على فاعلية البناء المعرفي على مكتسبات سابقة، مستندة على الأدلة العلمية التي جُمعت بشأن طرق اشتغال الدماغ البشري وعمل الذاكرة. فبالنسبة للمعرفيين، يتوافق التفكير النقدي مع العمليات المعرفية أو الميطامعرفية مقسمة إلى قدرات، مثل قدرة التحليل وقدرة الاستدلال؛ حيث تؤدي تعبئة القدرات المعرفية لحل مشكلة مركبة إلى ترتيب الأفكار، وتقديم الاستدلالات المنطقية للبرهنة عليها، والمقارنة بين البراهين والحجج، ثم إيجاد الحلول والأحكام وتبريرها استنادا إلى السياقات الثقافية (Facione, 1990; Paul, 1990; Sternberg, 1986). لذلك يعتبر التفكير النقدي "الحكم التنظيمي الذاتي الذي ينتج عنه التفسير والتحليل والتقييم والاستدلال، مع شرح الاعتبارات الاستدلالية أو المفاهيمية أو المنهجية أو المعيارية أو السياقية الذي يستند عليها هذا الحكم"(Facione, 1990 : 3). وفي هذا الإطار، بينت الأبحاث التي أجراها (Dwyer, Hogan & Stewart, 2014) على المفكرين النقديين  أن أحكامهم أقل نفاذية للتحيز المعرفي، وكذلك بالنسبة للعلماء المعرفيين، الذين يعتبرون الكشف وتحيين العمليات والمسارات النقدية عوامل حاسمة في حصول تطويرهم الضروري في مجال التربية الذي يتطلب القدرة الكبيرة على التكيف مع مستجدات عالم معاصر سمته التعقيد والسرعة.

1. 2.  الركن الفلسفي وعلاقته بالتفكير النقدي

ارتبط النهج الفلسفي للتفكير النقدي في صوره العقلانية بعصر التنوير مع فلاسفة أمثال: Montesquieu (1689-1757)، وVoltaire (1694- 1778)، و David Hume (1711- 1776)، و Jean-Jacques Rousseau (1712- 1778)، و Denis Diderot (1713- 1784)، و Adam Smith (1723- 1790)، و Emmanuel Kant (1724- 1804)، وغيرهم ممن شكلوا ثورة فكرية في أوروبا وأمريكا الشمالية في القرنين (17) و (18)، وأسسوا لظهور مناهج جديدة في الفلسفة والعلوم والسياسة، تقوم على تمجيد القدرة العقلية لمنطق البشر باعتبارها الأداة التي يمكن من خلالها توسيع معرفتنا والحفاظ على الحرية الفردية.

ومن خلال طروحاتهم نستطيع أن نميز بين التفكير الفلسفي والتفكير النقدي، حيث يقوم الأول على معالجة القضايا والإشكاليات المتصلة بفلسفة الحياة والوجود والمعرفة والقيم والبحث عن الحقائق، ومواجهتها بواسطة التمحيص الشمولي العميق والأسئلة والحوار العقلاني، موظفا أدوات وآليات التحليل المنطقي للتوصل إلى إجابات مقنعة، تسهم في فهم الواقعين النظري والعملي معا. بينما يتعامل التفكير النقدي مع الأفكار والموضوعات المتصلة بالحياة اليومية والحقائق والمعلومات المتاحة والمعروفة، لتقييم مدى مصداقيتها، وتحليلها نقديا، بناء على التشكيك في الافتراضات، وتحليل الحجج، وتقييم الأدلة، للوصول إلى استنتاجات منطقية ومبررة؛ أي أنه مهارة معرفية تقوم على توظيف العقل والمنطق والتحليل والتفسير،  وهو ما جعله وثيق الصلة برؤية الإنسان المثقف والمتحرر والمتحكم بالعقل في التفكير ((Goeury, 2007، والذي يعتمد على المعرفة العلمية لضمان التحرر من كل عقيدة. وهي الرؤية الفلسفية التي طبعت مفهوم التفكير النقدي في القرن العشرين، خاصة في مجالي البحث العلمي و التعليم.

2. مساحة التفكير النقدي ضمن فضاء التعلم

تبدأ الخطوات الأولى للتعلم ضمن التفكير النقدي بالممارسة التأملية التي نركز ضمنها على تحديد ما يجب أن نفعله، تليها العملية الفكرية التي بموجبها نوجه التفكير نحو العمل بطرق منطقية ومضبوطة، وإجراءات منظمة ومنسقة، واستراتيجيات تدريس عملية، تلك التي بدونها يظل التفكير النقدي في نظر(Guilbert, 1990) مجرد تفكير بالتمني وساحة للكلمات الرنانة. يتطلب الأمر إذا، حضور عمليات أساس، وضمنها مهارات معرفية متسلسلة:

2. 1. المعرفة: هي الأرضية الأساس التي ينبني عليها التفكير، شرط أن تكون هذه المعرفة نابعة من أصول وقواعد معرفية مؤسسة على التجربة أو الدراسة الميدانية أو الأصول النظرية الموثوقة؛ معرفة تعكس القدرة على جمع المعلومات الصحيحة المناسبة لموقف أو سياق معيّن، والمساعدة مباشرة على حل المشكلة، وفق الخطوات المقترحة التالية:

- تحديد وضبط حدود ما تريد البحث عنه؛

- تحديد المصادر الأفضل للمعلومات المراد استثمارها؛

- تحديد الطريقة المناسبة لتقصي المعلومة وإيجاد الحل، باقتصاد الجهد والزمن؛

- طرح فرضيات حول الثغرات أو الصعوبات المحتملة، وإمكانيات إيجاد حلول لها.

2. 2. التحليل: يتم التحليل بعد جمع المعطيات المعرفية الضرورية، ذات العلاقة بموضوع التفكير (الإشكالية المطروحة)، وبناء العلاقات بين الأفكار والمعطيات، وتحديد نقاط التمفصل أو الاختلاف بينها، قصد اختيار لمناسب منها؛ وذلك بتوظيف مهارات التحليل والمنطق التي تتيح لصاحبها جمع المعلومات وتصوّرها بكلّ تفاصيلها، ورؤية الإشكالية المطروحة من زوايا وأبعاد مختلفة، ثم البحث عن الحلول الممكنة، واتخاذ القرارات المناسبة؛ لأن تحليل موقف معين يعني أن المتعلم قد طور فهما لجميع جوانبه، واكتسبت خبرة حوله، لاسيما أن عملية التفكير التحليلي عملية منظمة، تتم من خلال خطوات متسلسلة، يمكن تلخيصها فيما يلي:

- تحديد المشكلة، الموقف أو القضية وتعريفها؛

- جمع المعلومات اللازمة حول هذه المشكلة أو القضية من التجربة و الملاحظة؛

- تطوير حلول لحل المشكلة أو لاكتساب فهم أعمق حولها؛

- تجربة الحلول أو الأفكار الجديدة التي تمّ العثور عليها واختبارها؛

- التحليل اللاحق، أي عملية مراجعة الحلول التي تمّ تطبيقها والتأكد من مدى نجاعتها وفعاليتها.

إن العنصر الأساس في التفكير التحليلي هو القدرة على تحديد العلاقات بين السبب والأثر؛ ويعني ذلك الفهم السريع لما يمكن أن يكون قد حصل أثناء عملية حلّ المشكلة، وأدّى إلى فشل الحل، ومن ثمّ المحاولة من جديد باستخدام أفكار وإجراءات ومسارات بديلة، تتجاوز الصعوبات والأخطاء السابقة في البحث عن حلول ملائمة. وهنا تبرز أهمية مهارات التحليل والمنطق (Analytical and Logical Skills) في التعلم الذاتي والموجه؛ حيث تتيح العثور على الحلول المختلفة والمتنوعة للمشكلات، كما تساعد على اتخاذ قرارات مبنية على مسار تحليلي منطقي وفهم مبني ومتدرج للمشكلة.

2. 3. التركيب: وهي عملية معقدة تتطلب توظيف مهارات التصنيف والترتيب على المستوى المنهجي، لأن المنهج أو الطريقة المعتمدة هما الكفيلان بتحديد مسارات التركيب وأهدافه ونتائجه. ثم توظيف نتائج التحليل على مستوى المضمون، وذلك بوضع الفكرة المناسبة في المكان المناسب؛

2. 4. التنفيذ: ويتم عبر تطبيق النتائج ومقارنتها مع المنطق، ومعرفة مدى انسجامها مع الواقع المعرفي المقصود؛

2. 5. التقييم والتقويم: يشترط التقييم تحديد جوهر الإشكالية المطروحة، وتوقع النتائج لأجل معرفة وضع خطط للوصول إلى تحقيقها، قبل التأكد من مصداقية النتائج. ويتم من خلال اختبار الأفكار الجديدة، وتجربة الحلول، وتقييم مدى ملاءمة نتائج التنفيذ للمنتظرات والتأكد من فعاليتها، مع إمكانية استثمار نتائج التقييم في إعادة توجيه بناء المعرفة كلما دعت الضرورة. وقد يمتد الأمر إلى تحليل المنظور المعاكس لما يتم التوصل إليه من أجل صياغة التفكير بمعرفة الأسباب ((Martin-Lagardette, 2014، والاقتناع بنجاعة مسار البحث والتحليل، ومصداقية الحلول وملاءمتها.

تابع

        

آليات التفكير النقدي لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير/ج1
Partager cet article
Repost0
3 janvier 2025 5 03 /01 /janvier /2025 12:00
تتمة//آليات التفكير النقدي لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير /ج2

تتمة//آليات التفكير النقدي لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير /ج2

د. نورالدين بونتل

دراسة محكمة

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين- فاس مكناس

تتمة

ملخص

إذا كان التعلم بدون تفكير لا فائدة منه، فالتفكير بدون تعلم أمر خطير؛ معادلة قديمة ما يقرب 2500 سنة، حذر ضمنها (كونفوشيوس) من العواقب المترتبة عن الفصل بين  التعلم والتفكير باعتبارهما نشاطين فكريين داخليين متفاعلين.

والمقصود هنا، هو التفكير النقدي باعتباره مسارا مكونا من مجموعة من العمليات المركبة تركيبا متسلسلا، يتم تحريكها لدى الأشخاص من خلال التأمل وممارسة الحوار، وفق وجهات نظر معرفية محددة.

تفرض علينا هذه العلاقة بين التفكير النقدي والتعلم، كممارسين في الحقل التربوي، أن نفتح مجالا للتأمل الذاتي، ثم أن نتساءل عن أثر حضور (أو غياب) هذه العلاقة في التطوير المهني الشخصي، و أثرها في التطوير المهني والشخصي للمتعلم. وذلك في إطار البحث عن أجوبة لأسئلة عديدة ذات الصلة بالتعليم والتعلم، ومن أهم هذه الأسئلة:

- ما المنهج التربوي الذي يسهل هذه العلاقة بين التعلم والتفكير لدى المتعلم؟

- كيف نعلم المتعلم أن يتعلم؟

- ما هي الطرائق البيداغوجية القادرة على تطوير  القدرة على التفكير النقدي وتفعيل المهارات المعرفية لدى المتعلم؟

سنحاول من خلال الجواب عن هذه الأسئلة تسليط الضوء على آليات التفكير النقدي وأثره في تعلم التعلم.

الكلمات المفاتيح: التفكير النقدي، التعلم، المهارات المعرفية.

Summary :

If learning without thinking is useless, thinking without learning is dangerous; an ancient equation of nearly 2500 years, in which Confucius warned of the consequences of separating learning and thinking as two internal, interactive intellectual activities.

What is meant here is critical thinking as a path consisting of a set of complex, sequential processes that are moved in people through contemplation and dialogue practice, according to specific cognitive perspectives.

This relationship between critical thinking and learning forces us, as practitioners in the educational field, to open a space for self-reflection, and then to ask about the impact of the presence (or absence) of this relationship on personal professional development, and its impact on the professional and personal development of the learner. This is within the framework of searching for answers to many questions related to education and learning, the most important of which are:

- What is the educational approach that facilitates this relationship between learning and thinking in the learner?

- How do we teach the learner to learn?

- What are the pedagogical methods capable of developing the ability to think critically and activate cognitive skills in the learner?

By answering these questions, we will try to shed light on the mechanisms of critical thinking and its impact on learning.

 Keywords: critical thinking, learning, cognitive skills.

3. التفكير النقدي الحواري آلية لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير

يؤكد العديد من الباحثين والاتجاهات التربوية على أهمية تدريس التفكير النقدي في بناء قيم الاستقلالية الفكرية وحرية الاختيار واتخاذ القرار. وبغض النظر عما يذهب إليه أنصار الاتجاه العام (Daniel, 2005 ; Gagnon, 2011 ; Lipman, 2003)، نركز على التيارات التي تؤكد على تطوير قدرات معرفية خاصة ومحددة لدى المتعلم، خاصة نموذج التفكير النقدي الحواري الذي اقترحه (Forges, Daniel et Borges, 2011)؛ يتعلق الأمر بالطريقة التي يتم بها حشد التفكير النقدي ضمن سياقات مختلفة، وتًعنى بتنمية الخصائص الشخصية مثل (الفضول الفكري، التساؤل، الانفتاح الفكري، المرونة، التقبل...) وتطوير المهارات المعرفية (تنظيم البيانات، وتحليل الحجج، التمييز بين الحقائق والآراء، والحكم على مصداقية مصدر المعلومات، وما إلى ذلك). لأن مهارات البحث والتفكير وتنظيم المعلومة وتوظيفها هي التي تميز التفكير النقدي عن غيره  Ennis, (1985) ; et Lipman (2003). وبالتالي فالتفكير النقدي ليس حدثا منفردا أو حالة، بل مسارا (un processus) مكونا من عمليات معقدة يتم تحريكها لدى الأفراد من خلال ممارسة الحوار بين الأقران وفق ثلاث وجهات نظر معرفية: هي: الذاتية، والنسبية، والذاتية المتبادلة. وللوصول إلى التفكير النقدي الحواري، لا بد من فهم مفاهيم الذاتية والنسبية لتعلم أخذ الآخر بعين الاعتبار، ومن ثم تطوير الذاتية المتبادلة (l’intersubjectivité) الموجهة نحو البحث عن المعنى، (Forges et al., 2011).

وتعني الذاتية التركيز على طريقة الفرد في إدراك وفهم الحقائق والمواقف والتبرير التلقائي، أما النسبية فتخص قبول وجهات نظر الأقران المختلفة على نفس القدر من الأهمية، والرغبة في فهمها، دون التشكيك فيها، أو تقييمها حسب معايير ذاتية محضة. أما الذاتية المتبادلة فتعني تبرير وجهات النظر باعتبارها فرضيات، بناء على معايير موجهة نحو البحث عن المعنى، واعتماد الشك المنهجي والتساؤل والانفتاح، قصد البناء المشترك لمعنى المفاهيم تأسيسا على خلاصات نتائج التقييم النقدي الحواري لوجهات النظر.

إننا إذن أمام مسار لمجموعة من العمليات (Guilbert, 1990 ; Lipman, 2003 ; Paul, 1990)، أو إجراء ضمن سياق (Gagnon, 2011) ضمن منظور ينطوي على توليف العديد من العمليات والإجراءات المعرفية التي من شأنها أن تميز التفكير النقدي الحواري، أهمها:

- طرح التصور العام

- التمييز بين مصادر المعلومات و تقييمها؛

- طرح الإشكالية وتحليلها وفهمها؛

- القدرة على الإنصات والفهم والتفاعل؛

- إصدار حكم؛

- اتخاذ موقف، ومعرفة التصرف ضمن السياق؛

- الحوار وتقديم الحجج والأدلة للبرهنة على الاقتراحات (Argumenter

- النقد الذاتي، وتصحيح المعلومات الشخصية؛

ويستدعي هذا النموذج أن يتوفر المتعلم، أو على الأقل أن يتعلم بالتدرج الخصائص التالية:

- الاطلاع المحين والمستعرض والمستمر على المعلومة وعلى طرق التفكير؛

- الثقة الذاتية في القدرة على التفكير المنطقي والنقدي؛

- الانفتاح على الآراء والأفكار المتعددة والمتباينة؛

- المرونة في استقبال الأفكار الجديدة أو البديلة والقدرة على استيعابها؛

-  التخلص من الذاتية، ومن إصدار الأحكام المسبقة؛

- الموضوعية التي تساعد في الوصول إلى الحقائق والمعلومات الدقيقة؛

- الشك وعدم قبول أي معلومة دون التأكد منها؛

- القدرة على التحليل المنفتح لكل المعلومات والقضايا المعرفية.

ولاشك، سيسمح لنا التفكير النقدي المتضمن في هذا النموذج التعليمي بالتفكير بشكل مختلف عن الطرق النمطية المعتادة لتطوير التفكير الإبداعي أو التفكير في المستقبل (Hervé, 2020).

4. آليات وطرق تطوير مهارات التفكير النقدي في الصف الدراسي

تعمل مهارات التفكير النقدي على تطوير تعلم التعلم، بواسطتها يطور المتعلم القدرة على تحليل المعلومات وتقييمها وفهمها، وهي عامل قوي في جعل المتعلم نشطا ومستقلا وقادرا على التفكير بشكل نقدي مستقل قبل اتخاذ قرارات منطقية ومدروسة. استنادا طبعا إلى مرجعية علمية محددة، أو إلى منطق استدلالي مبرر. وعليه، فإن تحريك مهارات التفكير النقدي في الصف الدراسي جزء أساسي من مسؤولية المدرس، باعتباره الوسيط البيداغوجي بين المعرفة والمتعلم، تكمن مهمته في تحريك هذه المهارات لدى المتعلم بالشكل الذي يتناسب والوضعيات التعليمية.

وفي هذا الإطار، يجب على المدرس أن يكون ملما بمقاربات التعليم والتعلم، وبمرجعياتها العلمية (نظريات التعلم)، وقادرا على التوليف بينها، واختيار البيداغوجيا والطرق المناسبة لمعالجة الوضعيات التعليمية المتنوعة لبناء التعلمات وفق ما تقتضيه السياقات والمقامات والفئات المستهدفة من العملية التعليمية؛ وفي السياق ذاته، يجب أن يقتنع بإمكانية تعدد الطرق والاستراتيجيات، شرط أن تراعي الطريقة المعتمدة مبدأ البناء المتدرج للمعارف والمهارات الضرورية على حد سواء، وتركز على تعليم المتعلم كيف يتعلم.

بناء عليه، نقترح فيما يلي خطوات لبناء التعلمات وفق المواصفات السابقة، وفق تصور يسهم في تعزيز التفكير النقدي لدى المتعلم.

4. 1.  طرح الإشكالية (الوضعية): شرط أن يكون موضوع الإشكالية واضحا ومحفزا، يثير اهتمام المتعلم، ومستمدا من واقعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ... إضافة إلى كون الحل يشكل إضافة نوعية للمتعلم، ويسهم في إدماجه في المجتمع، أو في فهم آليات التعامل والتواصل ضمنه.

4. 2. إعطاء فرصة للتأمل في موضوع الإشكالية: وهي فرصة تتيح للمتعلم الإحاطة بجوانب الموضوع، وتأمل أبعاده وأهدافه، واستدعاء المعارف السابقة التي يمكن أن تسهم بشكل مباشر في التعاطي مع الموضوع الهدف.

4. 3. تعزيز السؤال والتساؤل: وهي مرحلة هامة، يتساءل خلالها المتعلم حول معرفته بجوانب القضية المطروحة للمعالجة، وفرصة لطرح الأسئلة والاستفسارات حول الموضوع، أو حول الآليات الممكنة لمعالجته، لأن السؤال مفتاح للفهم، يساعد المتعلم على تطوير مهارات التحليل والتقييم،  ويوفر مجالا للتفكير النقدي والبحث للعثور على الإجابات المنطقية والمبررة.

4. 4. التفاعل بواسطة المناقشة والحوار: الحوار آلية فعالة لانفتاح على الأفكار المختلفة وتبادلها، ووسيلة للفهم والتعلم الذاتي. واستنادا إلى مبدأ تعلم التعلم، يجب أن يحرص المدرس في الطريقة الحوارية على تطبيق التقنيات والآليات الفعالة لنجاحها، وضمنها التقيد بشروط وخصائص الحوار المنظم، لكي يعلم المتعلم كيف يتفاعل ويتواصل ويتقاسم أفكاره بشكل منظم. ويكمن دور المدرس في ما يلي:

- التحضير القبلي للوسائل والأساليب والاستراتيجيات المناسبة لإدارة الحوار؛

- الإشراف المباشر على سير النقاش والحوار بين المتعلمين، سواء على مستوى تدبير الزمن أو على مستوى إدارة الحوار؛

- تحفيز كل المتعلمين ومنحهم الفرصة للمشاركة والتفاعل والتعبير عن آرائهم وأفكارهم بكل شجاعة وحرية، من خلال تعدد الأسئلة وتنوعها؛

- مساعدتهم على ترتيب الأفكار ومراعاة تسلسلها بحثا الحل/ الحلول؛

- تعليمهم تقبل النقد واحترام وجهة نظر الآخر وتفهمها، وتشجيعهم على ممارسة التفكير النقدي بناء على تقييم الأدلة المقدمة من قبل الآخرين؛

- تقييم اقتراحات المتعلمين ومساعدتهم على الحسم في القضايا موضوع الاختلاف.

4. 5. التحليل والتفكير العميق ضمن الوضعيات: تقديم وضعيات مشكلة تشكل تحديات تعليمية وتتطلب التحليل العميق والتفكير المنطقي، القائم على استخدام الأدلة المناسبة لدعم أفكارهم واستنتاجاتهم، وتشكل فرصة لتطبيق المفاهيم والمهارات التي تعلموها في سياقات واقعية، ومجالا للابتكار والتفكير النقدي. وضمن هذا السياق تطوير المهارات المعرفية (تنظيم البيانات، وتحليل الحجج، التمييز بين الحقائق والآراء، والحكم على مصداقية مصدر المعلومات...). والتدريب على (الفضول الفكري، التساؤل، الانفتاح الفكري، المرونة، التقبل...) باعتبارها تميز التفكير النقدي Lipman (2003)  و Ennis (1985)

4. 6. التدريب على الدفاع عن الفكرة بالحجة والاستدلال: أي المقارنة بين الحجج والاستدلالات، وتقييمها وفق معايير علمية منطقية واضحة، من حيث استنادها إلى مرجعية علمية، أو إلى نتائج دراسات ميدانية، أو منطق علمي مقنع. وتدريب المتعلمين على كيفية تقييم المصادر والمعلومات والأدلة العلمية التي يستثمرونها في أبحاثهم وتحديد مصداقيتها، صعودا نحو إمكانية التداول حول توضيح معضلات أخلاقية تسببها المواجهة بين القيم أو المعتقدات أو المبادئ أو القضايا (Motoi, 2016) بغرض تعزيز مهارات التفكير النقدي.

4. 7. المواكبة التكوينية المستمرة: الحرص على استمرارية توظيف المتعلمين لمهارات التفكير النقدي وتطبيقها السليم، و تحسين أدائهم وتطوير مهاراتهم التفكيرية وقدراتهم في تحليل المعلومات وتقييمها بشكل منطقي.

إن تطوير مهارات التفكير النقدي في الصف وفق طرق علمية ومنطقية، يسهم في تحقيق تعلم آليات البناء الذاتي للتعلمات، يساعدهم على ذلك شعورهم بالثقة في التعبير عن آرائهم وتساؤلاتهم وتحليلهم للمعلومات والتقييم واتخاذ القرارات بتوجيه صحيح ومستمر، ويسهل عليهم اكتساب المهارات اللازمة ونقلها وتوظيفها في جوانب حياتهم الاجتماعية والعملية. كما يعزز التفكير النقدي الابتكار والتفاعل ويسهم في تحقيق نجاح المتعلمين في مجالاتهم الأكاديمية والمهنية والشخصية.

خلاصة

كلما تعمقنا في فهم طرق التعليم، وكيفية اشتغال الدماغ في بناء التعلمات، إلا وترسخ لدينا الوعي بمدى الحاجة إلى العمل باستراتيجيات تعليمية نابعة من تصور العلوم المعرفية في صلتها بمنطق التفكير النقدي، قائمة على منطق علمي يعتبر العقل والتجربة عاملان متصلان في بناء المعرفة، وبطرق قادرة على تمكين المتعلم من ترسيخ مهارات تعلُّم من خلال الأنشطة البنائية القائمة على الاكتشاف، بدلًا من شروحات المدرس وتدريبات التلقين المباشر. وذلك باعتبار التعلم فرصة للتدريب على تعلم التفكير مع الآخرين، وممارسة التفكير النقدي، والتشكيك في مصادر المعرفة، مع مراعاة الأسس المعرفية للمجتمعات والسياقات العلمية، وإدراك أن بناء المعرفة يحدث في سياقات تجري فيها المناقشات والتوترات والاختلافات المعرفية.

وأيا كانت استراتيجية التعليم المعتمدة، فلا بد لها من مرجعية علمية، منفتحة على مختلف نظريات التعلم، تستفيد منها بما يلائم الوضعيات والفئات المستهدفة، وبيئة التعليم والتعلم، وخصوصيات المادة المدرسة، والوسائل البيداغوجية المتاحة، بناء على نتائج تقييم تشخيصي بمعايير علمية مدروسة.

يقتضي ما سبق، أن يؤمن المدرس، قبل كل شيء، بقدرة المتعلم على البناء الذاتي للتعلمات، ويعمل على التأسيس لبيداغوجيا تقطع مع مختلف أشكال التبعية، وتفتح الباب أمام التفكير النقدي التحليلي كآلية لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير، بناء على استراتيجيات تعليم وتعلم تراعي تعدّد أنماط الذكاء، وتمكن المتعلم من مهارات تعزز العلاقات الشخصية والمهنية، وتساعده على التواصل والتعلم وحل المشكلات وصنع القرار وتحقيق النجاح في جميع مجالات حياة الفرد.

يتعلق الأمر بزرع الأسس الفكرية التي يقوم عليها التفكير النقدي والفلسفي الحديث ومهاراته من خلال التعرف على العمليات المعرفية التي تميزه وتضمينها ضمن المقررات المدرسية ومجزوءات تكوين المدرسين، تصورا وبيداغوجيا وديدكتيكيا، بشكل يراعي مركزية التفكير النقدي في بناء العلاقة بين التعلم والتفكير، بطرق يصبح بموجبهما التفكير النقدي ثقافة.

بيبليوغرافيا

- Beaulieu, A ; & Motoi, I. (2015). La désintégration du social par la violence en milieu scolaire et la construction de communautés de recherche de sens de la prévention de la violence. 6e Congrès Association internationale pour la formation, la recherche et l’intervention sociale. Porto: ISSSP.

- Boisvert, J. (1999). La formation de la pensée critique Théorie et pratique. Bruxelles : De Boeck Université

- Charles S. Peirce, “The Fixation of Belief,” Popular Science Monthly 12(November1877):115, http://www.peirce.org/writings/p107.html

- Daniel, M. F. (2005). Pour l’apprentissage d’une pensée critique au primaire. Montréal : PUQ.

- Dewey, J. (1916/1997). Democracy and Education. New York: The Free Press.

- Ennis, R. H. (1985). Critical Thinking and the Curriculum. National Forum: Phi Kappa Phi Journal, 65(1), 28-31.

- Facione, P. (1990). Critical thinking: a statement of expert consensus for purposes of educational assessment and instruction. The Delphi Report. Millbrae (CA): California Academic Press.

- Facione, P. (1990). Critical thinking: a statement of expert consensus for purposes of educational assessment and instruction. The Delphi Report. Millbrae (CA): California Academic Press.

- Forges, R., Daniel, M. F. &  Borges, C. (2011). Le développement d’une pensée critique chez de futurs-e-s enseignant-e-s en éducation physique et à la santé. PHEnex Journal/Revue phénEPS, 3(3), 1-21.

- Gagnon, M., & Sasseville, M. (dir.) (2011). La communauté de recherche philosophique : applications et enjeux. Québec: PUL.

- Hervé, N. (2020). Didactique des questions socialement vives et Anthropocène : Enquêter pour développer la pensée prospective. Habilitation à diriger des recherches. Université de Toulouse. Jonas, H. (1997). Pour une éthique du futur. Paris : Rivages

- John Dewey, Democracy and Education (New York: Free Press, 1997).

- Lipman, Matthew. 2003. Thinking in education;  Publisher: Cambridge University Press. 2nd edition. Online publication date: June 2012 Online ISBN: 9780511840272

- Martin-Lagardette, J.-L. (2014). Décryptez l’information. France : éd. Dangles.

- Motoi, I. (2016). La pensée critique du point de vue du travail social. Sciences et actions sociales [en ligne], 5 (16). http://www.sas-revue.org/index.php/31-n-5/dossiers-n-5/82-la-pensee-critique-du-point-de-vue-du-travail-social

- Perelman, C.& Olbrechts-Tyteca, L. (2008). Traité de l’argumentation. La nouvelle rhétorique. Bruxelles : Éditions de Université libre de Bruxelles.

DOI: https://doi.org/10.1017/CBO9780511840272

https://fr.scribd.com/document/727558072/Dewey-1997-How-we-think-Dover-Publications.

                   

تتمة//آليات التفكير النقدي لبناء العلاقة بين التعلم والتفكير /ج2
Partager cet article
Repost0
4 décembre 2024 3 04 /12 /décembre /2024 09:30
المهارات الحياتية بسلك التعليم الابتدائي المغربي: التصور النظري، إكراهات الممارسة التربوية والحلول الممكنة

المهارات الحياتية بسلك التعليم الابتدائي المغربي:

التصور النظري، إكراهات الممارسة التربوية والحلول الممكنة

د.محمد تنفو*

دراسة محكمة

*المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي.

ملخص

يعالج هذا البحث، الموسوم بعنوان "المهارات الحياتية بسلك التعليم الابتدائي المغربي: التصور النظري، إكراهات الممارسة التربوية والحلول الممكنة"، إشكالية إمكان إدراج أنشطة تنمية المهارات الحياتية التي جاء بها المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي في الممارسة التربوية. فقد قدم البحث، في البداية تعريفا للمهارات الحياتية (حسب مبادرة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة الذي أطلقته اليونيسيف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، ثم انتقل إلى رصد هذه المهارات في المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي المغربي. بعد ذلك تناول إكراهات إدراج المهارات الحياتية في الممارسة التربوية بالمدرسة المغربية، ثم اقترح، في الختام، توصيات الخروج من هذه الأزمة.

الكلمات المفاتيح: المهارات الحياتية- المهارات الحياتية في المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي- المهارات الحياتية والممارسة التربوية. 

Abstract:

This research addresses the problem of the possibility of integrating life skills development activities included in the primary education curriculum in educational practice.

The research included the following axes:

  • Definition of life skills (according to the Life Skills and Citizenship Education Initiative launched by UNICEF in the Middle East and North Africa):
  • Life skills in the Moroccan primary education curriculum;
  • Constraints on the inclusion of life skills in educational practice in Moroccan schools;
  • Recommendations for exit from the crisis;

Keywords: Life skills - life skills in the primary education curriculum - life skills and educational practice.

مقدمة:

لا شك في أن تعليم المهارات الحياتية يعد إحدى القضايا التي أصبحت تحظى بأهمية قصوى في العالم بأسره. ونظرا لغياب الاهتمام الكبير بهذا النوع من التعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تم إعداد مبادرة لتعليم هذه المهارات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.من لدن جامعة بيرزيت BIRZEIT UNIVERSITY ومؤسسة الشباب الدولية INTERNATIONAL YOUTH FOUNDATION، وقد جاءت هذه المبادرة في صيغة دراسة تحليلية لتعليم المهارات الحياتية والمواطنة. أشارت هذه المبادرة في الملخص التنفيذي إلى أن الأطفال والشباب وكل المتعلمين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يواجهون تحديات غير مسبوقة فيما يتعلق بالتعلم، والتوظيف والتلاحم الاجتماعي. وتتفاقم تلك التحديات بفعل سياق عدم الاستقرار السياسي والنزاعات. يوجد إجماع عام على أن أنظمة التعليم والتربية تخفق بشكل كبير في تقديم المخرجات المطلوبة، وفي دفع عملية التطور الاجتماعي والفردي، وأن العدد المتزايد من فرص التعليم في التعليم لم يتجسد بعد في عملية نمو اقتصادي. فمن المؤكد أن إصلاحات التعليم الجارية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد أدت إلى تحقيق إنجازات إيجابية في السنوات الـ 15 الماضية، مثل تحسين فرص الحصول على التعليم الأساس الرسمي وسد فجوة النوع الاجتماعي. لكن، يوجد عجر في المهارات في الإقليم لم تتم حتى الآن معالجته بطريقة نوعية ومنسقة ومنهجية. ويعد الإصلاح الشامل للتعليم في هذا الخصوص سبيلاً لم يطرق بعد (اليونيسف، 2017، ص:1).

ولتحقيق هذه الغايات، ركزت هذه المبادرة على ثلاثة تحديات مترابطة (نفسه، ص:1):

أ - مجتمع معرفة صعب المنال: وذلك نتيجة التعليم غير الجيد والمستويات المتدنية من مخرجات التعلم ومحدودية الإنصاف والمشاركة؛

ب - تراجع النمو الاقتصادي: نتيجة لنقص مهارات المقدرة على التوظيف، والمعدلات المرتفعة لبطالة الشباب، والفوارق في النوع الاجتماعي في الدخول إلى سوق العمل، وتراجع خلق فرص العمل، وبيئة العمل الضعيفة؛

ج- التلاحم الاجتماعي الضعيف: الناجم عن تصاعد العنف والتشدّد بالإضافة إلى ضعف المشاركة المدنية.

لا تعد مبادرة لتعليم هذه المهارات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المبادرة الوحيدة، وإنما توجد مبادرات أخرى عالمية عملت على تحديد المهارات التي ستمكن الإنسان من النجاح في حياته، ومن أهم هذه المبادرات "الشراكة من أجل مهارات القرن الحادي والعشرين". وهي منظمة تتألف من هيئات تجارية وتربوية كبيرة مكرسة لتحديد نموذج تعلم للألفية الثالثة (سيو. بيرز، 2014، ص:25). ووفقا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، تتكون مهارات القرن الحادي والعشرين، التي تعرف أحيانا باسم المهارات اللينة، من ثلاث ركائز وهي المهارات الأساسية، والكفايات والصفات الشخصية (الاتحاد الدولي للاتصالات، 2018، ص: 11).

1ـ تعريف المهارات الحياتية:

 كشفت الدراسات التحليلية التي أجرتها المبادرة عن افتقار المهارات الحياتية إلى تعريفات واضحة في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد تتسم هذه التعريفات بالتباين بسبب تعدد المتدخلين واختلافهم (الحكومات، المنظمات غير الحكومية، وكالات الأمم المتحدة، المانحون، القطاع الخاص)، كما أبرزت وجود خلط ولبس مفهومي بين المهارات والكفايات، إذ يتم أحيانا استخدام المصطلحين بشكل متبادل (اليونسيف، 2017، ص:3).

هذا اللبس لا يشمل فقط هذين المصطلحين فحسب، وإنما يهم، أيضا، مصطلحات أخرى من قبيل مهارات القرن الحادي والعشرين، والمهارات القابلة للنقل، والمهارات السلسة، والكفايات الشخصية... هذه المصطلحات وغيرها يتم استخدامها بالمعنى نفسه ( براوني هوسكينز، وليوان ليو ، 2019ص: 10).  

يمكن القول إن المهارات الحياتية هي مهارات قابلة للتحول تمكن الأفراد من التعامل مع الحياة اليومية والتقدم والنجاح في المدرسة والعمل والحياة الاجتماعية. وهي تتألف من المهارات والمواقف والقيم والسلوكيات والمعرفة المستندة إلى المجال والتي يجب تطبيقها في وئام تام مع بعضها البعض. يجب أن يكون أداء المهارات الحياتية قابلا للتكرار عبر بيئات متنوعة. فالمتعلم قادر على التعلم طوال دورة الحياة وفي سياقات ومسارات تعليمية مختلفة على نطاق واسع، مثل التعليم الرسمي وغير الرسمي والتعليم المهني والتدريب ومكان العمل وبصورة أعم في الحياة اليومية والمنزل والمجتمع المحلي ( براوني هوسكينز، وليوان ليو ، 2019ص: 10).  

وبالعودة إلى المبادرة، يمكن اكتشاف أنها قدمت إطارا مفهوميا يستند إلى الدعائم الأربع لتقرير ديلورز  (1996 ,UNESCO) الذي يقترح أربعة "أبعاد للتعلم" مترابطة ومتداخلة ومتعاضدة، بعضها يعزز بعضاً وهي: (يونسيف، 2017، ص: 10):

  • دعامة "التعلم للمعرفة" أو البعد المعرفي: يشمل هذا البعد تطوير القدرات التي تنطوي على حل المشكلات والتفكير النقدي، فضلاً عن التأكيد على حب الاستطلاع والرغبة في تكوين فهم أفضل عن العالم والأفراد الآخرين؛
  • دعامة "التعلم للعمل"، أو البعد الأدواتي: يأخذ هذا البعد في الحسبان كيف يمكن دعم الأطفال لوضع ما تعلموه في حيز الممارسة، وكيف يمكن تكييف التعليم ليخدم عالم العمل على نحو أفضل، كما يعني أيضاً التعلم للعمل في سياق خبرات الشباب المختلفة المكتسبة في مجالات العمل والحياة؛
  •  دعامة "التعلم لنكون"، أو البعد الفردي: ينطوي هذا البعد على اعتبار التعلم داعماً لتحقيق الذات والنمو الشخصي وتمكين الذات، وهو يشمل المهارات المعرفية، جنباً إلى جنب مع النمو الشخصي الذي يتضمن كلاً من العوامل الشخصية والاجتماعية. ويعد هذا البعد عامل تمكين لتحقيق أبعاد التعلم الأخرى؛
  • دعامة "التعلم من أجل العيش المشترك"، أو البعد الاجتماعي: يرتبط هذا البعد بقضية التلاحم الاجتماعي فضلاً عن تعليم المواطنة، والمواطنة النشطة والمشاركة في الشبكات الاجتماعية. يعتمد هذا البعد مقاربة تقوم على حقوق الإنسان تنسق مع قيم ومبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كما يشكل هذا البعد الأساس الأخلاقي لأبعاد التعلم الثلاثة الأخرى (المعرفي، الأدواتي والفردي).

ويقترح هذا النموذج "رباعي الأبعاد" للتعلم لكل بعد عنقود مهارات من المهارات الحياتية المرتبطة به، تتحدد في اثنتي عشرة مهارة جاءت على النحو الآتي (يونسيف، 2017، ص: 10):

  • مهارات التعلم: الإبداع والتفكير النقدي وحل المشكلات؛

ب – مهارات المقدرة على العمل: التعاون والتفاوض وصنع القرار؛

ت – مهارات تمكين الذات: الإدارة الذاتية والصمود والتواصل؛

ث - مهارات المواطنة النشطة: احترام التنوع والتعاطف والمشاركة.

ويمكن اختزال المهارات الحياتية الآنفة في الشكل الآتي (براوني هوسكينز، وليوان ليو، 2019، ص: 10)

بعد تقديم مفهوم المهارات الحياتية، يمكن تسليط الضوء على المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي من أجل معرفة كيف تعامل هذا المنهاج مع هذه المهارات.

2- المهارات الحياتية في المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي:  

قدم المنهاج الدراسي توجيهات تربوية خاصة بأنشطة تنمية المهارات الحياتية. تتضمن هذه التوجيهات مرتكزات منهاج أنشطة تنمية المهارات الحياتية، وهيكلة هذه الأنشطة ضمن المنهاج الدراسي، وأهدافها العامة ومجالاتها واعتباراتها التربوية التعليمية التعلمية.

عرض المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي مرتكزات خاصة بمنهاج أنشطة تنمية المهارات الحياتية، والتي تتجلى في أهداف التنمية المستدامة، ومهارات القرن الحادي والعشرين، ومبادرة منظمة اليونيسف لتعليم المهارات الحياتية والمواطنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المتضمنة اثنتي عشرة مهارة تم إدراجها بتدرج يوافق خصوصيات متعلمي السلك الابتدائي، وبانسجام مع السياقات التي توفرها المجالات الثلاثة المبرمجة بالسلك الابتدائي، بالإضافة إلى أهداف التربية على السلامة والحماية من الأخطار (مديرية المناهج، 2021، ص: 506).

اقترح المنهاج الدراسي هيكلة لأنشطة تنمية المهارات الحياتية والمتمثلة في الآتي: (مديرية المناهج، 2021، صص:505-506-507-508):

- إدراج تلك الأنشطة ضمن مجال التنشئة الاجتماعية والتفتح؛

- اشتمالها على مداخل التربية على السلامة الطرقية، التربية المالية والضريبية والمقاولاتية، واستكشاف المهن واستشراف المشروع الشخصي؛

- تقديمها في حصة أسبوعية واحدة مدتها ثلاثون دقيقة من لدن أستاذ(ة) اللغة العربية (المستوى الأول والثاني)، وأستاذ اللغة الفرنسية (المستويات الأخرى)؛

- تعريف المهارات الحياتية المقتطف من برنامج مبادرة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛

- العمل على تطوير هذه المهارات بالموازاة مع إٍرساء التعلمات الأساس والتدرب على إعمالها عبر أنشطة خاصة مرتبطة بالمجال ومستمدة من واقع الحياة اليومية للمتعلم(ة)؛

- مداخل إدماج المهارات الحياتية في المنهاج الدراسي (مدخل مستعرض ضمن بعض المواد، ومدخل مستقل ضمن حصة خاصة، ومدخل الحياة المدرسية)؛

- ارتباط المهارات الحياتية بالأبعاد المعرفية والمواقفية والقيمية قصد الإسهام في الوقاية المبكرة من الأخطار الاقتصادية والاجتماعية والصحية؛

- أبعاد أنشطة تنمية المهارات الحياتية التي تتجلى في البعد المعرفي (معارف ومفاهيم ومبادئ مرتبطة بالمجالات الثلاثة)، والبعد المهاري (مهارات تعلم التعلم وتطوير خبرات الحياة المختلفة)، والبعد الفردي (اكتشاف الذات، وتعزيز الثقة بالنفس وتطوير القدرات والتدريب على الاستقلالية واتخاذ القرارات الصائبة والتفكر والنقد الذاتي البناء...)، والبعد الاجتماعي (مهارات العيش المشترك).  

 لم يكتف المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي بعرض هيكلة أنشطة تنمية المهارات الحياتية فحسب، وإنما سطر، أيضا، أهدافا عامة لهذه الأنشطة حسب الأبعاد الأربعة. كما أماط اللثام عن مجالات أنشطة تنمية المهارات الحياتية معرفا بالمجال وأهدافه الخاصة ومهاراته الخاصة ومضامينه المقترحة. وفي الختام، وقف عند الاعتبارات التربوية التعليمية التعلمية الخاصة بأنشطة تنمية المهارات الحياتية بالسلك الابتدائي، مركزا على الهندسة البيداغوجية لهذه الأنشطة، وهيكلة برنامجها (بطاقة واصفة)، والكفايات الخاصة بهذا البرنامج (مصفوفة الكفايات النهائية لكل مستوى دراسي)، والهيكلة السنوية التي تتألف من مجالين اثنين وست وحدات وستة محاور فرعية، بالإضافة إلى الهيكلة البيداغوجية لوحدة من برنامج الأنشطة، وموجهات بنائها وتقويمها ودعمها، وتخطيط برنامج خاص بالمستويين الأول والثاني (مديرية المناهج، 2021، صص:508 -534).

بعد هذا العرض المقتضب للتوجيهات التربوية الخاصة بأنشطة تنمية المهارات الحياتية بالسلك الابتدائي، يمكن الانتقال إلى إبراز إكراهات تنزيل هذه الممارسات على أرض الواقع.

المتأمل في هذه الأهداف، سيكتشف صعوبة تحقيقها لدى متعلمي ومتعلمات السلك الابتدائي لعدة اعتبارات، منها على الخصوص عدم استفادة الأستاذ من

3- إكراهات إدراج المهارات الحياتية في الممارسة التربوية:

من بين الإكراهات التي تعمق أزمة المهارات الحياتية في المؤسسات التعليمية ما يكشفه واقع الممارسة المهنية الذي يحول دون التنزيل السليم لمنهاج أنشطة تنمية المهارات الحياتية، ويسهم في تشكيل ملمح متعلم(ة) السلك الابتدائي يتسم بغياب المهارات الحياتية. فهذا المتعلم يفتقر إلى القدرة على إنجاز مهمات بسيطة في حياته الأسرية، فما بالك بالكفايات الواردة في دلائل المهارات الحياتية، والتي تؤكد أن يكون المتعلم(ة) في نهاية المجال قادرا على إنجاز مهمات مركبة أو حل وضعيات، بتوظيف ما اكتسبه من معارف ومهارات وقيم على مستوى: 

  • معرفة حسن التصرف في الفضاء الطرقي، وتعبئة مهاراته الحياتية المرتبطة بإدراك الذات والتواصل والتعاون وحل المشكلات واتخاذ القرار وقبول الاختلاف، والتحلي بقواعد النزاهة في جميع معاملاته (مديرية المناهج، 2021، ص: 6)؛
  • معرفة حسن التصرف في الفضاء الطرقي، وتعبئة مهاراته الحياتية المرتبطة بإدراك الذات والتواصل والتعاون وحل المشكلات واتخاذ القرار (مديرية المناهج، 2021، ص:6)؛
  • معرفة مختلف مكونات الفضاء الطرقي، واكتساب مفردات جديدة حول السلامة الطرقية، والوعي بمخاطر الطريق، والاستخدام المسؤول للطريق (Direction des curricula, 2021, p :6
  • معرفة المفاهيم الأولية المتعلقة بالمجالات المالية والضريبية والمقاولاتية (الادخار، الاحتياجات، المشتريات، الميزانية، الدخل، الاستثمار...)، والاستخدام المسؤول للموارد المالية أو المادية، والإلمام ببعض أساليب إدارة الموارد المالية، وإتقان خطة الميزانية لتنفيذ مشروع صغير على نطاق المجموعة أو الصف، واكتشاف والانفتاح على عالم المهن والعمل، وذلك من خلال حشد مهارات اتخاذ القرار والتنبؤ والإبداع والتواصل وإدارة المخاطر وحل المشكلات Direction des curricula, 2021, p :6
  •   الاستخدام المسؤول للموارد المالية  والمادية، ومعرفة أساليب معينة لإدارة الموارد المالية، وإتقان خطة الميزانية لتنفيذ مشروع صغير على نطاق المجموعة أو الفصل أو المدرسة، والانفتاح على عالم الأعمال والمهن الحالية والمستقبلية، واحترام وفهم مساهمة جميع المهن في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، وفهم أساليب وقضايا إدارة الموارد المادية وغير المادية المختلفة، وفهم دور الضرائب والقضايا  الضريبية والوعي بمفاهيم النزاهة والصدق، وذلك من خلال حشد مهارات اتخاذ القرار والإبداع والتواصل والتعاطف والتفكير النقدي وإدارة المخاطر وحل المشكلات (Direction des curricula, 2021, p :6

إن واقع الممارسة التربوية يكشف عن إكراهات عديدة تحول دون تحقيق الكفايات الواردة في الدلائل، وإنجاز أنشطة المهارات الحياتية المبرمجة، ويمكن تحديد بعض هذه الإكراهات في الآتي:

  • عدم ملاءمة الغلاف الزمني المخصص لتدبير أنشطة المهارات الحياتية؛
  •  عدم توفر الإمكانات؛
  • افتقار المؤسسات التعليمية لأستاذ متخصص في هذه المهارات أو مستفيد من دورات تكوينية في الثقافة المالية والضريبية والمقاولاتية؛
  •  ظهور بعض الممارسات التي لا تجعل أنشطة تنمية المهارات الحياتية تحظى بالأهمية التي تستحقها (تخصيص حصص أنشطة المهارات الحياتية – شأنها شأن حصص مشروع الوحدة- لتقديم مواد أخرى أو تغطية التأخر في البرنامج، إنجاز المتعلم(ة) لكل الأنشطة في المنزل بشكل فردي أو من قبل أولياء الأمور، اكتفاء الأستاذ(ة) بتعليقها على جدران الفصل)؛
  • الاستلاب اللغوي أي جعل أنشطة المهارات الحياتية وسيلة أو سندا للغة الأجنبية، وليست غاية في حد ذاتها، وذلك من خلال اعتماد تدريس المهارات الحياتية في المستويين الأول والثاني باللغة العربية، وفي باقي المستويات باللغة الفرنسية. مع العلم أن المهارات الحياتية في البلدان الأجنبية لا تقدم بغير لغاتها الأصلية.

وأمام هذه الإكراهات، لا بد من تقديم بعض التوصيات التي يمكن أن تسهم في الخروج من الأزمة، وفي تحقيق ما تصبو إليه تلك التوجيهات التربوية الخاصة بأنشطة تنمية المهارات الحياتية المقترحة في المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي.    

4- توصيات الخروج من الأزمة:

ومن أجل الخروج من هذه الأزمة، يلزم منح قصب السبق للمهارات الحياتية. فرغم الحاجة إلى تعزيز التحصيل الأكاديمي، فمن حيث الأهمية، يأتي هذا التحصيل في المرتبة الثانية بعد الحاجة إلى تعزيز المهارات الحياتية (Spencer Kagan, p :1). يفرض الخروج من الأزمة، أيضا، تكوين الأستاذ(ة) تكوينا حقيقيا يجعله مكتسبا للخصائص الآتية (AMERICAN INDIA FOUNDATION, 2018, p :9):

-أن يكون موضوعيا؛

 -أن يكون واسع الحيلة ومبتكرا؛

 - أن يكون محترما ومراعيا للفوارق بين الجنسين؛

- أن يكون جيد التواصل ومفكرا إيجابيا؛

-أن يكون منظما بشكل جيد؛

- أن يتمتع بطلاقة في اللغة؛

 - أن ينشئ تعلما ملائما للبيئة، ويشجع على المناقشات ويشارك فيها؛

 - أن يكون مستمعا جيدا ومتعاطفا مع المشاركين.

لا يمكن للأستاذ(ة) بمفرده تحقيق أهداف المهارات الحياتية وإن توفرت فيه الخصائص السابقة. فمن اللازم أن يشتغل هذا الأستاذ(ة) ضمن فريق يتألف من خبراء في هذا المجال، والمؤطر التربوي، والإدارة التربوية، وهيئات المجتمع المدني، وأولياء أمور المتعلمين وآبائهم، ووسائل الإعلام.

لا يجب نسيان الدور الذي يجب أن تضطلع به المؤسسة في تسهيل تعليم تحقيق أهداف المهارات الحياتية، إذ يجب أن توفر بنيات دعم قوية قادرة على دعم أنشطة المهارات الحياتية، والتي تتجلى في: (World Health Organization, 2020, p:30):

-هدف واضح (بيان المهمة / الإجراءات)؛

-نظام تدبير قوي (العقود والتوصيف الوظيفي)؛

-فرص تطوير الموظفين (التكوين / التقويم / الترقية).

-نظم للرصد والتقويم (معلومات أساسية لإنشاء نقطة انطلاق لتعليم المهارات الحياتية).

-أموال لتغطية التكاليف الأساسية للبرامج (مواد المهارات الحياتية).

-المعلمون المهرة.

بالإضافة إلى ما سبق الإشارة إليه، يمكن القول إن أنشطة تنمية المهارات الحياتية لا يرتبط بمرحلة عمرية محددة، ولا بالفترة الزمنية التي يقضيها المتعلم(ة) بالسلك الابتدائي فحسب، وإنما تتصل، أيضا، بفترات عمرية أخرى، والجدول الآتي يوضح ذلك (هوسكينز. ب، و ليوان. ل، 2019، ص:71):

خاتمة:

نظرا للأهمية الكبرى التي تضطلع بها المهارات الحياتية في حياة الإنسان، فقد اهتم بها المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي من خلال تقديم توجيهات تربوية خاصة بأنشطة تنمية هذه المهارات. إلا أن هذه التوجيهات جاءت متموقعة في نهاية المنهاج الدراسي، مما يكشف عن زاوية النظر التي تنظر من خلالها الوزارة الوصية على منظومة التربية والتكوين إلى هذه المهارات باعتبارها مهارات لا تأتي ضمن الأولويات، وإنما تأتي بعد التحصيل التعليمي. وتتعمق أزمة التنزيل السليم للأنشطة المقترحة لتنمية المهارات الحياتية بسبب تلك الإكراهات المفروضة من لدن واقع الممارسة التربوية في المؤسسات التعليمية المغربية، والتي تحول دون تحقيق الكفايات الواردة في دلائل المهارات الحياتية الموجهة إلى أستاذ(ة) السلك الابتدائي.

قائمة المراجع:

  1. المراجع العربية:
  • الاتحاد الدولي للاتصالات، 2018، مجموعة أدوات المهارات الرقمية.
  • سيو. بيرز، 2014، تدريس مهارات القرن الحادي والعشرين: أدوات عمل، تر: محمد بلال الجيوسي، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض.
  • مديرية المناهج، 2021، تطوير المهارات الحياتية: الدليل البيداغوجي للأنشطة (المستوى الأول)،وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي ، المملكة المغربية. 
  • مديرية المناهج، 2021، تطوير المهارات الحياتية: الدليل البيداغوجي للأنشطة (المستوى الثاني)، وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المملكة المغربية.
  • مديرية المناهج، 2021، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي (الصيغة النهائية الكاملة)، وزارة التربية الوطنية والتكوين الهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المملكة المغربية
  • اليونيسف، 2017، الدراسة التحليلية لتعليم المهارات الحياتية والمواطنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، صندوق الأمم المتحدة للطفولة، الأردن، عمان.
  •  هوسكينز, ب. و ليوان, ل. (2019). قياس المهارات الحياتية في سياق تعليم المهارات الحياتية والمواطنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا (صندوق الأمم المتحدة للطفولة والبنك الدولي.
  1. المراجع الأجنبية:
  • AMERICAN INDIA FOUNDATION, 2018, HAND BOOK OF ACTIVITIES ON LIFE SKILLS.
  • Direction des curricula, 2021, Développement des compétences de vie, 3ème Année, ministre de l’education nationale, de la formation professionnelle, de l’enseignement supérieur et de la recherche scientifique, royaume du maroc.
  • Direction des curricula, 2021, Développement des compétences de vie, 4ème Année, ministre de l’education nationale, de la formation professionnelle, de l’enseignement supérieur et de la recherche scientifique, royaume du maroc.
  • Direction des curricula, 2021, Développement des compétences de vie, 5ème Année, ministre de l’education nationale, de la formation professionnelle, de l’enseignement supérieur et de la recherche scientifique, royaume du maroc.
  • Direction des curricula, 2021, Développement des compétences de vie, 6ème Année, ministre de l’education nationale, de la formation professionnelle, de l’enseignement supérieur et de la recherche scientifique, royaume du maroc.
  • Spencer Kagan, Addressing the life skills crisis, www.macmillanenglish.com/life-skills, 26-04-2024, 22h40.
  • UNICEF,2017, Réimaginer l’éducation aux compétences de vie et à la citoyenneté au Moyen-Orient et en Afrique du Nord, Une approche à quatre dimensions et systémique des compétences pour le XXIe siècle, )Cadre programmatique et conceptuel(, Bureau regional, Moyen – oriental et Afrique du Nord, Jordanie.
  • World Health Organization, 2020, Life skills education, School handbook, Prevention of noncommunicable diseases

 

المهارات الحياتية بسلك التعليم الابتدائي المغربي: التصور النظري، إكراهات الممارسة التربوية والحلول الممكنة
Partager cet article
Repost0
3 décembre 2024 2 03 /12 /décembre /2024 08:45
 جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي دراسة في يوميات: &quot; العالم في كبسولة&quot; للكاتبة المغربية الزهرة رميج

 جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي 

دراسة في يوميات: " العالم في كبسولة" للكاتبة المغربية الزهرة رميج

دة. سناء حربول

دراسة محكمة

الملخص:

   يهتم علم النفس وعلم النفس البيئي بدراسة العلاقة التي تجمع بين البشر وبيئتهم، وتعد الأوبئة من بين أهم العوامل التي تؤثر على هذه العلاقة،  حيث يسهم ظهورها في الكشف عن غياب التوازن بين الطرفين، مما يحتم على الإنسان العودة إلى حضن بيئته، وجعلها أداة لتحقيق الاستقرار الجسدي والنفسي.

   تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على أدب الأوبئة، من خلال يوميات الكاتبة المغربية " الزهرة رميج": " العالم في كبسولة"، والتي رصدت ما عاشته البشرية إبان جائحة كورونا، وتأثيراتها البالغة على شتى المجالات، خاصة منها الاجتماعية، والنفسية، والبيئية.

الكلمات المفتاحية: أدب الأوبئة، وباء كورونا، أدب الكوارث،العالم في كبسولة، الزهرة رميج.

Abstract

Psychology and environmental psychology are interested in studying the relationship between humans and their environment. Epidemics are among the most important factors in this relationship. Their emergence contributes to the detection of the factors that cause them, of which the unbalanced relationship between humans and their environment is part, which obliges them to return to their lap and make it a tool for physical and psychological stability.

  This study aims to highlight the literature of epidemics, through the diary of the Moroccan author « Zahra ramij »: « the world in capsule, which monitored what humanity experienced during the coronavirus

field, especially social psychological and environmental.  

Keywords: Epidemic literature, Corona epidemic, disaster literature, the world in acapsu le, Zahra Ramij.

 

 مقدمة:

  ألقت جائحة كورونا بظلالها على العالم، فتوقف نبضه، وعانق الموت لفترة طويلة تكاد تحسبها دهرا، من خلال الحجر الصحي الشامل، الذي حول البشر جميعا إلى كائنات لا حول لها ولا قوة، فرض عليها أن تلزم منازلها وتترقب الموت. هذا الفيروس الجديد، كان أصعب تجربة عاشتها البشرية، تأثر لها الحجر والشجر... احتبست الأنفاس رعبا وهلعا، ثم كابدت حزنا وألما على فراق من تحب... لم تحمل النعوش على الأكتاف، ولم تقم المآتم، بل ودع المصابون العالم في صمت، كأنهم منبوذون، تاركين وراءهم أفواها مشدوهة، وقلوبا مكلومة.

   وفي ظل الوباء وبعده، تبارت أقلام الأدباء إلى وصف هذا الخطب الجلل، وأيديهم تخط الألم، وتعانق الحزن، فحاملو تلك الأقلام، هم أرهف الناس شعورا، وأكثرهم تأثرا بما يقع حولهم.

   لقد وجدت على مر التاريخ العديد من "الكتابات التي عالجت تجليات الأمراض والأوبئة والجوائح التي عرفها الإنسان عبر مختلف العصور، على غرار قصيدة "الكوليرا" لنازك الملائكة"، ورواية "الطاعون" لألبير كامو، وتضاف إليها رواية " الحب في زمن الكوليرا" للكاتب الصحافي والسينمائي غابرييل غارسيا ماركيز (( Gabriel garcia marquez  التي تستمد قوتها الإبداعية والتصويرية من المشاهد البانورامية والميتولوجية التي تجسد المأساة الإنسانية النفسية، والأسرية، والصحية، التي حاقت بولايات ساحل الكارايبي، فأحدثت تحولا واضحا في العلاقات الاجتماعية والعاطفية."[1]

 وفي ظل وباء كورونا، برز إلى الأفق من جديد موضوع " أدب الكوارث"، ممثلا في أدب الجائحة، فالكوارث الإنسانية كثيرة ومتعددة، ولا تقتصر فقط على ما هو طبيعي، كالزلازل والبراكين، فقد تشاركت الإنسانية الوباء، والتهبت بسعيره من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها، حيث تساوى في ذلك الغني والفقير، ورب العمل والأجير، الأبيض والأسود، المرأة والرجل..... فكان لزاما أن يوثق الأدب لهذه المشاهد الإنسانية، ويعري المسكوت عنه فيها، معبرا عن أسئلة وجودية ملحة، مفادها أن الإنسان بكل ما أوتي من قوة مادية جبارة، لا يزال تحت رحمة الطبيعة، وأنه لم ينتصر عليها بالشكل الكامل، بل ربما هو من يسهم في غضبها وهيجانها، فتصير ضده بعد أن كانت مسخرة له.

 لقد أحدثت جائحة كورونا تغييرا كبيرا في خارطة الإنسانية، فتغيرت ملامح العالم على شتى الأصعدة. وبما أن الأدب يعتبر مرآة للمجتمع، فلا شك أنه واكب كل تلك التحولات، فالأديب هو الإنسان الواعي بقضايا الأمة، وكأنه " خلق ليواجه محن الحياة واختباراتها، خلق لكي يكتب عن الناس والمجتمع، وهو الإنسان الموهوب، والمثقف الذي خبر الحياة، وعاش الحزن والفرح، وعاين الأمن والخوف في أعين الناس".

  إذا كان ألبير كامو albert camus في رواية الطاعون، قد صور ما عاشته شوارع وأزقة وهران عند استفحال الوباء، بأسلوب أقرب إلى الكتابة الأوتوبيوغرافية، على الرغم من تصنيف العمل ضمن جنس الرواية، فإن الزهرة رميج اختارت أن تكتب عن جائحة كورونا بعيدا عن التخييل الروائي، حيث ولجت جنسا أدبيا جديدا بالنسبة إليها، وهو "جنس اليوميات".

  لم تشكل اليوميات بالنسبة للزهرة رميج أسلوب كتابة، فقد أنتجت على مدى سنوات، عدة أعمال قصصية وأخرى روائية، لكنها لم تخض مغامرة الكتابة في هذا الجنس التعبيري إلا في فترة الجائحة، وهي تقول في توطئة اليوميات: " الكتابة أبت إلا أن تفاجئني، وتفتح أمامي بابا جديدا لم أطرقه من قبل، فجعلتني أكتب لأول مرة في مسيرتي الإبداعية في جنس اليوميات. ولولا جائحة كورونا ما فكرت قط في كتابة هذا النوع السردي الذي لم يكن يغريني من قبل"[2]. فإذا اعتبرنا أن اليوميات نوعان، حيث يختار الأديب في النوع الأول أن يتخذ من الكتابة اليومية "أسلوب حياة، فتصبح ممارستها شيئا ملزما في حياته، لا ينقطع عنه إلا ليعود إليه، وهذا ما نجده عند عدد من الكتاب، شكلت اليوميات وجها من وجوه هويتهم الإبداعية، ونمثل لهؤلاء بالكاتبة الفرنسية الأمريكية أنييس نن، التي قضت حياتها كلها تكتب اليوميات"،[3] فقد كتبتها في مدة ناهزت الستين عاما ، فإن يوميات المبدعة الزهرة رميج لا تنتمي إلى هذا الصنف، وإنما إلى الصنف الثاني، وهو ما يمكن أن نطلق عليه:" اليوميات الطارئة" "على الحياة، وعلى المشروع الأدبي أو الفني، حيث تنطلق من تجربة مخصوصة... تجربة فارقة مثلت تحولا في حياتها،"[4] وفي حياة العالم ككل. فكانت هذه التجربة الإبداعية بمثابة شهادة تقدمها إلى الأجيال اللاحقة، كما أشارت إلى ذلك في عتبة الإهداء، فتؤرخ للحظات مفصلية عصيبة في تاريخ الكرة الأرضية، وحدت الجميع، وذكرت الإنسان بإنسانيته ومصيره المشترك.

  لقد غاصت المبدعة "الزهرة رميج" في قلب المجتمع في لحظات الأزمة، وانهيار موازين القوى الصحية والجسدية والنفسية، والبيئية، ثم أعادت تشكيل الصورة وفق منظورها الخاص، راصدة مختلف التحولات التي طرأت على المجتمع المغربي إبان الجائحة، ومزيحة الستار عن بؤر الفساد داخل الوطن، والتي جعلت من الوباء أوبئة عديدة. لكننا اخترنا في هذا المقال أن نسلط الضوء على جوانب محددة من الوبائية في هذه اليوميات، ويتعلق الأمر بالجانب النفسي للشخصية الساردة، والشخصيات الأخرى، وعلاقة ذلك بالمحيط والبيئة، ذلك أن البيئة بجميع أنواعها، الفيزيقية والاجتماعية، قد شهدت تحولات عميقة إبان الوباء وبعده، كما أن تصنيف الجائحة ضمن المخاطر الطبيعية جعل منها " مصدر مشقة لأنها شديدة وغير متوقعة، وغير متكررة في حياة الفرد، وتسبب الخوف والقلق والانسحاب لدى الضحايا"[5].

    الوبائية في الرواية:

  1.  الجانب النفسي:

  لاشك أن يوميات الوباء، هي يوميات مختلفة عن تلك التي يكتبها أصحابها في المواقف الحياتية العادية، ذلك لأنها محملة بمشاعر تحمل طاقة نفسية هائلة، إذ إن التواجد لحظة النكبات والأوبئة، ومعايشتها، يجعلان المبدع يرسل دفقات شعورية تتراوح ما بين الدهشة، والصدمة، والقلق، والحزن، والتشاؤم، والتشبث بالأمل. وإذا كانت أغلب الأعمال الإبداعية التي وثقت لفترات الجوائح والأوبئة، قد استعانت بعنصر التخييل الذي مكنها من التأثير بقوة في نفسية المتلقي – كالأعمال الروائية مثلا -  إذ يتعاطف مع الشخصيات، ويندمج مع أحداث القصة، فإن التأثير في جنس اليوميات أبلغ، لأن هذا النوع الأدبي يعكس بكل صدق تجربة المبدع، وما يرافقها من انفعالات ومشاعر حقيقية، ينطلق في وصفها من ذاته، جاعلا من المتلقي أيضا طرفا مشاركا في الحدث، لأنه يعتبر جزءا منه، وهي انفعالات برزت في اليوميات على المستويين الخارجي، ممثلا في المناصات والعتبات، وعلى المستوى الداخلي من خلال الخطاب السردي، والتيمات المهيمنة على اليوميات.

  •  على مستوى العتبات:
  1. عتبة العنوان:

حسب ما جاء في كتاب "عتبات" لجيرار جينيت، فإن المهم في العنوان، هو سؤال الكيفية، أي كيف يمكننا قراءته كنص قابل للتحليل والتأويل يناص نصه الأصلي."[6]  وبالنسبة لعنوان اليوميات: " العالم في كبسولة"، فالملاحظ أنه من الناحية البنائية جملة إسمية، تتكون من دوال تفتح أمام القارئ تأويلات متعددة، وتقوده إلى المتن، ذلك أن "العالم" يعتبر فضاء للحدث الرئيسي، وهو "الجائحة"، لكنه رمزيا مرتبط ب"كبسولة"، والكبسولة كلمة مترجمة عن الفرنسية، أصلها: capsule، وتطلق على نوع من أنواع العقاقير الطبية ذات الملمس والغلاف البلاستيكي.

 يرتبط الدال(العنوان) بالمدلول (مضمون اليوميات)، من خلال المرجع الطبي (الكبسولة)، فيشير رمزا إلى أن العالم بأجمعه خاضع لنظام صحي معين، سيتبين من خلال الأحداث أنه التلقيح ضد الفيروس،  فأفق انتظار المتلقي لن يخرق بأي مدلول بعيد عن الحقل الطبي، في جانبيه الجسدي والنفسي.

  لقد اختارت المبدعة إذن، عنوانا يشعر بالضغط، والتوتر، والضيق، وتقييد الحرية الشخصية، ذلك أن فساحة العالم ورحابته، مناقضان للكبسولة، فلا يمكن لهذه الأخيرة أن تسعهما، لكونها تدل على الصغر، لذا فإن معادلة الرحابة مقابل الضيق، لها تأثير بالغ على نفسية القارئ الذي سيلج المتن وهو محمل بمشاعر مضطربة، يبحث لها عن تنفيس، وبسيناريوهات يبحث لها عن فهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حصر العالم برمته في كبسولة يعد نوعا من التحكم فيه وفي مصيره، ذلك أن بشاعة الجائحة، مكنت المتحكمين في النظام الصحي العالمي أن يدفعوا الشعوب نحو التلقيح، على الرغم من عدم تأكدهم من مضاعفاته الخطيرة، وهذا ما ستعبر عنه الكاتبة داخل المتن عندما استنكرت ما سمته ب"المؤامرة": "أحسست بالألم، بل بالقهر الذي ما بعده قهر، كيف يتواطأ الصيادلة في كل مكان مع شركات الدواء و يتآمرون على صحة المواطنين؟ وإذا كان من نعول عليهم في علاجنا من أمراضنا، يتخذون منا فئران تجارب، فإلى من نلجأ؟."[7]

  1. عتبة الصورة:

    إن الصورة عتبة بصرية غالبا ما تكون مساعدة على تخمين ما بداخل المتن، وعلى الرغم من الوظيفة الإغرائية  التي قد تقوم بها، لكونها قد لا تُختار في العديد من الأوقات من طرف المبدع ذاته، بل من  قبل الناشر، لأغراض مادية استهلاكية، إلا أنه أحيانا قد تؤدي وظيفة وصفية أو إيحائية، تقرب المتلقي من إيجاد صلة الوصل بينها وبين المضمون، ناهيك عن الوظيفة التداولية في جلب الجمهور، وهذا ما ينطبق على الصورة المصاحبة لهذه اليوميات. أما عن الألوان المستعملة فيها فهي علامات إيقونية، " تدل على موضوعها من حيث أنها ترسمه أو تحاكيه، فالعلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة تشابه وتماثل،"[8]  إذ تظهر على غلاف اليوميات صورة لكبسولة باللونين الأحمر والأزرق اللذين يعدان في علم الألوان من الألوان الأساسية، حيث يرمز الأزرق إلى الكرة الأرضية، إذ تظهر على سطحه مظاهر الحياة من أشجار ونباتات وطيور، في إشارة إلى البيئة السليمة، في حين يرمز اللون الأحمر إلى الخطر المحدق بكوكبنا، وأمام الكبسولة مشهد أناس يدخلونها ويخرجون منها وبيدهم معاول، مرتدين وزرات بيضاء كما يرتدي الأطباء، دلالة على المجهودات الجبارة التي قامت بها هذه الفئة في إنقاذ الكوكب من الفيروس اللعين، لإعادة الحياة إليه.

 تؤدي العتبة البصرية كما نرى دورا هاما في وصف المشهد العام للعالم أثناء الوباء، مشهد عالم يتداعى من جراء المرض، على الرغم من المحاولات الحثيثة لإنقاذ الحياة  بداخله. ومن الملاحظ أن الناشر انتقى من لوني الكبسولة اللون الأحمر لكتابة العنوان، وفي ذلك تلميج للخطر الذي يستشري في العالم وينتشر مثل النار في الهشيم،  وأنه مهما حاولت المقاربة الطبية احتواءه، فإن ذلك غير مجد، لذا فإن الصورة من الجانب النفسي قد تكون مؤشرا على نظرة تشاؤمية للوضع القائم، ينتظر القارئ إيجاد ما يناقضها داخل المتن. 

  1. عتبة الإهداء:

  يسجل الإهداء حضوره في أي نص أدبي أو عمل إبداعي باعتباره جزءا من النص المحيط، وهو "تقليد عريق عرف على امتداد العصور الأدبية بأشكال مختلفة، من أرسطو إلى الآن، موطدا مواثيق المودة والاحترام والعرفان"[9] بين المهدي والمهدى إليه، ويؤدي وظائف عديدة منها ما هو دلالي، وما هو تداولي، فالأول يتعلق بالمعاني التي يحملها للمهدى إليه، أما الثاني فيرتكز بالأساس على تنشيط "الحركة التواصلية بين الكاتب وجمهوره الخاص والعام".[10]

  لقد وجهت الكاتبة "الزهرة رميج" في يومياتها إهداءها إلى كل الأجيال القادمة، حيث تقول: " إلى الأجيال القادمة هذه الشهادة على جائحة فريدة حيرت العلماء، وعمت الكرة الأرضية قاطبة، وساوت بين الدول الغنية والفقيرة، وتركت جراحا لا تندمل في النفس البشرية. إلى أرواح ضحايا فيروس كورونا في كل مكان من "قريتنا الصغيرة."[11]

 يبدو أن الكاتبة تحاول من خلال الإهداء أن تجعل المتلقي في صلب الخطاب التواصلي، وهو متلق من نوع خاص تمثله عبارة: " الأجيال القادمة"، باعتبارها فئة لم تشهد ما وقع أثناء الوباء، لذا فإن المبدعة تقربها من الحدث، بشهادتها الحية، ومصطلح "الشهادة "في حد ذاته يضفي نوعا من المصداقية على ما سيروى، لكونه يستند إلى مرجعية واقعية، لكن الإهداء لا يقتصر على هذه الفئة، وإنما وجه أيضا إلى أرواح ضحايا الوباء، في محاولة من الكاتبة لربط الحاضر بالمستقبل.

   تحضر في الإهداء دوال تنتمي إلى الحقول السياسية، الاقتصادية: ( ساوت بين الدول الغنية والفقيرة)، والطبية: ( أرواح ضحايا فيروس كورونا)، والتي يظهر أنها شهدت تحولات عميقة تعبر عنها عدة ملفوظات من قبيل: (ساوت)، (تركت)،( عمت). لكن يبدو أن الجانب النفسي أكثر هيمنة على الخطاب، إذ أن القارئ يستشعر مدى ثقل الأمر على نفسية الكاتبة، من خلال عبارة: " تركت جراحا لا تندمل"، وعبارة: " في كل مكان"، مما يعني أن المصاب جلل، وأن مشاعر المبدعة تنزف دما بفعل  ما حصل للعالم بأسره، لأن هذا العالم كما تقول هو قرية صغيرة، ومن ثم فإن الأجيال القادمة مرتبطة أشد الارتباط بما حصل، نظرا للروابط الإنسانية التي تجمعها بمن عايشوا هذه الجائحة.

  •   على مستوى الخطاب

بين خطاب التفاؤل والتشاؤم:

   من المعلوم أن الزهرة رميج قد رصدت في مختلف أعمالها السردية مختلف أوجه المعاناة الإنسانية، بدءا بمعاناة الأشخاص داخل السجون في روايتيها: " أخاديد الأسوار"، و"الناجون"، ومعاناتهم من جراء المرض وغياب العناية الطبية في " قاعة الانتظار"، وكانت الذاتية في أغلب هذه المتون تتجلى للمتلقي واضحة على الرغم من أن المبدعة تحاول أن تغلف الأحداث برداء التخييل. لكن الأمر في هذه اليوميات يختلف، لأن الذات الساردة هي نفسها الكاتبة، فضلا عن أن الذات الفردية هنا تتماهى مع الذات الجمعية، نظرا لأن الجائحة ليست مجرد وباء أصاب الساردة فقط، بل هو جائحة أصابت الإنسانية جمعاء. وكدأب الكاتبة في أغلب أعمالها، يغلب الخطاب التفاؤلي على اليوميات، لكن مع هذه التجربة الفارقة، تجربة "الوباء"، قد يضعف ذاك الخطاب وينهار أمام ثقل الفاجعة، وفظاعة المشاهد، وانتشار مشاعر الخوف والهلع، وكذا مشاعر الحزن والألم على فراق الأحبة، فيتجاذب اليوميات خطابان؛ خطاب قوة وخطاب ضعف إنساني، تقول الكاتبة: " كم أنا سعيدة باكتشاف قدرتي العظيمة على الصبر والتحمل، وعلى الحفاظ على روح التفاؤل والأمل في ظل الظروف المأساوية التي عاشها العالم، وبكوني خرجت من سنة 2020 قوية بانتصاري على شهوات النفس ورغباتها. أليس الانتصار على النفس أكبر انتصار،"[12] وتقول أيضا: "ومثلما نتشبث بالأمل في انزياح غمة فيروس كورونا، نتشبث بالأمل في رؤية فلسطين حرة مستقلة."[13]

   يبدو إذن أنه في خضم هذه الأزمة التي كانت كالحة، تظل الكاتبة متشبثة بروح الأمل، لعلها بذلك تشكل القدوة للأجيال اللاحقة: " بالأمس نشرت ولأول مرة، صورة تجمعني بولدي في عيد ميلادي مساهمة مني في حملة نشر الصور الإيجابية التي دعا إليها رواد الفيسبوك لبث روح التفاؤل والتشبث بالأمل في ظل هذه الظروف القاسية التي نمر بها جميعا حتى لا يجرفنا طوفان كورونا الأسود."[14]

    في المقابل، يمكن القول إن "البيئة السيكولوجية أي النفسية هي تلك الأشياء المادية كما يراها وكما يدركها وكما يشعر بها الإنسان وكما يفسرها، وهو بذلك يضيف إليها من عنده معانيها وقيمتها ووظيفتها،"[15]  لذا فمن الملاحظ أن اللغة التي تسلحت بها الكاتبة في تسجيل الوضع القائم، هي لغة أقرب إلى التفاؤل منها إلى التشاؤم، رغم قتامة الموقف. لكن الأمر لم يمنع تعبيرها عن مشاعر الحزن العميق تجاه ما يحصل، فهي لا ريب قد تأثرت بالبيئة التي عاشت فيها، وبالخطر المحدق بها، تقول في سياق تعبيرها عن تعاطفها مع صديقها الذي توفي والده: "حزنت لحزن صديقي، وتألمت وأنا أتخيل حال ذلك الأب وهو يعاني من تلك الآلام الرهيبة التي سمعت عنها من شهادات الكثيرين ممن أصيبوا بالفيروس، والتي لا يمكن وصفها،"[16] وهي لا تقف عند هذا الحد، بل تفتح المجال للتخييل حينما تتصور معاناته على فراش الموت إذ تقول: " تخيلته وهو يحتضر في سرير بارد... في غرفة باردة... ولا يد دافئة تشد على يده... ولا قبلة تطبع على جبينه... ولا دمعة تترقرق في أعين أحبته وهم يحيطون به... استحضرت تلك الحكايات التي كثيرا ما يتداولها أهل الميت، والتي تلتقي في كونه يظل يحتضر وينتظر حضور الغائب أو الغائبين من أبنائه، وما إن يراهم حتى يسلم الروح لباريها."[17]

  لقد عايشت الكاتبة استفحال الوباء يوما بيوم، وعلى الرغم من محاولتها الحفاظ على قوتها ورباطة جأشها، لكن تطورات الوضع كانت أقوى منها، ومع تزايد عدد المرضى، وتضاعف أعداد الوفيات، صارت أكثر حساسية تجاه ما يحيط بها: " منذ فترة طويلة وأخبار الموت لا تتوقف سواء بفيروس كورونا أو بغيره، أو دون تحديد أسباب الوفاة، وقد اكتشفت مؤخرا أن العديد من الناس يصابون بالفيروس، ولا يعلنون عن إصابتهم به، ومنهم من ينشرون خبر إصابتهم بالفيروس بعد شفائهم منه بعدة أشهر، أي بعد أن يكون أثر الفيروس قد زال من أجسادهم."[18]

   أثرت مشاهد الموت والمرض على نفسية الكاتبة مع الوقت، فانعكس ذلك كله على اللغة التي تسرد وتصف بها، لتأتي في مقاطع كثيرة محملة بدوال تشير إلى " الصدمة" و"الانهيار"، و"القلق" و"الإحباط"، فهي إنسانة قبل أن تكون كاتبة، ولا شك أن المحيط الاجتماعي والإنساني سيكون لهما أبلغ التأثير على نفسيتها، إذ تقول بعد مرور ما يناهز ثمانية أشهر على بداية انتشار الوباء: "بالأمس، رغم كوني لم أقم بأي مجهود عضلي، إلا أني شعرت بانحطاط جسدي...... كم هو مرهق الحديث المستمر عن الموت! الحزن لا يدمر النفس فحسب، بل يدمر الجسد أيضا."[19]  

  إن تقاسم الناس أرضا واحدة، وهموما واحدة، في بيئة مشتركة تظللهم جميعا، لا يمكن أن يسمح لمن يفكر بوعي، أن يظل محايدا، لأن ذلك سيكون ضربا من ضروب الأنانية، وفي هذا السياق تقول الكاتبة:"  الكثيرون ينصحون بنسيان كورونا وعيش الحياة الطبيعية، ولكن هل يمكننا ذلك، ونحن نرى جيراننا وأقاربنا وأصدقاءنا يصابون بالمرض، ويعانون من آثاره، أو يروحون ضحيته؟ ونحن نسمع أخباره الكارثية في كل انحاء العالم؟"[20]

 

تابع

هوامش البحث


[1] - حميد الموساوي، خطاب الوباء في الأدب والإعلام، دراسة لسانية اجتماعية ( الإعلام المغربي أنموذجا)، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قطر، ص58.

[2]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، 2022، ص10.

[3]  كمال الرياحي، فن اليوميات، كتابة التجارب الفارقة، مجلة رصيف الالكترونية، الزيارة يوم 22 غشت 2023.

[4]  نفسه، بتصرف.

[5]  فرانسيس ماك أندرو، علم النفس البيئي، ترجمة عبد اللطيف محمد خليفة، جمعة سيد يوسف، مطبوعات جامعة الكويت، الطبعة الأولى، 1998، ص147.

[6]   عبد الحق بلعابد، عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص،)منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الطبعة الأولى، 2008، ص 67.

 [7] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، دار فضاءات، عمان، الطبعة الأولى، 2022، ص175.

[8] هناء عابدين عبد الله، سيمياء اللون في شعر أمل دنقل، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج، العدد الثاني والأربعون، يناير 2017.

[9]عتبات جيرار جينيت ص94.

[10]  عتبات جيرار جينيت، ص 99.

[11]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة،دار فضاءات، عمان، الطبعة الأولى، 2022، ص5.

[12]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 11.

[13]  نفسه، ص35.

[14]  نفسه، ص38.

[15]  فرانسيس ت ماك أندرو، علم النفس البيئي، ترجمة عبد اللطيف محمد، جمعة سيد يوسف، طبوعات جامعة الكويت، الطبعة الأولى، 1998، ص15.

[16]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص100.

[17]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص101.

[18]  نفسه، ص147.

[19]  نفسه، ص170.

[20] نفسه، ص213.

 جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي دراسة في يوميات: &quot; العالم في كبسولة&quot; للكاتبة المغربية الزهرة رميج
Partager cet article
Repost0
3 décembre 2024 2 03 /12 /décembre /2024 08:30
تتمة // جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي 

تتمة // جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي دراسة في يوميات: " العالم في كبسولة" للكاتبة المغربية الزهرة رميج

دة. سناء حربول

دراسة محكمة

الملخص:

   يهتم علم النفس وعلم النفس البيئي بدراسة العلاقة التي تجمع بين البشر وبيئتهم، وتعد الأوبئة من بين أهم العوامل التي تؤثر على هذه العلاقة،  حيث يسهم ظهورها في الكشف عن غياب التوازن بين الطرفين، مما يحتم على الإنسان العودة إلى حضن بيئته، وجعلها أداة لتحقيق الاستقرار الجسدي والنفسي.

   تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على أدب الأوبئة، من خلال يوميات الكاتبة المغربية " الزهرة رميج": " العالم في كبسولة"، والتي رصدت ما عاشته البشرية إبان جائحة كورونا، وتأثيراتها البالغة على شتى المجالات، خاصة منها الاجتماعية، والنفسية، والبيئية.

الكلمات المفتاحية: أدب الأوبئة، وباء كورونا، أدب الكوارث،العالم في كبسولة، الزهرة رميج.

Abstract

Psychology and environmental psychology are interested in studying the relationship between humans and their environment. Epidemics are among the most important factors in this relationship. Their emergence contributes to the detection of the factors that cause them, of which the unbalanced relationship between humans and their environment is part, which obliges them to return to their lap and make it a tool for physical and psychological stability.

  This study aims to highlight the literature of epidemics, through the diary of the Moroccan author « Zahra ramij »: « the world in capsule, which monitored what humanity experienced during the coronavirus field, especially social psychological and environmental.

Keywords: Epidemic literature, Corona epidemic, disaster literature, the world in a capsule, Zahra Ramij

تتمة

  1.  الجانب البيئي:
  • الوباء والبيئة الفيزيقية:

لاشك أن البشرية على الرغم مما وصلت إليه من تقدم، تجني ثمار ما صنعته بها بعض العقليات الجشعة من تدمير ممنهج للبيئة، الأمر الذي كان السبب وراء ما يحصل في العالم من كوارث طبيعية، وظهور أمراض جديدة، ومنها وباء كورونا الفتاك. ومع غياب ما يسمى ب"أخلاقيات البيئة"، والذي يعتبر مظهرا  من مظاهر الوعي البيئي، صار لزاما على الكتاب والأدباء- باعتبارهم -يجسدون هذا الوعي في كتاباتهم- أن يتفاعلوا مع البيئة بوصفها كائنا حيا بكل حيواتها وجمادها، بحيث يصير المبدع "جزءا من تلك البيئة لا مشاهدا أو واصفا لها. إنها علاقة ما بين الأدب، والبيئة الطبيعية، بحيث نلمح الوعي البيئي والخيال البيئي في النص."[1]وهذا ما يتضح لنا من خلال هذه اليوميات، إذ تحضر البيئة بقوة فيها، في علاقة واضحة مع الأحداث، إذ تحمل الكاتبة المسؤولية للإنسان في كل ما وقع لها من مظاهر تلوث وإهمال، ليدق الوباء ناقوس الخطر، لعل العلاقة بين البشر وبيئتهم تعود إلى توازنها، فيتحقق التصالح بينهما، تقول الكاتبة: " لاشك أن أمنا الأرض تتقدم بالشكر والامتنان لجائحة كورونا التي أوقفت حركة السيارات والطائرات والمعامل وكل نفاثات السموم التي تسببت في الثقب الأسود وفي التقلبات الجوية والكوارث الطبيعية الخطيرة من زلازل وفيضانات وتسوناميات وحرائق الغابات التي تعاني منها بسبب جشع الإنسان ونزعته التدميرية والاستغلالية."[2]

  لقد كشف الحجر الصحي عن أن العلاقة بين الإنسان والبيئة هي علاقة مختلة، وأنها يجب أن تعود إلى توازنها، فكان بمثابة العامل المساعد لها كي تعود إلى طبيعتها، تقول الكاتبة: " وأنا أتنفس، انتبهت إلى نقاء الهواء وغياب رائحة البنزين التي تمتزج به عادة، والتي وصلت درجة لم أعد معها قادرة على تحملها. لم أدرك فظاعة تلوث هواء مدينة الدار البيضاء إلا عندما ابتعدت عنها مدة شهر كامل قضيته في مدينة مراكش حيث تفرغت لإنهاء كتابة رواية "قاعة الانتظار"، وعندما عدت إلى الدار البيضاء، أصبت بصدمة كبيرة، إذ لم أتحمل درجة تلوث الهواء فيها. فهمت آنذاك، أن هذا التلوث كان دائما موجودا، وأني فقط كنت متعودة عليه، ولم أدرك فظاعته إلا عندما تنظفت رئتاي  منه بهواء مراكش النقي. هذا التلوث الخطير أصابني بالعزوف عن التنقل وسط المدينة التي تعرف حركة جهنمية للسيارات. منذ سنوات والمدينة تسبح في هواء ملوث، وها هي تتخلص منه في ظرف وجيز لم يتجاوز تسعة أيام من الحجر الصحي."[3]

   يثبت الشاهد أعلاه بما لا يدع مجالا للشك أن الكاتبة، وغيرها من الناس، قد يعتادون لفترات معينة العيش في بيئة ملوثة، فيتعايشون مع ذلك الخطر، وهذا الموضوع هو مثار دراسات عديدة من طرف علماء النفس البيئيين؛ ذلك أنهم أصبحوا "مهتمين بالوقوف على الأسباب التي تجعل البشر يتجاهلون الأخطار التي يواجهونها في بيئتهم، ولماذا يفضلون الاستجابة للمخاطر بعد حدوثها بدلا من اتخاذ خطوات إيجابية لتجنبها في المقام الأول؟ ولماذا يفشل الناس باتساق في إدراك التهديد ويعتقدون أنه لن يؤثر فيهم؟،"[4]  لكن الموقف قد يختلف مع الفئة التي تمتلك وعيا عميقا، وقدرة على عدم الاستجابة لتلك المخاطر التي قد تهدد البيئة. ومن هنا فإن ظرفية الجائحة، ومساهمة الحجر الصحي في استعادة الطبيعة لجزء من توازنها، أعادا إلى ذهن الكاتبة ذاك الحدث الذي سردته سابقا، فاستعادت معه مشاعر الانزعاج الذي كانت تشعر به وهي تعيش وسط مدينة ملوثة كالدار البيضاء، وكيف أنها كادت أن تتعايش مع تلك الأجواء الملوثة، لولا تلك الزيارة التي قامت بها لمدينة مراكش، التي أعادت لها استقرارها النفسي، وحسنت مزاجها، فلم تعد تطيق بعدها التعامل بشكل عاد مع مظاهر التلوث بمدينتها.

 ويبدو أن الرابطة التي تربط المبدعة بالبيئة هي رابطة تكشف عن انصهار كلي معها، انصهار تغيب معه جميع مظاهر القلق والحزن اللذين خيما عليها أثناء الجائحة، فقد اتخذت من الطبيعة ملجأ لها لتحقيق الصفاء الروحي، والتخلص من أدران الأخبار السيئة:" اخترت الانتظار في الحديقة. كانت السماء صافية هذا الصباح والجو يعطي الانطباع بفصل الربيع، فانتابني إحساس جميل بالراحة النفسية وأنا أتأمل أرضية الحديقة الخضراء وأشجارها الظليلة"[5]، وتقول أيضا في معرض تأملها لزوج حمام: " كما جعلت منها وسيلتها لمحاربة المرض: " هذا الصباح، بدأت تطبيق برنامج التعرض للشمس، ذلك أن كل الخبراء يتحدثون عن دور فيتامين د في تقوية المناعة والحماية من فيروس كورونا، وأهم مصدر آمن لهذا الفيتامين هو أشعة الشمس التي لا تتطلب إجراء تحاليل الدم لمعرفة الجرعات المطلوبة."[6]

   إن العبء النفسي الذي أحدثته الجائحة في نفسية الكاتبة وباقي أفراد المجتمع كان مرتفعا جدا، ومن المعلوم أن " الضغوط البيئية تحدث عندما لا تتلاءم المتطلبات التي تفرضها البيئة على البشر مع قدرتهم على مواجهتها،"[7] لكن علاقة المبدعة بالبيئة، مكنتها من مجابهة تلك الضغوط، عن طريق العودة إلى مكونات الطبيعة الحية، والتأمل فيها: " بعيدا عن الأفكار المنغصة، لاحظت بالأمس عودة الحمامة الأرملة مع رفيق جديد! بقي الزوجان يقفزان من نبتة إلى أخرى، يلتهمان أوراقها تارة، ويلاعبان بعضهما تارة أخرى... تساءلت إن كانت الحمامة الأرملة نسيت حبيبها الأول بعد قرابة الشهر الذي ظلت تأتي فيه وحدها لتحط فوق شرفتي .... ألا تتذكر حبيبها الأول وحياتها معه وألاعيبهما معا في نفس هذا المكان قبل أن تتخذ حبيبا جديدا؟ ولكن هل يحزن الحمام حزن الإنسان؟ وهل له ذاكرة شقية تنغص عليه حياته؟... وأنا غارقة في التفكير، رأيت زوجا آخر من الحمام ينضم إليهما.... قضيت وقتا ممتعا وأنا أتأمل هذه الحمائم، وأستمتع برؤيتها وهي تنعم بحياة الحب والحرية غير آبهة بفيروس كورونا وقيود كورونا ومخاوف كورونا."[8] 

  يؤكد المقطع السابق على أن" الخاصية الانفعالية الوجدانية للبيئة هي الجزء الأكثر أهمية في علاقة الفرد بهذه البيئة، لأن الخاصية الوجدانية للبيئة هي العامل الأول في تحديد الحالة المزاجية والذكريات المرتبطة بالمكان، والذي يمكن أن يؤثر في صحة الفرد ورفاهيته،"[9] وهذا واضح من خلال المشاعر التي عبرت عنها الكاتبة، إذ أن مشهد زوج الحمائم الأول، حرك لديها مشاعر دفينة، ورج الذاكرة لديها، خاصة وأنها تعاني من الفقد، فقد الزوج والرفيق، فكان ذاك المشهد بمثابة المثير له، وهي التي ظلت وفية لذكرى زوجها على الرغم من وفاته المبكرة.

   ولا شك أنه في فترة الحجر الصحي، كانت الطبيعة ملاذ الكاتبة ووسيلتها لمقاومة مشاعر اليأس والإحباط، فقد خصصت فضاء شرفتها لتأمل المناظر الطبيعية التي تمنحها السكينة والشعور بالاستمتاع في ظل القيود التي فرضها الحجر الصحي: " هذا الصباح، أغراني دفء الجو وزرقة السماء الصافية بقضاء بعض الوقت في الشرفة والاستمتاع بأشعة الشمس التي تغمرها، وتأمل الحمام الذي ما عاد يطير كلما اقتربت منه، ولا يخاف من معاقبتي له على التهام وريقات الشجيرة المحببة إليه، وتعرية أغصانها. وبما أن الشرفة في زمن الحجر هي نافذتي الوحيدة التي أطل منها على العالم الخارجي المحيط بي، فقد رحت أتأمل الحركة الدؤوبة للمارة هذا اليوم".[10]

  يبدو إذن أن مزاج الكاتبة يتسم بالهدوء والصفاء من خلال المتواليات السردية الني يشتمل عليها المقطع؛ إذ أن الجو الدافئ وزرقة السماء ولدا لديها شعورا بالاستمتاع، ورغبة في التأمل، وهو ما عبرت عنه بتوظيفها للدوال: ( أغراني، الاستمتاع، تأمل الحمام، رحت أتأمل)، كما أن توظيف الكاتبة للألوان يشي بارتفاع معنوياتها، واستقرار حالتها المزاجية، وقد ساهم في هذا الاستقرار أيضا صفاء السماء، وأشعة الشمس التي غمرت الغرفة، فمن المعروف أن "ضوء الشمس يمكن أن يساعد في خفض مشاعر الخمول والاكتئاب. وفي الحقيقة، فقد أوضحت البحوث أن ضوء الشمس بالإضافة إلى الإضاءة الصناعية الساطعة لهما آثار مضادة للاكتئاب على الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات اكتئابية،"[11] ولا يمكن لأي أحد أن ينفي نوعية المشاعر التي تهيمن على النفس البشرية في فترات الكوارث والجوائح، ومدى الحزن الذي قد يدمر القلب، وهو ما يستدعي في علم النفس البيئي البحث عما يمكنه أن يخفف الألم، ولذا فإن الشرفة كانت ضالة المبدعة في هذا التطهير النفسي، إذ يبدو وكأنها تتفاعل وتتحاور مع مكونات البيئة الموجودة بها، فيولد بينهما إحساس متبادل، ويظهر ذلك جليا في كون الحمام صار لا يهاب الكاتبة، ولا يطير إذا اقتربت منه، بل صار يسكن إليها ويستأنس بها.

  وعموما، يمكن القول إن المبدعة قد استطاعت على الرغم من فظاعة الوباء، أن تجدد علاقتها بالبيئة الطبيعية من حولها، لا سيما وأنها تحمل في ذاكرتها صورا عنها منذ فترات طفولتها المبكرة، وفي هذا الصدد تقول: " منذ طفولتي المبكرة، ارتبطت بعلاقة قوية مع الطيور، ولكني لم أدرك ذلك إلا مع الكتابة، فقد وجدتني أوظف العصفور كرمز للحرية والانطلاق، وكتبت قصة بعنوان "أنا العصفور" نشرت في مجموعتي القصصية الأولى "أنين الماء" يدور فيها حوار بين الشخصية وعصفور حط فوق شرفتها وراح يواسيها،"[12] كما أنها جعلت منها- أي الطبيعة- عاملا مساعدا لها من أجل تجاوز ضغوط الوباء النفسية: " أعتقد أن مزاجي الرائق بالأمس هو ما جعلني أبتعد عن مطاردة أخبار كورونا، وأفكر في العناية بنباتات الشرفة. تأسفت للحالة التي آلت إليها. بدت وكأنها تعاتبني على إهمالي لها طيلة الأشهر الماضية ... تخيلتها تقدم الشكر لفيروس كورونا الذي اضطرني إلى القيام بالأعمال المنزلية في غياب مساعدتي، وبتنظيف الشرفة، فجعلني أدرك الخسارة التي حلت بها وحلت بي، بعدما فقدت كل النباتات المزهرة التي كانت تجعل من الشرفة في فصل الربيع حديقة تفرح القلب، وتمتع العين بألوانها الزاهية، وتستقطب الفراشات والعصافير الصغيرة التي تحط فوقها، والتي كانت تجعلني أسافر في الماضي، وأعيش لحظات طفولتي السعيدة في البادية."[13]

  وخلاصة القول فإن علاقة الزهرة رميج بالبيئة المحيطة بها في يومياتها لا تروم الاستئناس، أو التسلية والمتعة فقط، لكن الرابط الذي يربط المبدعة بتلك البيئة حولها هو رابط شخصي، بخلفيات تاريخية، فالإنسان ابن بيئته، ولا يمكنه التنصل منها، والكاتبة تعتبر ابنة البادية، ذلك الفضاء الذي لا زال متجذرا في ذاكرتها، كثيف الحضور في أعمالها الإبداعية، ومنها هذه اليوميات.

  • الوباء والبيئة الاجتماعية:

   تبدو صورة المجتمع في ظل الوباء قاتمة، تهيمن عليها المخاوف، وتستشري فيها الشكوك حول مستقبل مجهول للإنسانية. وفي ظل هذه الأزمة، برزت إلى السطح أوبئة من نوع آخر، لأن حضور الجائحة واستمرارها لمدة من الزمن، ساهما في تعرية العديد من بؤر الفساد المجتمعية، فبدت البيئة الاجتماعية تعاني المرض كمثيلتها الطبيعية، فانتشرت مظاهر تلوث خاصة، عنوانها الأنانية والفردانية حينا، والجهل واندثار القيم أحيانا أخرى. لقد رصدت يوميات الكاتبة الزهرة رميج هذه الاختلالات الاجتماعية، معبرة عن ذهولها وصدمتها، لا سيما وأن هذه الأنانية لم تطغ على المجتمع المغربي فقط، بل كانت سلوكا عالميا. تقول الكاتبة: " هذا اليوم، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورا عن الهستيريا التي اجتاحت المغاربة وخاصة منهم سكان مدينة الدار البيضاء بعد إعلان السلطات عن توقيف الدراسة وإلغاء جميع التظاهرات الرياضية والثقافية وتعليق الرحلات الجوية والبحرية مع العديد من الدول... صدمتني الصور والفيديوهات المتداولة عن الزحام والفوضى والهرج والمرج الذي عرفته معظم المتاجر الكبرى والأسواق الممتازة في المدن الكبيرة على وجه الخصوص، والإقبال المنقطع النظير على اقتناء المواد الغذائية الأساسية ومواد التنظيف تحسبا لتداعيات فيروس"كورونا" المستجد في الأيام المقبلة، وهالتني درجة الأنانية التي أصبح عليها المواطن المغربي، فقد أظهرت الصور والفيديوهات خلو رفوف المتاجر الكبرى من السلع، وكـأن قوم "هاجوج وماجوج" هجموا علينا."[14]

 من خلال المقطع السابق، يتبين أن الخطاب ينحو منحى نقديا لظاهرة اجتماعية لم تكن معهودة لدى المغاربة، وهي ظاهرة الأنانية وحب الذات، لذا فإن الدوال المعبرة عن ذلك تعبر عن الصدمة: ( صدمتني، هالتني)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأصل في سلوك المغاربة هو التحلي بالتضامن والإيثار، وأن ما طرأ على المجتمع من أنانية مرده تحولات عميقة في القيم، حيث إن الكاتبة تعلق على هذا التحول بقولها: " هالتني درجة الأنانية الني أصبح عليها المواطن المغربي"، إذ إن استعمال الفعل "أصبح" هنا يرمز إلى ذلك التغيير الطارئ على قيم المجتمع. وهنا يمكن الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، يؤكد عليها علماء النفس البيئيون، وهي أن البيئة المحيطة بالإنسان قد تؤثر عليه، ويقصد بالبيئة المحيطة " الجوانب غير المرئية مثل الصوت والحرارة والرياح والإضاءة، هذه العوامل ملامح ثابتة للحياة اليومية في البيئة والتي يمكن ألا ندركها شعوريا. وعلى الرغم من أن البيئة المحيطة قد تمر بنا دون أن نلاحظها، فإن لها تأثيرا عميقا على كل شيء نفعله، فأحوالنا المزاجية، وأداؤنا للعمل أو حتى صحتنا الجسمية تتأثر بالمدخل الحسي الذي نتلقاه بشكل متسق من البيئة المحيطة."[15] ونظرا لهذه الاعتبارات، فإن سلوك المغاربة أثناء الحجر الصحي قد تعرض لاستجابات انفعالية، مردها القرار الذي أصدرته الحكومة بالتزام المنازل وعدم مغادرتها، وهذا ما انعكس على نفسياتهم، فصارت سلوكياتهم استجابة طبيعية للخوف والذعر والهلع الذي أصابهم.

  وفي السياق نفسه تنتقد الكاتبة في يومياتها مظاهر الاستهتار بالمرض، والتعامل معه بنوع من انعدام المسؤولية والالتزام، وهي آفة أخرى من الآفات الاجتماعية، وتستدل على ذلك بقصة  أستاذ متقاعد توفي جراء الوباء، بعد أن ظهرت عليه الأعراض فلم يعبأ بها بتصريح من التقاه قبل وفاته: " قضيت هذا اليوم في الاتصالات الهاتفية بأفراد عائلة المرحوم وأفراد عائلة زوجي أعزيهم واحدا واحدا. أخبرني أحدهم أنه التقاه في الشارع، وعندما صافحه أحس بحرارة شديدة كما لو أن تيارا كهربائيا صعقه. ورغم ارتفاع حرارته وإصابته بالسعال، بقي يواظب على الخروج إلى المقهى كل يوم، كعادته. تساءلت باستغراب:" كيف لم يشك لحظة في أنه مصاب بكورونا؟ ولماذا لم يقم بإجراء التحاليل؟ هل خوفا من احتجازه في المستشفى ومن تلك المعاناة التي نسمع عنها، خاصة وأنه تجاوز الخامسة والستين؟ أم لأنه لم يكن يؤمن بكورونا كما هو شأن الكثير من الناس بمن فيهم المتعلمون والمثقفون؟ الظاهر أنه لا يؤمن بخطورة كورونا، إذ كيف يتصافح مع الآخرين بالأيدي في عز انتشار الوباء؟ والغريب أن من صافحه أيضا ينتمي إلى النخبة المتنورة. لذلك بدا لي موته عبثيا."[16]

  تعتبر الكاتبة إذن، السلوك الذي قام به ذلك الشخص سلوكا عبثيا، مستشهدة على ذلك بالتصرفات التي قام بها، والتي تدل على أنه تعامل مع الوباء باستخفاف، ولهذا فإنها تستنكر مثل هذه السلوكيات المشينة، خاصة إذا صدرت من الفئة المثقفة، وقد عبرت عن هذا الاستنكار بلجوئها إلى الأسلوب الإنشائي، حيث ضمنت الشاهد أعلاه كما من التساؤلات التي تهدف إلى انتقاد ذلك السلوك: ( كيف لم يشك؟، كيف يتصافح مع الآخرين؟،  لماذا لم يقم بإجراء التحاليل؟، هل خوفا من احتجازه؟...).

  ولم يقتصر تفشي وباء الاستهتار على فئة الكهول، بل إنه امتد أيضا إلى فئة الشباب، وقد وصفت الكاتبة هذا السلوك أيضا، منتقدة السلطات التي لم تعد تعير الأمر أي اهتمام:"ألقيت نظرة على الشارع، صدمت بما رأيت، مجموعة من الشباب تتكون من سبعة أشخاص- نعم، سبعة أشخاص إذ حرصت على عدهم- يتحدثون مع بعضهم دون ترك مسافة التباعد الجسدي بينهم.... مجموعة بهذا العدد في زمن كورونا أليس الأمر مدعاة للاستغراب؟.... طال لقاء الشباب، وطال وقوفي في الشرفة ومتابعتي لهم، لكني بقيت مشدوهة إلى المشهد علني أرى إحدى دوريات الشرطة  أو أحد المسؤولين أو احد المارة ينهر هؤلاء الشبان المستهترين أو على الأقل يقدم لهم النصيحة. لكن لا شيء من ذلك حدث."[17]

 من الملاحظ إذن، أن الكاتبة في يومياتها قد نقلت للقارئ بدقة مختلف الأعطاب التي لحقت المجتمع في فترة الجائحة، حيث إنها تحاول أن تمرر خطابا قيميا مفاده عدم الانقياد للأهواء، وعدم الاستسلام للظروف واتخاذها ذريعة للتخلي عن القيم. فالوبائية إذن صارت مضاعفة، ولم يقتصر الأمر على وباء جسدي، بل إنه لحق هيكل المجتمع، الذي استشرت فيه أوبئة من نوع خاص. وإذا كان الطب قد وجد لقاحا لفيروس كورونا ممثلا في اللقاح، على الرغم مما قيل حوله، فإن الأوبئة الاجتماعية من الصعب معالجتها. 

 سلطت الكاتبة أيضا الضوء في يومياتها الكورونية على عدة أوبئة مجتمعية أخرى، وتناولت قضايا سياسية ودينية واقتصادية، تحدثت من خلالها وكعادتها في جميع أعمالها الإبداعية بكل صراحة عما لاحظته في المجتمع المغربي والعربي في فترة الجائحة، ناقلة بدقة كل الأحداث التي عايشتها لحظة بلحظة، خاصة وأن فن اليوميات هو شهادتها على العصر، إذ أنها مزجت فيه بين الواقعية المحضة، والتخييل أحيانا من خلال التشبيهات والاستعارات التي كانت تستعين بها في سردها لبعض الوقائع، وفي تقريبها الصورة للمتلقي.

 خاتمة:  

   لقد وثقت يوميات المبدعة "الزهرة رميج" للحظات عصيبة عاشتها الإنسانية في فترة الوباء، حيث سكنت الأرض وأرخت السمع لصوت الطبيعة المستنزفة من قبل الإنسان، والذي تجسد على شكل وباء فتاك وقف الطب عاجزا أمام إيجاد دواء له، فجاءت يومياتها صادقة ومعبرة عن لحظات من الحزن والألم، وأوقات من الرعب والذعر، كابدها الإنسان قبل الخروج من هذه الضائقة، لحظات فسحت المجال أمامها للوقوف والإنصات إلى نبض   المجتمع، وكذا الاستماع لصوت الطبيعة، والتصالح معها. وبقدر ما كان الوباء فتاكا بالنسبة للإنسان، فقد نزل بردا وسلاما على الطبيعة التي حظيت بقسط من الراحة، وتنفست الصعداء، بعد أن عانت لسنوات من استنزاف البشر لها.

  إن المبدعة في يومياتها صورت جوانب كثيرة مصاحبة لأحداث الجائحة، فسلطت الضوء على قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية، كما أرخت العنان لذاكرتها لاستعادة ذكريات من الماضي الجميل، فكانت فترة الحجر الصحي فرصة ثمينة أمامها للإنصات إلى قلمها الذي جاد عليها لأول مرة بهذه اليوميات المسجلة لتاريخ وباء غير العالم بأكمله.

قائمة المصادر والمراجع:

 

  1.  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، دار فضاءات، عمان، الطبعة الأولى، 2022.
  2. عبد الحق بلعابد، عتبات، (جيرار جينيت من النص إلى المناص)، تقديم سعيد يقطين، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الطبعة الأولى، 2008.
  3. فرانسيس ت. ماك أندرو، علم النفس البيئي، ترجمة عبد اللطيف محمد خليفة، جامعة سيد يوسف، مطبوعات جامعة الكويت، الطبعة الأولى، 1998.
  4. محمد ابو الفضل بدران، أهمية النقد البيئي في الدراسات النقدية، أعمال المؤتمر الدولي الرابع للغة العربية.

         المجلات:

  1. حميد الموساوي، خطاب الوباء في الأدب والإعلام، دراسة لسانية اجتماعية، (الإعلام المغربي أنموذجا)، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قطر.
  2. هناء عابدين عبد الله، سيمياء اللون في شعر أمل دنقل، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج.

  المجلات الإلكترونية:

  • كمال الرياحي، فن اليوميات، كتابة التجارب الفارقة، مجلة رصيف الالكترونية، www.raseef22.net.

 

 هوامش البحث /تتمة

 

[1]  محمد أبو الفضل بدران، أهمية النقد البيئي في الدراسات النقدية، أعمال المؤتمر الدولي الرابع للغة العربية، ص196، بتصرف.

[2]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص29.

[3]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 28، 29.

[4]  فرانسيس ت. ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص148.

[5]  نفسه، ص134.

[6]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص28.

[7]  فرانسيس ت.ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص139.

[8]  العالم في كبسولة، ص 164-165، بتصرف..

[9]  علم النفس البيئي، ص98.

[10]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص249.

[11]  فرانسيس ت.ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص112.

[12]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص26.

[13]  نفسه، ص 25.

[14] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 17، 18.

[15] فرانسيس ت. ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص97.

[16]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 167.

[17]  الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 30،31، بتصرف.

تتمة // جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي 
Partager cet article
Repost0
13 novembre 2024 3 13 /11 /novembre /2024 17:07
منظور جديد للتعليم باستعمال الذكاء الاصطناعي

منظور جديد للتعليم باستعمال الذكاء الاصطناعي

د.سعيد عمري*

*أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-

دة.الطاهري عبيدة*

*أستاذة التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية للا أمينة التأهيلية بمكناس​​​​​​​

دراسة محكمة

 

 

ملخص

يتناول هذا المقال طفرة الذكاء الاصطناعي كفرع من فروع علوم الكمبيوتر وسعي المؤسسات والشركات عبر العالم لدمج إمكانات الذكاء الاصطناعي في التطبيقات لتحسين الأعمال وتجارب العملاء وتسريع الابتكار. كما يتناول أساليب تأثيره على تعليم وتعلم مبتكرة في مواقف مختلفة. بحيث أصبحت المدارس والجامعات في جميع أنحاء العالم تستفيد من إمكانات الذكاء الاصطناعي. مما يمهد الطريق بإدخال منظور جديد للتعليم، يشمل المعلمين والطلاب وأولياء الأمور والمدارس. والمغرب بدوره يسعى إلى دمج هذه التكنولولجيا الجديدة لتحسين تجربته التعليمية، وتحقيق نظام تعليمي أكثر كفاءة وفعالية. وتجدر الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي على وجه العموم ورغم فوائده فإنه يطرح تحديات كثيرة تتمثل في أتمتة العديد من المهام تربوية كانت أم إدارية.

الكلمات- مفاتيح: الذكاء الاصطناعي، علم البيانات، التعليم، التحسين، الأتمتة.

 

Abstract

This article discusses the surge of artificial intelligence (AI) as a branch of computer science and the global efforts of institutions and companies to integrate the potential of AI into applications that enhance business operations, customer experiences, and accelerate innovation. It also explores how AI is influencing innovative teaching and learning methods across various settings. Schools and universities worldwide are increasingly benefiting from AI’s capabilities, paving the way for a new perspective on education that involves teachers, students, parents, and educational institutions. In Morocco, efforts are underway to incorporate this new technology to improve the educational experience and achieve a more efficient and effective educational system. It is important to note that, despite its benefits, AI presents several challenges, particularly in automating numerous tasks, both educational and administrative.

Keywords: Artificial Intelligence, Data Science, Education, Improvement, Automation.

مقدمة

الذكاء الاصطناعي  فرع من فروع علوم الكمبيوتر حيث يمكن للآلات إنشاء أنظمة تستعمل العديد من التقنيات التي تحاكي الذكاء البشري, يمكنها كذلك أداء المهام التي تتطلب عادةً قدرات بشرية مثل اتخاذ القرار، الإدراك، الاستدلال والتعلم. منذ القرن الأول قبل الميلاد على الأقل، ركز الإنسان على إنشاء آلات قادرة على تقليد التفكير البشري. تم إنشاء مصطلح «الذكاء الاصطناعي»، في عام 1955، بواسطة جون مكارثي. في عام 1956، نظم جون مكارثي ومعاونوه مؤتمرًا بعنوان «مشروع دارتموث الصيفي للأبحاث حول الذكاء الاصطناعي»، والذي أدى إلى التعلم الآلي والتعلم العميق والتحليلات التنبؤية، ومؤخراً التحليلات الإرشادية. كما ظهر مجال جديد للدراسة: علم البيانات.

    عامة لا توجد نظرية موحدة أو نموذج يوجه بحوث الذكاء الاصطناعي. اختلف الباحثون حول العديد من القضايا، مثل التساؤل حول أهمية علم النفس أو علم الأعصاب في محاكاة الذكاء البشري، السلوك الذكي، المنطق ...الخ. خلال الثمانينيات من القرن العشرين، تيسّرت عملية تطوير الذكاء الاصطناعي بفضل حواسيب عالية الأداء وبفضل التوسع في مجموعة الخوارزميات التي استخدمها العلماء. نشر ديفيد روميلهارت وجون هوبفيلد أبحاثًا حول تقنيات التعليم العميقة والتي أظهرت أن أجهزة الكمبيوتر يمكن أن تتعلم من التجربة.

   في الفترة من عام 1990 إلى أوائل عام 2000، حقق العلماء العديد من أهداف الذكاء الاصطناعي الأساسية مثل تحقيق الفوز على بطل العالم في الشطرنج. أصبحت أبحاث الذكاء الاصطناعي الآن أكثر شيوعًا وأكثر سهولةً مع وجود المزيد من بيانات الحوسبة وتزايد قدرة المعالجة في العصر الحديث مقارنةً بالعقود السابقة. يُمكن للبرامج والتطبيقات إنشاء واتخاذ القرارات والتعلّم بمفردها، وهي مهام كانت تقتصر في السابق على العنصر البشري.

أولا: فوائد الذكاء الاصطناعي

إن هذه التكنولوجيا تتوفر على مميزات تساعد الإنسان على تطوير وتحسين جودة حياته، حيث يمكنها معالجة المعلومات على نطاق واسع، مثل اكتشاف الاحتيال، التشخيص الطبي وتحليلات الأعمال عن طريق مواجهة الأنماط وتحديد المعلومات وتقديم الإجابات تقليل أعباء عمل الموظفين وفي الوقت نفسه تيسير العمل، بأداء المهام المتكررة والمملة بلا أخطاء و تحسين الكفاءة التشغيلية من خلال استخدام الموارد البشرية في أعمال أخرى .

 إن تحليل كميات كبيرة من البيانات بشكل أسرع من أي عنصر بشري، يُمكن من تقديم التوجيه وتحديد الاتجاهات واقتراح أفضل مسار للعمل في المستقبل من خلال التنبؤ بالبيانات.

      تجمع المؤسسات الحديثة كمياتٍ كبيرةً من البيانات من مصادر متنوعة مثل أجهزة الاستشعار الذكية والمحتوى الذي ينشئه الإنسان وأدوات المراقبة والسجلات النظامية، هدفها هو إنشاء أنظمة ذاتية التعلم تستخلص المعلومات من البيانات. بعد ذلك، يُمكن للذكاء الاصطناعي تطبيق تلك المعرفة لحل المشكلات الجديدة بطرق تشبه الإنسان. على سبيل المثال، يُمكن لتقنية الذكاء الاصطناعي الاستجابة بشكل هادف للمحادثات البشرية، وإنشاء صور ونصوص أصلية، واتخاذ القرارات بناءً على ما تم جمعه من بيانات في نفس الوقت الفعلي. تقوم حاليا بعض المؤسسات بدمج إمكانات الذكاء الاصطناعي في التطبيقات لتحسين الأعمال وتجارب العملاء وتسريع الابتكار.

 ثانيا: تأثير الذكاء الاصطناعي على العملية التعليمية التعلمية

لا يمكن استثناء التعليم من التطور الذي شهده الذكاء الاصطناعي في العقود الأخيرة، خاصة من خلال الهواتف الذكية ومحركات البحث التي يستخدمها الطلاب والأساتذة يوميًا. متحولًا من فكرة افتراضية إلى واقع ملموس يعيد تشكيل حياتنا اليومية. الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على إحداث ثورة في طريقة تفكيرنا في التعليم، من خوارزميات التعلم الشخصية إلى الواقع الافتراضي، تساعد الأدوات والتقنيات التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي على تعزيز تجربة التعلم للطلاب بطرق لم نكن نعتقد أنها ممكنة.

   بدأ الذكاء الاصطناعي بإدخال تحسينات تدريجية في النظم التعليمية، بدءًا من الأنظمة التفاعلية البسيطة وصولًا إلى تطبيقات التعلم العميق والتعلم الآلي التي تقدم حلولًا مبتكرة لمجموعة واسعة من التحديات التعليمية. إن تطور الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يشمل تطوير برمجيات تعليمية ذكية، منصات تعلم إلكترونية متقدمة، وأدوات تحليل بيانات التعليم التي تساعد الأساتذة والإداريين على اتخاذ قرارات لتحديد الأنماط والرؤى التي يمكن أن تفيد في تطوير استراتيجيات وسياسات تعليمية جديدة.

    ويمكن للذكاء الاصطناعي التشغيل الآلي لبعض الأنشطة، لا سيما في مجال التصحيح والتقييم. كما يتيح أيضًا إمكانية تخصيص التعلم وفقًا لاحتياجات وقدرات الاستيعاب لكل متعلم من خلال تحليل البيانات المتعلقة بأدائه وخياراته. يمكن لهذه التكنولوجيا الجديدة أن توفر للطلاب تمارين تتكيف مع مستوى تعلمهم. بالإضافة إلى ذلك، فالذكاء الاصطناعي سيساعد المعلم (دون استبداله) بتحديد المتعلمين الذين يعانون من صعوبات وإنشاء خطط دروس وتقييمات مخصصة تتوافق مع نقاط القوة والضعف الفريدة لكل متعلم، وتكيف عملية التعليـم والتعلم حسب خصوصياتهم، وتفتح المجال لجميع المتعلمين في الفصل الدراسي الواحد، لبلوغ الأهداف المنشودة بدرجة متساوية أو ملائمة. تحرر هذه التكنولوجيا أيضًا الأساتذة من المهام المتكررة، مما يساعدهم على إضفاء الطابع الشخصي على أساليب التدريس وتعميقها. وبالتالي، يفتح الباب أمام التعلم بطريقة تشكيل مسارات التعلم وإرشادها وفقًا لردود فعل المتعلمين. مما يؤدي ذلك إلى تحسين مشاركة الطلاب وتحفيزهم، ويؤدي في النهاية إلى نتائج أكاديمية أفضل.

ويستعمل الذكاء الاصطناعي في البحث الأكاديمي من خلال معالجة وتحليل كميات كبيرة من البيانات بسرعة، والكشف عن اكتشافات جديدة، وتوليد فرضيات وإجراء مراجعات الأدبيات بشكل أسرع من الطرق التقليدية. يساعد الباحثين في كتابة الأوراق من خلال تقديم التعليقات والاقتراحات، وحتى إنشاء أجزاء من النص. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدامه في معالجة اللغة الطبيعية مثل تلخيص النص وتحليل المشاعر وترجمة اللغة لتحليل البيانات غير المهيكلة.

    هناك العديد من الأمثلة على الأدوات والمنصات التعليمية الناجحة التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي المستخدمة حاليا. نذكر بعض من الأكثر شعبية, ديولنكو (Duolingo) :هذا تطبيق لتعلم اللغة يستخدم الذكاء الاصطناعي لتخصيص الدروس لكل مستخدم; ماتيا(MATHia) : منصة تعلم الرياضيات المدعومة من الذكاء الاصطناعي والتي توفر تقييمات تكيفية وخطط تعليمية مخصصة; كورسيرا: (Coursera)الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي للتوصية بالدورات للطلاب بناء على اهتماماتهم وتاريخ التعلم السابق; كستيونبرو: (QuestionPro) هو تطبيق يسمح لك بإنشاء استطلاعات وتقييمات في ثوان.

      ويمكن للأدوات والتقنيات التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي أيضا تعزيز تجربة التعلم للمتعلم بعدة طرق. على سبيل المثال، يمكن للواقع الافتراضي أن يجعل التعلم أكثر تفاعلية ومغامرة، بينما يمكن أن توفر روبوتات الدردشة وغيرها من الأدوات التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي دعم الطلاب 24 / 7. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء اختبارات وألعاب مخصصة تساعد المتعلمين على التفاعل مع المواد بطريقة ممتعة وتفاعلية.

ثالثا : تحديات التعليم في ظل وجود الذكاء الاصطناعي.

لا شك أن هناك العديد من الفوائد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، إلا أن هناك أيضا اعتبارات أخلاقية تحتاج إلى معالجة. أحد أكبر المخاوف هو احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إدامة التحيزات والتمييز الحاليين في التعليم. بالإضافة إلى ذلك، هناك مخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على خصوصية الطلاب وأمن البيانات.

     أشار الأساتذة أيضا إلى قدرة بعض التطبيقات للذكاء الاصطناعي مثل شاتبوط  (chatbot)على توليد ردود ذات مغزى على الأسئلة من التقييمات والامتحانات، وغالبا ما لا يكون من الممكن عزو هذه الردود إلى مصدر معين – مما يجعل من الصعب اكتشاف الانتحال.  مصدر قلق آخر هو احتمال إزاحة الوظائف في قطاع التعليم مع استمرار تقدم التكنولوجيا، مع أتمتة العديد من المهام الإدارية، قد يكون هناك عدد أقل من الوظائف المتاحة لأساتذة وموظفي الدعم.

    كما أن ضمان المساواة في الحصول على تعليم الذكاء الاصطناعي لجميع الطلاب يمثل تحديا يجب معالجته. مع تزايد توافر التعليم عبر الإنترنت والموارد التعليمية على الإنترنت، من المهم التأكد من أن جميع الطلاب، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي أو موقعهم، يمكنهم الوصول إلى هذه الموارد.

    بالإضافة إلى ذلك، يشعر العديد من الأساتذة بالقلق من أن الأدوات التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي قد تحل محل التفاعل الإنساني والتواصل مع المدربين والمعلمين البشر وتجاهل هذا الجانب الإنساني من التعليم والتدريب وتؤثر على جودة التعليم. إن ضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تكمل الأساتذة البشريين بدلا من أن تحل محلهم سيكون مهما في السنوات القادمة.

    من المهم للباحثين والمطورين مواصلة استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل على معالجة التحديات والمخاوف التي قد تظهر مع استمرار هذا النوع من التكنولوجيا في التطور وتنفيذها في نظام التعليم الحالي.

    على الصعيد الوطني، وعلى حسب علمنا لا يوجد إنتاج تقنيات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي محلية الصنع. إن المنظومة التربوية الوطنية يمكنها أن تستفيد من خلال التركيز على التعليم العالي كمجال لتطوير المنتوجات المرتبطة بالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، أو من خلال إيفاد بعثات إلى الدول المتقدمة في هذا المجال لنقل التكنولوجيات والمعارف إلى المجال المغربي .يجب ألا يكون من أجل الاستهلاك فقط، ولكن يجب أن ينصب على نقل الآليات والأدوات الكفيلة بتحسين جودة العملية التعليمية التعلمية، وتطوير الممارسات البيداغوجية داخل الفصل الدراسي. في إطار مذكرة تفاهم بين وزارة التربية والتعليم (كوريا الجنوبية) مع وزارة التعليم المغربية سنة 2021 لدعم البنية التحتية للتعليم الرقمي، التي تنص على تدريب المعلمين وبناء قدرات التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي استجابة لطلبات التعاون من البلدان النامية. خضع 25 مدرسا مغربيا تدريبا لمدة ثمانية أيام من 28 أبريل من هذه السنة (2024)، وتشمل الدورة التدريبية التي سيستفيد منها المدرسون المغاربة، فهم تقنيات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ودروسا تطبيقية من أجل نشرها في المدارس المغربية، إضافة إلى ذلك نظمت زيارات ميدانية إلى “مركز جولانام دو لتعليم المواهب” و”المركز الوطني للموارد البيولوجية” و”متحف عوانجو الوطني للعلوم”. ويشكل هذا التدريب فرصة لتعزيز التعاون والتفاهم بين الرباط وسيول على هذا المستوى .من أجل دعم التعليم الإلكتروني وتبادل المعلومات المتعلقة بالبرمجيات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية.

     من جهة أخرى أنشأت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)في مارس 2021 المركز الدولي للذكاء الاصطناعي بالمغرب  (AI Movement)بهدف أن يصبح قطبا إقليميا للذكاء الاصطناعي في القارة الإفريقية. وفي هذا السياق، تم تصنيفه كمركز من الفئة الثانية من قبل اليونسكو في نونبر 2023. وهذا يعني، بشكل ملموس، أنه تم الاعتراف ب"AI Movement" كمركز للتميز في مجال الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات على مستوى القارة الإفريقية.

    يهدف هذا المركز إلى توفير منظومة مناسبة لتطوير الذكاء الاصطناعي، ويتمحور ذلك حول عدة ركائز أولها التكوين، حيث يقوم بتنظيم تكوينات للشباب، بدءا من الفئة العمرية 8-14 عاما، من أجل المساهمة في سد الحاجة إلى المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي، وكذلك للأطر في المقاولات.

استنتاج

الذكاء الاصطناعي من أهم التكنولوجيات الناشئة التي لها تأثير كبير على المنظومة التعليمية حيث يعطي التدريس إمكانات هائلة لصالح المجتمع ويحقق أهداف التنمية المستدامة، يتطلب ذلك إجراءات تنظيمية ووضع استراتيجية مدروسة لدعم التعليم المعزز بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

تتيح الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التعلم لكل متعلم وفقًا لسرعته الخاصة، ويسهل استكشاف ما يناسبهم دون انتظار الأستاذ على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع وفي أي مكان. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمتعلمين من جميع أنحاء العالم الوصول إلى تعليم عالي الجودة دون تكبد نفقات السفر والمعيشة.  يعد هذا النوع من التعليم أمرًا ضروريًا لتحويل المعرفة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من المعامل إلى السوق وعامة الناس. إنه يلامس جميع القطاعات في وقت واحد. يجب أن يكون هذا النوع من التعليم متاحًا على الصعيد الوطني، هو فرصة تطوير محو الأمية الرقمية للمتعلمين وضمان فهم المواطنة في العصر الرقمي، وهنا نشير الى النقاط الاساسية على مستوى السياسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم.

     من المهم ملاحظة أنه يجب استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي جنبا إلى جنب مع الذكاء البشري، حيث يمكنه تقديم الاقتراحات والدعم فقط، ولا يزال القرار النهائي ومسؤولية النتائج على عاتق الباحثين في توفير طرق جديدة للتعلم، لذلك فإن الجمع بين الطرق التقليدية في التدريس والتعلم باستخدام الذكاء الاصطناعي سيؤدي للحصول على أفضل النتائج ويمكن من تحقيق الكفايات المنتظرة من فصل دراسي أو مجزوأه.

أخيرًا، يمكننا قراءة المكانة المهمة التي يشغلها التدريب الأولي وأثناء الخدمة للأساتذة في استعمال هذه التكنولوجيا بطريقة صحيحة لتكون قيمة مضافة وإعطاء نفس جديد للعملية التعليمية التعلمية والتركيز على الارتقاء بمستوى التدريس.

مراجع الدراسة

- الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي/ غزة عبد الرزاق.  448 صفحة؛ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024 ,الطبعة الأولى. ISBN 978-614-445-582-1

- محمد فؤاد جلالاتجاهات في التربية الحديثة 175  صفحة؛ وكالة الصحافة العربية, 2023. 9789779916774 ,

 - سلمى غابش سالم الخمیسي. "المسؤولیة المدنیة عن الاضرار الناشئة عن استخدام الذكاء الإصطناعي في مھنة الطبیب الآلي." اطروحة دكتورة (2022).   1016 .

- عزيز, محمد الخزامي, and محمد الخزامي. "دور الذكاء الاصطناعي في العلوم الاجتماعية والإنسانية." سيمنار   10.21608/smnar.2023.342012 1.2 (2023): 1-35. 

- محمود محمد محمد حسن, حسام الدين, and حسام الدين. "واقع الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي." روح القوانين      10.21608/las.2023.189346.1127. 35.102 (2023): 103-248.

- عبدالفتاح عبدالوهاب, أحمد, et al. "تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأثرها في تنمية الذات اللغوية الإبداعية لدى الطلاب الفائقين بالمرحلة الثانوية." مجلة کلية التربية (أسيوط). DOI: 10.21608/mfes.2023.29015039.1 (2023): 109-135

 - يوسف الوريدات. "توجـهات معلمي ومعلـمات الصفوف الثلاثة الأولى في لواء الرصيفة نحو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم الدامج." مجلة کلية التربية (أسيوط) DOI: 10.21608/mfes.2024.36228840.4.2 (2024): 78-110.

- د. أحمد محمد المنجدي.، 2-أ. م. د. مبروك صالح السودي. "تقنيات الذكاء الاصطناعي ودورها في تطوير التعليم بمؤسسات التعليم العالي؛ دراسة تحليلية: 1." مجلة مركز جزيرة العرب للبحوث التربوية والإنسانية   .  https://Orcid.org/0009-0001-3972-444X 2.20 (2024): 1-21

 - سردوك, علي. "استخدام الروبوتات الذكية في المكتبات الجامعية: التجارب العالمية، والواقع الراهن في بلدان المغرب العربي." Journal of Information Studies and Technology 2020.2 (2020): 10. DOI: https://doi.org/10.5339/jist.2020.10

- McCarthy, John. "Recursive functions of symbolic expressions and their computation by machine, part I." Communications of the ACM 3.4 (1960): 184-195. https://doi.org/10.1145/367177.3671

- Plaut, D. C., McClelland, J. L., Seidenberg, M. S., & Patterson, K. (1996). Understanding normal and impaired word reading: Computational principles in quasi-regular domains. Psychological Review, 103(1), 56–115. https://doi.org/10.1037/0033-295X.103.1.56

- HOPFIELD, John J. Hopfield network. Scholarpedia, 2007, vol. 2, no 5, p. 1977. doi:10.4249/scholarpedia.1977

- https://dl.acm.org/doi/10.5555/2976040.2976126

- https://axonpark.com/how-effective-is-ai-in-education-10-case-studies-and-examples/

-https://iite.unesco.org/wp-content/uploads/2020/11/Steven_Duggan_AI-in-Education_2020

-https://datafloq.com/read/5-ways-ai-big-data-revolutionizing-education/

- https://study.com/blog/ethical-issues-with-using-technology-in-the-classroom.html

- https://iopscience.iop.org/article/10.1088/1742-6596/1175/1/012160/pdf

منظور جديد للتعليم باستعمال الذكاء الاصطناعي
Partager cet article
Repost0
12 novembre 2024 2 12 /11 /novembre /2024 20:35
 الأمثال  الشعبية المكناسية : وثيقة ثقافية  ومرآة للسلوك

 

الأمثال  الشعبية المكناسية : وثيقة ثقافية ومرآة للسلوك

 

الدكتورة : نوال بكيز

 

دراسة محكمة

ملخص

تعتبر الأمثال الشعبية كنوزاً لغوية وحكيمة ورثناها عن أجدادنا وهي تحمل في طياتها تراثاً ثقافياً واجتماعياً غنياً في هذا المقال سنتناول الأمثال الشعبية المكناسية على وجه الخصوص وسنحاول استكشاف أصولها ومعانيها ودلالاتها وكيف تعكس هذه الأمثال هوية مدينة مكناس وتاريخها العريق. 

الكلمات المفاتيح: الأمثال الشعبية، الثقافة المكناسية، تقاليد ، تراث شفهي، تراث لغوي.

Summary:

Proverbs are linguistic and wise treasures passed down from our ancestors, carrying within them a rich cultural and social heritage. This article will focus specifically on the popular proverbs of Meknes, exploring their origins, meanings, and connotations, and examining how these proverbs reflect the identity and storied history of the city of Meknes.

: proverbs, Meknes culture, traditions, oral heritage, linguistic heritageKeywords

مقدمة:

لا يختلف إثنان حول قيمة  الأمثال الشعبية ، فهي مرآة عاكسة للمجتمع تعكس الأمثال قيم المجتمع ومعتقداته وعاداته وتقاليده وهي بمثابة وثائق تاريخية تسجل تحولات المجتمع عبر الزمن الأمثال وسيلة للتعبير عن الحكمة تحمل الأمثال حكمة الأجداد وتجاربهم الحياتية وهي تقدم نصائح وإرشادات لأفراد المجتمع الأمثال تحفظ التراث اللغوي تساهم الأمثال في الحفاظ على التراث اللغوي وتثريته فهي عبارة عن تراكمات لغوية عبر الأجيال الأمثال تلعب دوراً هاماً في التربية والتثقيف تلعب الأمثال دوراً هاماً في تربية الأجيال الناشئة وغرس القيم الأخلاقية فيها .

أولا: مكانة المثل في الثقافة العربية

 للمثل في التاريخ الثقافي منزلة الشعر عند العرب  قديما ، و لعله كان أوفر  من  باقي   أصناف  الأدب الشعبي فقد عني العرب بجمع الأمثال  منذ  القدم ، ربما  لسهولة  جمعها  و تصنيفها و ربما  لمنزلتها   فبالبلاغة  العربية .كما يؤكد هذا الاهتمام أيضا ، ان العناية  بجمع الامثال  ظهرت منذ عهد التدوين و يكفي  تصفح كتاب  "الأمثال " للميداني  وما  رجع اليه من مصنفات عديدة  تروى بمختلف  الروايات و تتلقى بمتعدد الأسانيد ، لنتأكد من غزارة مخزونها  و عمقها الضارب في التاريخ و قدرتها العجيبة على الذيوع و الانتشار ، و لم تكن عناية  المهتمين قصرا على الأمثال العربية القديمة ، و لكنهم اهتموا أيضا بأمثال المولدين  و يقصدون بها ما تولد من الأمثال بعد ظهور الإسلام و انتشار اللغة العربية، وقد  خصص الميداني قصلا لها في كتابه، فأصبحت هذه الأمثال المولدة تعرف فيما  بعد بالأمثال العامية .

 ولقد اهتم  الدارسون بتعريف الأمثال الشعبية و تحديدها  حتى لا يجري الخلط بينها وبين  الحكم وغيرها  من التعابير والأقوال  المشهورة  السائرة، ومن ثمة  اعتبروا  الأمثال قصصا من تجارب  الناس  بقيت لها بمنزلة عناوينها ( وبقي مع هذه  العناوين  تلخيص لكل منها ، فقل أن نجد مثلا لا يحمل  معه هذا الشرح الكاشف لمجرى  أحداث  القصة  و ما كان من أشخاصها(1).

أ- المثل والأدب الشعبي

ويشير  "محمد إبراهيم  ابو سنة " في كتابه "فلسفة المثل الشعبي" إلى ان  المثل الشعبي  يتميز عن غيره من  أشكال التعبير  في الأدب الشعبي بأنه  يعبر  عن  الافكار الحقيقية والفلسفية ذات  المنهج التجريبي  لشعب من الشعوب .

من خلال هذين التعريفين  ومن  خلال  تعاريف  أخرى  يمكن استخلاص بعض السمات  أو  الخصائص التي  يتميز بها المثل في الثقافة العربية  و هي كما  يلي:

+ المثل  دائما  يضرب في حادثة مشابهة للحادثة الأصلية . و هذا ما  اشار  اليه " شوقي ضيف" حينما عرف  الأمثال بأنها عبارات تضرب في الحوادث الأصلية التي جاءت فيها (3) .من هنا  وجب التمييز  بين مضرب المثل حيث يتم استحضار المثل  لتبرير تصرف ما، أو نقده ، و بين  مورد المثل و يقصد به  الحادثة الأصلية التي اقترنت بالمثل و حفزت على  ابتداعه .

+ المثل  هو  حصيلة  تجربة و خبرة و خلاصة وقائع أو حقيقة  واقعية  ، حيث  جاء  في تعريف "د.عباس الجراري" للأمثال، أنها هي تلك العبارات الموجزة المركزة  المستخلصة من  تجارب أجيال عركت الحياة طويلا (4) .

+ المثل  يتميز بالإيجاز و التركيز و جمال  البلاغة  . و هي  خاصية  وردت  في تعريف " احمد أمين "للأمثال حين  أشار إلى   أنها تمتاز بإيجاز اللفظ وحسن المعنى  و  لطف  التشبيه و الكناية (5) 

+ المثل   يتسم  بالشعبية  و  الذيوع  و الانتشار  بين  جموع الشعب  . فمزية الأمثال كما  يقول "أحمد أمين" أنها تنبع من كل طبقات الشعب  و  لا  تكاد  تخلو  منها أمة من  الأمم (6) .

ب- الطابع التعليمي للامثال الشعبية

+ المثل  له طابع  تعليمي . و  هذه  الخاصية يؤكدها   " الكسندر  هجرتي  كراب  " بقووله: إن للمثل  خاصيتان  أساسيتان  هما  الطابع  التعليمي  من حيث  الموضوع ، والاختصار   والتركيز من  حيث  الأسلوب  (7) غير  أن هذه  الخاصية يمكن إضافتها  إلى  الخصائص  السابقة ، لكن مع  بعض  التحفظ  لأن  التعليمية  هي رهينة  بوضعية  الفرد زهاء  المثل ، بمعنى  هل  استعرضه  قبل  الأقدام على  الفعل  ، فاستفاد منه ، إما بالإقبال عليه ، أو  الإعراض عنه ، و  بذلك تثبت على  المثل صفة  التعليمية . أو أنه استعرضه بعد الانتهاء من الفعل أو التجربة ، وبذلك تنتفي عنه صفة التعليمية . و الملاحظ مع ذلك  هو  أن  الأمثال لا  تهدف  إلى  غرض تعليمي بقدر ما  تهدف  إلى  نقد  الحياة  خصوصا في مجال  نقائص الأخلاق  و المعاملات  حيث  يصبح  المثل  ذو  وظيفة  عملية تجعل  من  تجارب  الأخلاق و خبرات الماضي محكا معرفيا للتعامل مع معطيات الحاضر  (فهي تقوم  بوظيفة  التقنين  للرغبات  والأعمال  (8) لذلك نجد  الناس  يتمثلونها فيما  يصادفهم من تجارب  مشابهة. 

 

ثانيا: الأمثال مرآة للهجة المكناسية

الأمثال المكناسية تتميز بخصوصية لغوية تعكس اللهجة المكناسية وتحتوي على مفردات وعبارات خاصة بالمدينة تتناول الأمثال المكناسية مواضيع متنوعة منها الاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي والديني تتميز الأمثال بالإيجاز والبلاغة فهي تعبر عن معانٍ عميقة بكلمات قليلة تستخدم الأمثال الرمزية للتعبير عن أفكار معقدة وهي تستند إلى الخبرات الحياتية اليومية يعود أصل بعض الأمثال إلى أحداث تاريخية وقعت في المدينة أو المنطقة المحيطة بها ترتبط بعض الأمثال بالحياة الاجتماعية اليومية لسكان المدينة وتعكس عاداتهم وتقاليدهم تستمد بعض الأمثال جذورها من الدين الإسلامي وتحتوي على إشارات قرآنية أو أحاديث نبوية "الحنة حرشة والماشطة عمشة والعروسة قايسها بوهزهاز" تعبر عن الجمال النسائي التقليدي واهتمام المرأة بمظهرها "الله يرحم من زار وخفف" تشجع على الزيارات وتقديم المساعدة للآخرين "مدح صاحبك مع الناس ولومه الراس فالراس" تحث على مدح الأصدقاء علانية ولومهم سرا تلعب الأمثال دوراً هاماً في الحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة فهي جزء لا يتجزأ من التراث الشفوي الذي ينتقل من جيل إلى جيل كما أنها تساهم في تعزيز الانتماء المحلي والهوية الوطنية تواجه الأمثال تحديات كبيرة بسبب التغيرات الاجتماعية السريعة التي يشهدها العالم والتي تؤدي إلى تلاشي بعض العادات والتقاليد المرتبطة بها تتأثر الأمثال بانتشار وسائل الإعلام الحديثة التي تقدم أشكالاً جديدة من التعبير والتواصل الأمثال الشعبية المكناسية هي ثروة لغوية وثقافية يجب الحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة من خلال دراسة هذه الأمثال يمكننا أن نفهم جذورنا ونقدر تراثنا وأن نستلهم منها الحكمة والعبر.

 ثالثا:الزاوية التركيبية للامثال

أما إذا تم النظر إلى المثل من  زاوية التركيب ، فإن  الباحث  سيخرج بالعديد من الملاحظات سأذيلها  بنمادج ، من  خلال ما  استطعت جمعه و  تدوينه من  أمثال مكناسية   و هي كالآتي :

+ إن  المثل  و كما  تؤكد على  ذلك دة. نبيلة  ابراهيم " تستخدم الألفاظ استخداما  يبتعد عن  كل تحديد لغوي، و  في  وسع  هذه الألفاظ أن  تربط  الأفكار ربطا  قويا  متماسكا (9) .  و لابد  أن  هذا  ما قصد  الجاحظ بقوله في  كتابه "الحيوان": إن  الإعراب  يفسد نوادر المولدين ، كما  أن اللحن يفسد  كلام  الاعراب لأن  السامع لذلك  الكلام  ، إنما  أعجبته  الصورة  ، و ذلك  المخرج  و تلك  اللغة  و تلك  العادة) فإذا ما  تم  إخضاع  المثل المكناسي كالآتي:

" الله  يرحم من  زار  و خفف  " (11)

إلى التأويل  النحوي .فإن  المثل سيفقد  الكثير  من  معناه، إن  لم يفقده  تماما.  والواضح  أن  الأمثال   تختزن  من  المعاني ما  تعجز الكلمات الكثيرة داما   عن بيانه .

+ إن المثل   في  بعض  الأحيان يلجأ إلى  تقنية اللقطة  التي  تبرز  المعنى  دونما حاجة إلى عرض مسلسل واضح ، مثال ذلك : 

"الحنة حرشة  و الماشطة  عمشة  و العروسة  قايسها بوهزهاز "(12)

+ إن  المثل  يعمد  إلى   الجمل المتعارضة  مثال ذلك 

" اطلع  تاكل  الكرموس .اهبط من كالهاليك "(13)

+ إن المثل  يعود  في بعض  المرات  إلى العرض المتسلسل  المنطقي  الذي  يربط السبب  والنتيجة .

وغالبا  ما يستفتح  بجملة  أولها : ( للي ) أو ( إلا) أو  ( لو كان )أو  ( حتى ) و أمثلة ذلك كالأتي:

" للي ما عندو كبيرو ـ الهم  تدبيرو "(14)

" إلا مات باك  وسد  الركبة  و  إلا مات مك وسد  العتبة "(15)

" كن كان  الصفيحة ترد العار ، و كن رداتو على الحمار "(16)

" كن ازماني حرش و هاك وجهي بوس و اطرش "(17)

" حتى تطيح البكرة عاد كي كثروا الجناوة  "(18) 

+ إن المثل  قد  يأخذ  طابع  الحكي باستعمال كلمة  (قالو) في البداية أو  الوسط.  مثال ذلك : 

"قالو أنا عبدك ، قالو زيد للسوق"(19)

+قد يتخذ  المثل  طابع  الدعاء و ذلك يبدو واضحا من خلال  استعمال اسم الجلالة .مثال ذلك:

" الله  ينجينا  و  ينجيكم  من  الجايات  و يلا جاو  ايجيوا  سالمات "(20) 

+ إن المثل يعمد  في غالب  الأحيان  إلى  المقارنة . مثال  ذلك  :

"طالع  واكل  هابط واكل بحال  المنشار "(21) 

+ إن المثل يميل  إلىى التشخيص ، فيضفي صفات العقلاء  على  غير العقلاء ، مثال  ذلك :

"الدجاجة غسلت رجليها و  نسات  ما  داز  عليها "(22 ) 

+ المثل  يلجأ  إلى إبراز  الصور  لإبراز  المعنى  مثال  ذلك :

"كبرنا  بالحمار و درنا  له  شهرة اللجام من  الذهب  و الصفايح  من النقرة  ، حرنط  الحمار ما  بغى  غير حلاسه "'23) 

 + في معظم  الأمثال  نجد  عناية  بالجرس  و التوازن  و الإيقاع ، لهذا  تجد  فيها  سجعا و تماثلا  في  عدد الكلمات . مثال  ذلك : 

" الحالة حالة  الله  و الدراري  خير  الله  "( 24 )

"مولات  السالف  سعدها  تالف "(25)

+إن المثل أحيانا يكون عنوان حكاية شعبية لا زالت تروى  و هو  ما  تجده  في  المثال  الآتي  :

"هاذ و جوج خوت واحد  كيضل  فالجامع  يصلي  و  يعبد  الله  غير إلا مشى  ياكل . واحد  النهار النبي عليه الصلاة و السلام سأل عليه شي ناس قاليهم : "أشنو كيدير هذا  و باش عايش." قالو  ليه: " خوه  كيخدم  عليه." قالهم صلى الله عليه و سلم " هاذ الراجل ما  بقات  عندو حسنات  داهم  ليه  خوه  للي كيخدم  عليه . " فاليوم  الثاني أرسل  النبي صلى الله عليه وسلم كيطلب  الحطاب  باش  يحضر   لعندو  ، و منين جا وبغى يسلم  على النبي عليه الصلاة و السلام استر يديه  و  هو حشمان  ، قالو  النبي صلي الله عليه و سلم :  جبد يديك  لو  كان  تعرف  راه  اليد  العاملة أخير من  اليد  الباطلة   والله  أعلم  "(26)

و هكذا  صارت  هذه  الكلمات الأخيرة  :

"اليد  العاملة أخير  من  اليد  الباطلة  "(27) 

 مثلا  يتداوله  الناس  في  مكناس  الى  اليوم  . و  في  هذا  إثبات  للفكرة التي  ترى  أن الأمثال  هي  في الأصل  حكايات  لم  يبقى  منها  سوى  عناوينها  (28) . ومن  خلال  عملي  الميداني  في جمع  الأمثال المكناسية  لاحظت  أنها  تختزل  حياة  أهل  المدينة ، خصوصا  فيما  يتعلق  بالقيم الأخلاقية التي  يجب التحلي  بها ، و الآفات  الاجتماعية  التي  ينبغي  تجنبها  مما جعلها تضطلع بدور ريادي في مجال التربية و تخليق الحياة العامة فتجد  أمثالا  يمكن  أن  تدرج  في باب   المعاملات  : 

" مدح صاحبك مع  الناس  و  لومو الراس  فالراس "(29) 

أو في باب العمل :

" للي مشالو مالو آش من حبيب بقالو "(30 )

أو  في الفقر:

"من  قلة الدرهم  دخل الهم  "(31) 

أو  في الحب:

"الحب للي كيعيش  بالهديات  عمرو  قصير  "(32)

أو  في الزواج:

"العش المزروب  كله  عيوب " (33)

أو  في  الجمال  يقول  المثل  المكناسي  

"زين  المرا  فضياها  و  زين  العاتق فحياها  "(34)

أما  فيما يخص   الاستمتاع   بالشباب  فيقال :

" خدم  ، عيش شبابك  و  فصل  الربيع  ما يتعاد "(35)

و  في الاعتزاز  بالنفس يقول  المكناسيون  :

"الحبق  من  يدينا  سبق  و  التفاح من  يدينا فاح  "(36) 

 و من الأمثال  ما  حيك  حول  مكانة    الرجل  و  المراة   و الأولاد  :

" مولات  الدار  عمارة  و  لو  تكون  حمارة  ،  و الراجل  حرمة    و لو  يكون  عرمة  "(37)

" المرا  بلا  ولاد  كيف  الخيمة بلا  وتاد "(38)

و في باب السخرية  يوجد ما لا  يعد  و لا  يحصى  من  الأمثال  منها  :

"أش  خصك  العريان  قالو الخواتم  أمولاي "(39)

و  في  أحبان قليلة  جدا  تصادف  أمثالا تحيل  إلى مكان مثل: 

" ريال ديال  الجاوي  كيبخر مكناس "(40 )

أو إلى  زمان كقولهم: 

"من عهد  بني وطاس  ما  بقوا  ناس "(41)

في حين أن معظم الامثال إن  لم  نقل  كلها  تظل مجهولة  المصدر  و المكان   و الزمان ، حتى   وإن  كان  هناك من  يشير إلى  (وجوب  افتراض  الأصل  الفردي  في خلق  المثل . ويتسم هذا الفرد من وجهة  نظره  بطبيعته  المشرقة، و بقدرته على إصابة الهدف بتعبير فريد، ثم يتغير المثل و يتحول  حتى  يتخذ  شكلا  محددا  فينتقل  بذلك من الملكية  الخاصة إلى الملكية العامة ، أما  كيف   وأين   يحدث  ذلك ،  فهذا  هو  الأمر  الذي سيظل  مجهولا) (42) .

أما إذا  تم تأمل الأمثال من ناحية  الصياغة  اللغوية   فإنك   ستلمس معي  أخي  القارئ ذلك  التقارب  في الألفاظ  بين الأمثال  الفصيحة   والعامية  مثلا : حينما  تسمع  المثل  العامي:

"الصمت حكمة   ومنو  تفرقات   الحكاية  لو  كان  ما  انطلق  ولد  اليمامة ،  ما  يجبه  ولد الحنش  هايم "('3) 

فانك تجده  يقترب  في بعض ألفاظه من  المثل  الفصيح : " الصمت  حكمة  " و قد  عزى  د.عباس  الجراري " هذا  التقارب في  الألفاظ  بين  الأمثال الفصيحة  و العامية  إلى  أن هذه  الأخيرة  قد  تكون  اعتمدت  في نشأتها  على  الأمثال  الفصيحة (44) 

خاتمة

قد  تتشابه معاني  الأمثال   عند  سائر   الأمم و  الشعوب  ، فكيف  لا  تتشابه  بين  مدن  البلد  الواحد  . و  ما  أوردته  من  أمثال  مكناسية  قد تجدها تتردد  في  كل  مدن  المغرب  . فالمثل   ( هو ملكية   مشتركة   لمجتمع  بأكمله ) (45 ) إنه  النوع  الوحيد  من  الأدب  الشعبي الذي لم  أجد  صعوبة  في  جمعه لأنه  يجري  باستمرار  على  ألسنة  الناس كلهم ، عوامهم  ومثقفيهم   و حينما   تساءلت  عن  السبب  الكامن وراء  هذه الشعبية  وجدت  أن ذلك  راجع  ببساطة  إلى أن المثل دائما  يكون خلاصة لتجربة ، وكلما عاش الإنسان هذه التجربة - أو هذه التجارب – سواء في  عالمه  الكبير  أو الصغير  على  الخصوص  كان  أكثر   ميلا للتعبير عنها ، أو  عن حصيلتها  ، فيقدم لها  وصفا  وإذا استجاب هذا  الوصف لحس  المستمعين ، حينئذ ينشر  بينهم.

الهوامش:

1 – محمد قنديل، القلي ، الأمثال الشعبية ، كتابك، دار المعارف ، القاهرة ، 1978، عدد: 44، ص: 6.

2  – محمد ابراهيم أبو سنة ، فلسفة المثل الشعبي ، المكتبة الثقافية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1984، ص: 19

3 – شوقي ضيف، الفن و مذاهبه في النثر العربي، دار المعارف، طبعة : 6، ص: 20

4 – د. عباس الجراري من وحي التراث، مطبعة الأمنية ، الرباط ، ص: 31

5 – أحمد أمين ، قاموس العادات و التقاليد و التعابير المصرية ، لجنة التأليف و الترمة و النشر القاهرة ، 1953، ص، 61

6 – المرجع نفسه.

7 – اليكسندر هجرتي كراب، علم الفلكلور ، ترجمة رشدي صالح، دار الكتاب العربي ، القاهرة 1967، ص، : 235

8 _ د عبد الحميد يونس ، الأسطورة في الفن الشعبي، المركز الثقافي الجامعي، القاهرة ، 1980، ص: 119

9 – د. نبيلة ابراهيم ، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار الغريب ، طبعة : 3، ص: 180

10 – عثمان عمر بن بحر الجاحظ ، الحيوان، تحقيق و شرح عبد السلام محمد هارون، 

دار الحيل بيروت ، لبنان،1996، جزء 1، ص، 282

11 – السيدة العلوي الامراني امينة ، ربة بيت.

12 – السيدة حاني حليمة ، طرازة بحي الرياض.

13 – المصدر نفسه.

14 – السيدة العلوي الاسماعيلي للاحبيبة، ربة بيت بمولاي مليانة.

15 – السيدة العلوي الامراني مريم، ربة بيت.

16 – السيدة المنيوي فاطمة، ربة بيت.

17 – المصدر نفسه.

18 – السيد الفشتالي أحمد خضار ببريمة.

19- السيد محمد بكيز بن عمر معلم جزار بقبة السوق.

20 – العلوي الامراني للازهور ربة بيت بحي الرياض.

21 – القدوري مصطفى ، معلم كناوي بتيزيمي.

22 – المنيوي أمينة، معطلة بالرياض.

23 – حميش فتحية ، معطلة بحي الزيتون.

24 – بنيحيى عبد المغيث، تاجر بروامزين.

25 – الكواحي صباح، موظفة بمقاطعة الرياض.

26 – المنصوري احمد خياط بجامع الزيتونة.

27 – بيهي عيادة ، ربة بيت بحي الرياض.

28 – محمد قنديل البقلي، الامثال الشعبية ، كتابك، مرجع سابق، ص: 6

29 – المراني ابراهيم مستخدم بمعمل مولاي مسعود.

30 – القاسمي خالد مستخدم في نفس المعمل.

31 – الشرار بديعة ، مقدمة بزاوية سيدي سعيد.

32 – المرابط امحمد درب التوتة.

33 – الإدريسي الصافي للا سعود ، بحي الرياض،.

34 – حمود عائشة، بحي الرياض.

35 – المراني مولاي ابراهيم، مستخدم في شركة حي سيدي بابا.

36 – الغلبي رسمية ، ربة بيت بحي الرياض.

37 – البلغيتي عبد الباقي، أستاذ جامعي بكلية العلوم بمكناس، حي السلام.

38 –العلوي الاسماعلي رشيدة ، ربة بيت بجامع الزيتونة.

39 -  المنصوري عبد اللطيف ، بقال بالتقسيط بحي الملاح القديم.

40 – الفشتالي احمد ، مصدر سابق.

41 – أحدو فاطمة ، ربة بيت بحي وجه عروس.

42 – نقلا عن د. نبيلة ابراهيم، أشكال  التعبير في الادب الشعبي ، مرجع سابق ، ص: 189.

+ الغريب أنني وجدت هذا المثل الشائع في المجتمع المكناسي مدونا في كناش منسوب إلى سيدي عبد الرحمان المجذوب .

43 – أمايور عبد العزيز طالب بكلية العلوم بمكناس(حي الرياض).

44 – د. عباس الجراري ، من و حي التراث، مرجع سابق، ص:32.

45 – Fernand Bentolila , Proverbes berbères, Editions ,L harmattan,  Awal ,Paris, 1993,P :9 .

+ - ملاحظة لابد من الإشارة إلى أن هذه المصادر الشفوية التي اعتمدتها في جمع الأمثال الشعبية المدرجة في هذا المقال تعود إلى فترة زمنية بعيدة فمن أصحابها من قضى نحبه و منهم من ينتظر.

 

 الأمثال  الشعبية المكناسية : وثيقة ثقافية  ومرآة للسلوك
Partager cet article
Repost0
11 novembre 2024 1 11 /11 /novembre /2024 22:00
تنمية المهارات الحياتية في منهاج اللغة العربية بالسلك الثانوي الإعدادي

تنمية المهارات الحياتية في منهاج اللغة العربية

بالسلك الثانوي الإعدادي

د. عزيــــز عشعــــاش*

دراســـــــة محكمـــة

                                 *مؤطر تربوي وباحث في علوم التربية وديدكتيك اللغة العربية

تقديــــــم:

يتغير العالم بسرعة فائقة في مختلف مجالات الحياة، ويشهد تحديات غير مسبوقة في مجالات التعليم والتوظيف وتماسك النسيج الاجتماعي؛ وهي تحديات تفاقمت في ظل عدم الاستقرار والصراعات السياسية القائمة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (المينا MENA). وقد فرض تجاوزها حاجة ماسة لتغيير نظم التربية التقليدية والبحث عن نظم أخرى جديدة مواكبة للعصر ولمستجداته المتسارعة في مختلف المستويات.

وقد بات هناك توافق تام على فشل الأنظمة التعليمية في تحقيق النتائج اللازمة للنهوض بالتنمية الذاتية والمجتمعية، في الوقت الذي لا يزال يتعين فيه زيادة عدد فرص التعليم في المنطقة لتحقيق النمو الاقتصادي المنشود. فهناك مجموعة من الأدلة والمؤشرات التي تشير إلى أن "الأداء الناجح في المدرسة والعمل والحياة بصفة عامة، يحتاج إلى دعم وتعزيز من خلال مجموعة واسعة من المهارات والسلوكيات والقيم التي يمكن تطويرها وتعزيزها عبر أنظمة التعليم (مكتب اليونيسف ، الإطار المفاهيمي والبرامجي: مبادرة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة: ص 1).

إذ رغم الإصلاحات الجارية في مجال التعليم، والتي أدت إلى تحقيق إنجازات إيجابية في السنوات الخمس عشرة الماضية، إلا أن الإصلاح الشامل لأنظمة التعليم لازال يراوح مكانه لأسباب عديدة ومتعددة، منها ما يتعلق بالصفوف الدراسية، ومنها ما يتعلق بتقنيات التعلم، ومنها ما يرتبط بأنظمة الاختبارات والامتحانات المتبعة، والتي تحول دون الحصول على تعليم ملائم للواقع المعاصر ومُتطلبات سوق الشغل، الأمر الذي يكشف بجلاء أن هناك حاجة ملحة لمعالجة النقص أو العجز في المهارات بطريقة نوعية ومنهجية.

في هذا السياق، أطلقت اليونيسيف بتعاون مع دول منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط مبادرة مهارات الحياة من أجل المواطنة في أفق تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بضمان تعليم نوعي منصف وشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة؛ متجاوزة بذلك الفهم التقليدي لمهارات الحياة بالتركيز على غاية وجوهر التعليم وأثره في تحقيق التنمية المجتمعية، من خلال تجاوز ثلاثة تحديات، هي:

  • "مجتمع معرفي ضعيف نتيجة لسوء التعليم ونوعيته، وتدني مخرجات التعلّم؛
  • انخفاض النمو الاقتصادي في ظل غياب مهارات التوظيف، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، والفوارق بين الجنسين في سوق العمل، مع انخفاض فرص العمل، وضعف بيئة الأعمال.
  • ضعف النسيج الاجتماعي نتيجة لتصاعد العنف وضعف المشاركة المدنية"(مكتب اليونيسف، المرجع السابق: ص 1).

وهكذا يظهر جليا، أن التغيير المنشود الذي تدعو له المبادرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحركه الحاجة الملحة إلى تحقيق تأثير ملموس في مجالات ثلاثة من خلال المناهج الدراسية:

  • الوصول إلى مجتمع المعرفة عبر تحسين نتائج التعليم؛
  • تحقيق التنمية من خلال تحسين فرض التوظيف وريادة المشاريع؛
  • تماسك النسيج الاجتماعي من خلال تحسين المشاركة المدنية.
  1. الإطار المفهومي لإدماج مهارات الحياة والمواطنة في المنهاج الدراسي:

نروم في البداية التركيز على أهم المصطلحات والمفاهيم الرئيسية في هذا المقال، من حيث تعريفها أولا، ثم تحديدها إجرائيا ثانيا، نظرا لما لبعض المفاهيم في المجال التربوي التدريسي من لبس واختلاف نتيجة الترجمة الحرفية دون مراعاة خصائص اللغة العربية ومقتضياتها وقواعد اشتقاقها أحيانا، أو نتيجة اعتمادها على المرجعيات تنموية ونظريات التغيير المختلفة دون الإعلان عنها أحيانا أخرى.

وتعد المهارة والكفاية محور وبؤرة اهتمامنا في هذا المقال، تحتل حيزا هاما ضمن الإطار المفهومي. سنبدأ بمفهوم المهارة لأهميته في السياق الذي نحن بصدد.

  1. أولا: مفهوم المهارة:

غالبا ما يتم الخلط بين مفهوم الكفاية وبعض المفاهيم القريبة منها، وبالخصوص المهارة، الأداء، الاستعداد، القدرة. ولإزالة اللبس الحاصل بين هذه المفاهيم ومفهوم الكفاية، سنقوم بمحاولة تحديد مفهومَي المهارة والكفاية قبل تحديد المفهوم المفتاح في هذه الورقة (مهارات الحياة)، علما أن الحدود بينها تبقى غير نهائية ومطلقة حسب نتائج الدراسات في علوم التربية.

يحضر مفهوم المهارة كمفهوم محوري عند الحديث عن مشروع "مهاراتي" الذي يروم تطوير مهارات الحياة والمواطنة. فما المقصود بها، وما آليات تخصيلها وتعلمها؟ وما مقتضيات تدريسها ومعايير تقويمها؟

تجمع الأدبيات العربية على اعتبار "المهارة مفهوم يحيل على الحذق والإتقان والإجادة والإحكام، وأنها ترتبط بالإنجاز والأداء الذي تظهر فيه الكفاءة، باعتباره دليلا على تحققها، أي حين يتحقق الإتقان والإجادة في الأداء والعمل" ( فاطمة الحسيني، كفايات التدريس وتدريس الكفايات – آليات التحصيل ومعايير التقويم: ص 8).

وكذلك الأمر في الحقل التربوي، لا يوصف متعلم بالكفء أو الماهر إلا إذا أدى مهامه وأعماله وأنشطته (معرفية كانت أو يدوية أو غيرها) بنوع من الاقتدار والإحكام والإتقان ووفق ضوابط ومعايير.

لذلك فإن المهارة في المجال التعليمي التعلمي، "تعتبر نسقا من المعارف والقدرات (الذهنية أو اليدوية)، يحصل التفاعل بينها بشكل يسمح بأجرأتها في أوضاع تعليمية محددة، بمعنى أن القدرات المنجزة بإتقان هي مؤشر على امتلاك المهارة، "فمتى كان التعلم والتدريب فعالين كان التمكن والإتقان في أداء المهام والأنشطة بشكل متنام، يذكيه استعداد المتعلم وأهبته للتحصيل مما يساعد على شحذ طاقته ونموها باطراد" (فاطمة الحسيني، المرجع السابق: ص 10). وبهذا فالكفاية ترادف المهارة في مستوى الإتقان والإحكام والجودة في الأداء.

وعليه، نخلص إلى أن المهارة:

  • ترتبط بالقدرة أو القدرات؛
  • تتمظهر من خلال الأداء والإنجاز؛
  • تتطلب الفهم ولإدراك؛
  • تتطلب الحذق والإتقان والبراعة (فاطمة الحسيني، المرجع السابق: ص 10).
  1. ثانيا: مفهوم الكفاية:

تمَّ تبني مدخل الكفايات في مراجعة مناهج التربية والتكوين المغربية عوض مدخل الأهداف الذي كان سائدا من قبل، استنادا إلى ما جاء به الميثاق الوطني للتربية والتكوين المتضمن للفلسفة التربوية. ويسعى هذا الاختيار البيداغوجي إلى الارتقاء بالمتعلم إلى أسمى درجات التربية والتكوين، لأن المتعلم أصبح له وضعا اعتباريا متميِّزا في العملية التعليمية، يُمكِّنه من نظام متكامل من المعارف والأداءات والمهارات المُنظَّمة التي تتيح له ضمن وضعية تعليمية القيام بالإنجازات والأداءات الملائمة التي تتطلبها تلك الوضعية. (بلكبير محمد وجديد عبد العزيز وآخرون، بيداغوجية الكفايات، مصوغة تكوينية: ص 08)

ذلك أنّ نجاح المدرسة في كل مرحلة من مراحل التربية والتكوين رهين باكتساب المتعلم الكفايات الضرورية لتسهيل اندماجه في المجتمع، وقدرته على التفاعل معه سعيا لتحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية. وقد وضعت دعامات أساسية للكفايات، أهمها:

  • الكفايات المرتبطة بتنمية الذات، والتي تستهدف تنمية شخصية المتعلم كغاية في ذاته، وكفاعل إيجابي تنتظر منه المساهمة الفاعلة في الارتقاء بمجتمعه في كل المجالات؛
  • الكفايات القابلة للاستثمار في التحول الاجتماعي والتي تجعل نظام التربية والتكوين يستجيب لحاجات التنمية المجتمعية بكل أبعادها الروحية والفكرية والمادية؛
  •  الكفايات القابلة للتصريف في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والتي تجعل نظام التربية والتكوين يستجيب لحاجات الاندماج في القطاعات المنتجة ولمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وهي كفايات قابلة للتحويل والتعميم في مختلف المواد الدراسية، وتشكل منطلقا لاشتقاق الكفايات التي تستهدف المتعلم بصفته متلقيا تواصليا واستراتيجيا ومنهجيا وثقافيا وتكنولوجيا.

إن بيداغوجية الكفايات تركِّز على وضعيات التعلُّم المشابهة لوضعيات الحياة في سياقها التاريخي والاجتماعي، مؤكدة على ضرورة انفتاح المدرسة على الواقع والمجتمع لتغييرهما وإمدادهما بالأطر المُدَرَّبة والكُفْئة والمتميِّزة، إذ لا قيمة للمعارف والمحتويات الدراسية إذا لم تقترن بما هو وظيفي ومهني وتقني وحِرَفِي (عبد الرحيم وهابي، المناهج التعليمية ومنظومة القيم: اقتراحات نظرية وتطبيقية لترسيخ القيم في المدرسة المغربية: ص 36-37).

وعليه، تشكل الكفاية مفهوما عاما وممتدا يشمل القدرة على أداء المهارات، والقدرة على استثمار وتوظيف المعارف في وضعيات جديدة بحذق وإتقان. وتتحصل من مجموعة من المهارات، كما تتحصل المهارات من مجموعة من القدرات. إذ يقود تحصيل القدرات إلى تحصيل المهارة، وتحصيل المهارة إلى تحصيل الكفاية بالانتقال من الفعل إلى التمرس والدربة وإلى التمكن الفردي الوظيفي. فيتحقق المستوى الأعلى (التحكم والإتقان) عندما يصل المتعلم إلى درجة من التحكم في أداء المهارة بحذق وإتقان وظيفيا على مستوى الأداء الإنجاز.

ونؤكد هنا على تطابق المهارة والكفاية من وجهة تحقق الاقتدار والإجادة في الأداء، وتكون الكفاية أشمل منها عندما تصبح الكفاية مُدمجة لعدد من المهارات، فنقول كفاية معرفية على سبيل المثال (إذا قصدنا مهارة حفظ المعلومات والمعارف والمصطلحات.. ومهارة استحضار المعارف عند الحاجة إليه وتوظيفها في وضعيات محددة... ومهارة الفهم باعتبارها مدخلا محركا لهذه العمليات...). (فاطمة الحسيني، كفايات التدريس وتدريس الكفايات: ص 16).

ثالثا: في مفهوم مهارات الحياة:

تهدف مبادرة مهارات الحياة والتعليم من أجل المواطنة إعادة النظر في مفهوم مهارات الحياة في منطقة الشرق الأوسط شمال إفريقيا، ووضع فهم مشترك للمفاهيم والتعريفات الخاصة بمهارات القرن الحادي والعشرين استنادا إلى نموذج تعلم رباعي الأبعاد يعزز التعلم مدى الحياة الذي تم تطويره في تقرير "ديلور" عام 1996 بعنوان "التعلّم: الكنز المكنون"، مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات اللاحقة في التعليم والمجتمع. (منظمة اليونيسيف، الإطار المفاهيمي والبرامجي - مبادرة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة:  ص 5)

تجدر الإشارة إلى أن الملخص التنفيذي للإطار المفاهيمي والبرامجي الذي أصدره المكتب اليونيسيف الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعمان الأردن، وقف على حالة الارتباك وعدم التوافق في الآراء حول التعريف الأدق والعناصر الأساسية لمهارات القرن الحادي والعشرين. إذ لا توجد تعريفات واضحة حول مفهوم الكفايات والمهارات ومهارات الحياة، وتستخدم هذه المصطلحات غالبا بشكل تبادلي. فمثلا "مصطلح الكفاية يستخدم غالبا في المجال التقني المحدد لتطوير المناهج الدراسية، ويستخدم مصطلح المهارات في الغالب للدلالة على القدرات المهنية والتقنية، ومصطلح المهارات الحياتية غالبا إلى أشكال أقل أهمية من المهارات المتعلقة بالحياة اليومية والمشاركة المدنية" (منظمة اليونيسيف، المرجع السابق:  ص 2).

مع العلم أن الخطاب المتعلق بالكفايات والمهارات ومهارات الحياة لا يقترن بالقيم القائمة على الحقوق التي نحن في أمسّ الحاجة إليها لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

ولتجاوز هذا الارتباك والخلط في المفاهيم السالفة الذكر، اقترحت وثيقة الإطار المفاهيمي والبرامجي تعريفا منقحا وشاملا أكثر وضوح لمصطلح "المهارات الحياتية والتعليم من أجل المواطنة"، وهو تعريف يتناول كل الفجوات المفاهيمية من خلال المقدمات المنطقية الأساسية الأربع (منظمة اليونيسيف، المرجع السابق:  ص 2-3) الآتية:

  • نهج شامل للتعليم: يأخذ بعين الاعتبار المتعلم ككل من خلال إقرار تعددية أبعاد التعليم، والذي لا يقتصر المعرفة ولإدراك، بل يشمل أيضا الجوانب الفردية والاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالتنمية الشخصية، والتماسك الاجتماعي، والتنمية المستدامة، ويتصل هذا بالتعليم النوعي الذي يعزز الأفراد المتمكنين الذين يمكنهم التعلّم بفعالية والاضطلاع بمسؤولياتهم الاجتماعية مع قدرتهم على تحقيق النجاح في سياق مكان العمل.
  • نهج إنساني قائم على الحقوق: التعليم النوعي لا ينعزل عن القيم وجب أن يكون له أثر تحولي. تعزيز التعلم النوعي من خلال وضع أساس أخلاقي راسخ، يقرُّ أن التعليم يعزز الكرامة الإنسانية، قبل أن يعزز الأداء الاقتصادي، ويشجع على القيم القائمة على حقوق الإنسان.
  • دورة تعلم متواصلة مدى الحياة: اكتساب المهارات الحياتية استثمار تراكمي يبدأ من سن مبكرة، ولا يقتصر على اليافعين والكبار فقط. فكل فرد في أي عمر من الأعمار، هو متعلم في سياق أي مجتمع يتيح له الفرص المتعددة طوال فترة الحياة للتعلم وتحقيق القدرات الشخصية.
  • نهج متعدد المسارات والأنظمة: يؤدي التعليم النوعي دورا فاعلا في تعزيز التعلم والتمكين الفردي، وفي خلق بيئة تتيح تحقيق الترابط الاجتماعي. من خلال خلق مسارات التعلّم المتعددة، من التعليم النظامي إلى البيئات غير النظامية وانتهاء بمكان العمل.

تجدر الإشارة أن مهارات الحياة(compétences de vie)  في هذا المقام تطابق مفهوم الكفاية وتوافقه؛ من حيث ارتباطُها بتنمية الذات، والقابلية للاستثمار في التحول الاجتماعي والتصريف في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والقابلية للتحويل والتعميم في مختلف المواد الدراسية، لذلك سنتناولها بنفس المعنى. وهذا الاختلاف في التوظيف الحاصل لا يعدو أن يكون نتاج الترجمة الحرفية المقتبسة من اللغة الانجليزية (life skils)، والتي لم تراع مرجعيتها المعتمدة في المنظومة المغربية، وأيضا نتيجة الاقتباس من الأدبيات المشرقية على اعتبار أن هذه المبادرة تستهدف بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

  1. رابعا: منهاج اللغة العربية:
  2. 1-تعريف المنهاج:

للمنهاج كما هو مستعمل في الأدبيات التربوية ثلاث معان "فهو بالمعنى الأول جملة من النوايا تهيأ سلفا قصد عمل المستقبل، وهو بالمعنى الثاني واقع (Réalité) أي كل ما هو معيش من طرف الأستاذ وتلاميذه في قسم معين، ثم هو بالمعنى الثالث نظرية منهاجية (Théorie Curriculaire). (طارق محمد، مفهوم المنهاج ومفهوم البرنامج: ص 31).

ويضيف داينو (D’hainaut) إلى المعنى الأول المرتبط بالنوايا أبعادا أخرى للمنهاج "المنهاج خطة عمل بيداغوجية أكثر شمولية من برنامج في مختلف المواد، ولكن أيضا تعريفا للغايات التربوية المستهدفة، وتخصيصا للأنشطة التعليمية التي يقتضيها برنامج المضامين، وأخيرا إشارات دقيقة حول الطريقة التي يستم بها تقييم (التعليم أو التلميذ). (D’hainaut (L) : Des fins aux objectifs de l’éducation : pp 25-26)

ويحدد دولاندشير (Delandsherre) المنهاج الدراسي بأنه جملة من الأفعال نخططها، وتشمل تحديد أهداف التعليم ومضامينه وطرقه وأساليب تقييم مواده الدراسية بما فيها من طبع الكتب المدرسية، كما يشمل مفهوم المنهاج بهذا المعنى مختلف الاستعدادات المتعلقة بالتكوين الملائم للمعلمين.

وقد تبين لنا من خلال تتبع بعض القواميس التربوية ومصنفاتها أنها لا تجمع على تعريف واحد للمنهاج، فهي تتضمن تعريفات متنوعة ومتشعبة، فتارة يتم تحديده من أنه: جملة من النوايا تحضر قبليا قصد عمل مستقبل، ومرة تعرفه على أنه يمارس عمليا داخل الفصل الدراسي، وتارة يقصد به مختلف الطرق والوسائل والتقنيات المستعملة لتحقيق أهداف متوخاة من العمل التربوي والتعليمي، وتارة أخرى يعرف المنهاج تعريفا نسقيا، حيث منهاج التدريس كنسق هو كلية من العناصر والمكونات المنتظمة بشكل مركب خاضع لنظام من العلاقات والتحولات، بحيث إنها تكون كلا منسجما ومتسعا يتحدد من خلاله موقع ووظيفة كل عنصر، وكذلك علاقاته وتفاعلاته بالعناصر الأخرى والمحيط، وذلك من أجل تحقيق أهداف ومرامي محددة[1](عبد اللطيف الفارابي وآخرون، البرامج والمناهج: ص 54).  وقد يعرف المنهاج تعريفا بنيويا حيث هو "مجموعة من العناصر والبنيات التي تشكل المكونات الداخلية لمنهاج التدريس، وفي معظم الأحيان تتمثل هذه العناصر في: الأهداف، والوسائل التعليمية وأدوات التقييم". (عبد اللطيف الفارابي وآخرون، المرجع السابق: ص 54)

يتضح مما سبق تقديمه أن مختلف التعريفات لتي قدمت للمنهاج التعليمي تتقاطع في عمقها، فهي أحيانا تربط مفهوم المنهاج بالبرنامج والطريقة والمنهجية، عذا فضلا على تعدد المنطلقات التي يستقي منها أصحابها، وتوجه تصوراتهم للمنهاج.

ويمكن أن نتبنى انطلاقا من كل ما تقدم تعريفا تركيبيا للمنهاج وأنشطته:

  • المنهاج تخطيط للعملية التربوية والأنشطة التعليمية إلى نهايتها.

ويمكن أن نبني المنهاج الدراسي، حسب التصنيف الذي قدمه (داينو) عبر ثلاث مراحل ومستويات:

أولا- مستوى البحث عن الغايات والاهداف. ثانيا- مستوى البحث عن الطرق والوسائل. ثالثا- مستوى تحديد عمليات التقويم.

2- السياق العام لمنهاج اللغة العربية:

تندرج التصورات والمبادئ العامة المنظمة للمنهاج في سياق رؤية تربوية تهدف إلى مراجعة المنهاج ليواكب إصلاح المنظومة التربوية، وتستقي هذه المراجعة أسسها من تصور فلسفي يؤسس لمشروع مجتمعي تربوي قوامه إكساب المتعلمات والمتعلمين القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العملية والاجتماعية ومواصلة التعلم مدى الحياة؛ وتزود المجتمع بالكفاءات القادرة على الإسهام في البناء والتواصل للوطن؛ وهذا لن يتحقق إلا من خلال:

  • التمسك بالعقيدة الإسلامية وما تنص عليه من تسامح وانفتاح؛
  • الانخراط الإيجابي في الحداثة وترسيخ الثقافة الديموقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان؛
  • حفظ التراث الحضاري والثقافي للبلاد بتنوع روافده والعمل على تجديده؛
  • اعتبار التربية والتكوين مدخلا استراتيجيا لمواجهة تحديات التنمية في مواجهة زمن العولمة؛
  • تجسيد التفاعل عن المدرسة ومحيطها السوسيو-اقتصادي؛
  • مواكبة المستجدات العملية والبيداغوجية والديداكتيكية من جهة، وضمان شروط الجودة والتنافسية م جهة ثانية (وزارة التربية الوطنية، التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية (سلك التعليم الثانوي): ص 5).

3-التعليم الثانوي الإعدادي:

مرحلة تعليمية وسطى بين التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي التأهيلي، وهو يشكل إضافة للسلك الابتدائي فترة التعليم الأساسي الإجباري، ويشكل إلى جانب التعليم الثانوي التأهيلي مرحلة الثانوي.

يلتحق بالتعليم الإعدادي الذي تابعوا دراستهم بالتعليم الابتدائي وحصلوا على شهادة التعليم الابتدائي. يستغرق السلك ثلاث سنوات تنتهي بالحصول على شهادة الدروس الإعدادية، والتي تسمح لصاحبها بالالتحاق بالسلك الثانوي التأهيلي. وقد حدد الميثاق الوطني للتربية والتكوين في مواده (68 و69 و70) دورا حاسما للتعليم الإعدادي في إنضاج الوعي بالملكات الذاتية والتهييء لاختيار التوجيه، وتصور وتكييف المشاريع الشخصية سواء قصد الاستمرار في الدراسة أو الالتحاق بالحياة المهنية (وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين: ص 34،35). وتنحو الوثيقة الإطار للاختيارات والتوجيهات التربوية إلى التأكيد على أهمية هذه المرحلة حينما أقرت بأنه: "في السلك الإعدادي، يستمر التركيز على الجوانب التواصلية على مستوى متقدم من التمكن، وعلى الجوانب المنهجية والاستراتيجية والثقافية. وتُعطى الجوانب التكنولوجية أهمية أكثر من ذي قبل للإعداد للتعليم التأهيلي أو لمؤسسات التكوين المهني أو لولوج الحياة العامة، لمن سينقطعون عن الحياة الدراسية من المتعلمين في نهاية السلك الإعدادي" (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض، الاختيارات والتوجهات التربوية العامة المعتمدة في مراجعة المناهج التربوية، ص 25).

خامسا: أهمية إدماج مهارات الحياة:

إن مهارات الحياة في عمقها الدلالي ومغزاها العام هي كفايات ذاتية واجتماعية يحتاجها الأفراد كي يتعاملوا بثقة مع أنفسهم ومع الآخرين ومع المجتمع المحلي، يؤهل التمكن منها الأفراد للقيام بسلوكات إيجابية تجعلهم قادرين على التعامل مع الحياة اليومية وتحدياتها، فهي بالغة الأهمية لمواجهة المواقف المختلفة، بشكل إيجابي بهدف المشاركة في العالم الحديث الممتلئ بالتحديات الجديدة، كما تتوخى تحقيق التكامل بين المدرسة والحياة.

وعليه، فهي مهارات تندرج ضمن فلسفة مقاربة التدريس بالكفايات، وتكمن أهميتها في كونها تروم:

  • تحقيق التكامل بين المدرسة والحياة من خلال ربط حاجات المتعلمين ومواقف الحياة باحتياجات المجتمع، مما يساعد في إدارة المتعلم لحياته بشكل فيه المرونة والفاعلية والاعتماد على النفس والقدرة على التكيف الإيجابي مع بيئة ومواكبة التغيرات ومواجهة الضغوط.
  • إعطاء الفرصة للمتعلم كي يعيش بشكل أفضل، خاصة في مجتمع يتميز عصره بالانفجار المعرفي والمعلوماتي  والتقني السريع والاقتصاد المعرفي والمتزايد يوما بعد يوم، حيث يحتاج الشباب إلى قدرات عملية منافسة.
  • اكتساب المتعلم خبرات مباشرة، من خلال التعامل مع الأشخاص والظواهر الحياتية، مما يعطيه القدرة على الدمج بين ما يتعلمه ويدرسه وما يواجهه خلال التفاعل مع الواقع المحيط به.
  • جعل المتعلم يشعر بمشكلات المجتمع، ويرغب في التعامل مع المحيطين به قصد إيجاد حلول ناجعة لها.
  • تمكينه من التفاعل الصحي مع الآخرين وبينه وبين البيئة من خلال الاتصال والتواصل معهم والتعبير عن الآراء والأفكار بشكل واضح وسليم.

يظهر من خلال ما سبق، أن تطوير مهارات الحياة يتم وفق منظور متسق ومنسجم يتكامل فيه ما يتعلمه الفرد (في المدرسة أو الجامعة أو المركز المهني) مع ما يمارسه في الحياة اليومية. ذلك أن عملية إكسابها وتطويرها لا تقتصر على مرحلة تعليمية بعينها، وإنما يمكن تطويرها مدى الحياة وفي مختلف الأسلاك والمراحل والمستويات التعليمية (المدرسية والجامعية والمهنية). تستدعي كل ما يحتاجه المتعلم من مواقف ومعارف وسلوكات وقيم وكفايات باعتباره فردا له احتياجات خاصة، وبصفته مواطنا معنيا بالعيش المشترك، ومواطنا يلزمه التمكن من التحولات المتسارعة للمعرفة، ومواطنا يحق له ولوج سوق الشغل بفعالية.

 

وعليه، يمكن القول إن تطوير المهارات الحياتية يتم ضمن أربعة أبعاد متكاملة ومترابطة (التي هي أبعاد الشخصية الإنسانية)، فما هي هذه الابعاد؟ وكيف تتكامل فيما بينها؟

تابع

وعليه، يمكن القول إن تطوير المهارات الحياتية يتم ضمن أربعة أبعاد متكاملة ومترابطة (التي هي أبعاد الشخصية الإنسانية)، فما هي هذه الابعاد؟ وكيف تتكامل فيما بينها؟

 

[1] - عبد اللطيف الفارابي وآخرون، "البرامج والمناهج"، سلسلة علوم التربية، (1992)، الطبعة 2، ص: 54.

تنمية المهارات الحياتية في منهاج اللغة العربية بالسلك الثانوي الإعدادي
Partager cet article
Repost0
11 novembre 2024 1 11 /11 /novembre /2024 20:00
تتمة/تنمية المهارات الحياتية في منهاج اللغة العربية بالسلك الثانوي الإعدادي

تتمة/تنمية المهارات الحياتية في منهاج اللغة العربية بالسلك الثانوي الإعدادي
د. عزيــــز عشعــــاش*

دراسة محكمة

                                 *مؤطر تربوي وباحث في علوم التربية وديدكتيك اللغة العربية

 تتمة

 

وعليه، يمكن القول إن تطوير المهارات الحياتية يتم ضمن أربعة أبعاد متكاملة ومترابطة (التي هي أبعاد الشخصية الإنسانية)، فما هي هذه الابعاد؟ وكيف تتكامل فيما بينها؟سادسا :أبعاد التعلم في بناء مهارات الحياة:

ترتكز مهارات الحياة على تعدد أبعاد التعلم الأربعة دون أن يقتصر دورها على البعد النظري المعرفي والإدراكي فحسب، بل يتعداه إلى البعد العملي (الإجرائي/ الإنجازي) من خلال وضع التعلم النظري موضع التنفيذ في السياقات اليومية، استجابة لمتطلبات سوق العمل المتغيرة باستمرار ولتطور العلوم المعرفية، ثم البعد الفردي الذاتي الموجه لتحقيق الذات والنمو الشخصي والتمكين الفردي، إضافة إلى البعد الاجتماعي والأخلاقي، المرتبط بتعزيز التعلم من أجل المواطنة وقيم العدالة والديمقراطية، بما يحقق التماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة.

لذلـــــــك فنقطة التحول الأساسية نحو الجودة في التعلم من منظور مهارات الحياة هي توجه التعليم والتعلم إلى مختلف أبعاد شخصية الفرد، بدل اختزال ذلك في البعد المعرفي فحسب، وهو ما يتقاطع مع بيداغوجيا الكفايات في حرصها على تأسيس حالات ثابتة عند المتعلم، وتجعل إنجازاته ممكنة وملحوظة في شكل قدرات ومهارات تسمو على المعرفة وتستقل عنها. فهذا معناه أن المهارة تكون مستقرة وتبرز عند الحاجة ولا تعني فقط ممارستها وتطبيقها في وضعية محددة، وإنما في أي وضعية تتطلب إدماجها وتعبئتها،  وتتبلور هذه المهارات في إطار الأنشطة الصفية (المواد الدراسية أو في تفاعلها فيما بينها) أو في مجالات أخرى موازية لها تندرج في إطار الأنشطة اللاصفية.

ويمكن توضيح تفاعل أبعاد التعلم (منظمة اليونيسف، الإطار المفاهيمي والبرامجي، ص: 5) في بناء المهارات الحياتية على النحو الآتي:

البعد المعرفي:

التعلم من أجل المعرفة

(Savoir)

تطوير القدرة على التركيز وحل المشكلات والتفكير النقدي، وكذا تنمية الفضول المعرفي والإبداع والرغبة في الحصول على فهم أفضل للعالم. ويرتبط ذلك بتعلم مهارات القراءة والكتابة والحساب وتكنولوجيا المعلومات باعتبارها قنوات لاكتساب المعرفة وأدوات إنتاجها.

البعد الذاتي أو الفردي:

التعلم من أجل الكينونة

(Savoir être)

يرتبط بتحقيق الذات والنمو الشخصي والتمكين الذاتي من خلال المهارات المعرفية الذاتية ومهارات التعامل مع الآخرين (الرعاية، الأمن، الحماية، القبول، الاحترام، التضامن...)

البعد الفعال/ العملي:

التعلم من أجل الفعل

( Savoir faire)

يرتبط بدعم المتعلم على تطبيق مكتسباته وتعلماته على أرض الواقع، إضافة إلى تكييف هذا التعلم مع حاجاته اليومية ومتطلباتها.

البعد الاجتماعي:

التعلم للعيش المشترك

(Savoir vivre)

تعلم قيمي يعزز رؤية المتعلم للمواطنة والعيش المشترك، بما يلائم حقوق الإنسان وقيم المواطنة ومبادئ العدالة والديمقراطية، ويشكل هذا البعد الأساس الأخلاقي للأبعاد الثلاثة الأخرى.

المهارات الاثنتا عشرة المستهدفة:

تعد مهارات الحياة في الإطار المفاهيمي والبرامجي مهارات معرفية وغير معرفية، مهارات عليا ومتقاطعة وذات أهمية للتعلم والتوظيف والتمكين الذاتي والمواطنة النشطة. ويعد التعليم من أجل المواطنة جزءا لا يتجزأ من تعليم مهارات الحياة الذي يؤكد على الحاجة إلى التحول الاجتماعي، ويشير إلى القدرات والطاقات التي يمكنها تعزيز المجتمعات المفتوحة، وتوفير الأدوات لبناء مستقبل أفضل للمجتمع (منظمة اليونيسف، الإطار المفاهيمي والبرامجي، ص: 5).

حددت وزارة التربية الوطنية بتنسيق مع منظمة اليونيسيف اثنتي عشرة مهارة أساسية من مهارات الحياة والمواطنة، باستخدام نموذج الأبعاد الأربعة، وهي: الإبداع، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعاون، والتفاوض، وصنع القرار، وإدارة الذات، والصمود، والتواصل، واحترام التنوع، والتعاطف، والمشاركة.

وقد اتبعت منهجية تتوخى التدرج والدقة ومشاورات عديدة انتهجت الخطوات الثلاثة الآتية (منظمة اليونيسف، المرجع السابق، ص: 6):

  • الخطوة الأولى، شملت إدراج قائمة شاملة لمجموع المهارات تحت كل بعد من أبعاد التعلم الأربعة، استنادا إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية التي ينبغي معالجتها، وهي (تعزيز جودة التعلم، ونتائج التعلم، وتعزيز فرص الحصول على عمل وريادة الأعمال، وتعزيز التمكن الفردي والمشاركة المدنية).
  • الخطوة الثانية، تحديد مجموعة مكونة من ثلاث مهارات لكل بعد استنادا إلى أهميتها وتأثيرها لذلك البعد وعلى شمولها لمهارات أخرى عديدة (أو مهارات فرعية).
  • الخطوة الثالثة، إجراء تحليل معمق للأبعاد الأربعة ومهاراتها ذات الصلة، وإبراز أهدافها من خلال الأدلة، ومساهماتها لكل بعد متصلة به، وكذلك مساهمتها في الأبعاد الثلاثة الأخرى.

جدير بالإشارة أن كل مهارة من هذه المهارات مترابطة فيما بينها ومهيكلة تقدم نهجا شاملا ومتماسكا للتعلم حول الأبعاد الأربعة مستندة بذلك إلى القيمة، لأنها تعكس تعليما نوعيا قائما على أساس أخلاقي صلب يعتبر أن التعليم دعم لكرامة الإنسان وتعزيز القيم القائمة على حقوق الإنسان. وقد وضعت ضمن نهج "إعادة التفكير في التعليم" بطريقة تؤدي دورها في تعزيز التماسك الاجتماعي، كونها تتماشى مع قيم المواطنة والاعتمام بالآخر واحترامه والتقليل من استخدام العنف أو منعه.

وتقتضي مهارات الحياة الاثنتا عشرة، التي تشكل الإطار البرنامجي والمفهومي لدول MENA، تحديدا دقيقا كي يسهل تمثلها من قبل أي مدرس؛ إذ في حالة عدم معرفتها وفهمها وتمثلها تمثلا جيدا لن يتم إدراجها وتصريفها داخل في الأنشطة الصفية واللاصفية باعتبارها امتدادا لها، كما لن يُعْرَفَ حقا عن ماذا نتحدث. نحن مجبرون على أخذ كفايات الحياة الاثنتي عشرة هذه، ووضع تعريف لكل واحدة منها، يبدو لنا دقيقا.

  •  
 

  سابعا: مداخل ومرتكزات منهاج اللغة العربية بالسلك الثانوي الإعدادي لإدماج مهارات الحياة:

  1. 1.مواصفات المتعلم:

تختلف أهداف المنهاج التربوي في تحديد مواصفات المتعلم حسب الأسلاك التعليمية (الابتدائي-الإعدادي-الثانوي)؛ إلا أنها تنطلق من رؤية نسقية يحرص من خلالها النظام التربوي المغربي على إكساب المتعلمين الكفايات الملائمة لجعلهم مواطنين مؤهلي للمساهمة في تنمية المجتمع في جميع المستويات. لذا ينبغي أن يصاغ منهاج التربية والتكوين بشكل يجعلها:

  • تشمل مختلف المجالات الوجدانية والاجتماعية والحسية الحركية والمعرفية للمتعلم في مختلف الأسلاك التعليمية؛
  • تنفذ بواسطة وضعيات ديدكتيكية مناسبة لكل فضاء تربوي: داخل القسم والمؤسسة التعليمية وخارجها؛

ولذلك يخصص هذا السلك لاستكمل مكونات الكفايات التواصلية والمنهجية والثقافية والاستراتيجية والتكنولوجية.

وبناء عليه تتحدد مواصفات المتعلمين في نهاية ك سلك انطلاقا من:

  • ترتيب الكفايات حسب الأولويات مع اعتبار المرونة والتفاعل بينها؛
  • مراعاة درجة التوفيق والتكامل، والتركيب والتفاعل في مجال القيم لإسلامية والحضارية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان؛
  • مستوى نمو شخصية المتعلم بكل مكوناتها وأبعادها.

 

2.الحاجات الشخصية للمتعلمين في مجال القيم:

 

تتمثل الحاجات الشخصية للمتعلمين في مجال القيم في:

  • إعمال العقل واعتماد التفكير النقدي والاستقلالية تفكيرا وممارسة؛
  • المبادرة والإبداع والتنافسية الإيجابية والإنتاجية؛
  • الوعي بالزمن والوقت كقيمة أساسية غي المدرسة والحياة؛
  • التفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي والبيئة الطبيعية والموروث الثقافي والحضاري.

 

3.طرق وأشكال العمل الديدكتيكي:

يكتسب المتعلمون المعارف والمهارات ويطورون قدراتهم وينمون كفاياتهم بإيقاعات مختلفة. لذا ينبغي تنويع الطرق والوسائل والأنشطة التعليمية، ومراعاة هذا الاختلاف عند بناء الوضعيات التعليمية التعلمية، وعند اختيار الأنشطة والمعينات الديدكتكية المناسبة لها.

ورغم تعدد الطرق التي يمكن أن تستثمر في مختلف المواد، فإنها تلتقي في الجوانب الآتية:

  1. التركيز على المتعلم، وإعادة توزيع الأدوار والمهام بين كل عناصر العملية التعليمية التعلمية: (تلاميذ، أستاذ، كتاب مدرسي...) قصد تمكين التلاميذ من الثقة في النفس والمشاركة الفعالة، والشعور بالمسؤولية، والقدرة على تدبير تعلمه وتدبير الزمن، وهذا يستدعي إعطاءه الفرصة في التفكير فيما يتعلم؟ وكيف يتعلم؟ ولماذا يتعلم؟  وهو ما يتطلب تجاوز بعض الممارسات التقليدية في التدريس مثل الإلقاء المباشر، والإملاء الحرفي، والاسترجاع دون فهم واستيعاب، ودون قدرة على التطبيق والتحويل.
  2. التركيز على الأنشطة التي تهدف إلى تمكين المتعلمين من مهارات التحليل والنقد وحل المشكلات، وهي تقع في صلب تهيئ التلاميذ للحياة، تماشيا مع منطق التدريس بالكفايات باعتباره المدخل الأساس لمنظومتنا التربوية.
  3. تنويع الأنشطة التفاعلية التي تركز على التواصل بمختلف أشكاله سواء عند البحث عن المعلومة أو عند معالجتها وإيصالها للآخرين.
  4. اعتماد طرق البحث والاستقصاء، التي تؤهل المتعلم لبناء استقلالتيه من خلال تنمية قدرته على القراءة والكتابة، وإنتاج الأفكار وتصريفها، فضلا عن تمرسه على دينامية الجماعة داخل الفصل وخارجه. وفي هذا الإطار ينبغي السعي إلى استعمال طرق تؤهل التلاميذ لاعتماد التكنولوجيا والمعلومات وتوظيفها...
  5. ترسيخ مبدأ التعلم بواسطة بواسطة التعلم بواسطة المشاريع التربوية، التي تسعى إلى جعل المدرسة منفتحة على محيطها، وحقلا للتجريب، ووسيلة لتهييء التلاميذ للحياة.
  6. استثمار البيداغوجيا الفارقية في أشكال العمل الديدكتيكي، بهدف الوقوف على تعثرات المتعلم والصعوبات التي تواجهه، قصد تشجيعه على التعبير عن حاجاته، ومن أجل العمل على دعم تعلماته، وتقوية مكتسباته من خلال تدخلات تصحيحية ملائمة.  

 

4.المهارات الحيايتية في المكونات والمضامين:

تنقسم مكونات اللغة العربية الرئيسة إلى ثلاث مكونات، هي: القراءة، والدرس اللغوي، والتعبير والإنشاء. يتم اعتماد القراءة المنهجية في تدريس مكون القراءة، وتقوم على مجموعة من الخطوات المتدرجة لفهم النص وإدراك محتواه وعناصره اللغوية... وتشمل القراءة على التفاعل بين المتعلم والنص عبر تنظيم الأفكار بطريقة تدريجية، والانتقال من القراءة السطحية إلى القراءة المتعمّقة باستعمال آليات التأويل. فهي "نشاط تعليمي تعلمي يركز على أساليب الإقراء والقراءة ومهارات معالجة النصوص، وإجراءات التنفيذ، والتطبيق والإنتاج والقياس" (علي آيات أوشان، ديدكتيك النص الشعري – من القراءة إلى الإقراء: ص 45). ويتم اعتماد الطريقة الاستقرائية في تدريس الظواهر اللغوية، مراعاة لمستوى المتعلمين في هذا السلك. أمّا مكوّن التعبير والإنشاء فيتضمّن مجموعة من الأنشطة التي تستهدف تنمية مجموعة من المهارات الحيايتية، حيث نجد من بين المواضيع المقررة: خطاب الحجاج – التخييل والإبداع – النقد والحكم.

  1. عناصر اليقظة عند تحرير بطاقة منهجية
  2. تتوقع وضعية تعلم – تعليم دامجة لمهارات الحياة والمواطنة:

لإدماج المهارات الحياتية والمواطنة في المنتهج الدراسية بصفة عامة ومنهاج اللغة العربية بصفة خاصة، يلزم الانتباه لعناصر اليقظة الثمانيةالآتية:

أولا-  إشراك المتعلم:

  • تُشْرِكُ  وضعية التعلم – التعليم التلميذ في مهمة متعلقة بالمادة أو متداخلة  بين المواد باعتباره ذاتا بيولوجية، نفسية، سوسيومعرفية (أجله تكون  العواطف جزءا من الإدراك العقلي).
  • إن الاهتمام الذي سيبديه التلميذ أثناء وضعية التعلم والتعليم  يظل حاضرا في كل مراحل الحصة بدءا من انطلاقها، مرورا بسيرها، وانتهاء بتحويل المكتسبات في النهاية.
  • نشرك  التلميذ عندما نسوغ  له الانخراط  (الانغماس)  في وضعية من خلال عدة وسائط منها: التحدي، السؤال، المشكلة التي تتطلب حلا، إنجاز مشروع حتى  نهايته.

ثانيا- لمهمة، بمعنى ما أعده المدرس وأنشأه لجعل التلاميذ نشطين:

أ) يمكن أن تتخذ المهمة عدة أشكال وهي: مهمة التحسيس، مهمة الدراسة، مهمة حل المشكلة، مهمة البحث عن المعلومة، مهمة حوار/ مناظرة / وساطة، مهمة لعب الأدوار، والمَسْرَحَة، مهمة إنجاز مشروع، مهمة التقويم.

ب ) المهمة كيفما كانت طبيعتها، ستشكل لحظتين مختلفين وضروريتين من وضعية التعلم-التعليم، وهما: لحظة الاستقصاء، ولحظة البنينة.

ثالثا- نشاط التلميذ خلال هذه المهمة

وتتعلق بما يجب على التلميذ فعله معرفيا، ووجدانيا، وتواصليا لمواجهة الوضعية التي  قابله بها المدرس، وتمثل ثلاثة مظاهر مهمة، وهي: نشاط معرفي – وجداني، التفكير والتأمل فيما حدث، تحويل المكتسبات إلى وضعيات جديدة.

رابعا- العائق

عندما ينشئ المدرس مهمة لا يملك التلميذ جوابا مباشرا لها، فإنه يواجهه بعائق / أو عوائق معرفية، سلوكية، وجدانية...

توقع العائق يسمح للمدرس بتوقع عجز التلميذ المحتمل، وتصور قبلي للوضعيات المناسبة، من حيث الدعامات والإجراءات، لتجاوزه.

خامسا- المعينات البيداغوجية أو الدعامات

وهي كل الوسائل والدعامات  البيداغوجية التي يحتاجها المدرس بالنسبة للوضعية التي أنشأها مثل: الكتاب المدرسي، الوثائق مكتوبة، أو الصوتية، أو السمعية البصرية، أو الإعلامية، والوسائل الخاصة بكل مادة...

سادسا- تنظيم القسم

قد ينظم القسم بكيفية فردية،  أو جماعية ، أو العمل بالمجموعات. ويمكن تنويع الأنماط داخل الحصة.

سابعا- المهارة و/أو مهارات الحياة والمواطنة الموظفة

من الممكن خلال نفس الحصة، وبحسب اللحظات، تشغيل مهارة حياتية أو بعض المهارات. ويجب إيلاء الاهتمام فيما يخص هذه المهارات إلى :

  • وصفها: (ماذا نقصد مثلا عندما نكتب في البطاقة الإبداع أو التعاطف؟)
  • الوضعية التي تولد هذه المهارة الحياتية خلال الحصة: كل الحصة لا يمكن إلا بصعوبة أن تبنى حول مهارة أو كل المهارات. وسيكون مُهِمّاً  تحديد اللحظات الخاصة التي سنتحدث فيها  عن المهارة.
  • التفكير في إدماج مهارات الحياة والمواطنة في الوضعية التعليمية التعلمية، وليس إدراجها، يثتضي تعيين المهارات التي ستتك مقاربتها، وفي أية لحظة من الحصة، وذلك  قبل الشروع في الدرس (أي في البطاقة المنهجية للحصة)، وليس في نهاية الحصة. وعلى هذا النحو فإن المدرس يكون ملزما، قبل انطلاق الحصة، تعيين  نوعين من الأهداف (أهداف المادة في صيغة كفايات المادة، وأهداف سلوكية مدعوة مهارات الحياتية والمواطنة.

خلاصـــة:

حاولنا في هذه الورقة العلمية تقديم تصور مركز إدماج مهارات الحياة والمواطنة في المناهج الدراسية (منهاج اللغة العربية نموذجا) في إطار مبادرة تطوير مهارات الحياة والتعليم من أجل المواطنة، من خلال الوقوف على السياق العام الذي أطر هذا المشروع، وأهم المصطلحات والمفاهيم الرئيسية المؤطرة له، وكذا أبعاده الأربعة كما وردت في الإطار المفاهيمي والبرامجي التي يستند إليها، مع تحديد المهارات الاثنتي عشرة المزمع إدماجها في المناهج الدراسية، وقد قدمنا مقترحا عمليا لإدماج بعض من تلك المهارات في  مكون القراءة بالتعليم الثانوي، ضمن نهج "إعادة التفكير في التعليم" بطريقة تؤدي دورها في تعزيز التماسك الاجتماعي وقيم المواطنة، إلا أن سؤال تحقيقها يبقى مطروحا، لأن هذا المشروع لم يعمم بعد على الصعيد الوطني، والأمل معقود على اللجان الجهوية التخصصية المنخرطة في تجريب هذا المشروع، تحت مواكبة وتأطير مكتب الخبرة الدولي، لتقديم مقاربة أكثر إجرائية وواقعية حول هذا البرنامج الواعد المرتبط بتكييف المنهاج الدراسي وإدماج مهارات الحياة وليس التحليق حولها أو إدراجها فقط.

المصـــادر والمراجـــع:

  1. باللغة العربية:
        1. الإطار المفاهيمي والبرامجي (مبادرة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا LSCE)، مكتب اليونيسف الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عمان، الأردن.
        2. بلكبير محمد وجديد عبد العزيز وآخرون، "بيداغوجية الكفايات - مصوغة تكوينية -"، وآخرون، وزارة التربية الوطنية، صيغة أولية، يوليوز (2003).
        3. طارق محمد، "مفهوم المنهاج ومفهوم البرنامج"، مجلة علوم التربية، العدد 4، المغرب، (1993).
        4. عبد الرحيم وهابي، "المناهج التعليمية ومنظومة القيم: اقتراحات نظرية وتطبيقية لترسيخ القيم في المدرسة المغربية"، ، مطبعة آنفو – برانت، فاس - المغرب، (2008م).
        5. عبد اللطيف الفارابي وآخرون، "البرامج والمناهج"، سلسلة علوم التربية، الطبعة 2، (1992).
        6. علي آيات أوشان، ديدكتيك النص الشعري – من القراءة إلى الإقراء، سلسلة دراسات بيداغوجية، العدد 5، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط.
        7. فاطمة الحسيني، كفايات التدريس وتدريس الكفايات – آليات التحصيل ومعايير التقويم، مكتبة دار السلام الجديدة والدار العالمية للكتاب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى (2005).
        8.  الكتاب الأبيض، الاختيارات والتوجهات التربوية العامة المعتمدة في مراجعة المناهج التربوية، الوثيقة الإطار للاختيارات والتوجهات التربوية، الجزء الأول، 2002.
        9. اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وزارة التربية الوطنية، 2000.
        10. وزارة التربية الوطنية، التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية (سلك التعليم الثانوي)، المغرب، 2007.
  2. باللغة الأجنبية:
        1. D’hainaut (L) : Des fins aux objectifs de l’éducation, Bruxelles, ed, labor, 198
تتمة/تنمية المهارات الحياتية في منهاج اللغة العربية بالسلك الثانوي الإعدادي
Partager cet article
Repost0
9 novembre 2024 6 09 /11 /novembre /2024 12:12
الكتابة التاريخية خلال الحقبة الاستعمارية - تأريخ عبد الرحمن بن زيدان أنموذجا

الكتابة التاريخية خلال الحقبة الاستعمارية 

- تأريخ عبد الرحمن بن زيدان أنموذجا-

الدكتور عبد الله الغرمول

دراسة محكمة

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية الثلوج مديرية الحاجب.

ملخص:

إذا كانت الكتابة التاريخية تتقدم في حل إشكالياتها المنهجية أو المفاهيمية باحتكاكها بالحقول المعرفية الأخرى، فإن هذا التقدم هو الذي يحدد سمات المراحل الأساسية في البحث التاريخي، بحيث يمكن القول بأن الكتابة التاريخية تتطور بشكل متزايد نظرا لتراكم المواد التي يعتمدها البحث التاريخي، لكن المجال الذي يتعرض للعديد من التناقضات والجدل المستمر هو طريقة التعامل أو معالجة المواد الأولية. إن هذا الجدل هو منبع الاتجاهات والمدارس التي ميزت الكتابة على الصعيد الغربي، في هذا الإطار تندرج إشكالية الكتابة التاريخية المعاصرة بالمغرب انطلاقا من صيرورة معقدة تنبني أساسا على الاحتكاك مع الغرب كفضاءات نظرية صدمت الوعي العميق للفكر المغربي بعقلانيتها وبنيتها المفاهيمية ومناهجها، والتركيز على هذا الجانب له مبررات وظيفية/إجرائية ترتكز أساس على جعلها هدفا ومعيارا لتقييم واقع البحث التاريخي في المغرب بشكل إجمالي.

الكلمات المفتاحية: الكتابة التاريخية، الحقبة الاستعمارية، البحث التاريخي، التدخل الأنتروبولوجي

 

abstract:

If historical writing progresses in solving its methodological or conceptual problems through its contact with other fields of knowledge, then this progress is what determines the characteristics of the fundamental stages of historical research, so that it can be said that historical writing is increasingly developing due to the accumulation of materials on which historical research is based, but the area that is exposed to many ongoing contradictions and controversies is the method of handling or processing raw materials. This controversy is at the origin of the currents and schools that have characterized writing at the Western level. In this context, the problem of contemporary historical writing in Morocco is part of a complex process that is based above all on contact with the West as theoretical spaces. shocked the deep consciousness of Moroccan thought with its rationality, conceptual structure and methods, as well as the emphasis placed on this aspect of it by functional/procedural justifications that are mainly based on making it an objective and a standard for evaluating the reality of historical research in Morocco as a whole.

Keywords: historical writing, colonialera, historical research, anthropological intervention

مقدمة:

إن القصور المنهجي في الكتابة التقليدية والخلفيات الإيديولوجية للتأليف الاستعماري، عاملان أساسيان وجها عمل المؤرخين المغاربة بعد الاستقلال نحو تجديد الرؤية للتاريخ المغربي، من خلال تجديد أساليب ومناهج الكتابة التاريخية. ولكن، وإن اختلفت هذه المناهج في ممارسات المؤرخين الذين اصطلحنا عليهم بالمجددين، فإن جلهم يشترك في بعض السمات الأساسية نوجزها فيما يلي:

  • ضرورة إعادة كتابة تاريخ المغرب من أجل إبراز الهوية الوطنية.
  • الاستفادة من المناهج الغربية في ممارسة الكتابة التاريخية: توسع مفهوم الوثيقة وبالتالي لم يعد موضوع التأريخ متقصرا على دوائر ضيقة بل يحاول الكشف عن كل الجوانب الفعالة في العملية التاريخية.
  • العمل على تجاوز السرد التاريخي بالشكل الذي يسمح للمؤرخ بالتنظير.
  • بدأ يلاحظ دور المؤرخ في بناء الوقائع وتأويلها.
  • استمرار حضور المؤرخ التقليدي كما اتضح من خلال نموذج المنوني.
  • الإنتاج التاريخي المعاصر تطغى عليه صفة الانتقائية، حيث يتم استحضار مراحل تاريخية – خصوصا تاريخ القرن التاسع عشر – على حساب تغييب أخرى كتاريخ فترة الحماية والتاريخ الوسيط والقديم.
أولا: التأليف الأجنبي حول المغرب.

بغض النظر عن محاولات التحقيب لتاريخ المغرب، فإن إنشاء البعثة العلمية شكل منطلقا لبداية البحث التاريخي المعاصر؛ إن هذا الحدث ذو دلالة علمية هامة تتمثل في بداية ظهور توجه جديد في الكتابة التاريخية بحكم ما سيحدثه من تغيرات على مستو الأدوات والمناهج في البحث التاريخي. بحيث انصب البحث على جوانب غير الأحداث السياسية باستعمال أدوات منهجية مستقاة من بعض العلوم الإنسانية: ورغم أن المؤرخين الاستعماريين قد نقبوا عن الوثائق وأعادوا قراءتها وعلموا على تناول فترات مهمة من التاريخ المغربي بالدراسة، فإن تأليفهم ظل محكوما في غالب الأحيان بخلفيات إيديولوجية.

إن ما سنحاوله ليس القيام بدراسة نقدية للإنتاج الأجنبي، بقدر ما نتوخى إبداء بعض الملاحظات عن الطريقة التي اقترحتها هذه الكتابات في تناولها لتاريخ المغرب. ثم القضايا التي حاولت من خلالها اختزال مسار تطور تاريخ البلاد، وفي نفس الآن الكشف عن جوانب الإيجابية التي جاء بها هذا الإنتاج الأجنبي، وانعكست فيما بعد على الكتابة التاريخية المغربية.

لنتساءل في الأخير عن الطريقة التي يجب أن يتعامل بها المؤرخ المعاصر مع هذا التراكم المعرفي؟

لقد نشأت في مطلع القرن العشرين مرحلة جديدة في كتابة تاريخ المغرب دشنها – كما وضحنا في مدخل هذا الفصل – تأسيس الحزب الاستعماري "فرنسي للبعثة العلمية منذ سنة 1904 وتولى رئاستها EUGENE ETIENNE" و"ستنتشر هذه البعثة منذ سنة 1904 المستندات المغربية – Les archives Marocaines التي سيساهم فيها على نطاق واسع كل من سالمون SALMON، وفومي FUMEY، وميشو بلير MICHAUX BELLAIRE"([1]). ويؤكد وميشو بلير بأن الهدف من تأسيس هذه البعثة هو "البحث في عين المكان عن كل الوثائق التي تسمح بدارسة المغرب وإعادة تأسيس تنظيمه وحياته ليس فقط بمساعدة الكتب والمخطوطات، ولكن بفضل المعلومات الشفهية وتقاليد القبائل والجماعات الطرقية والأسر"([2]).

وإذا كانت بالفعل هذه الدراسات استعملت أدوات جديدة في التعامل مع الوثائق، والاستفادة من الرواية الشفوية والالتجاء إلى الحفريات ثم توسيع مجالات الاهتمام، فإن الهدف الأساسي والحقيقي من تأسيس البعثة العلمية ومن الكتابات التاريخية الاستعمارية حول المغرب عموما، هو القيام بدراسات حاولت التنقيب في ماضي المغرب عما يخدم التسرب الاستعماري ويوطد الاحتلال الفرنسي بعد الحماية في هذا الإطار ندرج أعمال Bell – Gautier – Terrasse أن هؤلاء المؤرخين الاستعماريين، والذين يميهم العروي "مؤرخو المناسبات"، "لم يتوانوا في الكشف عن أنفسهم، كإيديولوجيين يبررون الوضعية الاستعمارية المحتومة"([3]).

وانطلاقا من هذه الوضعية سيقوم المؤرخون الأجانب ببلورة رؤية تاريخية حاولت استخلاص بعض النتائج المصاغة وفق خلفيات المستعمر الفرنسي، فلنستمع لأحد المؤرخين الخبراء العسكريين للحركة الاستعمارية من فرنسي الجزائر يقول "وإذا تأملنا المغرب سنرى فيه بلدا بقي لمدة طويلة غير خاضع لأي تأثير حضاري... إلى حدود بداية القرن العشرين"([4]). فلنلتمس الخلفية للبحث التاريخي الفرنسي الذي سعى بكل ما أوتي من وسائل إلى تبرير طبيعة الهيمنة الأجنبية، وذلك بتكريس فكرة المستعمر/المنقذ الذي لم يأت للمغرب إلا لإنقاذ المغاربة وإدخالهم في طور الحضارة الغربية "فقد كان من مصلحة الاستعمار كمشروع ظرفي، أن يقدم الشعوب التي يخطط لاستعمارها أو التي سبق أن خضعها، كمسؤولة أولى ووحيدة عن المصير الذي فرضه عليها"([5])، هكذا فتواجد الأجنبي بالمغرب هو قصد انتهاء الجو المشحون بالفوضى والصراعات المتوالية بين الجهاز المخزني والمجتمع القبلي في الطبيعة المناهضة للدولة، أو ما يعرف في الأدبيات الاستعمارية بالفصل بين بلاد المخزن/بلاد السيبة بهدف التقزيم من شأن الدولة المغربية. فبلاد المخزن تمتد في المدن والسهول وتستند على ثلاث أسس: عسكرية – جيش خاص في القبائل الخاضعة – ومالية حيث أن الهدف الأساسي للمخزن هو جباية الضرائب، ثم الدعامة الدينية التي تعطي المشروعية للسلطة السياسية نفسها، إلا أن هذا الفصل لا يبدو متينا حيث يعتمد على أسس نظرية واهية ويكتفي بالنظر إلى المجتمع المغربي من فوق، في حين أن العلاقات بين المدينة والريف توضح جليا مدى عمق الروابط التي تنهض دليلا على وحدة البلد([6]). إذن فثنائية بلاد المخزن ≠ بلاد السيبة وثنائيات أخرى كالسهل/الجبل، البادية/المدينة، الشرع/العرف، تيوقراطية العرب/جمهورية البربر "سمحت للكثير من الباحثين بالإجابة دون صعوبة ولكن دون تمييز أيضا على جميع الأسئلة وكأنه لا وجود فوق هذه المستويات أحيانا لوحدة قوية تذكر فلم يكن المؤرخون الاستعماريون مؤرخين حقيقيين ولكنهم عملاء لخدمة السياسة الاستعمارية... فكان عليهم أن يبينوا للرأي العام الفرنسي أن المغرب من هذه الدول المتخلفة التي تحتاج إلى التدخل الأوربي لإصلاح وضعه الداخلي، ولهذا شوهوا هذه الوضعية وزعموا أن هذه البلاد ضد أقدم المصور وهي غارقة في الفوضى والفتن والتمرد ضد السلطة المركزية"([7]).

وعلاوة على هذا فكثيرة هي كتب التاريخ الاستعماري التي أثارت عيوب الطبيعة المغربية كتقسيم التضاريس، عزلة الأودية، عدم انتظام المجاري المائية... ومن كل هذا حاولت جاهدة أن تنفي عن المغرب صفات الوحدة التي تمكنه من بناء نظام سياسي مركزي، في حين تتفنن في كشف المعوقات التي تقف أمام هذه الوحدة وتعمق الانفصال والتجزؤ، وهكذا يتضح بأن أغلب هؤلاء لم يتعاملوا مع تاريخ المغرب بنية خالصة فدرسوه من أجل خدمة التسرب العسكري والسياسي "فبحكم هذه الأهداف جاءت معرفة موجهة وانتقائية ومقيدة"([8]). في نفس الإطار يلاحظ العروي أن من بين الموضوعات المتكررة في الكتابات الأجنبية، أن المغرب عرف أنواعا من سوء الحظ: فقد كان سيء الحظ لأنه لم يستوعب القيمة الحضارية للاحتلال الروماني، وسيء الحظ لماقبل الإسلام، وحين خضع للغزو الهلالي، وأخيرا لكونه كان قاعدة للقرصنة العثمانية([9]). وعكس هذا الطرح الذي روجت له الأدبيات الاستعمارية وأدى في غالب الأحيان إلى سيادة تصور عن المغرب وتاريخه([10]). يركز العروي على سوء الحظ المعرفي لأن تاريخ المغرب تمت كتابته لفترة طويلة من طرف "هواة بلا تأهيل جغرافيون أصحاب أفكار براقة، وموظفون يدعون العلم، وعسكريون يتظاهرون بالثقافة ومؤطور الفن يتجاوزون اختصاصهم، وبكيفية أعم مؤرخون بلا تكوين لغوي أو لغويين وأركيولوجيون بلا تأهيل تاريخي يحيل بعضهم على الآخر يعتمد هؤلاء على أولئك وتحبك خيوط مؤامرة لتفرض الافتراضات البعيدة كحقائق مقررة"([11]).

ويتضح من خلال ما ذهب إليه العروي أن المؤرخ الأجنبي بحكم طروحاته الاستعمارية لم يتحر الموضوعية، طالما أنه غير مؤهل لتكوين معرفة علمية لتاريخ المغرب وعموما أنكب المؤرخون الأجانب على فهم تراث المغرب ودراسته لرصد حركية وديناميكية المجتمع الفكري، حتى يسهل استقطاب الشعب المغربي ماديا ومعنويا بهدف إتمام حلقة الهيمنة وبكيفية تامة([12]).

من هنا نتساءل عن الكيفية التي تناول بها المؤرخون الأجانب تاريخ المغرب خاصة وأن كتاباتهم اعتبرت تجاوزا للكتابة التقليدية المغربية، من حيث استعمالهم لأدوات منهجية لم تكن مألوفة، لدى المؤرخون المغاربة في أواخر القرن 19، وبداية القرن 20، وعليه "يمتاز التأليف الاستعماري بتوسيع مفهوم الوثيقة. شرع الباحثون الأوربيون في الحفريات وسجلوا روايات شفوية وجمعوا الوثائق المكتوبة الأجنبية، رسمية كانت أو أدبية"([13]). وإذا كان جرمان عياش يعتبر أن التأليف الاستعماري رغم خلفياته الإيديولوجية، شكل تراكما معرفيا لابد من الاطلاع عليه قصد الاستفادة منه، وخاصة على المستوى المنهجي حيث تقرأ "أن مكتسبا علميا يبقى دائما مكتسبا علميا، فمهما كان الباعث الذي دفع إلى الحصول عليه، لذا حتى لو اشتططنا في الحكم على الإنتاج الاستعماري في مجموعه، فإنه لا مناص من الاعتراف بأن مجهود المعرفة الضخم الذي آثاره لأغراضه، قد أغنى كثيرا ميادين العلم بنتائج يمكن أن تفيد منها حتى الشعوب التي كانت مستعمرة بالأمس القريب"([14]). بيد أن تبقى مواقف البعض تتميز بنوع من التحفز والتصلب تجاه هذه الكتابات. وإذا كنا اعتبرنا سابقا أن تأسيس البعثة العلمية قد أحدثت نوعا من القطيعة مع الكتابة التاريخية التقليدية خلال القرن 19 فإنها بالفعل كانت متكاملة تبحث في المجتمع، الدين، الجغرافية، اللغة، اللباس، الأجناس... ومن هنا أضحت الكتابة التاريخية الاستعمارية تعتمد أدوات منهجية تجاوزت حدود التاريخ السياسي من خلال جهاز مفاهيمي لمقاربة البنى الاجتماعية والاقتصادية "بهدف تقديم رؤية شمولية للمجتمع المغربي"([15]).

ومن المفاهيم التي حاول من خلالها البحث الاستعماري إعادة تأسيس ماضي المغرب مفهوم القبيلة، المخزن، الزاوية "وهكذا تكون القبائل والمخزن والجمعيات الدينية هي العناصر المركزية في النظام السياسي التقليدي المغربي"([16]) حسب ميشو بلير.

وإذا كانت بالفعل هذه المفاهيم تعبر عن ثلاث مستويات متواجدة في الواقع، فإن الدراسات الأجنبية لم تتوصل إلى فهم عمق طبيعة كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة، وفهم حقيقة ديناميتها([17]). فقدمت المغرب على شكل خليط من القبائل كان يعيش في ظل فوضى شاملة ومستمرة على أثر تناحر القبائل فيما بينها من جهة وتصادمها مع السلطة المركزية من جهة ثانية، إلا أن الغريب من خلال استقراء الإنتاج الأجنبي، يستشف بأن هذه الوضعية ليست ظاهرة عارضة بل هي خاصية ميزت تاريخ المغرب في كل مسار تطوره. أما المخزن فقد تم تصويره كجهاز طفيلي فرض نفسه على القبائل بالقوة، وتكمن مهمته أساس في الاستنزاف المادي للرعايا، الذي يخصص جزء منها لتموين الجيش الذي يعتبر أداة لتحقيق الأطماع المخزنية، هكذا تطنب الأدبيات الأجنبية في نعت المخزن بحكومة متنقلة في حملات تأديبية ضد القبائل البربرية([18]). أما الزاوية فقد تمت دراستها حسب عياش "لتحديد المكانة التي يتعين تخصيصها لها والفائدة التي يمكن جنيها منها في اللعبة السياسية الاستعمارية"([19]). وإذا كانت هذه الأبحاث الأجنبية تعاني من هفوات وثغرات، فذلك راجع إلى أن أغلب هذه المواضيع تمت دراستها من وجهة سوسيولوجية، وأنثربولوجية مما جعل تلك الدراسات تسقط في تعميمات جعلتها تدرك أن تواجد هذه المستويات الثلاث من التنظيم هو ما ميز المجتمع المغربي. ومما لا جدال فيه أن هناك فروقات عدة بين المنهجين المذكورين، والمنهج التاريخي فالعروي مثلا يؤكد على أن مفهوم القبيلة لا يمكن تناوله تناولا صحيحا إلا إذا عولج في نطاق المعطيات التاريخية وإلا سيظل مفهوما فلسفيا مجردا([20]). هذا لا يعني المطالبة بالقطيعة بين التاريخ وبقية العلوم، وهو ما لم يعد ممكنا حتى التفكير فيه على ضوء تداخل الاختصاصات والتكامل بين المناهج، وإنما فقط تلميح إلى ما للمنهج التاريخي من خصوصيات.

وإذا تمكن المؤرخون الاستعماريون بالفعل من ضبط تاريخ المغرب بأكثر ما يمكن من الدقة التي تتطلبها الهيمنة الاستعمارية، باستعمالهم لأدوات منهجية جديدة لكننا نتساءل إلى أي حد تدفعنا هذه السمات التي ميزت البحث الاستعماري إلى القول أنه استطاع بالفعل تجاوز الكتابة التاريخية التقليدية؟ على أن عبد الله العروي يعتبر أن التأليف الأجنبي ورغم تجاوزه للتأليف التقليدي المغربي كان مرتبطا بظروف القر 19([21]). فإذا "ما اختزلنا التأليف الاستعماري في مستواه الإيديولوجي يكون القرن 19 بمثابة اللوحة التي تحتضن الجواب على السؤال المهم كيف كان المغرب قبيل الاستحواذ الفرنسي الإسباني"([22]). إذا فإن ما يسترعي الانتباه هو أن الكتاب الأجانب ركزوا اهتمامهم على تاريخ المغرب الحديث ومنه انطلقوا ليؤرخوا لفترات سابقة عن هذا الإنتاج مما أوقعهم في كثير من الاضطراب والخلط والإسقاط، أن هذا المنحى هو ما عبر عنه هنري تيراس HENRI TERRASSE صراحة عندما قال "أن كل من احتك بمصادر تاريخ المغرب لا يشك لحظة واحدة في مشروعية تفسير الماضي بواسطة الحاضر"([23]). هكذا نستشف أن طيراس وصف تاريخ المغرب بالركود، وبصفة عامة فالكتاب الأجانب طبقوا على تاريخ المغرب مفاهيم غربية نابعة من صميم الواقع الأوربي ناسين أو متناسين ما للمغرب من خصوصية ثقافية وسياسية ودينية "كما لو كانت هذه المفاهيم تتمتع بالصلاحية لتحليل أي واقع يمكن التفكير فيه أو تحليله"([24]). مما سبق أن نخلص إلى أن البحث التاريخي الاستعماري حاول انتقاء ما يخدم طروحاته الاستعمارية فتطورت المعرفة الغربية حول المغرب عبر عدة مراحل وعبرت كل فترة عن انشغالات السياسة الفرنسية، ولم تكن هذه المعرفة لتخرج عن أهداف الإقامة العامة للمغرب وعموما يمكن حصر هذه المراحل كما يلي:

تابع

هوامش الجزء الأول


[1]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب، الشركة المتحدة للناشرين المتحدين – الطبعة الأولى، 1986 – ص 14.

[2]- محمد هرورو: علم الاجتماع السياسي الاستعماري – مجلة أبحاث، عدد 9-10 شتاء 1986– ص5.

[3]- Abderhamne El Mouden : L’histoire entre la recherche et l’enseignement expedition scientifique et manipulation, in R.E.S.M, N° 149 – 50, p 43.

[4]- Abderhamane El Moden : Ibidem.

[5]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب، مرجع سابق – ص 29.

[6]- محمد هرورو: علم الاجتماع السياسي الاستعماري – مرجع سابق – ص 10.

[7]- جرمان عياش: التاريخ سلاح أساسي في الصراع الدولية: الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي – عدد 189 – 17 غشت 1987.

[8]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب، مرجع سابق – ص 45.

[9]- عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب – المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع – طبعة 1984 – ص 25.

[10]- محمد وقيدي: كتابة التاريخ الوطني – دار الأمان – الرباط - ط. الأولى – 1990 – ص39.

[11]- عبد الله العروي: مرجع سابق (مجمل تاريخ المغرب) – ص 25.

[12]- أحمد بوكاري: البحث التاريخي واقع وآفاق – مجلة دعوة الحق – عدد 266/غشت 1987، ص 60.

[13]- عبد الله العروي: مرجع سابق (مجمل تاريخ المغرب) – ص 11.

[14]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب، مرجع سابق – ص 11.

[15]- محمد هرورو: علم الاجتماع السياسي الاستعماري – مرجع سابق – ص 8.

[16]- نفس المرجع والصفحة.

[17]- محمد وقيدي: كتابة التاريخ الوطني – مرجع سابق – ص 42.

[18]- محمد هرورو: علم الاجتماع السياسي الاستعماري – مرجع سابق – ص 14.

[19]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب، مرجع سابق – ص 19.

[20]- عبد الله العروي: ثقافتنا في ضوء التاريخ – دار التنوير للطباعة والنشر – بيروت – ط 2 – 1984 – ص 42.

[21]- عبد الله العربوي: مجمل تاريخ المغرب – مرجع سابق – ص 12.

[22]- عبد الأحد السبتي: التاريخ الاجتماعي مسألة المنهج ملاحظات أولية – مجلة الجدل – عدد 5-6/1987 – ص 28.

[23]- H. TERRASSE : Histoire du Maroc, Ed Atlantide, Casablanca, 1950, p 27.

[24]- ممد وقيدي: كتابة التاريخ الوطني – مرجع سابق – ص 27.

الكتابة التاريخية خلال الحقبة الاستعمارية - تأريخ عبد الرحمن بن زيدان أنموذجا
Partager cet article
Repost0
9 novembre 2024 6 09 /11 /novembre /2024 12:04
تتمة//الكتــــــابــة التاريخية خــــلال الحقبة الاستعمارية-تأريخ عبد الرحمن بن زيدان أنموذجا-
تتمة//الكتــــــابــة التاريخية خــــلال الحقبة الاستعمارية
-تأريخ عبد الرحمن بن زيدان أنموذجا-

الدكتور عبد الله الغرمول

دراسة محكمة

ملخص:

إذا كانت الكتابة التاريخية تتقدم في حل إشكالياتها المنهجية أو المفاهيمية باحتكاكها بالحقول المعرفية الأخرى، فإن هذا التقدم هو الذي يحدد سمات المراحل الأساسية في البحث التاريخي، بحيث يمكن القول بأن الكتابة التاريخية تتطور بشكل متزايد نظرا لتراكم المواد التي يعتمدها البحث التاريخي، لكن المجال الذي يتعرض للعديد من التناقضات والجدل المستمر هو طريقة التعامل أو معالجة المواد الأولية. إن هذا الجدل هو منبع الاتجاهات والمدارس التي ميزت الكتابة على الصعيد الغربي، في هذا الإطار تندرج إشكالية الكتابة التاريخية المعاصرة بالمغرب انطلاقا من صيرورة معقدة تنبني أساسا على الاحتكاك مع الغرب كفضاءات نظرية صدمت الوعي العميق للفكر المغربي بعقلانيتها وبنيتها المفاهيمية ومناهجها، والتركيز على هذا الجانب له مبررات وظيفية/إجرائية ترتكز أساس على جعلها هدفا ومعيارا لتقييم واقع البحث التاريخي في المغرب بشكل إجمالي.

الكلمات المفتاحية: الكتابة التاريخية، الحقبة الاستعمارية، البحث التاريخي، التدخل الأنتروبولوجي

تتمة

أولا: مرحلة تسهيل عملية التدخل، يمكن حصرها بين 1875 و1912، فأغلب الكتابات استكشافية أي ذات طابع استخباري، اهتمت بالكشف عن مواطن الضعف في الجسم المغربي في إطار التهييء للتسلط الفعلي، وتدرج ضمن هذه الأعمال كتابات ميشو بلير ودوشي M. BELLAIRE – E. DOUTTE.

ثانيا: مرحلة تبرير الاحتلال تؤطر ما بين 1912-1934، تميزت بظهور أعمال ركزت أساسا على الدور التنويري الحضاري لفرنسا وإقناع الرأي العام الأوربي بأن تواجدها بالمغرب هو في الواقع من أجل "التهدئة".

أما في المرحلة الأخير فهي مرحلة الشهيد المغربي أي ما بعد 1936 خصوصا وأن الكتابات الاستعمارية لم تعد قادرة على الصمود أمام المستجدات التي عرفتها الساحة المغربي، حيث طرأت وقائع دحضت بالملموس مختلف الطروحات الأجنبية وعلى رأسها مقولة "ركود الشعب المغربي".

يبقى أن نشير باختصار إلى استمرارية الإنتاج الأجنبي حول المجتمع المغربي بعد الاستقلال حتى الآن، من خلال ما أنتجته المدرسة الأنجلوسكسونية أو كما يسميها محمد كجسوس بـ"المارد الجديـد"([1]). ومن أبـرز رواد هـذا الاتجـاه G. SPILLMANN – D. HART – E. GLLNER – R. JAMOUS – J. WATERBURY ، وقد أصبح هذا الاتجاه الآن يفوق بكثير سواء في حجمه أو في أهميته المعرفية مجموع الإنتاج الكولونيالي (الفرنسي-الإسباني)، وإذا كان هذا الإنتاج ليس مرتبطا بمشروع استعماري مباشر، ولكنه مرتبط بمشروع حضاري آخر هو ما يمكننا أن نسميه بمشروع التحديث عن طريق نشر العلاقات والأنماط الرأسمالية([2]). وإذا كانت هذه الأبحاث بحكم توجهها العيني تسعى إلى تجاوز النزعة التعميمية التي تتصف بها بمعظم الإنتاجات التقليدية الاستعمارية، فإنها لاتزال تشير كثيرا من "الجدل حول ماهيتها ومدى قدرتها على تنقية التاريخ المغربي من الطمس والتشويه الذي أغرقه فيها الفكر الاستعماري"([3]).

فالعروي، يؤكد على قصور التصور الأنتروبولوجي  بصفة عامة وعجز الانقسامية بصورة أخص على فهم وتفسير التاريخ المغربي لأن كليهما يختزلان عناصر الصيرورة التاريخية([4]). في حين اقتصر البعض على القول "إن نقد الأطروحة الانقسامية باسم النظرة التاريخية لا ينبغي في نظرنا أن يصب في موقف ينفي ما توفره الأنتروبولوجيا من أدوات من شأنها أن تثري الدراسات التاريخية والاجتماعية"([5]). نفس الموقف عبر عنه سالم يفوت حينما قال بأن نقد الانقسامية خارج كل ممارسة يبقى نقدا مذهبيا ميتافيزيقيا([6]).

مجمل القول، يجب الاعتراف بأنه على الرغم من الخلفية الإيديولوجية الاستعمارية فقد أتت الإستوغرافية الاستعمارية بجهاز تقني، ومفاهيمي مكن من جمع وترتيب أدوات العمل([7])، على أن ما جاء به الإنتاج التاريخي الأجنبي حول المغرب من إيجابيات منهجية يجب أن لا ينسينا محاولاته لطمس الهوية المغربية. وهكذا تختصر الكلام لنستنتج أن الإنتاج الاستعماري في معظمه يفقد الشرعية الأساسية لكونه كان إنتاجا خارج المؤسسة الجامعية في ارتباط مع الجيش والمصالح السياسية. وعموما ورغم المآخذ التي تميز الإنتاج الاستعماري، كما سبقت الإشارة، فإن الموضوعية وواجب الإنصاف يقتضيان الإشارة إلى بعض الدراسات التي حاولت تناول تاريخ المغرب بموضوعية ونزاهة علمية كـ: EUGENE AUBIN في كتابه: "Le Maroc d’aujourd’hui" وJ.L. MIEGE في مؤلفه: "Le Maroc et l’Europe" وأعمال P. GUILLEN رغم تضارب آراء الباحثين والمشتغلين في حقل التاريخ حول تقييم وزنها العلمي.

وبعد إبداء هذه المجموعة من الملاحظات حول الإنتاج الأجنبي، تتساءل عن شروط التعامل الوطني مع التأليف الأجنبي، أو بصيغة أخرى: كيف يتأتى للباحث المغربي توظيف هذا الرصيد المعرفي ضمن الإنتاج التاريخي الوطني؟ خصوصا وأن هذه الأبحاث لا يمكن تجاوزها بمجرد نقدها وربطها بإطارها الزمني والكشف عن سمتها الإيديولوجية، لأنها استطاعت أن تجمع عددا من المعلومات التي لا يمكن للباحث المغربي أن يتجاوزها بسهولة. هكذا أضحت "تفرض ذاتها بوصفها مصادر أساسية في تاريخ المغرب وفي تحليل المجتمع المغربي بصفة عامة"([8]). ورغم أننا نقر بعدم مطابقة النظريات التي بناها الباحثون الأجانب لواقع المجتمع المغربي ولحقيقة تطوره، وذلك بسبب الأفكار المسبقة التي توجه البحث، فإن المؤرخ المغربي المعاصر مطالب بأن لا يقتصر عمله على الكشف عن الخلفيات الإيديولوجية لكي يرفض هذا التراكم المعرفي رفضا مطلقا، وإن كان هذا الموقف ناتجا في أغلب الأحيان عن صعوبة التمييز بين المستوى الإيديولوجي والمستوى العلمي([9]). بل على العكس من ذلك فإن الموقف الصحيح من هذا الإنتاج هو إخضاعه لمحك النقد العلمي ومحاورته ندا للند، ومن ثمة نعمل على تطوير أدواتنا وإمكانياتنا باستمرار حتى نتجاوز مركب النقص إزاء هذا الإنتاج على حد تغبير كسوس([10]). وبالفعل فقد تصدى لهذا العمل مجموعة من الباحثين المعاصرين في محاولتهم لإعادة كتابة تاريخ المغرب، وإن كان كل واحد يتعامل مع هذا الإنتاج الاستعماري من منظوره الخاص، فالهدف واحد هو إزالة التصورات الاستعمارية عن تاريخ المغرب.

ثانيا: الكتابة التقليدية خلال الحقبة الإستعمارية

أما الكتابات الاستعمارية ظهرت بالمقابل كتابات تقليدية لم يستطع أصحابها التخلص من قيود وسمات المنهج التقليدي، الذي طبع الإنتاج طيلة القرون السابقة حيث "يأخذ هذا التأليف في مجموعه الواقعة بالمعنى الخاص يلجأ إلى شاهدة من نوع معين مكتوبة أو غير مكتوبة فيتعامل معها بعقلية نقدية محدودة، مستهدفا رواية تشبه في كثير من ملامحها الأسطورة التربوية، بقي التاريخ وضمنه المغربي وفي هذا الاتجاه رغم اختلاف انتماءات المؤرخين المذهبية والحزبية"([11]).

ندرج ضمن هذا الاتجاه مجموعة من المؤرخين محمد بوجندار "مقدمة الفتح من تاريخ رباط الفتح 1923"، عباس ابن إبراهيم "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الإعلام 1936"، محمد بن سعيد الصديقي "إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة 1930"، محمد داوود في مؤلفه "تاريخ تطوان 1957"...، والقاسم المشترك بين هذه الكتابات أنها ذات طابع محلي أو ما يطلق عليه بـ"المونوغرافية التقليدية". إلا أن جلها كتابات تقفز عن ما هو اقتصادي واجتماعي لتستفيض ذكر الفعل الحربي والسياسي، وبالتالي تغلب تاريخ الطبقة الحاكمة وغيب، إما عن قصد أو عن غير، دور العامة، إلا أن "التاريخ الذي لا يتجاوز بلاطات الملوك إلى مراتب العوام ومشاغلهم هو تاريخ مصاب يفقر الدم"([12]). أي تظل جوانب أخرى ذات أثر فعال في التطور التاريخي منسية أو مهمشة، لذا يكون الباحث مطالبا بالاحتراس في تعامله مع المصادر التقليدية وإخضاعها لنقد وتمحيص دقيقين للدلوف إلى الواقع المحجوب([13]) من جهة والتوجه إلى كتب غير متخصصة ككتب النوازل والمناقب والحسبة والكتب الأدبية لجمع شتات مادته التاريخية من جهة أخرى.

هذه الملاحظات لا تحمل جديدا بالنسبة لمن اعتاد مخالطة المصادر وفي نفس الآن لا تعني الشك أو التقليل من القيمة الإخبارية لمصادرنا التاريخية، ونؤكد مع عياش أنه "في نفس الوقت الذي نشعر فيه على القصور الذي اتسم به مؤرخو الحوليات المتقدمون فقد توصلنا بفضل مؤلفاتهم إلى رسم الخطوط العريضة لماضي المغرب"([14]).

فتركيز الكتابة الكلاسيكية على الحدث السياسي وإهمال الاجتماعي والاقتصادي حاول البعض أن يبرر هذا التوجه الذي اختطته الكتابة الكلاسيكية لنفسها، فاعتبروا أن مطالبة المؤرخين الكلاسيكيين بتدوين الأحداث الاقتصادية فيه نوع من الغلو والإسقاط على اعتبار أن مسألة الأساسي والثانوي في التاريخ في تغيير دائم، فما كان أساسيا في تلك الفترة أصبح ثانويا، كما أن ما هو أساسي اليوم قد يصبح ثانويا غدا. إن نفس الفكرة هي التي عبر عنها محمد أركون حينما طالب المؤرخين بأن يأخذوا بعين الاعتبار مفهوم الإبستيمي L’épistème الذي استعطه فوكو([15]) (الإبستيمي يعني منظمة أو بنية المعارف التي يتميز بها جيل من الأجيال أو عصر من العصور).

سوف نحاول تتبع بعض هذه الملاحظات التي تميز الكتابة الكلاسيكية المغربية بصفة عامة عند عبد الرحمن بن زيدان، وهذا لا يعني رصد كل ما جاء في مؤلفه "اتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس" لأن المجال لا يتسع لذلك، بل نتوخى الوقوف على بعض القضايا الحساسة وخصوصا المنهجية منها كتفسيره للتاريخ، التحقيب، وكيفية تعامله مع الحدث التاريخي. واختيار عبد الرحمن بن زيدان دون غيره على اعتبار أن هذا الأخير يمثل بجلاء نموذج المؤرخ الرسمي ويعد من المؤرخين المغاربة الذين كتبوا في حقل التاريخ خلال الحقبة الاستعمارية، وعموما يبقى الكتاب السابق الذكر أهم مؤلفاته التاريخية، هذا المؤلف الذي يتضمن خمسة أجزاء ظهرت بين 1929 و1933.

نستشف منهج ابن زيدان في مقدمة الجزء الأول من مؤلفه المذكور حيث يقول في تعريفه للتاريخ "للتاريخ لغة تعيين الوقت مطلقا وعرفا، علم يبحث فيه عما مضى من سالف الدهور وعن أحوال المتقدمين من الأمم وأسماء المشاهير منهم ومعرفة أزمنتهم وأمكنتهم وسيرهم وعوائدهم وما يتعلق بحياتهم ووفياتهم. وينقسم إلى أثري وبشري: فالأول ما قصته الكتب المنزلة والسنة النبوية والثاني ما دونه علماء الأمم من الوقائع والحوادث والحروب"([16]).

إن الطرح التقليدي لمفهوم التاريخ واضح في هذا التعريف الذي قدمه ابن زيدان، ومن هعنا فالكتابة التاريخية عنده لا تعدو أن تكون روائية إخبارية، وبالتالي فالتاريخ بالنسبة له هو تاريخ شخصيات دينية وسياسية، تاريخ ملوك وأمراء وحروب. ولمقاربة منهج وأفكار ابن زيدان، لابد من استحضار مسألة أساسية وهي كونه ينحدر من السلاطين العلويين ومؤرخا للدولة العلوية، لهذا نجده "ينوه ويشيد بما أنجزته الدولة وبما حققته في العصور السابقة. في هذا الصدد يخصص بابا كاملا في كتابه" إتحاف أعلا الناس... "لأفكاره وآرائه السياسية، علاوة عما نستقي حول نفس الموضوع في صفحات أخرى"([17]).

وفي الوقت الذي تطورت فيه أدوات البحث التاريخي لدى المؤرخين الاستعماريين المهتمين بقضايا التاريخ المغربي، يستمر ابن زيدان في كتابة التاريخ التقليدي لدى المؤلف عندما يتحدث عن تمردات القبائل وأهل الحرف في بعض الحواضر ضد السلطة المركزية أو ممثليها في الأقاليم، وعوض التساؤل عن أسباب نشوب هذه الانتفاضات ومحاولة وضعها في إطارها السياسي والاجتماعي، يكتفي ابن زيدان بنعت "المتمردين والعصاة بأقبح النعوت ويقول بأنه من الواجب محاربتهم والقضاء عليهم كما لو تعلق الأمر بكفار يضمرون الشر إلى الدولة والجماعات الإسلامية"([18]).

هكذا يتضح أن ابن زيدان لا يحاول الكشف عن الأسباب الباطنة للحدث التاريخي بقدر ما يشرع في إعطاء أحكام مسبقة، فهل هذا راجع إلى عدم تسلحه بأدوات منهجية تسمح له بالتدقيق والتمحيص لإماطة اللثام عن الحقيقة أم لاعتبارات أخرى؟ هذه الاعتبارات هي التي لاحظها ليفي بروفنسال في دراسته التركيبية "مؤرخو الشرفاء" رغم أنه لم يتناول ابن زيدان بالدراسة عندما قال: "بأن أصحاب المدونات التاريخية يقتصرون على الاهتمام بالسلطة الملكية وما يحيط بها فحسب وأنهم يهملون عن قصد تاريخ البلاد الداخلي الشعبي الذي يدور خول زوايا المرابطين والطرق الدينية، وقد يكون ذلك اعتبار للرعاية والإكرام الواجبين لذوي الحكم ومراعاة للصراع الخفي والصريح بين السلطة المركزية وبين الرؤساء الدينيين ذوي النفوذ الواسع لدى عامة الناس"([19]).

إن عبد الرحمن بن زيدان، ليمثل بالفعل المؤرخ الرسمي الذي تقوده وظيفته إلى تفسير الحدث التاريخي بما يبعد هذا التفسير عن الموضوعية، ومن ثمة فنظرته للتاريخ تتحدد من خلال وظيفته كمؤرخ رسمي يسير في وصفه للأحداث في في اتجاه رغبات الدولة القائمة، وهكذا نشعر أنه لا يكتسب التاريخ كما هو بل كما يريده – أو على الأقل، يرضى عنه – حكام العصر([20]).

وعلى عكس التحقيب الثلاثي الأوربي، يقسم ابن زيدان التاريخ – إلى حقبتين، فالتاريخ بالنسبة إليه "ينقسم إلى قديم وحديث فالقديم ما كان قبل الإسلام والحديث ما كان بعده"([21]). وبهذا تتضح الرؤية الكلاسيكية التي وجهت التاريخ التقليدي العربي بشكل عام، والتي مفادها أن ظهور الإسلام يشكل بداية التاريخ، وبالتالي فلا حقيقة خارج الحقبة الإسلامية الوارد في الكتاب وفي السنة حيث مثل "الرسول تقاطع الزمنية التاريخية في الوعي الإسلامي، فهو اللحظة التاريخية التي حققت للزمن اكتماله وللتاريخ عدفه وغاياته، إنها لحظة تفصل بين زمانين وتوحد في نفس الوقت تاريخا بأكمله"([22]).

وإذا كان كتاب ابن زيدان "إتحاف أعلام الناس..." تشوبه مزالق معرفية ومنهجية نظرا لما أوضحناه، فإن هذا لا ينفي بعض التجديدات التي حملها وندملها كما يلي:

  • الأولى إثبات نصوص الوثائق التاريخية من ظهائر وما إليها، ولهذا عمل على حفظ الشيء الكثير من الظهائر والرسائل والرسوم العدلية والنقوش الأثرية من الضياع([23])، حتى إن عياش يقر بأن ابن زيدان "عالم متبحر في الثقافة المغربية، وذي حس مرهف في ذات الوقت بقيمة الوثائق المكتوبة، تلك الوثائق التي كانت مؤلفاته مشحونة بها"([24]).
  • الثانية أنه يوضح الكثير من الصور الفوتوغرافية للوثائق المهمة وبعض الإعلام والآثار الواردة بالكتاب.
  • والثالثة تتمثل في الاستعانة بالترجمة من المصادر الأجنبية([25]).

لا شك أن نشر هذه الوثائق والنصوص لا يخلو من أهمية في إطار التوعية الوطنية إلا أن نقله لهذه الوثائق والنصوص لا يخلوا من أهمية في إطار التوعية الوطنية إلا أن نقله لهذه الوثائق لم يأت في إطار تحليلي، إذ لم يعلن عليها ولم ينتقدها انتقادا شديدا.

إن الحديث عن ابن زيدان هو حديث، قبل كل شيء، عن تجربة في الكتابة التاريخية، تجربة جيل كامل جيل الصدمة، صدمة دخول الجحافل الأولى للاستعمار. إلا أن شخصية ابن زيدان كمؤرخ لم تحظ بالدراسة بالشكل الكافي، وذلك في غياب دراسات نقدية تتناول مؤلفه بالدراسة الدقيقة، أي محاولة تتبع المضامين التي ركز عليها، منهجه في تفسير التاريخ، المغيب في كتاباته... وإن وحدت بعض المحاولات فهي تقتصر على مقالات متناثرة في بعض المجالات فضلا عن أنها تتعامل مع ابن زيدان بنوع من الاحتشام نظرا لانحداره من الشرفاء العلويين مع جهة وتأريخه لفترة حاسمة في تاريخ الدولة المغربية، فترة تميزت بخلل عام أصاب الآليات الفكرية والبنيات المجتمعية في المغرب كله بجميع فئاته وشرائحه من جهة أخرى، من هنا تتضح أهمية الوقوف على كتابة ابن زيدان وملاحظة مدى تعامله مع الحدث التاريخي. ,على جانب هذا الصنف من الكتابة التاريخية، ظهر نوع آخر مثله مجموعة من رجالات الحركة الوطنية (علال الفاسي، عبد الله إبراهيم، ...) هؤلاء المؤرخون حطوا هاجس إزالة التصورات الاستعمارية عن ماضي المغرب، وحاولوا من منطلقات مختلفة الرد على الطروحات الاستعمارية وإثبات الهوية المغربية، ففي الواقع كانت كتاباتهم توازي طروحات الحركة الوطنية. وعموما يبقى هذا الاتجاه ضمن الكتابة التاريخية تقليديا من حيث كونه اعتمد السرد التاريخي أو من حيث المضامين التاريخية التي ركز عليها.

خلاصة القول نستنتج مع عبدا الله العروي "أن التاريخ التقليدي بناء عتيق تهاوت منه جوانب كثيرة، بعضها بسبب تناقضات ذاتية وبعضها الآخر من جراء نقد خارجي. فوجب كنس الأنقاض قبل الشروع في تشييد بناء يخلفه"([26]). فضرورة تشييد هذا البناء الجديد أثارت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية المغربية مع بداية الستينات وإن كانت رؤى الباحثين المعاصرين تختلف في طريقة التعامل مع الاستغرافية التقليدية.

هوامش الجزء الثاني

 


[1]- محمد جسوس: وضعية البحث السوسيولوجي بالمغرب – الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي – عدد 183 – 22 يونيو 1987.

[2]- محمد جسوس: نفس المرجع.

[3]- محمد الكلاوي: تقديم عن كتاب العرض والبركة لريمون جاموس – المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي – السنة الأولى – عدد 2 – مارس 1987 – ص 56.

[4]- A. Laroui – Les origines sociales… Op. cit., pp 174-176.

[5]- عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق: الأنتروبولوجيا والتاريخ – دار توبقال للنشر – ط 1 – سنة 1988 – ص 7.

[6]- سالم يفوت: خطاب المنهج بين الدوغمائية والإجرائية – مجلة الوحدة – عدد 45 – يونيو 1988 – ص 191.

[7]- A. EL MOUDEN : Op. cit., p 44.

[8]- محمد وقيدي: كتابات التاريخ الوطني – مرجع سابق – ص 38.

[9]- نفس المرجع، ص 84.

[10]- محمد كسوس: وضعية البحث السوسيولوجي بالمغرب – مرجع سابق،

[11]- عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب – مرجع سابق - ص 11.

[12]- عزيز العظمة: الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية – دار الطليعة – بيروت – ط 1 – 1983 – ص 7.

[13]- عبد الرحمن المودن: مقاربة لبعض قضايا التاريخ القروي بمغرب القرن 19 – مجلة الجدل – ع 5-6/1987 – ص 19.

[14]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب – مرجع سابق – ص 62.

[15]- محمد أركون: حوار حول الفكر الخلدوني - منشورات الاتحاد الاشتراكي – 1986 – ص7.

[16]- عبد الرحمن بن زيدان: إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس – الجزء الأول – المطبعة الوطنية – ص 7-3.

[17]- مصطفى الشابي: عبد الرحمن بن زيدان مؤرخا سياسيا – مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط – العدد 10 – 1984 – ص 140-141.

[18]- مصطفى الشابي: نفس المرجع – ص 146.

[19]- ليفي بروفنسال: مؤرخو الشرفاء – ترجمة عبد القادر الخلادي – دار المغرب للطباعة والترجمة والنشر – 1977 – ص 53.

[20]- محمد عابد الجابري: الفلسفة والتاريخ – مجلة أقلام – السلسلة الجديدة – ع 3 – دجنبر 1976 – 32.

[21]- عبد الرحمن بن زيدان: إتحاف أعلام الناس... -  مرجع سابق – ص 7.

[22]- سليم رضوان: زمان التاريخ العربي – مجلة الجدل – ع 1 – 1985 – ص 6.

[23]- محمد المنوني: مؤرخ مكناس ابن زيدان – مجلة دعوة الحق – ع 1 – السنة العاشرة نوفمبر 1966 – ص 95.

[24]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب – مرجع سابق – ص 124.

[25]- محمد المنوني: مؤرخ مكناس ابن زيدان – مرجع سابق – ص 95.

[26]- عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب – مرجع سابق – ص 23.

تتمة//الكتــــــابــة التاريخية خــــلال الحقبة الاستعمارية-تأريخ عبد الرحمن بن زيدان أنموذجا-
Partager cet article
Repost0
8 novembre 2024 5 08 /11 /novembre /2024 13:27
في مهارات التفكير النقدي في الممارسة الصفية

في مهارات التفكير النقدي في الممارسة الصفية

د.طريق زينون 1

دة.غزلان شهبون 2

دراسة محكمة

الملخص:

يعد بناء مهارات التفكير النقدي عند المتعلم غاية سامية ونبيلة تسعى المدرسة المغربية إلى تحقيقها، خصوصا في زمن يعرف تدفقا معرفيا هائلا، وسيولة أخلاقية جارفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يتطلب إعداد متعلم ممتلك لمهارات التفكير النقدي، تؤهله إلى مواكبة التحديات والتطورات في حياته برؤية راشدة وسديدة، يترابط فيها العقل بالشعور والعمل. وهو ما يدعو المشتغل في الحقل التربوي إلى إيلاء موضوع الفكر الناقد أهمية قصوى، بوصفه الوسيلة الفعالة التي يمكن أن توظف في حل المشكلات.

في هذا السياق تأتي هذه الورقة العلمية لتقارب مفهوم التفكير النقدي ولتبين أهم المهارات المرتبطة به وخطواته ومكوناته، والمعايير التي يتأسس عليها. وستقف عند أهم الإستراتيجيات التي يمكنها أن تسهم أثناء الممارسة التربوية الصفية في بناء مهارات التفكير النقدي.

مفاتيح البحث: التفكير النقدي، المهارات، القيم، المعرفة، العمل، العقل.

أولا: في الحاجة إلى التفكير النقدي:

عرف التفكير البشري تطورا على مر العصور، فالعلم يظل معرفة تراكمية متجددة ونسبية، تأخذ سمات معينة كلما ظهرت اكتشافات جديدة، وتطورت أساليب التفكير لدى الإنسان ونزوعه نحو نقد وتمحيص ما لديه من المعارف والعلوم.  ويعد التفكير النقدي نمطا من أنماط التفكير الإنساني السديد، ومستوى يعكس بلوغ الإنسان حال الرشد والتطور والتحضر، والقدرة على توظيف المعرفة المنطقية النسقية؛ سواء تعلق الأمر بالقضايا من حيث صدقها أو كذبها، أو من حيث القدرة على استخدام الاستدلال المنطقي المفضي إلى اتخاذ القرار المناسب والتوصل إلى قناعة راسخة. وهذا التفكير يتيح للإنسان تنظيم حياته الداخلية والعالم الخارجي المحيط به أيضا، فينتقي ويستخلص من ذلك المركب والمعقد ما يفيده في حياته الشخصية، فالتفكير العلمي والنقدي هو مصدر الضوء الذي نهتدي به من أجل تبديد مساحة الظلمات التي يمكنها أن تحيط بالإنسان.

ويحاول المفكر الألمعي إدغار مورن باستمرار أن ينبه الإنسانية إلى الأزمات التي تحيط بها وتطوقها من كل جانب. وهي في الحقيقة أزمات تعاطى معها العقل البشري بشكل سيء ومرعب؛ لأن نظامنا المعرفي في جوهره قام على برمجة سيئة للذهن البشري؛ جعله ذهنا لا يستطيع أن يضع المعلومة في سياقها الحقيقي، ويستخدمها الاستخدام الأمثل، وضمن مجموع يضفي عليها معنى. فهو ذهن غالبا ما ينحو إلى التجزيء والفصل والاختزال، وعدم ربط المعارف والمعلومات بعضها ببعض. وهو ما يؤثر في حل المشكلات والقضايا التي يطرحها الواقع المعيش، فيجعل حلها أمرا غير ممكن، إن لم نقل مستحيلا. وفي هذا الإطار يدعو "إدغار موران" إلى ضرورة إصلاح الفكر إصلاحا عميقا؛ وذلك باستحضار نموذج معرفي تفكري قائم على التمييز والوصل بين الأفكار بدل فصلها واختزالها وتجزيئها.

إن ذلك يستدعي في نظره الفحص الذاتي للمعرفة، وإعمال التفكير النقدي والمنهجي. يقول في هذا الصدد: "ثمة تقليد فكري متجذر بعمق في ثقافتنا يكون العقول منذ مرحلة التعليم الابتدائي ويعلمنا أن نعرف العالم عبر أفكار واضحة ومتميزة؛ إنه يجبرنا على تحويل المركب إلى بسيط أي فصل ما هو متصل وتوحيد ما هو متعدد وعلى أن نطرح من أذهاننا كل ما هو حمال للفوضى والتناقض. إلا أن مشكلة عصرنا الأساسية تكمن في الحاجة إلى فكر قادر على مواجهة تحدي الواقع المركب، أي استيعاب الصلات والتفاعلات والآثار المتبادلة والظواهر المتعددة الأبعاد والوقائع التضامنية والتنازعية في الوقت نفسه، باعتبارها نظاما يتغذى من التناقضات والصراعات التي يعمل في الوقت نفسه على ضبطها"،(إدغار موران، السبيل لأجل مستقبل البشرية، ص 206) . فالظاهر من هذا الكلام أن المعرفة البشرية هي في حاجة ماسة إلى رؤية جديدة للعالم. فسمة التفكير في حقيقتها تنهض على تصور ورؤية، فما أحوج الأنظمة التربوية والمعرفية إلى إعطاء التفكير النقدي درجة رفيعة؛ خصوصا في زمن يعرف تحديات كبرى ومركبة، تواجه العقل البشري في منظومته المعرفية والقيمية والسلوكية. ولهذا؛ من اللازم أن تنحو المعرفة الإنسانية نحو التفاعل والترابط والوصل، والأخذ في الحسبان أبعادها المتعددة المتعاضدة، مع الوعي بمجموعة من القضايا؛ فعلى هذا الأساس لا بد أن نجد أي نظام كيف ما كان يتضمن وجها من الاختلال، وأن العلم ينير ويعمي في الوقت نفسه، وأن الحضارة تتضمن البربرية أيضا، كما أن العقل في حاجة إلى أخلاق وقيم، وأن الواحد يتضمن كثرته، (المرجع السابق، ص 208).

لقد بات من الضروري والواجب إذن؛ الوصل بين العلم والأخلاق لترشيد السلوك وتسديد العمل. ويتطلب هذا في الحقيقة إصلاح المعرفة والفكر اللذين يتأسسان بالضرورة على عملية إصلاح نظام التربية والتعليم الذي لا يمكن أن يبقى مقتصرا على ما هو تقني أداتي، ورهينا بالمصطلحات الكمية والتصور المادي المحض. ولهذا يؤكد إدغار موران أنه؛ "لا يمكننا إصلاح المؤسسة من دون أن نصلح العقول أولا ولكن لا يمكننا إصلاح العقول إذا لم نكن قد أصلحنا المؤسسات من قبل"، (المرجع السابق، ص 212).  ولن يتحقق هذا الإصلاح في نظرنا إلا بالجمع والوصل بين الأبعاد التقنية والمعرفية والأخلاقية والإنسانية. ولهذا؛ يجب على الإنسان أن يتعلم من جديد، وينظر في واقعه نظرة تفكرية نقدية، تخرجه من الذكاء الأعمى الذي يحل في كل مكان. فالإصلاح التربوي يبدأ بمساعدة المتعلم على تعلم كيفية الحياة الذي يتوقف على تفاعل المعارف العلمية والإنسانية والمهنية التخصصية. فالتفكير الموضوعي النقدي رهين بإمكانية الجمع بين المعارف المختلفة التخصصات؛ لأن التعليم الذي ينهض على الفصل بين التخصصات لن يوفر السبل الكفيلة بمعالجة المشكلات الكبرى.

ومن هناك يُفترض أن يحل نمط تعليمي جديد نافع يختلف عن النمط السائد. وهذا النمط الجديد لا شك سيعزز مكانة العقل، والقدرة على التفكير في حل المشاكل الفردية والجماعية المركبة والمعقدة، وسيسهم في تفكيك تناقضات الواقع والتباساته أيضا. أضف إلى ذلك قدرته على أن يجعل الإنسان قادرا على توظيف المعارف والمعلومات في سياقها الطبيعي الصحيح، وسيمكن من تعليم مختلف أشكال المعقولية؛ النظرية والنقدية والنقد الذاتي؛ بحيث سيساعد الإنسان على التخلص من سجن العقل التقني الأداتي، والانفتاح على مختلف المعارف، ومن ثم سينتقل معها النظام التربوي من مستوى تقديم المعارف إلى مستوى معرفة المعرفة والتفكير فيها، ومعرفة الإنسان، والأخلاق، (إدغار موران، السبيل لأجل مستقبل البشرية، ص212-216).

لكن ذلك النمط التعليمي يظل رهينا بالوعي بمختلف العوائق التي تقف في وجه التربية الفكرية والنقدية، والسعي نحو التغلب عليها، وإعمال مهارات التفكير النقدي. و"التنبيه إلى أن التربية الفكرية في مراميها الكلية لا تتحقق بتعلم المناهج الجاهزة فقط أو الأفكار المبتكرة، ولا المهارات التقنية فحسب، وإنما بإيقاظ الوعي بالقوى المعرفية الذاتية كذلك، وتشغيل هذه القوى والتزيد منها في مجرى العلم والحياة. فالباحث أو المتعلم الذي نروم بناء التربية الفكرية لديه هو غاية هذا البناء ووسيلته في الآن نفسه"، (عبد الرزاق بلعقروز، الاتصاف بالتفلسف، ص 27). نفهم من هذا أن التربية الفكرية تتطلب تنشئة الأجيال على مهارات التفكير الموضوعي والنقدي، وعلى التحكم في الأدوات المنهجية التي تساعد على النظر إلى الأشياء نظرة علمية موضوعية ومركبة، تكون قادرة على تفكيك كل مظاهر عمى التفكير المحيط بالإنسان. وهذا التفكير الموضوعي والنقدي ليس تفكيرا متعاليا، وإنما هو تفكير مرتبط بحركة الإنسان في الواقع. ومن هذا المنطلق؛ فإن "الفكر الذي لا يقوي وعي الذات، ولا يغير الأنماط السلوكية السائدة، هو فكر مقطوع عن المصلحة الإنسانية. والتربية الفكرية كي تتحقق بهذه الإجرائية التكاملية بين مطالب النظر ومطالب العمل"، (المرجع السابق، ص 39). فمن أهم مرتكزات التفكير النقدي اتساق أو انسجام أقوال المرء مع معتقداته، ومراعاة إمكاناته وطاقته على الحركة والفعل.

ولذلك؛ يجب أن تركز المعرفة الموضوعية على اكتشاف مختلف الجوانب المرتبطة بواقع الإنسان، جوانب النور وجوانب الظلام فيه. "على هذا الأساس، يجب على التعليم أن يساعد الفكر في استخدام قدراته الطبيعية لوضع الأشياء في سياقاتها وتركيباتها ومجاميعها. ويجب على التعليم أن يعارض الميل إلى أن يكون مكتفيا بزاوية نظر جزئية وبحقيقة أحادية الجانب. كما ينبغي على التعليم أن يعزز في الآن نفسه المعرفة التحليلية والمعرفة التركيبية التي تربط الأجزاء بالكل والكل بالأجزاء. ويتعين على التعليم أيضا تدريس المناهج التي تمكن من فهم العلاقات المتبادلة والتأثيرات المشتركة لكل التفاعلات وردود الفعل"، (السبيل لأجل مستقبل البشرية، ص220).

تجب الإشارة إلى أن تربية الفكر وتنمية مهارات التفكير الموضوعي والنقدي من الأعمال الشاقة، وليست من الأمور الهينة كما يُعتقد.

إن التفكير الموضوعي يبدأ من الإحساس بوجود مشكلات في حياة الفرد تؤرقه وتشغل باله، وهو ما يفرض تفكيك ماهيتها وتعرف أجزائها التفصيلية. ويبقى كل هذا رهينا بطريقة التفكر والتعلم التي تكونت لدى الفرد، من معارف ومفاهيم يحملها عبر سيرورة ثقافية وتربوية وتكوينية من جراء تفاعل عقله مع الموضوعات والمشكلات التي واجهها، وهو ما يحتاج إلى التدريب على آليات التفكير ومسالكه المنهجية؛ من استقراء واستنباط وتحليل وتركيب ونظر وتفكر عميقين، والدخول في حوار ونقاش وقدح ملكات العقل. ويسهم هذا كله حقيقة في التربية الفكرية التي لا تنقدح ولا تغرس إلا بالحوار والتبادل المعرفي وتحاور الاتجاهات والمواقف. فيترتب عن ذلك نوع من التجارة الفكرية التي تعاند التنميط الفكري والثقافي، وتخاصم الرؤية المعرفية المخصوصة الضيقة التي يمكن أن تتحول إلى إكراه تربوي وثقافي.

من كل هذا وذاك يمكن القول؛ إن مهارات التفكير الموضوعي والنقدي تُبنى وتتكون في جو "التوتر الثقافي والاختلافات الفكرية والمذهبية فهي التي تغذي هذه التجارة الفكرية، وتشحذ بموجبها الأذهان، وتتيقظ الأفهام"، (عبد الرزاق بلعقروز، ص49). ولعل هذا يساعد في تكوين بيئة سليمة تشجع على استخدام الإنسان مهاراته الفكرية والعقلية استخداما إيجابيا لكي يحقق الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها، وقد ينتقل معها الإنسان من اكتساب مهارات التفكير البسيطة إلى التمكن من المهارات العالية، كمهارة التفكير النقدي والفلسفي المركب. ولا شك أن التفكير النقدي لا يمكن أن يجد متنفسه المعرفي إلا في إطار ممارسة تربوية حديثة منفتحة، تنهض على الجمع بين العقل والممارسة الأخلاقية الراشدة أثناء الفعل التربوي. إن المسؤولية التربوية تجاه تنمية الفكر النقدي تفرض أن تكون ممارستنا الصفية مبنية على كفايات ومهارات عالية، نسعى من خلالها إلى تطوير القدرة الفكرية والعقلية للمتعلم، باستلهام أفضل الطرق والأساليب التربوية الحديثة والفعالة.

ثانيا: في مفهوم التفكير النقدي

إن كلمة التفكير مأخوذة من الفكر الذي يعد "حركة النفس نحو المبادئ والرجوع عنها إلى المطالب"، (أبو البقاء الكفوي، الكليات، ص 592). ويبقى التفكير نشاطا عقليا، يستثمر جملة من الأدوات والآليات لاكتشاف أمور يجهلها الإنسان. إن التفكير حركة عقلية تسير وفق منهج، وتنطلق غالبا من مقدمات، ومما هو معلوم لتصل في الأخير إلى نتائج فكرية ومعرفية. أما النقد فهو "عملية تساعد على تنمية التفكير وتحريكه والتخلص من عقدة الخوف والوجل والتردد من قول الحقيقة، وتوليد أفكار ورؤى جديدة، ولذلك فهو عملية ضرورية للتخلص من الطاعة العمياء والخضوع والانقياد للقدر الأعمى، وعدم طرح الأفكار من دون تأمل، كما يرتبط سؤال النقد بالحرية، لأن نقد الفكر من الداخل غالبا ما يكون محكوما بقيم وقواعد وأعراف وشروط إنتاج المعرفة في المجتمع"، (إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، ص26).

 وترجع دلالة التفكير النقدي إلى الحكم المميز القائم على معايير علمية دقيقة وموضوعية. وقد نشأ التفكير النقدي منذ نشأة الفكر الفلسفي وترعرع في حضنه وبين دروبه، ورافقه في مساره التاريخي والمعرفي. فقد دعا كل من سقراط وأفلاطون إلى ضرورة طرح الأسئلة وإعمال العقل قبل تقبل الأفكار والمفاهيم وتصديقها والتسليم بها؛ لأن التفكير الصحيح والصادق هو الذي يستند إلى الحجج والأدلة المقنعة. أما في العصر الحديث، فيرى "فرانسيس بيكون" من خلال كتابه "النهوض بالتعلم" أنه لا يمكن ترك العقل إلى ميولاته الطبيعية والفطرية الساذجة، وإنما يجب دراسة العالم تجريبيا وفق خطوات علمية دقيقة متسقة. ويعد ديكارت من الفلاسفة المهتمين بالتفكير الناقد، عندما وضع كتابه قواعد لتوجيه العقل، بين فيه قيمة التفكير الذي يجب أن يتجه نحو الوضوح والتميز، ويعتمد على الشك المنهجي، (ينظر عصام جميل، التفكير الناقد، ص22).

يؤهل التفكير الناقد صاحبه إذن؛ إلى أن يصبح مفكرا مثاليا، له القدرة على الحوار والمناقشة وفق أسس علمية ومنطقية واضحة، تجعله إنسانا منفتحا ومرنا ومنصفا، ويمتلك الرغبة في الفهم والاطلاع والحوار، وتقبل وجهات النظر المختلفة، (المرجع السابق، ص23). ومن ثمة؛ "تبرز أهمية التفكير النقدي كسمة عقلية ضرورية للإنسان، فالتربية النقدية تهدف إلى تكوين العقل بما يمكنه من إصدار الحكم على الأفكار والتصورات والأحكام الأخرى لمعرفة مدى انسجامها واتساقها عقليا قبل اعتمادها، فالعقلية النقدية لا تقبل الأمور والحوادث كما تروى لها، ولا تسرع في تصديقها، بل تعرضها على ميزان العقل ومحك التجربة لتتحقق من مدى صحتها أو خطئها"، (خالد حسن الشريف، مهارات التفكير العليا، ص110). ويظهر أن التفكير النقدي يستند إلى توجهات فلسفية وفكرية، تتجلى في النزعة الشكية والعقلانية واستقلالية الفكر والحكم المنطقي الجيد، ويولي أهمية للعواطف في التفكير النقدي، كما ينهض على مجموعة من المهارات والقدرات والعادات العقلية والاستعدادات، (عصام جميل، التفكير الناقد، ص23-24).

وبالعودة إلى أهم تعاريف الفكر النقدي، نجده تبلور عند جون ديوي، كما أشار إلى ذلك عصام جميل من خلال حديثه عن مفهوم الخبرة التأملية الذي يجب أن يتوافر لدى المعلم والطالب. فالتفكير يكافئ الذكاء في خبرتنا، ويسير وفق أهداف مرسومة، وفي هذا الصدد يتألف التفكير الناقد من مكونات ثلاثة، هي التفكير التأملي والخبرة والذكاء. وينطوي المفهوم الأول على القدرة على ترتيب الأفكار للوصول إلى نتائج سليمة وصحيحة، ( المرجع السابق، ص39). إن التفكير التأملي يرتبط بالذات التي من المفروض أن تعرف الأسباب التي تحملها على اعتقاد معين، وأن تتخير ما تعتقده صحيحا في سياق من الحرية الفكرية. ولا شك أن جون ديوي ربط صحة الأفكار وسلامتها بالأثر العملي والتطبيقي، ولن يتأتى هذا إلا بإعمال العقل والشك والبحث المستمر عن الحقيقة، (المرجع السابق، ص41).

وينبني التفكير التأملي لدى جون ديوي على خطوات يلخصها في: الشعور بالمشكلة، ثم تحديدها وتعريفها، ثم نصل إلى مرحلة اقتراح الحلول، إلى أن نصل إلى مرحلة التطوير من خلال الاستدلال العقلي، ثم التجريب الذي يمكن أن يقبل الاقتراح أو يرفضه، لنصل في النهاية إلى النتيجة التي يمكن اعتمادها والأخذ بها، (عصام جميل، التفكير الناقد، ص 42). ويتحقق التفكير الناقد من خلال عنصر الخبرة الذي يشكل أساس تصورات جون ديوي الفكرية، فبالخبرة نحدث شيئا ونؤثر فيه ثم يؤثر فينا، فنتحصل على نتائج فعلنا أو نعانيها، وبما أن الخبرة هي محاولة وتجربة فهي تغير وتحول. ويرادف مفهوم الخبرة المعنى والفهم، فتكون وسيلة فعالة للتربية والتعلم، ولا شك مع المحاولة والتجربة نكتسب الخبرة وتكوين بصيرة معينة تساعدنا في تنظيم العمل، إن الخبرة في النهاية هي العمل، والتفاعل بين الفكر والواقع، (المرجع السابق، ص 44-45).

ويقترن الذكاء عند "جون ديوي" بالمعرفة العلمية، وهو المسؤول عن رسم الخطط وتنظيمها وتنفيذها، كما يسهم في الوصول إلى النتائج المثمرة، والإنسان الذكي هو الذي يستخدم عقله في النظر في الأشياء والتفاعل معها، فهو ليس أداة أو قوة خارجية، وإنما طريقة لتعديل القدرات والمهارات والظروف في مواقف وسياقات معينة، وبفضل الذكاء يحل اليقين محل الاحتمال، وتتطور المعارف وتنمو. ولولا الذكاء لما وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه اليوم،(عصام جميل، التفكير الناقد، ص 47). ومن خلال رصد مكونات الخبرة التأملية يمكن القول إن التفكير الناقد أو النقدي عند جون ديوي هو تفكير يرصد العلاقة بين الفكر والعمل، ويهدينا إلى اكتشاف الطرق التي تؤدي بنا إلى الوصول إلى نتائج تؤثر في سلوكنا وعملنا، وهو لا ينفك عن مشكلات الحياة. إنه بحث مستمر في اقتراح حلول لها، تسعف في تطور عواطفنا وعلاقاتنا الاجتماعية. وعليه؛ يصبح التفكير النقدي شكلا من أشكال الممارسة الاجتماعية.

ويرى "هارفي سيجل" أن التفكير النقدي "هو التفكير الذي تحفزه أسباب منطقية على نحو مناسب، فهو التفكير الذي يعتمد على القوة المعرفية للأسباب والذي يسعى إلى الاعتقاد والعمل وفقا لهذه الأسباب"، (نقلا عن المرجع السابق، ص55). ويكون هذا النوع من التفكير صائبا عندما تراعى السياقات والاعتبارات الثقافية والاجتماعية المحيطة بعملية التفكير، وعندما يكون تفكيرا عقلانيا، في حين يذهب "ماثيو ليبمان" إلى أن التفكير النقدي هو الذي يتأسس على معايير وضوابط، بحيث يعد المعيار مبدأ أو أصلا لإصدار حكم على الشيء، والاعتماد على معايير وقواعد يجعل المرء يثق في تفكيره الذي يجب أن يكون مميزا وواضحا؛ لأنه بلا شك يوصله إلى الأهداف التي يرغب في تحقيقها، ومن خلال تلك المعايير يمكن قياس المهارات والقدرات التي يتمتع بها الفرد، (ينظر المرجع السابق، ص 56-57).

 ولن تكون هذه المعايير إلا الصحة والدقة والاتساق والانسجام والاستمرارية في ظاهر الخطاب. وما يميز التفكير الناقد من وجهة نظر "ليبمان" التصحيح الذاتي، بمعنى أن "التفكير الناقد ليس مجرد تفكير تحكمه القواعد والمعايير، ولكنه أيضا تفكير لا يقبل أن يكون خاطئا في إجراءاته، إنه تفكير يهتم بالتصحيح الذاتي، ومن ثم فإنه تفكير يتضمن تنمية وتطوير إجراءاته"، (عصام جميل، التفكير الناقد، ص 58). فللمعايير والضوابط أهمية كبرى للوصول إلى الانتظام والنسقية، وفهم الأشياء فهما صحيحا؛ لأن "العقل الإنساني في عمومه واشتغاله مع الكون هو نظام نسقي محكم، فكانط -على سبيل المثال- يرى أن إدراكنا للعالم(عرفانيا) يجب أن يبلغ مقام النسق"، (عبد الرحمان طعمة، التعليم والتواصل، مقدمات نقدية في الثقافة والإنسان، ص 11).

ويلتقي "ليبمان" كثيرا مع "جون ديوي" في قضية خطوات التفكير الناقد وإن أغناها شيئا ما ليبمان، فهي تتحدد في:

  • الإحساس بوجود مشكل؛
  • صياغة المشكل؛
  • صياغة الغرض؛
  • تحديد الوسائل؛
  • توقع النتائج؛
  • الاختيار بين البدائل؛
  • وضع خطة التنفيذ؛
  • تقييم النتائج. (عن عصام جميل، التفكير الناقد، ص59).

وما يميز التفكير النقدي أنه تفكير علمي منطقي منظم، وليس تفكيرا ساذجا يلتقط أفكار الآخرين ومعتقداتهم، دون النظر فيها وإخضاعها لآلة التمحيص والنقد والفحص. "وفي الوقت الذي يقرر المرء أن يعمل عقله في كل ما يتلقاه من أفكار عبر الآخرين سواء بالاستماع إليهم أو التعلم منهم أو بالقراءة لهم، يبدأ هنا اشتداد عود التفكير العقلي"، (مصطفى النشار وحسنى هاشم، التفكير العلمي وتنمية البشر، ص 39). إن السبيل المؤدية إلى التفكير النقدي هي امتلاك ناصية التفكير المنطقي المعزز بالأدلة والحجج. فالرأي لا يقوم إلا على دليل وبرهان، وعلى خطة منهجية أكانت استنباطية أم استقرائية، وهو ما يؤهل صاحبه إلى الإبداع، وطرح رؤى وتصورات جديدة. "إذ بالتفكير العلمي والتفكير الناقد تتكون العقلية العلمية القادرة على الإبداع؛ لأنها أصبحت تمتلك أدواته وبقي عليها أن تتدرب على استخدام هذه الأدوات التي هي بمثابة المهارات الضرورية للازمة للإبداع في كل مجالات العلم والمعرفة العلمية من جهة، وفي كل مجالات الحياة الإبداعية والعلمية من جهة أخرى"، (المرجع السابق، ص 40-41).

ويظهر من تلك الفكرة أن التفكير العلمي والتفكير النقدي يلتقيان ويتقاطعان ويتفاعلان، فهما يشكلان مدخلا للإبداع والتحرر من الأوهام والتفكير الخرافي والأسطوري، والتفكير العشوائي غير المنظم، وغير المتسق من الناحية المنهجية. وعليه فالتفكير النقدي هو نظر عقلي واع في الأفكار والاتجاهات والمواقف والمعتقدات، ومن ثمة الحكم على صلاحيتها أو بطلانها، فهو يفضي إلى تبني الأفكار والاتجاهات النافعة في حياة الإنسان.  ولهذا يجب التركيز في تعليمنا على تنمية البعد العقلي والمعرفي والنقدي، وفي الوقت نفسه تنمية الجانب الأخلاقي والإنساني والجمالي في حياة المتعلمين والطلاب. وبالتركيز على تنمية مهارات التفكير النقدي في الممارسة الصفية تتحقق الكفاءة التدريسية التي تفضي في الأخير إلى بناء نموذج فعال في الفهم والتواصل اللذين يعدان وسيلة وغاية الوجود البشري.

ثالثا: مهارات التفكير النقدي ومعاييره ومكوناته وسماته:

 تجدر الإشارة أولا؛ إلى أن المهارة هي الأداء المتقن للخبرة والمعرفة. ويقوم هذا الأداء على الفهم الدقيق والشامل للمشكل، والاقتصاد في الجهد أثناء الإنجاز وتقديم الحل المناسب واتخاذ القرار المناسب. ويرى "إدغار موران" أن "الفكر الإنساني كما يقول سيمون هو عملية طرح وحل المشاكل. وعلى عكس الرأي السائد فإن تطوير القدرات العامة يمكن أيضا من تطوير الكفاءات الخاصة؛ فكلما عظمت المهارة العامة كلما سهل حل المشاكل الخاصة. وأيضا يستوجب فهم المعطيات الخاصة تفعيل مهارة عامة تحرك وتنظم المعارف الكلية في كل حالة خاصة". (إدغار موران، المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، ص39).

إن اكتساب مهارات التفكير النقدي وتكوين الخبرات والقدرات والمعارف سيهيئ بلا شك المتعلمين إلى متابعة البحث العلمي، والحفز على الإبداع والإنتاج في كل مجالات المعرفة والتقنية، وهذا ما يحقق التجدد ومواكبة التطور الذي تعرفه الحياة. وتكوين مهارات التفكير النقدي هي استمرار لتكوين المهارات الأساسية والخاصة التي يجب تنميتها حتى تصير ملكات وخبرات عملية تلقائية. "ومن أجل تربية المستقبل، بات من الضروري توحيد المعارف المنبثقة عن العلوم الطبيعية من أجل تعيين موقع الشرط الإنساني في العالم. ومن العلوم الإنسانية لتوضيح تعددية الأبعاد والتركيبية الإنسانية ولضرورة دمج إسهامات البشرية التي لا تقدر بثمن ليس فقط في الفلسفة والتاريخ بل في الأدب والشعر والفن....". (إدغار موران، المعارف السبع، ص49).

تعد مهارات التفكير النقدي من المهارات العليا التي يجب أن تتوافر لدى الطالب والمتعلم؛ لأن "التربية النقدية تهدف إلى تكوين العقل بما يمكنه من إصدار الحكم على الأفكار والتصورات والأحكام الأخرى لمعرفة مدى انسجامها واتساقها عقليا قبل اعتمادها، فالعقلية النقدية لا تقبل الأمور والحوادث كما تروى لها، ولا تسرع في تصديقها، بل تعرضها على ميزان العقل ومحك التجربة لتتحقق من مدى صحتها أو خطإها"، (خالد حسن الشريف، مهارات التفكير العليا، ص110). ولهذا يجب الوصل بين الفكر والعمل، والفهم العميق للفكرة والعبارة؛ حتى يتجنب الفرد كل ما يؤدي به إلى التصديق بالأفكار التافهة التي لا نفع لها في حياة الناس، والتي قد تؤدي به إلى الفشل في التعلم والحياة عموما. في هذا السياق يظهر لنا أن "عوامل التفوق والنجاح تتمحور حول ما لدينا من أفكار ومشاعر، وسمات نفسية، كما أن عوامل الإخفاق لا تأتي في الغالب من المعطيات التي بين أيدينا، وإنما تنبع من مشكلات كامنة في عقولنا ونفوسنا في المقام الأول. من هنا كان علينا الاهتمام بالأنشطة التي تساعد الطالب على امتلاك الأفكار الصحيحة والمعارف الغزيرة، إلى جانب امتلاك المهارات التي تساعده على التعبير عن ذاته وأفكاره وتجعله إنسانا مؤثرا بحق"، (عبد الكريم بكار، التعليم من أجل الريادة، ص 125-126). وهذا يقتضي مراعاة جملة من الأصول المنهجية والتوجيهية والتربوية العملية المتفاعلة والمتشعبة التي لا يستع المقام لتفكيكها، والوقوف عندها وقفة تفصيلية شارحة، وحسبنا أن نقف عند بعض المهارات التي نراها ضرورية لبناء التفكير النقدي.

لقد أثار موضوع التفكير النقدي اهتمام الكثير من المفكرين الذين نظروا في التفكير الناقد بوصفه تكوينا ذهنيا ومهاريا ومنهجيا، يحرر الإنسان وطاقاته للإبداع والابتكار. وينطوي التفكير النقدي على بعدين اثنين؛ بعد معرفي يستدعي جملة من المهارات والقدرات والعمليات الذهنية المرتبطة والمتفاعلة، وبعد انفعالي يعكس طريقة التعامل مع هذه المهارات وتفعيلها واكتسابها. وقد اختلف المهتمون حول مهارات التفكير النقدي؛ فهناك من يرى أنها عبارة عن أربع قدرات أو مهارات للتفكير الناقد، تتجلى في الاستنتاج ومعرفة الفرضيات والتفسير والتقويم. وهناك من يغنيها ويوسعها، لتشمل القدرة على التمييز بين الحقائق والادعاءات المشبوهة، ومعرفة الأسباب التي تتصل بالموضوع والأسباب البعيدة عنه، علاوة على القدرة على تعرف مصداقية المعلومة، والدقة الحقيقية للخبر، والتعرف على البراهين والحجج، وتحري مواطن التحامل والتحيز، ومعرفة المغالطات وأشكال التناقض في الخطاب أو عدم اتساقه وانسجامه. (خالد حسن الشريف، مهارات التفكير العليا، ص 115).

وبذلك تتجاوز مهارات التفكير النقدي مجال النظر في المعارف والمعلومات والمعتقدات ومضامين الخطابات إلى المجال الذهني الذي ينظر في طرائق التفكير والتعبير ويعيها. والاحتكام إلى هذه المهارات هو ما يحقق الانسجام والتوافق بين منطق الفكرة ومنطق العبارة ومنطق العمل والاشتغال في الواقع. وبناء عليه لا يمكن حصر اكتساب مهارات التفكير النقدي في معرفتها، بل يمتد إلى تعرف طرق اكتسابها ووسائله، وتنفيذها في الحياة بشكل يعلي من غايتها وأهدافها النبيلة التي تكمن في الارتقاء بالإنسان في مراتب الكمال المعرفي والقيمي والسلوكي والأدائي، وبهذا نتجاوز الرؤية الضيقة والتجزيئية التي تحصر العملية التعليمية والتربوية في البعد التقني والمهاري والعقل الأداتي.

وتتحدد مهارات التفكير النقدي حسب اختبار "كاليفورنيا 2000" لمهارات التفكير الناقد في:

  • مهارة التعرف على الافتراضات التي تعد قضية مسلمة، أو موضوعة للنظر والاستدلال؛
  • مهارة الاستقراء: التي تعكس تتبع القضايا وربط نتائجها بمقدماتها، وإصدار الحكم انطلاقا من معطيات الواقع والمواقف والأحداث، ويمكن الاستقراء من إيجاد أوجه التشابه بين الظواهر والعناصر والقضايا المدروسة؛
  • مهارة التحليل أو التفسير: التي تكشف عن العلاقات بين العناصر والأفكار، وكل ما يشكل الخطابات، وهذا يحتاج إلى إعمال الذهن في الثوابت والمتغيرات، وإبراز الفروق بين الظواهر واكتشاف القوانين المتحكمة فيها، مع تفسيرها وتعليلها، وإرجاع الشيء إلى عناصره المكونة له؛
  • مهارة الاستدلال: التي تشير إلى العمليات الذهنية التي تعتمد في معرفة الحجج وتوليدها، والبحث عن الأدلة للوصول إلى نتائج مرضية، ومعرفة العلاقات السببية، وغالبا ما يقوم الاستدلال على الانتقال من قضايا معلومة إلى قضايا أخرى مجهولة هي النتائج. ويمكن في هذه المهارة الانتقال من العام إلى الخاص أو من حالات خاصة إلى قاعدة عامة حسب كل تخصص علمي؛
  • مهارة الاستنتاج: التي تصور مدى توافر العناصر اللازمة لإصدار حكم، واستخلاص النتائج الناجمة عن عمليات التحليل والتفسير والاستدلال السابقة، إنها مهارات تتضمن التعميمات الضابطة، فهي تقنين القواعد والضوابط التي تعين على بلوغ الملكة ورسوخها؛
  • مهارة التقييم: وتعني القدرة على إصدار الحكم المميز، وقياس مدى صدقية مضامين الخطابات وعلمية آليات إنتاجها وأشكال تجليها للمتلقي. (خالد حسن الشريف، مهارات التفكير العليا، 116).

يفهم مما سبق ذكره أن مهارات التفكير النقدي تختص بعمليات ذهنية عقلية عليا، تمتاز بالتجريد والدقة والضبط والمنهجية، كما أن هناك ترابطا تكامليا أثناء تفعيلها، فكل مهارة تستدعي المهارات الأخرى أو توصل وتؤدي إليها. إن عمل العقل البشري يوظف مستويات عدة تنطلق من مستوى الإدراك الحسي لتصل إلى المستوى التجريدي العالي حيث تكوين القوانين والصور العامة التي تتحول إلى قناعات بأحكام معينة. وعليه؛ فإن التفكير النقدي هو القدرة على استخدام الاستدلال المنطقي والمنهجي المنظم الذي يقتضي الشجاعة الفكرية من أجل مناقشة الأفكار والمعتقدات، والاستعداد العقلاني للتعبير عن الرأي بالحجج والأدلة.

وتأسيسا على ذلك؛ فإن التفكير النقدي، "هو الذي يقوم على تحري الدقة في ملاحظة الوقائع التي تتصل بموضوع التفكير ومناقشتها وتحليلها واستخلاص النتائج الدقيقة مع تحري الموضوعية وعدم التحيز بالبعد عن التأثر بالنواحي العاطفية والأفكار المسبقة والآراء التقليدية أو الموروثة". (مصطفى النشار وحسنى هاشم، التفكير العلمي وتنمية البشر، ص28). ويظل بناء هذه المهارات رهينا بنموذج تدريسي يوجه المتعلم إلى الوعي بطريقة التفكير وكيفية بناء المعرفة عند أداء المهام التعلمية. وفي هذا الإطار فمن الواجب الاهتمام بالمنهجية العلمية التي تتأسس على النظر في الظواهر والموجودات والأحداث والوصول إلى دواخلها وأعماقها، وتجاوز السطح إلى المركز، وملامسة الجوهر، وإدراك الكينونة الموجودة ما وراء الحادث، وبهذا يفضي المنهج العلمي إلى تجريد الكلي الذي ينبعث من المحسوس.

إن المنهجية العلمية أثناء التفكير الناقد تلزم صاحبها اتباع جملة من الخطوات والسير على هداها، حيث تبدأ بجمع المعلومات حول المشكلة المراد البحث فيها وحلها، والتي يمكن أن يستقيها الإنسان ويستخرجها من أبحاث ووقائع أو تجارب خاصة متصلة بموضوع المشكلة. ثم تأتي خطوة استعراض الآراء والأفكار المتصلة بالموضوع وتحليلها ومناقشتها مناقشة علمية قائمة على المصداقية والموضوعية والبعد عن التحيز والتمييز، ثم نصل إلى خطوة استخلاص جوانب الضعف والقوة في الآراء المتضاربة ووجهات النظر، وصولا إلى التقييم الموضوعي وإصدار الحكم المناسب الذي يجب أن يدعم ويستند إلى الحجج والأدلة الكافية المبينة، ويمكن العودة إلى المزيد من المعلومات إذا ما اقتضى ذلك، (مصطفى النشار وحسنى هاشم، التفكير النقدي وتنمية البشر، ص124). فهذه الخطوات تعد مداخل معرفية ومنهجية أساسية، تفضي بالضرورة إلى بناء مهارات التفكير النقدي الذي يتطلب تنظيم المعارف والمكتسبات المخزونة لدى الإنسان وبالخصوص المتعلم الذي عن طريق هذا التنظيم والتكييف يمكن أن يشكل رؤية جديدة لم تكن معروفة لديه من قبل.

إن الحديث عن مهارات التفكير النقدي يحتم علينا الإشارة ولو سريعا إلى المعايير التي ينبني عليها، (ينظر: مصطفى النشار وحسنى هاشم، التفكير العلمي وتنمية البشر، وعصام جميل، التفكير الناقد)، والتي تمكننا من قياس مدى تحقق هذه المهارات في ممارساتنا التربوية والحياتية، أو ضمورها. وتتجلى هذه المعايير في:

  • معيار الوضوح: فالإنسان يسعى إلى التفاهم والتواصل، لهذا ينبغي أن يفصح عن أفكاره بلغة واضحة وأسلوب سلس؛
  • معيار الصحة: حيث تكون الفكرة صحيحة مطابقة للواقع وتعكسه بشكل موضوعي وحقيقي، ولا ينبغي أن تكون فكرة تنافي الواقع وتناقضه؛
  • معيار العمق: لا بد من تقليب الفكرة وتحليلها من جميع الجوانب، والوقوف عند مختلف أبعادها، فلا ينبغي أن تُتناول تناولا سطحيا؛
  • معيار الربط: يتجلى في القدرة على الملاءمة بين الفكرة والحجة، ومدى ارتباط النقد أو المداخلة بموضوع النقاش أو الإشكال المطروح؛
  • معيار الاتساع: ويتحدد من خلال فحص المشكل من كل جوانبه، حتى في فروعه وتفاصيله، والانفتاح على آراء وأفكار أخرى تلامس المشكل نفسه؛
  • معيار المنطق: المقصود به أن يتحلى المفكر الناقد بتنظيم الأفكار وتنسيقها وأن يسلك خطة منهجية معينة، منطلقا من المقدمات إلى النتائج المؤسسة على أدلة واضحة ومعقولة؛
  • معيار الدقة: ويقصد به استيفاء المشكل حقه من الفحص والفهم والتحليل والمعالجة، وهو ما يفرض اعتماد لغة دقيقة تعبر عن المشكل كما هو، بعيدا عن المنطق الاستعاري والالتباس الذي قد يشوش على ذهن المتلقي.

والحديث عن هذه المعايير يفضي بنا إلى الحديث عن سمات التفكير الناقد، (ينظر: مصطفى النشار وحسنى هاشم، التفكير النقدي وتنمية البشر)، الذي يبقى تفكيرا يؤدي إلى معرفة صحيحة موثوق بها، أو تتمتع بقدر عال من احتمالية الصدق، ويؤدي إلى تكوين قناعات واعتقادات مبررة بحجج وأدلة. كما أنه تفكير منطقي ومنظم ونسقي، يتأسس على الاستدلال بشكل دقيق، وهو تفكير تجريبي قائم على الخبرة الحسية الموضوعية، التي تمكن من قياسه واختباره، علاوة على هذا فهو تفكير شكي تأملي دائما يطرح الأسئلة ويعيد التفكير في القضايا والموضوعات، فلا يتوقف عن طرح الأسئلة وإخضاع الأفكار والمعتقدات للتمحيص والنقد، كما أنه تفكير إبداعي يسعى باستمرار إلى اكتشاف الجديد والدفع بالحياة إلى الرفاهية المادية والفكرية، وهو ما يجعله يستثمر القدرات العقلية للإنسان أحسن استثمار في الوصف والتحليل والتقويم والمقارنة. كل هذا يدفعنا إلى التأكيد أن فعل التعقل الإنساني يسعى من خلال مهارات التفكير النقدي إلى إعادة تشكيل الفكر الإنساني وواقعها بعيدا عن ضيق الواقع المادي والتفكير السطحي الملتصق به، وإن كان التفكير النقدي يتطلب الاتصال بالواقع والارتباط به أكثر فأكثر، إلى أن يتغير ويتجدد بما يحقق مراتب الكمال البشري وسعادته، وهذا رهين بمضاعفة التفكير والنقد لاستيعاب الواقع المتجزئ.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1-أستاذ مبرز بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس-مكناس

2-باحثة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس

 

تابع

في مهارات التفكير النقدي في الممارسة الصفية
Partager cet article
Repost0

مجلة العلوم الإنسانية و الاجتماعية،مغربية ثقافية شاملة مصنفة ومحكمة

  • : Revue Cahiersdifference مجلة دفاتر الإختلاف
  • : مجلة دفاتر الإختلاف Revue Cahiersdifference مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية مغربية-دولية ثقافية مصنفة ومحكمة رخصة النشر رقم:07\2005 الايداع القانوني:2005/0165 تصدر عن مركز دراسات MLM وتحمل الرقم الدولي المعياري/ p-2028-4659 e-2028-4667 المجلة حائزة على معامل التأثير العربي Arab Impact Factor لسنة 2023 بمعامل 1.22 وسنة 2024 بعامل التأثير 1.83 كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH
  • Contact

الهيئة الاستشارية العلمية

i أعضاء الهيئة الاستشارية العلمية

د.محمد زرو أستاذ التعليم العالي ( اللغة العربية عميد كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.مولاي عبد الملك الداودي أستاذ التعليم العالي ، رئيس شعبة اللغة العربية بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.عبد المجيد بنجلالي أستاذ التعليم العالي (أدب ونقد)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د.الطيب الوزاني (ادب ونقد)،  كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د.محمد التاقي أستاذ التعليم العالي (لسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

دة.سعاد اليوسفي أستاذة التعليم العالي (أدب) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د. ادريس الذهبي أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. رضوان الخياطي، أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. فريد أمعضشو أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية، مركز تكوين مفتشي التعليم ، الرباط.

د. محمد بنلحسن  أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها،المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ، فاس.

د. عبد الرحيم أخ العرب، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

 الأستاذة الدكتورة/ عائشة الخضر/ رئيسة الاتحاد العربي للثقافة/ تركيا

بحث

الهيئة العلمية والتحكيم

أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم

د.عبد المنعم حرفان، أستاذ التعليم العالي، تخصص اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب

.والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس المغرب

د. خالد قدروز، تخصص أدب  ونقد ، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

د. عبد الواحد المرابط، أستاذ التعليم العالي،  تخصص السيميائيات ومناهج النقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق الدار البيضاء.

د.عبد الكامل أوزال، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/.المغرب

د.الشرقي نصراوي أستاذ التعليم العالي  تخصص (السيميائيات والتأويليات) جامعة السلطان مولاي سليمان - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة.

د.الحسني عبد الكبير أستاذ مؤهل تخصص (اللسانيات) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال.

دة.الزهرة براهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (مسرح وأنثروبولوجيا وديدكتيك) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط- سلا- القنيطرة.

د.الغالي بنهشوم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب)، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل مكناس

د. لخلافة كريم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي 

إسماعيل مكناس

د.أحمد دكار، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علم النفس وعلوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

.فاس/المغرب

دة.لطيفة بلخير ،التخصص: أدب حديث ، أستاذة التعليم العالي ،كلية الٱداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ـ فاس ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

دة.جناة سفضار، تخصص تدبير الموارد البشرية، جامعة لافال، كيبيك كندا

د. عبد الله الروملي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الأدب العام والمقارن، التمثلات الثقافية والاجتماعية والإعلامية، مدير مركز دراسات الدكتوراه بكلية اللغات والآداب والفنون ، جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب.

د. عبد الرحمان إكيدر،  أستاذ محاضر مؤهل،  تخصص: (النقد الأدبي والبلاغة)، كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض مراكش.

د. عادل ضرغام ، أستاذ الأدب والنقد كلية دار العلوم جامعة الفيوم، مصر.

دة. سهام حسن جواد السامرائي،  أستاذة مساعدة تخصص: (النقد الأدبي الحديث)، كلية الآداب، جامعة سامراء، العراق.

دة. بشرى سعيدي. أستاذة محاضرة مؤهلة، تخصص (المسرح وفنون الفرجة) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية جامعة مولاي إسماعيل - مكناس.

دة. سعاد مسكين أستاذة التعليم العالي. تخصص: (السرد العربي) المدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د. هشام بُحَيْري، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص: (النحو واللسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان.

دة. سلوى السعداوي، تخصص: (السرديات والنقد الأدبي، مهتمّة بتحوّلات كتابات الأنا)، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس.

دة. نوال بنبراهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (الدراماترجيا والنقد)، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط.

د. محمد تنفو، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص ديدكتيك اللغة العربية والسرديات ،  المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش آسفي/المغرب

د.محمد أبحير، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال/المغرب

د.محمد الأزمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

د. عبد الرحمن علمي إدريسي، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

محمد زيدان، أستاذ التعليم العالي ، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز  الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد العلمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الدراسات الاسلامية والديدكتيك، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد سوسي، أستاذ مبرز ، دكتور في الفلسفة، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.سميحة بن فارس، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الديدكتيك علوم الحياة والارض ، المدرسة العليا للأساتذة فاس / المغرب

د.عزالدين النملي، أستاذ محاضر ، تخصص اللغة العربية والديدكتيك ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم/المغرب

دة.صليحة أرزاز ، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص لغة فرنسية، ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.المصطفى العناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الاجتماعيات ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.حسان الحسناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فنيطرة/المغرب

د.عمرأكراصي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.حنان الغوات، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش/المغرب

د.حميد مرواني، أستاذ محاضر مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس المغرب

.مكناس المغرب

د.محمد تمي،أستاذ باحث في مجال المعلوميات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم (TICE) وتحليل البيانات لتعزيز ودعم التعلم الرقمي، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس. 

هيئة التحرير وشروط النشر

 

أعضاء هيئة التحرير

اسم مدير التحرير

د.ادريس عبد النور

اسم رئيس التحرير

د.خالد قدروز

هيئة التحرير​​

د.طريق زينون-د.نورالدين محقق-ذ.هواري الأمين
ذ.محسن لوميكي-دة.نجاة سفضار-دة.مهدية بنعبيد
د.أيوببن مسعود-د.محسن الطوصي-
د.مراد بلمودن-د.عبدالرحيم بلكاني

المسؤول التقني والفني

ذ.ياسين مفتاح

ذة.فاطمة نافل

الشروط العامة لنشر البحوث بالمجلة ومنشوراتها:

  • مجلة دفاتر الاختلاف للنشر العلمي مجلة علمية مصنفة ومحكمة ورقية وإلكترونية تعنى بنشر البحوث العلمية في الحقول التالية: العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم التربوية، علوم الشريعة والقانون.
  • تنشر مجلة دفاتر الاختلاف البحوث العلمية الأصيلة للباحثين في هذه التخصصات كافة، من داخل المغرب  وخارجه، مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية. ويشترط في البحث ألا يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر، وعلى الباحث أن يتعهد بذلك خطياً عند تقديم البحث للنشر، وتخضع جميع البحوث للتقويم حسب الأصول العلمية المتبعة.

قواعد النشر:

  • يقدم البحث المقترح للنشر مكتوب بصيغة word بخط Sakkal Majalla حجم 15 دون تضخيم وبالخط نفسه بحجم 12 في الهوامش، شريطة ألا يزيد عدد صفحاته على 20 صفحة (وبواقع 5000 كلمة) بما في ذلك الجداول والصور والرسومات ويستثنى في هذا العدد الملاحق والاستبيانات.
  • تكتب العناوين الرئيسية بحجم 15 والفرعية للفقرات بحجم 14 مع التضخيم (Gras
  • يرفق مع البحث ملخص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية، على ألا تزيد عدد كلمات الملخص على 205 كلمة.
  • تكتب بعد الملخص الكلمات الدالة للبحث (Keywords) في حدود 5 كلمات.
  • تطبع الجداول والأشكال داخل المتن و ترقم حسب ورودها في المخطوط، وتزود بعناوين، ويشار إلى كل منها بالتسلسل، وتستخدم الأرقام التالية: (1,2,3…) في كل أجزاء البحث.
  • كل بحث يجب أن يشمل على مانسبته 20% من المراجع الأجنبية
  • يعطى الباحث مدة أقصاها أسبوعا لإجراء التعديلات على بحثه إن وجدت، وللمجلة بعد ذلك إلغاء الملف البحثي تلقائيا في حال تجاوز المدة المذكورة أعلاه.
  • لا تجيز المجلة بأي حال من الأحوال سحب الأبحاث بعد قبولها للنشر ومهما كانت الأسباب.
  • تكتب الهوامش والإحالات أسفل كل صفحة، وتكون حسب النموذج التالي:

- الكتب: لقب واسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، البلد، الطبعة، السنة، الصفحة.

- الدوريات: لقب واسم المؤلف، عنوان المقال، عنوان الدورية،  دار النشر، العدد، السنة، الصفحة.

  • ضبط لائحة المصادر والمراجع وفق ما يلي: اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، المطبعة، مكان النشر، رقم الطبعة. السنة.

توجيهات عامة:

  • لهيئة التحرير الحق بإجراء أي تعديلات من حيث نوع الحرف ونمط الكتابة، وبناء الجملة لغوياً بما يتناسب مع نموذج المجلة المعتمد لدينا.
  • قرار  هيئة التحرير بالقبول أو الرفض قرار نهائي مع الإحتفاظ بحقها بعدم إبداء الأسباب.
  • ترسل البحوث وجميع المراسلات المتعلقة بالمجلة إلى:

cahiers.difference@gmail.com

cahiersdifference1@gmail.com

مواضيع العدد

من نحن؟

من نحن؟

مجلة دفاتر الإختلاف

Revue Cahiersdifference

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مغربية- دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

رخصة الصحافة رقم:2005/07

الايداع القانوني:2005/0165

 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ISSN

 P-2028-4659

 E-2028-4667

المجلة حائزة على معامل التأثير العربي

 Arab Impact Factor

لسنة 2023 بمعامل  التأثير 1.22

وسنة 2024 بمعامل التأثير 1.83

وسنة 2025 لمعامل التأثير 1,88

كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH

دعوة للنشر بالعدد 23

📢 دعوة للنشر في العدد رقم 23 ) 📢

يسر مجلة دفاتر الاختلاف   REVUE CAHIERS DIFFERENCE  المغربية-الدولية للنشر العلمي والأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغوية والتربوية والقانونية والشرعية، أن تدعو الباحثين والأكاديميين إلى إرسال أبحاثهم للنشر في العدد رقم 23 /يوليوز 2026

📌 مجالات النشر:

العلوم الإنسانية والاجتماعية (الدراسات اللغوية، الأدبية، التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، وغيرها).

جميع التخصصات التربوية (المناهج، طرق التدريس، الإدارة التعليمية، التقويم، التكنولوجيا التعليمية، علم النفس التربوي، وغيرها).

⚡ ما يمتاز به النشر في المجلة:

✔ نشر ورفي وإلكتروني واسع الانتشار

✔نشر وفق معايير علمية و أكاديمية رصينة.

✔ تحكيم علمي بمعايير دولية من قبل خبراء متخصصين.

✔ رسوم رمزية.