Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
16 septembre 2024 1 16 /09 /septembre /2024 09:16
 الرواية والمكان رواء مكة لحسن أوريد أنموذجا

الرواية والمكان

 رواء مكة لحسن أوريد أنموذجا

د. عبد اللطيف حسو

دراسة محكمة

الملخص

تروم رواية رواء مكة للروائي المغربي حسن أوريد وصف التحول الجذري الذي حدث بشخصية الكاتب وفكره، واصفا رحلته الحياتية السابقة والتي نعتها بالمرحلة العقلانية ، والمرحلة اللاحقة والتي تعتبر مرحلة إيمانية بامتياز ، وبالمرحلتين جرت العديد من الأحداث بدءا بحقبة الطفولة وانتهاء بالإعفاء من المناصب الرسمية والسلطوية والحكومية بأسلوب راق ، بسيط ومشوق.

الكلمات المفاتيح:رواء مكة، حسن أوريد، الرواية، المكان.

Abstract 

The novel Rawaa Makkah (Thirst- quenching of Mecca) by the Moroccan novelist Hassan  Aourid aims to describe the radical transformation that took place in the writer's personality and thought, describing his previous life journey, which he called the rational stage, and the subsequent stage, which is considered a stage of faith par excellence, and in both stages many events took place, starting with childhood .

  1. توطئة :

إن المتأمل في الكتابة الروائية العربية والمغربية على الخصوص ، يلاحظ أنه منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ، وبداية القرن الواحد والعشرين عرفت تغيرات جمة وتراكمات غير مسبوقة ، لدرجة يخيل للمتتبع لهذا الجنس الادبي أن جل الكتاب والمبدعين انبروا لكتابة هذا النوع دون غيره ، كما نلفي أن الدراسات النقدية خصصت له حيزا هاما من أبحاثها باعتباره جنسا أدبيا يحظى بجاذبية كبيرة ، لدرجة أن السواد الأعظم من المبدعين في بداياتهم يدشنون مسارهم الإبداعي بكتابة سيرهم الذاتية ، يعبرون من خلالها عن جانب أو جوانب من حياتهم ويتقاسمونها مع المتلقين والقراء ، الذين يجدون متعة في قراءة تجارب الآخرين الإبداعية ، ويتفاعلون معها.

ويرفض محمد أنقار، انطلاقا من التصور النقدي ذاته، تلك المفاضلة التي يقيمها البعض بين الأجناس الأدبية ، فالصورة الفنية  " تجريد جمالي لبعض سمات الواقع ، ولكنها ليست ترديدا دقيقا له ونسخة طبق الأصل منه ، ولا يمكن أن تكون كذلك" [1]

  1. قراءة في عتبات رواية رواء مكة

العنوان هو المفتاح الضروري لسبر أغوار النص، والتعمق في شعابه التائهة والسفر في دهاليزه الممتدة. كما أنه الأداة التي بها يتحقق اتساق النص وانسجامه ، وبها تبرز مقروئية النص ،وتنكشف مقاصده المباشرة وغير المباشرة.

رواء تعني التمعن في الإرتواء الشرب والتشرب والتلذذ بفعل وكتب بلون برتقالي وبشكل واضح.

صورة الغلاف: الواجهة الأمامية للغلاف تتوسطها الكعبة المشرفة باللون الأسود،  وتكاد تهيمن على معظم الواجهة يعلوها اسم الكاتب بـأحرف بارزة وأسفل الصورة أقصى اليمين كتب نوع الرواية رواية سيرذاتية

  1.   المكان

و يرى ياسين النصير:" أن المكان هو الكيان الإجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه ولذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءا من أخلاقيات وأفكار ووعي ساكنيه ويعرج أنه ومنذ القدم وحتى الوقت الحاضر كان المكان هو القرطاس المرئي والقريب الذي سجل الإنسان عليه ثقافته وفكره وفنونه مخاوفه وآماله أسراره وكل ما يتصل به وما وصل إليه من ماضيه لاذرته أو ليورثه إلى المستقبل ومن خلال الأماكن نستطيع قراءة سيكولوجية ساكنيه وطريقة حياتهم وكيفية تعاملهم مع الطبيعة أي المكان من خلال  [2]

 وهذا يبرهن على أن المكان حقيقة معاشة يؤثر في البشر بنفس القدر الذي يؤثرون فيه فلا يوجد مكان فارغ أو سلبي ويحمل المكان في طياته قيما تنتج من التنظيم المعماري كما تنتج من التوظيف الإجتماعي والطريقة التي يدرك بها المكان تضفي عليه دلالات خاصة.

 كما أشار غاستون باشلار إلى نماذج الفضاء فقال "وضع هنري ميشو في داخلنا الخوف من الأماكن المغلقة كلاستر وفوبيا والخوف من الأماكن المفتوحة اجورا فوبيا جنبا إلى جنب وهو بهذا قد هول الخط الفاصل بين الداخل والخارج .[3]

  1. الرواية والمكان:

للأمكنة علاقه برسم الشخصيات الروائية هذا من ناحية أما على أرض الواقع فإن المكان يدل على صاحبه فالبحر يدل على البحار والريس والسجن يدل على السجان والمحقق والسجناء ونوعياتهم والمدينة تدل على سكانها والحي الشعبي يدل على سكانه والملقى والمقهى والملهى يدلان على مرتاديهما وغير ذلك ولذلك فان وصف المكان يسهم في إضفاء صورة عن الشخصية الملاحقة لهذا المكان والمندمجة فيه وفي فضائه تستلهم أحداثها من هذا المكان ويستلهم من الشخصيات سماته فالمكان يدمج الشخصية والمكان هو حاضر الشخصيات والثقافات وهو حامل التراث والجغرافية والتاريخ يتفاعل الإنسان معه ويبني علاقات توصف بالمصيرية والحميمية لأنه بهذه الصفة يعني الوطن إن كان على مستوى البيت أو الحي الشعبي او المدينة أو البحر يمارس فيه حياته ويكتسب العادات والأخلاق لهذا في ارتباط الشخصية بالمكان ارتباطا مصيريا من الولادة وحتى الموت . [4]

ويمد المكان الإنسان بتصوراته ومفاهيمه ويكون دعامة أساسية لكل تصور إنساني ويرى شارل جريفل "أن الفضاء الروائي هو الذي يكتب القصة حتى قبل أن تسطرها يد المؤلف إن المكان في الرواية هو خديم الدراما فالإشارة إلى المكان تدل على أنه جرى أو سيجري به شيء فمجرد الإشارة إلى المكان كافية لكي تجعلنا ننتظر قيام حدث ما وذلك إنه ليس هناك مكان غير متورط في الأحداث".[5]

 ويرى حميد لحميداني "أن المكان يساهم في خلق المعنى داخل الرواية ولا يكون دائما تابعا أو سليبا أو سلبيا بل إنه أحيانا يمكن للروائي أن يحول عنصر المكان إلى أداة للتعبير عن موقف الأبطال في العالم. [6]ويرى غاستون باشلار "أن الفائدة الرئيسية للبيت بصفته مكانا بقوله البيت يحمي أحلام اليقظة والحالم ويتيح للإنسان أن يحلم بهدوء ويضيف أن البيت جسد وروح وهو عالم الإنسان الأول  . [7]ويضيف مهدي عبيدي " إن المكان يقوم بدور مهم في ممارسة الشخصية لطقوسها وفي نوع لباسها وسكانها وحتى وسائل مواصلاتها فعلاقه الشخصيات بالمكان قائمة على الإستمرار ولا وجود للشخصيات خارج المكان. وبما أن الرواية تنطلق من الإنسان وإليه فإنها تتناول الإنسان وعلاقاته وكلما كانت هذه العلاقات متشابكه معقدة متنوعه تعطي للرواية الحياة والدينامية وبالقدر نفسه الذي يؤثر

المكان في الشخصية التي تؤثر في المكان في محاولة لإبداعه من جديد عن طريق الإنتقال التدريجي إلى الحضارة، أي يتم ذلك بالتأثيرات المتبادلة وان بعض الأمكنة لها سطوتها وقوتها التي لا ترد كالأمكنة الأسطورية أو الخيالية أو الدينية وغيرها وهذه الأمكنة تخضع أو تخضع الإنسان لسيطرتها وعتوها وجبروتها تعتريه نوبة من الخشوع والرهبة والخوف والإندهاش .[8] والمقابر أو القرافات على حد تعبير نجيب محفوظ في روايته" اللص والكلاب " تعتبر مكانا يؤوي عينة من الناس فساكني المقابر مثلا بمصر يضفون الحياة على مكان الأموات يعيدون إليه الحيوية والحركية والحياة والجمالية إذ هناك من يزرع ورودا وزهورا على قبور الأموات.  والرمس مكان لا يهمنا من يقطنه ولكنه يحتضن كائنا، لا تهمنا هويته ولا جنسيته ولا جنسه ولا كينونته. المفروض ان المقابر مكان هادئ يثير الخوف والرهبة لكنه قد يكون ملاذا للمتعبين من مآسي الحياة ومتاعبها، ومشاقها، وهمومها، وقد يكون ملاذا وسكنا لمن لم يجدوا مكانا يأويهم من الفقر وأزمة السكن بمصر، ويفتح آفاقا رحبة لا حدود لها للتائبين من المعاصي والعائدين إلى الله رب العالمين، فارين من أمكنة الأحياء إلى أمكنة الأموات بين قوسين هروب من أحياء الأثرياء والأغنياء من نعيم القصور الفخمة والحياة الصاخبة إلى أمكنه الراحة النفسية والروحية ،رغبة في الإعداد والعمل من أجل ولوج نعيم أبدي لأن القبور هي المنبه الموقظ من الغفلة إلى الطريق القويم المستقيم، نحو المكان السرمدي أحيانا كثيرة وفي مواقف عديدة، هناك هروب أشخاص من أماكن الرذيلة والجريرة إلى أماكن الطهارة والنقاوة وقد تكون الوجهة معكوسة من الصفاء إلى الحقارة. فالإنسان يتماهى مع المكان. فقاطن الحي الشعبي يتزيى بفكر وأخلاق وسلوكات ونمطيات هذا الحي، ويتشبع بمميزات المكان والشيء ذاته بالنسبة لقاطني الأحياء الراقية حتى وإن كانوا آتين من أحياء شعبية حملتهم ظروف معينة في أزمنة محددة إلى أمكنه مخملية ،غير متوقعة وغير منتظرة بالنسبة إليهم لكن دون تمكنهم من نسيان الأمكنة التي كانوا فيها، وحنينهم الى ذكرياتهم فيها التي حملوها معهم في قلوبهم ،غادروا تلك الأمكنة لكنها لا زالت تعيش في قلوبهم، وفي أعماقهم .لا يمكن بأي حال من الأحوال إقفال العلاقة الجدلية الأبدية بين الإنسان والمكان فهي علاقة  أنطولوجية يستحيل فصلها عن بعضها البعض .

"ورغم أن بودلير كان في قلب المدينة فلقد شعر بألفة البيت المتزايدة عندما يحيطه الشتاء ففي الفراديس الإصطناعية يتحدث عن فرح توماس دي كوينسي. فحين كان سجين الشتاء قرأ ( كانتkant) مستعينا بالحس المثالي الذي يثيره الأفيون. المشهد في كوخ في منطقه ويلز أليس صحيحا أن البيت اللطيف يجعل الشتاء أكثر شاعرية وأن الشتاء يضفي مزيدا من الشعر على البيت؟ كان كوخ الأبيض مبنيا على طرف الوادي الصغير محصورا بجبال عالية وبدا ملفوفا بالشجيرات" .[9]

وتتمتع أسماء الأماكن في النصوص الحكائية بأهمية كبيرة في الخطاب الروائي لأن اسم المكان غالبا ما يدل على مسماه ويوحي الى ماهيته ويمكن المتلقي من الولوج الى عالم المكان الداخلي وبقدر ما يدل الاسم على المكان ويوحي بكنه ويكثفه ويمكن المتلقي من تلمس معالمه يكون اسما مناسبا والروائي المبدع لا يطلق الاسماء على أماكنه جزافا وانما ينتقيها بدقه وحدق لتكون مرتبطة بأماكنه ودالة عليها ومنسجمة مع خطابه الروائي ومن عمق ارتباط الاسم من مكان سنبين دلالات اسماء الأماكن[10]

 و بخصوص الرمز فقد جاء في القران الكريم "قال رب اجعل لي اية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار " سورة ال عمران الآية 41 .فقوله تعالى: قال رب اجعل لي اية ( أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكرا لك )قال آيتك الا تكلم الناس ( تكف عن الكلام )ثلاثة أيام( وتقبل بكليتك على عبادتي ، أنه حبس لسانه عن الكلام  ولكنه نهي عن الكلام وهو صحيح سوي، كما قال في سورة مريم الية 10 )الا تكلم" الناس ثلاث ليال سويا (يدل على قوله تعالى : "وسبح بالعشي والإبكار " فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس وقد سعت العلوم الإنسانية المعاصرة الى تمييز الرمز عن غيره من المفاهيم، اللغوية والإشارية لعل قيمة التعريف الذي قدمه سوسير للرمز تجلو من خلال الحدود التي وضعها للعلامة اللسانية .فقد ميز الرمز عن العلامة اعتمادا على مبدأ الاعتباطية أو التحكم . وبين الجانب الإيحائي في الرمز، وقسم المعاني الى معان مباشرة حاضرة تمثل مدلولا أول، ومعان غير مباشرة غائبة تحيلنا الى مدلول ثان .فالعلامة اللسانية –عنده- تحيل على تصور نملكه عن شيء معين. إلا ان الرمز يكتسب معناه بطريقة غير مباشرة استنادا الى سياقه النفسي أو الديني أو الاجتماعي ...فالسقوط مثال علامة لسانية توحي بمعنى ... مباشر: سقط أو وقع أرضا ، لكنه من منظور نفسي رمز الإستسلام والعجز والرذيلة " [11]

أما الدكتور عبد الهادي عبد الرحمان فقد أورد أن الرمز عرف : "كوسيلة للتعرف على الاشياء ، وعرف كدليل على شيء متفق عليه . ويذكر قاموس أكسفورد أن الرمز عبارة عن شيء يقوم مقام شيء اخر ، أو يمثله أو يدل عليه ، لا بالمماثلة ، وانما بالإيحاء السريع أو بالعلاقة العرضية أو بالتواطؤ ."  [12]

  1.  رمزية المكان في رواء مكة لحسن أوريد
  1. الأمكنة المغلقة:

 وأول ما يشع في عيني المطلع والمتلقي والباحث في هذه الرواية عنوانها والعنوان ليس اعتباطيا أو عشوائيا أو تلقائيا وإنما هو عنوان تم انتقاؤه واختياره بعنايه فائقة من لدن الكاتب لأنه يضع في اعتباره مسبقا ما سياتي ولأنه يعرف بدقة ما سيتناوله في نصه الروائي وما سيركز عليه أثناء كتابته ولذلك نجده اختار بعناية هذا العنوان وهو عنوان جذاب ممتلئ معبر له دلالات عميقه وبعيدة من الناحية الدلالية والرمزية ومن الناحية الدينية أيضا، وبالتالي سننطلق للتو إلى هذا العنوان. فبداية رواء مكة ليس عنوانا ككل العناوين فروى حسب ما يتبادر إلى الذهن دائما هو إمتلاء هو إشباع لحاجة ملحة بعد ظمإ لفترة قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة،  وهذا الرواء يعطي إحساسا بالإنتشاء قد يكون هذا الرواء نفسيا وقد يكون فيزيائيا وهذا ما سنحاول من خلال هذه الورقة توضيحه وكذلك تجليته بالطريقة وبالشكل الذي سيجعلنا نضع أيدينا على أهم ما كان يرمز إليه ويقصده المؤلف من خلال هذا العنوان ويمكن سحب الإرتواء على الأرض والإنسان والحيوان وجميع الكائنات فالإبل ترتوي بعد عطش وظمإ والإنسان كذلك والأرض أيضا وبالتالي فهذه الرمزية تعني أيضا البهاء والإشراق واللمعان والإمتلاء حدود الإمتاع وحدود الإنتشار وقد يكون ويرمز الرواء والإرتواء والري أخذ قسط وافر من العلم أيضا بعد طول انتظار وبحث وتمحيص وكذلك رحلة في دروب العلم والمعرفة فالإنسان يكون متعطشا الى المعرفة وعادة هذه المسالة لا تنسحب على الإنسان المتعلم وإنما أيضا الإنسان المتلهف إلى المعرفة وإلى العلم كما هو الحال بالنسبة للإنسان الذي لا يحسن الكتابة والقراءة الإنسان الذي يصطلح عليه بالأمي مع العلم أن الأمية اليوم لم تعد مرتبطة بمن لا يحسن القراءة والكتابة وإنما تجاوزته إلى من لا يتقن اللغات الحية ولا يتقن كذلك التعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة ان رمزي يتمكن في ذهنية المسلم ليست ذات معنى جامد، بل انها محرك فعلي متصل بالممارسة الشعائرية وغير مقتصرين عن البنايات أو الأشخاص من الخارج دون أرواحهم بل إنها تهيج النسق الإيماني وتكمل التوازن واللذة التي يلامسها المتعبد في صلاته. والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه العزيز:" الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا". فالله سبحانه وتعالى لم يجمل أماكن العبادة في كلمة واحدة لكنه فصل فيها ،وهذا ما يدل على أن الطبيعة المعمارية تؤثر تأثيرا كبيرا في خلق وعي متدين ومرتبط بأصول الدين لدى الفرد والجماعة إذا فالرمزية المادية هي مواكبة حية ونشيطة للتصور الروحي وشكل من أشكال الإعتقاد الذي يتبناه المؤمن في طائفته ولبنائه هويته العقدية. وتكتسي مكة وتحتل مكانه هامة ومقدسة لدى جميع وعامة المسلمين في ربوع الكوكب الأرضي قاطبة فهي الوجهة المفضلة الروحية لدى عموم المسلمين في ربوع الأرض كلها فأمنية كل مسلم دائما هي زيارة مكة نظرا لرمزيتها ومكانتها في الإسلام وفي الشريعة الإسلامية ،وكذا في السنة النبوية الشريفة.

 إن مكة ليست ككل الأمكنة في العالم .إنها أطهر وأقدس وأنظف وأجمل بقعة في الأرض على الإطلاق وفضلها رب العالمين وجعلها الوجهة التي ينبغي على المسلم إذا توفرت لديه الإستطاعة لزيارتها وحجها وممارسة شعائره الدينية فيها كي يكتمل إسلامه، فمن توفرت لديه الإمكانات المادية يتوجب عليه في الدين الإسلامي التوجه الى الحج وبالتالي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة فرمزية مكة بلا حدود مكة، الدين مكة، العبادة مكة مهبط الوحي على أفضل خلق الله على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه .ويقول حسن أوريد في رواء مكة "كل التحولات العميقة في حياة الأفراد كما في حياة المجتمعات تأتي وئيدة حتى لا تكاد ترى وحدث ذلك التحول الذي أحالني شخصا آخر في رحاب مكة".الرواية ص49. إن الدلالة العميقة لرمزية حج الكاتب إلى مكة تعني الخلاص من مجموعة من المعتقدات والأيديولوجيات المترسخة في فكر وشخصية الكاتب فهي تصالح معدات نقطة تحول دقيقة في تفكيره فبعدما نشأ الكاتب في نفحات دينية ببيت معروف بالتزامه وتشبته بالدين الاسلامي، حيث نشأ منذ طفولته على هذه الطقوس الدينية والنفحات الروحانية التي مهما حاول الزمان تغييرها والأمكنة والتأثير فيها إلا أنها لم تستطع أن تثبت وأن تستمر رغم السنوات التي غمرته فيها هذه الإعتقادات وهذه الإيدولوجيات حجبت عنه ما ترسخ في ذاكرته من نفحات دينيه وطقوس ربانيه ببيت درج على حب الله والتمسك بالإسلام وتعاليمه السمحة فهذه رمزية التوبة النصوح. ويمكن اعتبار مكة نقطة تحول حاسمة في حياة الكاتب إذ نقلته من ايديولوجيات ومعتقدات رافقته ردحا من الزمن ،إلى البدايات الأولى ببيته الأول في أحضان عائلته ووالديه، فرمزيه التوبة والعودة إلى الله حاضرة بقوة لدى الكاتب ورمزية مكة لا يعلى عليها لدى كل المسلمين، رمزية فوق كل الرمزيات ودلالتها دلالات لا حصر لها لدى كل المسلمين المتشبثين بدينهم الحنيف .إذن فنحن أمام مكان مفتوح لسائر المسلمين القادرين على حجه وزيارته وغسل ذنوبهم والتخلص منها ومغلق على غير المسلمين فهو مكان أيضا ثابت غير متحرك ثابت في الزمان ثابت أيضا في المكان.

  1. المسجد

  يعتبر المسجد من الأمكنة المقدسة الروحانية والتي يستلهم الانسان منها جانبه الروحي فهو يشعر في هذا المكان بالطمأنينة والسكينة والامان والراحة النفسية، لذلك حينما يلجه يشعر بكيانه وبقربه من خالقه، فهو ليس كغيره من الأمكنة على وجه الأرض. وقد ورد ذكر المسجد في رواية رواء مكة عدة مرات إن بالمغرب أو خارجه بالأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية فبالنسبة للمسجد يرد ذكره "مسجد صغير في حي تيمدقين الشعبي بإفران والبرد والثلج والزمن بداية الثمانينات والساعة العشاءان وعمري لا يربو على العشرين إلا قليلا اقفو على بوابة المسجد فلا أجد إلا الفراغ مصاحف في رفوف ونور باهت من مصباح من على السقف" الرواية ص.49 ويرد مرة اخرى في قوله:" توقفت بالمسجد ما بين العشاءين عسى أن أجد لأخي اثرا أو أسمع خبرا وتمليت بيت الله فلم أجد إلا الفراغ كانت تلك اللحظة القطيعة مع كل موروث كما لو أني أودعه لم أشعر بشيء يملأ ذلك المكان و يختصه بشيء الرواية ص 20 .

 لم يكن يمثل المسجد بالنسبة للكاتب اي شيء سوى مكان فارغ لا يحس تجاهه بأي إحساس من أي نوع كان هو مكان من الأمكنة وانتهى، ويحضر المسجد في الرواية وفي حياة الكاتب بشكل كبير إذ نجده مرة أخرى حيث يقول : "ذات مرة سالت والدي وقد عاد من المسجد بعد صلاة المغرب في صقيع إفران

- اما كان حريا بك أن تقبع هنا في البيت وسط الدفء مع أولادك عوض أن تقطع الطريق وسط هذا الزمهرير من بيتنا بحي الشباب  (  la maison française، وهو اسمه القديم ) إلى مسجد النيجر( وهو المسجد الوحيد آنذاك بمدينة إفران)".الرواية ص 25 . اما في طفولته فتحضر علاقته بالمسجد مرة أخرى وبصيغة أخرى يقول:" وبمسجد بوتالمين كنت أذهب أنا وأخي عبد الله نصلي مع أترابنا، وكأن صلاتنا ليست استجابة لدعوة الله وحده ولكن استشعار لبلوغنا" الرواية ص 83 .

 تلكم كانت نظرة حسن إلى المساجد بالمغرب، أما نظرته إلى هذا المكان المقدس خارج المغرب بالأراضي المقدسة فقد جاءت كما يلي :"أرى المسجد بمنظار آخر غير النظرة التي رأيتها فيه في زيارتين رسمتين.. الذي راقني فيه سعته للمصلين وللمؤمنين وغير المصلين .الذي راقني هو وظيفته الإجتماعية التي تتيح للناس أن يجلسوا بأفنائه وأن يتحادثوا ويمرحوا ويناموا وأن يلقوا الدروس في حلقاته .هي هذه الوظيفة التي نفتقدها في المغرب إذ أضحت المساجد أماكن للتعبد ليس إلا.. زرت قبر النبي عليه السلام ووقفت بالمكان ما بين المنبر والقبر والمعروف استنادا للحديث النبوي بأنه روضة من رياض الجنة. كان يعرف ازدحاما كبيرا ولم يتأت لي أن أصلي ركعتين. إلا بمحاذاته وليس ما بين المنبر والقبر" الرواية ص 101/102 ،  ويتابع قائلا:" استيقظنا قبل الفجر واتخذنا مجالسنا  وما هي إلا دقائق حتى امتلأ المسجد وقد قرأ الإمام سورة الملك في ركعتين.. العجيب هو هذه الجموع من كل البلدان والأجناس والثقافات وفي ذلك قوة الإسلام".الرواية ص 102.الملاحظ أن نظرة الكاتب تغيرت تغيرا جذريا تجاه المسجد، باعتباره مكانا للعبادة والراحة النفسية والروحية .وعليه فإذا عدنا إلى ما طرحناه سابقا في المقاطع السابقة بخصوص علاقته بالمسجد نلاحظ أنه تغير تغيرا جذريا، فالنظرة غير النظرة ،والإحساس غير الإحساس إذن، فدلالة المكان تغيرت أيضا، وبالتالي فرمزيته أصبحت رمزية تتقاطع مع جل المسلمين، لكنه يزيد عنهم بكثير نظرا لوعيه وإيمانه المبعوث، علما أنه كان في السابق سليل أسرة متدينة يحفها الإيمان من كل جوانبها، وفي كل دقائق حياتها، إذن فالرمزية اليوم غير الرمزية بالأمس .كان المسجد مكانا فارغا بالنسبة للكاتب واليوم أصبح مكانا يفيض بالمشاعر والعواطف المشعة بالأنوار الإيمانية والعرفانية. والمسجد مكان مغلق على الكافرين وغير المسلمين نظرا لطهارته وقداسته ومفتوح لكل المسلمين الراغبين في ولوجه والتعبد فيه والصلاة بداخله.

  1. الطائرة

تحضر الطائرة في هذه الرواية لا باعتبارها ،وسيلة نقل ينتقل على متنها الكاتب من مكان إلى مكان آخر، وبشكل دقيق من المغرب إلى الأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية،  ولكن تحضر باعتبارها، عاملا مساهما ومساعدا. اذ سيغادر الأرض محلقا في السماء وهي رمزية على الرغم من ذلك وكأنه يرتفع ويسمو من الأرض، تاركا خطاياه وذنوبه وآثامه بمسقط رأسه وبوطنه المغرب، محلقا في الفضاء والجو وكأني به يرتفع من الأرض نحو السماء، باحثا عن الخلاص وعن التخلص من همومه وآثامه وخطاياه. وعليه فالطائرة تصبح عاملا مساهما و في تطهيره وكذلك في مساعدته على التغير من حالة الشك الى حالة اليقين ، ومن المدنس نحو المقدس . يقول بهذا الصدد: " استدير من الكرسي كرسي الطائرة ذات اليمين وذات الشمال أشياء تتهاوى علي دراكا كأنما هو البرد أضع ذراعي على رأسي كأنما أتحامى وقعه ...ألا تدعني هذه الهجمات؟ هو ماضي؟ وهل هو ماض؟ لقد أقبرته أنا مقدم على الحج وهل اقبرت ذاك الماضي؟ لا تزال أغلال تربطك به ؟ "الرواية ص 44

  1. المستشفى

عادة المستشفى هو مكان للإستشفاء، والتطبيب وكذلك تخفيف الآلام والأمراض بأنواعها الخطيرة والأقل خطورة، لكنه يحضر هنا بهذا الصدد كمعادل رمزي استشفائي للكاتب ذا عمق روحاني ينقل المريض من حالة مرضية اعتقادية الى وضعية مخالفه تماما، فقد حضر الكاتب قصد الإستشفاء من مرض عضوي لكن رمزية هذا الحضور إلى هذا المكان بالضبط تكتسي رمزية أخرى، استشفاء من أمراض عقدية اعتقادية دينية إلى مرحلة استشفائية نقاهية أخرى بعيدا عن معاناة المرض. فالمعاناة النفسية والروحية أكثر وطء وألما من المعاناة العضوية، وهذا ما يرمز إليه المستشفى بالنسبة للكاتب:" يقول وقصدت فرنسا مرتين لإجراء العملية لمعالجة الخطأ الطبي عند من يعد من كبار المختصين وفي أرقى المستشفيات ولم تكلل العملية بالنجاح فلم أر بدا أن اقصد طبيبا مغربيا في مستشفى عمومي". الرواية ص 15. لم تكن هذه المرة هي المرة الوحيدة التي دخل فيها الكاتب المستشفى بل ستتوالى هذه الزيارات كلما اشتد به المرض ودعت الضرورة إلى ذلك يقول ووصلت المستشفى بالرباط خمس دقائق قبل الموعد المحدد قادما من الحفل الفلسطيني بمكناس وحل الطبيب لم يبد من ملامحه أنه كان واثقا بل لم يبد أنه كان مهتما حضر في الموعد المضروب ووصف لي مهدئات ثم وعد بأن يأتي عند الغد على الساعة السابعة صباحا. وعن ذاك الطبيب في الموعد، كما لو هو ساعة سويسرية .. لا أزال أذكر والليل بهيم، وآلام شديدة تعتصرني بعد العملية، أني حاولت أن أمد يدي إلى ناقوس الممرضة، فلم أستطع لشدة الآلام وبرحائه، فاستعضت بآلة التحكم عن بعد للتلفاز التي كانت على مقربة مني. أشعلت التلفاز لأسلو، لأنسى آلامي"الرواية ص 16.  هذا بخصوص ولوج الكاتب للمستشفيات المغربية. أما بخصوص ولوجه لمستشفيات خارج البلاد فيقول:" دخلت المستشفى فحصني الطبيب، وشخص داء الزائدة، وقرر إجراء العملية على عجل... واستفقت على آلام الجرح... ولكن شيئا أخذ يعتمل في نفسي القلقة.. في فترة النقاهة التي امضيتها بمستشفى بكوالالمبور انغرست بذرة فؤادي ..

كان الطبيب حفيا بي. وكان أن رزق ولدا، ولكنه رأى أن لا يبرحني. وسألته والطبيبة التي كانت تساعده لما أنتما حفيان بي؟ أجابا: لأنك أخ في الاسلام ولا يمكن ان نتركك وشأنك وقد غادر وفد بلدك". الرواية ص 69. 

  1. البيت

لا يشعر الإنسان عادة بالطمأنينة والإرتياح إلا حينما يستقر ببيت يأويه، ويحميه من البرد ومن الحر، ومن شر الخلق ليحقق نوعا من الإستقرار النفسي والمعنوي، كما يلعب البيت دورا مهما في تخليد الذكريات منذ الطفولة وحتى الكهولة أو الشيخوخة، لذلك فهو مكان له مكانته ولا يجد الانسان نفسه الا فيه، فمنه ينطلق واليه يعود كلما جارت دروب الحياة وهمومها ومشاغلها ومشاكلها عليه. "البيت يحمي احلام اليقظة والحالم ويتيح للإنسان ان يحلم بهدوء ان الفكر والتجربة لا يكرسان وحدهما القيم الإنسانية فالقيم المنسوبة الى احلام اليقظة تسم الإنسانية في العمق يتميز حلم اليقظة بالاكتفاء الذاتي اذ يستمد متعه مباشرة من وجوده ذاته ولهذا فان الأماكن التي مارسنا فيها احلام اليقظة تعيد تكوين نفسها في حلم يقظه جديده، ونظرا لان ذكرياتنا عن البيوت التي سكناها نعيشها مرة اخرى كحلم يقظه، فان هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة[13] يقول أوريد :" كنت تعبا حقا من  أن أسكن بيتا ليس لي وكانت هناك إشراقات تغري بأن أعود إلى بيتي الأول بيتي الذي سمعت فيه صوت القرآن يتلى من الفجر يصبح به والدي وفيما ناغتني به والدتي من أشعار أمازيغيه في مدح الرسول عليه أزكى الصلاة والسلام أو هي تتلو علي قصة النبي يوسف عليه السلام ثم فيما غرسته جدتي في نفسي ورعاه والدي ولكن ذلك الميراث أضحى في فترة من حياتي طقوسا ونصوصا وكان يصدني عن السير"الرواية ص 49 . ويواصل في مكان آخر من الرواية:" كانت جدتي قد نهضت مع الفجر من غرفتها المشرفة على الحوش ، وصلت الصبح ، ثم اقتعدت في زاوية من "الغرفة "تذكر الله ... ثم أراني قد صعدت الدرج حيث والدي في الغرفة فيخرج أبي فرحا مبتهجا وهو يسمع ندائي نداء القرآن رحم الله عمتي من كنت أناديها بأختي ... ثم أراني في بيتنا بواحة بوتالمين وقد غشينا أنا وأخي عبد الله المدرسة نتردد أثناء العطل على الكتاب لنحفظ القرآن .." الرواية ص 82 إن إسهاب الكاتب في وصف بيت عائلته بالراشدية، معناه الإرتباط بالجذور، و له دلالة عميقة بالإرتباط  والإنتماء إلى الجذور وإلى المنبع،  فرمز البيت بالنسبة اليه او رمزيه البيت تعني دلاله عميقة معناها العودة الى الأصول وإلى حيث ظلال القران الوارفة، تظل بيت أسرته وتحفها الملائكة. ولذلك فلا نستغرب إحساسه وحنينه بالعودة إلى تلك الديار لما خلفته من ذكريات كثيرة وجميلة في ذاكرته الصغيرة رمزية المكان بالنسبة إليه وبيت أبويه لهما دلالة كبيرة لديه .

  1. الأمكنة المفتوحة
  • المدينة المنورة

تحتل المدينة المنورة مكانة خاصة لدى عموم المسلمين في بقاع المعمور، نظرا للأدوار الطلائعية الدينية التي لعبتها في تاريخ الإسلام فإليها هاجر الرسول الكريم صلوات الله وسلامه  عليه واستقبل  أيما استقبال، سيظل التاريخ يسجل بمداد من عسجد ذلك الإستقبال الذي حظي به رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من لدن هذه المدينة وساكنيها، والحب الذي كانوا يكنونه لرسول الاسلام حينما هاجر إليهم قادما من مكة، بعدما ضيق عليه سكان قريش المجال فخرج مهاجرا إلى المدينة المنورة التي فتحت أحضانها لاستقباله وكان استقبالا لن يتكرر في التاريخ الإسلامي إنه استقبال خير البرية والأنام رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم محمد ابن عبد الله.

 ومثلما شكلت هذه المدينة نقطه تحول مفصلية  وحاسمة  في تاريخ الاسلام كان الأمر نفسه بالنسبة للكاتب حسن أوريد  يقول بهذا الصدد" بعد صلاة العشاء خرجنا مع مغربي يقيم بالمدينة ويشتغل في الفندقة أخذنا الى مكان موقعة أحد..  مكان مهمل وربوة هي المكان الذي كان به الرماة .. أما كان خليقا الاعتناء بهذا المكان عوض أن يكون شبيها بأسواقنا الأسبوعية؟ أخذنا مرافقنا المغربي إلى الجانب العصري من المدينة : تجليات العولمة، ساحات كبرى للتسوق، ماركات عالمية، مقاهي، مطاعم، كأنما فصلت عن مكان العبادة... وأراني المرافق جبلا به يوجد قصر الملك ، وشرح لنا أن الدجال سيخرج من هناك، ولكنه لن يدخل المدينة-على خلاف مكة-  و أنه حسب حديث،  سيخرج إليه أربعون ألف منافقا أو – سبعون - لا أذكر، وانه سيضرب بسيفه شخصا فيفصله شقين، فيرده إلى حالته الأولى، فيقول له أو لم تؤمن بي أني أنا الله؟  فيرد الشخص الذي فصل شقين ثم رد إلى حاله الأول: بل أنت الدجال. وإثر ذلك يفصل الدجال إلى الشام.. استمعت الى قول محدثي دون أن أعقب. سألته إثرها عن مقبرة البقيع ، وقال لي إن موتاها أول من يبعث يوم الحشر. الرواية 104/105 المدينة المنورة نورها شاع في الكون حينما حل بها سيد الخلق سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه فأصبحت منورة وتلك رمزية دينية قدسية،  تبين أهمية هذه البقعة الطاهرة من الأرض، ولذلك أنشد سكانها حينما استقبلوا أعظم رسول في الكون :طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع،  ولذلك فالدلالة العميقة والرمزية لهذه المدينة بالنسبة لصاحبنا وكاتب الرواية تعتبر نورا أنارا دربه وقلبه وسبيله وأخرجه من الظلمات إلى النور وهذه المدينة تعتبر  فأل خير بالنسبة إليه.

  • الصحراء

لطالما اعتبرت الصحراء بقعة جميلة ساحرة، تمتد في المدى بواحاتها ونجومها الساطعة ليلا وكثبانها الرملية ورحلات ساكنيها أومرتاديها، حيث يستمتع زائروها وساكنوها بسحرها وهدوئها وصفاء جوها، وطيوبة أهلها، وبالتالي فالعرب عاشوا داخل هذه الصحاري حياة مليئة بالشغف والفن والإبداع الشعري الرصين الذي امتد لقرون منذ العصر الجاهلي الى اليوم. فقد شغلت الأدباء وألهمت الشعراء منذ قديم الأزمان . وحسب ابراهيم الكوني:" الصحراء وحدها تغسل الروح تتطهر تخلو تتفرع، تتفضل فيسهل ان تنطلق لتتحد بالخلاء الابدي" .[14]

لقد كان الكاتب ولعا عاشقا للصحراء محبا لها ولأجوائها ولهدوئها، ورجالاتها الخلوقين يقول بهذا الصدد:" كنت أبحث عن بقايا هذه الذهنية في الصحراء، كما لو أن الصحراء هي المتحف الذي يحفظ ما تبقى من هذه العقلية.. كنت كلفا بالصحراء أجوب فيافيها، وأقرأ آدابها، وأجمع أهلها فيما سلف من عمري، في بعض الثغاء من مهرجان كنت أشرف عليه.. هناك اكتشفت ابراهيم الكوني، أديب ليبيا النحرير. وتعرفت الى شاعر ومغن كبير من الطوارق، ومن صحراء جانيت بالجزائر، عثمان  بالي لا ازال اذكره وقد حل واسرته ونحن على كثيب رمال مرزوكة.. وكان له موعد مع الصحراء، في صحراء جانيت، حينما جرفته السيول. رحمه الله . كنت أرى في الصحراء أرضا للقاء، رباط الصحراء هو فكرة. الصحراء تهزأ بالمكان.. وكنت أجري وراء سراب.. أضحت الصحراء مزقا تأبى على بنيها أن ينتقلوا فيها.. بل صاروا يقتتلون من اجل خريطة، ومن أجل مكان يضيق بما رحب.. كنت أريدها نورا ينداح ليملأ الأرجاء بلا تمييز بين الربى والآكام والكثبان والآطام". الرواية ص 68.

 الصحراء رمز للبطولة، والنقاء، والصفاء ودماثه الأخلاق،  والكاتب ينحدر من تلك المناطق،  صحراوي قح يمتح من ثقافة الصحراء، وبراءة أهل الصحراء، ومن كرمهم الحاتمي. فهم بالنسبة إليه رمز الكرم والجود والسخاء، والنقاء لكنه من خلال ذلك يرمز إلى خلاف بين الإخوة الأعداء، المغرب والجزائر وإلى الخلافات حول الصحراء المغربية ،  الأرض التي أدت الى قطيعة بين الأهل والإخوة . صراع مفتعل ومصطنع يروم تقسيم وتشتيت دول المغرب العربي ومن خلاله الأمة العربية والإسلامية.

الصحراء مكان مفتوح على المدى،  تفتح ذراعيها لكل من يود زيارتها بكرمها وجودها وخيراتها ونقائها وصفائها،  مترامية الأطراف شاسعة المدى، بكثبانها الذهبية التي تعكس المعدن الأصيل لهؤلاء السكان، سكانها ، ولهاته المناطق الطيبة، طيبوبة لم يعد لها وجود إلا بهذه المناطق ، لم تفعل فيهم العولمة فعلها بعد .

  • عرفات

عرفة جبل يقع بين مكة والطائف ويعتبر ركنا ركينا من أركان الحج ومن أهم مناسك الحج أيضا، وتقام به وقفة تسمى وقفة عرفة وذلك في يوم التاسع من شهر ذي الحجة وتعد الوقفة بعرفة أهم مناسك الحج، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فهو ليس جبلا ككل الجبال بل يكتسي قدسية، ومكانة عظيمة عند رب العالمين، والوقوف به أثناء آداء مناسك الحج ضرورة لا نقاش فيها، بدون الوقوف بعرفة لا يمكن أن نتحدث عن حج،  فلا يقبل الحج ولا يكتمل إلا بالوقوف بجبل عرفة، فدلالة الوقوف بعرفة دلالة عميقة تكتسي رمزية هامة، ويسمى بجبل الرحمة وهو المكان الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم لإلقاء خطبه الوداع. فله قدسية ورمزية هامة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا جميع المسلمين. أما رمزيته  و دلالته  العميقة بالنسبة لصاحبنا أوريد  فهي وداعه لحياته السابقة، حياة العلمانية وحياة اللهو وتوديعه لآثامه التي تنوء بحملها الجبال كما يقول هو نفسه  ، وبذلك ودع مرحلة ليستقبل أخرى ،أكثر إيمانا وتقربا إلى الله سبحانه وتعالى . ويوم عرفة هو واحد من أيام العشر الليالي التي حلف بها الله تعالى في سورة الفجر حيث قال:" والفجر وليال عشر هل في ذلك قسم لذي حجر" سورة الفجرالآية:1،2،3،4،5

  • أحد

أحد هو جبل يطل على المدينة المنورة ويكتسي أهمية خاصة في تاريخ الإسلام وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم شهد هذا- الجبل عدة أحداث بعد ظهور الإسلام ، وله مكانته الدينية يقول عنه الكاتب: " نظرت إلى أحد وساحة المعركة نظرة اخرى غير النظرة المجردة التي تراءت لي من مكان مترب.. أحد هو امتحان للمسلم. حتى لا تغريه الغنائم فيذهل عن الحق ويقع في المحظور. هو امتحان في مسار المؤمن .هو معرض للنكسات ،عرضة للنكبات، موضع الإبتلاء، بيد أن عليه أن يتجاوز تلك المحن، أن يجعل منها معراجا. لا ينبغي لها أن تثبط همته أو تنال من عزيمته. ليست الحياة طريقا لحبا قاصدا لا  اعوجاج فيه …كيف لا نحب جبل أحد وهو يحدثنا دوما ويجزي لنا من النصح ما ينفعنا في مواجهة الصعاب ومقارعة الخطوب؟  الرواية ص 67/68 . يقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في جبل أحد" أحد جبل يحبنا ونحبه" فهل من رمزية يمكن إصباغها وإلحاقها بجبل أحد أفضل مما قاله فيه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه. فالدلالة العميقة لهذا المكان دلالة لها من السمات والدروس والعبر والرمزيات أيضا ما يجعلها جديرة بالزيارة أما رمزية أحد بالنسبة للكاتب فهي صموده أمام المحن والعواصف التي واجهته في حياته وانتقاله من حقبة متمردة لاهية ماجنة الى حقبة موسومة بالعرفان لرسولنا الكريم ولديننا الحنيف الإسلام. لقد ظل الكاتب كالطود أمام كل ما واجهه من صعاب ومؤامرات كادت تعصف بمستقبله وحياته وأسرته .

  •  منى:

تعرف منى بأنها موضع لأداء شعائر الحج، ومبيت الحجاج في يوم التروية، ويوم عيد الأضحى التشريق حيث إن فيها موقع رمي الجمرات والتي تتم بين شروق وغروب الشمس في تلك الأيام من الحج، رمي الشيطان الرجيم، ويذبح فيها الهدي يقول فيها حسن أوريد :" كل هذا يهون أمام تجربه رائعة هنا بمنى أقوام من كل مكان ومن كل الاجناس، يرتدون لباسا واحدا، ويسكنون حضن الجبل، وهذا  الذي يضفي قوة وجمالا على المشهد، ارتباطه بالطبيعة وبالتجربة الأولى ثم هذه التجربة البسيطة للمسلمين وهم يعيشون سواء وقد تجردوا من حطام الدنيا ولباسها تجربة جماعية هي غاية الحج هذا التواجد الذي كنت انشده ". الرواية ص 161.  لباس الحجيج للبياض وخاصة الإحرام يجعل المنظر مهيبا ورهيبا لأنه زي موحد وهو رمز النقاء والصفاء والطهارة والسلام والسكينة كالملائكة، وهو يحيل على المساواة بين كل العباد وتركهم متع الدنيا ومتاعها ومظاهرها الخداعة  والتوجه صوب رب العالمين . وهذا النوع من اللباس أو من الزي الأبيض الناصع البياض والموحد بين كل الحجيج هوشبيه بالكفن وناصع لأنه يرمز الى النقاء وإلى الطهر وإلى التخلص من آثام الدنيا وذنوبها ومعاصيها ...

  • خاتمة

بناء على ما سبق يتضح أن رواية رواء مكة لحسن أوريد ، رواية غنية بلغتها وأسلوبها وطريقة حكيها، ما يجعلها رواية فريدة من نوعها،  لها راهنيتها من الناحية الجمالية الفكرية والإبداعية واللغوية، إذ تحبل بالرموز مما يبوأها مكانة شائقة ورائقة،  فهي رواية استثنائية تحفل بمنجز سردي يشكل أيقونة في مسار.

المراجع والهوامش

المصدر:

  • اوريد حسن رواء مكة المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى 2019 الدار البيضاء المغرب.

 


[1]  -  الورياغلي مصطفى ، فكر المتخيل في الرواية المغربية ، الطباعة والنشر أأعمدة سليكي أخوين طنجة ،فبراير، ص 14/15

  [2]   - النصيرياسين الرواية والمكان دار الشؤون الثقافية العامة العراق بغداد الصفحة 17

[3] - كاستون باشلار جماليات المكان ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية 1984 الصفحه197 198

[4]  - ]- بتقة  سليم، تلمسات نظرية في المكان واهميته في العمل الروائي مجلة المخبر ابحاث في اللغة والادب الجزائري جامعه محمد خيضر بسكرة الجزائر العدد 06 - 2010 ميلادية صفحة واحد

5- بحراوي  حسن بناء الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الاولى 1990  الصفحة 30

[6] - حميد لحميداني بناء النص السردي من منظور النقد الادبي المركز الثقافي العربي ، الطبعة الاولى 1991 الدار البيضاء .  الصفحة65

[7] - جاستون باشلار جماليات المكان الصفحة 37

[8]  - مهدي عبيدي جماليات المكان في ثلاثية حنا منا مهدي عبيدي الصفحة 193

[9]  - كاستون باشلار جماليات المكان ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع الطبعة الخامسة 2000 الصفحة 61

[10] - مرشد احمد المكان والمنظور الفني في روايات عبد الرحمن منيف دار القلم العربي بحلب الطبعة الاولى 1998 ميلادية الصفحة 41

[11] - وطفة علي أسعد ، الرمز ماهية وتجليا الحقل الدلالي للرمز في الفكر الانساني ، مجلة نقد وتنويرhttps://tanwair.com/archives/12532/amp

[12]  - عبد الرحمان عبد الهادي ، سحر الرمز  مختارات في الرمزية والاسطورة الطبعة الاولى 1994 ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، اللاذقية سورية ص 9

[13] - عبيدي مهدي جماليات المكان في ثلاثية حنا منا الصفحة 193

[14]  - ابراهيم الكوني رياض اليس للكتب والنشر لندن سبتمبر 1984 الصفحة 453

 الرواية والمكان رواء مكة لحسن أوريد أنموذجا
Partager cet article
Repost0
13 septembre 2024 5 13 /09 /septembre /2024 14:18
علوم التربية بين مداخل المنهاج وعلاقتها ببيداغوجيات المقاربة بالكفايات

علوم التربية

بين مداخل المنهاج وعلاقتها ببيداغوجيات المقاربة بالكفايات

د.محمد كنوني*

دراسة محكمة

*باحث في علم الاجتماع ، أستاذ التعليم الثانوي بالمديرية الإقليمية بتاونات

ملخص

يتمحور المنهاج المغربي التعليمي حول تربية النشء وتأهيلهم لتحقيق الكفايات الضرورية للحياة والمجتمع. يركز هذا المنهاج على تطوير مهارات التفكير النقدي، وتعزيز المعرفة العلمية، وتشجيع الإبداع والتعبير الذاتي. وتعتبر المدرسة في المغرب مؤسسة تربوية تعمل على صقل شخصية التلميذ وبناء مجتمع واعٍ، كما أنها تساهم في تعزيز روح المواطنة والتسامح والحوار. تشمل قيم المدمجة في هذا الإطار القيم الوطنية، الدينية، والإنسانية، مع تركيز خاص على قيم التضامن، التعاون، والمسؤولية. هذا ويُعزز المنهاج التعليمي احترام التنوع الثقافي وتقبل الآخر، وهو ما يتجلى من خلال المواد الدراسية والأنشطة التي تنمي روح المشاركة. يسعى النظام التعليمي إلى تحقيق توازن بين التعليم الأكاديمي والتنمية الشاملة للشخصية، مع مراعاة التأقلم مع متطلبات العصر الحديث والتحديات التكنولوجية.

الكلمات المفاتيح: علوم التربية، المنهاج المغربي، المقاربة بالكفايات، البيداغوجيات

Abstract

The Moroccan educational curriculum focuses on nurturing young people and equipping them with the essential competencies for life and society. This curriculum emphasizes developing critical thinking skills, enhancing scientific knowledge, and encouraging creativity and self-expression. Schools in Morocco serve as educational institutions that refine students' character and contribute to building an aware society while promoting citizenship, tolerance, and dialogue. The values embedded in this framework include national, religious, and human values, with special emphasis on solidarity, cooperation, and responsibility. The curriculum fosters respect for cultural diversity and acceptance of others, reflected in subjects and activities that cultivate a spirit of participation. The educational system aims to balance academic learning with comprehensive personal development, taking into account adaptation to modern demands and technological challenges.


Keywords: Educational sciences, Moroccan curriculum, competency-based approach, pedagogies

مقدمة:

تلعب علوم التربية دورًا جوهريًا في تعزيز الفهم العميق لكيفية عمل المنظومة التعليمية، فهي ليست مجرد مجال نظري بل هي إطار يوجه الممارسات التربوية ويوفر أدوات فلسفية ومنهجية لتحسينها. من جهة أخرى، تعتبر الممارسات المهنية جوهر تطبيق هذه العلوم، حيث تعكس قدرة المعلمين على تطبيق المعرفة التربوية في سياقات تعليمية متنوعة. هنا تأتي أهمية التبصر المهني كآلية عقلية وفلسفية تمكّن المعلم من التفكير الناقد في عمله وتطويره بشكل مستمر.

أولا: التربية على القيم في المنهاج المغربي

ترتبط التربية من منظور فلسفي بمفهوم بناء الإنسان ككائن مفكر ومتفاعل مع محيطه، فهي تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة التي تمس العقل والوجدان والجسد. تقوم التربية على غرس القيم وتنمية المهارات التي تمكن الأفراد من التفكير النقدي والإبداعي، مما يجعلها عملية شاملة ومستدامة تتجاوز حدود التعليم التقليدي.

في هذا السياق، تتجلى المقاربة بالكفايات كإطار فلسفي يُعنى بتمكين الأفراد من امتلاك مجموعة من الكفايات التي تشمل المعارف والمهارات والقدرات اللازمة لتكيّفهم مع تحديات الحياة المتغيرة. هذه المقاربة ليست مجرد نقل للمعرفة، بل تعكس فهما عميقا لكيفية استخدام المعرفة وتوظيفها في مواقف واقعية.

التربية، إذن، تتجاوز كونها عملية تعليمية بحتة لتصبح عملية إعداد وتكوين شاملة تدفع الأفراد نحو تحقيق استقلاليتهم وقدرتهم على حل المشكلات واتخاذ القرارات. المقاربة بالكفايات تجعل من التعلم عملية بناءة ومستمرة، حيث يتحول المتعلم إلى محور العملية التربوية ويشارك بفعالية في بناء معرفته، مما يعزز من قدرته على التفكير الناقد والعمل الجماعي والتكيف مع المتغيرات.

ثانيا: العلاقة بين التربية والمقاربة بالكفايات

تعدالعلاقة بين التربية والمقاربة بالكفايات،فلسفية وعميقة؛ حيث تهدف الأولى إلى بناء الإنسان المتكامل، بينما تترجم الثانية هذا البناء إلى ممارسات فعالة تسعى لتمكين الأفراد من امتلاك أدوات التكيف والتطور في عالم يتسم بالتعقيد والتحول المستمر.

من منظور المقاربة بالكفايات، تُعتبر الكفاية قيمة مُفعَّلة في حياة الطالب من خلال تداخل بين المعرفة (ماذا يعرف التلميذ)، المهارات (ماذا يستطيع أن يفعل)، والمواقف (كيف يتفاعل مع مواقف محددة). وهكذا، تتضمن التربية على القيم تحويل هذه الكفايات إلى سلوكيات ملموسة تُمارس في الحياة اليومية، مثل احترام البيئة، والانخراط في العمل التطوعي، والمساهمة في النقاشات البناءة.

بناءً عليه، فإن التربية على القيم في المنهاج المغربي من خلال المقاربة بالكفايات تتطلب دوراً تفاعلياً من قبل المعلم الذي يوجه التلاميذ ويمكّنهم من تطبيق ما يتعلمونه في بيئة تعليمية تشجع على النقاش، التجريب، والتأمل. هذا النوع من التربية يعزز من قدرة التلاميذ على تبني القيم بوعي عميق وممارستها بشكل مستدام.

ينبني المنهاج المغربي على ثلاث مداخل أساسية وهي:

ثالثا: مداخل التربية على القيم:

تعتبر القيم مبادئ وموجهات عامة وأساسية في ضوئها يقسي الفرد الأفكار والمبادئ السائدة في المجتمع، فيقبل ما يتواقف معها وتكتسي طابعا ايجابيا بالبنية للمجتمع فلكي يكون السلوك مقبولا يجب أن يتوافق معها. وترتبط بواقع الحياة اليومية ارتباطا وثيقا. فهي نتاج تفاعل بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، وهي أنواع سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية .

وتكمن أهميتها في وضع المناهج الدراسية في جميع مراحل التعليم من أجل تحقيق التوازن الذي يستهدفه المجتمع في تكويني أفراده، ولذلك تعد التربية مرتكزا للقيم ومرتكزا أساسيا لاستدماجها وتعزيزها وترسيخها نكرا وممارسة فالتربية على التعليم شرطا لازم لتحقيق المواطنة والتنمية المستدامة.

  1.  المدرسة واكتساب القيم

بما أن القيم هي سلوكات ومواقف وممارسات فإنه ينبغي تنميتها في الفضاء المدرسي ليتسع مجالها الى الفضاء المجتمعي العام.

التربية على الاختبار:

تعريف: الاختيار هو التميز والمفاضلة بين عنصرين أو أكثر. وتهدف التربية على الاختيار الى تأهيل المتعلم (ة) لاكتساب القدرة على التمييز واتحاد القرار المتسم بالوعي وحسب التصرف المبني على تفكيره الشخصي وتحليله الخاص.

ودور المدرسة أساسي في تربية المتعلمين والمتعلمات على الاختيار في مع القيم المرجعية الوطنية. ومن بين الموقمات داخل المدرسة الابتدائية لتحقيق ذلك تركز على تكوين سطحية متوازنة ومستقلة في تنمية الوعي بالحقوق والواجبات.

• بالتربية على المواطنة وممارسة الديمقراطية- الثقة بالنفس والانفتاح على الآخر – التتبع بروح الحوار والتسامح والقدرة على تدبير مشاريع شخصية ذات صلة بالحياة المدرسية والاجتماعية.

+ دروس المدرس في تربية المتعلم على الاختيار:

+ تقديم النموذج الايجابي في اختيار القرار المناسب ومناقشة نتائجه.

+ إشراف المتعلمات والمتعلمين في الأمور التي تهم الحياة المدرسية.

+ ترسيخ مبادئ حرية الرأي واستغلالية الفكر والتعلم الذاتي.

+ التربية على النقذ الذاتي.

+مدخل التربية على المقاربة بالكفايات

الكفاية اكتساب موارد داخلية وخارجية وتعبئها وادماجها لحل وضعية ووضعيات معقدة ومتنوعة بفعالية.إن هذا المطلب في المدرسة الابتدائية من نشاطه أن يخلق مواطنا متفاعلا ومتكيفا مع ما سيشهده العالم من متغيرات مشاركة ويكسبه القدرة على الإبداع، وبذلك تتحول وظيفة المدرسة من أداة لتعلم التعلم وتنظيم المعارف وتعبئتها لتصريفها في حل المساكل اليومية والمعتمدة في المستقبل.

وفي مجال التربية والتكوين تتوخى المقاربة بالكفايات تحقيق ما يلي:

+ إعطاء معنى للتعلمات وضمان نجاعة أكير، ثم تحقيق التكافل والتداخل والامتداد بين المواد وكذلك التبريز على مخرجات المنهاج الدراسي بدل الاهداف الجزئية المنعزلة.

+ ابراز وظئفة التعلمات والمعارف باعتبارها وسائل تحل وضعيات مشكلة مرتبطة بالحياة اليومية ومرتبطة باكتساب منهجية التعلم، وتضع المتعلم في قلب العملية التعليمية التعلمية لجعله مبادرا ومبدعا ومسؤولا.

وعموما فقد تبين البحوث التربوية أن رهان المقاربة باللغات نجاعتها في مبدأ التربية والتكوين لذلك يظل الرهان عليها منفتحة.

القدرات: هي أنشطة ذهنية فاعلة للتطبيق في مجالات متعددة. ويظهر عند ما يتم تطبيقها على المضامين المنفتحة

الموارد: هي المعارف والمهارات والمواقف والاتجاهات وكل الوسائل المرتبطة بالوضعية وسياقها والتي تكون ضرورية لبناء وتنمية الكفاية.

  1. تصنيف الكفايات

حسب الوثائق التربوية الرسمية على تصنيف الكفايات التي يتضمنها المنهاج الدراسي إلى:

أ‌- كفايات نوعية أو خاصة: مرتبطة بمادة دراسية معينة أو بمجال ( نوعي أو مهني معين. وهي أقل شمولية من الكفايات المستعرضة وقد تكون سبيلا لتحقيقها.

ب‌- كفايات ممتدة أو عرضانية: تشمل معارف مرتبطة بحسن التواجد والكفاءات العقلانية والكفايات العلائقية والثقافية والتواصلية ....إلخ. وهي كفايات مشتركة بين مواد ومجالات دراسية متعددة.

و ترتبط التربية بمفهوم بناء الإنسان ككائن مفكر ومتفاعل مع محيطه، فهي تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة التي تمس العقل والوجدان والجسد. تقوم التربية على غرس القيم وتنمية المهارات التي تمكن الأفراد من التفكير النقدي والإبداعي، مما يجعلها عملية شاملة ومستدامة تتجاوز حدود التعليم التقليدي.

  1. التربية والمقاربة بالكفايات

في هذا السياق، تتجلى المقاربة بالكفايات كإطار فلسفي يُعنى بتمكين الأفراد من امتلاك مجموعة من الكفايات التي تشمل المعارف والمهارات والقدرات اللازمة لتكيّفهم مع تحديات الحياة المتغيرة. هذه المقاربة ليست مجرد نقل للمعرفة، بل تعكس فهما عميقا لكيفية استخدام المعرفة وتوظيفها في مواقف واقعية.

التربية، إذن، تتجاوز كونها عملية تعليمية بحتة لتصبح عملية إعداد وتكوين شاملة تدفع الأفراد نحو تحقيق استقلاليتهم وقدرتهم على حل المشكلات واتخاذ القرارات. المقاربة بالكفايات تجعل من التعلم عملية بناءة ومستمرة، حيث يتحول المتعلم إلى محور العملية التربوية ويشارك بفعالية في بناء معرفته، مما يعزز من قدرته على التفكير الناقد والعمل الجماعي والتكيف مع المتغيرات.

باختصار، العلاقة بين التربية والمقاربة بالكفايات فلسفية وعميقة؛ حيث تهدف الأولى إلى بناء الإنسان المتكامل، بينما تترجم الثانية هذا البناء إلى ممارسات فعالة تسعى لتمكين الأفراد من امتلاك أدوات التكيف والتطور في عالم يتسم بالتعقيد والتحول المستمر.

وتعد المقاربة بالكفايات من الاستراتيجيات الشاملة التي تستفيد من عدة بيداغوجيات لإعداد المتعلمين بطرق تتناسب مع متطلبات المجتمع الحديث وتطوراته السريعة. فيما يلي نتطرق إلى بعض البيداغوجيات الأساسية التي تحتويها المقاربة بالكفايات،

1. بيداغوجيا المشروع:

تُعتبر بيداغوجيا المشروع جزءاً مهماً من المقاربة بالكفايات، حيث تتيح للمتعلمين العمل على مشاريع تساهم في تطوير مهاراتهم العملية والمعرفية من خلال التعامل مع مواقف حقيقية. تشدد هذه البيداغوجيا على أهمية التعلم من خلال التجربة المباشرة وتنمية الاستقلالية في المتعلم. يشير جون ديوي إلى أن "التعلم الفعلي يحدث عندما يتمكن المتعلم من تطبيق المعرفة في سياقات واقعية"،ديوي، ص. 74.

2. التعلم التعاوني:

ترتبط المقاربة بالكفايات بقوة ببيداغوجيا التعلم التعاوني التي تشجع على العمل الجماعي والتفاعل بين المتعلمين. يساهم هذا النوع من التعلم في بناء الكفايات الاجتماعية مثل التواصل وحل المشكلات. بحسب فايغوتسكي، فإن "التفاعل الاجتماعي هو عنصر أساسي في عملية التعلم وبناء المعرفة"،فايغوتسكي، ص. 56.

3. بيداغوجيا حل المشكلات:

تركز المقاربة بالكفايات أيضاً على بيداغوجيا حل المشكلات، التي تدفع المتعلم إلى استكشاف وتطوير حلول للمشاكل المعقدة، مما يعزز التفكير النقدي والابتكار. تؤكد هذه البيداغوجيا على أن التعلم يكون أكثر فعالية عندما يتم ربطه بمشاكل حقيقية ذات معنى. يُبرز جون ديوي أهمية هذا النهج قائلاً: "التعلم هو عملية استكشاف مستمر، حيث يتم اختبار الأفكار من خلال تطبيقها في مواقف حياتية"،ديوي، ص. 79.

4. البيداغوجيا الفارقية:

تسعى المقاربة بالكفايات إلى تطبيق بيداغوجيا التمييز، التي تراعي الفروقات الفردية بين المتعلمين وتكيف الاستراتيجيات التعليمية بما يتناسب مع احتياجات كل فرد. تدعم نظرية الذكاءات المتعددة لهوارد غاردنر هذه الفكرة، حيث يشير إلى أن "كل متعلم يمتلك مجموعة فريدة من القدرات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لتعزيز التعلم الشامل"،غاردنر، ص. 34.

5. التعلم النشط:

يُعتبر التعلم النشط من الركائز المهمة في المقاربة بالكفايات، حيث يُشجع المتعلمين على المشاركة الفعالة في عملية التعلم، مما يعزز الفهم والاستيعاب العميق للمعرفة. ترتبط هذه البيداغوجيا بمفاهيم البنائية التي يطرحها جان بياجيه، الذي يرى أن "المعرفة تُبنى بشكل تدريجي من خلال التفاعل مع البيئة والتجارب الشخصية"،بياجيه، ص. 112.

6. بيداغوجيا التدريب المستمر:

تشتمل المقاربة بالكفايات أيضاً على بيداغوجيا التدريب المستمر، التي تؤكد على أهمية الممارسة والتكرار من أجل ترسيخ المهارات والمعارف في سياقها العملي. يرتبط هذا بتطبيقات السلوكيات التعليمية التي طرحها ب. ف. سكينر، حيث أشار إلى أن "التعزيز الإيجابي يساعد في ترسيخ السلوكيات المستهدفة وتعزيزها"،سكينر، ص. 89.

تعمل المقاربة بالكفايات من خلال دمج هذه البيداغوجيات بشكل متكامل، مستفيدةً من المفاهيم التربوية والنفسية التي تجعل العملية التعليمية أكثر شمولاً وتلبي احتياجات المتعلمين في الحياة الحقيقية والمهنية.

رابعا: علوم التربية: المفهوم والمجالات

تشتمل علوم التربية على مجموعة من المعارف والممارسات المستمدة من نظريات التعليم والتعلم التي تستهدف تطوير العملية التربوية بجميع أبعادها. تشمل هذه العلوم عدة مجالات مثل:

البيداغوجيا: تعنى بفنّ وعلم التدريس، وتقدم رؤية شمولية للأساليب التربوية.

الديداكتيك: يهتم بتصميم وتقديم المواد التعليمية وتكييفها بحسب المتعلم.

علم النفس التربوي: يدرس العمليات النفسية التي تؤثر على التعلم والتحفيز.

تتجلى العلاقة بين هذه العلوم والتنمية البشرية في قدرتها على بناء متعلمين قادرين على التفكير بشكل مستقل، والمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة للمجتمع.

الممارسات المهنية في التربية :الممارسات المهنية تمثل الالتزام بسلوكيات ومعايير تجعل من التعليم ممارسة أخلاقية ومثمرة. تتجسد هذه الممارسات في:

التخطيط: يشتمل على وضع الأهداف وتحديد الاستراتيجيات المناسبة لتحقيقها.

التدبير: يركز على كيفية تطبيق الخطط بفعالية ومرونة.

التقويم: يشمل تقييم نتائج العملية التعليمية بهدف تحسين الأداء مستقبلاً.

دور المعلم كممارس مهني يتطلب منه تطوير مجموعة من المهارات مثل القدرة على التكيف مع المستجدات، التفكير الإبداعي، وإدارة الصف بفعالية.

  1. مفهوم التبصر المهني في التدريس

التبصر المهني هو قدرة المعلم على التفكير بعمق في تجربته التدريسية من أجل تحقيق فهم أعمق لدوره وتأثيره. يتطلب التبصر:

اتخاذ قرارات تعليمية مدروسة: حيث يستطيع المعلم تكييف أساليبه بناءً على الظروف المتغيرة.

تحليل الأفعال وردود الفعل: ليتمكن المعلم من اكتساب وعي أعلى بنقاط قوته وضعفه.

يمكن تطوير التبصر المهني من خلال التأمل في التجارب التعليمية، سواء كانت ناجحة أو مليئة بالتحديات، ما يساعد المعلم على تحسين ممارساته باستمرار.

  1.  الربط بين علوم التربية والممارسات المهنية

تسهم علوم التربية في توفير إطار مرجعي يعزز من قدرة المعلمين على تحسين أدائهم المهني. من خلال المعرفة التربوية، يستطيع المعلم فهم النظريات الكامنة وراء الأساليب التعليمية التي يتبعها، وتطوير قدرته على تطبيقها بطرق إبداعية. التدريب المستمر والبحث العلمي يلعبان دورًا هامًا في هذا السياق، حيث يمنحان المعلم فرصة تطوير ممارساته بناءً على أحدث الأبحاث والابتكارات.

  1. تطبيقات عملية لعلوم التربية في الممارسات المهنية

الاستفادة من علوم التربية في الممارسات المهنية يتمثل في تبني استراتيجيات تدريسية مستندة إلى الأدلة، مثل:

استراتيجيات التعلم النشط: تحفز المتعلم على المشاركة الفعالة، مما يعزز من فهمه العميق.

دمج التفكير النقدي: يساعد المتعلم على تحليل الأفكار وتطوير قدرته على حل المشكلات.

استخدام التقنيات الحديثة: يساهم في جعل العملية التعليمية أكثر جاذبية وتفاعلاً.

  1. التحديات والمعيقات في تفعيل علوم التربية

هناك مجموعة من التحديات التي قد تواجه المعلمين عند تطبيق علوم التربية في ممارساتهم المهنية، منها:

نقص التدريب: قد يفتقر بعض المعلمين إلى التدريب الكافي على استراتيجيات التدريس الحديثة.

الموارد المحدودة: قد تكون القيود المادية والبشرية في بعض المدارس عائقًا أمام تفعيل ممارسات تعليمية متقدمة.

مقاومة التغيير: بعض المعلمين قد يواجهون صعوبة في تغيير أساليبهم التقليدية واعتماد أساليب جديدة تتطلب مرونة وتفكيرًا إبداعيًا.

  1. استراتيجيات لتعزيز التبصر المهني لدى المعلمين

من الاستراتيجيات الفعالة لتطوير التبصر المهني:

برامج التدريب المستمر: التي تركز على تعزيز قدرات المعلمين الفكرية والمهنية.

التأمل الذاتي: يُعتبر وسيلة أساسية لتطوير القدرة على التفكير النقدي في الممارسات المهنية.

التعاون مع الأقران: حيث يُساهم العمل التعاوني وتبادل الخبرات بين المعلمين في تحسين الأداء وتعزيز التبصر.

خاتمة

تلعب علوم التربية دورًا محوريًا في تحسين الممارسات المهنية والتبصر المهني لدى المعلمين، مما ينعكس بشكل مباشر على جودة التعليم وتطوير المتعلم كفرد قادر على التفكير النقدي والمساهمة في المجتمع بشكل إيجابي. استثمار هذه العلوم في الممارسة التعليمية يعزز من قدرة المعلمين على مواجهة تحديات العصر بروح متجددة وفكر واعٍ.

مراجع وهوامش

  • جون ديوي. التعلم بالممارسة. دار الفكر العربي، 1960.
  • ليف فايغوتسكي. التعلم والتنمية الاجتماعية. دار الثقافة، 1985.
  • هوارد غاردنر. أطر العقل: نظرية الذكاءات المتعددة. دار الكتاب العربي، 1993.
  • جان بياجيه. علم النفس والتربية. ترجمة أحمد خليل. دار العلم، 1980.
  • ب. ف. سكينر. التعزيز السلوكي في التعليم. دار النهضة العربية، 1975.
علوم التربية بين مداخل المنهاج وعلاقتها ببيداغوجيات المقاربة بالكفايات
Partager cet article
Repost0
8 septembre 2024 7 08 /09 /septembre /2024 16:16
 تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية

تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي

 بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل

-دراسة ميدانية لآراء أساتذة اللغة العربية -

د.عزيز عشعاش * 

دراسة محكمة

 

*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية

تقديـــــــــــــم:

يهدف درس النص الأدبي إلى تنمية ذوق الناشئة، وتنمية ميولاتهم واتِّجاهاتهم وتصحيحها، بزرع القيم الإيجابية في نفوسهم، وخلق حافز الإبداع والابتكار الفني لديهم اقتداء بالنماذج الجيِّدة، وإثراء رصيدهم اللغوي والمعرفي، وتمكينهم من أدوات النقد الموضوعي البنَّاء للحكم والتقويم، من خلال وصلهم بالنماذج الأدبية المختارة بعناية ودقَّة، وتمكينهم من عادة القراءة، وربطهم بها باعتبارها الأساس لكل نشاط عقلي أو وجداني أو حسِّي حركي.

وعلى الرغم من أن مشاكل تلقي النص الأدبي متعدِّدة تتداخل فيها متغيرات كثيرة، منها ما هو مرتبط بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجُّهات والخيارات السياسية، ومنها ما هو عائد إلى طبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس، إلا أن أراء الأساتذة تبقى لها أهمِّيتها في استجلاء إشكالات التلقي التي يتخبّط فيها الدرس الأدبي قراءةً من لدن المتعلم أو إقراءً من قِبَل تدخلات الأستاذ.

لذلك، اهتمت هذه الدراسة بتوزيع استبيانات على عينة عشوائية من الأساتذة، تتَضَمَّن أسئلة تروم معرفة رأي هؤلاء الأساتذة - باعتبارهم المشرفين على التنزيل البيداغوجي والديدكتكي لمقاربات تدريس النصوص داخل الفصول الدراسية - حول إشكالات التلقي التي يواجهونها عند تدريس النص الأدبي، وتلك التي يواجهها المتعلم/المتلقي، ومطالبتهم باقتراح الحلول التي يرونها كفيلة بمعالجة هذه الصعوبات والتخفيف من حِدَّتِها حتَّى يتحول التلميذ من متلق سلبي إلى متلق إيجابي. ولمقاربة موضوع تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي والإمساك بإشكالات البناء وإكراهات التنزيل، سنركز على مفاهيم أساسية وقضايا هامة فرضتها طبيعة الموضوع:

  • نستهلها في المحور الأول بمقاربة المفاهيم المُشكِّلة لعنوان هذه الورقة العلمية: تلقي، النص الأدبي، التعليم الثانوي، البناء والتنزيل.
  • ونتناول في المحور الثاني المتعلق بإشكالات البناء آراء الأساتذة بخصوص:
  1. النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي المعتمدة حاليا، وكيفية تنزيلها.
  2. درجة تفاعل المتعلم مع الخصائص البنائية للنص الأدبي: (خاصية التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وطبيعة الألفاظ العادية السَّهلة والبسيطة التي تصبح محمَّلة بالدلالات داخل النص الأدبي).
  • ونهتم في المحور الثالث المتعلق بإكراهات التنزيل بموقف الأساتذة من:
  1. تدريس النصوص الأدبية: وذلك لمعرفة أنواع النصوص التي يفضِّلون تدريسها، ومدى اهتمامهم بتمثلات التلاميذ، والصعوبات التي يمكن أن تحُدَّ من فعالية هذه الإجراءات.
  2. إقبال ونفور المتعلم من النص الأدبي: وذلك باستطلاع رأيهم حول إقبال أو نفور التلاميذ بصفة عامة على فعل القراءة، ومعرفة أنواع النصوص التي تستقطب انتباههم أكثر وطبيعتها (قديمة وحديثة)، ومعرفة آرائهم حول أفضل السبل لتطوير كفايات المتعلم القرائية وجعله يتعامل مع النص كبنية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع.
  • قبل أن نختم باقتراح بعض الحلول المقترحة لجعل التلاميذ يتعاملون مع النص بكيفية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع، وجعله يقبل على قراءة النص الأدبي والتفاعل معه تفاعلا إيجابيا بفعالية أكبر.

المحور الأول: الإطار المفهومي

نروم في البداية التركيز على أهم المصطلحات والمفاهيم الرئيسية في هذا المقال، من حيث تعريفها أولا، ثم تحديدها إجرائيا ثانيا، نظرا لما لبعض المفاهيم في المجال التربوي التدريسي من لبس واختلاف نتيجة الترجمة الحرفية دون مراعاة خصائص اللغة العربية ومقتضياتها وقواعد اشتقاقها أحيانا، أو نتيجة اعتمادها على المرجعيات تنموية ونظريات التغيير المختلفة دون الإعلان عنها أحيانا أخرى.

لذلك نروم في هذا المقال الاهتمام في هذا المقال، مقاربة المفاهيم المُشكِّلة لعنوان هذه الورقة العلمية: التلقي، النص الأدبي، التعليم الثانوي.

  1.  التلقي:

التلقي فعل استقبال لرسالة، لا يختلف عن مفهوم الاستقبال في إطار الفعل التواصلي اليومي. وهذا يجعله يقتضي كل مكونات العملية التواصلية من مرسِل باث لرسالة، يتم تلقيها من لدن مرسَل إليه، يعمل على فك شفرتها وفق السياق الذي أنتجت من خلاله. وتجدر الإشارة إلى أنه عندما يتعلق الأمر برسالة فنية فإننا نكون أمام تلقٍ أدبي، أما عندما يرتبط الأمر بالعملية التَّعَلُّمِيَّة فإننا نكون أمام تلقِ بيداغوجي.

وبهذا فالتلقي داخل العملية التعليمية التعلمية قدرة تتكون لدى المتعلم/المتلقي بفعل احتكاكه بنصوص قرائية مختلفة في أشكالها وأساليبها ومضامينها، وبالإجراءات المتبعة في إقرائها، مما يجعله يستضمر قواعدها بشكل ضمني؛ وهي قدرة ترتبط أشد الارتباط بقدرة الإنتاج، وتسمح للمتعلم بفهم الموضوعات، وإدراك البنية الكلية التي تكون وراء وحدة الموضوع، وإدراك الترابطات بين بنياته الفرعية، والتمييز بين النصوص من حيث أنواعُها وانتماؤها الأجناسي.

وبما أن الدراسة ذو طبيعة ديدكتيكية فقد ركزنا على مفهوم التلقي، في بعدين. البُعْدُ الأول سيكولوجي، يحتمل فيه التلقي معنى أوسع من مفهوم القراءة، فهو يفترض أن جميع أنظمة الإدراك المعرفية والوجدانية والحسية يتم استثمارها في تعلم اللغة. والبعد الثاني ايديولوجي، يعود إلى اقتران القراءة بإجراءات بيداغوجية تقليدية، لا تراعي الفروق الفردية بين المتلقين، لأنها تعتبر التعليم وسيلة إخبارية وقناة لنقل محتوى ثابت يحافظ على استمرار الثقافة والعلاقات الاجتماعية السائدة، عكس التلقي الذي يقوم على تصور مغاير، يعتبر التعليم وسيلة من وسائل التكوين الذاتي المستمر، بمعنى أن الذات تستقبل المعرفة لا لإعادة إنتاجها وإنما لبناء معرفة بديلة وإحداث تغيير في العلاقات الاجتماعية سيرا بها نحو الأفضل.

غير أن التلقي البيداغوجي في مؤسساتنا التربوية تواجهه صعوبات كثيرة مردها إلى الأستاذ، والتوجيهات الرسمية، ومجهود التلميذ، وطبيعة الممارسة داخل الفصل الدراسي...

  1.  النص الأدبي:

يحدد النص الأدبي طبيعة المادة التعليمية وموضوع القراءة التي نحن بصدد البحث في إشكالات تدريسها، وهو مفهوم إشكالي من أكثر المفاهيم غموضا والتباسا في عمليات التدريس، عالق في الدرس القرائي بين مرجعيات الأستاذ المعرفية المتخصصة، والسياق التعليمي الذي أدمج فيه هذه المرجعيات وأعيد بناؤها. ونعتقد أن معرفة وضعه الاعتباري في درس القراءة كفيلة بتذليل كثير من صعوبات تدريس المادة، وبدون قيامنا بهذا العمل يكون من العبث تقديم منهجيات للقراءة، أو توجيهات ووصفات لإتقان مهارات تحليل النصوص وتركيبها، وحل عقدها.

فما مفهوم النص الأدبي في الدرس القرائي؟ وهل يختلف مضمون هذا المفهوم عما هو عليه في نظريات النص والخطاب وعلوم اللغة والأدب؟

يعتبر النص الركن الثالث والأساسي في العملية التعليمية التعلمية إلى جانب قطبيها الآخرين المتعلم والأستاذ؛ ويشكل في العملية التدريسية للأدب البؤرة الرئيسية، في جل مراحل تعلم اللغة، ابتداءً من المستويات الأولى للدراسة الابتدائية، وانتهاءً بالمستويات العليا في الدراسة الجامعية، لأن دراسته تمكن المتعلم من الوقوف على أسرار النص اللغوية وتذوق دقائقه الجمالية، ومن ثم التمرس بأساليب اللغة وإدراك ما تتميز به اللغة العربية الأدبية عن غيرها.

غير أنه في السياق التعليمي يخضع مفهومه لنقل ديدكتيكي يترجم انشغالات البيداغوجية الحديثة، واختيارات المنهاج، وأهداف تدريس القراءة والنصوص، ومعايير اختيار النصوص وتصنيفها وتبويبها وتوزيعها، وتحديد خطوات قراءتها، ويفتح مفهوم النص على أسئلة تعليم اللغة وتنشيط التواصل والتدريب على مهارات القراءة، وتنمية الميول الديمقراطية وقيم التعاون والاختلاف والتنوع... فهو منظور إليه باعتباره "وحدة تدريسية تمثل محورا تلتقي فيه المعارف اللغوية المتعلقة بالنحو والصرف والعروض والبلاغة وعلوم أخرى كعلم النفس والاجتماع والتاريخ؛ بالإضافة إلى المعطيات المعرفية المتميزة التي صارت تقدمها علوم اللسان في دراسة النصوص، وما في ذلك من فائدة جليلة تعود بالنفع على العملية التعليمية"( ).

وهكذا فالنص في السياق المدرسي يتحدد انطلاقا من الوظيفة التي يسندها إليه المنهاج التعليمي في بناء تعلمات المتعلمين وتطوير كفاياتهم ومهاراتهم القرائية والكتابية، ويعرف بالنظر إلى مكوناته الداخلية والخارجية المحيطة بفضاء إنتاجه وتلقيه المؤسسي. فهو:

-         موضوع يستعمل لأغراض التعليم؛

-         يكشف بالدرجة الأولى عن إمكانات لغوية قابلة للاستثمار في تعلم اللغة؛

-         أنه حافل بأساليب وطرائق في التواصل تسمح للمعلمين والمتعلمين بإدراك اللغة في بعدها التواصلي؛

-         أنه يتضمن مادة تثقيفية واسعة بإمكانها أن تستقطب إليها عمليات التدريب على اكتساب المعارف والمهارات والقيم المنشودة ...

3.  التعليم الثانوي:

يعد التعليم الثانوي التأهيلي همزة وصل ومحطة دراسية بين التعليم الإعدادي والتعليم التأهيل. ويشتمل على سلكين دراسيين السلك الثانوي الإعدادي والسلك الثانوي التأهيلي. وسنقتصر على الصنف الأخير نظرا لارتباطه المباشر بموضوع بحثنا.

يشكل السلك الثانوي التأهيلي امتدادا تعليميا للسلك الثانوي الإعدادي، "يلتحق به التلاميذ الحاصلين على شهادة السلك الإعدادي والذين تمّ توجيههم من لدن مجلس التوجيه بالإعدادية" (الجريدة الرسمية عدد 5024، المادة 23  المرسوم رقم 2.02.376 الصادر في 6 جمادى الأولى 1423 (17 يوليوز 2002))، حيث يراهن على تثبيت ودعم وتعميق المكتسبات السابقة للمتعلم في هذه المرحلة على المستويات المعرفية والمهارية والسلوكية، كما يعتبر مرحلة أساسية يتلقى المتعلمون خلالها تكوينا نظريا وعمليا يرتكز على "تنويع مجالات التعلم بكيفية تسمح بفتح سبل جديدة للنجاح والاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية أو متابعة الدراسات العليا"(المادة 21 من المرسوم نفسه، ص: 64).

يستغرق التعليم الثانوي التأهيلي ثلاث سنوات دراسية يتم توزيعها على سلكين:

  • سلك الجذع المشترك: تدوم الدراسة فيه سنة واحدة، يتم توجيه المتعلمين في نهايتها إلى أحد مسالك سلك البكالوريا.
  • سلك البكالوريا: مدته سنتان دراسيتان. (السنة الأولى تشتمل على تسعة مسالك. والسنة الثانية تغطي أربعة عشر مسلكا (المادة 21 من المرسوم نفسه، ص: 64)، منها ما يتعلق بالتعليم العام ومنها ما يرتبط بالتعليم التأهيلي التكنولوجي). ينجز التلاميذ خلال مدة الدراسة بسلك البكالوريا الفروض الكتابية المحروسة ومختلف الأنشطة المدمجة الصفية بصيغ متنوعة، كما يجتازون امتحانين إشهاديين: (جهويا – ووطنيا). ويختم بنيل شهادة البكالوريا أو شهادة نهاية التعليم الثانوي التأهيلي بالنسبة للتلاميذ غير الحاصلين على شهادة البكالوريا (المادة 22 من المرسوم نفسه، ص: 64).

المحور الثاني: الإطار النظري والمنهجي للدراسة

  1.  أهمية الموضوع وأسباب اختياره

بالنظر إلى أهمية تدريس مادة النص الأدبي والأهداف المتوخاة من تدريسها، وإلى تزايد شكوى الأساتذة من تدريسها، ارتأيت المغامرة في مقاربة صعوبات قراءة وإقراء المادة، رغم ما يساورني من إحساس بصعوبة في تشخيصها تشخيصا دقيقا، وإن كانت بعض التعليلات لجوانب من صعوبات تدريس المادة تبدو واضحة كنفور التلاميذ من دراستها، أو سوء اختيار بعض النصوص الأدبية، أو قصور الحصَّة الزمنية المخصصة للمادة، إلى غير ذلك من التبريرات التي تُفصحُ عن درجة الهم الذي يكابده الأستاذ إزاء المادة، غير أنَّها لا ترقى إلى مستوى العلمية.

فقد اهتمت المقالة باستجواب الأستاذ، حتَّى يعبِّر عمَّا يعترضه من مشاكل على مستوى تلقي النص الأدبي، لأنه أدرى بالجوانب السلبية ومكامن الخلل التي تجعل من قراءة المتعلم للنصوص الأدبية داخل الفصل الدراسي مجرد لقاء عابر تُهيمن عليه النفعية المرتبطة بالامتحانات، وتطغى عليه الرتابة لانعدام التماهي الفكري والروحي بسبب غياب الذائقة الأدبية ومتعة الاشتغال، ولأنه أحد الأركان الأكثر تأثيرا في العملية التعليمية التعلُّمية، إذ يعد وسيطا بينه والنص الأدبي، يُيسِّر تلقيه له بشكل إيجابي، أو يحول دون هذا التلقي بتدخلاته التي يقوم بها داخل الفصل.

وإيمانا منِّي بدور الأستاذ الهام والمحوري داخل المنظومة التربوية، على عكس بعض الباحثين الذين يهمشونه، مسوغين ذلك إلى أن أحدث النظريات والبيداغوجيات تحصر دوره في التوجيه والإرشاد داخل الفصل الدراسي. ويتمظهر هذا التهميش في عدم إشراكه والأخذ برأيه في القضايا التي تهمُّ كلَّ إصلاح تربوي، زاعمين بأن إصلاح المناهج وتجديد البيداغوجيات كفيل بتحقيق الجودة المنشودة، وهنا نتساءل عن جدوى تغيير المناهج وتنويع المقاربات ما لم يتغيَّر القائمون بأجرأتها وما لم يتم إشراكهم في هذا التغيير بصفتهم الأقرب لمعرفة الصعوبات والمشاكل والأسباب التي تُمَوضِعُ المتعلم في دائرة المتلقي السلبي، وتحول دون جعله قادرا على التفاعل فكريا ووجدانيا مع النصوص المقرَّرة.

وعلى الرغم من أن مشاكل تلقي النص الأدبي متعدِّدة تتداخل فيها متغيرات كثيرة، منها ما هو مرتبط بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجُّهات والخيارات السياسية، ومنها ما هو عائد إلى طبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس، إلا أن أراء الأساتذة تبقى لها أهمِّيتها في استجلاء هذه المشاكل التي يتخبّط فيها الدرس الأدبي قراءةً من لدن المتعلم أو إقراءً من قِبَل تدخلات الأستاذ.

لذلك، وزعت استبيانات على عينة عشوائية من الأساتذة، تَضَمَّنت أسئلة تروم معرفة رأي هؤلاء الأساتذة حول الصعوبات التي تواجههم في تدريسه للنص الأدبي، وتلك التي يواجهها المتعلم/المتلقي، ومطالبتهم باقتراح الحلول التي يرونها كفيلة بمعالجة هذه الصعوبات والتخفيف من حِدَّتِها حتَّى يتحول التلميذ من متلق سلبي إلى متلق إيجابي.

  1. إشكالية الموضوع وفرضياته

ولأهمية الموضوع والصعوبات الجمة التي يطرحها، انطلقت هذه الدراسة من الإشكالية الآتية:

  • ما الصعوبات التي يواجهها كل من الأستاذ والمتعلم في قراءة وإقراء النص الأدبي؟ وهل هذه الإشكالات والصعوبات مرتبطة بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجهات والخيارات السياسية... أم أنها مرتبطة بطبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس؟ وما الحلول التي يراها الأستاذ كفيلة لتذليل هذه الصعوبات والتخفيف من حدَّتها حتى ينتقل المتعلم / المتلقي ومن وضع سلبي إلى وضع إيجابي؟

وما دام الأساتذة قطب رئيسي ومحور أساسي في هذا الدرس معنيون بتدريسه، فهم المؤهلون أكثر من غيرهم للتعبير عن الصعوبات التي تعترضهم إزاء النص الأدبي، وذلك بالإجابة عن الأسئلة الموضوعة في الاستمارة الموجهة إليهم وتذْيِلها باقتراحات وحلول لتجاوز المشاكل والصعوبات المعبَّر عنها، غير أن هذا لم يمنعنا من تسجيل بعض الفرضيات، باعتبارها حلولا مؤقتة، لإثبات صحتها أو عدم صحتها، نعرضها كالآتي:

قد انبثقت عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية أخرى ستتم الإجابة عنها ضمن هذه الدراسة، وسيتم التطرق فيها لبعض الصعوبات والمشاكل المرتبطة بالنص الأدبي، والمتعلم والأستاذ وبعض الإكراهات الخارجية المرتبطة بسياق النص الأدبي كالغلاف الزمني، والفضاء المكاني، وطول المقررات، وكثرة المناهج الدراسية، واكتظاظ التلاميذ... على اعتبار أن الموضوع متعدد الأبعاد والأشكال، ومن ثم فالعوامل التي تحدُّ من التلقي الإيجابي عديدة مرتبطة بكل الأطراف المتدخِّلة والمعنية بالأمر من توجُّهات واختيارات سياسية، وكتب مدرسية، وطرائق تدريسية، وأساليب تقويمية... ومادام الأساتذة هم محور هذه الإشكالية، لكونهم مؤهَّلَين أكثر من غيرهم للتعبير عن الإشكالات التي تكتنف تدريس النص الأدبي، فقد تمَّ اعتماد استمارات وُجِّهت إليهم.

  1.  فرضيات الموضوع

تمَّ الانطلاق من تسجيل بعض الفرضيات، باعتبارها حلولا مؤقتة لبعض إشكالات تلقي النص الأدبي في الثانوي التأهيلي، تحتاج إلى التمحيص أو الدحض بعد تحليل نتائج الاستمارة الخاصة بكل عيِّنة على حدة، ومن جملة هذه الفرضيات، ما يلي:

  1. لم تنجح المدرسة في تربية المتعلمين تربية قرائية ترسخ عادة القراءة المستقلة في نفوسهم؛
  2. توظيف المتعلمين لاستراتيجيات غير فعالة أثناء معالجتهم للنص الأدبي ينعكس سلبا على تحصيلهم القرائي؛
  3. لم تنجح البرامج بما تحمله من تصورات في استمالة وجذب المتعلمين على الإقبال عليها؛
  4. تتحول خصائص النص اللغوية المعجمية والتركيبية والدلالية إلى معيقات تشوش على المتعلم فَهمَه، وتُكَرِّسُ فيه عادات التَّلقِي السلبي بسبب جهله لطبيعة اللغة الأدبية، وعدم اهتمام الأستاذ بتوجيهه إلى خصوصيتها وركونه إلى الشرح والتفسير.
  5. عدم وعي الأساتذة بمزايا تعددية الكتب المدرسية في إغناء رصيدهم التربوي، وتنمية كفاياتهم البيداغوجية، وتنويع وسائلهم ووضعياتهم وأنشطتهم الديدكتيكية.
  6. عدم قدرة الأستاذ على تدبير وضعيات تعليمية تراعي مستويات المتعلمين المختلفة، مردُّه ضعف تكوينه الأساس الذي تلقاه بالمراكز التربوية لقصر مدة التكوين من جهة، وعدم قيامهم بالتكوين الذاتي المستمر رغم أهميته من جهة ثانية.

لقد وجَّهت هذه الفرضيات أسئلة الاستمارة، ورغم أنها كلُّها واردة في صنع مشاكل التلقي، إلا أن المشاكل الحقيقية هي ما تُفصِحُ عنها عينة البحث التي وُجِّهت إليها الاستمارة.

  1. أهداف البحث

     من الأهداف التي أروم الوصول إليها من خلال هذا البحث الميداني، ما يلي:

  1. رصد آراء الأساتذة بخصوص النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي المعتمدة حاليا، وكيفية تنزيلها.
  2. آراء الأساتذة حول درجة تفاعل المتعلم مع الخصائص البنائية للنص الأدبي
  3. موقف الأساتذة من تدريس النصوص الأدبية، وموقفهم حول إقبال ونفور المتعلم من النص الأدبي؛
  4. اقتراح لعض الحلول لجعل التلميذ يتعامل مع النص الأدبي بكيفية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع،

وستتضمن هذه الدراسة محاور تمَّ توزيعها على الشكل الآتي:

  • المحور الأول: مقاربة المفاهيم المشكِّلة لعنوان البحث؛
  • المحور الثاني: موقف الأساتذة من إشكالات التفاعل مع بنية النصوص الأدبية المقترحة بالكتب المدرسية؛
  • المحور الثالث: موقف الأساتذة من إكراهات تدريس النص الأدبي؛
  • المحور الرابع: الحلول المقترحة.

وسننطلق في هذه الدراسة، من إطار منهجي يخصًّص للحديث عن عيِّنة البحث وأدواته وميدانه وحدوده وصعوباته... ثم نشرع في تحليل نتائج البحث تحليلا كمِّيا وكيفياً من خلال الأجوبة المحصًّل عليها ضمن الاستمارات. قبل أن ننتهي إلى استنباط خلاصات واستنتاجات تهم رصد إشكالات تلقي النص الأدبي ودرجة تفاعلهم مع النصوص الأدبية تفاعلا إيجابيا.

وعموما فإن مساءلة شريحة متعددة ومتباينة من المتعلمين يمكِّننا من:

  1. استخلاص رأي الأساتذة بخصوص النصوص الادبية المدروسة وتفاعلات المتعلمين مع النصوص المختارة، وهو أمر في غاية الأهمية، مادامت العملية التعليمية التعلمية عملية تفاعلية بين هذه العناصر الثلاثة.
  2. جمع بيانات ومعلومات بينهم حول قضايا تهم الاشتغال على النص الأدبي.
  3. عقد مقارنة من شأنها أن تُفضِي إلى نتائج هامة مدعَّمة بحجج واقعية.
  4. تعميق معرفتنا بتمثلات المتعلمين حول إشكالات التلقي، لتصحيح مسار الدرس الأدبي.
  1.  الفئة المستهدفة والمقاربة الميدانية

لقد تم استهداف أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي بنيابتي تازة وسيدي البرنوصي، وقد تم اختيار العينة عشوائيا، بحيث شملت عدة مؤسسات للتعليم الثانوي التأهيلي.

وهي تتوزع كالاتي :

1.5. التوزيع حسب الجنس

تم توزيع الاستمارة عشوائيا على الفئة المستهدفة، فتبين من خلال تحليل النتائج أن نسبة الإناث من الأساتذة وصلت إلى 44 %، في حين أن نسبة الذكور وصلت إلى 56%.

2.5. التوزيع حسب الأقدمية

من خلال المبيان، نلاحظ أن أقدمية السادة الأساتذة مالئي الاستمارة تتباين، فقد شملت جميع الفئات الموجودة داخل الثانويات، من أساتذة جدد لا تتعدى أقدميتهم خمس سنوات إلى أساتذة يتوفرون على أقدمية تصل إلى خمس وثلاثين سنة أو أكثر.

وقد تم التركيز على الأساتذة القدامى والجدد، كما هو واضح من خلال المبيان، لاختلاف خبراتهم المعرفية وتجاربهم الميدانية.

3.5. التوزيع حسب المستوى الدراسي.

من خلال هذا المبيان نلاحظ اختلاف مستويات السادة الأساتذة مالئي الاستمارة الدراسية، وهذا من شأنه أن يثري البحث والنتائج.

4.5. التوزيع حسب المدينة.

من خلال المبيان يتضح أن نسبة المستجوبين حسب المدن، وصلت إلى 55 % بالنسبة لمدينة تازة، و45 % بالنسبة لمدينة الدار البيضاء. وقد تحكم في هذا التفاوت الرغبة في المقارنة بين وسطين مختلفين على مستويات شتى اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا... ويعزى انخفاض نسبة عدد الأساتذة مالئي الاستبيان بنيابة سيدي البرنوصي مقارنة مع عدد الأساتذة المستجوبين بنيابة تازة بخمس درجات في المائة، إلى إكراهات التنقل بين المدينتين، وظروف اشتغالي بمدينة تازة.

5.5.خامسا : التوزيع حسب الوسط.

لقد وصلت نسبة الأساتذة المستجوبين العاملين بالوسط الحضري إلى 87 %، مقارنة مع العاملين بالوسط القروي 13 %، وتُعزى هذه النسب إلى أن عدد الأساتذة العاملين بالوسط الحضري لمدينة تازة يفوق عدد الأساتذة العاملين بالوسط القروي، وأن ثانويات نيابة سيدي البرنوصي كلها تابعة لوسط حضري.

المحور  الثالث: نتائج البحث الميداني
  1. إشكالات البناء (موقف الأساتذة من إشكالات التفاعل مع بنية النصوص الأدبية المقترحة بالكتب المدرسية)

يهدف هذا المحور إلى معرفة رأي الأساتذة الفاعلين المباشرين في التدريس بخصوص النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي، والجوانب المتحكمة في اختيارها، مادامت عملية اختيار النصوص الأدبية ليست بالعملية السهلة، وينبغي أن نوليها العناية اللازمة قبل إقرار أي نص للتدريس، "فليس كل قديم أجود لقدمه، ولا كل حديث أحسن لحداثته، ولا كل مرتبط بالبيئة أفضل لتلك العلاقة"([1])، ثم كيفية تجاوز سلبيات سوء الاختيار والتصرف فيها بالحذف والتجزيء، كما يهدف المحور معرفة مدى وعي الأساتذة بأهمية تعددية وتنوع الكتاب المدرسي، والغاية الأساس من هذا الهدف النبيل المتمثلة في مراعاة الفروق الفردية والجماعية بين الجهات والأفراد، أي بين الجهات الأكثر تمدُّنا وبين الجهات الفقيرة، وبين الفئة النشيطة والمتميزة وبين الفئة الضعيفة أو الوسطى بين الأولى والثانية.     

  • السؤال الأول: كيف تجد المختارات الأدبية في الكتاب المدرسي؟            

لقد تم الانطلاق في هذا السؤال من فرضية مفادها أن ضعف استجابة المتعلمين قد يكون راجعا إلى أن مضامين النصوص المقترحة في الكتاب المدرسي غير ملائمة لحاجيات وتطلعات المتعلمين، أو إلى أن ألفاظها وتراكيبها معقدة، غير متداولة تفصل بينها وبين لغة المتعلمين مسافات زمانية أو دلالية، فغدت تشكل صعوبة لدى المتعلم أثناء التلقي، تؤدي إلى تبرمهم منه ونفورهم من دراسته.

وقد أكد أفراد العينة، باعتبارهم الفئة المعنية بتدريس هذه النصوص مباشرة، والمهتمة بمشاكل قراءته وإقرائه بحكم قربهم من التلاميذ، على أن لغة النصوص المقترحة تتسم بنوع من التعقيد، فهي لا تُسهِّل على التلاميذ التعامل مع النص، إذ وصلت النسبة المرتبطة بهذا العنصر 46 %، ولم تعبِّر عن سهولة اللغة التي كُتِبت بها هذه النصوص معجميا وتركيبيا سوى 16 %.

وقد أثبت 24 % فقط من أفراد العينة أن هذه النصوص المقررة ملائمة لحاجيات المتعلمين النفسية والعقلية، و22 % فقط أنها مناسبة لمستواهم المعرفي، وهي نسب ضئيلة تؤكد عدم بناء منهاج اللغة العربية، كما هو مصرَّح به في التوجيهات والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بالثانوي التأهيلي، على أسس ديدكتيكية : نفسية، ومعرفية، وثقافية... لأن من شأن هذه الأسس أن تنتقي نماذج ملائمة للمتعلمين، ومقاربات مناسبة تحفِّزهم على التفاعل مع النصوص وإشباع رغباتهم المعرفية عن طريق الملاحظة الواعية، والاستيعاب الصحيح، والتحليل السليم، واتخاذ المواقف، ثم تعديل الاتجاهات.

  • السؤال الثاني: ما الجانب الذي يستأثر باهتمام التلاميذ - بشكل أكبر-  في حصة درس النص الأدبي شعرا ونثرا؟

يظهر الجدول أعلاه، أن حظ مضمون النص ومنهجيته في درس النصوص الأدبية، من عناية المتعلم أقوى بكثير من حظ تذوقه الجمالي، ودراسة الكيفية التي يوصِل بها معانيه ومعارفه. إذ شكَّل الاهتمام بمنهجية التحليل (58 %)، وبمضمون النص (52 %)، وليس هناك فرق كبير بين النسبتين، في حين احتلَّ الاهتمام بالجانب الشكلي الفني، وهو الجانب الذي يميز النص المدروس عن غيره من النصوص، والهدف من دراسته، فقط نسبة (18%).

ومن الأكيد أن استيعاب منهجية التحليل، وكيفية تطبيقها يقتضي التمرس على دراسة النص الأدبي شكلا ومضمونا لتحقيق الهدف من وراء دراسة النص.     

  • السؤال الثالث: ما الذي يؤثر في فهم التلميذ لدلالات الكلمات العادية التي تصبح داخل النص الأدبي محمَّلة بدلالات أخرى؟          

لا شك أن الاستراتيجية التي يتَّبعها أغلب المتعلمين في فكِّ شفرات نص أدبي لها تأثير سلبي في ظفرهم بالدلالات الكامنة خلفها؛ لاسيما وأننا علمنا في السؤال السابق، أن دال الكلمة عندما يندرج في نص أدبي، فإنه يعدل وينزاح عن مدلوله ومرجعه الأصليين إلى مدلول ومرجع جديدين، فيصير هذا الدال قادرا على الاصطباغ بألوان دلالية عديدة، وهي ألوان ومعاني لا تظهر واضحة إلا بعد انتهاء القارئ مبتدئا كان أم متخصصا من القراءة الشاملة المتكررة المسائلة للنص.

وقد أرجع الأساتذة أفراد العينة المبحوثة، سوء الفهم الناتج عن هذا المستوى إلى عدم استعمال المتعلم للسياق اللغوي كوسيلة مساعدة للاقتراب من فهم معجم النص الأدبي بنسبة 54 %، ومعلوم أن كل كلمة في النص الأدبي تصير محملة بدلالات متعددة، فتظهر للتلميذ علاقاتها متفككة وغير منطقية ومتناسلة الأمر الذي يجعل المتعلم عاجزا عن إدراكها، لأنه  لا يملك القدر الكافي من الصبر للقيام بقراءات متكرِّرة مسائلة للنص (بنسبة 38 %) حتى يخلق ألفة معه، ويُقحِم نفسه في عالم النص ليعالجه ذهنيا وعاطفيا، فهو اعتاد التسرع والعجلة، واللجوء إلى طرق سهلة للتخلص من الأعمال التي يكلف بإنجازها. ثم إن عدم تقارب خصوصية الفهم لدى المتعلم مع الاستعمالات اللغوية الأدبية، يمكن أن يكون سببا في سوء الفهم الناتج عن هذا المستوى، إذ أثبت 32 % أن المتعلم لا يقيم وزنا للاختلاف في طرق الاستعمال اللغوي بين الكلام العادي والنص الأدبي، إذ يسقط الدلالات الحرفية المعروفة في الاستعمال التواصلي العادي على نفس هذه الكلمات بعد اندراجها في نص أدبي. 

  • السؤال الرابع: هل ترى أن الوقوف مع المتعلمين عند أساليب تمتاز بأدبية عالية وتعميق النقاش حولها وتوظيف جهاز مفهومي متخصص بطرق عرض واضحة تمتاز بفنية عالية في الإلقاء؟

تابع

 

 ([1]) – "تدريس النص الأدبي بين النظرية والتطبيق"، د عبد الرحيم الرحموني، مجلة مقاربات، (م.م)، ص: 25.

 

 تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية
Partager cet article
Repost0
8 septembre 2024 7 08 /09 /septembre /2024 15:19
تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية

تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي

بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل

-دراسة ميدانية لآراء أساتذة اللغة العربية -

د.عزيز عشعاش *  ACHACH Aziz

دراسة محكمة

*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية

تتمة

لمعرفة رأي الأساتذة بخصوص الأساليب التي تمكِّن من الرفع من ذائقة المتعلمين اللغوية، وتقرِّبهم من النصوص الأدبية، تمت مساءلتهم حول ما إذا كانت الفائدة تُجتنى من دراسة وتحليل الأساليب التي تمتاز بكثافة أدبية أم العكس، ولا ينبغي أن يُفهَم من هذا السؤال أننا نقصد النص المشتمل على تعقيدات تركيبية تعسِّر عليه التعامل مع النص، بل إن حُسن اختيار النص الأدبي بهدف تدريسه أمر في غاية الأهمية. فنحن نقصد بهذا السؤال المقومات الأدبية التي تُرغِّب في دراسة النص بعد التفكير في اختياره بحسب درجة استجابة التلاميذ له. وقد أكَّد الأساتذة أن تحليل هذه المقومات الأدبية وتعميق النقاش حولها، وتوظيف جهاز مفهومي متخصص يكسب المتعلم حسّاً أدبيا ويرفع من ذائقته اللغوية، ومن ثم يرفع من مستواه التعليمي بنسبة 56 %، كما يحفِّزه ويرغِّبه في دراسة المتون الأدبية الرفيعة ذات كثافة أدبية، بنسبة 42 %، وقد عبَّر فريق آخر من أفراد العينة وخاصة أولائك الذين يعتبرون التلميذ غير مؤَهَّلٍ لدراسة هذا النوع من الأساليب والتراكيب أنه يَنتُجُ عن دراستها غموض وإبهام في أذهان المتعلمين بنسبة 22 %، وأنه يُنفِّرهم من درس الأدب لأن استجابتهم تكون ضعيفة أو متواضعة بنسبة 10 %.

  1. المحور الثاني: إكراهات التنزيل: موقف الأساتذة من إكراهات تدريس النص الأدبي
  • السؤال الأول: ما نوعية النصوص الأدبية التي تفضل تدريسها ؟   

نود في البداية الإشارة إلى أن النصوص القديمة تشمل النصوص التي أبدعها العرب القدامى من العصر الجاهلي حتى العصر الأندلسي، وتمثل النصوص الحديثة تلك التي أُبدِعَت منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بينما تمثل المعاصرة النصوص التي نعاصرها في زمننا الراهن، وهي تلك التي تؤرَّخُ ابتداء من منتصف القرن العشرين إلى وقتنا الحاضر.

نستخلص من النسب الماثلة أمامنا في الجدول أعلاه، أن حظ النصوص الأدبية القديمة أو الحديثة من عناية الأساتذة مالئي الاستمارة أعلى بكثير من نظيرتها المعاصرة، فقد عبَّر 66 % من مجموع العينة عن رغبتهم في تدريس النصوص القديمة، و60 % منهم عن تدريس النصوص الحديثة، وليس هناك فرق كبير بين النسبتين العامتين، في حين لم يعبِّر سوى 18 % من أفراد العينة المبحوثة عن اهتمامهم بتدريس النصوص المعاصرة.

وهذا الاختيار له دلالة ما، فتفضيل الأساتذة تدريس النصوص القديمة والحديثة يعود ربما إلى أن النصوص الحديثة امتداد للقديمة على مستوى بنية القصيدة، وعزوف الأغلبية الساحقة عن الاهتمام بالنصوص المعاصرة قد يكون مردُّه إلى أن لغتها الموظفة للرمز والأسطورة معقدَّة؛ مما يجعل المتعلمين يجدون صعوبة في التفاعل معها، ومن المُؤكَّد أن المتعلم إذا نفر من تعلم مادة معينة، ولم يستطع الأستاذ بطرقه وعتاده البيداغوجي المعرفي والمنهجي من استمالته، وتحبيب المادة موضوع الدرس إليه، واختراق مكونات التذوق لديه، كان هذا النفور وهذا الفشل في فهم الأسباب التي جعلت النص لا يخاطب ذهنه، ولا يوحي له بأي شيء مدعَاة إلى عدم الارتياح وعدم الرغبة في دراسته. 

  • السؤال الثاني: ما الإكراهات التي يمكن أن تَحُدَّ من اهتمام الأستاذ بتمثلات التلاميذ؟

بعد وقوفنا على نسبة الأساتذة الذين يمتنعون عن توظيف تمثلات المتعلمين في بناء معنى النص الأدبي، رغم وعيهم بأهميتها وضرورتها في ظل التدريس بالكفايات الذي يفسح المجال للمتعلمين للتعبير عن أفكارهم وتصوراتهم تجاه النص الأدبي المدروس، والتي تمَّ إرجاعها إلى جهلهم بطرق توظيفها. نود من خلال هذا السؤال، معرفة صعوبات أخرى يمكن أن تحول دون اهتمامهم بها.

انطلاقا من البدائل المقترحة في السؤال السابع عشر، فقد تبيَّن أن النسبة الكبرى 56%، تُرجع السبب إلى قصور الغلاف الزمني المخصص لدراسة النص الأدبي، فالحصة الزمنية لا تتناسب مع مستوى التلاميذ وأهمية محتوى هذه النصوص، والأهداف التي تروم تحقيقها، وفي طليعتها إكساب المتعلمين عادة القراءة المستمرة، والصبر عليهم حتى يتحقق التفاعل الإيجابي، لاسيما إذا علمنا أن هذه النصوص تقتضي قراءات متكررة وبطيئة تحثُّ القارئ على بناء المعنى استجابة لإغراء البنيات النصية. ولعل هذا ما جعل نسبة هامة من الأساتذة 26 %، تقرُّ بأن القراءة المدرسية قراءة سريعة تبحث عن المعنى الذي يوجد في مكان ما من النص، مقابل 2 % فقط ممن يعتبرونها قراءة بطيئة، مما يُورِّثُ عادات قرائية سلبية في التعاطي مع النص الأدبي.

ثم تأتي بعد ذلك الأسباب الأخرى ككثرة الدروس بنسبة 52 %، وسوء اختيار النصوص الأدبية بنسبة 38 %، ثم طولها بالنظر إلى مستوى الغلاف المخصص للدراسة بنسبة 36 %.

إن كثرة النصوص المقررة في البرنامج الدراسي بالسلك الثانوي التأهيلي، والتي تناهز الأربعين نصا تقريبا موزعة على أربع مجزوءات وثمان محاور، في كل محور أربعة نصوص: بمعدل ثلاثة للاكتساب والرابع للتقويم، إضافة إلى نصوص أخرى مبرمجة للدعم والتقوية في أسابيع الدعم. هذا العدد الهائل يُكرِّس ممارسات سلبية في قراءة النصوص لاسيما في المستويات التي تعرف امتحانات إشهادية، عكس ما تروم إليه بيداغوجية الكفايات التي تركِّزُ على الكيف بدل الكم، مما يؤدي إلى عدم الاهتمام بتمثلات المتعلمين.

وهذا المشكل، ينعكس على جودة اختيار النصوص الأدبية الأكثر ملاءمة لمستويات المتعلمين، وطبيعة التصرف فيها بالاجتزاء والحذف، الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في الكتب المدرسية، والتخلص من ثقل هذه النصوص، ودراسة حاجات وميولات المتعلمين الحقيقية في كل سلك دراسي.    

  • السؤال الثالث: ما الإكراهات التي يمكن أن تَحُدَّ من اهتمام الأستاذ بتمثلات التلاميذ؟

يتمثل الهدف من هذا الجدول في معرفة مدى إقبال المتعلمين على قراءة النص الأدبي، وقد بُنِي هذا السؤال على افتراض مفاده أن المتعلمين لا يقبلون على قراءة النص الأدبي، لأسباب متعددة تتجلى في كونهم: غير مؤهلين لذلك، وأنهم غير مقتنعين بجدوى قراءته ودراسته، وأن هذه النصوص المختارة لا تلائم حاجياتهم وتطلعاتهم، كما أن طريقة التدريس لا تنجح في إثارة انتباههم للإقبال على تلقي النص تلقيا إيجابيا.

وقد جاءت النتيجة لتؤكد المتوقع، إذ لم تتعدَّ نسبة الذين أثبتوا إقبال المتعلمين على فعل القراءة بمفهومها التثقيفي العام 20 %، فيما وصلت نسبة القائلين به أحيانا 42 %، وبلغت نسبة الأساتذة الذين نفوه 36 %، ويرجع السبب حسب هؤلاء إلى عدم وجود تربية قرائية لدى المتعلمين خاصة في مجتمع غزته وسائل سمعية بصرية حديثة أكثر قدرة على إغراء التلاميذ من الكتاب المدرسي. فضلا عن عدم نجاح المدرسة باعتبارها المؤسسة المؤهلة لترسيخ عادات القراءة الذاتية المستقلة في نفوس الناشئة في ظل تبنيها لمناهج تقوم على الكم عوض الكيف، وهاجس الامتحان، رغم أنها حاولت تسطير حصة دراسية في الأسبوع للقراءة منذ الأطوار الأولى من المرحلة الابتدائية، ومرورا بمادة المؤلفات المقرَّرة في المرحلة الإعدادية.

وإذا كان هذا السؤال قد كشف عن تذمر الأساتذة من نفور المتعلمين من القراءة في إطارها التثقيف، وما ينتج عنه من ضعف في حصيلتهم الثقافية والتاريخية والاجتماعية والأدبية، وفقر في معلوماتهم العامة، ومن ثم عجزهم عن الاستفادة من النصوص. فإن هذه الأزمة والمعاناة المتمثلة في موقف التلاميذ السلبي تتزايد إزاء نصوص قرائية تعتبر من صميم الدرس الأدبي. وبحسب الاستبيان فإن تفاعل المتعلم / المتلقي مع النصوص النثرية (السردية، أو الوصفية، أو الحوارية ، أو الحجاجية...) الذي وصلت نسبة التفاعل معه إلى 40 %، مبدئيا، أفضل بكثير من تلقيه للنصوص الشعرية 18.5 %، وتفاعله مع النصوص النثرية الحديثة 44 % أقوى بكثير من تفاعله مع نظيرتها القديمة 14 %، بحيث أن نسبة 14% تكشف عن قطيعة أكثر حدة بين المتعلم والنص الأدبي القديم، لأن هذا الأخير لم تعد له تلك الجاذبية القديمة، لأسباب متعددة منها: قصور منهجية التحليل عن تقريب المادة من نفوس المتعلمين، ومشكل انتقاء منتخبات من الأدب القديم، وغيرها من الأسباب.   

  • السؤال الرابع:
  1. ما مدى التجاوب الحاصل بين المتعلم والنص الأدبي؟
  2. ما أسباب غياب التجاوب المرغوب فيه؟
  3. ما الجوانب التي ترى أن المتعلم يفتقر إليها في تعامله مع النص الأدبي؟  
  4. هل تعتقد أن المتعلم الحالي مؤهل معرفيا ومنهجيا ووجدانيا ولغويا ليعول عليه في بناء معنى النص الأدبي وتذوقه، في ظل تطبيق سياسة الخريطة المدرسية التي تفرض نسب النجاح دون مراعاة للعتبة؟     

هذا السؤال مرتبط أشد الارتباط بسابقه، فبعد تعرفنا على نفور التلاميذ من القراءة في إطارها العام، وما يوازيها من هوة إلى حد القطيعة بين ما يتطلع إليه المتعلم من حاجيات واهتمامات وما يقدم له من نصوص أدبية قرائية تصاحبه في مراحل دراسته الثانوية. فإنني أهدف من هذا السؤال معرفة مقدار أو نسبة التجاوب بين المتعلم والنص الأدبي، والأسباب النصية والخارج نصية المرتبطة بالمتعلم، باعتباره العنصر المعني بهذا التجاوب، والتي تحول دون الاستجابة المرغوب فيها.

يظهر الجدول أعلاه أن النتائج المحصَّل عليها لا تعكس التفاعل المرغوب فيه، فرغم أن التلاميذ يقرؤون نصوصا أدبية عديدة على الأقل من خلال ما هو مقرر عليهم في المرحلة الثانوية التأهيلية، إلا أن نسبة هامة منهم تشكِّل الأغلبية 72 % تقريبا  لازال تفاعلها مع النصوص الأدبية متوسطا أو دون ذلك، وهذه الفئة لا تستطيع تذوق ما في النص من جمالية والاستجابة لمنبهات النص الأسلوبية، وتشكِّل نسبة من يرون أن تجاوب المتعلمين لا بأس به 26 %، في حين لم تتجاوز نسبة التجاوب الجيد 2 %.

ويعزى غياب التجاوب المرغوب فيه، في اعتقادي، إلى شروط مرتبطة بالمتعلم، وثانية بالنص الأدبي مدار حديثنا، وثالثة بالأستاذ، ورابعة بالسياق الذي تمر فيه العملية التعليمية، وهي متغيرات نصية وخارج نصية، مباشرة وغير مباشرة، نراها تتحكم في قراءة النص الأدبي بمدارسنا الثانوية.

            ومن ضمن الأسباب النصية الصارفة عن التفاعل المرغوب فيه أثناء تلقي النص الأدبي، يظهر الجدول أن تركيب النص الأدبي ومعجمه حاز قصب السبق، إذ تردد بين أفراد العينة بنسبة 46 %، في حين تكرر معجم النص بنسبة 30 %، واحتلت طبيعة مضامين النصوص الرتبة الأخيرة بنسبة 26 %.

وما يمكن أن يلاحظ على هذه النتائج ارتفاع النسب الخاصة بكل هذه المؤشرات رغم الاختلاف النسبي الحاصل في نسب تدخلها كأسباب لها تأثير على قراءة النص الأدبي، وهذا أكد ما كان متوقَّعا، إذ لا يمكن إرجاع غياب التجاوب لسبب دون الآخر. وعليه، يظهر أن استجابة القارئ المتعلم تكون ضعيفة كلما أحس بصعوبة لغوية ناتجة عن ألفاظ غريبة لم يسبق له أن صادفها أو سمعها، أو تعقيدات تركيبية لا تُسهِّل عليه التعامل مع النص، فتشكِّل العائق الأكبر في تذوق كل ما في النص من أدبية أو جمالية. وهكذا نسجِّل أنه كلما تميَّز النص بكثافة أدبية كلَّما كان نصّاً غير مرغوب فيه.

كما أن مضمون النص بدوره يمكن أن يشكِّل صعوبة ما لم يتناسب مع أفكار واهتمامات متعلم المرحلة الثانوية التي يتميَّز فيها المراهق بالاندفاعية والحرية ويميل إلى نصوص فيها التحرر والفروسية والعزة والكرامة والغزل الرقيق... فهذه المرحلة يتوقد فيها شعور المتعلم، فيعيش مرحلة متقلبة عنيفة أحيانا فيها توتر وقلق بحثا عن الثقة في النفس وتأكيدا للإرادة القوية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن ارتباط مضمون النص ببيئة المتعلم، وتقاطعه مع ثقافته يمكن أن يساعده على التفاعل بإيجابية أكبر مع النص الأدبي.

ومن ضمن الأسباب خارج النصية المرتبطة بالمتعلم، والتي يمكن أن تؤثر في تلقي النص الأدبي، تمَّ اقتراح آليات قراءة النص، والرصيد اللغوي، والمعرفة بخصوصية الأدب. وقد جاءت النتائج لتؤكد المتوقع، إذ نسجِّل ارتفاع نسب تردد هذه المؤشرات جميعها، فافتقار المتعلم لرصيد لغوي يؤهله لفك سنن النص اللغوي وإرجاعه إلى دلالاته السياقية جاء في المرتبة الأولى بنسبة 70 %، ثم بعده افتقاره إلى الآليات المنهجية، والأدوات اللازمة لقراءة النص، بنسبة 64 %، وأخيرا تدني مستوى المتعلم المعرفي الثقافي والحضاري المرتبط المختارة بنسبة 44 %.

ولعل هذه الأسباب وغيرها هي التي جعلت 72 % من الأساتذة أفراد العينة يعتقدون بأن المتعلم الحالي غير مؤهل معرفيا ومنهجيا ووجدانيا ولغويا ليعوَّل عليه في بناء معنى النص الأدبي، وتذوق كل ما له علاقة بأدبيته وجماليته، مما يمكن أن يعينه على دراسة النص وتحليله، مقابل 10 % فقط التي ارتأت عكس ذلك، و16 % التي أقرت بأن قصور المتعلم عن تذوق ما في النص من جمالية، قد يعود إلى طبيعة النص المختار، دون أن ننسى الفئة التي تمثل 2 % من الأساتذة، والتي لم تستطع التعبير عن رأيها.

وكيفما كان الأمر، فإن تدني مستوى التلاميذ اللغوي والمعرفي، وعدم رغبتهم الداخلية، وصبرهم أثناء قراءة النص لا ينبغي أن يكون مدعاة للاعتقاد والحكم بأن المتعلم الحالي غير مؤهل لفهم المضمون وتذوقه، ومن ثم دراسته وتحليله.

أما آن الأوان للتفكير بكل جدية في الآليات الكفيلة بإيقاظ انتباه المتعلم؟ وتحفيزه على الإقبال على دراسة النص الأدبي، مادامت الأبحاث التي تنظر في الكيفية التي تنشأ بها القدرة القرائية، والرغبة في القراءة، مثل الأبحاث المتعلقة بسيكولوجية القراءة، وسوسيولوجية القراءة، ونظريات التواصل، ونظريات التعلم قد تقدمت؟

إن الاستمرار في تجاهل كل الأسباب المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر يدفع المتعلم إلى الخمول والتراخي في العمل، وهو ما يجسده الحضور الجسدي للتلاميذ داخل القسم وغياب الانتباه والتركيز، مادامت مجريات وطرائق الدراسة تقوم على جعل المتلقي المستمع والمستهلك يُملَأ بالمعارف ويطلب منه حفظها واسترجاع التعاريف والتعابير عن ظهر قلب في الامتحانات الدورية ولو دون فهم، وقد بات التلاميذ أنفسهم يفضلون هذه الطريقة، ويعتبرونها طريقة تمكن من النجاح، فأصبحنا نسمع تداولهم لنماذج نمطية في تحليل النصوص، خاصة بالمحاور المقرر في البرنامج الدراسي. 

  • السؤال الخامس: هل تعود الصعوبات اللغوية التي تواجه التلميذ أثناء تلقي النص الأدبي؟

لتجميع كل العوامل والمعيقات التي تؤثر بشكل سلبي في العلاقة الرابطة بين المتعلم والنص الأدبي والأستاذ، والتي تغدو بذلك صعوبات مميزة لكل تلقي سلبي بين المتعلم والنص الأدبي، فإننا وجَّهت هذا السؤال الذي هو عبارة عن تلخيص لأهم الأسباب المؤثرة في تلقي المتعلمين للنص الأدبي، لما يمكننا به من إمكانية الوقوف على مدى تطابق إجابات الأساتذة وانسجامها.

من خلال النسب الماثلة أمامنا في الجدول أعلاه، يتأكد أن ضعف استجابة التلاميذ أو تواضعها على الأقل، وهذا الضعف لا يتحمَّل وزره المتعلم فقط، فهذا الأخير يعاني من قصور بيِّنٍ وواضح في الاستراتيجيات التي يوظفها لتلقي النص الأدبي والناتجة عن رواسب النقص في التحصيل الدراسي عبر سنوات التعلم في ظل سياسة العمل بالخريطة المدرسية عوض المستوى الدراسي، أو عن التصور الذي يحمله المتعلم عن الأدب، والذي مفاده أن الأدب عنصُر زائد، بعيد عن الحياة، يستدعي الخيال والوجدان وإثارة المشاعر، عكس المعرفة العلمية التي تدعو إلى الارتباط بالحياة المعيشة والمستقبلية، وهو تصور يعكس وضعية الأدب في مجتمع غزته القيم النفعية المادية ولم يعد يقيم وزنا للقيم الإنسانية الجمالية وتربية الذوق.

ولم تستطع المدرسة ببرامجها ومناهجها تجاوزه، لأنها لم تنجح في استمالة المتعلم وجذبه إليه بما تقترحه من نصوص، وما توظفه من أساليب وطرائق في التدريس، حتى غدا المتعلم فاترا لا يقوم بأي جهد، ولا بأية محاولة لفهم وتذوق وتحليل نص أدبي لغته متمنعة لها شكل خاص يختلف عن شكل اللغة العادية المتداولة معجميا وتركيبيا، فهو "لغة داخل لغة"، يتطلب دراية ودربة ومرانا مستمرا من خلال قراءات متكررة عاطفية وذهنية اعتمادا على ذخيرة ثقافية تسهم في الفهم والتذوق، ومن ثم في الدراسة والتحليل بعد اكتساب عادات إيجابية للتلقي.

وبالإضافة إلى ما سبق، هناك جوانب أخرى مرتبطة بالسياق التربوي الذي تمر فيه عمليات التدريس التي اعتبرها الأساتذة عوامل تسهم في عدم تلقي المتعلمين النص تلقيا إيجابيا، وذلك من خلال الاكتظاظ الذي أصبحت تشهده فصولنا الدراسية، إذ يصل في بعض الأحيان إلى ما فوق الخمسين مقعدا بنسبة 60 %، وما لهذا العائق من تأثير على الفضاء المكاني الذي يتم فيه النشاط القرائي، والذي بنيته التحتية هشة بالثانويات التي توجد بالمناطق النائية، بل حتى في بعض المؤسسات بالعالم الحضري؛ وتأثير أيضا على سير البرنامج الذي يتميز بكثافة دروسه التي لا تتلاءم في كثير من الأحيان مع الغلاف الزمني المخصص (48 %)، مما يجعل الأستاذ يسرع في الشرح والتفسير اعتمادا على آليات التلقين والحفظ والاستظهار على حساب الفهم، وبناء المعلومة واكتساب الكفايات والمهارات الأساس، ومهارات الإتقان.

وإيمانا مني بأهمية درس الأدب، كما أكده رولان بارث قائلا "إذا كان من الممكن التخلي عن جميع المواد الدراسية باستثناء واحدة، فإنها بالضبط مادة الأدب التي يجب الحفاظ عليها، وذلك لأن العلوم كلها حاضرة في البناء الأدبي"([1])، فإنني أود معرفة رأي الأساتذة في الحيز الزمني المخصص لدراسة النص الأدبي، والذي يتحدد بحسب الوثائق والمذكرات التربوية في حصتين بمعدَّل ساعة لكل حصة.  

  1. المحور الثالث: الحلول المقترحة
  • السؤال الأول: ماذا تقترح لتيسير درس النص الأدبي وتقريب فائدته ؟ 

لتيسير درس النصوص وتقريب فائدته من المتعلمين يعبر السادة الأساتذة أن المادة تحتاج إلى التعامل معها انطلاقا من مركزية المتعلم، وذلك بجعل المتعلمين عناصر فاعلة يقومون بالقسط الأكبر من العمل، والإعداد المنظم والمراقب من قِبَلِ المدرِس بنسبة 36%، وهناك من يقترح الإكثار من النصوص التطبيقية داخل الفصل الدراسي بنسبة 30 %، وهذا الأمر يقتضي التخفيف من كثرة المحاور المنصوص عليها في البرنامج الدراسي، وإضافة نصوص أخرى للتطبيق تُراهِنُ على الكيف عوض الكم، فيما رأت فئة أخرى الاعتماد على الشرح والتفسير بنسبة 30 %، وهو ما يؤكِّد عدم وعي شريحة هامة من الأساتذة بأن النص الأدبي لا يشرح ولا يفسر وإنما يتذوَّق، لأن له تأثير عاطفي يُحرِّكُ القلب قبل العقل. ونادت فئة أخرى بضرورة إضافة حصة ثالثة إلى حصَّتي درس النصوص الأسبوعية بنسبة 28 %، لأن عامل الزمن يؤدي دورا وظيفيا في حصول الفائدة المرجوة من المادة أو عدم حصولها.

   وهناك من اقترح الاستفادة من الدراسات النقدية التي كُتِبت حول النص المدروس إن وُجِدت بنسبة 10 %، بينما نصَّت فئة أخرى على "إملاء خلاصات واستنتاجات التحليل على المتعلم بنسبة 6 %، لأنها تعتبر المتعلم غير مؤهَّل، وعاجز عن تذوق المعنى وتكوين آراء وأحكام شخصية وهذا الرأي يُظهِر الطرق المتبعة من لدن البعض في تدريس النصوص، والتي تركِّزُ على الإلقاء الذي لا يدفع المتعلم إلى بذل الجهد.

خاتمــــــــــــــــــــــــة:

راهن المقال على مساءلة أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي الذين يكابدون معضلة تدريس النص الأدبي قراءة وإقراء، لكونهم أقدر على تقديم صورة حقيقية نابعة من قلب معاناتهم اليومية في العملية التعليمية التعلمية. وتكمن أهمية هذا الفصل في كونه دراسة ميدانية تبحث عن خصائص المؤسسة التعليمية المغربية، وما تسعى إلى تحقيقه من حاجيات وأهداف وأغراض في حصص مكون النصوص ودرس الأدب، وما يحول من صعوبات وعراقيل دون تحقيق ذلك المبتغى، مُشخِّصةً الواقع بشكل واضح، ومُسهِمة في تكوين تصور يمكن اعتماده كبديل لكل إصلاح حقيقي ننشده.

وقد سعينا في تشخيصنا لهذا الواقع، القيام بعمل دقيق انطلاقا من تفكير عملي يستند على عدَّة منهجية ودقَّة علمية، لا يكتفي فقط بآراء وخلاصات الأخصائيين البيداغوجيين  الأجانب وتجارب البلدان الأخرى كما هو الشأن في معظم الإصلاحات السابقة، لعدم واقعيتها ودراستها المشكل من برجٍ عالٍ. وذلك بالانفتاح على آراء الأساتذة في صعوبات تدريس النص الأدبي، لاستجلاء مجموعة من القضايا المرتبطة بتدريسية النصوص الأدبية، والتي تغدو مشاكل حقيقية ينأى بها هذا الدرس رغم أهميته.

في إطار التأكد من الفرضيات السابقة اعتمدت على دراسة ميدانية شملت نيابتي تازة وسيدي البرنوصي بالدار البيضاء، حيث وزعت 318 استمارة على عينة عشوائية حتى تكون النتائج موضوعية، وقد أفضت الدراسة إلى تحقق الفرضيات التالية بنسب مهمة :

المحور الأول: المتعلق بإشكالات البناء

  • أكد الأساتذة أن الكتب المدرسية المعمول بها حاليا تتضمن نصوصا سيئة الاختيار، مواضيعها لا تنسجم مع ميولات وحاجيات ومستويات المتعلمين، إذ نصَّ (80%) منهم على ضرورة توفير هامش من الحرية للأستاذ لاختيار نصوص أدبية والتصرف فيها، وذلك بالرجوع إلى مضانها الأصلية، وخاصة عندما لا تتلاءم النصوص المقترحة مع مستوى المتعلمين المعرفي والذهني والوجداني، بحيث لا يجوز التقيد بكل ما هو مقرر إذا ما ثبت عدم ملاءمته، لاسيما إذا كان الأستاذ مؤهلا ذو تجربة واسعة في مجال التدريس تمكِّنه من هذا الاختيار.
  • تمحَّصت فرضية عدم وعي الأساتذة بمزايا تعددية الكتاب المدرسي في إغناء رصيدهم التربوي، وتنمية كفاياتهم البيداغوجية، وتنويع وسائلها ووضعياتها وأنشطتها الديدكتيكية وفق ما يستجيب بشكل أكبر لخصوصية وحاجات المتعلمين.
  • أثبتت الدراسة أن المتعلم يحِسُّ بصعوبات لغوية ناتجة عن الخصائص التي تميِّز النص الأدبي عن غيره من النصوص، والتي تعود بالأساس: 1) إلى مستواه المعجمي كمستوى مسؤول عن تحقيق فهم المتعلم للنص أو إرباكه بنسبة (68 %)، لأن المفردة الواحدة العادية والمتداولة السهلة والبسيطة يلحقها تَحوُّل حينما تلج إيهاب النص الأدبي، فتعدل عن معانيها الأصلية وتصير محملةً بالدلالات غير المفهومة من قبل المتعلم لأنه يسقط عليها الدلالات الحرفية التي يعرفها فلا يهتدي إلى معانيها في النص. 2) أو إلى مستواه التركيبي بفعل الخواص التركيبية التي تلحق اللغة الأدبية، مثل: خاصية التقديم والتأخير المؤثرة في فهم المتعلم المتلقي بفعل توزيع الكلمات داخل النص توزيعا غريبا (90 %)، حيث يتقدم الفاعل على الفعل، والخبر على المبتدأ، والصفة الموصوف... 3) أو إلى مستوياته الدلالية مثل الإيجاز، إذ لا يستطيع المتعلم إزاءها تقدير البنيات الغائبة في النص المدروس.
  • تمحَّصَت الفرضية التي تُفيد أن الوقوف مع المتعلمين عند بعض المقومات الأدبية وتعميق النقاش حولها تدريجيا بطرق عرض واضحة، يرفع من ذائقة المتعلمين اللغوية (56 %)، ويرغِّبهم في دراسة المتون الأدبية التي تتميَّزُ بمقومات أدبية (42 %).

المحور الثاني: المتعلق بإكراهات التنزيل بموقف الأساتذة من:

  • تأكدت الفرضية التي تقر بأن المدرسة ببرامجها ومناهجها الدراسية لم تنجح في تربية المتعلمين تربية قرائية، وترسيخ عادة القراءة المستقلة في نفوسهم، إذ عبَّر الأساتذة أن (42 %) لا يقبلون على فعل القراءة إلا أحيانا في أوقات جد محدودة، و أن (36 %) منهم منقطعون عنها بشكل دائم.

المحور الثالث: الحلول المقترحة

ولتجاوز الصعوبات والعراقيل التي تمَّ التأكد منها، نقترح ما يلي :

  • لا بد لجعل المتعلم / المتلقي يتعامل مع النص كبنية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية التحليل والإبداع، من التركيز على العناصر التالية:
  • وضع القارئ المتعلم في مركز التعلمات، ومراعاة حاجياته الذاتية (ميوله واهتماماته) والموضوعية (نضجه ومعارفه) أثناء التخطيط للدرس، وحثهم على أن يكونوا عناصر فاعلة في الدرس، تقوم بالقسط الأكبر من العمل والإعداد المنظَّم والمراقب من قبل الأستاذ؛
  • توجيه المتعلم إلى العناصر الأكثر بروزا في العمل الإبداعي، والتي تساعده على الفهم؛
  • الحرص على ربط النص بالواقع المعيش، كلما كان ذلك ممكنا وقت استخراج الأبعاد الدلالية والقيمية؛
  • تعليمهم مواضعات الكتابة الخاصة بكل نوع أدبي لأنها تسهِم في تشكيل أفق توقُّع المتعلم / القارئ؛
  • مطالبة المتعلمين بحفظ بعض الأساليب باعتبارها نماذج عليا يمكن النسج على منوالها.
  • الإكثار من النصوص المرتبطة بالمحور الواحد، والتخفيف من كثرة المحاور المقررة في البرنامج الدراسي، بإضافة نصوص إضافية للتطبيق تراهِن على الكيف عوض الكم.
  • إضافة حصة ثالثة إلى حصَّتي درس النصوص الأسبوعية، لأن الزمن يؤدي دورا وظيفيا في حصول الفائدة المرجوة أو عدم حصولها.
  • الاهتمام بالطرق الكفيلة بتعويد المتعلم عادة القراءة الذاتية وتسليحه بأدواتها، وتجنب طريقة التدريس التي تركِّز على الإلقاء، إلا في بعض المواقف التي يعجز فيها المتعلم عن إدراك وتذوق النصوص، حتَّى يستطيع المتعلم بناء تعلماته، ويتعوَّد تحليل النصوص وبناء الأحكام؛
  • مراجعة معايير توجيه كل من لم يحصل على معدَّل في المواد العلمية، أو لم يصل إلى عتبة النجاح المطلوبة ليشق طريقه في الشعبة الأدبية.

المصادر والمراجع:

  -  المرسوم رقم 2.02.376 الصادر في 6 جمادى الأولى 1423 (17 يوليوز 2002) بمثابة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي – جريدة رسمية عدد 5024 يوليوز 2002.

  - المذكرة الوزارية رقم 43 الصادرة بتاريخ 22 مارس 2006 في موضوع: "تنظيم الدراسة بالتعليم الثانوي".

 

([1])– "مشاكل التلقي في درس المؤلفات: المؤلف الروائي نموذجا"، عبد الله مناني، أهداف وطرق تدريس مواد اللغة العربية - النظرية والتطبيق، جماعة من المؤلفين، (م.م)، ص: 62.

تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية
Partager cet article
Repost0
6 septembre 2024 5 06 /09 /septembre /2024 18:18
إعمال فقه الأولويات في قضايا المرأة

إعمال فقه الأولويات في قضايا المرأة

 

الدكتور عبد الله الغرمول

 

دراسة محكمة

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية الثلوج مديرية الحاجب.

ملخص

        إن كلا من الرجل والمرأة سيَّان في أصل التكليف الشرعي، كلاهما مأمور بالامتثال للوحي الإلهي المتمثل في الرسالة الخاتمة وكتابها القرآن الكريم، مأمور بالتمكين لهذا الدين، وبذل كل جهد في ذلك، ففي الحديث عن أنس قال دخَلَت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سليم وعنده أم سلمة، فقالت: المرأة ترى في منامها ما یرى الرجل، فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سلیم، فضحتِ النساء!. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أم سليم منتصرا لأم سليم: بل أنت تربت يداك. إن خيركن التي تسأل عما يعنيها، إذا رأت الماء فلتغتسل قالت أم سلمة: وللنساء ماء !؟ قال: نعم، فأنى يشبههن الولد

الكلمات المفاتيح: القرآن الكريم، السنة النبوية، فقه الأولويات، المرأة المسلمة


Summary:
Both men and women are equal in the origin of the legal obligation. Both are commanded to comply with the divine revelation represented in the final message and its book, the Holy Quran. They are commanded to empower this religion and to make every effort to do so. In the hadith of Anas, he said: Umm Sulaym entered upon the Messenger of Allah, may Allah bless him and grant him peace, and Umm Salamah was with him. She said: A woman sees in her dreams what a man sees. Umm Salamah said: May your hands be covered with dust, O Umm Sulaym, you have disgraced women! The Prophet, may Allah bless him and grant him peace, said to Umm Sulaym, defending Umm Sulaym: Rather, may your hands be covered with dust. The best of you is the one who asks about what concerns her. If she sees water, let her wash herself. Umm Salamah said: And women have water!? He said: Yes, so how can a child resemble them?
Keywords: The Holy Quran, the Prophetic Sunnah, Jurisprudence of Priorities, Muslim Women


تمهيد

     من الحكم العظيمة التي من أجلها خلق الله تعالى الكون أن تكون كل مكوناته مسخرة للإنسان. وجعل سبحانه وتعالى الإنسان مبتلى بحمل الأمانة العظمى الملقاة على عاتقه، ليستحق المؤمنون والمؤمنات الجزاء الأوفى
أولا: الأَولَى والأصل في خَلقِ المرأة التكليف الشرعي
إنما هن شقائق الرجال( 1) وقال ابن حجر: وإنما خص الذَّكر بالذِّكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون والنساء، شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خُصّ(2 )
ولكون هذه الخصوصية واقعة لا محالة بحسب ما تقتضيه الفطرة التي فطر الناس عليها، صار للمرأة بعض أحكام خاصة استثناء من التكليف العام، تجلى ذلك في بعض الجزئيات المحدودة التي سجلها القرآن الكريم بأعيانها، كما في كون شهادة المرأة في الدَّين نصف شهادة الرجل، قال جل وعلا: ﴿استشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾(3 )
كما بينت السنة حرمة قيام المرأة ببعض العبادات في حالات مخصوصة مثل الحيض والنفاس، فهما يمنعان الصوم والصلاة
و قد جاء في شرح ابن حجر على صحيح البخاري: وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومُهن على ذلك، لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل به الإثم، بل في أعم من ذلك. قال النووي، لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل(4 )
لم تسلم المرأة من الفتن التي فتحت أبوابها بضياع الرشد السياسي، وذهاب الشورى، وانتشار الاستبداد، فصار لدى معظم النساء المسلمات عقدة عَقَبة وهي مسَلَّمة النقص واستحالة وصولهن للكمال، أي نوع من الكمال. زاد نفسية الانهزام والسلبية ما تلاحق في المجتمعات الإسلامية من تهميش للمرأة وفشو الجهل والخرافة والأمية في صفوفهن
إن مجرد تحميل المرأة - إلى جانب الرجل - أمانة الاستخلاف، واستحقاقها الجزاء الأوفى مع الصالحين والصالحات لهو من عظيم التشريف وكريم التكليف، وهذا يستدعي من اللبيبات من المسلمات أن ترتفع هممهن لطلب درجات من الكمال 
وقد أورد بعض شارحي السنة روایات شاذة تدعي استحباب مخالفة المرأة بعد مشاورتهم، مما يخير بوجود آراء دونية إزاء المرأة لدى عدد لا يستهان به من المسلمين، مما يستدعي تصحيحا للمفهوم، قال صاحب تحفة الأحوذي في شرح جامع سنن الترمذي في كتاب الفتن باب النهي عن سب الرياح: (أموركم إلى نسائكم ) أي مفوض إلى رأيهن , والحال أنهن من ناقصات العقل والدين. وقد ورد: شاوروهن وخالفوهن كذا في المرقاة. قلت: قال صاحب مجمع البحار في كتابه تذكرة الموضوعات في المقاصد, شاوروهن وخالفوهن لم اره مرفوعا ولكن روي عن عمر: خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة. بل روي عن أنس رفعه: لا يفعلن أحدكم امرا حتى يستشير فإن لم يجد من يستشيره فليتشر امرأة ثم ليخالفها، فإن في خلافها البركة. وفي سنده عیسی ضعيف جدا مع أنه منقطع. وعن عائشة مرفوعا بطرق ضعاف طاعة النساء ندامة، وإدخال ابن الجوزي حديث عائشة في الموضوعات لي معيد. وقد استشار في أم سلمة في صلح الحديبية، وصار دليل استشارة المرأة الفاضلة... قلت له طرق وشواهد منها. عودوا النساء لا فإنها حقيقة إن أطعتها املكتك " وخالفوا النساء، فإن في خلافهن البركة
فلقد أجاب سبحانه دعاء الذاکرین المتفكرين بقوله: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾( 5)
فيسعی نور من بذلت الجهد في تحمل الأمان وأصلحت عملها بين يديها في الآخرة، قال جل شأنه: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(6 )
 المرأة المسلمة اليوم أحوج لمن يبث في كيانها النفسي والعقلي الثقة بالذات وقدراتها وهو طلب المعالي الإيمانية التي تجعل منها فاعلا سياسيا لا يضاهى، خصوصا إذا أدركت أهمية وخصوصية المرحلة التي تمر منها الأمة الإسلامية وما يتطلبه ذلك استشراف التمكين لدين الله تعالى، وبلوغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ( 7)
.ثانيا: أولوية الأصل في وظيفة المرأة أنها حافظة الفطرة
جاء في لسان العرب: الفطرة ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به. .. الفراء في قوله تعالى: (فطرت الله آلتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )... وقال أبو الهيثم: الفطرة التي يُخلق عليها المولود في بطن أمه؛ ... قال: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، يعني الخِلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة، فإذا ولَدَه یهودیان هَوَّدَاه في حكم الدنيا، أو نصرانیان نصَّرَاه في الحكم، أو مجوسیان مجَّسَاه في الحكم، وكان حكمه حكم أبويه حتى يعبِّر عنه لسانه، فإن مات قبل بلوغه مات على ما سبق له من الفطرة التي فُطر عليها فهذه فِطرة المولود؛ قال: وفطرة ثانية وهي الكلمة التي يصير بها العبد مسلما وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله جاء بالحق من عنده فتلك الفطرة للدين) (8 )
فكل مولود من البشر إنما يولد في مبدإ الخلقة وأصل الجبلّة على الفطرة السليمة والطبع المُتَهيء لقبول الدين الحق. فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها
لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس، وبِشرُه في القلوب. وإنما يعدل عنه من غيره لآفة من آفات الشر والتقليد
فمن الحكم الجليلة التي خلق الله عز وجل الناس من أجلها المحافظة على الفطرة السليمة، وحماية جوهرتها الثمينة من التشوه والانحراف، وتحتل المرأة الأهمية القصوى في الشأن بحكم أصل الخلقة التي أنشاها الله عز وجل عليها، ثم يتبعها في ذلك الأب، ذلك ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة أنه قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة ". ثم يقول: اقرؤوا :فطرت آلله آلتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الذين القيم"(9 )
الفطرة إذن هي الخِلقة الأصلية التي يكون عليها المولود الجديد، فهو يولد مسلما كامل الاستعداد لتلقي العلم بالله والمعرفة به والتهيؤ لعبادته بعد توحيده. بيد أنه تتناوله أيادي التربية من جهة الأبوين الكافرين فيحرفانه عن الإسلام ويهودانه وينصرانه ويمجسانه. ورغم أن كل مؤثر تربوي في مسؤولية الحفاظ على فطرة المولودين أو تحريفها يحتل نفس أهمية الأبوين، فإن مكانة الأم لا تضاهيها مكانة من بين كل المؤثرات المحيطة بالمولود الجديد
من هنا تبدأ المشاركة السياسية الحقيقية للمرأة لأنها تحافظ على أهم شيء في الشأن السياسي وهو الإنسان، يؤهلها لذلك ما أودع الله تعالى فيها من أسرار الارتباط الوثيق بالكائن البشري، وذلك من عدة زوايا، منها سنة التزويج التي أودعها الله تعالى في كيان المرأة النفسي، فكل امرأة بطبيعتها تهفو نفسها لزوج وأطفال تحوطها بفيض من الحنان والرأفة والمودة والرحمة تملأ قلب الأم، فتكون قنوات قوية قريبة صادقة لإيصال خبر الآخرة في أعمق أعماق الفطرة، بحيث تتمكن من نفس الطفل في سن مبكر، فتكون الأمومة سببا مهما لامتداد حبل الفطرة عبر الأجيال، وهذا الحبل وصية أصيلة لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لبنيه بالمحافظة على فطرة الإسلام في نفوسهم وذريتهم
ثالثا: أولوية تفنيد شبهة منع تعليم المرأة
مما يثار حول المرأة المسلمة( 10) حديث منسوب لعائشة رضي الله عنها: "لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل وسورة النور"(11 )
الحديث رواه الحاكم، وقال الذهبي: حديث موضوع( 12)، وقال البيهقي: «وهذا بهذا الإسناد منكر والله أعلم( 13). أما القرآن فلم يشر إلا إلى العلم والتعلم. قال تعالى: اقرا باسم ربك الذي خلق(14 )
وهو أمر عام للرجال والنساء، وفي سيرة الرسول الكريم العشرات من الصحابيات اللاتي سجل التاريخ أسماءهن في طلب العلم وبذله، منهن أمهات المؤمنين. عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صل الله وسلم فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتیك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا»، فاجتمعن فأتاهن النبي صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله( 15)
وفي تاريخنا عدد لا يحصى من العالمات والفقيهات، غير أن سحابة الجهل والتخلف التي خيمت على الأمة الإسلامية منذ قرون جعلت الأمة تتراجع إلى الوراء، فتراجعت المرأة؛ حتى ظهر من العلماء من يوصي بعدم تعليمهن. قال تقي الدين الهلالي وهو من فقهاء المغرب المعاصرين رحمه الله: «في تعليم الإناث وتربيتهن ثلاثة مذاهب متباينة
 المذهب الأول: عدم تعليمهن أكثر من قراءة المصحف بدون فهم. قال أصحاب هذا المذهب: إنه أحسن المذاهب وأولاها بالصواب، وهو الذي وجدنا عليه آباءنا. وهم كانوا أحسن منا. وتعليم النساء يفسد أخلاقهن. فإن المرأة التي لا تقرأ ولا تكتب تكون بعيدة عن متناول شياطين الإنس. فإن القلم كما لا يخفى أحد اللسانين. فبعدم معرفتها للقراءة والكتابة تأمن شر اللسان الثاني فيتم لها الأمن. وكم رأينا من متعلمات لم يأتهن الشر إلا من قبل تعلمهن، وهذا في زمان الإسلام والعفاف والأنفة العربية، وأما في هذا الزمان، فقد بلغ السيل الزبى واتسع الخرق على الراقع. فإن معرفة الفتاة للقراءة توصل إلى ذهنها جميع ما يقع في الدنيا من الفساد والمخادنة. وتملأ فكرها بهواجس خبيثة كانت في عافية منها(16 )
رابعا: أولوية تفنيد شبهة لزوم البيت
ينتقد البعض موقف العلماء الذين أفتوا المرأة بلزوم بيتها( 17)؛ فأقول بأنه مهما بلغ اجتهاد علمائنا الأجلاء حفظهم الله، فهو قاصر أمام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى موجها خطابا لنساء النبي، وبالرغم من أن الآية واضحة بأنها خاصة بنساء النبي: فقد حاول مجموعة من المفسرين إسقاطها على جميع المؤمنات؛ فلا سياق الآية يسعف، ولا سيرة النبي الكريم تسعف
وقد كانت الصحابيات يشاركن الصحابة في كل شيء حتى في الحروب، واستمر هذا الحال إلى وفاة النبي الكريم ولو كان الأمر بلزوم البيت عاما لجميع المؤمنات لما سجلت كتب الحديث والسير كل تلك الحوادث عن خروج النساء لما يصلحهن من کسب وتعليم وجهاد
يقول الإمام أبو بكر بن العربي عن أحوال المعتدة، وهل يجوز لها الخروج من البيت أولا: «لزوم البيت للمعتدة شرع لازم، وأن الخروج للحدث والبذاء والحاجة إلى المعاش وخوف العورة من السكن جائز بالسنة، والله أعلم. المسألة الثالثة عشرة في صفة الخروج: أما الخروج لخوف البذاء والتوحش والحاجة إلى المعاش؛ فيكون انتقالا محضا. وأما الخروج للتصرف للحاجات فيكون بالنهار دون الليل؛ إذ لا سبيل لها إلى البيت عن منزلها، وإنما تخرج بالإسفار وترجع قبل الإغطاش وتمكن فحمة الليل(18 )
»وزاد وبين أن هذه الأحكام إنما هي للمعتدة وغيرها فقال:» إنما يكون خروجها، في العدة كخروجها في النكاح؛ لأن العدة فرع النكاح، لكن النكاح يقف الخروج فيه على إذن الزوج»( 19). وأشير أن هذا الأمر محل إشكال كبير الآن بعد فساد أحوال الناس، ويحتاج إلى مزيد دراسة وتنقيح. فالحجاب إذن صريح للمرأة المسلمة بالخروج من بيتها لحوائجها وصلاتها وكسبها ومشاركتها العامة في الحياة. إذ لولا ضرورة الخروج، ومشروعية الخروج، لما كانت هناك حاجة لتوصية المرأة المسلمة بستر زينتها وصون جسدها. إنما الصون واجب الستر اتقاء لأنظار الأجنبية خارج بيتها أساسا
خامسا: أولوية تفنيد شبهة الزواج بالصغيرة عند النضج 
يثير أعداء الإسلام شبهة زواج النبي الكريم بسيدتنا عائشة؛ فيقولون: وحين كان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم قد تجاوز الخمسين من عمره زوجه أبو بكر ابنته عائشة وعمرها ست سنوات ودخل عليها محمد حين صارت ابنة تسع(20 )
والذي عليه علماء الإسلام أنه يجوز للرجل خطبة الفتاة قبل بلوغها ويتزوجها بعد البلوغ. أما عن زواج النبي الكريم بعائشة فإنها كانت مخطوبة لجبیر بن مطعم، وكان مشركا فحل خطبته من عائشة بإيعاز من أمه خوفا من تأثير عائشة عليه فيدخل في الإسلام، فهي كانت ناضجة مكتملة النضج بدليل خطبتها من جبير. وقد فكر رسول الله في توثيق الصلة بينه وبين أحب الناس إليه: أبو بكر، فطلب الزواج من عائشة، واستقبلت قريش هذا الزواج
کاستقبالها لأي زواج آخر بشكل عادي، ولو كان فيه أي نقيصة لانتقصوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا، ولم يكن في تلك البيئة الصحراوية أهمية لفارق السن بين الرجال والنساء كاليوم. ومن الخلل المنهجي أن ننظر إلى ذلك الزمان وإلى عاداته، وعقليته الاجتماعية بعقلية اليوم، فمعلوم أن سن الزواج اليوم قد تأخر عند الفتيات إلى سن السابعة والعشرين كمعدل، وهي سن جد متأخرة إذا ما قارناها بما كان عليه الحال قبل عشرين عاما فقط. وتجدر الإشارة إلى أن نضج الفتاة في المناطق الحارة يكون في سن الثامنة ويتأخر سن البلوغ إلى الواحد والعشرين في البلدان الباردة( 21) ومن اجتهادات العلماء التي قاست زواج النبي صلى الله عليه وسلم ونزلته على واقع مختلف عن واقع العهد النبوي هو إجبارية تزويج الصغيرة. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا تزوجها من كفء ويجوز له تزويجها مع كراهيتها وامتناعها»( 22)
وقال ابن عبد البر وهو من علماء المالكية: (أجمع العلماء أن لأب أن يزوج ابنته الصغيرة ولا يشاورها... لتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين) 23)
وغاب على العلماء في عصرنا هذا أن هذا الأمر خاص ببيئة معينة وبأناس معينين، والدليل على ذلك أنه لا أحد أنكر هذا الزواج، ولم ينكره علماؤنا في زماننا هذا والتي اتصف بها أبو بكر الأب، وقل ورع الآباء، وقل نضج الفتيات، وقلت تقوى الرجال والنساء على حد سواء؛ 
فإن تنزيل هذه الفتوى على هذا الزمان هو ضرب من العبث( 24)، وقد نص علماؤنا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال(25 )
سادسا:: أولويات المرأة وأهليتها للمشاركة في العمل والمسؤولية السياسية
أولويات تفنيد شبهة عدم تولي المرأة للمسؤولية السياسية
استند أصحاب هذه الدعوى( 26). إلى حديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"(27 ) وقد اختلف في هذا الحديث منذ القديم؛ فذهب جمهور فقهاء السلف إلى اشتراط الذكورة في تولي المسؤولية السياسية، وفي تولي القضاء أخذا بمنطوق ومفهوم هذا الحديث الشريف، واشترطوا الذكورة فيمن يتولى الخلافة أو الإمامة العظمى لدار الإسلام لكنهم اختلفوا فيما عداها من الولايات الفرعية والجزئية ومنها تولى القضاء، حيت اعتبر الجمهور الذكورة شرطا في تولي القضاء؛ بينما ذهب أبو حنيفة إلى جواز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال، أي في القضايا المالية والتجارية. وقال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء(28 ). قال ابن رشد: «فمن رد قضاء المرأة -أي: رفض توليها القضاء- شبهه بالإمامة الكبرى التي لا يجوز للمرأة توليها ومن أجاز حكمها في الأموال فتشبيها قياسا على جواز شهادتها في الأموال، ومن رأى حكمها نافذا في كل شيء - الطبري - قال أن الأصل هو أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز إلا ما خصصه الإجماع من عدم جواز توليها الإمامة الكبرى»(29 )
فالمالكية ردوا إمامة المرأة مطلقا سواء في الصلاة، أو في الأمور السياسية، أو القضاء لعموم الحديث النبوي( 30)، وكذلك الحنابلة فلم يجيزوا لها حتى القضاء. قال ابن قدامة: «ولأن القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، ليست أهلا للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهن رجل، وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن 
خاتمة
يلاحظ مما سبق في كلام أئمتنا رحمهم الله وتعليلاتهم التي بها منعوا إمامة المرأة ما يهينها، وقد كرمها الله تعالى، وكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان سادتنا العلماء اتفقوا على عدم جواز تولي المرأة للإمامة العظمی، فإنهم اختلفوا فيما سوى ذلك، فأجاز بعضهم لها تولي القضاء، وتولي بعض المسؤوليات السياسية والمالية، لكنها عند عدد من العلماء: ناقصة عقل، لا تصلح لتولي مناصب الولاية العامة
وهنا نتساءل عن مجال المسؤولية السياسية عند المرأة !؟ فأقول بأن المرأة لها حق المسؤولية في المجالس النيابية، والسفارات، وكل المسؤوليات السياسية ما عدا الإمامة العظمی وقوفا مع الحديث النبوي الشريف. أما عن المشاركة السياسية وتمثيل الأمة في المجالس النيابية التشريعية فلها تأصيل في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سيرته العطرة

هوامش الدراسة

  1. سنن الدارمي، کتاب الطهارة، باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.
  2. فتح الباري، کتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين.
  3. سورة البقرة 281.
  4.  كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، وقد أورد بعض شارحي السنة روايات شاذة تدعي استحباب مخالفة المرأة بعد مشاورة.
  5. سورة آل عمران الآية 195.
  6. سورة الحديد الآية 12.
  7. سورة الأحزاب الآية 35.
  8.  لسان العرب مادة فطر.
  9. رواه الشيخان وغيرهما زاد البخاري في روايته: فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسونَ فيها من جدعاء؟ الجدعاء هي التي قطع منها عضو. عند مسلم: فهل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها.
  10. أجنحة المكر الثلاثة للميداني، ص 590.
  11.  المستدرك على الصحيحين للحاكم، 430/2
  12. ابن قايماز الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوی، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، الطبعة الأولى، 1963م، 446/3
  13.  البيهقي، شعب الإيمان، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 2003م 90/4  
  14. سورة العلق آية 1
  15. صحيح البخاری، کتاب الاعتصام بالكتاب والسنة،، باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس براي ولا تمثيل 7310: صحیح مسلم، کتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت الله ولد فيحتسبه، رقم: 2633.
  16. مجلة الجامعة الإسلامية بالمديه الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 2678. ينظر الرابط التالي:
  17. www.mojtamai.com/book/almaktabah/book 18/home/1/77-c4/2678------20
  18. نظر، إهانة الإسلام للمراة والرد على المدافعين، م س
  19. ابن العربي، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 2003 م 277/4
  20.  ينظر: قصة المرأة في الإسلام...، م س
  21. الإسلام في قفص الاتهام، لشوقي أبو خليل، ص 258
  22.  المغني لابن قدامة، 40
  23.  ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد بير البكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 ه، 98/19
  24. ينظر فتوى الشيخ المغراوي المغربي حول جواز زواج بنت التاسعة وأثير حولها على الرابط التالي:
  25. http://www.hespress.com/videos/8344.html
  26. ينظر على سبيل المثال لا الحصر، ابن القيم، إعلام الموقعین عن رب العالمین، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م، 157/4
  27.  ينظر: إهانة الإسلام للمرأة والرد على المدافعين، مس.
  28.  صحيح البخاري، کتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، رقم: 4425.
  29.  بداية المجتهد لابن رشد، 2/ 440.
  30. المغني لابن قدامة، 10/ 36. ينظر أيضا: أبو عبد الله المالكي، منع الجليل شرح مختصر خليل، دار الفكره بیروت، 1989م، 259/8

 

إعمال فقه الأولويات في قضايا المرأة
Partager cet article
Repost0
10 août 2024 6 10 /08 /août /2024 17:33
تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة

بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

د.طريق زينونDR.Tarik zinoun*

دراسة محكمة

*أستاذ مبرز، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس

الملخص:  

يعد مسعى النهوض بالتعليم هما عالميا، دفع الكثير من الدول – وفي مقدمتها المغرب - إلى تأسيس أجهزة بحثية وإدارية متخصصة لتطوير نظمها التعليمية، وحل المشكلات التي ترتبط بها. لهذا الغرض عرف مسار التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالمغرب مؤخرا إصلاحا جديدا في ظل صدور خارطة طريق للإصلاح (2022-2026م). يروم هذا الإصلاح توحيد مسار التكوين وإعداد هندسة تكوينية متطورة لتأهيل أطر هيئة التدريس، لتصبح قادرة على امتلاك كفايات ومؤهلات علمية وبيداغوجية، تؤهلها إلى أداء رسالتها على الوجه الأقوم، وتسعفها في بناء التعلمات والارتقاء بكفايات المتعلمين وقدراتهم ومهاراتهم بناءً على جملة من المعايير.

وقد أسهمت فرق البحث والتكوين والتطويرفي تجديد عُدّة تكوينية تشمل إنتاج بطاقات واصفة ومطبوعات ووضعيات تكوينية وتقويمية؛ تخص كل المجزوءات والورشات المدرسة في المراكز الجهوية. ولا شك أن تجديد عدة التكوين يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق الحكامة التأهيلية لأطر التدريس، وضمان جودة تكوينها للرقي بالمنظومة التربوية التي يظل إصلاحها مشروطا بالعناية بمسار التكوين الأساس والمستمر للمدرسين.

من خلال هذه الورقة العلمية سأحاول تسليط الضوء على خلفيات تجديد عدة التكوين الخاصة بالسلك الابتدائي وأهميته، وبيان أهدافه وغاياته، والإجراءات العملية المصاحبة؛ لتفعيله على أرض الواقع. واستقراء سبل نجاحه أيضا، وبيان أهم العوائق التي يمكن أن تعترض سبيل هذا التجديد على مستوى التطبيق والأجرأة.

مفاتيح البحث:

التجديد- عدة التكوين- الجودة- التأهيل- المدرسون- منظومة التربية والتكوين.

:Résume

L’enjeu de la promotion de l’éducation est un défi universel. Tous les pays, y compris le Maroc; ont créé des dispositifs de recherche et des dispositifs administratifs spécialisés pour développer leurs systèmes éducatifs et résoudre les problèmes qui leur sont associés.

À cette fin, les centres régionaux d’éducation et de formation du Maroc ont récemment connu une nouvelle réforme.  En se référant à la feuille de route pour la réforme (2022-2026), cette nouvelle approche vise à normaliser les formations au sein des CRMEF et à  élaborer un nouveau dispositif de formation qui permettra de doter les cadres du personnel enseignant  de compétences professionnelles et de savoirs scientifiques et pédagogiques; ce qui les rendront aptes et qualifiés à accomplir parfaitement leurs missions et les aider à développer les apprentissages et à améliorer les capacités, les aptitudes et les compétences des apprenants.

Les équipes de R&D ont contribué à la rénovation de plusieurs modules de formation par la production de syllabus relatifs à tous les modules présentés au CRMEF, et l’élaboration de situations de formation et d’évaluation. Il ne fait aucun doute que la rénovation au niveau de l’ingénierie de formation constitue une base essentielle pour garantir la qualité de formation des enseignants. La réforme reste tributaire de la formation initiale et continue des enseignants.

A travers ce document scientifique, on mettra en évidence les nouveautés concernant le dispositif de formation des enseignants du primaire. On essaiera d’éclaircir ses objectifs, les attentes et les situations pratiques qui l’accompagnent et les rendre opérationnelles. On tentera d’identifier les obstacles éventuels les plus importants qui pourraient entraver la réalisation des objectifs de cette réforme.

Clés de recherche :

Renouvellement – dispositif de formation - Qualité - Qualification - Enseignants – réforme - Système d’éducation et de formation.

 

 المقدمة:

يتوقف تقدم الأمم والحضارات على النهوض بالمدرسة، وبأوضاع منظومة التربية والتكوين، والعناية بأدوار مختلف الفاعلين فيها؛ خصوصا المعرفية والمهنية والأخلاقية. ولهذا "ترتبط إحدى أهم مسلمات التقدم والتنمية المجتمعية بالمسألة التعليمية شديد الارتباط، بما يعني أن حظوظ أي برنامج تنموي تقل بقدر ما تسوء أو تسلم المنظومة التعليمية، سواء من حيث النوعية أو من حيث التعميم والانتشار، ومن هنا فإن كثيرا من معايير التصنيف الدولية للمجتمعات في سلم التنمية والتقدم، تستند في عمليات التقييم إلى الوضعية التعليمية في أي بلد" (مبارك ربيع، نحن والتربية:287). فالمعول عليه في عملية التقدم والتنمية هو مدى الاهتمام بالمدرسة وعناصرها وأقطابها الكبرى، وفي مقدمتها العناية بالعنصر البشري وتكوينه التكوين الملائم المنفتح، وضبط استراتيجيات تأهيله، من أجل حكامة جيدة.

 من أجل ذلك؛ تحتاج عملية صناعة المدرس الجيد والناجح في ممارساته وأدائه المهني بذل جهود كبيرة ومضنية أحيانا في مجال التكوين الأساس والمستمر والتأهيل المعرفي والمهاري والبيداغوجي والأخلاقي؛ حتى يتملك الكفايات المهنية القادرة على الرفع من جودة قطاع التربية والتكوين، وإحداث نهضة حقيقة للمنظومة التربوية برمتها، ومن ثم تحقيق التنمية المجتمعية المنشودة. وهو ما يقتضي الانتقال من نموذج المدرس المطبوع إلى نموذج المدرس المصنوع الذي تتأسس ممارساته الصفية على أسس علمية وبيداغوجية متينة، وعلى معايير تكوينية ومهنية واضحة، تترجمها عدة تكوينية جيدة.

وتتسم عملية صناعة المدرس بالجدة والاستمرارية والحركية؛ يفرضها عصر التفكير والإبداع والانفتاح والتأمل الواعي في الممارسة الواقعية داخل الفصول الدراسية. وما لم ندرك هذه التحديات ستبقى عملية تأهيل المدرس وصناعته عملية إعادة إنتاج ما هو قائم. وقد تنحرف عما هو إيجابي ومميز فيها، إذا لم نسع إلى تعديل الممارسات الصفية والتفكير في ممارسة واعية متبصرة. ويبقى هذا كله متوقفا على تغيير تصوراتنا للأداء التدريسي، وبناء معتقدات ونماذج جديدة حول الممارسات المهنية المرغوب فيها؛ بهدف تحسين الجودة في الأداء المهني والممارسة الصفية. وبهذا التصور يكون المدرس قادرا على الرفع من نسبة النجاح لتلاميذه، والإسهام في تنمية مجتمعه الذي سيغنم ثمار نجاح المؤسسة التربوية ككل.

ولا شك أن تجديد هندسة التكوين بالمراكز الجهوية تأتي في هذا الإطار، تنزيلا للرؤية الاستراتيجية (2015-2030م)، ولمضامين القانون الإطار 51.17، ولخلاصات النموذج التنموي، ولخريطة طريق الإصلاح (2022-2026م). ويهدف هذا النفس الإصلاحي التجديدي المنشود إلى تخريج مدرسين ذوي خبرة وكفاءة عالية، قادرين على تهيئة المتعلمين وتنشئتهم التنشئة الواعية المتوازنة لبناء مجتمعهم والنهوض به في جميع المجالات، وذلك من خلال تمكينهم من التعلمات الأساس وتجويدها، لتنمية ذاتهم، والاستجابة لحاجات التنمية المجتمعية؛ بكل أبعادها اللغوية والروحية والفكرية والمادية، والاندماج في القطاعات المنتجة.

 فالغاية الكبرى من تجديد هندسة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين تتحدد في بناء كفايات تدريسية متميزة لدى الطالب الأستاذ؛ بحيث يصبح قادرا على التحكم في المعارف الخاصة بمواد التخصص، وملما بنظريات التعلم وطرق التدريس، ومتمكنا من بناء التعلمات تخطيطا وتدبيرا وتقويما، واستثماره أهم الطرائق والأساليب والنظريات البيداغوجية في أثناء التدريس، مع الانفتاح على محيط المتعلم السوسيوثقافي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق يكون التحكم في عملية التدريس المدخل الأساس لترجمة أهداف إصلاح المنظومة التربوية.

أولا: دور المراكز الجهوية في صناعة المدرس:

تعد المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بناء على المرسوم الوزاري المحدث والمنظم لها، رقم 2.11.672، الصادر بتاريخ 23/دجنبر/ 2011 مؤسسات لتكوين الأطر العليا، تخضع لوصاية السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم المدرسي. فهي مكون رئيس في منظومة التربية والتكوين، تتولى مهمة تأهيل أطر هيئة التدريس معرفيا ومهنيا وأخلاقيا. وتعمل على تجديد موارد المنظومة التعليمية من خلال التأهيل وإعادة التكوين الأساس والتكوين المستمر، كما تسهم بقسط وافر في عملية البحث العلمي والتجديد التربوي ونشر المعرفة، فضلا عن الإشعاع الثقافي والعلمي. فالمراكز الجهوية تسهم بقدر كبير في تنمية الكفاءات البشرية، وتمثل سندا قويا للدفع نحو الارتقاء بعملية التدريس والتحكم فيها، وتوفير الشروط اللازمة لنجاح المدرس في أداء أدواره المختلفة.

وعلى الرغم من هذه الوظائف المتميزة والرائدة التي تؤديها المراكز، إلا أن وضعها لا يزال يعرف مجموعة من الاختلالات والضبابية إداريا وماليا ووظيفيا، مما يتطلب التفكير فيها والوعي بها، وإيجاد حلول عملية لها، تحافظ على هويتها التربوية والعلمية واستقلاليتها التدبيرية والتكوينية. وعلى هذا الأساس "يمكن للمراكز الجهوية أن تكون فاعلا متميزا وشريكا حقيقيا في التنمية المحلية والجهوية، شريطة تأهيلها للنهوض بوظائفها الأساسية وملاءمتها لحاجات المحيط ومشاريع التنمية المحلية والجهوية للمؤسسات المنتخبة، ومخططات المصالح الإقليمية لمختلف الوزارات" (عبد السلام الرجواني، مؤسسات تكوين الأطر التعليمية ودورها في التنمية المحلية: ص87).

ولكي تؤدي المراكز الجهوية هذه الوظائف على الوجه الأقوم، ينبغي اتباع استراتيجية تدبيرية جديدة وحكيمة، تقوم على احترام مبادئ الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتنفيذ مقتضيات القانون 00/01، ونهج حكامة تكوينية جديدة، قوامها الاستثمار في التكوين وتحفيز هيئة المدرسين، والارتقاء بمستوى كفاءاتها وتأطيرها وفق معايير جديدة وناجعة، ويبقى هذا كله رهينا بوجود قناعة لدى المسؤولين عن قطاع التربية والتكوين. ومن ثم "إذا تحقق الاقتناع التام بضرورة التكوين وأهميته في صناعة المدرس المطلوب لمدرسة المستقبل، فإن عمل التكوين داخل هذه المؤسسات يتم عبر مجموعة من الواجهات، لا بد أن تحضر بدورها لتأهيل هذه المراكز للقيام بمهامها على أحسن صورة، وتؤدي بذلك المهام التي أسست من أجلها وهي توفير مدرسين ذوي خبرة عالية للعمل في ميدان التعليم كل حسب سلكه وتخصصه"، (محمد بازي، صناعة التدريس ورهانات التكوين: ص 114).

وتتحدد هذه الواجهات أو الرافعات في ضرورة أن تتحكم مراكز التكوين في معايير ولوج مهن التدريس بناء على مواصفات ومحددات دقيقة وواضحة، من أجل ضمان وحدة معايير القبول والدخول إليها، كما تتطلب العملية كذلك تحيين مصوغات التكوين وتجديد هندسته؛ بما يسعف في توحيد الرؤى والتصورات ومنهجيات العمل والاشتغال، وضبط مرجعيات التكوين والتأهيل أيضا التي من شأنها أن ترسخ مبدأ المهننة، وتضمن التوفر على برامج تكوينية وتدريبية على مستوى واحد، وهناك واجهة التسيير التي تساعد هذه المراكز على الانفتاح على محيطها، وتجعلها قادرة على إحداث شراكات فاعلة مع مختلف الهيئات والمؤسسات التي قد تغني تجربتها جهويا ووطنيا، مع ضمان الاستقلالية في التدبير والتسيير، ولا يجب أن نغفل عن واجهة البحث العلمي والإشعاع التربوي والثقافي، بحيث لا مناص من إعطاء صلاحيات كبرى للمراكز لاقتراح برنامج تكوينات مستمرة للأساتذة والإداريين، وتتبع المسار المهني للمتخرجين، واقتراح مواضيع وقضايا للبحوث العلمية التدخلية، وهكذا تسهم في التكوين المستمر وفي اكتساب المهارات التدريسية المتجددة، (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد، تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، تقديم يونس الصالحي، ص 116-120).

ولا شك أن هذه الواجهات تتقاطع مضامينها وأهدافها مع ما نص عليه تقرير النموذج التنموي الجديد، الذي أكد على ضرورة:

  • التحسين الجوهري لجودة تكوين المدرسين الأساس؛ وتمكينهم من تكوين مستمر منتظم وإشهادي، يعزز قدراتهم المهنية. وهذا التحسين يبقى رهينا بضرورة تحديث الهندسة التكوينية لمهن التدريس؛
  • بناء تصور مسار مهني جديد، يهدف إلى تقوية جاذبية مهنة التعليم لدى الطلبة المتفوقين، واعتماد مبدأ إمكانيات الترقي القائم على تطوير الأجرة من خلال ربطها بالنتائج، وهكذا سيؤخذ بعين الاعتبار الأثر الملحوظ على تعلمات التلاميذ وجودتها، (ينظر المرجع السابق: ص127-128).

في هذا السياق يمكن القول إن عملية التكوين هي عملية صناعة المدرس التي تمثل المدخل الأساس لترجمة أهداف إصلاح المنظومة التربوية على مستوى الممارسة الميدانية. وتستهدف هذه العملية استكمال مهنيته وتأهيله تربويا، وهي معبر سيار لممارسة مهنة التدريس بوعي وتبصر، من خلال تملك مختلف النظريات التربوية وتطبيقاتها العملية، ومسافة معرفية ومنهجية، تروم بناء منهجية التفكير لدى المدرس، والإعلاء من الاتجاهات الإيجابية تجاه المهنة والمحيط التربوي، والقدرة على التواصل والحوار، يقول محمد بازي في هذا المقام: "التكوين هو الأرضية الحقيقية التي تتبلور عليها خرائط صنع الواقع التربوي الذي نعيشه جميعا، نؤثر فيه ونتأثر به، في اتجاه المستقبل المليء بالتحديات. ولذلك لا بد من ملامسة القضايا الأساس التي تتحكم في فعاليته ومردوديته من أجل ربح رهاناته. وهو ما يتطلب فتح نقاش دائم حول ثوابته ومتغيراته، مجالاته وحدوده، وظائفه وإمكانياته والإكراهات العملية التي يعانيها. مواصفات مدخلاته ومخرجاته، وكل ما يرتبط بصناعة المهنية العالية عند الممارسين"، (محمد بازي، صناعة التدريس: ص 105-106). فالتكوين الجيد والصلب هو المدخل لكل نهضة تربوية ومجتمعية، وهو ما يفرض ضرورة التقيد والامتثال لمعظم التوجيهات والتوصيات التي يقدمها المشتغلون في الحقل التربوي والتكويني والخبراء المهتمون بقضايا التربية والتكوين. ومن هذا المنطلق أصبح التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين مسلكا رئيسا لاكتساب المدرس أهم الكفايات المهنية والوعي برسالته التربوية.

ويظل المدرس في حاجة ماسة إلى التكوين الأساس والمستمر، الذي يعد أحد أهم الوسائل التي تساعد على تحسين الأداء والرفع من نسبة الجودة في مجال التربية والتكوين، مما يفرض الوعي بالدور الجديد للمدرس القائم على التعليم النشط والشامل، وهذا الأمر يحتاج إلى حزمة من الإجراءات والإصلاحات التي تستهدف مهنة التعليم؛ بوصفها عملا محترما ورائدا داخل النسق المجتمعي، وعبر قناتها تتحقق التنمية في مختلف المجالات، والأمر يحتاج إلى العمل المنضبط بمعايير علمية ونماذج تكوينية متطورة. وفي هذا الصدد نميل إلى التأكيد على أن "التكوين المفروض توفيره للمدرسين المبتدئين، خاضع لعدة معايير للمهننة. والتي يتجاذبها قطبان أساسيان؛ قطب يهم معايير النمو المهني المؤسساتي. وقطب ثان؛ يهم بالأساس مدى تدخل العنصر الذاتي، أي أداء المدرس، ومعايير جودته الوظيفية والأخلاقية، ورغبته في تنمية القدرات المهنية لديه، عبر التعلم المستمر والتكوين الذاتي. الأمر الذي قد ينعكس بشكل إيجابي على مسألة المهننة لدى الأساتذة المتدربين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين"، (المهدي أكزول، الكفايات المهنية لأساتذة الغد: بين تجربة الدراسة الجامعية وحقيقة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.: ص44).

ولا يمكن أن نغفل في هذا السياق أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين قد دعا إلى التركيز على مبدأ المهننة في التكوين الذي يعد مدخلا أساسيا للنهوض بأدوار الفاعل التربوي، ولن يتحقق هذا المبدأ إلا بامتلاك المدرس جملة من الخصائص والمهارات القائمة على مؤهلات معرفية وتربوية ومهارية، تسعف في أداء مهامه التدريسية على أفضل وجه، وهو ما يفرض الاستناد إلى المرتكزات والمقتضيات التالية:

  • ضرورة تحديد المهام والأدوار المرتبطة بمهن التربية والتكوين؛
  • تشجيع كل المبادرات لدى الفاعل التربوي الرامية إلى تحسين جودة المدرسة، في احترام تام للتوجيهات الرسمية وهندسة التكوين المعتمدة؛
  • جعل التكوين الأساس إلزاميا وممهننا؛
  • نهج تكوين مستمر طيلة المسار المهني للفاعل التربوي؛
  • التدبير الناجع للمسار المهني، يقوم على المواكبة والتقييم والترقية المهنية، على أساس المردودية وجودة الأداء؛
  • الحفز المادي والمعنوي للفاعل التربوي؛
  • الموازنة بيان أداء الواجب والتمتع بالحقوق. (عبد الكريم غريب، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح في أفق 2015-2030، المنطلقات والمرجعيات والأسس: ص 188-189).

ويظهر من خلال هذه المقتضيات أن الفعل التدريسي يجب أن يؤطر بجملة من المعايير والضوابط البيداغوجية التي تسهم في بناء مبدأ المهننة وترسيخه وتجويده لدى الفاعل التربوي، يحتكم إليها بدءا من مرحلة التحاق الطلاب المتدربين بكليات علوم التربية، وأثناء التدريب والتكوين بالمراكز الجهوية، ثم يرجع إليها بعد الانتهاء من التدريب لتتبع نموهم المهني ومزاولتهم مهنة التدريس وتتجلى هذه المعايير حسب محمد الدريج: (محمد الدريج، هندسة التكوين الأساسي للمدرسين وتمهين التعليم: ص 10- 61).

  • معايير الاختيار للالتحاق بمؤسسات التكوين والإعداد؛
  • معايير الإعداد لمهنة التعليم؛
  • معايير مزاولة المهنة؛
  • معايير الإشراف التربوي؛
  • معايير التدريب والتكوين الذاتي والتعليم المستمر؛
  • معايير التطور واستشراف المستقبل؛
  • المعايير الأخلاقية؛
  • معايير جودة الأداء التعليمي.

ومن هذا المنطلق فإن تحديث فلسفة التكوين وهندسته بالمراكز الجهوي لمهن التربية والتكوين؛ يجب أن ينطلق من فرضية مؤداها أن التدريس هو علم وفن قائم على معرفة عامة نظرية وممارسة واقعية، يخضعان لقواعد ومعايير تصقل التجربة الذاتية للمدرس عبر مساره المهني، وتجعلها تجربة علمية مضبوطة بضوابط علمية، تتأسس على تقاسم التجارب والممارسات الواعية الناجحة وعلى العمل التشاركي التعاوني وعلى التكوين الذاتي والتعلم المستمر لبناء المهارات والخبرات التدريسية. ومن ثم "يفترض الرهان على التكوين الأساسي أو المستمر، النظر إلى التعليم، ليس كفن أو حرفة بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما بوصفه علما عمليا. فكما هو معلوم، تكمن أهمية علوم التربية في ما تبدعه من نظريات حول التعلم، ينطلق منها المدرس لوضع تصوراته حول الممارسة التعليمية، والتخطيط لها، وتدبيرها وتقويمها. يتعلق الأمر، إذن، بالنهل من المعرفة العلمية، المتوفرة حول طبيعة النمو والتعلم عند الطفل أو المراهق، من أجل خلق ممارسة تعليمية ملائمة"، (فوزي بوخريص، الممارسة المهنية في حقل التعليم بين الإبداع والتقليد: ص39). وفي ضوء هذا المعطى يلزم تطوير وظائف المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، بما يلائم طبيعة الرؤى والتصورات الإصلاحية التي ينشدها المجتمع المغربي، فيترتب عن ذلك لزاما تحديث المناهج والعدة التكوينية، وأساليب وطرق التكوين.

ولذلك تسعى المراكز الجهوية للتربية والتكوين وفق رؤية تكوينية واضحة إلى إنماء أربع كفايات رئيسة تتجلى في:

  • تخطيط أنشطة التعليم والتعلم؛
  • تدبير التعلمات وفق تخطيط مسبق؛
  • تقويم تطور كفايات المتعلمين؛
  • البحث والتجديد من خلال الممارسة الميدانية.

كل ذلك يوضح أن تحقيق التنمية المجتمعية، يبدأ بالنهوض بالمدرس والتفكير في صناعته صناعة معرفية وعلمية ومهنية ترفع من جودة أدائه المهني؛ فعلى المدرس يتوقف تنفيذ السياسات التربوية وكل مشاريع الإصلاح التعليمي، كما أنه هو الذي يقدم الصورة الذهنية المثالية للمتعلم عن الإنسان الصالح والمثابر، "وقد دل ما لا يحصى من التجارب والمعطيات على أن المعلم الجيد يستطيع ترك أثر طيب في نفوس طلابه ولو كان المنهج المعتمد والكتاب المقرر هزيلا، كما دلت التجارب على أن جودة المناهج والمقررات ستكون محدودة الأثر حين يكون المعلم ضعيفا في استعداداته، أو سيئا في أخلاقه وتعامله مع طلابه"، (عبد الكريم بكار، التعليم من أجل الريادة: ص 84-85).

تابع

 

تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين
Partager cet article
Repost0
10 août 2024 6 10 /08 /août /2024 14:36
تتمة-تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة

بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

د.طريق زينونDR.Tarik zinoun*

دراسة محكمة

*أستاذ مبرز، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس

تتمة:

الملخص:  

يعد مسعى النهوض بالتعليم هما عالميا، دفع الكثير من الدول – وفي مقدمتها المغرب - إلى تأسيس أجهزة بحثية وإدارية متخصصة لتطوير نظمها التعليمية، وحل المشكلات التي ترتبط بها. لهذا الغرض عرف مسار التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالمغرب مؤخرا إصلاحا جديدا في ظل صدور خارطة طريق للإصلاح (2022-2026م). يروم هذا الإصلاح توحيد مسار التكوين وإعداد هندسة تكوينية متطورة لتأهيل أطر هيئة التدريس، لتصبح قادرة على امتلاك كفايات ومؤهلات علمية وبيداغوجية، تؤهلها إلى أداء رسالتها على الوجه الأقوم، وتسعفها في بناء التعلمات والارتقاء بكفايات المتعلمين وقدراتهم ومهاراتهم بناءً على جملة من المعايير.

وقد أسهمت فرق البحث والتكوين والتطويرفي تجديد عُدّة تكوينية تشمل إنتاج بطاقات واصفة ومطبوعات ووضعيات تكوينية وتقويمية؛ تخص كل المجزوءات والورشات المدرسة في المراكز الجهوية. ولا شك أن تجديد عدة التكوين يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق الحكامة التأهيلية لأطر التدريس، وضمان جودة تكوينها للرقي بالمنظومة التربوية التي يظل إصلاحها مشروطا بالعناية بمسار التكوين الأساس والمستمر للمدرسين.

من خلال هذه الورقة العلمية سأحاول تسليط الضوء على خلفيات تجديد عدة التكوين الخاصة بالسلك الابتدائي وأهميته، وبيان أهدافه وغاياته، والإجراءات العملية المصاحبة؛ لتفعيله على أرض الواقع. واستقراء سبل نجاحه أيضا، وبيان أهم العوائق التي يمكن أن تعترض سبيل هذا التجديد على مستوى التطبيق والأجرأة.

مفاتيح البحث:

التجديد- عدة التكوين- الجودة- التأهيل- المدرسون- منظومة التربية والتكوين.

 

ثانيا:  رهان الجودة في هندسة التكوين الجديدة:

في البدء تجب الإشارة إلى أن الجودة في مجال التعليم تعني: "تقديم خدمة التربية والتعليم والتكوين في أحسن صورها من لدن متقنين لعملهم، مدربين مكونين أحسن تكوين، متمثلين لمواصفات جيدة، متوفرين على كفايات عالية متميزة، داخل مجالات عمل جيدة، وبطرق فعالة وبناءة، وباستعمال أحسن الوسائل وأحدثها، وبمناهج وبرامج تتوافق وحاجات المجتمع، وتخدم مقومات هويته الحضارية الإسلامية، وبأقل جهد وبأقصر وقت لفائدة المتعلمين"، (عبد الله ضيف، الجودة في التعليم سياق أم مساق؟ ص25).

أما هندسة التكوين؛ فهي "عبارة عن نشاط مخطط يهدف إلى إحداث تغييرات في الفرد والجماعة التي ندربها تتناول معلوماتهم وأدائهم وسلوكهم واتجاهاتهم وسماتهم الشخصية، بما يجعلهم لائقين لشغل وظائفهم بكفاءة وإنتاجية عالية. وتحدد هندسة التكوين مجموع الإجراءات المنهجية، في تمفصل منسجم مع معايير محددة، قصد تطبيقها لتصور عدة تكوين المدرسين، تمكن من بلوغ الأهداف المنشودة بشكل ناجع. إنها مجموع إجراءات منسقة منهجيا تسعى لتحقيق أهداف التكوين، فضلا عن تقويمها. وهذه الإجراءات هي:

  • دراسة وتحليل الحاجيات.
  • إعداد أهداف التكوين.
  • إعداد دفتر التحملات.
  • تصور لمشروع التكوين واختيار النموذج الملائم.
  • اختيار الطرق ووسائل التنفيذ.
  • التطبيق والتنسيق ومراقبة الإنجاز.

تقويم مدى تحقيق الأهداف وآثار التكوين"، (محمد الدريج، هندسة التكوين الأساسي للمدرسين وتمهين التعليم، ص 12-13).

 وهذه المراحل في حقيقتها ما هي إلا ترجمة فعلية لفكرة المشروع الذي يمر بمراحل هي التشخيص والتخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقويم. ولا شك أن تجديد تصور أو ممارسة علمية يقتضي الانتقال من نموذج علمي إلى آخر ينطلق من مدخلات واضحة، ويروم تحقيق مخرجات معينة عبر المرور بعمليات نوعية خاصة. لهذا كان المبتغى من تحديث هندسة التكوين وضع مرجعية تكوينية وطنية موحدة، توحد المفاهيم الخاصة بعناصر البطاقات الوصفية ومجزوءات التكوين، بهدف خلق انسجام بين مختلف مكوناتها. وعلى هذا الأساس تم وضع الهندسة الجديدة التي تراعي مجموعة من الأسس والمرتكزات والمرجعيات، وقد مكن هذا من بناء تصور شامل حول الهندسة التكوينية التي انطلقت من مواصفات مهنية خاصة التي يجب أن تتوافر في المدرس، مع الأخذ بعين الاعتبار المكتسبات والتغيرات الحاصلة في مجال التربية والتكوين وطنيا وعالميا.

فالغرض الشامل من تجديد الهندسة يتجلى في ملاءمة التعليم لخصوصيات المحيط، وهذا رهين بالتحسين المستمر في المدخلات والعمليات والمخرجات، وهي مفاهيم تركز بالأساس على العنصر البشري. وتروم تكوين مدرسين وفق تصور أو إطار شامل يعلي من قيمة الأداء الفاعل والمتواصل الذي يبنى على التكوين الأساس الجيد والتكوين المستمر المتجدد، هذا التكوين الذي يجب أن يغير نظرتنا إلى مهنة التعليم كما كانت في السابق، فالتطور السريع للمعارف يجعل من الضروري القيام بإعادة التأهيل والتكوين للمدرسين ولمعارفهم ولطريقة أدائهم داخل الفصول الدراسيىة. فلا شك أن جميع الفاعلين في حقل التربية يقرون بأن هناك نقصا يتعلق بتكوين المدرسين، ولذلك سيكون من الضروري والمهم مد المدرسين بثقافة تكوينية جديدة، تعزز من لياقة المدرس الوظيفية التي تفرض عليه الاستمرار في القراءة والتعلم والانخراط في الدورات التكوينية، وحضور ورشات التكوين ذات العلاقة بالتخصصات المعرفية في السلك الابتدائي. ((تتحدث وزارة التربية الوطنية اليوم عن بلورة  مشروع التدريس وفق مقاربة التخصص بالتعليم الابتدائي؛ استجابة لحاجات المنظومة التعليمية المتجددة ببلادنا، ورغبة في توفير تعليم ذي جودة عالية في المدرسة العمومية المغربية تحقيقا لمبدإ الإنصاف وتكافؤ الفرص الذي يعد محورا من محاور خارطة الطريق التي تضع مصلحة المتعلم على رأس أولوياتها)).

إن تحيين مصوغات التكوين وتحديثها أمر واقع لا مفر منه، يفرض إغناء وتطعيم ما هو قائم، وصياغته بما يلائم المستجدات التربوية، وتبسيط المفاهيم الإجرائية وتقديمها بوضوح إلى الأساتذة المكونين، بعيدا عن الخطابات النظرية المجردة، وربط التكوين بمواصفات الواقع التعليمي المغربي وإكراهاته، "ولكي يتحقق التكوين بفعالية كبيرة، يحسن إسناد المصوغات التي تصب في التخصصات الأكاديمية والعلمية للأساتذة المكونين إليهم لتكون الإفادة أكثر والمردودية أحسن، ثم انتهاج المرونة أثناء العمل بالمصوغات، وفسح المجال لاجتهادات المكونين واقتراحاتهم، مع مراعاة الأهداف الحقيقة للتكوين، والعمل على بلوغها عبر خلق أنشطة موازية في برامج التكوين دفعا لإجهاد المتدربين وإبعادا للملل عنهم، وعدم الاقتصار طيلة السنة على العدة"، (محمد بازي، صناعة التدريس ورهانات التكوين: ص 117).

ورافق تجديد هندسة التكوين إنتاج عدة تكوين تلائم سيرورة تطور منظومة التربية والتكوين وتواكبها. وتجدر الإشارة إلى أن عدة التكوين قد عرفت تطورا وتغييرات نوعية، خصوصا مع إحداث المراكز الجهوية سنة 2011م، وقد مرت بالمراحل التالية:

  • عدة تكوين وتأهيل أطر هيئة التدريس شتنبر 2012؛ أنتجت في سياق تفعيل المرسوم رقم 2.11.672، الصادر في 23 دجنبر2011؛ المتعلق بإحداث المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وتنظيمها؛
  • عدة التكوين الخاصة بفوجي 2016/2017، التي أنتجت لمواكبة اعتماد وزارة التربية الوطنية لمبدأ توظيف الأساتذة بموجب عقود من طرف الأكاديميات؛
  • عدة تكوين فوج 2018، أنتجت في سياق مواكبة التوظيف الجهوي لأطر الأكاديميات؛
  • عدة أو هندسة التكوين الجديدة التي انطلقت مع الموسم التكويني 2021/2022م.

 وفي إطار هذا الإنتاج والتحديث المتواصل لعدة التكوين، انتقل مجال التكوين الأساس من التركيز على النظرية ثم الممارسة إلى التكوين القائم على أنموذج عملي-نظري-عملي، فهو تكوين ممهنن يراعي الخصائص والمعايير التالية:

  • اتصاف التكوين بالعملية وتفعيل الأنشطة الميدانية؛
  • قيامه على الكفاية المهنية؛
  • اعتماد المقاربة المجزوءاتية؛
  • تكوين يطور الأداء المهني والمهارات والخبرات والكفايات التدريسية؛
  • تأكيده على أهمية المعارف للقيام بعملية التدريس؛
  • تكوين قائم على تحليل الممارسات والتبصر والتأمل في الممارسات الواقعية؛
  • تكوين يسهم في بناء تصورات للممارسات المرغوب تحقيقها مستقبلا وتجنب المعيقات والصعوبات التي تؤثر سلبا في الأداء المهني؛
  • إعلاء وحدات التكوين من جانب الأداء المهني؛
  • المزاوجة بين الوضعيات المهنية وتفعيل التحليل التفسير لهذه الممارسات والوضعيات. (وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، عدة التناوب المدمج، التكوين الأساس والمستمر لفائدة المدرسات والمدرسين، ص: 10-11).

ومن خلال هذه الخصائص، يتبين أن عملية صناعة المدرس في التصورات الجديدة، لا بد أن تتوافر فيها جملة من الشروط والمواصفات، لعل أبرزها امتلاك عدة معرفية قوية، والجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق، ثم التأمل في الممارسة التدريسية. فالمدرس الناجح هو المتمتع بكفايات معرفية وخبرات عملية، ويحرص دائما على التأمل الذاتي في عمله وعلى التعاون والتشارك مع زملائه في كل ما يهدف إلى الارتقاء بأدائه المهني. ومن هذا المنطلق فإن هندسة التكوين بالمراكز الجهوية للتربية والتكوين تعمل على تطوير كفايات المهنية للأساتذة المتدربين، "بالنظر إلى ثلاثة أبعاد أساسية، تلامس المعارف العامة والتخصصية للمتدربين من جهة، والكفايات المهنية التكوينية التقنية، التي يقوم عليها عمل المدرس من تخطيط وتدبير للتعلمات، ومن تقويم ودعم ومعالجة من جهة ثانية. بالإضافة إلى التركيز على البعد التبصري من خلال إنماء قدرة الأساتذة المتدربين على مساءلة ممارساتهم المهنية ونقدها، قصد التطوير والارتقاء بالأداء المهني التعليمي"، (المهدي أكزول، الكفايات المهنية لأساتذة الغد: ص53).

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن تجديد عدة التكوين وتطويرها جاء استجابة لمجموعة من الخلاصات وموجهات القانون الإطار الذي نص على مجموعة من العمليات والإجراءات التي يجب اتخاذها واتباعها للنهوض بالمنظومة التربوية، نذكر منها:

  • تجديد مهام وملاءمة المناهج والبرامج والتكوينات والمقاربات البيداغوجية المتعلقة بها؛
  • تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير؛
  • التكوين الأساس شرط لازم لولوج مهن التربية والتكوين؛
  • تحسين جودة التعلمات والتكوين وتطوير الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك؛
  • الرفع من نجاعة أداء الفاعلين التربويين؛
  • المراجعة العميقة والمستمرة والمنتظمة للمناهج والبرامج والتكوينات؛
  • تقوية التكوينات الممهننة؛
  • الترقية المهنية تتم على أساس الاستحقاق والإسهام في الرقي بالمدرسة المغربية.

لقد كان المبتغى من تطوير عدة التكوين هو تطوير التكوين الأساس لأساتذة التعليم الابتدائي، بمراعاة غايات النظام التربوي المغربي وأهدافه. وقد سعى فريق التطوير إلى تحسين هذه العدة، والانطلاق مما تراكم في مجال التكوين والتأهيل، فالتطوير يتضمن البناء على المكتسبات السابقة، والأخذ بالحسبان المتحقق الإيجابي من ذلك وتجاوز السلبي منه، ويتضمن الجديد المتجدد الذي من شأنه تطوير الممارسة المهنية، والذي هو المميز الأساسي لما يجب أن تكون عليه الهندسة الجديدة.

وهكذا جاء الاهتمام بإنجاز مخطط دعم مختلف المتدخلين في التكوين الأساس، فحصل التنسيق بين ثلاثة فضاءات للتكوين: الجامعات ممثلة في المدارس العليا للأساتذة والمدارس العليا للتربية والتكوين، والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

لقد مر تحيين عدة التكوين والتأهيل بمراحل لعل أبرزها:

  • تحيين الإطار المرجعي الخاص بأساتذة التعليم الابتدائي؛ من خلال تحديد الكفايات المستهدفة التي يجب أن يتحكم فيها المتخرج من المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين؛ مع ترصيد ما تراكم في التجارب التكوينية السابقة وتثمينه.
  • تطوير بطاقات التوصيف، حيث وضعت ورقة توصيفية لكل مجزوءة تتضمن العناصر التالية: الكفاية المستهدفة، والأهداف، والمستلزمات، وتنظيم الزمن، ومحتويات المجزوءة ومحاورها الكبرى، وصيغ العمل والأجرأة والتقويم؛
  • ثم تجريب مسودة المجزوءات المنجزة خلال الموسم التكويني  2021/2022م؛
  • تطوير النسخ المنجزة، انطلاقا من المعطيات التجريبية؛
  • ثم تتبع إنجاز المجزوءات في التكوين على مستوى المراكز الجهوية.

بناء على هذه الرؤية الواضحة، فإن النظام الجديد لتكوين المدرسين سيعرف مسارا جديدا، يبدأ من الجامعة، حيث سيتلقى الطالب تكوينا جامعيا، يؤهله إلى الحصول على الإجازة في التربية، تسمح له بالترشح لمباراة توظيف هيئة التدريس، وعند النجاح فيها، سيخضع لمدة سنة لتكوين نظري وعملي بالمراكز الجهوية لمهن التربية ومؤسسات التدريب، وبعد التصديق على وحدات التكوين واستيفائها، يعين الطالب أستاذا متدربا في السنة الثانية بمؤسسة للتعيين؛ حيث يتحمل مسؤولية القسم كاملة، يكلل بامتحان التأهيل التربوي، ليرسم بعد ذلك بعد النجاح في هذا الامتحان.

إن تنزيل هذا الإصلاح التكويني الجديد يخضع في حقيقته لمنهجية واضحة، تتجلى في البناء التدريجي للخبرة الوطنية والجهوية، واستحضار مبدأ التكامل بين ما هو مركز وجهوي وبين مختلف المؤسسات الفاعلة في التأهيل والتكوين، مع تقوية دور المؤسسة التكوينية بتفعيل المقاربة التشاركية والبحث والتجريب والتعديل وتقويم الاختلالات وسد الثغرات الممكن تسجيلها أثناء التنزيل، (عبد الله بوغوتة، إرساء المهننة في هندسة التكوين المطورة، عرض تأطيري، الناظور 18 يونيو، 2022).

وتتحدد مرجعيات هندسة التكوين الجديدة التي يرومها الإصلاح الجديد في:

  • المرجعية المهنية؛ حيث الانطلاق من تشخيص مهنة التعليم وتحليلها بسلك التعليم الابتدائي، وتحديد أدوار المدرس ووظائف المدرسة الابتدائية؛
  • مرجعية الكفايات؛ حيث تحديد الكفايات المهنية والمعرفية التي تعكس وتصور ملمح الأستاذ المتدرب ومواصفاته عند تخرجه؛
  • مرجعية التكوين؛ توضح مختلف الأنشطة التكوينية النظرية والميدانية؛ والتقاطعات بينها؛
  • مرجعية التقويم؛ تحدد كيفيات استيفاء وحدات التكوين، وطرق التقويم والمعايير المعتمدة في ذلك، (عبد الله بوغوتة، المرجع السايق).

وتنفيذا لتوجهات الرؤية الاستراتيجية التي دعت إلى جعل التكوين إلزاميا وممهننا، واعتبرته مقوما لولوج مهنة التدريس، وهو ما يفرض ضرورة حصول الراغبين في التدريس على شهادة صادرة من جهة رسمية، تسمح بمزاولة هذه المهنة، بهدف إعطاء قدر كبير من الاحترام والاعتبار للمعايير والشروط والمهارات التي يجب توفرها في المدرس الناجح، وإن تجديد مهن التربية والتعليم يحمل نوعا من الضمان لاستمرار أهلية المدرس ولياقته لأداء واجبه، كل ذلك يفرض حسب الرؤية الاستراتيجية "مراجعة مناهج وبرامج تكوين الأطر، والارتكاز على إرساء مسالك بتكوينات معرفية ومنهجية وبيداغوجية وديداكتيكية، وتوفير الوسائل اللازمة والأساتذة المتخصصين، والمزاوجة بين تحصيل معرفي متين منفتح بتنوع لغوي ومكتسبات بيداغوجية لازمة"، (عبد الكريم غريب، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح، ص: 191).

ونظرا للدور الفاعل الذي يؤديه الأستاذ المكون دعت الرؤية الاستراتيجية إلى:

"تمكينهم قبل ولوج المهنة من تكوين أساس، يشمل التخصصات اللغوية والمعرفية والبيداغوجية في مجالات التكوين التي سيشرفون عليها؛ وتنسيق برامج تكوين الأطر الإدارية والتربوية بين المدارس العليا للأساتذة والجامعات وكليات علوم التربية وخريجيها في مجال التكوينات والإجازات المهنية والماستر المهني المتخصص، من الخبرات النظرية في مجال علوم التربية ومقاربات التعلم ومنهجية البحث التربوي وتعميق التكوين العلمي المرتبط بالتخصص"، (عبد الكريم غريب، المرجع السابق: ص 191).

لقد رسمت الرؤية الاستراتيجية إذن؛ رؤية واضحة عن مسارات تكوين المدرسين وتأهيلهم بالمراكز الجهوية، من خلال تصورات نظرية واضحة ووسائل تطبيقية تدفع في اتجاه ترسيخ مبدأ المهننة واكتساب كفايات التدريس الأساس، وهو ما تكشف عنه الهندسة الجديدة التي تحتاج في نظرنا إلى إعادة تعديل وتقويم، خصوصا وأنها في مرحلة التجريب.

وتتأسس هندسة التكوين في فلسفتها الجديدة على جملة من المبادئ والمقتضيات، لعل أهمها:

  • اعتماد المقاربة بالكفايات إطارا منهاجيا لبناء عدة التكوين؛
  • اعتماد المقاربة المجزوءاتية المهيكلة لمنهاج التكوين؛
  • تبني التكوين بالتناوب، مع التركيز على الأنشطة  والوضعيات المهنية؛
  • اعتماد نموذج عملي-نظري- عملي؛
  • اعتماد البعد التبصري وتحليل الممارسات؛
  • استثمار التكوين الذاتي.

وقد أثمرت عملية تجديد هندسة التكوينية وتطويرها الوحدات والورشات التالية: وحدات دعم التكوين الأساس 1و2و3، والتخطيط والتدبير والتقويم وعلوم التربية والديداكتيك وتكنولوجيا المعلومات والتواصل تخص الأسدوس الأول. أما وحدات الأسدوس الثاني، فتتحدد في: ورشات الإنتاج الديدكتيكي 1و2و3، وورشات تحليل الممارسات 1و2و3، والأقسام ثنائية المستوى، والتشريع وأخلاقيات المهنة ومنهجية البحث التدخلي.

ثالتا:  ملاحظات عامة حول هندسة التكوين الجديدة:

يتبين من خلال ما عرضناه سلفا حول هندسة التكوين الجديدة أن التكوين االمنشود هو التكوين الذي يخضع لمعايير وضوابط المهننة، والقائم على مرجعية عقلانية وعلى معايير مهنية صارمة، فالتدريس مهنة ذات خصوصية تختلف عن غيرها من المهن والحرف. ويعد التكوين بالمراكز الجهوية تتويجا لمسار طويل من مراحل التعليم والتكوين، فيفترض في هذه المرحلة أن تصنع المدرس المكتمل في شخصيته، معرفيا ومهنيا وأخلاقيا، لأن التكوين مختلفة في طبيعتها عن المراحل التي تسبقها، فهي مرحلة بناء الكفايات المهنية التي تقتضي نوعا خاصا من المهارات ومعايير التكوين والتأهيل والكفاءة، وهي محطة مهمة في صناعة مدرس له دراية بما يحيط به من متغيرات، ويمتلك شبكة متعددة ومتكاملة من الكفايات. ويبقى هذا رهينا بعدة قوية وناجعة تنفتح على الخبرات الوطنية والدولية.

وقد دعت وزارة التربية الوطنية في مختلف وثائقها وتوجيهاتها فرق البحث والتطوير إلى التقيد بالمعايير العلمية والمهنية والبناء التشاركي الصاعد الذي تراوح بين لقاءات مركزية وأخرى جهوية وحضورية وعن بعد، وإلى ترصيد ورسملة التجارب والمنجزات السابقة واقتراح صيغ لتجويدها في أثناء إعداد الهندسة الجديدة؛ لأنها السبيل إلى إرساء آليات الحكامة الجيدة بالمراكز الجهوية. وعلى الرغم من ذلك فإن هذا المبتغى وهذا الرهان، قد تعترضه بعض العوائق والصعوبات في أثناء التصور والتنفيذ، كما يظهر من خلال عملية التتبع التي كشفت عن وجود إشكالات تعيق عملية التنفيذ الأمثل والأقوم، ولعل أهمها في تصوري:

  • تهميش الكفايات المعرفية في هندسة التكوين الجديدة؛ لأن شخصية المدرس تفترض توافر بعدين مهمين ومتضافرين في تكوينه، لا يغني أحدهما عن الآخر، وهما البعد المعرفي العلمي، والبعد المهني المهاري الذي يؤهله إلى خوض غمار التدريس؛
  • سقوط بعض المجزوءات في فخ التأطير النظري؛ خصوصا في الأسدوس الأول؛ حيث تم التركيز في بناء بعض المجزوءات على ما هو مشترك وعلى الخطوط العامة القائمة بين المواد المدرسة في السلك الابتدائي، على الرغم من وجود خصوصيات لكل مادة؛
  • تكرار مضامين معرفية  بعينها في بعض الوحدات التكوينية وتداخلها؛ وهذا يوضح إغفال مفهوم المادة التكوينية والرصيد التكويني في إطار الوحدة التي تشتمل عليها؛ والجهل بدور كل وحدة تكوينية وبمحتواها المعرفي والتكويني؛
  • غياب الاشتغال برؤية تكاملية، التي يمكنها أن تتجاوز ذلك التداخل والتكرار؛
  • تضخم عدد المجزوءات والورشات، مما يقلص من نسبة التكوين الذاتي للطالب المتدرب، ويقلل من فرص البحث الشخصي، خارج فضاء التكوين، مما ينعكس سلبا على جودة التكوين؛
  • غياب التوازن في توزيع المدد الزمنية على الوحدات والورشات؛ فقد تجد تعادلا وتساويا بين ورشة الإنتاج الديدكتيكي أو تحليل الممارسات الخاصة بقطب الإنسانيات وورشة الإنتاج أو تحليل الممارسات الخاصة بقطب اللغات مثلا، وفي هذا تقزيم للمواد الأساسية المدرسة بالسلك الابتدائي؛ كاللغات والعلوم؛
  • قصر الزمن المخصص للتكوين ولبعض الوحدات والورشات؛ مما يؤثر سلبا في جودة بناء الكفايات المهنية؛ فيتم السقوط في كثافة البرنامج التكويني؛
  • اقتطاع محاور من وحدات معينة، وجعلها وحدات أو ورشات قائمة الذات، أفرغها من محتواها ومضامينها التكوينية؛ كما هو الشأن لورشات الإنتاج الديدكتيكي وتحليل الممارسات، فهذه الورشات أفرغت مجزوءتي التخطيط والتدبير من محتواهما، فأصبحتا عبارة عن مضامين نظرية؛ ويوضح هذا النقص الحاصل في الاشتغال على مبدأ المهننة في أثناء الإعداد والتطوير؛
  • غياب الانسجام والتكامل الداخلي والمنهجي في مضامين بعض الوحدات والورشات.

هذه بعض الإشكالات التي تطرحها عدة التكوين الجديدة، مما يفرض التنسيق بين الأساتذة المكونين والارتكاز على الجهود الجماعية، لما تحمله من تعدد زوايا النظر وثرائها؛ لتجاوز تلك الثغرات والهفوات، ولما يمكن أن تطرحه من تصورات ورؤى وملاحظات، تحمل إمكانية تمحيص هذه العدة وتثقيفها وتهذيبها، وهذا أمر لا يسيء إلى عمل فرق البحث والتطوير، وإلى ما قدموه من مجهودات مهمة؛ لأن التحديث والتطوير من سماته الإيجابية المراجعة المستمرة، كلما اقتضت الضرورة ذلك، ولغاية بناء هندسة تكوينية ناجعة وجيدة تسهم بشكل فعال في التكوين الأساس للمدرس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.

الخاتمة:

خلاصة القول؛ إن توفير موارد بشرية مؤهلة معرفيا ومهنيا فرض تحديث هندسة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، بما يساير التحولات المادية والمعرفية والمعنوية التي تعرفها حياة المجتمع المغربي، وخاصة في حقل التربية والتكوين. وجاء هذا التحديث لتنفيذ وتنزيل ما دعت إليه مجموعة من التقارير والوثائق والخلاصات الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة التي تؤكد على أن أي إصلاح تربوي يتوقف على التكوين الأساس، والإعداد الجيد للمدرس؛ بوصفه الفاعل المباشر في العملية التعليمية التعلمية، والساهر على تنفيذ مشاريع الإصلاح. لهذا تتبعت هذه الورقة العلمية المسار الذي أخذته تجربة تحديث هندسة التكوين، وبينت المرجعيات والمبادئ والمعايير المؤطرة لهندسة التكوين بالمراكز الجهوية التي تروم صناعة مدرس المستقبل المنفتح، والمتشبع بأخلاقيات المهنة، والمتملك لأهم الكفايات المهنية تخطيطا وتدبيرا وتقويما، والمساير لأهم المستجدات التربوية والديدكتيكية.

وبهذا؛ إن التحكم في هذه الكفايات والمهارات سينعكس بلا شك إيجابا على الممارسات الصفية، وسيضمن تعليما ذا جودة عالية التي ينشدها الجميع. ولا ريب أن هذا الرهان قد استحضرته الفرق البحثية، وأخذته بالحسبان الهندسة الجديدة التي تمحورت مصوغاتها ووحداتها على مجموعة من الأبعاد التكوينية؛ لعل أبرزها البعد المعرفي الوظيفي، والبعد المهني والبعد التحليلي التبصري، وأجرأة هذه الأبعاد ستسعف في ترسيخ مبدأ المهننة في التكوين الأساس، شريطة توافر مجموعة من الشروط والظروف، التي تبقى متصلة بوضع المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين الإداري والتدبيري والوظيفي والعلمي، وبوضع تصور شامل لهندسة التكوين، يثمن ما تراكم من إيجابيات، ويتجاوز الثغرات والنقائص التي تعتري هذه الهندسة التي تبقى في حاجة إلى تصحيح وتجديد وتحديث.

مصادر البحث ومراجعه:

  1. عبد السلام الرجواني، مؤسسات تكوين الأطر التعليمية ودورها في التنمية المحلية والجهوية، مجلة التنشئة،  المجلد الأول، العدد الأول، أكتوبر 2005.
  2. عبد الكريم بكار، التعليم من أجل الريادة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة القاهرة، ط1، 2020.
  3. عبد الكريم غريب، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح في أفق 2015-2030، المنطلقات والمرجعيات والأسس، منشورات عالم التربية، ط1، 2017.
  4. عبد الله بوغوتة، إرساء المهننة في هندسة التكوين المطورة، عرض تأطيري، الناظور 18 يونيو، 2022.
  5. عبد الله ضيف، الجودة في التعليم سياق أم مساق؟ مطبوعات الهلال وجدة، ط1، 2005.
  6. فوزي بوخريص، الممارسة المهنية في حقل التعليم بين الإبداع والتقليد، دفاتر التربية والتكوين، المجلس الأعلى للتعليم، عدد مزدوج 8و9، يناير 2013.
  7. اللجنة الخاصة بالنوذج التنموي، النموذج التنموي الجديد، تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، تقديم يونس الصالحي، دار القلم العربي للنشر والتوزيع، ط1، 2021.
  8. مبارك ربيع، نحن والتربية، دراسة في استراتيجية التربية والتنمية، منشورات دار المعرفة، ط1، 2013.
  9. محمد الدريج، هندسة التكوين الأساسي للمدرسين وتمهين التعليم، منشورات مجلة كراسات تربوية، الجزء الأول، يوليوز 2020.
  10. محمد بازي، صناعة التدريس ورهانات التكوين، منشورات علوم التربية، العدد 23، ط1، 2010.
  11. المهدي أكزول، الكفايات المهنية لأساتذة الغد: بين تجربة الدراسة الجامعية وحقيقة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. مسلك الإجازة في التربية والشعبة المزدوجة للتعليم الابتدائي بتارودانت أنموذجا، ضمن المؤلف الجماعي: تجويد هندسة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين مدخل أساس للحكامة الجيدة، الناشر المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، برلين ألمانيا، ط1، 2020.
  12.  وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، عدة التناوب المدمج، التكوين الأساس والمستمر لفائدة المدرسات والمدرسين.

 

 

تتمة-تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين
Partager cet article
Repost0
11 juin 2024 2 11 /06 /juin /2024 22:53
انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السيو ثقافي: الأبعاد والدلالات

انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو- ثقافي:

الأبعاد والدلالات

دة.غزلان شهبون *

دراسة محكمة

*باحثة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس.

تقديم:

يولي الخطاب التربوي المغربي اهتماماً كبيرا لفاعلية المدرسة وأدوارها الطلائعية لتحقيق التنمية المستدامة والمنشودة، وتطوير كفايات الأفراد، وتنمية مستوى البنيات المجتمعية. وبحكم المتغيرات المتلاحقة التي مست طبيعة المعرفة والثقافة، فقد أصبح هذا السياق الدينامي يفرض على المدرسة الجديدة وظائف جوهرية،

فهي رافعة ودعامة استراتيجية للتنمية، ومركز جوهري في تحقيق الأمن والسلم الاجتماعيين.                                                          

 ونظرا لثقل هذه الوظائف وتعاظمها، أضحى لزاماً على المدرسة تبني فلسفة الانفتاح على المحيط بكل مكوناته، واعتماد منهج الإشراك والتشارك والتعاون، وتعزيز ثقافة التواصل، والدفع بكل المتدخلين التربويين للإسهام في أجرأة وظائف المدرسة وتحديد ممكنات العمل وشروطه، وذلك من خلال تعبئة كل الإمكانات المتوفرة لديها، لكسب الرهانات التنموية، وجعل المدرسة منفتحة على محيطها وعلى آفاقه الابداعية.

تعد المؤسسة المؤسسة إذن؛ فضاء للتربية والتكوين ومجالا للتنشئة الاجتماعية للمتعلمين. إلى جانب كونها مجالا للتواصل بين العديد من الفعاليات التربوية. قاسمها المشترك خدمة الناشئة المتعلمة، وتحفيزها على الاندماج السلس في بنيات المجتمع. إن الفضاء المدرسي يتسم بدينامية علاقاته وتشعباتها وتعدد أطرافها وتنوع آليات وظيفيتها ضمن نسق علائقي مركب. يقتضي تغليب الأبعاد التربوية بآفاقها الواعدة والإيجابية في عملية تدبير الشأن التربوي داخل المؤسسة المدرسية ضمن حكامة تربوية وإدارية وتشريعية جيدة. وتنهض عملية تجويد مخرجاتها على نجاح التدبير المعقلن للمنظومة التربوية، وتحسين الأداء للمؤسسة المدرسية، وتثمين كفايات قيادتها التربوية، في أفق تحقيق إنجاح عملية انفتاح المؤسسة على محيطها السيو ثقافي. ويمثل هذا الطموح التربوي تحديا ضمن بنيات هذا الورش الإصلاحي الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بتحسين أداء الإدارة التربوية، وتأهيل مواردها البشرية والمالية واللوجيستيكية، وتحيين العدة التشريعية وتناغمها، من أجل تسهيل عملية انفتاح المؤسسة المدرسية بمرونة وفعالية على محيطها السوسيو ثقافي.  

ما المقصود إذن؛ بانفتاح المؤسسة المدرسية على محيطيها السوسيو ثقافي؟ وما هي الأدوات الكفيلة بتحقيق هذا الانفتاح التربوي للمؤسسة المدرسية؟ وهل المحيط السوسيو ثقافي للمؤسسة المدرسية قادر على احتضانها؟ وما هي الأبعاد المنتظرة من هذا الانفتاح التربوي؟

أولا: تحديدات مفاهيمية:

  • المؤسسة المدرسية: 

تعد المدرسة مؤسسة مجتمعية حكومية هدفها إعداد الأجيال من المتعلمين (ات) بهدف تحقيق اندماجهم السلس في بنيات المجتمع. وهي الفضاء التربوي المناسب لتنمية كفاياتهم وتكوين شخصيتهم المتوازنة والمنفتحة على تطورات العصر ومقتضياته. وحينما نتحدث ضمن هذا المقال عن مفهوم المؤسسة المدرسية، نقصد بها كل المؤسسات التعليمية من ثانويات إعدادية وثانويات تأهيلية بالأساس، استحضارا لدور هذه النوعية من المؤسسات في التدبير الفعلي لمفردات المنهاج الدراسي بكل مكوناته، واعتبارا لطبيعة الفئة العمرية من المتعلمين(ات) وخصوصياتها النمائية، القادرة على تحقيق غايات هذا الانفتاح والتشبع بمبادئه.

  • المحيط السوسيو ثقافي:

المقصود به كل المكونات المادية واللامادية المحيطة بفضاء المؤسسة المدرسية، والتي يشكل انفتاحها عليه وتفاعلها الإيجابي معه فرصة لتوفير خدمات تربوية جديدة ومتميزة للمتعلمين (ات)، وكذا فرصة للمزيد من تجويد كفايات كل من الأطر الإدارية والتربوية، وإمكانا واسعا لتطوير أنشطتهم ومهاراتهم وكفايات بشكل مواز للجوانب النظرية التي يتم اكتسابها داخل فضاءات الفصول الدراسية (المعارض الثقافية – المتاحف – المكتبات – فضاءات الذاكرة – المآثر العمرانية التاريخية – المواقع الطبيعية...).  

  • الانفتاح: (الانفتاح كضرورة – الانفتاح كوسيلة – الانفتاح كغاية): 

تاريخيا؛ استعمل مفهوم الانفتاح استعمالا وظيفيا – تجاريا في بريطانيا منذ القرن 17 (الحرية التجارية)، كما شاع استخدامه في المغرب للدلالة على السياسة الإصلاحية التي نهجها السلطان سيدي محمد بن عبد الله خلال النصف الثاني من القرن 18 باسم "سياسة الباب المفتوح" مع العالم الخارجي في المجالين الدبلوماسي والتجاري. ومن الميادين الديبلوماسية والتجارية انتقل مفهوم الانفتاح إلى المجال التربوي؛ حيث وظفه الباحثون والمهتمون بشكل مكثف في مجال التربية والتعليم، خاصة وأن العدة التشريعية والتنظيمية المؤثثة لمنظومة التربية والتكوين قد أعطته مكانة ودلالة بارزتين (الميثاق الوطني للتربية والتكوين – الرؤية الاستراتيجية – القانون الإطار – خارطة الطريق 2022 – 2026...). من هذا المنظور يمكن اعتبار الانفتاح ضرورة تربوية، ووسيلة، وكغاية.

- الانفتاح ضرورة تربوية: حيوية من أجل إضفاء طابع الوظيفية على أدوار ومهام المدرسة؛ من خلال انفتاحها وتفاعلها مع البيئة السيوسيو ثقافية القريبة منها في إطار طابع إيجابي.

- الانفتاح وسيلة: لتحقيق إشعاع المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو ثقافي، من خلال إشراك كل الفاعلين التربويين في تدبير شؤون المدرسة، لجعلها قادرة على التأثير في المجتمع المحلي، والاستفادة من خدماته التربوية. 

-الانفتاح غاية: ينبني على تصور شمولي، يقوم أساسا على ضرورة تجاوز الوظيفة الضيقة والتقليدية للمؤسسة المدرسية كمكان للتعلم والتربية فقط، لتمتد ووتتوسع وظيفة التأهيل والتنشئة الاجتماعية والإعداد المهني، من خلال إرساء علاقات جديدة مع محيطها السوسيو ثقافي. 

ثانيا: التشريعات الداعية إلى انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها: القيمة المضافة:

أصبحت عملية انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو ثقافي، عملية مركزية هادفة، وضرورة تربوية ملحة، تهدف إلى تجويد خدمات هذا المرفق التربوي لرواده من المتعلمين (ت)، وكذا للأطر التربوية والإدارية، وحفزها على التأقلم مع المتغيرات المجتمعية السريعة، ومع مسيرة الرقمنة، ومتطلبات بناء مجتمع المعرفة. هذه التحولات السريعة تفرض وجود عدة تشريعية وتنظيمية متنوعة وممأسسة كفيلة بتحقيق جدوى هذا الانفتاح وأهدافه.

لقد أشار الميثاق الوطني للتربية والتكوين ضمن مادته 9 (الميثاق الوطني للتربية والتكوين ص:11) إلى أهم أهداف المدرسة المغربية الوطنية الجديدة ضمن فضائها الداخلي، وطبيعة علاقاتها مع محيطها، إلى أن تكون:

أ- "مدرسة مفعمة بالحياة: بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي؛

ب-مدرسة مفتوحة على محيطها: بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة، والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن، مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي".

وضمن عمليةانفتاح المدرسة على محيطها وعلى الآفاق الإبداعية، نصت المادة 48 من الميثاق (الميثاق، ص ص : 25 – 26) على ما يلي :   

  • "تتعاون مؤسسات التربية والتكوين مع المؤسسات العمومية والخاصة التي بإمكانها الإسهام في تدعيم الجانب التطبيقي للتعليم وذلك بــــ:
  • تبادل الزيارات الإعلامية والاستطلاعية؛
  • تنويع المعدات والوسائل الديداكتيكية؛

-تنظيم تمارين تطبيقية وتداريب توافق سن المتعلمين ومستواهم الدراسي؛

-التعاون على تنظيم أنشطة تربوية وتكوينية (كتجريب منتجات أو خدمات أو تجهيزات أو طرائق تكنولوجية، أو إبداع وعرض أعمال مسرحية أو موسيقية أو تشكيلية أو غير ذلك".

وبالنسبة للرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015 – 2030): وتتويجا لهذا المسار التشريعي التنظيمي، نصت مبادئ هذه الرؤية، ضمن الرافعة 18 على تعزيز ربط مؤسسات التربية والتكوين بمحيطها، من خلال ما يلي (الرؤية الاستراتيجية، ص: 56):

- تقوية الروابط المباشرة والتواصل المنتظم مع الاسر، ومن خلال ممثلي الاباء والأمهات والأولياء، وإشراكهم في الفعل الثقافي والتدبيري؛

- تعزير الشراكات المؤسساتية والاستفادة من مختلف الخبرات الخارجية التي توفرها المؤسسات الاجتماعية، كالأسر والجمعيات المدنية والحقوقية، والمؤسسات الإنتاجية والمقاولات، والمؤسسات الإعلامية والثقافية والتأطيرية قصد إشراكها في بلورة مشاريع المؤسسة؛

-إسهام المدرسة في مد الجسور مع المحيط الخارجي، التي تتشكل من الفضاءات المرتبطة بمحيط المدرسة، والتي ترتادها أعداد كبيرة من التلاميذ والطلبة: الداخليات، المجمعات الرياضية، فضاءات البحث، مقاهي الأنترنيت، شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك من أجل ضمان حسن استعمالها، والإسهام في تحصينها من السلوكات اللامدنية، وتنمية قيم المواطنة، وتشجيع التواصل الثقافي والرياضي والفني.

         واهتمت خارطة الطريق (2022 – 2026) بهذا المنحى الانفتاحي، فقد ركزت هذه الخارطة ضمن هدفها الثاني على تعزيز التفتح والمواطنة:

"إن المدرسة فضاء للتفتح يكتسب فيه الأطفال القيم الوطنية والكونية وحس المواطنة وحب الاستطلاع والثقة في النفس، وتوسيع الاستفادة من الأنشطة الموازية وأنشطة الحياة المدرسية". 

 وبالنسبة لدلائل الحياة المدرسية: فقد أشارت إلى أهمية انفتاح المؤسسة على محيطها الخارجي: (دليل 2008 – دليل 2019).

 "تشكل – الحياة المدرسية – جوهر عمليات التربية والتكوين، يلزم أن تكون أنشطتها المتنوعة مفعمة بالحياة ومنفتحة على كافة أبعاد ومكونات محيطها، حتى يتمكن المجتمع المدرسي من مواكبة مستجدات الحياة ومتطلبات التنمية، وتحقيق النمو المتكامل والمتوازن لشخصية كل متعلم بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء أو تهميش". (دليل الحياة المدرسية لسنة 2008 ص: 1).

كما يمكن للحياة المدرسية أن تمتد إلى فضاءات خارجية في إطار التعاون أو الانفتاح أو الشراكة التي تعقدها المدرسة مع مؤسسات أو جمعيات أو إدارات ذات طابع تربوي أو اجتماعي أو اقتصادي، وهي فضاءات من شأنها توسيع مجال الحياة المدر سية، وتحقيق الانفتاح المنشود للمؤسسة على محيطها. ومن بين هذه الفضاءات يمكن تعداد بعضها: كالمعارض الثقافية، والمتاحف، والمكتبات، وفضاءات الذاكرة، والمآثر العمرانية التاريخية...  (دليل الحياة المدرسية لسنة 2019: ص-ص: 72- 73).

عموما؛ أبرزت هذه العدة التشريعية والتنظيمية والتأطيرية أهمية انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها المحلي. لكن العمليات الإجرائية لهذا الانفتاح، ظلت بدون تحديد (الكيفية، الآليات، خطط الانفتاح، تتبع عمليات الانفتاح، تقييم مخرجات عملية الانفتاح...). وهو ما يطرح إشكالات كبرى على المؤسسة المدرسية، في ظل غياب دليل مرجعي لأجرة عملية الانفتاح، أو مذكرات تفصيلية وتنظيمية دقيقة لمهام وعمل كل متدخل تربوي ضمن هذه العملية وتحديد التزامات كل طرف، إضافة إلى طبيعة تعامل مؤسسات المحيط السوسيو ثقافي الخاص بالمؤسسة المدرسية.

فكيف تعمل المؤسسة المدرسية على تحقيق انفتاحها على محيطها السوسيو ثقافي؟ .    

ثالثا: بناء الشراكات وتفعيلها قصد ضمان نجاح عملية الانفتاح:

تعد الشراكات التربوية بين المؤسسات المدرسية ومحيطها السوسيو ثقافي صيغة متطورة للتعاون ولتجميع الإمكانات المادية والبشرية والتقنية بين المؤسسة التعليمية وباقي الشركاء التربويين (الجماعات المحلية – الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين...) بغية إنجاز مشروع تربوي معين وتطويره في مكان وزمان محددين لفائدة المتعلمين (ات)، وبإشراف كل من الأطر التربوية والإدارية للمؤسسة، بهدف ضمان الانفتاح والاندماج الإيجابي للمؤسسة التعليمية على محيطها المحلي (تربويا – اجتماعيا – ثقافيا...)، وتمتين علاقاتها التربوية مع هذا المحيط على أسس تربوية واضحة تفاديا لمظاهر الانغلاق والعزلة اللتين تكبلان المؤسسات المدرسية المؤثثة لبنية المنظومة التربوية.

إن انفتاح المؤسسة على محيطها المحلي مؤشر على اندماج ونجاح المؤسسة في مهمتها التربوية، وتمكين روادها من المتعلمين (ات) من بناء علاقات تواصلية – تربوية متينة مع مختلف أطياف هذا المحيط، بهدف الانخراط الإيجابي في مسلسل التنمية التربوية.

ويمكن أن تنصب جوانب هذه الشراكات التربوية على العديد من المجالات التربوية وخاصة تحسين وتجويد ظروف التعلم لدى الناشئة المتعلمة، وتمتين جسور التواصل بين الجوانب النظرية والجوانب العملية، وهي جزء مهم من اكتساب أسس التربية على منظومة القيم المواطناتية (احترام الوقت – تقدير العمل – أهمية العمل التعاوني والتشاركي لإنجاز مهمة ما – تقدير قيمة الإنتاجية والمردودية...). علاوة على اعتماد أسلوب الشراكة في التعامل، واتخاذه منهجا استراتيجيا، نظرا لقدرة هذه الآلية على خلق تقاليد جديدة في التعامل بين المدرسة ومحيطها المحلي بكل مؤسساته وتنظيماته السوسيو ثقاقية، لتجويد قضايا التربية والتعليم والتكوين والممارس؛  لأن التعاقد ودفاتر التحملات، أدوات جديدة لتحديد المسؤوليات بين مختلف المتدخلين في تدبير السياسة التعليمية.

وإلى جانب عقد الشراكات، التي تمثل جوهر عملية التواصل والحلقة الأساس بين الإدارة المدرسية ومحيطها السوسيو ثقافي، لا بد من التذكير على أن إنجاح هذا الانفتاح رهين بمدى تمكن الإدارة التربوية للمؤسسة المدرسية من بناء مشروع للمؤسسة، بمواصفاته المتكاملة والمتميزة والقابلة للأجرأة والتنفيذ، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المحيط السيوسيو ثقافي، وكيفية الانفتاح عليه وخلفيات هذا الانفتاح. وهناك مسألة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار ضمن هذا المسار الانفتاح، وهو تجويد وتحيين مسألة التكوين الخاص بالأطر الإدارية والتربوية للمؤسسة المدرسية المعنية بعملية الانفتاح، والرفع من قدرتها التواصلية مع كل فعاليات المحيط المحلي، بجانب توفير الموارد المالية والبشرية الضرورية من أجل تدبير وتتبع عملية الانفتاح وتقويم نتائجها.

وبعد مرور قرابة ثلاثة عقود على صدور أول مذكرة تنظيمية لعملية انفتاح المدرسة على محيطها (المذكرة الوزارية رقم 133 الصادرة بتاريخ 11 أكتوبر 1996عن المديرية العامة للشؤون التربوية بوزارة التربية الوطنية الهادفة إلى إدماج المؤسسات التعليمية في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي)، ورغم تراكم عدة تنظيمية مهمة في هذا المجال، فإن النتائج المحققة وأبعادها تظل جد هزيلة ويمكن الاستشهاد هنا بنص لمحمد عابد الجابري الذي يلخص تجربة الانفتاح التربوي على المحيط بقوله: "إن شعار إدماج التعليم في محيطه ينطوي على قدر كبير من التضليل، لأنه يسكت عما هو أساسي وهو "المحيط" ذاته : هل هو قادر على توفير مناصب شغل تمتص المتخرجين من مختلف أسلاك التعليم أم غير قادر؟ لندع جانبا حديث "الكيفية والنوعية وما تحتاجه سوق العمل"، فهذه أشياء لا يكون لها معنى إلا حينما تكون هناك سوق للعمل فيها رواج كاف لتحديد "النوع والكيف" المطلوبين. [...] المحيط غير قادر على أن يندمج التعليم فيه. أو لنقل إن التعليم متخلف لأنه مندمج في محيط متخلف!  إذا كان "المحيط" في مغرب اليوم غير قادر على أن يندمج التعليم فيه، فهل يمكن للتعليم أن يساهم في تطوير هذا المحيط في اتجاه رفع هذا العجز عنه؟". (محمد عابد الجابري، أفكار حول إصلاح التعليم بالمغرب، مجلة فكر ونقد عدد 12 ص: 33).

وإذا كان هذا الانفتاح يطغى عليه الطابع النظري التقريري، فعلى العكس من ذلك يكتسي لدى المنظومات التربوية الرائدة عالميا طابعا اعتياديا بل وأساسيا، كما هو الحال بالنسبة للتجربة الفلندية في انفتاح مؤسساتها المدرسية على محيطها: "منذ بداية التسعينيات يعتمد التعليم الثانوي الـتأهيلي بفلندا على متطلبات المؤهلات الوطنية على منهج نتائج التعلم. ولذلك فإن التعاون الوثيق مع عالم الأعمال أمر ضروري. يتم تطوير المؤهلات المهنية بالتعاون مع عالم الأعمال والجهات المعنية الأساسية الأخرى. ويتم ذلك لضمان دعم المؤهلات لعملية تحول مرنة وفعالة إلى سوق العمل، بالإضافة إلى التنمية المهنية وتغيير المهنة، ولاحتياجات عالم الأعمال، فإن عملية إعداد التعليم والتدريب المهني والمؤهلات المهنية تأخذ في الحسبان تعزيز احتياجات الأفراد والفرص مهارات التعلم مدى الحياة، فضلا عن الإمكانات المتاحة أمامهم لإكمال المؤهلات بطريقة مرنة تلائم ظروفهم الخاصة. (نبذة مختصرة عن التعليم الفلندي، سلسلة منشورات وزارتي التربية والثقافة الفيلدنية ص: 20 )  

خلاصة:

إن تطوير دور  المؤسسات المدرسية والرفع من كفاءتها، وتجويد منتوج التكوين التربوي وتحيينه، وتحقيق الرضى المهني والتكويني لروادها من المتعلمين (ات) والأطر الإدارية والتربوية، للوصول إلى جودة مخرجات المدرسة، يستدعي الانفتاح  الإيجابي والمثمر  للمدرسة على محيطها السوسيو ثقافي، في أفق تعزيز القيم التربوية والمواطناتية الإيجابية التي يحملها الأفراد المنتمين إلى المدرسة، وتدارك وتجاوز حالة الانطواء والعزلة التي تقبع فيها المؤسسات المدرسية بعيدا عن التحولات السريعة لهذا المحيط القريب ولإمكاناته، فلا يكون للإصلاح التربوي، ولمدرسة الإنصاف والجودة وتكافؤ الفرص معناه وكنه في غياب المحيط السوسيو ثقافي القريب منه.

المراجع والهوامش:

- المجلس الأعلى للتربية والتعليم، 2008، حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها، التقرير السنوي، هيئة ومهنة التدريس ج4 .

-المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2014، دفاتر التربية والتكوين،“ الإدارة التربوية ومشروع المؤسسة“ العدد 11، مكتبة المدارس، البيضاء.

 -المجلس الأعلى للتعليم، 2008، الشراكة المؤسساتية من أجل المدرسة المغربية.

-المجلس الأعلى للتعليم، 2013، دفاتر التربية والتكوين، العدد 11، المتعلم، مشروع مواطن الغد.  
-عالم التربية، 2014، العددان 24 -25، أزمة التعليم في المغرب والعالم العربي.

-عبد الكريم غريب وآخرون، 1996، تدبير النشاط التربوي سبل وبدائل لانفتاح المدرسة على محيطها، سلسلة علوم التربية 11،مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 

-عبد الكريم غريب وآخرون، 2006، الميثاق الوطني للتربية والتكوين قراءة تحليلية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء.

-عبد الكريم غريب وآخرون، 2010، البرنامج الاستعجالي، عالم التربية، عدد 19، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء.

-عبد الكريم غريب وآخرون، 2013، الجودة في التربية والتكوين، عالم التربية عدد خاص 22 – 23(ج1)، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء .

-عبد الكريم غريب وآخرون،2011، الحكامة في التربية والتعليم، عالم التربية العدد 20، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء.

             -وزارة التربية الوطنية، 1999، الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

-وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية لسنة 2008/ دليل الحياة المدرسية لسنة 2019.           
-وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، 2014، تحديات الدخول المدرسي ورهانات إصلاح المنظومة التربوية.

- المذكرات الوزارية: 
- المذكرة 159/14 الصادرة في 25 نونبر 2014 بخصوص أجرأة الإستراتيجية الوطنية لمشروع المؤسسة؛
-المذكرة 155 الصادرة في 17 نونبر 2011 بخصوص تنظيم الحياة المدرسية؛
-المذكرة 87 الصادرة في 10 يوليوز 2004 بخصوص تفعيل أدوار الحياة المدرسية؛
-المذكرة 12 الصادرة في 28 فبراير 2004 بخصوص الاعتناء بفضاءات المؤسسات التعليمية؛
-المذكرة 02 الصادرة في 3 فبراير 2005 بخصوص تأطير اتفاقيات الشراكة...

 

انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السيو ثقافي: الأبعاد والدلالات
Partager cet article
Repost0
1 mars 2024 5 01 /03 /mars /2024 15:53
المرأة وأنماط القيادة الإدارية Leadership Féminin

المرأة وأنماط القيادة الإدارية Leadership Féminin

Women and administrative leadership styles Leadership Féminin

 

د. ادريس عبد النور: أستاذ مادة اللغة العربية والدراسات الجندرية، أستاذ مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس، فرع مكناس /المغرب.

Dr. Driss Abdennour: Professor of Arabic language and women's criticism, and Hability professor of higher education at the Regional Center for the Professions of Education and Training Fez - Meknes, / Morocco

Email : Abdennour.driss@gmail.com

ملخص

"Feminity in the Workplace"مع بروز ظاهرة الأنوثة في مواقع العمل"

، التي أثارها جورج كريفين  سنة 2002، وأهمية موضوع النوع الإجتماعي، أصبح ملحا تحديد معالم ولوج المرأة إلى عالم القيادة، والذي تم تعريفه من خلال منظورين: السمات والسلوكيات.

ويتبين أن عدم توفر قيادة فاعلة ومؤثرة داخل المنظمة المدرسية وعدم ممارسة دور قائد التغيير بالشكل العلمي، بالإضافة إلى ضعف كفاءة القيادات الممارسة، تعد من أبرز المعوقات التي تواجه عملية التغيير، لدى أصبحت الحاجة ملحة إلى تواجد قيادة قادرة على استيعاب التغييرات والتعامل مع ما تفرضه من تحديات.

كما يتبين أيضا أن هذا المبحث سيجيب على سؤال عريض يتعلق أساسا بقدرة المرأة على القيادة، بالرغم من التنميطات المجتمعية حول قدرتها على قيادة المنظمة، انطلاقا من ترسبات التنشئة الذكورية. بالرغم من أن فكرة التساوي والمعادلة بين مفهوم الأنوثة والاهتمام بالموظفين تعكس التفكير المجزأ فيما يختص بموضوع الجنس، ذكورة وأنوثة، في حين نؤكد بأنه لا يوجد هناك أية شواهد ودلائل على وجود فروق بين أساليب قيادية لكل من المرأة والرجل، استنادا على التوزيع الاجتماعي للأدوار.

 كما يؤكد مبحثنا هذا ان الدراسات الحديثة المتعلقة بالقيادة تؤكد بأن أسلوب المرأة القيادي هو الأسلوب الأمثل للتنظيمات المستقبلية.

      فما طبيعة القيادات النسائية؟.

        وما صفات القيادة النسائية؟.

       وما هو وجه المقارنة بين القيادة النسائية والقيادة الرجالية؟. 

        وبالتالي ما هي مهارات وسمات وأساليب القيادة النسائية؟.

ويظهر جليا أن القيادة النسائية تستطيع احتواء صراعات المنظمة فهي تتوقع الأزمات داخل فعل التغيير، فهي أكثر إنسانية وأكثر توازنا وإنصافا داخل المنظمة، بالرغم من الحصار الفكري والثقافي المدعم من طرف الصور النمطية التي أبعدت النساء عن القيادة. في حين عرف التاريخ قياديات بعضهن يمشي عليهن وصف أنطونيا فريزر بمتلازمة التذييل "متلازمة ذيل القيادة"، وهذا يعني أن هؤلاء النساء جئن إلى السلطة من خلال الروابط الأسرية، أو وصف "البقع العمياء" لروسبيث كانتر المختص في التحليل التنظيمي، وخاصة التي تخفي السمات الجنسية في القيادة والسلطة، وتسلط الضوء على أسلوب القيادة المتمحور على أساس النوع الاجتماعي الجنسي.

الكلمات المفاتيح: المرأة، القيادة، الجندر، القيادة النسائية، التواصل القيادي.

summary

With the emergence of the phenomenon of femininity in the workplace, which was raised by George Griffin in 2002, and the importance of the issue of gender, it has become urgent to define the parameters of women’s access to the world of leadership, which has been defined through two perspectives: traits and behaviors.

It turns out that the lack of effective and influential leadership within the school organization and the failure to exercise the role of change leader in a scientific manner, in addition to the weak efficiency of practical leaders, are among the most prominent obstacles facing the change process, when the need has become urgent for the presence of leadership capable of absorbing the changes and dealing with what they impose. Challenges.

It also becomes clear that this research will answer a broad question related mainly to women’s ability to lead, despite societal stereotypes about their ability to lead an organization, based on the legacy of male upbringing. Although the idea of equality and equation between the concept of femininity and concern for employees reflects fragmented thinking regarding the issue of gender, masculinity and femininity, while we affirm that there is no evidence or evidence of differences between the leadership styles of both women and men, based on the social distribution of roles.

  Our research also confirms that recent studies related to leadership confirm that women’s leadership style is the optimal style for future organizations.

- What is the nature of women leaders?

What are the characteristics of female leadership?

- What is the comparison between women’s leadership and men’s leadership?

- Therefore, what are the skills, characteristics and styles of women’s leadership?

It is clear that women's leadership can contain the organization's conflicts, as it anticipates crises within the process of change. It is more humane, more balanced, and more equitable within the organization, despite the intellectual and cultural siege supported by stereotypes that have kept women away from leadership. While history has known women leaders, some of them walked on Antonia Fraser’s description of the “tail syndrome of leadership,” meaning that these women came to power through family ties, or the description of “blind spots” by Rosbeth Kanter, who specializes in organizational analysis, especially those that hide sexual characteristics. In Leadership and Power, it highlights a gender-centred leadership style.

Keywords: women, leadership, gender, female leadership, leadership communication.

مقدمة

إن الإختلاف بين المرأة عن الرجل فيما يختص بالأسلوب القيادي بدا واضحا ونحن ننتقل من نظرية إدارية إلى أخرى، ومن نمط قيادي إلى آخر: نظرية السمات، نظرية النمط القيادي، والنظرية الموقفية. وخاصة لما لمسنا خلاصة براون الذي اعتبر أن الإنطلاق من نظرية السمات قد دعمت الإتجاه التقليدي الذي يؤكد أن النساء لا يملكن الصفات والسمات التي تؤهلهن للقيادة، لكن كل من نظرية النمط القيادي والنظرية الموقفية قد خلصتا إلى نتيجة مفادها أن المرأة تملك أسلوبا خاصا بها يؤكد كفاءتها في مراكز القيادة، حيث يتسم أسلوب المرأة بالحكمة والإستقرار وذلك لشمولية التفكير القيادي لديها، وخاصة تكامل العقل مع العاطفة عندها مقارنة بالرجل، كما أن الفروق بين المرأة والرجل فيا يختص بالأسلوب القيادي ايجابية ولمصلحة االقائدة. فالمرأة أكثر تنظيماً وترتيباً وصرامة فيما يختص بتحقيق الأهداف، كما أنها أكثر حذرا ولكنها أكثر جرأة وكفاءة فى عملية اتخاذ القرار وأكثر قدرة على تخطيط المستقبل مقارنة بالرجل، فهي بذلك الأقدر تعاملا مع التغير والتغيير بسبب أسلوبها المرن والهادئ في القيادة.

كما إن الاختلاف بين المرأة والرجل بخصوص الأسلوب القيادي، لا يمكن ارجاعه إلى ما تتميز به المرأة من خصائص فردية، بل يمكن نسبه إلى ما يمتاز به الفكر الذكوري من تمايز تنظيمي، إذ المرأة لا تُمنح كل الصلاحيات والقوة التي تُمنح للرجل، وخاصة حجم الثقه الممنوحه للمرأة لاتخاذ القرارات.

ويتبين أن هذا المبحث سيجيب على سؤال عريض يتعلق أساسا بقدرة المرأة على القيادة، بالرغم من تنميطات المجتمعية حول قدرتها على قيادة المنظمة، انطلاقا من ترسبات التنشئة الذكورية.

هل يُنظر للقادة الذكور من طرف " الذكور والإناث" بإيجابية أكثر مما ينظر للقادة الإناث؟

أولا: نظريات المرأة والقيادة:

إن مفهوما القيادة والجنس من حيث التذكير والتأنيث، بالنسبة لفيشيو  روبيرت (2002) ، قد تطورا بصورة متقابلة ومتشابهة.عكس التصور السائد الذي يجعل الذكورة والأنوثة قطبين متضادين، فاعتبر أن القيادة إما أن تكون قيادة تهتم بالوظيفة) قطب الرجل( أو أن تركز على الموظفين والعلاقات الإنسانية) قطب المرأة .

 تطرق من خلالها Vecchio فنظرية العلاقات التبادلية الهرمية، التي تستند على لفكرة التساوي والمعادلة بين مفهوم الأنوثة والإهتمام بالموظفين، ومفهوم الذكورة مع التركيز والإهتمام بالوظيفة كأقطاب مختلفة، حيث أن هذه الفكرة المتعلقة بالتساوي تعكس التفكير المجزأ فيما يختص بموضوع الجنس، ذكورة وأنوثة، في حين يؤكد بأنه لا يوجد هناك أية شواهد ودلائل على وجود فروق بين أساليب قيادية لكل من المرأة والرجل، استنادا على التوزيع الاجتماعي للأدوار.

 ويبيــــن نيلتون Nelton (1991)، أن التنظيمات الأكثر نجاحاً تسمح بالاختلافات فيما يختص بأساليب القيادة. فالمرأة القائدة حالياً تستخدم أساليب القيادة التقليدية (الإهتمام بالوظيفة) كأسلوب خاص بالرجل، مع أسلوبها الخاص (الإهتمام بالموظفين). وهذا يعكس شمولية سلوكيات القائدة والعملية القيادية.

وتبين معMarshall  (1984) بأنه لا يوجد اختلاف جدري بين أسلوب المرأة وأسلوب الرجل في القيادة. إلا أن أسلوب المرأة يعكس ميزة خاصية تتعلق بالمساندة والتشجيع بطريقة أكثر وضوحاً من أسلوب الرجل.  وتضيف بأن الدراسات الحديثة المتعلقة بالقيادة تؤكد بأن أسلوب المرأة القيادي هو الأسلوب الأمثل للتنظيمات المستقبلية، والتى تعتمد كثيرا على تطوير الفريق الواحد. هذا الأسلوب يعكس استراتيجية المرأة الحياتية، والتي يمكن أن توصف على إثره بكونها اجتماعية، خاصة وأن هذه الاستراتيجية ذات صبغة إيثارية لما فيه مصلحة وبناء المجموعة.

 وتتفق (1985) Harriman مع Marshall  بأنه لا توجد هناك فروق بين أسلوبي المرأة والرجل في القيادة. في حين أن المرأة القائدة تبذل جهداً وطاقة أكبر من الرجل. 

وتُرجع Kanter (1977) اختلاف المرأة عن الرجل فيما يختص بالأسلوب القيادي إلى ميل ونزعة التنظيم إلى توظيف النساء، في وظائف تعكس قولبة الأدوار الاجتماعية للمرأة.مما يجعل النساء ضعيفات وعاجزات كما هو وضعهن خارج المنظمة، الشيء الذي يؤدي بدوره إلى إعطاء تصور سلبي عن المرأة القيادية.

وقد خلصت النظريات التي تعاطت مع المرأة القائدة إلى أن القياديات النساء يتشابهن مع الذكور، إلا أنهن يملن إلى أن يكن أكثر مشاركة وأقل استبداداً، بالرغم من العقبات التنظيمية النابعة عن استشراء وهيمنة الفكر الذكوري. والجدول التالي يضع بين أيدينا تفاصيل هذه العقبات التنظيمية والحواجز التي أبدع المجتمع عبر السنين في وضع المرأة في نطاقها وتسييج حيواتها.

من العقبات التنظيمية:

مقاييس عالية للأداء والجهود.

ثقافة تنظيمية غير مريحة.

تفضيل التماثل في النوع كأسا

س لقرارات الترقية.

التجاهل وعدم المبادرة من قبل المديرين التنفيذيين من الذكور "الأغلبية الصامتة".

عدم التوازن في التقدير والدعم.

نقص في فرص التطوير.

الحواجز بين الأشخاص.

تحيز الذكور والنمطية في تصوراتهم.

نقص الدعم العاطفي بين الأشخاص.

الاستبعاد من شبكات العلاقات غير الرسمية.

الحواجز الشخصية.

نقص الذكاء السياسي.

التنازع بين البيت والعمل.

 ثانيا: طبيعة القيادات النسائية.

لقد أظهرت الدراسات الحديثة خطأ التحليل القائل بأن المرأة عاطفية أكثر من الرجل، وقد تبث علميا بأن المرأة لا تختلف عن الرجل في درجة اهتمامها بالعمل أو بالناس، لأن الواقع العملي يحتاج الأمرين معا، بالرغم من أن تمثلات الناس حول القيادة النسائية تجعل هذه القيادة أقل من القيادة الرجالية، حتى ولو كانت المرأة أكثر نجاحا.

وقد يذهب التيار المتحيز ضد قيادة المرأة إلى تشويه صورة المرأة القائدة وإلصاق عدة تنميطات حول شخصها تزكية لهذه التمثلات المجتمعية، مثل:        

النساء ضعيفات في مواجهة الضغوط والأزمات .    

النساء يثرثرن كثيرا فيما لا فائدة فيه.    

النساء يخفن اتخاذ القرار، ويغيرن آراءهن باستمرار.    

لا يمكن إرضاء النساء مطلقا    

العمل مع النساء صعب جدا.    

المرأة تحب الأشياء الشخصية.    

لا تستطيع المرأة أن تعمل مع فريق عمل من الرجال.     

النساء يخلطن بين مشاكل العمل وحياتهن الشخصية.     

طبيعة المرأة عاطفية، ويمكن أن تتهور بسرعة.     

النساء يعملن على تعقيد الأمور وإعطائها أكبر من حجمها.

المرأة متقلبة المزاج نتيجة لظروف الطمث والحمل والولادة وغيرها.          

المرأة الخبيرة، تترك العمل لرغبتها في الإنجاب.         

وقد تتجنب النساء أحيانا القيادة نظرا لترسخ هذه التمثلات في التنشئة الذكورية، لأعتبارات منها أن القيادة من الأمور التي تعرض الذات للمخاطر.

ثالثا: صفات القيادة النسائية.

قد يتناسب نمط المشاركة كنمط من الأنماط القيادية مع النساء أكثر، من حيث أنه يعطي للفاعلين فرصة أكبر لإبداء الرأي والمشاركة في اتخاذ القرار. ويتصدر هذا النمط الصفات الأساسية للقيادة النسائية، ويتطابق معها.

أولا: تعتبر الاستشارة في عملية اتخاذ القرار نوعا من أنواع المشاركة، فالمرأة تحب المشاركة، وهذه صفة مستحبة وتعتبر من آليات القيادة في العصر الحديث.

ثانيا: إن تقدير حاجيات الآخرين واعتبار ظروفهم الخاصة صفات تمتاز بها المرأة، إذ بالتعاطف تبنى علاقات حقيقية وصادقة داخل المنظمة، وتجعل من القائدة شخصا محبوبا يتحرك معه الفاعلون طواعية نحو الأهداف المشتركة.

ثالثا: تتوفر المرأة على طاقة إبداعية أكثر من الرجل، مما يعطيها القدرة على إيجاد حلول غير مسبوقة والمساهمة في تغيير طريقة العمل بما يتناسب مع التغييرات والمستجدات.

رابعا: المرأة أقدر من الرجل في تفهم حاجات النساء وفهم الأمور الخاصة بالنساء.

خامسا: التفويض وإعطاء الصلاحيات، حيث تمتلك المرأة قوة ناعمة تجعلها قادرة على توزيع الصلاحيات على الفاعلين، ومنحهم حرية اتخاذ القرار، مما يجعل فريق العمل متحمسا ومتماسكا.

سادسا: تعتبر المرأة أكثر حرصا من الرجل عند جمع المعلومات والإهتمام بالتفاصيل، وبذلك تكون مؤهلة لوضع رؤية شمولية متسمة ببعد النظر في كافة اشتغالاتها.

سابعا: المرأة أكثر إفصاحا عن مشاعرها، وأكثر استعدادا للحوار والتواصل من الرجل وهي تبحث عن الحلول المناسبة للمشاكل القائمة.

ثامنا: تنتبه المرأة إلى التفاصيل أكثر من الرجل، وبالتالي فهي منتبهة أكثر إلى الأخطاء التي تؤثر سلبا على العلاقات، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الرجال يستخدمون نصف ملكاتهم العقلية عند الإصغاء في حين تصغي المرأة كليا لمتحدثها.

وتستطيع المرأة القائدة أن تحدث التوازن بين المتناقضات داخل المنظمة نظرا لما تمتاز به من توافق نفسي وعاطفي يؤهلها لإحتواء المتناقضات بحيث تستطيع:

تحريك التغيير وملاءمة التحول:

تتزعم مبادرة التغيير، وتثابرعلى ترويجه وتحفيز الآخرين على الإلتحاق بالركب مع ملاحظة ومعالجة الجوانب الشعورية والشخصية للتغيير.

الإلحاح على السرعة والصبر الواقعي:

إبراز الحاجة إلى التصرف بسرعة، واستحثاث مسيرة التغيير.

إدراك متى وكيف ينبغي تبطيء المسيرة حتى يتمكن الناس من المواكبة والتأقلم.

الحزم والتعاطف:

صناعة القرارات الصعبة دون تردد.

أخذ وجهات نظر الآخرين في الاعتبار وتفهم آثار تصرفات والقرارات على محيطها.

إبراز التفاؤل والواقعية والصراحة:

بث التفاؤل في الآخرين.

نشر الموقف بصراحة وعدم الخوف أو الخجل من إعلان المصاعب والأخطاء.

الاعتماد على الذات والثقة بالآخرين:

الإيمان بقدرتها على تولّي التغييرات الجديدة.

الانفتاح على مشاركات الآخرين، وتركهم يقومون بكل ما هم قادرون عليه.

تفعيل الخبرات الحاضرة والمضي خارج نطاق المألوف:

تقدير لقدراتها وقدرات منظمتها وتشغيلها بثقة في المواقف الجديدة.

مفارقة الماضي والإقبال على التعلّم وتجريب الجديد مهما كانت العملية صعبةً أو مرفوظة.

رابعا: القيادة النسائية والقيادة الرجالية، مقارنة بينهما:

                      أ ـ الرجل القيادي  

     يعمل بدون انقطاع وبدرجات متفاوتة من الجهد.

      يرتبك من المقاطعات والزيارات تؤثر على إنتاجيته وأدائه.

       يحرص على العمل بشكل أساسي، ولا يسمح أن ينشغل بما هو ثانوي.

      له شبكة واسعة من العلاقات خارج المنظمة.

        يتابع أداء المهمة تلو المهمة، دون تركيز كبير على تقييم الأداء أو النظر في الآثار المستقبلية.

         يرتبط بعمله بشكل عميق.

        يحب الاحتفاظ بالمعلومات.

       يحرص على التسلسل التنظيمي.

                    ب ـ   المرأة القيادية

       تعمل بدرجة واحدة من الجهد، ولكنها تأخذ فترات راحة قصيرة متباعدة.

        تعتبر المقاطعات فرصة لبناء العلاقات وتفهم احتياجات الأتباع وتعمل على مساعدتهم.

       تخصص وقتا لأمور أخرى، ومن أهمها متابعة الأمور الأسرية.

        لها علاقات واسعة مع أشخاص خارج المنظمة.

        تقيم كل عمل وتحرص على دراسة الآثار المستقبلية والآثار العامة على الأسرة والبيئة والتعليم.

        ترتبط بعملها كما ترتبط بأمور أخرى في نفس الوقت.

          تحب تقاسم المعلومات.

خامسا: مهارات وسمات القيادة النسائية.

تحدد مارلين مانتج في كتابها" المرأة ومهارات القيادة الإدارية" عددا من المهارات والسمات القيادية للنساء، حيث يحتوي هذا الكتاب، الذي سنعالج خلاصاته، على أساليب عملية ومهارات وسلوكيات، تساعد المرأة على أن تكون قائدة ماهرة.

فالقائدة الناجحة هي التي تنخرط كليا في عملها، باعتبارها قدوة اتجاة الفاعلين، فهي التي تتميز:

بمعرفتها الشاملة لمحتوى وظيفتها.

مواكبتها للمستجدات.

معرفة نفسية واجتماعية شاملة بالفاعلين.

القدرة على مشاركة الآخرين الرؤية وأهداف المنظمة.

ربطها القوي بين النظري والعملي.

ومن السمات التي تتميز بها المرأة القائدة على المستوى التواصلي، تحددها مارلين مانتج عددا من السمات تجعل من المرأة حسنة الإستماع وأخرى متحدثة بارعة كما في الجدول التالي:

سمات المستمعة                  

       منفتحة على الآخرين، حازمة،

لطيفة، تعمل على حل الأمور الصعبة.

       تتعامل مع الأمور ببساطة.

         ذات نظرة تفاؤلية.

         تثق بالآخرين، وتحل المشاكل.

         تتحدث بصورة مباشرة.

         تقر بالأخطاء.

         توافق على ما هو صحيح.

       متحمسة، سريعة البديهة.

سمات المتحدثة

تحب التحدي،

تحوز أخلاق عالية.   

        القدرة على قول -لا.

          تتجنب الأحكام السريعة.

         تقر بالتحديات الموجودة.

          تثق عندما يكون الأمر صحيحًا.

        تفهم كيفية عمل النظام.

         تتحمل المسؤولية.

         تشرح الأسباب، القيادة الهادئة.

        غير مرنة بل حازمة.

         عالية الثقافة.

         مثالية.

 

سادسا:  أساليب القيادة النسائية:

 أ ـ القيادة الهادئة: تفضل المرأة القائدة أسلوب القيادة الهادئة، وتوضح مارلين مانتج ذلك في الجدول التالي انطلاقا من التركيز على خصائص الأسلوب وضبط الصفات المرافقة له:

عضو فريق تقليدي مساند، يوافق كثيرا جدا، مساعد، سهل الانقياد، صبور، متمهل، هادئ، يأخذ الطرق الأقل مخاطرة، مخلص، يمكن معرفة رد فعله.

قائم على حل المشكلات وذو نظرة تحليلية. متقن لعمله، كثير الأسئلة، يقظ الضمير، متحفظ، متغير، ناضج نظامي، دقيق، على مستوى عال، منظم ذاته، مرتب.

المراقب.يوجه كثيرا، مخاطر، منظم، صبور، هادئ، واثق بنفسه، يتحمل المسؤولية، نشيط، قوي، طموح.

المحرك.محرك، يتكلم كثيرا بحماس، مؤثر، متعاطف، كريم، ودود، حميم، اجتماعي، مثير، محب للتميز، يسحر الألباب.

ب – القيادة الودية: أما أسلوب القيادة الودية فلا يعني أن هذه القيادة ضد قوة الشخصية التي ينبغي أن تتمتع بها المرأة القائدة، فعنصر الثقة في النفس أساسي وهو الذي يجعل القائدة الفاعلة مانحة للقوة لمن حولها من الفاعلين، والضامنة لتعبيرهم عن أنفسهم بالصور الإيجابية التي يفضلونها، وهي عادات يجب أن تتحلى بها المرأة القائدة، ومجمل هذه العادات تمكن في:

أولا السلطة كثقة داخلية: يشعر بعض النساء بالحرج عندما يتم الإعلان عن مواهبهن، ونقاط القوة لديهن، والقائدة الفاعلة يجب أن تثق بمهاراتها وقدراتها التي تمنحها السلطة الرسمية وغير الرسمية متسلحة بالثقة التي تجعل منها كفاءة خاصة بمثابة سلطة داخلية.        

ثانيا السلوك الجازم: يعتبر من المهارات الرئيسة للقائدة الفاعلة، فمن خلالها تقود أوراش التغيير داخل المنظمة  بطريقة مستقيمة وجازمة.

ويحدد الجدول التالي أهم السلوكات والصفات المتبعة في القيادة النسائية ودور السلوك الجازم في تسيير المنظمة بنجاح وفاعلية في مقابل السلوك غير الجازم والسلوك العدواني:

السلوك الجازم وصفاته:

السلوك غير الجازم  :أسلوب غير فعال، لأنه يعكس رسالة توحي بما يسمى عقدة النقص، وهذا يعني أن المرء غير الجازم يجعل حقوق الآخرين أهم من حقوقه، لذا فهو يوجد مواقف للكسب والخسارة، لأن المرء الذي يتصرف بهذا الأسلوب غير الجازم سوف يخسر، ويجعل نفسه ضحية للآخرين الرابحين.

السلوك العدواني أكثر تعقيدا، لأنه ربما يكون له نتائج سلبية أو إيجابية، وقد يكون صادقا أو غير صادق، ولكنه يوحي برسالة العظمة وعدم احترام الآخرين، وبالتالي فإن المرء العدواني يقدّم حقوقه على حقوق الآخرين، وقد يحقّق صاحب هذا الأسلوب المكسب من خلال التأكيد على خسارة الآخرين، فهو بهذا الأسلوب يعرض نفسه للانتقام نتيجة انتهاك حقوق الآخرين.

السلوك الجازم سلوك فعال وصادق، كما أنه يوحي برسالة احترام النفس والآخرين، إن صاحب هذا الأسلوب يجعل الاهتمام بحقوقه وحقوق الآخرين على حد سواء، وبما أن الجميع سيكسب من هذا الأسلوب، فإن صاحبه يرغب الآخرين في تقديم يد العون بمحض إرادتهم، هذا الأسلوب سوف يمنع الانتقام والمقاومة ويشجع على قيام علاقات صادقة.

ت ـالأسلوب الشخصي للمرأة القائدة: يبصم هذا الأسلوب قيادة المرأة ببصمات نوردها هنا على شكل نصائح، الهدف منها الربط بين خلاصة البحوث السابقة في قيادة المرأة، والربط بين تدريب المرأة القائدة وتزويدها بالخطوات الإجرائية لعملها المستقبلي.

لاتكوني تقليدية ومتعصبة في تفكيرك، كوني انت ولاتكوني شبيهة بأحد.

قدمي مبادرات رائدة قوية.

تجاوزي الأداء المتوقع بشكل منتظم.

أظهري مهارات نقدية وطوري مهارات فردية.

ركزي على العمل الذي بين يديك، واتبعي ماهو مثير.

حافظي على الأنوثة ولكن تصرفي عل نحو مناهض للنماذج النمطية.

واجهي المعارضة بالمرونة والفكاهة.

تعرفي على قيم المنظمة.

حافظي على التوازن في الحياة، من خلال وضع أولويات والحصول على خدمات.

اتخذي مخاطر في العمل.

تعرفي على مجلس إدارة المنظمة الرسمي أو التطوعي واعملي معه.

سابعا: المرأة القائدة ومهارة قيادة الفريق.

أدرجت مارلين مانتج في كتابها السالف الذكر عددا من السمات التي يمتاز بها فريق العمل تحت قيادة المرأة، من حيث أن المعرفة بهذه السمات من شأنه أن يساعد المرأة القائدة على قيادة الفريق، وفق أسس حددتها مارلين مانتج في سبعة أسس هي:

       معاملة كافة الفاعلين بالتساوي والعدل.

       الوفاء بالوعود اتجاه فريق العمل.

       التصرف بإيجابية وتماسك لحظة الشعور بالسلبية.

        القائدة مثال يحتذى في أجرأة فعل التغيير.

        القيادة الهادئة التي تعكس الأفكار مع فريق العمل.

        إتاحة الفرصة لمناقشة وتبادل الأفكار مع فريق العمل.

        التأكد من أن المعلومات مفهومة من قبل فريق العمل.

ومن السمات التي تحوزها كل عضوة في الفريق، أن كل واحدة تتوفر على صفات خاصة داخل المنظمة، لا بد من معرفتها من طرف القيادة، بحيث أن المرأة الفاعلة تملك من الصفات ما لا يشبه صفات الرجل الفاعل.

العضوة وصفاتها:

العادية تفضّل السلامة، تكون علاقات حميمة، تتغير ببطء، يمكن التنبؤ بسلوكياتها، صبورة، تحب الاندماج في الشركة، تحب التملك، تبحث عن الولاء، تحب البساطة، تدرك أهمية الفريق.

التحليلية: تحب إجراءات العمل، لا تحب التغيير المفاجئ، تحب الدقة، صاحبة مبادئ سامية في ذاتها وتجاه الآخرين، تميل أن تكون قلقة، لا تلقي بآراء الأخريات ما لم تتأكد من صحتها، يقظة الضمير، صانعة القرار ببطء، تتبع الأسلوب المنطقي في حل المشاكل.

المسيطرة: تحب الهيبة والاحترام، سريعة التفجر والتبرم، تحب التغيير والتحدي، تقارن بين القائدة والإنجاز، تحب الإجابات المباشرة، ثقتها بنفسها عالية، حازمة وجازمة، تلعب لتكسب، سريعة وعجولة، فعالة وراغبة في العمل.

الساحرة للألباب: تنجح في تكوين شعبية لها، لا تميل إلى معرفة التفاصيل أو أن تقاد، تستخدم البديهة، ودودة، تستخدم المهارات الشفوية، مؤثوق بها، جيدة في إقناع الناس، تجذب الألباب لها، تعمل بتهور وانفعالية،واثقة بنفسها وتطمح لتطوير نفسها، متحمسة.

ثامنا: المرأة القائدة ومقاومة التغيير.

تشتغل القائدة مع أصناف من الفاعلين، يشكل البعض منهم عنصرا سلبيا على مكان وبيئة العمل، يعملون على مقاومة أي تغيير بالمنظمة بشكل واع أو لا واع، لذا على المرأة القائدة أن تعي أن التعامل مع هؤلاء يتطلب مهارة خاصة، تبدأ بمعرفتهم وطرق التواصل معهم، سندرج في هذا هذا الجدول ما يحددهم وفق ما يميز سلوكياتهم وطريقة التعامل مع كل صنف على حدة:

الصنف والسلوك والإجراء:

المهاجمون: يؤكدون على وجهة نظرهم بقوة، ويدافعون عنها.       

الإجراء: خاطبي المهاجم باسمه، وبأسلوب يجمع بين الهدوء والحزم، واطلبي منه الجلوس والاستماع جيدا.

المغرورون: يقدمون وجهة نظرهم بقوة ولكنهم خبراء.        

الإجراء: احترمي خبرتهم ومعرفتهم، وحاولي الاستفادة مما يعرفون، وقدمي لهم الشكر على معلوماتهم القيمة.

الجبناء النمامون: يمارسون أسلوب الانتقاد والسخرية، وتدوين الملاحظات.      الإجراء: استخدمي أسلوبا مريحا مع توجيه الأسئلة المباشرة ليفهموا عدم رضاك، وأسلوب التعزيز الإيجابي.

الضحايا: يدونون كل شيء سلبي، ويتصورون بانهزامية.    

الإجراء: اطلبي تقديم مقترحات لتحسين الموقف، وكذلك توضيح الجوانب السلبية بأسلوب إيجابي ومنطقي.

المبطلون: يعتقدون طريقتهم في التعامل مع الأمور هي الصحيحة فقط.   

الإجراء: دعي هؤلاء يجتمعون مع زملائهم في مجموعة، واتركي زملاءهم يحاولون تنوير هؤلاء المبطلين بأن هناك حلولا أفضل من حلولهم.

المبالغون في الموافقة:.لديهم رغبة في كسب حب الآخرين، فهم ينفذون ما يطلب منهم، ولو كان على حساب أنفسهم، فهم سلميون.         

الإجراء: مراقبة المهام للتأكد من عدم زيادة حِمل العمل عليهم.

غير المستجيبين: من أصعب النوعيات، حيث يبدو استحالة لفت انتباههم.        الإجراء: استخدمي الأسئلة المفتوحة، وانتظري الإجابة، ولو كانت شفهية، تابعي ما عندهم من اهتمام ومهام، وادعيهم لحضور الاجتماعات القادمة.

 

تاسعا:  المرأة القائدة ومهارة التخطيط.

على المرأة القائدة أن تظهر أمام الفاعلين بصورة الواثقة الممسكة بزمام الأمور، وهذه الصورة يمكن أن تأتي من قوة المنصب الرسمي، لكن امتياز المنصب مؤقت يمكن أن يزول أثره بسرعة، لذا على المرأة القائدة أن تستخدم قوة المنصب بحكمة، وذلك وفق التمضهرات التالية:

الظهور بمظهر لائق.

التحرك بنشاط وحيوية.       

المشاركة بالأحاديث الطريفة.       

اتخاذ القرارات بثقة.

علاج المشاكل بهدوء.

إظهار القدرة على الإتصال بالإدارة الإقليمية للزيادة في طمأنة الفاعلين.   

اتخاذ مواقف إيجابية.

الإهتمام بالإتصالات غير اللفظية، وقد تكون:

المصافحة بقوة وثبات تدل على الثقة بالنفس والرغبة في الإتصال.

الضحكة المناسبة لها أثر إيجابي عدا القهقهة في مجال العمل.

استخدام تعبيرات الوجه، كحركات العين بالشكل الذي يجعل القائدة مقبولة عند الآخرين.

الوضعية الهادئة والمسترخية تدل على الاستعداد لمواجهة الصعاب.

الحركات المناسبة في المواقف المناسبة، لأن الإكثار من الحركات لا يريح الآخرين.

الاتصال البصري مع المتحدث يشعره بالإهتمام.

ومن بين الأدوات التخطيطية التي تضفي سمة النجاح على عمل المرأة القائدة نجد من بينها إدارة الوقت، حيث تتصرف القائدة بأساليب منظمة لتدبيره منها:

تحافظ على مستوى ثابت من الجهد.           

تتوقع ما لا يتوقع.      

تجيد مهارة التفاوض للوصول إلى نتائج ملموسة.    

لا تضيع وقت الآخرين.

تستخدم تقويما لكتابة خطوات العمل اليومية لتحقيق أهداف يومية.

تأخذ بمبدأ الأولويات عند تنفيذ الأعمال.

تخصص وقتا للرد على المكالمات الهاتفية، أوالمقابلات، أومهام محددة.

تتفاوض بصورة فعالة حول مهام محددة.    

القيام بتجميع الأنشطة المتشابهة في وحدات مستقلة.

الموازنة بين مسؤوليات العمل والحياة الخاصة.

التعامل مع المقاطعات بصورة فعّالة.

الإجابة بـ (لا) للمهام غير المهمة.

الخاتمـــة:

إن التربية والتكوين قضية مجتمعية مشتركة، يساهم الجميع في بلورة رؤيتها الإستراتيجية للنهوض به وتنميته، كما يسعى قادة التغيير إلى تطبيق الاستراتيجيات الميدانية المناسبة لتنزيل هذه الرؤية وترسيخ القيم والاتجاهات الجديدة والتجارب التطويرية داخل ثقافة المؤسسة التربوية.

ومن اجل التنسيق بين الجوانب التنظيمية ومشملات الثقافة المؤسسية من أجل تحقيق التغيير الفاعل يعتمد قادة التغيير قيما تشمل السلوكيات والممارسات القيادية المتعلقة بالقيادة بالأهداف والقيادة بالتمكين والتي تساهم في صناعة القرار التربوي بالنسبة لكافة أطر المؤسسة.

ويتبين أن عدم توفر قيادة فاعلة ومؤثرة داخل المنظمة المدرسية وعدم ممارسة دور قائد التغيير بالشكل العلمي، بالإضافة إلى ضعف كفاءة القيادات الممارسة، تعد من أبرز المعوقات التي تواجه عملية التغيير، لدى أصبحت الحاجة ملحة إلى تواجد قيادة قادرة على استيعاب التغييرات والتعامل مع ما تفرضه من تحديات.

ولكي تحوزالمنظمة تنافسيتها في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا بد من ملامسة الكيفية التي تتحول عبرها المنظمة من مؤسسة جيدة إلى مؤسسة" متميزة" وقد نستأنس في هذا المجال بطروحات العالم جيم كولينز الذي أشر على هذا التحول باتباع ما يلي:

ـ وضع استراتيجية واضحة تزاوج ما بين قيم الفرد وقيم المؤسسة.

ـ خلق مناخ من طرف القائد يتسم بالمصداقية تتفاعل مع ثقافة المؤسسة.

 ـ الإهتمام بثقافة الإنضباط بخلق قيود واضحة لا يشعر معها الفاعل بخنق حريته.

ـ مواكبة التغيرات التكنولوجية واستخدامها بشكل فعال دليل صحة وتميز المؤسسات وتفوقها.

يبقى أن نسلم بأن قيادة التغيير تثري عمل المنظمة، وتساعد على زيادة كفاءة الإطار الإداري، قائد التغيير، من حيث ضرورة العمل بها في المنظمة حتى تتمكن المنظمة من قيام بدورها الريادي في قيادة المجتمع.

ويظهر جليا أن القيادة النسائية تستطيع احتواء صراعات المنظمة فهي تتوقع الأزمات داخل فعل التغيير، فهي أكثر إنسانية وأكثر توازنا وإنصافا داخل المنظمة، بالرغم من الحصار الفكري والثقافي المدعم من طرف الصور النمطية التي أبعدت النساء عن القيادة. في حين عرف التاريخ قياديات بعضهن يمشي عليهن وصف أنطونيا فريزر بمتلازمة التذييل "متلازمة ذيل القيادة"، وهذا يعني أن هؤلاء النساء جئن إلى السلطة من خلال الروابط الأسرية، أو وصف "البقع العمياء" لروسبيث كانتر المختص في التحليل التنظيمي، وخاصة التي تخفي السمات الجنسية في القيادة والسلطة، وتسلط الضوء على أسلوب القيادة المتمحور على أساس النوع الاجتماعي الجنسي.

 إن التخطيط الجيد للموارد البشرية يساعد على زيادة فعالية الاستفادة من إمكانياتها التي تتميز بقدر عال من المقدرة والرغبة في العمل، مما ينتج عنه انخفاض في التكلفة المالية، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.

وتشتمل عملية التخطيط الإستراتيجي على عدة مراحل، تبدأ بتحديد الأهداف التنظيمية ثم التنبؤ بالطلب، ثم التنبؤ بالعرض، ثم التوازن بين جانبي العرض والطلب، ثم تطبيق الخطة، باللإضافة إلى عملية التغذية الراجعة المتوجة لعملية التخطيط الإستراتيجي الذي خصصا له جزءا خاصا به في كتاب قادم والله ولي

التوفيق.

 

المراجــع العربية

أردواي تيد، فن القيادة والتوجيه، ترجمة د.محمد عبد الفتاح إبراهيم، 1965.

د. جمجوم محمد هشام، سيكولوجية الإدارة، المكتبة الجامعية، دار الشروق.

د.عبد النور ادريس، التكنولوجيا الإدارية قيادة التغيير والتخطيط الاستراتيجي، الجزء الاول: قيادة التغيير"، مطبعة بلال ،فاس، الطبعة الثانية، يونيو 2018ـ 

د. القحطاني محمد بن دليم، إدارة الموارد البشرية.. نحو منهج استراتيجي متكامل، مكتبة العبيكان، والمكتبة العربية، 2008.

المراجــع الأجنبيـــة

Britton ,leola,an investigation into competencies Associated with change leadership, nelson Mandela university, 2010.

Heifetz, R. A., & Laurie, D. L. The work of leadership. Harvard Business Review,75(1) ; (1997).

Kotter, John. Leading Change: Why Transformation ; Efforts Fail. Harvard Business Review (March – April ; 1995 .

McCleary , L. E. and Hencley, S.P. : Secondary School Administration. Theoritical Bases for Professional Practice. Dodd, mead company inc. N.Y. 1965 .

Robert P. Vecchio “Leadership and gender Advantage” in the leadership quarterly, (2002).

Turgeon, B. La pratique du management (2ème édition). Montréal : Mc Graw Hill Editeurs ;(1989).

Yuki، G.A. “Leadship in organizations” New Jersey: Prentice-Hall International, (Second Edition) ; (1989).

المرأة وأنماط القيادة الإدارية Leadership Féminin
Partager cet article
Repost0
7 septembre 2023 4 07 /09 /septembre /2023 12:55
	اللغة والتفكير: مقاربة معرفية

اللغة والتفكير: مقاربة معرفية

دة/ حنان الغوات

دراسة محكمة

أستاذة التعليم العالي مساعدة

بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/ مكناس

elghhanan@gmail.com

ملخص البحث

يندرج موضوع هذا البحث ضمن مجال العلوم المعرفية. ويتخذ من العلاقة بين اللغة والتفكير مدار اهتمامه، وذلك عبر المناحي الثلاثة الآتية:

منحى معرفي: عبر إبراز نظريا سيرورة فهم اللغة، وعلاقتها بالتفكير.

منحى لغوي: من خلال رصد مظاهر التفاعل بين عمليات فهم اللغة في أبعاده المختلفة: معجمي، تركيبي، دلالي؛

منحى بيداغوجي: عبر الانفتاح على أهمية التفكير في بناء اللغة ومحاولة أخذها في الاعتبار أثناء تعليم/تعلم اللغة.

ويمكن لهذه المقاربة المتبعة في هذا البحث، أن تشكل مدخلا شاملا لفهم صعوبات فهم اللغة، وخاصة فيما يتعلق بالربط بين الكلمات والعبارات ومعانيها داخل نمط تفكير لغة معينة، كما من شأنها تعرف أهم النماذج المفسرة للسيرورات المعقدة التي تهم فهم اللغة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعالجة المعرفية للغة هي عبارة عن تركيب ذهني تنصهر فيه عدة تمثلات، وكثير من العمليات/ السيرورات، وتتدخل فيهما عدة عوامل قد لا تنتمي إليهما جوهريا، وذلك بحكم طبيعة المعالجة والفهم المعقدين. وهي عوامل تتعلق عموما بالذات، ثم السياق.

Abstract

The topic of this research falls within the field of cognitive science. He takes the relationship between language and thinking as the focus of his attention, through the following three aspects:

Cognitive approach: by highlighting theoretically the process of understanding language, and its relationship to thinking.

Linguistic approach: by observing the interactions between the processes of understanding language in its various dimensions: lexical, syntactic, semantic;

3- Pedagogical approach: through openness to the importance of thinking in building language and trying to take it into account during language teaching/learning.

 This approach used in this research can constitute a comprehensive approach to   understanding the difficulties of understanding the language, especially with regard to the link between words and phrases and their meanings within the thinking pattern of a particular language.

It should be noted here that the cognitive processing of language is a mental structure in which several representations and many processes are fused, and several factors that may not belong to them are involved, due to the complex nature of processing and understanding. They are generally related to the subject, and then to the context.

مقدمة

يقول ألدوز هاكسلي (Aldous Huxley):" إن الثقافة البشرية، والسلوك الاجتماعي، والتفكير لا توجد في غياب اللغة» (جمعة سيد يوسف، 1990). وعلى هذا الأساس، فاللغة أهم ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، ومن المتفق عليه الآن، أن الإنسان وحده، هو الذي يستخدم الأصوات المنطوقة في نظام محدد، لتحقيق الاتصال والتواصل، وهو ما يؤكده فيرديناند ديسوسير عندما أكد أن الإنسان وحده القادر على ترجمة أفكاره ومشاعره إلى ألفاظ وعبارات. ذلك أنه حاول استجلاء طبيعة الدال والمدلول داخل العلامة اللسانية، ليجد أن اللغة  ليست كما يبدو، عبارة عن  قائمة من الأسماء والعبارات تقابل قائمة أخرى من المسميات، بل إن الأمر يتعلق بمفهومين اثنين هما الدال والمدلول، حيث يتجاوز الأول كونه كلمة أو لفظا إلى اعتباره صورة سمعية، يشكل الفونيم  شكلها الخارجي المادي، الشيء الذي يتيح للإنسان مثلا باستظهار مقطع معين دون استخدام جهازه النطقي،  أما المدلول فيعتبره في هذا السياق  تصور ذهني أو لنقل  فكرة عن الشئ أو عن المعنى المجرد، فلا تتحقق الدلالة اللغوية إلا عندما تقترن الصورة السمعية بالتصور الذهني لها (فردناند دي سوسير، 1984، ص90)، وهكذا تصبح العلاقة بين الأشياء وتصوراتها الذهنية هي علاقة طبيعية تكاد تكون  كونية، أما طبيعة العلاقة في شكلها المعكوس فهي علاقة اعتباطية يحكمها ما هو جمعي ((فردناند دي سوسير، 1984، ص91) .

وقد يثير هذا القول تساؤلات عن وجود لغة لدى الحيوانات، حيث من المعروف أن الحيوانات الأخرى تتصل ببعضها البعض عن طريق الرموز والأصوات، والإشارات...إلا أنها لا ترقى إلى مستوى التواصل اللغوي الإنساني. وهي نتيجة أكدتها تجارب لمجموعة من الباحثين (غرادنير وطوماسيلو، وفوكلير)، حين أرادوا تعليم قردة الشامبانزي أنواعا من اللغات، فتم التوصل إلى مجموعة من النتائج من بينها : وجود اختلاف كبير بين المهارات الرمزية للشامبانزي، والمهارات الرمزية للكائنات البشرية، حيث لا تتوفر الأولى على عنصري الإنتاجية والإبداعية المميزين للغة الإنسانية، مما يبين أن الإنسان وحده بإمكانه استعمال أنظمة لغوية شديدة التعقيد.(2008 ,Tomasello ). 

وقد تعددت العلوم والحقول المعرفية التي تناولت دراسة اللغة، كل من زاويته، أهمها وأحدثها الدراسات التي  تناولت اللغة كعلم قائم بذاته من الزاوية المعرفية " الدراسة المعرفية  للغة" والتي تجمع بين علم اللغة وعلم النفس اللغوي:  

علم اللغة

علم النفس اللغوي

- الدراسة الوصفية للغة كنظام من الرموز والقواعد التي يجب تحديد وظائفها بدقة.

- دراسة اللغة كتحرير أصوات.

- دراسة نطق اللغة.

دراسة كيف يتم إنتاج اللغة ذهنيا:

تمثل المعارف اللغوية.

اكتساب المعارف اللغوية.

فهمها.

استعمالها.

وكيف ترتبط هذه  المعارف اللغوية بالتصورات والتمثلات العقلية الأخرى.

جدول (1): يبين الفرق بين علم اللغة وعلم النفس اللغوي

وقد جاءت هذه الدراسة العلمية للغة انطلاقا من:

1 - نتائج الأبحاث اللسانية، فمعرفة طريقة اشتغال الجهاز اللغوي، ينبئنا بطريقة عمل نظام التحليل الإنساني للمعلومات.

2 - نتائج الأبحاث اللسانية وخاصة ما يتعلق منها بطريقة تشكل اللغات وطريقة تداولها يوحي عادة ببعض أشكال الإدراك المعرفي.

3 - اعتبار بنية اللغة ما هي إلا تعبير عن بنية العقل.

من هذا التقديم يمكن طرح الإشكال الآتي:

- ما اللغة؟ وأين تتجلى وظائفها وخصائصها؟ وما هي مستوياتها بدءا بالأصوات ووصولا للخطاب؟

- كيف يتم فهم اللغة؟ وما هي طرق دراسة هذه العملية؟

- كيف يتم إدراك الكلام؟ وكيف نتعرف الكلمات؟

- كيف يتم تعلم اللغة ثم إنتاجها؟

- اللغة والتفكير أية علاقة؟

أولا: تعريف اللغة، خصائصها ووظائفها

1-تعريف اللغة

تتعدد تعريفات اللغة بتعدد مجالات البحث، وتعدد العلوم التي اهتمت بها، وتطور هذه البحوث والعلوم.

تعريف ابن جني: "باب القول على اللغة وما هي: أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" (محمود فهمي حجازي، 1973، صص 10-9) .

تعريف دوسوسير: "نظام من العلامات (SIGNS) التي تعبر عن أفكار "- البنيوية              (p 298. ,Rechardkearney)    كما عرفها أيضا "أنها نظام، فهي ظاهرة اجتماعية لتحقيق التفاهم بين الناس.

تعريف سكينر ((396 p . ,Rechardkearney) : اللغة مجموعة من العادات السلوكية، التي قد تكتسب عن طريق إشراطات، وهذا ما يحيل إلى النظرية السلوكية التي تعتبر اللغة سلوكا لفظيا يكتسب عن طريق التثبيت، وخاضع لإشراطات.

تعريف تشومسكي-التوليدية -  (396 p . ,Rechardkearney): اللغة في رأيه هنا فئة، أو مجموعة من الجمل المحدودة، أو غير المحدودة، ويمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر.

تعريف جون ديوي: (عدنان يوسف العتوم، 2017، ص 290)  ”إنها اتصال، وتعبير، تحتوي على عدد من الكلمات بينها علاقات تركيبية، تساعد على نقل الثقافة والحضارة عبر الأجيال“.

تعريف تراجر ( ;p3961989،Crystal, D)  :  اللغة هنا نظام من الرموز المتعارف عليها، وهي رموز صوتية، يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم.

التفاعل هنا هو الهدف، والتفاعل درجة أعلى من الاتصال. فإذا كان الاتصال مجرد نقل فكرة من طرف إلى آخر، فإن التفاعل يعني المشاركة الوجدانية.

تعريف ميكائيل هاليداي. (Halliday, Mak2003): اللغة نظام من المعاني أو الدلالات. ذات وظيفة تواصلية اجتماعية.

تعريف قاموس وبستر Webster ( ;p3961989،Crystal, D)   : اللغة هي عملية الاتصال، ونقل الأفكار والمشاعر عن طريق إشارات وأصوات وملامح وعلامات يفهم معناها.  

يتضح من خلال هذه التعريفات المتعددة أن اللغويين في تعريفهم للغة، أكدوا على قواعد النحو والصرف، والتركيب اللغوي، مع اهتمامهم بالرموز المنطوقة فقط، في حين نجد علماء الاجتماع أكدوا في تعريفهم، على الوظيفة التفاعلية، في الوقت الذي لم  يهملوا الرموز غير اللفظية، أما علماء نفس اللغة، فقد أكدوا على عمليات الاكتساب والارتقاء والإنتاج اللغوي، بالإضافة إلى المعاني والدلالات والعمليات النفسية المرتبطة بها.

هذا التعدد في التعاريف هو بالأساس ناتج على تعدد خصائص اللغة من جهة، ووظائفها من جهة أخرى.

2-خصائص اللغة:

تتميز اللغة الإنسانية بخاصيتين هامتين، تقود الأولى إلى القدرة التنظيمية، وتقود الثانية إلى القدرة الإبداعية (باتريك لومان، 2011، صص 359/360) .

نسقية اللغة: حيث إن اللغة تخضع لقواعد هي التي تحدد طريقة تجميع الحروف والأصوات...وفق نظام وترتيب محددين.

إبداعية اللغة: كونها تتوفر على إمكانية تنظيم وترتيب وتوظيف كلمات بكيفيات مختلفة، ومواقع متعددة،ومن تم إنتاج عبارات مختلفة، وجديدة.

و قد أضاف تشومسكي، خصائص أخرى كلية للغة منها (2000، Noam Chomsky ،) :

الكونية: استعمال جميع الكائنات البشرية السليمة على المستوى الاجتماعي والفيزيولوجي للغة.

التعقيد: توفر اللغة على قواعد وتوفرها على قدرة تعبيرية كبيرة.

الاعتباطية: عدم توفر كلمات لغة معينة على روابط مع العناصر التي تشير إليها، (مثلا كلمة كرسي، لا توحي لما تشير إليه الكلمة فعليا بالنسبة لغير الناطقين بالعربية).

طابع الحذر: احتفاظ الكلمات بكيانها رغم النطق المختلف لها، واستعمالاتها المختلفة في مواقع مختلفة.

الإنتاجية: أي انطلاقا من عدد محدود من الأصوات (غالبا لا يتجاوز 50 صوتا أساسيا في كل اللغات) يمكن إنتاج عدد لا متناهي من الكلمات.

وجود عناصر مشتركة: اشتراك جميع اللغات في بعض العناصر (مثل الاسم، الفعل،الصوامت، الحروف الصوتية...).

هذه الخصائص يمكن أن تشكل إجابة عن سؤال نطرحه باستمرار، هل للحيوانات لغة؟ ليتبين أن الحيوان لا يستطيع اكتساب أو إنتاج لغة، في مقابل الطفل الذي سيكتسب دوماً القدرة على فهم وإنتاج اللغة، وقد سمى تشومسكي هذه القدرة الإنسانية التي يفتقدها الحيوان "جهاز اكتساب اللغة" ((2000، Noam Chomsky،) .

3- وظائف اللغة

مواقف استعمال اللغة للاتصال كثيرة، يجملها هاليداي Halliday في ثمان وظائف أساسية هي: (الرافع النصير زغلول، عماد عبد الرحيم الزغلول، 2014، صص 227/228) .

الوظيفة النفعية: Instrumental fonction: أي استخدام اللغة للحصول على الأشياء المادية مثل: الطعام، والشراب: "أنا أريد".

الوظيفة التنظيمية: regulatoty function أي استخدام اللغة من أجل إصدار أوامر للآخرين، وتوجيه سلوكهم. "افعل كما أطلب منك".

الوظيفة التفاعلية: Interactional function: أي استخدام اللغة من أجل تبادل المشاعر، والأفكار بين الفرد والآخرين. "أنا وأنت".

الوظيفة الشخصية: Personal function: أي استخدام اللغة من أجل أن يعبر الفرد عن مشاعره، وأفكاره. "إنني قادم".

الوظيفة الاستكشافية: Heuristic function:  أي استخدام اللغة من أجل الاستفسار عن أسباب الظواهر، والرغبة في التعلم منها:  "أخبرني عن السبب".

الوظيفة التخيلية: Imaginative function : أي استخدام اللغة من أجل التعبير عن تخيلات، وتصورات من إبداع الفرد، وإن لم تتطابق مع الواقع :"دعنا نتظاهر أو ندعي".

الوظيفة البيانية: Representational function : أي استخدام اللغة من أجل تمثل الأفكار والمعلومات، وتوصيلها للآخرين:  "لدي شيء أريد إبلاغك به" .

وظيفة التلاعب باللغة: Play function : أي  اللعب باللغة، وبناء كلمات منها حتى ولو كانت بلا معنى، ومحاولة استغلال كل إمكانات النظام اللغوي.

هذا التنوع في وظائف اللغة، يحيل إلى البعد الفكري، والعقلي/ المعرفي لها، على اعتبار أنها سيروات ومستويات معرفية تختلف حسب الأشخاص، وقدراتهم الذهنية.

4- مستويات تحليل اللغة

تحلل اللغة من خلال مستويات عديدة، تتعدد بتعدد الوحدة اللغوية القاعدية التي يتم الانطلاق منها، فنجد أربع مستويات أساسية لتحليل اللغة هي: (باتريك لومان، 2011، ص 362).  

المستوى الصوتي: أي التحليل من خلال دراسة الأصوات (الخصائص المادية للأصوات-الفونيتيقا-)، أو دراسة الوحدات الصغرى، المقاطع، (الفونيمات في الملفوظ، - الفونولوجيا-)،

مستوى الكلمات: أي تحليل الكلمات و دراسة كيفية تكونها انطلاقا من عناصر أولية (المورفيمات أو المقاطع،-المورفولوجيا-)،يدرس البنية الداخلية للكلمة .

المستوى التركيبي: التحليل من خلال الجملة، من حيث ترتيب الكلمات. (النحو )، أو من حيث دلالة الكلمات، (السيمونتيقا).

تحليل النسق: من حيث الوحدات الأكبر، مثل الفقرة، أو النص، أو الأحاديث. أو السياق،(البراجماتية).

و كل نوع من هذه المستويات يحدد فرعا من فروع اللغة كما يبين الشكل:

اللغة

تحليل الأصوات

-الفونيطيقا                              تحليل الكلمات                          تحليل الجمل       تحليل الخطاب

-الفونولوجيا                 -المرفولوجيا الإعرابية                           -النحو                  -البرجماتية

                             -المرفولوجية الاشتقاقية                 -السيمانطيقا

الشكل (1) يبين مستويات تحليل اللغة وعلاقتها بفروع اللغة

ثانيا: بنية اللغة

بما أن الإبداعية أحد أهم خواص اللغة، بالإضافة إلى النسقية، فهذا يعني أن العبارات تحتكم إلى قواعد، فتشكل هذه القواعد قيودا للعبارة المراد تكوينها، هذه القيود لها علاقة بكل مستوى من مستويات تحليل اللغة، وذلك على النحو الآتي: (باتريك لومان، 2011، صص 361/370).

قيود معجمية:

وهي نوعان:

ما لها علاقة بالتغيرات المنتظمة للعناصر المكونة لكلمة معينة، حيث يمكن تفكيك الكلمة إلى مقاطع مكونة للأصوات(فونيمات).

و تتم دراسة هذه الأصوات في علم اللغة في إطار الفونيطيقا،أو الفونولوجيا، فتهتم الأولى بنطق وإدراك الأصوات وخصائصها كشكل الموجات،(مثل كلمة واحدة تنطق بكيفيات مختلفة حسب الجهات)، أما الفونولوجيا فتحلل سمات فونيمات[1] اللغة.

ماله علاقة بالتغيرات المنتظمة للخصائص المميزة للكلمات (تواترها،أو طولها)، وأشكال الكلمة الواحدة، أي يتم تحليل شكل الكلمة في إطار المرفولوجيا، إما إعرابية[2] أو اشتقاقية[3].

القيود التركيبية

هي عبارة عن القواعد التي تحكم نظام ترتيب الكلمات لبناء جملة صحيحة، (النحو)، ومن أهم هذه المقاربات في علم اللغة نذكر:نعوم تشومسكي : ونظريته المسماة "النحو التوليدي"، والتي تركز على فكرتين أساسيتين هما:

التمييز بين الكفاية والإنجاز اللغويين، حيث تشير الكفاية اللغوية إلى ما يمكن للفرد أن يفعله باللغة، أما الإنجاز اللغوي، فهو ما يفعله فعلا باللغة، وهذا التمييز، يميز أيضا قدرات الفهم، وقدرات الإنتاج اللغوي.

التمييز بين البنية السطحية والبنية العميقة للعبارة، فالأولى تتعلق بالصياغة، أما البنية العميقة فتتعلق بالمحتوى، (مثلا جملتي: "أكل الطفل الحلوى"،"الحلوى أكلها الطفل ") لهما نفس البنية العميقة لكنهما يختلفان في البنية السطحية.

و انطلاقا من التحليل التركيبي للجمل، (من بنية سطحية إلى عميقة، والعكس)، تم وضع مجموعة من القواعد الأساسية لتنظيم الجمل حسب تشومسكي (باتريك لومير ،2011 ،صص 367-369)

القاعدة الأولى: تحليل بنية الجملة من خلال تنظيمها: ويتم ذلك من خلال تقسيم الجملة إلى وحدات صغرى هي التركيب التعبيري، فهو عبارة عن تحليل الجملة في شكل شجرة مقلوبة، لاستخراج البنية التركيبية للجملة وفيه الانتقال من بنيتها السطحية إلى العميقة والعكس.

الجملة

مركب اسمي                                                                                     مركب فعلي

  قبل                                       ال    فتاة   الجميلة

الشكل (2) يبين بنية أنواع الجمل

القاعدة الثانية: تحليل قواعد بناء الجملة: وفي هذا التحليل ندخل إلى البنية العميقة للجملة، ليسهل إدراك الانتقال من مستوى لآخر، وفقا لقواعد البناء وإعادة الكتابة، وذلك عبر إدراك صفة كل كلمة ومدلولها، لإمكانية تغيير مكانها، والحصول على عدد أكبر من المحاولات والإمكانات في الجمل.

القيود البرجماتية: (باتريك لومير ،2011، صص369-370)

هنا نتحدث في مستوى ثالث من القيود التي تتدخل أثناء الحديث، وهو مستوى اللغة، كما تتداول في الحياة اليومية، وفي الوضعيات المختلفة، فعندما نتحدث فإننا نرسل أفعالا لغوية هي كالآتي:

الأفعال اللغوية: وقد اقترحت نظرية الأفعال اللغوية من لدن جون أوشين، جون سيرل، حيث تصف لنا هذه الأفعال اللغوية الملفوظ وهي نوعان:

من حيث هو فعل مباشر عندما نستعمل اللغة بكيفية اتفاقية وبصراحة مثل (أنجز تمارينك).

فعل غير مباشر كأن أخبر بعكس ما تشير إليه العبارة مثل قول (الجو بارد في هذه الغرفة).

مبادئ المحادثة: حدد الفيلسوف جريس، القيود المرتبطة بالتواصل، وسماها مبادئ الحديث وهي أربعة:

مبدأ النوعية (الصحة في الكلام).

مبدأ الكمية (ألا تتجاوز الحد المطلوب وألا نتحدث عن أمور لا يفهمها المخاطب).

مبدأ الملاءمة (أن تكون لكل عبارة علاقة بموضوع الحديث).

مبدأ الوضوح (أي وضوح العبارات).

باستثمار ما تقدم من داخل العلوم اللغوية، وفي العلاقة مع النظرية المعرفية، يتبين ضرورة معرفة الكيفية التي ينسق من خلالها النظام المعرفي الإنساني بين مجموع هذه المستويات اللغوية، أثناء استعمال اللغة، ومنه ضرورة تعرف الميكانزمات الذهنية المتدخلة في معالجة اللغة.

ثالثا: فهم اللغة

إن فهم عبارة معينة يتطلب توظيف العديد من السيرورات المعرفية، الموزعة إلى مجموعة من الأنشطة، حيث ينبغي أولا تعرف الكلمات المدركة منفردة، أي ترميزها، (مستوى الإدراك)، ثم تمييزها عن الكلمات المتشابهة لها فونولوجيا، وفهم دلالاتها، ثم تحليل نظام ترتيب الكلمات داخل الجملة (مستوى الفهم).

مناهج دراسة فهم اللغة

يعتمد علماء النفس حاليا فئتين من المناهج لدراسة الكيفية التي يتعرف بها النظام المعرفي ويفهم المادة اللغوية، والكيفية التي ستخرج بها المعلومات من هذه المادة اللغوية، وهما (باتريك لومير ،2011، ص 372)

نموذج التعرف البصري

نموذج الحركات البصرية

ويتم انطلاقا من عرض بصري لنص معين، إما عرض ذاتي متقطع، أو عرض بصري متسلسل، فيطلب من الأفراد ثلاث مطالب:

-التعرف على كلمة ما ونطقها بصوت مرتفع.

-القرار التركيبي بأن يلاحظ مثيرا على الشاشة، إما كلمة أو لا كلمة.

-التصنيف، أي تحديد الفئة التي ينتمي إليها المثير .

هو عبارة عن فحص لحركات العين لتعرف موقع العين بالنسبة للكلمة، والمدة التي يتم استغراقها في التركيز على المثير، وعدد المرات التي يتم فيها قراءة المثير، فاتضح أن العين تقوم بقفزات، ثم تتوقف حوالي 250 جزء من الألف للثانية، إضافة أنه أثناء القراءة يمكن أن نتوقف حتى نفهم ثم نسترسل في القراءة.

الجدول (2) يبين الفرق بين النموذج التعرف البصري ونموذج الحركات البصرية

فهم الكلام

كيف يستطيع النظام المعرفي ترميز الأصوات المكونة للكلمات؟

إن المعالجة المعرفية للكلام تتم داخل تمثل معين، ضمن تفاعل بين بنيات الفرد المعرفية مع بنيات الكلام، هذا التفاعل قد ينتج تمثلا دلاليا لمضمون منطوق الكلام المسموع، والذي سيحتفظ به في الذاكرة، من اجل استعماله في فهم لاحق...وهكذا.. مما يمنح أهمية للذاكرة في نجاح السيرورات المعرفية المتعلقة بفهم الكلمات والجمل، في مستوياتها من الادنى إلى الأعلى (LE NY, j.-F. (1997) ; pp 35-53).

وكما هو الشأن بالنسبة للإدراك، فعملية الترميز توظف نوعين من العمليات: عمليات صاعدة وأخرى هابطة.

إدراك الكلام:

إن تعرف الأصوات يتم من خلال مفعول الترميز الفونيمي من جهة، ثم مفعول السياق من جهة ثانية    (Fowler, Californie (1995).).

ذلك أن إدراك الكلام هو العملية التي يتم من خلالها سماع أصوات اللغة وتفسيرها وفهمها. لذلك نجد أن هناك ارتباط بين إدراك الكلام مجالات علم الأصوات والصوتيات في علم اللغة وعلم النفس المعرفي. بحيث تبدأ عملية إدراك الكلام على مستوى الإشارة الصوتية وعملية السمع. (للحصول على وصف كامل لعملية السمع) بعد المعالجة الأولية للإشارة السمعية، تتم معالجة أصوات الكلام بعد ذلك لاستخراج الإشارات الصوتية والمعلومات الصوتية. ويمكن بعد ذلك استخدام هذه المعلومات الصوتية لعمليات اللغة ذات المستوى الأعلى، مثل التعرف على الكلمات.

نموج إدراك الكلام (نموذج ديفيد بيسوني) (باتريك لومير، 2011، ص 376)

تتم معالجة الكلام عبر المراحل التالية:

المثير        المعالجة السمعية            المعالجة الفونيطيقية               المعالجة الفونولوجية استجابة

التمثل العصبي للعلامة الصوتية تحول العلامة الصوتية إلى تمثل عصبي يحتفظ بسمات العلامة المادية، مثل وثيرة الصوت وشدته والبنية الهرمونية للصوت، يؤدي هذا التحول إلى تكون الشفرة الخامة.

تنشيط نطق الأصوات

حيث يعين النظام المعرفي علامات فونيطيقية بالعلامات الصوتية التي تم إدراكها، تتوافق هذه العلامات مع مقاصد المتكلم، وينبغي في هذه المرحلة تجاوز تقطيع العلامة، (مثال اللغة الإنجليزية ونطقها من طرف أشخاص لم نتعود على نطقهم لها) ففي هذه المرحلة يتعرف نظامنا المعرفي على الحدود الفونيطيقية للعلامة.

المطابقة بين المقاطع الفونيطيقية التي تم التعرف عليها وقواعد الفونولوجية المجردة التي تسمح باستخلاص الجوهر الحقيقي للمقطع الفونيطيقي،(أي معلومات حول الفونيم)،ففي بداية هذه المرحلة يتم ترميز المقاطع و تحليلها إلى مكونات فونيمية،و أخرى فونولوجية .

الشكل (3) يبين سيرورة معالجة الكلام حسب نموذج بيسوني

تعرف الكلمات، (تجربة Lively et pissoni)

لتعرف كلمة معينة نوظف العديد من المعلومات المتعلقة بهذه الكلمة، (مثل طول الكلمة، وثيرة ظهورها...) ويمكن تكوين فكرة عن مفاعيل الخصائص المعجمية على عمل النظام المعرفي من خلال ثلاث مفاعيل: (باتريك لومير،2011، صص  379/380).

مفعول البدء

Meyer et schvaueveldt

مفعول التواثر

Wholey

مفعول المجاورة الإملائية

Jonathan grainge

هو أكثر المفاعيل تعرفا على الكلمات بسرعة، من خلال القدرة على أخذ القرار بسرعة،أمام كلمة ما تكون مسبوقة بكلمة مرتبطة بها سيمانطيقيا، فتشير الأولى إلى البدئ أما الثانية فهي الهدف.

وهو توافر الاستعمال الاتفاقي لكلمة ما في لغة معينة، (أي المعدل النسبي للاستعمال)، ومدى أهميته في التعرف على الكلمات.

أي الكلمات التي تختلف فقط في حرف واحد (همل كلمتان متجاورتان)،تستغرق وقتا أطول في التعرف عليها مقارنة مع الغير متجاورة، إلا أنه يعادل مفعول التحمس على مستوى الذاكرة طويلة المدى.

الجدول (3) يبين مراحل تعرف الكلمات حسب ليفلي وبيسوني

مفعول الكلمات والمكونات (السيمانطيقا)

لا يتطلب فهم جملة معينة استرجاع الأصوات من الذاكرة فحسب، أو استعادة شكل أو صوت، أو حتى مجموعة من الكلمات فقط، بل يتطلب أيضا تعرف وتحديد مكوناتها، وإضفاء الدور التركيبي المناسب على الكلمات، ورفع الغموض الناتج عن بنية الجمل. فكيف يستخرج الأفراد مكونات الجمل وبنيتها؟

مكونات الكلمات

يمكن إجمال مكونات الكلمات، في طول الكلمة، تواثرها، وضعها الإعرابي والدلالي.

استخراج البنية التركيبية (باتريك لومير، 2011، صص 390/391)

لقد اختلف علماء النفس حول لمن الأسبقية، هل للمقيدات التركيبية (بنية الجملة)، أم للمقيدات السيمانطيقية والبراجماتية (المعنى والسياق).

لكن وعلى العموم تم التوصل إلى نتائج تساهم في الفهم السليم للجمل من قبيل:

أن الثوابت المعرفية هي التي تعدل المعلومات اللغوية التي تؤخذ في الاعتبار أثناء فهم رسالة ما،إضافة إلى الهدف الذي يرسمه الأفراد لأنفسهم خلال قراءة النصوص، ثم تنظيم الذاكرة طويلة المدى، فعالية معالجة المعلومات، قاعدة المعلومات...

استعمال علامات المساعدة مثل علامات الترقيم، لأنها توجه الفهم...

 فهم النصوص

إن سيرورة فهم النص تتضمن عملية الفهم، وتعرف الكلمات والتحليل والتركيب، ونضيف لها عمليات جديدة أكثر تعقيدا، تتدخل في أنشطة أخرى مثل التعلم، ويعد برنامج والتر كينش الأكثر تطورا في مجال فهم النصوص، ويسمى هذا النموذج "البناء-الإدماج"، فتتم عملية فهم النصوص عبر العمليات التالية (باتريك لومير، المرجع السابق، ص 395).

ترميز وبناء تمثل قضوي[4]: حيث ترمز الكلمات مع التنشيط الأولي لمختلف دلالات الكلمات، ثم يبدأ الفرد في بناء تمثل قضوي عن الجمل المتضمنة للكلمات المرمزة.

إعداد شبكة قضوية: حيث يتم تحويل القضايا إلى الذاكرة العملية في صيغة شبكة من القضايا المترابطة فيما بينها، مع حذف الزوائد، إضافة إلى تنشيط العناصر المرتبطة بالقضايا المتضمنة في الشبكة في الذاكرة طويلة المدى(التنشيط المنتشر).

تحويل المعلومات إلى الذاكرة العملية: حيث يتم انتقاء القضايا المختارة والمعلومات المنشطة لتكوين تمثل متناسق، ويتم هذا الانتقاء وفق التناسق بين القضايا.(حيث تدعم العناصر المتوافقة وتقصى العناصر المتناقضة)هذا التمثل الناتج (تمثل نصي أو بنية كبرى)يتم تخزينه في الذاكرة النصية المرحلية.

يتبين إذن أن إرساء هذه العمليات يؤدي إلى تمثلات متعددة للنص من قبيل:

تمثل ظاهرة (النص ذاته) و تنسى بسرعة، ويمكن أن تختلف  حسب الأشخاص .

تمثل قضوي (عناصر النص و دور هذه العناصر) أيضا قد تختلف حسب الأشخاص.

تمثل لنموذج ذهني (متضمن للوضعية الموصوفة في النص) وهو ما يتم الاحتفاظ به في الذاكرة طويلا.

رابعا: إنتاج اللغة

إنتاج اللغة الشفهية:

نموذجي كل من بوك ويليفيلت، ونموذج دل (باتريك لومير، 2011، صص 397/399)

نموذج بوك ويليفيلت

نموذج دل

-إنشاء محتوى الرسالة المراد تبليغها.

-المعالجة الوظيفية: انتقاء المفردات وتحديد دورها النحوي في الجملة (ليس الاقتصار فقط على اختيار كل كلمة على حدة بل حتى موقعها الإعرابي في الجملة)

-المعالجة الموقعية: يرتب الكلمات المنتقاة لتكوين جملة، وتحويل تلك المفردات (مثل تصرف الأفعال، التأنيث، الجمع...).

-المعالجة الفونولوجية: انتقاء الأصوات المكونة لكلمات الجمل التي أنشأهاثم انتقاء الثوابت الأخرى المرتبطة بالإنتاج الشفهي، مثل العروض أو الإيقاع.

-المعالجة السيمانطيقية: إنشاء معنى الرسالة المراد تبليغها.

-المعالجة التركيبية: تخطيط البنية النحوية لما يسعى إلى تبليغه، فيرتب الكلمات لإنشاء جمل.

-المعالجة المرفولوجية: تخطيط المورفيمات، انتقاء العناصر التي تتيح التعرف إذا كانت الجملة تشير إلى فعل أو عدة أفعال، أو أن الفعل تزامن مع زمن الحديث.

-المعالجة الفونولوجية: انتقاء أصوات الكلمات وإيقاعها ونبرتها.

مراحل المعالجة تتم متزامنة وليس متتالية.

الجدول (5) يبين الفرق بين نموذجي كل من بوك ويليفيلت، ونموذج دل

بصفة عامة فالإنتاج الشفهي يبدأ بإعداد المحتوى، وينتهي بإعداد العبارة الملفوظة.

الإنتاج الكتابي:

نموذج هايس و فلاور (باتريك لومير، 2011،صص  402/403)

التخطيط

إنتاج أفكار، تنظيم الأفكار وتحديد الأهداف

إنشاء النص

إنتاج النص، تشكيل الجمل، ترتيب الكلمات

                                                                   

المراجعة

إعادة القراءة وتصحيح الأفكار، تعديل ترتيب الكلمات

الشكل(4) يبين نموذج هايس وفلاور للإنتاج الكتابي

يتضح أن هذا النموذج بمثابة إطار تصوري لإنتاج اللغة المكتوبة.

خامسا:  علاقة اللغة بالتفكير

من وجهة نظر معرفياتية، فالتفكير عبارة عن نشاط معرفي يتضمن سلسلة من العمليات العقلية المعقدة التي تتضمن معالجة المعلومات من حيث استقبالها، وترميزها وتفسيرها، واستخلاص المناسب منها، وتقوم أيضا، على استخدام الرموز والتصورات والمفاهيم المادية، والمجردة بهدف الوصول إلى نواتج معينة (الرافع النصير زغلول، عماد عبد الرحيم الزغلول، 2014، ص 258) .

تطرح إشكالية علاقة اللغة بالفكر مجموعة من الأسئلة بالنسبة لعلماء النفس المهتمين بدراسة اللغة، ومن أمثلة هذه الأسئلة:

- هل نحن في حاجة إلى لغة لكي نستطيع التفكيٍر، أم نحن في حاجة إلى تفكير لنستطيع الكلام؟

- هل مهارات التفكير واللغة تنمو ككيانات منفصلة؟ أم أنها ترتبط ببعضها البعض منذ البداية؟

- أيهما يعتمد على الآخر؟ اللغة أم التفكير؟ وأيهما يسبق الآخر؟

- هل نستطيع أن نتكلم دون تفكير؟ وهل هناك تفكير بلا كلام؟

وإذا حاولنا أن نصوغ في كلمات موجزة نتائج الدراسات السابقة لهذه المشكلة فسنجد أنها تتأرجح دائما بين ثلاثة أقطاب مختلفة:

الاتجاه الأول: التطابق والامتزاج التام.

 تعد المدرسة السلوكية أفضل ممثل لهذا الاتجاه. فقد انتهى واطسون مؤسس السلوكية القديمة، إلى أن التفكير هو اللغة. وبناء على ذلك فان التفكير عبارة عن تناول الكلمات في الذهن، أو أن التفكير عبارة عن عادات حركية في الحنجرة، أو هو حديث داخلي يظهر في الحركات قبل الصوتية لأعضاء الكلام، أي أن التفكير كلام ضمني. وربما يكون ذلك هو الذي قاد المدرسة السلوكية الأمريكية في مراحلها المبكرة إلى رفض التسليم بوجود أي متغيرات وسيطية بين المنبهات والاستجابات (جمعة سيد يوسف 1990، ص 144) .

الاتجاه الثاني: التباعد والانفصال.

وهو اتجاه تم تأييده من طرف مجموعة من النظريات على النحو الآتي:

وليام شترن WELLIAM STERN والذي ميز في التصور العقلي لنمو اللغة بين ثلاثة أصول للكلام: الميل التعبيري، والميل الاجتماعي، والميل القصدي، ويرى أن الثالث هو الذي يميز الإنسان على وجه الخصوص. فالإنسان في مرحلة معينة من مراحل نموه النفسي يكتسب القدرة على أن يعني شيئا من الأشياء عند تلفظه بأصوات معينة، وعلى أن يشير إلى شيء موضوعي من الأشياء. وفي الحقيقة تمثل هذه الأفعال القصدية أفعالا للتفكير، وبالتالي فإن ظهورها يشير إلى تعقيل وتوضيح للكلام. ولذا يؤكد" شتون " على أهمية عامل المنطق في نمو اللغة، ويقرر انه في المنطق الطفلي تتضح القصدية ويصطبغ الكلام بالخاصية الإنسانية المميزة (ليف فيكوتسكي،2012، ص 73).

جون بياجي الذي رأى بأن الارتقاء المعرفي يحدث أولا ثم يتبعه الارتقاء اللغوي.  فالكلام المتمركز حول الذات يظهر لدى الطفل الذي يسلك، ويتحدث كما لو كان كل ما يراه ملكه هو، ويبدو غير قادر على فهم وجهة نظر الآخرين، وان يدرك الأشياء من الوضع المختلف. إن الحوار المتمركز حول الذات يمضي حسب موقف الطفل الحالي، كما أنه يقوم بوظيفة تنظيم وتوجيه الذات. وفي الثالثة من العمر يكون نصف منطوقات الطفل متمركزا حول الذات. وينخفض هذا بسرعة إلى الربع في حوالي السابعة. والكلام المتمركز حول الذات لا يشار إليه بالضرورة باستخدام الضمير «أنا». ويركز بياجي على وصف وبنية النمو المعرفي «أو ما يحدث في تكوين المفهوم» . وبنمو القدرة على استخدام الصور الذهنية، والرموز عند الطفل، فإنه يدخل (في رأي بياجيه) إلى مرحلة ما قبل العمليات، وهي المرحلة التالية للمرحلة الحسية الحركية وتبدأ من سن الثانية حتى السابعة تقريبا. ذلك انه مع بداية التمثيل الرمزي للبيئة، ونمو القدرة على التصور الذهني للأشياء والأحداث فإنه يتكون لدى الأطفال مفاهيم غير ناضجة يسميها بياجي ما قبل المفاهيم- مثلا قد يكون لدى الأطفال في هذه المرحلة فكرة عامة وهي أن الطيور لها أجنحة وتطير وغالبا ما توجد على الشجر، أو أن السيارات لها عجلات وأبواب وتوجد في الشوارع- إلا أنهم لا يستطيعون أن يميزوا بين الأنواع المختلفة من الطيور أو السيارات، وبمجرد وصول الطفل إلى هذه المرحلة تأخذ القدرة على استخدام الرموز والصور الذهنية في الازدياد بشكل واضح، وبسرعة كبيرة، فتزداد قدرته اللغوية، ويصبح في إمكانه أن يتصور أساليب جديدة للعب الإبداعي (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 146).

أما ليف فيجوتسكي فقد ركز على المنظور الارتقائي، حيث يتصور أن الكلام- لدى الطفل- يكون اجتماعيا في البداية ثم يليه الكلام المتمركز حول الذات وبعده الكلام الداخلي (أو التفكير) وهو بالطبع يناقض التصور السلوكي والتتابع الارتقائي لدى بياجيه (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 145).

ويقرر فيجوسكي صراحة «أن تدفق التفكير لا يصاحبه ظهور متزامن للكلام. فالعمليتان ليستا متماثلتين، ولا يوجد تطابق كبيربين وحدات التفكير ووحدات الكلام. ويتضح ذلك عندما يساء تنفيذ عملية التفكير. وينظر فيجوتسكي للكلام المتمركز حول الذات على أنه مرحلة انتقالية من الكلام الاجتماعي إلى الكلام الداخلي. وتخيل الكلام (أي تحويله إلى كلام داخلي) يعني أن عمليات التفكير تحدث وتوجه بدون الحاجة للكلام الصريح، ويمكن أن نتصور، من الناحية التخطيطية، التفكير والكلام كدائرتين متداخلتين، في أجزائهما المتداخلة يتحد الكلام والتفكير لينتجا ما يسمى التفكير الكلامي، لا يتضمن كل أشكال التفكير أو كل أشكال الكلام (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 148).

دون أن ننسى السياق التحويلي في هذا الاتجاه حيث يعد كل من تشومسكي، وفودر من بين أهم مؤيديه، ذلك أنهم أكدوا على أن اللغة والفكر شيئان مستقلان عن بعضهما البعض، وأنهما ينبعان من أصول مختلفة، حيث يعتبر اللغة بمثابة وحدة تعمل على نحو منفصل ومستقل عن الفكر، وينطلق هؤلاء في تفسيرهم لهذه العلاقة وفقا لظاهرتين هما:

-التفكير ما قبل اللغوي

- الكلام السابق على التفكير.

فبالرغم من أنهم رأوا بأن التفكير واللغة يسيران على نحو مستقل عن بعضهما بعضا، ليندمجا معا في مرحلة ما قبل العمليات، إلا أنهما يؤكدان أن هذا لا يعني بالضرورة أن اللغة والفكر منطبقان، بل مستقلان، فغالبا ما يكون الاندماج في الجوانب الداخلية للمفردات، أي في معناها، إذ أن المعنى هو وظيفة التفكير، وهذا المعنى لا يتجزأ عن الكلمة لأنها لا تعد كلمة بدون معنى ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 262).

الاتجاه الثالث القائل بأن اللغة والتفكير مترابطان ارتباطا وثيقا:

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن اللغة والتفكير مترابطان ارتباطا وثيقا، باعتبار أن اللغة هي الوعاء أو المظهر الخارجي الذي يتم تقديم الفكر من خلاله.

 وما نقصده هنا بالتفكير هو:

الأفكار سواء كانت صورا ذهنية أو أفكارا مجردة

الاتجاهات العامة للتفكير، وطرائق التفكير وأساليبه.

وهذان المحوران هما اللذان يتبدى من خلالهما بشكل واضح العلاقة بين التفكير واللغة. فألفاظ اللغة تعبر عن الأفكار المناظرة لها في عقل الإنسان. وقد عبر عن هذا المعنى «دي سوسير» عندما عرف اللغة بأنها «مجموعة من العلامات تعبر عن الأفكار» غير أن التفكير لا يكون تفكيرا إلا إذا مارس العقل وظيفته الأساسية، وهي «الربط»، أي إذا تم الربط بين عدة أفكار. واللغة ترتبط بالتفكير من هاتين الزاويتين، زاوية الأفكار، وزاوية الاتجاهات الفكرية. فالأفكار يتم التعبير عنها بالألفاظ وبالسياقات التي ترد فيها تلك الألفاظ. كما يتم التعبير عن الاتجاهات الفكرية بالتعبيرات اللغوية المختلفة (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 151)..

 وينبثق من هذا الاتجاه- بصفة عامة –ثلاث اتجاهات فرعية:

الاتجاه الفرعي الأول:

 يرى أصحابه تغليب جانب التفكير في تأثيره على اللغة. فبرونو يرى أن التفكير سابق على اللغة التي ينحصر دورها في التعبير عن الذات، حيث يناسب كل حدث فكري حدثا لغويا ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 152).

 ويقرر كورزيبسكي أن طريقة التفكير لدى مجتمعات معينة هي التي تحدد أسلوب تراكيبهم اللغوية. فعلى سبيل المثال: لأن التفكير عند العرب والفرنسيين يغلب عليه الطابع الاستدلالي فان الصفة في لغتيهما تتبع الموصوف بينما التفكير عند الإنجليز تفكير استقرائي، فتأتي الصفة قبل الموصوف ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 153).

الاتجاه الفرعي الثاني:

حيث اللغة أكثر تأثيرا في التفكير خصوصا لدى الجماعات. فاللغة لا توجد في فراغ. إنها تخدم أنساقا أخرى في العقل البشري (وتتأثر بها)، ولأنها تستخدم لنقل الأفكار فينبغي أن يعكس بناؤها ووظيفتها هذه الأفكار. ولأنها تستخدم في التواصل داخل أنساق اجتماعية وثقافية معقدة فان وظيفتها وبناءها يتأثران بهذه القوى أيضا. وبالتالي بمجرد أن نتعلم كيفية استخدام اللغة فإنها تصبح قوة في حد ذاتها فتساعدهم على التفكير ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 153).. فاللغة هي التي تجعل مجتمعا ما يتصرف ويفكر بالطريقة التي يتصرف ويفكر بها.

الاتجاه الفرعي الثالث:

 هو اتجاه توفيقي، وهو الأكثر شيوعا لدى المعاصرين، يقدم حلا وسطا لقضية علاقة اللغة بالتفكيرٍ، ويتحاشى الانتقادات التي توجه إلى الاتجاهات الأخرى. ويرى مؤيدوه أن العلاقة بين اللغة والتفكير علاقة دينامية متبادلة من حيث التأثير والتأثر، فكل منهما يؤثر في الآخر، ويتأثر به. فنحن لا نستطيع أن نتكلم بما لا نقدر أن نفكر فيه، ولا نستطيع أن نفكر بعيدا عن قدرتنا اللغوية ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 155).  

ومن هذا المنطق ينبغي أن تتعدل الأسئلة التي تشغل بال العلماء المهتمين بقضية اللغة والتفكير، بحيث ينشغلون بتوفير الأساليب الموضوعية الدقيقة التي تقيس العلاقة بين اللغة والتفكيرٍ، وكيفية التعرف على أشكال الترابط بين الوظيفتين، وهو ما يتجسد داخل الكلمة.

خاتمة  

عموما، وانطلاقا مما تضمنه هذا البحث، يمكن القول بأن وحدة اللغة والتفكير أو ارتباطهما يتجلى بشكل خاص في الجانب الداخلي للكلمة، أي في معناها.

ومعنى الكلمة واكتشافه يعتبر عملا للتفكير. وبجانب ذلك يعتبر المعنى جزءا لا يتجزأ من الكلمة. فالكلمة من دون معنى ليست كلمة، وإنما هي صوت فارغ. والكلمة بافتقارها إلى المعنى لا تنتمي لعالم الكلام. وعليه فإن المعنى يمكن اعتباره- بدرجة متكافئة- ظاهرة كلامية وظاهرة منتمية إلى مجال التفكير وهو يمثل وحدة التفكير اللغوي.

إن هدف هذا البحث ليس فقط الكشف عن العلاقة بين اللغة (الكلام) والتفكير، عبر إعادة طرح الإشكالات التي سبق لفلاسفة وعلماء اللغة وعلماء النفس طرحها، ولا تحديد طبيعة السيرورات الذهنية التي من شأنها تحقيق فهم اللغة فحسب، وإنما هدفه الضمني هو بسطه كأرضية نظرية للتفكير بيداغوجيا في مداخل لتفسير اضطرابات اكتساب اللغة، سواء اللغة الأم، أو اللغة الأجنبية.

ذلك أن كل مشتغل في الحقل التربوي، واع بالضرورة بطبيعة وتنوع الصعوبات التي تواجه المتعلمين أثناء بنائهم لتعلماتهم المتعلقة باللغة، فيتبين أنه لا بد من ربط اللغة المكتسبة، أثناء التدريس، بنمط الاشتغال الفكري والثقافي لها، حتى يتمكن المتعلم من اكتاب اللغة ثم إعادة إنتاجها من داخل اللغة نفسها.

قائمة المراجع

المراجع العربية

باتريك لوميك "علم النفس المعرفي،المرجعية السيكولوجية للكفايات و بيداغوجيا الإدماج" ترجمة عبد الكريم غريب،منشورات عالم التربية،ط 1 سنة 2011

جمعة سيد يوسف"السيكولوجية و المرض النفسي"عالم المعرفة، عدد 145، سنة 1990

الرافع النصير زغلول وعماد عبد الرحيم زغلول"علم النفس المعرفي"دار الشروق، الأردن 2014

فردناند دي سوسير: محاضرات في الألسنية العامة، ترجمة: يوسف غازي، مجيد النصر، دار نعمان للثقافة، لبنان 1984،

ليف فيكوتسكي:"الفكر و اللغة، النظرية الثقافية التاريخية" ترجمة عبد القادر قنيي،إفريقيا النشر،2012

محمود فهمي حجازي: علم اللغة العربية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1973

عدنان يوسف العتوم "علم النفس التربوي، نظريات و تطبيق"دار النشر المسرة، 2017

المراجع الأجنبية

Crystal, D. : The CambridgeEncyclopedia of Language, Cambridge, Cambridge University Press, 1989-

Finocchiaro, M. : English asa Second Language from Theory to Practice, New York, Regents Publishing Company, SNC, 1974

Fowler, Californie (1995). "Production de discours". Dans JL Miller; PD Eimas (éd.). Manuel de perception et de cognition : parole, langage et communication . San Diego : Presse académique

LE NY, j.-F. (1997), Sciences cognitives et psychopédagogie, cahier Binet-Simon, 650. 35-53.

Halliday, Mak2003” On ;on the architecture of human language;on language and luinguistiques: the collected works ;London and newyork;quinox.

Noam Chomsky ; L’ère Chomskyen; Extrait de L’architecture du langage, 2000 ; article publié sur :

L’ère Chomskyenne, par Noam Chomsky (Extrait de The Architecture of Language) (archive.org)

Rechardkearney : the continental philosophy reader.

Thornbury;scott (2006) –AN A-Z of ELTOxford ;Macmillan;p 24 IS BN 1405070633.

Tomasello, M., Origins of Human Communication. cambridge, MiT press, 2008

 

[1]الفونيم هو أصغر وحدة في سلسلة الملفوظات، وهناك الفونيمات الصوتية VOCALIQUES  ،و الصامتة CONSONNE ،و تتميز هذه الفونيمات بمجموعة من المميزات هي:

-أنفية أو فمية:Orales ou nasales منها ما هو متصل بمؤخرة الفم مثل (m)،أو حرف فمي مثل (p)

-رنانة أو غير رنانة sonores ou sourdes  متوافقة مع اهتزازات الحنجرة (d) أو غير رنانة مثل (t).

-مقفلة أو منقبضة:occlusives ou constrictives أي أن انغلاق القناة الفمية متبوع بانفتاح مباغت مثل (b)،أو أن الانقباض يضيق مثل (f).

-في الأمام أو في الخلف:منه الصامت الشفهي مثل (p)،و الصامت الأسناني مثل (d)،أما فيما يخص الخلفي  فنذكر الصامت اللهوي مثل (k).

[2]الإعرابية :تدرس تغيرات الكلمة التي لا تشكل أي  تأثير كبير على معناها (مثل  التحول من المفرد إلى الجمع، أو التصريف..)

[3]الاشتقاقية:تبحث في تغيرات الكلمة و التي تحدث تعديلا في معناها العام،(مثل الإلحاق suffixation norme/normale : ،أو التصدير préfixation  possible/impossible : أو الزوائديةpara synthétisation croire/incroyable : ).

[4]التمثيل القضوي هو تمثيل يتضمن دلالة الجملة بفضل ترميز العناصر والأدوار التي تؤديها

Partager cet article
Repost0
9 juillet 2023 7 09 /07 /juillet /2023 19:27
الخطاب الثقافي العربي: من النسق الثقافي إلى الرسم السردي للجسد المؤنث

 

من النسق الثقافي إلى الرسم السردي للجسد المؤنث

The Arab cultural discourse

from the cultural model to the narrative drawing of the female body

د. ادريس عبد النور: أستاذ مادة اللغة العربية والدراسات الجندرية، أستاذ مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

Email : Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

ركزت المرأة داخل منطقة صراعها مع ذاتها ومع المجتمع على سلاح الجسد، جعلت منه سؤال خصوصية يُقحم الذات طرفا أساسيا في مشروع الكتابة، باعتبارها غاية ومشروعية في المطالبة بحقوقها وواجباتها، فعكست بذلك أساسا، توجها أنثويا جديدا يتفرد في الرؤيا والتجربة، واقترنت العلاقة بين الجسد والكتابة باقتران الوعي الفعلي بالجسد والوعي الممكن للكتابة، واستدعى هذا الوعي إلغاء الانقسام الحاصل بالذات النسائية، كما استدعى ذلك تبني موقف جديد من الذات، أدى بدوره إلى انبثاق رؤية جديدة للعالم، فكان من المحتمل أن يأتي نص المرحلة الأولى في كتابة النساء داعيا إلى تفجير المسكوت عنه بإعادة صياغة مضامينه اللاواعية في أقوال أدبية جمالية خلاقة، واستطاعت الكتابة بذلك أن تُنَفِّس عن الكبت التاريخي للمرأة، فامتلكت بذلك الموروث الثقافي عبر استدعائه واستحضاره وذلك بإطلاق سراح رغبات الجسد، فكان حضور الجسد الأنثوي قويا ضمن هذا الانفتاح على لغة اللاوعي التي تساهم في بروز ثلثي جبل الجليد، وتعمل على تشريح الداخل وعرضه، كما تحضر علاقة الجسد بالكتابة في المكون السردي أساسا باعتباره تقنية مثلى تنجلي فيها ذات الكاتبة وتطفو معها مكبوتات الوعي العقلية والجسدية.

الكلمات المفتاحية: ثقافة، الأدب العربي ، الجسد الأنثوي ،النقد الأدبي، كتابة الجسد.

المقدمة:

تلعب الثقافة في البناء الاجتماعي ركنا أساسيا في حياة المجتمع، فهي بما تحتوي عليه من أشكال، تتدخل في بلورة ملامح شخصيته، وبالتالي في شخصية الفرد والتأثير على سلوكه ونمط عيشه أحيانا بالسلب وأحيانا أخرى بالإيجاب.

ولقد كان للثقافة أن تمر عبر المنعطف الأنثروبولوجي لتحديد الإطار النظري العام الذي يشمل تعدد التعاريف التي تعطى لمفهوم الثقافة خلال المئة سنة الأخيرة. 

فكلمة ثقافة، ونظرا للانتشار والنجاح الذي حظيت به، أصبحت ضحية تنوع السياقات التي استعملت فيها الشيء الذي جعل إدغار موران Edgar Moran يصفها بالكلمة الفخ يقول: "الثقافة بداهة خاطئة، كلمة تبدو وكأنها كلمة، ثابتة، حازمة، والحال أنها كلمة فخ، خاوية، منومة، ملغمة، خائنة"([1]).

إن صيغة "الثقافة" قد ابتدعها ألفريد فيبر الذي عرف الحضارة على أنها جملة من المعارف النظرية والتطبيقية غير الشخصية، معترفا بإنسانيتها وصلاحيتها، بينما عرف "الثقافة" على أنها جملة من العناصر الروحية والمشاعر والمثل المشتركة التي ترتبط في خصوصيتها بمجموعة وزمن معينين.

لقد انتقلت لفظة الثقافة في تعريف ألفريد فيبر من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع حيث دخل مصطلح "ثقافة" في صيرورة التنشئة الاجتماعية"socialisation" على اعتبار أن ما هو ثقافي لا يورث بيولوجيا، وإنما يُنقل عن طريق التعلم، فالثقافة إرث اجتماعي وهي ما يتعلمه الفرد للعيش في مجتمع خاص، على اعتبار أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يخلق ثقافة، وهو التعريف الذي اعتمده هرسكوفيتش عندما قال: "الثقافة هي ما يصنعه الإنسان في البيئة"([2]). غير أن إدغار موران دعا إلى الربط المنهجي لكل الثنائيات التي يمكن أن تخلق الالتباس في دراسة الإنسان من جملتها الثنائية الضدية إنسان/حيوان، ثقافة/طبيعة، حيث قال: "من المفروغ منه أن الإنسان لا يخترقه أي سور صيني يفصل بين جزئه البشري وجزئه الحيواني، من المفروغ منه أن كل إنسان هو كلية بيولوجية بسيكولوجية سوسيولوجية"([3]).

لقد ساهمت أسئلة النقد الأدبي بشكل متميز في تحليل أشكال العلاقة بين الإنتاج الفكري والثقافي ومعطيات البنية الاجتماعية، فقد ساهم لوسيان غولدمان في بلورة العلاقة المباشرة بين مضمون النص الأدبي والواقع المعطى، حيث اعتبر أن العلاقة الأساسية بين الحياة الاجتماعية والخلق الفني لا تهم مضمون هذين القطاعين في الواقع البشري، وإنما تهم فقط البُنى العقلية، أو ما يمكن أن نسميه المقولات التي تنظم في الوقت نفسه الوعي التجريبي لمجموعة اجتماعية معينة والعالم الخيالي الذي يخلقه الكاتب"([4]).

  إن المبدعين للقصة والقصيدة والمسرحية والرواية..."ينتمون إلى فئات بين المثقفين يؤدون أدوارا قد يعونها وقد لا يعونها لصالح أصناف أو طبقات معينة"([5])، فلا يمكن تفسير حدث فكري بدون التطرق للوظيفة الاجتماعية والسياسية لهذا الانتاج لأنها تشخص بعدا من أبعاد الواقع.

ويعتبر الجمال الأنثوي المبثوث داخل هذا المنتوج الأدبي محط اهتمام الثقافة كنسق ومن ضمنها الثقافة العربية التي تشكل فيها الجسد الأنثوي في اتجاه اعتباره كأحد رموزها القوية في الإنتاج والتلقي.

  1. الجمال الأنثوي والنسق الثقافي

لقد تم الاعتراف بالجمال الأنثوي في المجتمعات المعاصرة، باعتباره قيمة ثقافية واجتماعية في ذاتها، فبالموازاة مع عشق الانسان للحياة ورموزها، يعتبر الجسد في حد ذاته أهم رموزها الثقافية، حيث أصبح يشكل قيمة رمزية بذاته ولذاته، ثم تلا ذلك مرحلة أصبح فيها الجزء معبرا رسميا عن الكل، وأصبحت بعض سمات الوجه أكثر دلالة من سائر الجسد باعتبارها جزءً أكثر فردية وأكثر خصوصية، ومرتبطة عضويا بتحديد الأنثوي، وبذلك احتلت أعضاء الجسد : الوجه والعجيزة، قطب اهتمام النسق من حيث شيوع تداولهما في الخطاب الجمالي المتعلق بجسد المرأة، ولمّا تلخَّص جمال الأنثى في تركيز النسق على جمال الوجه، استغرق هذا الاهتمام حقب تاريخية مهمة ووقتا طويلا في التشكل، وبذلك كان جمال الوجه مصدر كل حقول التمثلات الثقافية العامة المتجذرة في المجتمع العربي: في أقوالنا وأفعالنا وخطاباتنا ولا وعينا، وكذا في الأشكال المتخيلة التي يستبطنها الفرد عن نفسه، كما حدث في العصور الأدبية التي مرت معنا، ونأخذ هنا على سبيل المثال ما جاء في بهجة المجالس من تأكيد على جمال الوجه باعتباره من محددات الجمال الأنثوي، فغالبية أوصاف النسق الثقافي، حددت جمال الوجه وركزت عليه، هذا مع العلم أن العجيزة استُهلكت بنفس قوة التعاطي مع جمال الوجه :" قال بعض حكماء أهل الأدب: كمال حسن المرأة أن تكون أربع أشياء منها شديدة البياض، وأربعة شديدة السواد، وأربعة أشياء شديدة الحمرة، وأربعة أشياء مدورة واسعة، وأربعة ضيقة وأربعة رقيقة، وأربعة طيبة الريح، فأما الأربعة الشديدة البياض فبياض اللون وبياض العين وبياض الأسنان وبياض الظفر، وأما الأربعة الشديدة السواد فسواد الرأس والحاجبين والحدقة والأهداب، وأما الشديدة الحمرة فاللسان والشفتان والوجنتان واللثة. وأما المدورة فالرأس والعين والساعد والعرقوبان. وأما الواسعة فالجبهة والعين والصدر والوركان. وأما الضيقة فالمنخران والأذنان والصرة والفرج. وأما الصغار فالأذنان والفم والرجلان. وأما الرقاق فالحاجب والأنف والشفتان والخصر. وأما الطيبة فالأنف والإبط والفرج. وأما العظيمة: الهامة، المنكبان والأضلاع والعجز." ([6]). كما أخذ الوجه حيزا مهما من الوصف والتركيز على تقاطيعه في "تحفة العروس" ، حيث استقطب أوصافا جسدية تشهد للمرأة بالجمال والكمال الجسدي، فقد قال صاحب التحفة واصفا المرأة بأوصاف تتعلق ب:" الصباحة في الوجه، والوضاءة في البشرة، والجمال في الأنف، والحلاوة في العينين، والملاحة في الفم، والظرف في اللسان، والرشاقة في القد واللباقة في الشمائل وكمال الحسن في الشعر"([7]).

وقد عبَّرت امرأة كل العصور بجمال الوجه عن انخراطها الاجتماعي والثقافي، هذا الجمال الأنثوي الذي قورن بعمل الشيطان في العصور السوداء([8]). كما سمح للمرأة أيضا بأن تنتقل من وضعية الشيء إلى وضعية الموضوع، دون أن يتجاوز بها الجمال الوضعية الشهوية نظرا لطابعه الأنثوي، وهو نفس الشيء الذي تأكد في جسم الثقافة العربية من خلال: طوق الحمامة، حيث نحث ابن حزم مكانة متميزة للوجه في مفهوم الجمال الأنثوي، مفهوم الجمال تأثر كثيرا بعلاقة المرأة بالطبيعة والحضارة. فبياض البشرة دلالة على أن المرأة تُخْدَم ولا تَخْدُم. ومن ثم كانت المرأة "المدينية" في أعين العرب أكثر جمالا من المرأة الريفية التي تتعرض لعوامل الطبيعة.

 ولهذا كانت الأهمية التي تعطى للمرأة على المستوى الثقافي ممثلة في المضمون الأنثوي المقرون بالجمال، حيث يكون الوجه عنوانا لهذا الجمال، هذا ما رسخته الثقافة الفحولية حسب شروطها التاريخية عند توصيفها لصورة المرأة وهي تسوق الجسد الإمتاعي باعتباره شرطا وجوديا ووظيفيا، فيصبح الوجه علامة وأيقونة تختزل كل جسد الأنثى، بما فيه نتوءاته وفجواته الشبقية، إن هذا الاختزال يجعل المرأة صفحة بيضاء قابلة للانكتاب بقلم مذكر بحسب املاءاته الاستيهامية، حيث يتم تفحيل المضمون، بالرغم من أن دمغة الشكل يحتلها التأنيث بامتياز.

  1. التفحيل الثقافي للجسد في الخطاب الأدبي العربي

لقد صاغ الخطاب الثقافي العربي متخيله حول الجسد الأنثوي بداية، من خلال الصورة الشعرية التي اتسمت بفاعليتها في رسم صورة المرأة الجميلة، ليس فقط من حيث تأكيدها شعريا، كما مثل ذلك الشاعر الدارمي في بيته الشعري المشهور([9])، بل أيضا من حيث الصورة السردية، وذلك عبر تسريد الجسد من خلال الأنثى ذاتها، وهو يمرّ عبر ممكنات الوصف التي تحتفي بالتفاصيل ، فقد جاء في وصف الأنثى التي تُغْرِي للرجل ما قالته عجوز يقال لها عصام، أرسلها الحارث ابن عمرو بن حجر جد امرئ القيس ملك كندة لتخبره عن أوصاف ابنة عوف بن محلم الشيباني، وقد أُخبر بكمالها وجمالها وقوة عقلها، ولما عادت استنطقها بالقول المأثور:" ما ورائك يا عصام "، قالت :" رأيت وجها كالمرآة المصقولة يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضهورة إن أرسلته خلتها سلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل، ومعه حاجبان كأنهما خطا بقلم أو سودا بفحم قد تقوسا على مثل عين العبهرة [ البقرة الوحشية] التي لم يرعها قانص... وبينهما أنف كحد السيف الصنيع، حفت به وجنتان كالأرجوان في بياض كالجمان شفافية فم كالخاتم، لذيذ المبسم، فيه ثنايا ثغر، ذات استر، تقلب فيه لسان بفصاحة وبيان، بعقل وافر وجواب حاضر، تلتقي فيه شفتان حمراوان تجلبان ريقا كالشهد إذ ذلك، وفي رقبة بيضاء كالفضة ركبت في صدر كتمثال دمية ، وعضوان مدمجان، يتصل بهما ذراعان ليس فيهما عظم يمس ولا عرق يحبس.. نتأ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين يخترقان عليها ثيابها، تحت ذلك بطن طوى على القاطي المدمجة، كسر عكنا كالقراطيس المدرجة، تحيط بتلك العكن سترة كالمدهن المجلو ..."([10])، وتختم وصفها متجاوزة وصف الباقي بحجة أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو شعر.

تعتبر هذه الصورة التي نسجتها عجوز ملك كندة عن الجسد الأنثوي نموذجا مسكوكا في الذهنية العربية، فالوصف هنا لا يفرق بين الوصف البلاغي الآتي من المتخيل وما بين المستوى الإبلاغي التواصلي أمام الملك، فالواصفة هنا: " تتكلم في زمن غير زمن الرؤية المباشرة للجسد الأنثوي تصفه لجسدها وذاكرتها، أي بقدرتها الأنثوية على تعرية جسد الآخر باللغة في حضرة المتلقي" ([11])، فهي بذلك قد وافقت الصورة التي ينتجها النسق الثقافي عن الجسد الأنثوي وأكدت حمولته المتمثلة على شكل صورة ذهنية لغوية، باعتبار تلاحمها مع المتخيل حيث تُبنى بلاغيا.

لقد أتت الصورة الأدبية للمرأة في ذاكرة الشعر العربي مماثلة لصورة المرأة في العصر الجاهلي نظرا للتشابه في المحاسن المعتمدة على مغازلة المخيال الذكوري من خلال مرجعية اللغة: "ومن هنا نستطيع أن نزعم أن اليعْرُبِي امتزج مع بعيره امتزاجا فذَّاً بل إنه تماهى فيه حتَّى يمكن أن يقال إن هناك عملة واحدة لها وجهان: وجه إنساني هو اليعربي وآخر حيواني هو البعير"([12])، حتى أن عجوز ملك كندة لم يخل وصفها للمرأة من وصف الخيل وشعر أذنابها والبقرة وعينيها، ولهذا كان سحر المرأة الجاهلية والصورة التي رسمها الشعراء لها، تمثل الذوق العربي أصدق تمثيل، تُجسد تلك الوحدة المشتركة للوجدان العربي والتي تأكدت في الثوابت الفنية والتخيُّلية التي تنتظم ببنية القصيدة العربية، بنية حية للخلق الفني تُشكلها الوحدة النفسية والشعورية التي جعلت من مقومات الجمال خاصية مشتركة في شعر الغزل ف:" كل حبيبة، صورة مثالية للمرأة العربية التي لفتت الأنظار وسلبت الألباب ودخلت القلوب دون استئذان "([13]). وقد تحدث خليل رفيق عطوي عن هذا السحر الذي "يكمن في تكامل أوصافها، فالعيون نرجس تفعل في المرء فعل الخمر والسهام، والحواجب قسيّ على الجبين الصبوح، والشعر ليل يتدلى على المثنين فيحيط وجها كأنه الشمس أو القمر نورا يشعشع في الخدود الوردية والثغر أقحوان واللَّمى خمر، والريق شهد والأسنان لؤلؤ"([14])، كل هذا يدفع بالبحث إلى تأكيد الصورة المثال للمرأة العربية وجسدها، فهوس العربي بثقل العجز وامتلاء الساق يؤكد الرؤية الشبقية للمجتمع العربي الذي رسخت فيه اللحظة الجنسية ولو على صعيد المتخيل، ذلك الترابط القوي ما بين الشهوة والمتعة والنموذج الجمالي، وقد شهدت العصور اللاحقة حتى حدود العصر العباسي تحولا في وضعية الليبيدو الذي تحول من النموذج الجسدي المكتنز إلى النموذج الجسدي المجدول والممشوق حيث تم تشبيه المرأة بالغصن البان، لهذا "فإن اليعاريب قد ابتدعوا ما يمكن أن نسميه (تناسخ الأجساد ) وخلاصته أن تغدو الامرأة على هيئة الناقة في بعض الأجزاء وعلى صورة الفَرْسَة أو الحجر أو الفُريسة في سائر الأعضاء" ([15]) .

إن حضور النموذج السائد والمألوف والتعامل معه على مستوى المثال استطاعت الذات العربية استحضاره في جل الموضوعات الممثلة له، بما أن الذات هي الضامنة لوحدة هذه الموضوعات، "فإذا كان الشاعر العربي قد بلغ الذروة في التخييل القصصي من خلال وصف الناقة وتصورها بقرة أو ثورا أو نعامة أو قطاة، فإنه قد ظل ملتزما بهذا الاتجاه العام، مما يدل على أن وصف الناقة كان محكوما بتقليد تخيلي ترسخ منذ الزمن " ([16]) .

إن أنْوَقَة صورة المرأة الجاهلية لدى الأعرابي حقيقة وعتها المرأة الأعرابية : "فجهدت جهدها لتشكيل بدنها على مثال بدن الناقة في بعض وعلى رسم بدن الفرسة في بعض الآخر"([17])، فأصبحت تقبل بأربع وتدبر بثمان، عجزاء مدبرة وهيفاء مقبلة كما جاء على لسان كعب بن زهير. فالعربي لا ينظر إلى امرأته إلا من خلال ملامح الناقة والفرسة اللتان يملآن عليه حياته وتشكيلات حواسه، وقد كان من الطبيعي أن يصبح المقياس" الناقوي" هو المقياس الذي يقيس به الأعرابي المرأة. وكانت صورة المرأة في الأدب كما في الواقع مقرونة بالبدانة التي تؤهلها للقيام بوظيفة الأمومة والخصوبة الجنسية. إن الأعمال الفنية اللافتة للنظر في تماثيل ما قبل التاريخ كانت تماثيل المرأة المصنوعة من الحجر الجيري، تمثل امرأة بدينة في كل أعضائها تلميحا لوظيفة الأمومة. واستمرت المرأة صدىً لتهويمات الأديب، حين غلغل النظر في جسدها وتمادى في التعبير عن ميله إلى هذا الجسد، بما فيه من إغراء وفتنة ألهبت أنينه فكشفت ظنونه، فالمرأة عنده سمينة، ضخمة العجيزة، ثقيلة الأرداف، ولهذا فلو كانت نساء الأعراب رسحاوات لما احتاج الإسطير إلى هذا الكم الهائل من المنع والتضييق على المرأة في لباسها وزينتها، ولما انتمى الجسد الأنثوي لدائرة المقدس.

إن العين الليبيدية للأدب العربي كانت منخرطة في تشكيل التقطيعات الجسدية لنحث صورة المرأة المثال التي اكتملت فيها أوصاف الجمال، فرسم النسق خطوطها العامة والخاصة، فبلغت حد الكمال بين الوصف الواقعي والمتخيل، حيث عبّر الشعر القديم عن قمة ما أنتجته حضارة العين، باعتبارها أداة الاستقبال التي يجري التركيز عليها كمركزية ثقافية تُزكي الاشتغال على حاسة البصر وتهمش الباقي، حيث أصبح الجسد يستقبل العالم عبر حس واحد، البصر، ويرسخ نفس الصورة عن الجسد الأنثوي على المستوى البلاغي، ف:" تخييلية الجسد الأنثوي تقف وراء متعة مزدوجة بصرية وخطابية تسامت بالجسد الواقعي وخلقت منه جسدا ثقافيا خاضعا لتطور السنن الجمالية وتحولاتها " ([18]).

ويظهر مع ذلك أن صورة المرأة تلك قد عُرضت مثالا منزوع الحركة أو أداة رمزية قابلة للتوظيف خارج حضورها المُنتج، فهي في كثير من التمثلات سلبية وعاجزة عن الحركة:" فكل ما نتلقاه من آداب وتراث عن المرأة هو نتاج هذه الصورة الخرساء لذلك الجسد النائي" ([19]). فتساوت المرأة العادية بالمرأة المؤلهة في الثقافة العربية، إن النسق الثقافي لم يردهن للكلام في الواقع المحسوس، بل اصطفاهن ليحلِّقن صامتات ساكنات في سماء الخيال، في حين حافظ الجسد بين هذا وذاك على خصوبته وحضوره الجنسي الشبقي والأيروسي في الواقع كما في التمثلات.

  1. الجسد الأنثوي وأسبقية الثقافي على الوظيفي

يملك الجسد الأنثوي من الإمكانيات ما يجعله موحيا بمجموع النسق الثقافي وهو في حالة جمود ومستغن عن الوحدات الإيمائية، وقد يوحي بالمكونات الثقافية وهو على طبيعته يمشي أو يشرب أو يأكل، ويخبر بالجسد ومكانته الاجتماعية في رسائل قد ترتبط غالبا بالملابس والحلي وحالاته الطبيعية أو التجميلية، وقد فرضت الطبيعة على المرأة كما يقول مؤلفا "الإشارات الجسمية": " أن تفوق الرجل في استنطاق الجسم لتوجيه الرسائل والرموز المختلفة للآخرين، فهي تصفف الشعر وتلون الشفتين والخدين، وما حول العينين بألوان الصباغة والرسم، وهي قد تفلح السن بين الشفتين، وقد تضع نقطة الخال تحتهما، وتزين العنق واليدين والرجلين بالمحالي، وتختار من أنماط الزي واللباس التي تخفي أو تكشف عن أجزاء معينة من الجسم تتفق وعرف المجتمع الذي تنتمي إليه. كما تلجأ أيضا إلى وشم مثل الرجل وتختار من الأشكال والخطوط ما يناسب أنوثتها، وهي تعمل بذلك لتوجيه أول وأهم رسائلها التي تتمثل في لفت نظر الرجل"([20]).

فالسياق الثقافي يعتبر من المكونات الأساسية للنسق الثقافي الذكوري وغالبا ما تحصره رؤية الرجل للعالم في طبيعته الثقافية ويتم الاستغناء عن الفعل الوظيفي مما يخلق للجسد الأنثوي وانفراجاته سيمياء مهووسة بالتأويل. فالحركات الثقافية أنتجتها هذه الرؤية وفق قوانينها الخاصة مدعمة لما يمثله الجسد، ويختفي في لاوعي هذه الرؤية التركيز على جسد الرجل، بما هي أسس ثابتة من شأنها أن ترسخ هذه الرؤية للعالم باعتبار الجسد الأنثوي متلقِ فقط لا صانع التمثلات، بالرغم من أن مجمل مدركات الجسد لا تعكس حسب هذا المنظور الذكوري سوى اكتمال المشروع الثقافي الذي سهر الرجل على تأسيسه، وترسيخه في الأسطورة والميتافيزيقيا، والفلسفة والدين والقانون والفن، وجمده في اللغة فأصبح جسدا من مقوماته الإبستيمولوجية الإيحاء في الصمت والحركة.

إن وجود الجسد الأنثوي مرتبط بفضاء التوقعات التي يُحمل عليها كقراءة للنسق الثقافي المسبق، وإذ هو يخضع للسكون، ينتظر المعنى من العين التي ترى، المعنى الذي يأتيه من النسق، المعنى الذي يحمله ويبعده عن الجسد المحسوس، وتستعمل المرأة كل أنواع الحُجُب لإخفاء المعطى الوظيفي المحسوس من الجسد لتلائم تصورات الثقافة الذكورية: " فليس في طبع الثقافة الذكورية أن تتحمل أو تقبل "واقعية" الجسد المؤنث، ومن الضروري لهذه الثقافة أن يكون التأنيث قصيا ووهميا لكي تظل الأنوثة "مجازا" ومادة للخيال. وفي هذه الحالة فقط تكون الأنوثة جذابة ومطلوبة في المخيال الثقافي، وتنتهي جاذبيتها بمجرد تحولها إلى واقع محسوس"([21]). وهذا ما تعيه المرأة جيدا وتحاول أن تغلف به واقعية جسدها، حتى يمكنها أن تتاجر بمفاتنها التي سما بها النسق الثقافي نحو المثال، تقول لوسي إيريغاري في ذلك:"على الرغم من جمال جسدها[المرأة]، وعلى الرغم من أنها تتزين بالذهب من أجله[الرجل]، فهي تبقى متحفظة ومتواضعة ومحتشمة فيما يخص عضوها. فهي شريكة في إخفائه. ففي هذه اللعبة المزدوجة، تعري المرأة جسدها، وتتبرج، وذلك لكي تحفظ فرجها بصورة أفضل، ولئن كان لـ"لجسد" المرأة من "فائدة" أو "قيمة" تذكر، فإن ذلك يتم شريطة أن تستر عضوها، هذا "اللاشيء" المعد للاستهلاك والمتخيل Fantasmé. فكيف يمكن المتاجرة بهذا الشيء الهزيل والأجوف؟ ينبغي على المرأة كي تلقى رواجا، أن تحجب هذا الشيء المهين والبخس mé-prix الخاص بها"([22]). إن واقعية الجسد إذن تضعه موضعا متدنيا في سُلم الاهتمام، ومن ثم تصبح الرغبة من المعطيات الأساسية التي تشغل فراغ الجسد وتشعره بالحياة، حيث يتنكر الجسد لتصرفاته الآلية ويموقعها ضمن الأنساق الرمزية. يقول روجي دادون: "بالرغبة يتملص الجسد من تصرفاته الآلية ويجعلنا نتذكر بقوة، بالرغبة يتحين الجسد، يهتز، ويدرك نفسه باعتباره نبضا حيا، بها يجعل نفسه حاضرا ثقيلا رشيقا متوسلا أو آمرا"([23]).

  1. تسريد الجسد في النص الأدبي العربي

تسرد المرأة الأديبة الجسد الأنثوي وهو مُتخم بفضاءات رمزية متعددة، معتمدة على ألق اللغة وشاعريتها وإنسانيتها، إنها تضع رغبتها في اللغة قبل أن تودعها جسدها، إن الجسد يلخص في نفس الآن تطلعات النساء، إحباطاتهن ومظاهر استعبادهن، فكما عرفنا مع سرد عجوز ملك كندة الكيفية التي بنت بها الجسد الأنثوي ماديا، نعرف مع الروائية غادة السمان بناءها للجسد الأنثوي ثقافيا، تقول في قصتها "الخاطبة" واصفة التراث الأنثوي، وهو يشتمل على أمنيات لاواعية للعريس، وعلى أوصاف العروس المثالية في المجتمع العربي الحديث، تقول: " عروس نادرة يا ابني. لها فم تأكل وليس لها فم يحكي. ما قبّل فمها غير أمها. لاتغادر البيت دونما استئذانك إلا إلى قبرها. لا تلد إلا الصبيان. خادمة في النهار وجارية في الليل. خاتم في أصبعك تديره كما تشاء وتخلعه حين تشاء. وإذا فركته قال لك شبيك لبيك عبدتك بين يديك" ([26]). وتتابع الخاطبة عرض "سلعتها" التي تستحي من أكل الموزة أمام الناس تقول:" عروس نادرة بيضاء شق اللفت، تقول للقمر قم لأجلس مكانك. لا تفك الحرف كي لا تفسد القراءة أخلاقها ولا ترى التلفزيون إلاّ بأمرك. لا ترتدي الأحمر إلا في البيت أمامك. لا تنشر الغسيل على السطح إلا محجبة خوفا من كلام الناس وعيون الجيران والشيطان . الكلمة في البيت لك والسكوت والسمع والطاعة لها. أيا كان ما تقول تجيب: أمرك سيدي يا تاج رأسي. لا تستمع في الراديو إلا إلى البرامج الدينية وبرامج الأطفال مع أولادها. لا تقول كلمات مثل "موزة أو خيارة أو بيضة" إلاّ وتضيف عبارة " بلا معنى" بعدها لكي تتبرأ من الإيحاء بمعنى جنسي. بنت 14 سنة تصلح لزيجة الدهر." ([27]).

  وقد سردت المرأة المغربية كأختها العربية الجسد معبرة عن الفرح والحزن جاعلة جسدها متورطا في هذا الاحتفال منتشيا أو متشكيا، وهي تنخرط في موجة الجسد الأنثوي المتخيل التي تجتاح حاليا المجتمعات الحديثة، باعتباره أنموذجا للجسد الجميل، الممتلئ، المعافى والقوي.

 لقد كتبت المرأة بالأدوات السائدة والمتمثلة في القول الذكوري الوحيد والمهيمن، وهذا القول الخاص جعل منها موضوعا، لأنها عندما تكتب تقول قولا يمتلك الرجل ناصيته وبداياته التاريخية على الأقل، ففيما راكم الرجل القول اللغوي عبر العصور، شكّل ملامح العالم وصاغ إثر ذلك أدواته اللغوية والمعرفية، ولما تريد المرأة الكاتبة، أن يُنظر لها باعتبارها ذاتا وليس موضوعا لزمها، البحث عن الأدوات التي يتم بها تشكيلها للعالم على صورتها، وإذ تستعمل المرأة الجسد بصفته أداة للتواصل مع العالم، يعتبر من أكثر الأدوات إظهارا لاختلافها، كما يجعلها منسجمة مع ذاتها الحقيقية، ويعطي لقولها طابع الحضور باعتباره امتدادا للجسد، وبذلك توزعت صورة المرأة من خلال الوضعية التسلطية للمجتمع إلى صورتين:

1) صورة المرأة المثال وهي تسكن المجرد وتبيح في علاقتها الاستيهامية مع الرجل كل شيء.

 2) صورة المرأة في وضعية اجتماعية واقعية تحكمها قوة القهر وسلطة الملكية .

إذن:

  • أين المرأة من جسدها وأنوثتها ؟
  • ماهي علاقة جسد المرأة بالكتابة؟
  • هل كتابة المرأة انفتاح للغة اللاوعي أو خضوع للسلطة؟.
الخاتمة:

لقد نادت النساء في بداية الحركة النسوية بقلب الأدوار ونقل السلطة من تسلط الرجل على المرأة إلى تسلط المرأة على الرجل، واستقر الرأي أخيرا على إعادة العلاقة المتكافئة والمتحررة بينهما، وهذا النضال يجد منطقه في المستوى الثقافي، غير أن المرأة بدأت تركز داخل منطقة الصراع على سلاح الجسد، جعلت منه سؤال خصوصية يُقحم الذات طرفا أساسيا في مشروع الكتابة، باعتبارها غاية ومشروعية في المطالبة بحقوقها وواجباتها، فعكست بذلك أساسا، توجها أنثويا جديدا يتفرد في الرؤيا والتجربة، ذلك أن تمايز كتابات المرأة، واختلافها عن كتابات الرجل يرجع بالأساس إلى الاختلاف الكائن في تفاصيل رؤيتها للعالم، واقترنت العلاقة بين الجسد والكتابة باقتران الوعي الفعلي بالجسد والوعي الممكن للكتابة، واستدعى هذا الوعي إلغاء الانقسام الحاصل بالذات النسائية، كما استدعى ذلك تبني موقف جديد من الذات، أدى بدوره إلى انبثاق رؤية جديدة للعالم، فكان من المحتمل أن يأتي نص المرحلة الأولى في كتابة النساء داعيا إلى تفجير المسكوت عنه بإعادة صياغة مضامينه اللاواعية في أقوال أدبية جمالية خلاقة، واستطاعت الكتابة بذلك أن تُنَفِّس عن الكبت التاريخي للمرأة، فامتلكت بذلك الموروث الثقافي عبر استدعائه واستحضاره وذلك بإطلاق سراح رغبات الجسد. 

قائمة المصادر والمراجع:
  • العربية
  • بهجة المجالس، تحقيق محمد مرسي الخولي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القسم الثاني ص13. نقلا عن: دة. نادية العشيري، ملامح في صورة المرأة من خلال بعض مصادر الأدب الأندلسي ، المرأة والكتابة، سلسلة ندوات 8 ، سنة 1996.
  • التيجاني، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم، تُحفة العروس ونزهة النفوس، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، سنة 1987.
  • حميد لحمداني، الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم (العصر الجاهلي)، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط1، 1997 .
  • حسام الدين، كريم زكي، الإشارات الجسمية، دراسة لغوية لظاهرة استعمال الجسم في التواصل، المكتبة الأنجلو مصرية، ط1، سنة 1991.
  • خليل عبد الكريم ، العرب والمرأة، حفرية في الاسطير المخيم ، الانتشار العربي سينا للنشر ، سنة 1997.
  • رفيق خليل عطوي، صورة المرأة في شعر الغزل الأموي ، دار العلم للملايين، بيروت لبنان، ط1، اكتوبر 1986.
  • السمان غادة، المجموعة القصصية "القمر المربع"، قصة الخاطبة، منشورات غادة السمان، بيروت، سنة 1994.
  • الطاهر لبيب: سوسيولوجيا الثقافة، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط2، سنة 1986.
  • الغذامي محمد عبد الله، "المرأة واللغة – 2 – ثقافة الوهم مقاربة حول المرأة والجسد واللغة"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، سنة 1998.
  • فريد الزاهي ، الجسد الأنثوي في الثقافة العربية من البلاغي إلى المتخيل، ندوة المرأة والكتابة، سلسلة ندوات 8، كلية الآداب بمكناس ، مطبعة فضالة ، المحمدية، المغرب، سنة 1996.
  • كمال علي، الجنس والنفس في الحياة الإنسانية، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سلسلة أبواب العقل الموصدة، ط3، سنة 1994 .
  • مسكين الدارمي، ديوان، جمع وتحقيق عبد الله الجبوري وخليل ابراهيم عطية، مطبعة  دار البصري ، بغداد ، ط1 ، سنة 1970.
  • ندوة المرأة والكتابة، سلسلة ندوات 8 جامعة المولى إسماعيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، سنة 1995.
  • المترجمة
  • إيريغاري لوسي "سيكولوجية الأنوثة مرآة المرأة الأخرى"، ترجمة د.علي أسعد ، دار الحوار سوريا، ط1،سنة 2007.
  • جوليان هيلتون: نظرية العرض المسرحي، ترجمة: نهاد صليحة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، سنة 1994.
  • روجي دادون: "الرغبة والجسد"، ترجمة: د. محمد أسليم، مجلة علامات، عدد 4، سنة: 1995.
  • الأجنبية
  • Edgar Moran “de la culture analyse à la politique culturelle, communication, N° 14, Paris, 1969.
  • Edgar Moran “le paradigme perdu : la nature humaine, Seuil, Paris, 1973.
  • -Goldman (Lucien) “pour une sociologie du roman », Gallimard, col, “Idées » Paris, 1964.
  • M.J. Herskovits ” les bases de l’anthropologie culturelle », Payot, Paris, 1967.

 

الخطاب الثقافي العربي: من النسق الثقافي إلى الرسم السردي للجسد المؤنث
Partager cet article
Repost0
5 juin 2023 1 05 /06 /juin /2023 21:33
الأمن التربوي ورهانات المدرسة المغربية

الأمن التربوي ورهانات المدرسة المغربية
       

د.عزالدين النملي

دراسة محكمة

أستاذ محاضر المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم المغرب

 

مقدمة: لاشك أن الاقتراب من مفهوم "الآمن التربوي" الذي ما يزال في مرحلة التبلور والتشكل، يجعل الباحث منذ الوهلة الأولى يتملكه شعور صادم، حين يروم الإمساك به وهو يسبح في لجته بسبب ما يحفه من مزالق، فيحتار بداية في إنتاج خطاب علمي يتعمق أغواره وأخاديده، لكونه يتأبى عن التحديد، لتشابك موضوعاته وتنوع مرجعياته وهلامية هويته، الأمر الذي يمنحه طابعا تركيبيا ويضفي عليه شمولية واتساعا وانفتاحا، وذلك راجع لأهميته الوظيفية وطريقة اشتغاله، التي لا تعود فقط لطبيعته، وإنما لصفة الدينامية الكامنة في أعماقه وشمولية دلالاته. وتأثيره اللانهائي على .مختلف الممارسات المرتبطة بأشكال الحياة العامة.

Introduction : Il ne fait aucun doute que l'approche du concept de « sécurité éducative », qui est encore au stade de la cristallisation et de la formation, fait que le chercheur possède dès le premier instant une sensation choquante, lorsqu'il veut l'attraper alors qu'il nage dans sa mer à cause des embûches qui l'entourent, et ses sillons, parce qu'elle refuse d'être définie, du fait de l'imbrication de ses thèmes, de la diversité de ses références, et de la gélatine de son identité, qui lui donne un caractère synthétique et donne sa globalité, son ampleur et son ouverture, en raison de son importance fonctionnelle et de son mode de fonctionnement, qui tient non seulement à sa nature, mais aussi à la caractéristique dynamique inhérente à sa profondeur et à la globalité de ses connotations. Et son influence sans fin sur diverses pratiques liées à la vie publique.

ولعل المعاجم العربية( )، ظلت في تناولها لهذا المفهوم حبيسة البعد الديني والخلقي، وهذا أمر طبيعي، لأنها كانت محكومة بالسياق التاريخي والشروط السوسيوثقافية التي تحركت فيها.
في حين أن المعاجم الغربية( )، واعتبارا لمعطى العلوم الإنسانية ونظريات التعلم والفلسفة والسوسيولوجيا ، تقدم دلالة تستجيب للشروط التاريخية الراهنة من حيث الأبعاد والأنواع والوظائف والدلالات والتحولات العلمية.
لهذا يبدو، أن المفهوم من خلال مكوناته الملفوظية، طافح بدلالات تربوية وثقافية ممتلئة بمعاني وقيم إنسانية روحية، مضيء بأبعاد سلوكية وحضارية وتاريخية تمارس حضورها بالاندماج اندماجا كليا، وواضحا في بنيات المجتمع برمته، فتؤثر على الحياة المادية والمعنوية للإنسان، في أفق السمو والرقي بالذات والمجتمع بشكل يحيل على الأمن والأمان والطمأنينة والسلم والسلام.
ومن دون ريب، فإن المؤسسة التعليمية التي تنهض على استراتيجية العمق (التفكير في المعاني والقيم والعلاقات)، هي التي تجعل الفرد مسؤولا عن سلوكاته، يعبر عن قيم الذات التي نسميها بحق شغبا أو عنفا أو إخلالا بالأمن المدرسي. لأنه يتربى على قيم تسمو به عن مثل ذلك بكثير مثل (الاستقلالية، التصميم، احترام الذات، التخلص من الخوف، الثقة بالآخرين)( ).
نستشف من ذلك، أن الأمن التربوي إدراك للذات بكل أبعادها ووظائفها وأدوارها داخل المجتمع في حركية جدلية بينها وبين الآخر فردا كان أم جماعة، إنه احتواء وتمثل القيم التراثية والحضارية المحلية والعالمية في أشكالها المضيئة وتجسيدها على أرض الواقع، وانفتاح على قيم السلام والمثل الرفيعة المستقطرة من التعلمات والمعارف، وكذا انتصار لقيم الحق والخير والجمال، التي تنطق بها الديانات والمذاهب الإنسانية، حفاظا على الأمن والسلم الاجتماعيين.
بهذا المعنى، يغدو الأمن التربوي نهضة شاملة للذات، لضمير الأنا، والأنت، والنحن، كل من موقعه من أجل تجسيد إنسانية الإنسان والانتصار للطّهرانية والفضيلة وتغيير العقليات والسلوكات حتى يصبح كل منا "آمنا" على نفسه وغيره ومحيطه، في استحضار للقوانين الزجرية، وإخضاع الجميع لها كيفما يكون الموقع الاجتماعي أو الاقتصادي، في حالة ارتكاب أي تجاوز يعاقب عليه القانون بتفعيل الآليات القانونية لتقويم مظاهر الانحراف والفساد الإداري، واستغلال النفوذ أو السلطة( ). بهذا المعنى يصبح الأمن صيرورة ترمي إلى الكمال في تصاعدها نحو الإنسان( ) ،تنمية للقدرات الذاتية ليصبح الشخص ملتزما بالمساهمة في الجهود المشتركة التي يقوم بها مع الآخرين لتشييد عصره( ).
وبديهي أن الأمن التربوي، تتنازعه كل أنواع الأمن (الأمن الذاتي والقضائي والقانوني والتدبيري والاقتصادي والمالي والاجتماعي والصحي والمعلوماتي والطرقي والوطني)، ويغلف كل الحقول والمجالات، إنه القطب الرئيس والحاضن للسلم الاجتماعي، لهذه الغاية والمكانة أصبح مطلبا حضاريا ،ومقياسا رئيسا في استقرار المجتمعات والشعوب.
ولعل هذا ما يبرر مقولة "كانط" ،من أن" الحرص على التنشئة الخلقية، ينبغي أن لا يكون الإنسان مؤهلا لشتى أنواع الغايات فحسب، بل ينبغي أيضا أن يكتسب إحساسا يجعله لا يختار إلا الغايات الحسنة، وهي التي يتبناها بالضرورة كل شخص ويمكن أن تكون في الوقت ذاته غايات كل إنسان( ). ويبدو أن المفكر المغربي طه عبد الرحمان قد جعل هذه التنشئة الخلقية، تستغرق استغراقا شموليا كل سلوكات الفرد المختلفة، بقصد تحقيق أمن تربوي فريد، يسع كل شيء، إنها لا تتناول بتعبيره علاقات الفرد بخالقه أو بما سواه من الأفراد في المجتمع فحسب، بل تتناول علاقاته بالكائنات الحية، حيوانات أو نباتات، و لا تقف في توسعها عند هذا الحد، بل إنها تتعداه إلى أن تشمل كل شيء، جامدا كان أو حيا، معنويا كان أو ماديا( ).   
1. الأطر المرجعية الدينية والقانونية والتربوية
تتشكل المرجعية الدينية للأمن التربوي من القرآن الكريم والسيرة النبوية والإسلام وباقي الديانات السماوية الأخرى، ويهمنا هنا الوقوف على الأمن التربوي في القرآن والسنة النبوية،باعتبارهما "الموروث الإسلامي الخالص، لأن نظام القيم الخاص به يستند بصورة أو أخرى إلى المرجعية الإسلامية، وعمادها القرآن والحديث"( ).
يظهر من خلال القرآن والسيرة النبوية، رهان الإسلام الكلي على تأسيس منظومة الأمن التربوي، بشكل يجعل الإنسان يسمو بتربيته وسلوكه قولا وفعلا، فيترك آثارا إيجابية في نفس الفرد والمجتمع، ويؤسس لقيم ترقى إلى الكونية.
1.1. المرجعيــــــــة الإسلاميــــة
    أ) القـــرآن الكريــــم

يستفيد الأمن التربوي في بلادنا من القرآن الكريم، باعتباره مصدرا إلهيا، غني بمعطياته العلمية ومكوناته المعرفية وأخلاقه الكونية، مما يجعله يتسم بالغنى والتنوع، وذلك استنادا إلى مجموع الآيات والتعابير والمفاهيم القرآنية التي تحيل على الأمن، وما تنطوي عليه من أبعاد دلالية وقيم خلقية، على اختلاف السياقات والمقاصد. انطلاقا من تمظهراتها وتجلياتها كما يتضح للمتلقين عموما.
ولعل أول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم "اقرأ"( )، تعبيرا على الأهمية البالغة التي يحتلها الأمن التربوي والإنساني ،باعتباره دستور المسلمين والمغاربة على حد سواء، وأمام كل أنواع الأمن الأخرى لتتوالى بعد ذلك آيات متعددة، نذكر منها كالآتي :
ـ ﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمراتُ كل شيء رزقا من لدنا، ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون﴾( ).
ـ ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يومنون وبنعمة الله يكفرون﴾( ).
ـ ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السَّيْر، سيروا فيها ليالي وأياما آمنين﴾( ).
ـ ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾( ).
ونتوقف عند قوله تعالى المتمثل في دعوة إبراهيم الخليل، لما شيد بيت الله الحرام، قال تعالى : ﴿وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بَلَدًا آمنا وارزق أهله من الثمرات، من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾( )، حيث قدم الأمن على الرزق، من باب تقديم الأهم على المهم. وعلى اعتبار أن الإنسان لا يستطيب له العيش من دون أمن.
وأيضا قوله تعالى لكل الناس : ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾( )، في توجيه خطابه الإلهي لكل الأفراد والجماعات والدول من المؤمنين، أن يتحروا الصدق ويتحلوا بمجموعة من الصفات الإيمانية في الحركات والسكنات من الإخلاص والأمانة ،واستحضار الرقابة ... لكي ينعم الله عليهم بالأمن، على أساس أن أساس السلم والأمن في الحياة ،رهين بالفعل الإيجابي المثمر البناء.
والملاحظ أن الآيات السالفة، حاملة لمعاني الأمن بشتى أنواعه التربوي، الاجتماعي، الاقتصادي والنفسي حسب السياق، وبصيغ صرفية وخصائص أسلوبية متنوعة.
ب) السيـرة النبويـة 
بصفة إجمالية تنطوي السنة النبوية على نسق قولي، ونظرات حكيمة ممتدة في أرض الواقع العملي، حيث يتبين من خلال السيرة، أن مجموعة من الأحاديث والمواقف النبوية تؤشر على الأمن التربوي شكلا ومضمونا.
فقوله عليه السلام : "طلب العلم فريضة على كل مسلم"( ) وقوله "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله يؤمن. قيل : ومن يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بَوائقَهُ"( ). وكذلك كما ورد في كتب السير والتراجم، عن تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى معالجة مشكلة المهاجرين بعد أن تركوا منازلهم ومتاعهم، وهاجروا إلى المدينة بدينهم، فعمد إلى مؤاخاة المهاجرين والأنصار على الحق والمساواة( )، ثم عملية إطلاق سراح أسرى غزوة بدر الكبرى، على أساس فداء بعض الأسرى مرتبط بتعليم عشرة صبيان المدينة، الكتابة والقراءة( )، وفي فتح مكة استأمن أبا سفيان( )، الذي نادى قومه، من دخل داري فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه الباب فهو آمن( )".
ساهمت هذه الأحاديث والمواقف النبوية في توجيه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية على عهد الرسول، كما أظهرت حرصه عليه السلام، على الترجمة العملية للأمن التربوي سلوكا وممارسة ،من خلال التأمين الاجتماعي والنفسي والمعرفي، كمظاهر للأمن التربوي بكل دلالاته الرمزية.

2.1. المرجعية القانونية - الدستـور
يعتبر الدستور إطارا مرجعيا رئيسا في هذا الباب، إذ يمد الباحث بمادة علمية وقانونية، ويوجه نظره صوب عدد من الأبواب والفصول والعناصر الفرعية، التي يستشف منها المتلقي، عبر مساحته الكاليغرافية بالتصريح أو بالتلميح، تيمات مختلفة تشكل فيما بينها وحدات مستقلة، ولكنها تظهر تضامنا داخليا له قوانينه الخاصة، لتأدية وظائف متنوعة، تكشف عن مقصدية تحيل على حقل الأمن التربوي، نذكر منها على سبيل المثال :
•    إقامة مؤسسات دولة حديثة يتمتع فيها الجميع بالأمن والحرية والكرامة، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة( ).
•    حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما( ).
•    الاهتمام باللغات العربية والأمازيغية، والحسانية .. واللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب .. وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، باعتبارها وسائل التواصل، والانخراط والتفاعل في مجتمع المعرفة( ).
•    تنمية الإبداع الثقافي والفني والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة( ).
•    التمتع بالحقوق المدنية والسياسية( ).
•    توفير تعليم عصري ميسر والاستفادة من التربية البدنية والفنية( ).
•    التعليم الأساسي حق للطفل( ).
•    تأهيل الأشخاص المعاقين .. إعاقة جسدية أو حسية أو حركية وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية( ).
•    تأمين وتتبع وضعية الأسرة والطفولة( ).
•    النهوض بتطوير الحياة الجمعوية( ). 
تبعا لما تقدم، فإن الدستور يضع استراتيجية واضحة، ورؤية طموحه لاستتباب الأمن التربوي، عبر تنزيل مشاريع كبرى لها علاقة بالأمن المعرفي، والحقوقي، والبيئي والصحي، واللغوي، والقضائي، والأسري، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، في اتجاه خدمة القضايا الاجتماعية والإنسانية، بالرهان على تحقيق السلوكات المدنية الصادقة والانفعالات الدافقة، ضمن رهان أمن المجتمع المغربي ككل، في أفق إضاءة الحقائق وإنارة الطريق بعدد من الإنجازات، ذات البعد التواصلي والإنساني والاجتماعي.
3.1. المرجعيــة التربويــة 
إن إدراك المجتمعات العالمية لأهمية الأمن التربوي، ودوره في تحقيق التنمية وبناء المجتمع الحديث، جعلها تراهن على تعميق وتوحيد أنظمته. وقد طالت هذه العملية البنية التحتية : بناء المدارس والجامعات والكليات المتعددة التخصصات وإصلاح الطرق والتجهيز، علاوة على تطوير الممارسات البيداغوجية ومراجعة البرامج والمناهج، كل ذلك خدمة للتنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية( ).
ولعل صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين (2000/2010) باعتباره إطارا عمليا متماسكا في المنطلقات والغايات والأهداف والتصورات، ووثيقة هامة لإصلاح المنظومة التربوية، وتحقيق أمن تربوي في ظل دولة الحق والقانون( )، وذلك من خلال جل الأقسام والمجالات والدعامات والبنود، التي يتكون منها، حيث نلمس، أنه صبّ اهتمامه على تحسين نوعية التربية والتكوين عن طريق تعميم التعليم ضمانا للجودة( )، وتقليص النسبة العامة للأمية بين صفوف المغاربة( ) وإعادة تنظيم وتمفصل أسلاك التعليم والتكوين( )، وملاءمة نظام التربية والتكوين للمحيط الاقتصادي( )، ومراجعة وتكييف المقررات وطرق التدريس والكتب المدرسية والوسائط التعليمية( ) وحفز هيئة التدريس والتأطير في مختلف الأسلاك( ) إلى جانب تحسين الظروف المادية والاجتماعية للمتعلمين والعناية بالأشخاص ذوي الحاجات الخاصة( ) ووضع شراكات وتشجيع القطاع الخاص( ).
وفي سياق مواجهة التحديات المحلية والعالمية الكاسحة ،جاء البرنامج الاستعجالي لتسريع إنجاز إصلاح منظومة التربية والتكوين ، الذي امتد أربع سنوات 2009/2012 وامتاح مرجعيته من ميثاق التربية والتكوين ،على أساس إعطاء الإصلاح نفسا جديدا( )، وبغية إدماج متطلبات الأجرأة،  بتنظيمها في شكل مشاريع منسجمة ومتجانسة، تعتمد المقاربة بالمشروع ،لإتاحة الفرصة أمام تنفيذ البرنامج الاستعجالي.
وقد جعل البرنامج المتعلم في قلب المنظومة التربية والتكوين، وسخر كل المشاريع سواء المرتبطة بالبنية التحتية أو الخادمة للجانب البيداغوجي من أجل توفير الشروط الكفيلة لتحقيق التفوق والجودة بمختلف أسلاك التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، وتأمين الزمن التربوي ليكون في مستوى التطلعات. 
وانسجاما مع منطق التاريخ والتطور، وتماشيا مع التحولات الدولية في مجالات الأمن التربوي وحقوق الإنسان، والمناهج والمعرفة، ولمواكبة التغيرات السريعة للمنافسة القائمة بين سائر المجتمعات، برزت الرؤية الاستراتيجية الجديدة للإصلاح 2015/2030، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، التي تعمل الوزارة الوصية حاليا على بلورة وإرساء استراتيجية تنموية تحقق من خلالها أمنا تربويا يحد من اهتزاز صورة الأمن التربوي، بالرهان على تربية تكون في مستوى حضارة الإنسان المغربي وتاريخه ومقوماته الثقافية والسياسية والاجتماعية.
ويبدو أن تكرار لفظ "تأمين" في الوثيقة "الخطة" على الشكل التالي :
تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين( ).
تأمين تمدرس استدراكي متكامل ومندمج لكافة المنقطعين( ).
تأمين التعلم مدى الحياة( ).
طريقة إبلاغية تؤشر على الرغبة الأكيدة للرؤية الاستراتيجية ،في كسب رهان الإصلاح بواسطة الرافعات المحورية وما يندرج تحتها من عناصر، أبرزها :
ضمان الحق في التربية للجميع، وتحقيق إلزامية التعليم الأولي( )، والتنشئة الاجتماعية والتربية على القيم في بعديها الوطني والكوني( ) وتخويل تمييز إيجابي لفائدة الأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص( )، وإرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية( ). وتطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار( )، والتمكن من اللغات المدرسة وتنويع لغات التدريس( )، وترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة( ).
كل هذا انسجاما مع المقتضيات الدلالية، والمستلزمات المعنوية والمقامات التداولية التي تحيط بهذه الرافعات وما تختزنه من معاني، وتأسيسا لخطوات إجرائية تروم تأهيل الموارد البشرية في سبيل تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ قيم الأمن التربوية في المتلقي ومحاولة إقناعه وتحسيسه بضرورة مواكبة التغيير، وتكريس المبادئ الراقية، والمقاصد الرفيعة التي تشكل في مجموعها سلوكا مدنيا راقيا، يأخذ بأسباب التعلم، ويراعي التفاعل الإيجابي بين المدرسة والمجتمع والأسرة، ويسمح بإزهار القيم المعرفية والأخلاقية، وقيم المواطنة، عن طريق تجفيف ينابيع الأمية والجهل، وتنمية القدرات الذاتية والعقلية للمتعلمين. فقد تأكد تجريبيا مع بيغز Biggs وكوليس  Collisأن المتعلم الذي يخلصه مربّوه من البنية المعرفية الغير مبنية، يحصل عنده انطلاق نموه على ثلاثة مستويات : أخلاقي، للذاكرة، ولقيم المواطنة، ثم يبلغ ذروته إن هو بلغ مستوى البنية المعرفية الممتدة نحو التجريد، مرورا بالبنية المتعددة العناصر Multistructral، وقبلها البنية الأحادية (القدرة على التعامل مع عنصر أو متغير أوحد) فالبنية العلائقية (إدراك العلاقات والتفاعلات)، يصبح المتعلم حينها، مثلا قادرا على إدراك العلاقة بين سلوكه "المتهوّر" المخل بـ"الأمن المدرسي"، وبؤس مصيره( ).
 
2.  مظاهر حضور الأمن التربوي بالمدرسة المغربية
    1.2. المظهر المادي للأمن التربوي

لا يمكن لأي مُتتبع أن يتجاهل المجهودات التي قامت بها الدولة والوزارة الوصية وكل الفاعلين والمقاولين، أثناء تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ويؤكد تقرير حول 50 سنة من التنمية بالمغرب، أن معدل التمدرس انتقل في السلك الابتدائي من 17 % سنة (1956/1957) إلى 46,7 % سنة (1963/1964)، ليصل هذا المعدل مع عشرية الميثاق إلى 94 % سنة (2004/2005)( )، وعملت أيضا على توفير العلاجات الصحية الأولية وإنجاز البنيات الأساسية( )، واجتهدت في إطار برنامج عام لتزويد الوسط القروي بالماء، حيث تمكنت إدارة الدولة من رفع معدل التزويد إلى 60 % سنة 2004( )، وبالموازاة مع ذلك، عملت على تعميم كهربة الوسط القروي PERG، وقد مكن هذا البرنامج من رفع معدل كهربة العالم القروي إلى 55 % مع نهاية سنة 2003( )، والبرنامج الوطني لبناء الطرق القروية الذي انطلق سنة 1995، ويرمي إلى تحسين معدل ولوج السكان القرويين للطرق لكي يتم رفعه إلى 80 سنة 2015( )، وقد انصب انشغال الوزارة في إطار مواصلة تفعيل مشاريع البرنامج الاستعجالي ،على التحقيق الفعلي لإلزامية التعليم إلى غاية 15 سنة، وخصوصا المشروع E1P4 الذي ارتبط بالعمليات التالية :
ـ توفير النقل المدرسي للمتعلمين والمتعلمات بالوسط القروي، حافلات، دراجات هوائية، سيارات رباعية الدفع، وذلك في إطار الاتفاقيات المبرمة بين الأكاديميات والولاية والوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات ANAPEC( ).
ـ تعميم اللباس الموحد في التعليم الإلزامي، للارتقاء بالحياة المدرسية، وجعل المدرسة فضاء للتعايش المبني على الاحترام والتفاهم، وعلى أسس الاندماج الاجتماعي والحماية الجسدية والنفسية والأخلاقية( ).
ـ المبادرة الملكية "مليون محفظة" على مستوى المؤسسات التعليمية بهدف القضاء على الهدر المدرسي( ).
ـ برنامج تسير، الذي يقوم بتحويلات مالية مشروطة، وقد شمل في المرحلة الثانية السلك الثانوي الإعدادي، كل ذلك للحد من ظاهرة الهدر المدرسي والحد من الأمية باستفادة الأسر بالعالم القروي من الدعم المالي( ).
ـ التدابير الخاصة بتحسين ظروف الإقامة بالأقسام الداخلية في شأن أصناف ومقادير المنح( ).
ـ الشراكات الجهوية والوطنية والدولية.
ـ تشييد المؤسسات الجماعية وبناء أقسام ودور الطالبة تشجيعا للفتاة القروية لمتابعة الدراسة، بالإضافة إلى بناء كليات متعددة التخصصات بكثير من المدن المغربية، أو أحياء جامعية ودور للطلبة والطالبات. لكن بالرغم من كل المجهودات،سيظهر أن الإقبال الواسع على التعليم، ما زال يحتاج ويتطلب الكثير من أوراش البناء والإصلاح. 
مما لا شك فيه، أن هذه المشاريع المنجزة تؤثر في السياق الاجتماعي الذي تتحرك فيه، وفي كل مستفيد ومستفيدة، على أساس أن كل واحد يشكل بناء نفسيا وجسديا وروحيا وسلوكيا، لذلك يتفاعل معه نفسيا ووجدانيا، إنه فعل يُخرج الإنسان من دائرة النسيان والإقصاء، إلى دائرة العناية ومركز الاهتمام، مما يجعل الوعي بالأمن التربوي يتقوى لديه ـ ولو تدريجيا ـ ويمنحه الشعور بالانتماء، ويسمح له بالتفاعل إيجابيا مع البنية الاجتماعية والطبيعية.
نستنتج من ذلك، أن هذه البرامج تسمح للمواطن بالاندماج والمشاركة، خاصة عندما تتقاطع مع البرامج والخطط التنموية التربوية والثقافية والروحية، الأمر الذي يدفعه للمضي بشكل تصاعدي لتحقيق إنسانيته.
2.2. المظهر المعنوي والثقافي للأمن التربوي
نتجه في هذا العنصر بسهم التحليل إلى المظهر المعنوي والأدبي للأمن التربوي الذي يسري مثل تيار كهربائي في أوصال المرجعيات التربوية : الميثاق الوطني للتربية والتكوين، البرنامج الاستعجالي، الرؤية الاستراتيجية.
انطلاقا من مجموع الكفايات التي تحرص المرجعيات التربوية الرهان عليها، بصيغ مختلفة، لأنها تمثل الغايات الكبرى، وتكشف عن المقصدية العامة منها،يظهر أن  الإلحاح عليها وتكرارها يكتسي أهمية بالغة وبعدا وظيفيا هاما، يمنح بموجبه الأمن التربوي الحياة والدينامية، ومن أهم هذه الكفايات : الكفاية التواصلية، الكفاية المعرفية، الكفاية القيمية.
 
* الكفاية التواصلية : تتحقق حين تجعل المتعلم في قلب الاهتمام( ) باعتباره محور الفعل التربوي، وفاعلا أساسيا في بناء التعلمات( ) وحين تترك له فرصة الانفتاح على العصر واكتساب اللغات والمعارف( ).وتفتح أمامه الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية( ) والأنشطة الموازية( )، وفي السياق تعمل على حفز التفاعل الإيجابي للمتعلمين( ) وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي( )
وتفتح أمامه الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية( ) والأنشطة الموازية( )، وفي السياق نفسه حفز التفاعل الإيجابي للمتعلمين( ) وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي( ) وتوثيق العلاقة مع الأسرة( )، والانفتاح على المحيط والتفاعل معه( )، والتمكن من اللغات وتنويع لغات التدريس( ).
تنصهر هذه العناصر مجتمعه في بوثقة الأمن التربوي، كمميزات وسمات للمظهر المعنوي، وتنهض بوظائف سامية، تلقي بآثارها الإيجابية على أجواء وقنوات التواصل، لكونها تسمح للذات المتعلمة بإبراز مقوماتها وبناء ذاتها على أساس التفاعل والتلاقح، وتبادل التأثير والتأثر، من خلال التأكيد على محورية ودور الأنشطة الموازية، في إغناء الذات وإشعاعها، وكذا تعلم اللغات الذي يسمح بتجسيد التواصل ،وتذويب كل المشاعر السلبية، ويعطي أيضا لمسؤولي الإدارات التربوية فرصة مد جسور التواصل الاجتماعي مع الأسرة، وكل الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، مما يسمح بإشاعة الثقة بين كل الأطراف، وإقامة بناء اجتماعي متماسك بين الأفراد والجماعات، تعزيزا لقيم المواطنة، وترسيخا لقيم الفضائل الأخلاقية، وتثبيتا للضوابط التواصلية، حفاظا على أمن البلاد ومصالح العباد.
*الكفاية المعرفية:تبرز الكفاية المعرفية بشكل لافت ،في تضاعيف الأطر المرجعية التربوية، من خلال الرهان الأساس على حزمة من الإجراءات والتدابير، التي تلبي حاجات المدرسة المغربية والمجتمع قاطبة، خاصة ـ وكما هو واضح ـ أن الذي يُفلح في القرن الواحد والعشرين، يملك القوة المعرفية والعلمية والأخلاقية والإنسانية، القمينة بصيانة الأمن التربوي ومن أهم الإجراءات المعلنة :
ـ إلزامية التمدرس من السنة السادسة إلى تمام الخامسة عشرة كرهان مجتمعي رئيس( ).
ـ التحرر من الأمية عن طريق التزام الدولة اجتماعيا، بالتربية غير النظامية ومحاربة الأمية، على المدى المتوسط، وفي أفق الإرساء الكلي لمقاربة نوعية تهم التقليص من النسبية العامة للأمية( ).
ـ تعميم التعليم الأولي، الذي يعد القاعدة الأساس لكل إصلاح تربوي، باتخاذ عدة تدابير تهتم بإحداث إطار مؤسسات تختص بالتعليم الأولي، ووضع إطار مرجعي واضح، وعدة للتكوين تؤهل كافة المربيات والمربين، بالإضافة إلى فتح أقسام للتعليم الأولي بالمناطق القروية بمؤسسات التعليم الابتدائي ،وتعزيز تأطير التعليم الأولي بأطر التفتيش، تتيح تقويم المربين( ).
ـ اعتماد التكوين المستمر بكافة الأسلاك( ).
ـ إعادة هيكلة أسلاك التعليم وتحيين البرامج والمناهج البيداغوجية والتقويم والتوجيه، وفي هذا السياق، فقد تمت مراجعة كل برامج ومقررات التربية الإسلامية لمختلف الأسلاك، كما شرعت الوزارة الوصية في تحيين برامج الابتدائي إلى حدود السنة الرابعة ابتدائي( ).
ـ توجيه المقاربات البيداغوجية نحو استهداف التّمكن من مختلف المعارف، باعتماد الكفايات اللازمة لكل مستوى( ).
ـ إدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال( ).
انطلاقا من هذه المداخل الكبرى والدالة، يستشف المتلقي بأنها تتقاطع وتتلاقى جميعها عند الأمن التربوي، ذلك أن إلزامية التعليم ومحاربة الأمية وتعميم التعليم الأولي، وتحيين البرامج والمقررات واعتماد المقاربات البيداغوجية اللازمة، واستعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وتبني فلسفة التكوين المستمر، تحاول بشكل من الأشكال مواجهة الأمية بكل أنواعها ومظاهرها، مواجهة جذرية حازمة، على اعتبار أن كل مظاهرها متكاملة، بالرغم من اختلاف أشكالها وصورها، سعيا لربح رهان الاندماج الاجتماعي، وتجاوز الصعوبات ورفع التحديات المرتبطة بالرأسمال البشري، الكفيل بتجسيد الأمن التربوي، والسمو بكل أنواع الأمن الأخرى سلوكا وتدبيرا وتقويما، والأقدر أيضا ـ في حال نجاح هذه الرهانات ـ على مواجهة قضايا ومشاكل الغد، وتحقيق نتائج إيجابية في شتى مجالات الحياة اليومية، وترسيخ أخلاقيات وسلوكات تصبح قواعد مجتمعية.
*الكفاية القيمية:تتموقع الكفاية القيمية في قلب الأطر المرجعية التربوية السالفة الذكر، لذلك حظيت بأهمية قصوى واهتمام بالغ، اعتبارا لتفشي ممارسات وسلوكات تنتهك منظومة القيم، وتتعارض مع المضامين الفلسفية للرسالة التربوية للمدرسة، وقد جاءت هذه الرؤية القيمية لمحاربة السلوكات المشينة ،من خلال الإعلان عن إجراءات تروم تخليق الفضاء المدرسي والمحيط، حتى تصير المرتكزات القيمية جزءا لا يتجزأ من واقعنا اليومي، ومن الإجراءات والتدابير المعلن عنها نذكر العناصر التالية :
ـ الاهتداء بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية، لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة، المتسم بالاعتدال والتسامح( ).
ـ التشبع بالقيم الدينية والخلقية والوطنية والإنسانية الأساسية( ).
ـ ترسيخ القيم وتقوية الانتماء والحوار بين الثقافات والحضارات ..، ومبادئ وقيم حقوق الإنسان( ).
ـ بناء مواطن متمسك بالثوابت الدينية والوطنية للغرب مُتحلٍّ بقيم المواطن وفضائل السلوك المدني، متشبع بالمساواة والتسامح واحترام الحق في الاختلاف( ).
نسجل هنا، أن الأطر المرجعية التربوية عمدت إلى جعل التربية على القيم سواء المرتبطة بالقيم الدينية أو تلك المتعلقة بالقيم الوطنية، أو الخلقية أو التواصلية، خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، في محاولة لإدماج المقاربة القيمية والأخلاقية والحقوقية في طلب المناهج والوسائط التعليمية في أفق ترجمة هذه الأفكار إلى سلوكات مدنية داخل البيئة المدرسية والجامعية والتكوينية وحسن الانتماء إلى الوطن( ).
ويبدو، أن رهان هذه القيم مجتمعة، خليق بتحقيق أمن تربوي وسلم اجتماعي، على أساس أن استمرار المجتمع وبقاءه رهين بالتشبع بالقيم الإسلامية في علاقة بقيم المواطنة وحقوق الإنسان. إن تجاوز القيم وتعاضد كل من الأخلاق والقانون "يساهم بكل جدارة في توطيد دعائم الاستقرار الاجتماعي والتحضر والازدهار، بينما غياب أو ضعف القيم الأخلاقية في الأمة يؤدي إلى اضمحلالها وتدهورها. أما غياب أو نقص سيادة القانون، فيكرس للصراع الاجتماعي، ويصعد المشاكل الاجتماعية، ويجعل البلاد عرضة للفوضى وعدم الأمن والاستقرار( ).
والجدير بالذكر، أن ترجمة القيم إلى سلوك فعلي وممارسات وتصرفات عملية، في إطار تنمية الكفايات الضرورية في هذا السياق، "يتطلب : تجاوز أساليب الوعظ والنصح والأمر والنهي وتقديم المعلومات والمعارف، إلى اعتماد مقاربات إنماء القيم والاتجاهات وطرائق التربية الوجدانية وأساليب التعلم بالممارسة، والانخراط في أنشطة تترجم القيم والاتجاهات إلى سلوك فعلي يتوافق فيه النظر بالعمل، وتتلاحم فيه الأقوال والأفعال( ).
 
3. أبرز الإكراهات التي تواجه تحقق الأمن التربوي بالمدرسة المغربية
في هذا السياق، سينصب الاهتمام على إثارة نقاش حول أبرز الإكراهات التي ترصدها البحوث التربوية والميدانية( )، فيما يتعلق بالثغرات التي تعرقل تفعيل محاولات الإصلاح المتتالية، دون أن تنجح في تحقيق جانب مهم من ملموسية الأمن التربوي، ودرجة تأثير ذلك على المرفق العام والسلوكات المدنية. الأمر الذي يستدعي البحث عن أسباب ودواعي ضآلة وخفوت مظاهر وتجليات الأمن التربوي والقيمي والإنساني بالمدرسة المغربية. ومما يجعل الأمر مربكا ،أن الاقتراب من هذه الاختلالات الإدارية والتصرفات السلبية للذات والجماعة في مجالات الحياة اليومية، والتي تنتشر في المدرسة، والشارع، والإدارة ...، هو طابعها التركيبي، حيث يتداخل فيها التربوي والنفسي والسوسيواقتصادي والسياسي، لذلك ينبغي، أن يتقصد النظام التربوي العنصر البشري، ويؤهل المدرسة المغربية لكسب رهان الأمن التربوي، عبر إحداث تغيير داخل المؤسسة وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية ..، حتى تتكامل العناصر المعرفية والعناصر القيمية والخلقية والحقوقية، على اعتبار أنه المدخل الوحيد نحو بناء مواطن حامل للقيم المحلية والحضارية والكونية، متمسك بالثوابت الدينية والوطنية والقيم الإنسانية ،التي تصنع له الوازع الذاتي والرقيب الداخلي في الخلوات والجلوات والسر والعلن، ولعل هذا ما حدا بمارتن لوثر إلى القول : "ليست سعادة البلاد بوفرة إيرادها ولا بقوة حصونها، ولا بجمال مبانيها، إنما سعادتها بعدد المهذبين من أبنائها، وبعدد الرجال ذوي التربية الأخلاقية فيها( ).
وفضلا عن هذا وذاك، يمكن أن نحصر أهم مظاهر الإكراهات المشوشة على الأمن التربوي، بحسب الأسلاك التعليمية فيما يلي :
 
1.3. سلك التعليم الأولي والابتدائي:
نسجل منذ البداية أن هناك غياب للتعليم الأولي بالمؤسسة العمومية، وإن كانت هناك استثناءات تتمثل في مؤسسة محمد السادس للتعليم الأولي، التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد، أما بالنسبة للتعليم الخصوصي، فإن حضوره يشكو من نقص حاد على مستوى البنى التحتية والتجهيزات والفضاءات، وأيضا من فقر في التجربة والتأطير والمراقبة، ولعل هذه الحلقة من التعليم الشبه المفقودة ،تنبع أهميتها من كون "التجارب التي يحياها الطفل خلال السنوات الخمس أو الست الأولى من حياته تفرز تركيب شخصيته مدى الحياة. ولهذا فإن عملية تربية الطفل وتثقيفه خلال هذه السنوات أمر حاسم بالنسبة إلى الفرد وبالتالي إلى المجتمع"( ).
أما بالنسبة للمرحلة الابتدائية، فعلى الرغم من إعادة الهيكلة ومراجعة البرامج من السنة الأولى إلى السنة الرابعة ،بشكل يتماشى مع المرجعيات والغايات الكبرى للميثاق في التنشئة الاجتماعية، فما تزال هناك أمور عديدة تؤثر على الترجمة الفعلية للقيم الدينية والخلقية والإنسانية، منها :
•    صعوبة تفعيل الحياة المدرسية لكثرة عدد ساعات العمل 30 ساعة أسبوعيا.
•    ظاهرة الاكتظاظ التي استفحلت بشكل ملفت.
•    نقص في أطر التفتيش.
•    انعدام المرافق الصحية بالوسط القروي، والقاعات المتعددة الوسائط، والقاعات المخصصة للأنشطة الموازية.
•    إعادة انتشار الأساتذة، وعملية الضم دون اعتبار لمصلحة المتعلمين.
•    انعدام الساحات لممارسة التربية البدنية.
•    ندرة التنسيق بين الأسرة والمدرسة، ومؤسسات المجتمع المدني والسلطات المحلية.
•    عدم احترام أوقات الدخول والخروج، وفترات الاستراحة، وعند بداية السنة ونهايتها، وقبل وبعد العطلة، كمؤشرات تدفع إلى طرح أسئلة حول الظاهرة التي اتسعت، حتى صارت عرفا لا يقبل النقاش.
•    كثرة الغياب في صفوف التلاميذ والمدرسين على حد سواء، بسبب الملل والقلق من المستقبل، أو بسبب فقدان الثقة، وتكاسل وتماطل في أداء الواجبات المدرسية ونوع من الهروب من المسؤولية( ).
•    العنف والعدوانية والتمرد على القوانين، حيث أصبح العنف جزء من سلوك عام داخل المؤسسة، لدى التلاميذ ولدى أوليائهم، ولدى العاملين فيها : تكسير للمقاعد والنوافذ، اعتداء على الأطر التربوية ورشقهم بالحجارة، تلطيخ للجدران، التمرد على العمل، تمرد على الواقع، مخالفات سلوكية وأخلاقية مختلفة، وبعض مظاهر الانحراف والإدمان( ).
•    كثرة المواد المقررة وطولها.
•    تشتت الفرعيات بالمجموعات المدرسية وغياب الرقابة الذاتية، يؤثر سلبا على عملية التعلم.
2.3 سلك التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي
من المعلوم أن سلكي التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، يعاني من إكراهات مختلفة، منها :
ـ ارتفاع ظاهرة الاكتظاظ بالمؤسسات التعليمية.
ـ تباين عدد ساعات العمل، حيث تتأرجح بين 24 ساعة و12 ساعة بالإعدادي، وبين 21 ساعة و8 ساعات بالتأهيلي، مما يخلق جوا مشحونا بين الأطرالتربوية ، ومع الإدارة الإقليمية أو الجهوية أحيانا.
ـ غياب النسقية بين المواد التعليمية، إذ هناك فجوات أفقية بين الأسلاك، وأيضا بين بعض المواد التربية الإسلامية والفلسفة، وبين لغة التدريس والمواد العلمية.
ـ الخصاص في بعض الأطر من هيئة التدريس والتفتيش.
ـ تنوع مؤسسات التعليم والتربية، فهناك العمومية والخصوصية، والتعليم الأصيل، والعتيق وتعليم البعثات الخارجية، مؤسسات التعليم الفرنسي والإسباني ..، في غياب تصور واضح عن مواصفات الإنسان والمجتمع الذي نريد الحصول عليه.
ـ تنامي ظاهرة الغش في التقويمات الإشهادية، وتطور أساليبها، اعتبارا لامتدادات الغش السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ـ اهتزاز القيمة العلمية للشواهد المغربية الباكالوريا (مثلا).
ـ تفشي ظاهرة العنف بين مكونات المؤسسات والتحرش الجنسي.
3.3. مؤسسات التعليم العالي :
نتيجة للتحولات والتغيرات التي بات يشهدها التعليم العالي على مستوى البنيات المؤسساتية والنظام البيداغوجي والعلاقة بالمحيط، التي مست في العمق وظائفه وقيمه المعرفية والثقافية، فقد أصبح هذا التعليم من جراء هاته التحولات يواجه العديد من الإكراهات التي تؤثر سلبا على المكانة العلمية و الإشعاعية له، أبرزها:
-    تراجع القيم التربوية وقيم العلم والعقل التي تشيعها الجامعة داخل المجتمع.
-    تراجع المكانة الاجتماعية والثقافية للإنسان المثقف العارف بمعناه الأنتليجنسي: نساء ورجال الجامعة والباحثين والكتاب.
-    ضعف الإقبال على المنتوج الأكاديمي ،بسبب انهيار معادلة الشهادة الجامعية للشغل أو الوظيفة( ).   
ـ الحديث عن حلقات منفصلة وجزر متباعدة بين الشعب، لاعتبارات ذاتية ومذهبية وفكرية واختلافات لغوية.
ـ الصراع الطلابي وتعدد الفصائل وموجة العنف التي تعصف بها أحيانا.
ـ غياب ربما دفتر التحملات، يطرح مشكل التنسيق بين الأساتذة داخل الشعبة الواحدة، لتقريب وجهات النظر وخلق الانسجام والتكامل في الوظائف والأدوار.
ـ اجتثاث مواد الفنون من مراكز التكوين كالموسيقى والرسم والتشكيل.
ـ طابع الارتجالية في إسناد مسؤولية التدريس، عبر خطية غير مستقرة على أسلوب واحد فهناك (التكوين الأساس، الخدمة المدنية، التوظيف المباشر، إعادة الإدماج، التوظيف بالعقدة...) وما لذلك من أثر مباشر على المردودية.
يبدو من خلال ما سبق، أن الرهان الحقيقي ينبغي أن ينصب على إعادة الاعتبار لهيئة التدريس ولدورهم وللمدرسة العمومية، لأنه بالرغم من كل الإكراهات والعوائق، فهي الأقدر على التأثير في الحياة التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لما لهيئة التدريس من دور في بناء الإنسان وتشكيل توجهاته، وإثراء مقوماته الإنسانية، وإنارة عتمة الطريق، وتصحيح السلوك، بتحويل الدوافع الداخلية إلى دوافع خارجية إيجابية، لأن الذي ينمو أخلاقيا لا يحتاج إلى أمن، وما يؤكد هذا الدور الطلائعي للمدرس، قول الباحث والمفكر اللساني عبد القادر الفاسي الفهري، في إحدى حواراته : "إن التعليم ليس هو المدارس الجملية، ولا الميزانيات "المعتبرة" ولا حتى الوسائط العصرية. لقد أفسدنا التعليم العمومي، ونحن في طريق القضاء عليه، لم نرصد الداء بوضوح، وبقينا حبيسي التبريرات والتهربات من تحديد المسؤوليات والتقارير الفوقية. حينما كنا ندرس، كان المعلم هو المسؤول، وإذا لم يفهم التلاميذ أو ينجحوا، يحمّل المسؤولية، وكان المربي مكونا محترفا ومؤطرا بإدارة تربوية مكوّنة ومحترفة ،والكل يحسب الحساب للقيام بالمسؤولية أحسن قيام، وللمحاسبة، كان التعليم والتأطير جيدين للمعلمين، وكانت النتائج جيدة عند من يقدرون المسؤولية، وكانت المحاسبة شرسة"( ).
خلاصــــــة واستشرافـــــات :
إن موضوع الأمن التربوي يحتل مكانة استراتيجية في المنظومة التربوية لأنه آلية حضارية راقية، لتحصين كل المظاهر وحمايتها من إنسان، وطبيعة، وثروات، وعمران، وتراث، وحضارة، وقيم، وتاريخ، من كل سلوك عدواني مدمر، إنه صمام أمان الذات والأفراد والجماعات محليا وعالميا، وأداة للاستقرار الروحي والسلم الاجتماعي، في ظل منتظرات للمدرسة المغربية وما توصلت إليه فعلا، خاصة بعد الرهانات التي تمخضت عن محطات الإصلاح منذ الاستقلال إلى مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي، ثم الرؤية الاستراتيجية المتوسطة المدى التي ابتدأت سنة 2015 وستستمر إلى حدود سنة 2030، على أنه يجب أن نعتبر الإكراهات التي تشكو منها المنظومة طبيعية، لأن التربية قائمة بين ما يجب أن يكون "المثال" وبين ما هو كائن وممكن ،وفق شروط وإكراهات اجتماعية وسياسية واقتصادية، و استحضار أن المغرب يعيش مخاض النقلة الحداثية، وفي نفس الوقت المحافظة على قيمة الدينية والحضارية الأصيلة، وهذه نفسها صعوبة لن تتغلب عليها إلا التربية.
وقبل الختام نتقدم ببعض المقترحات كاستشرافات ،لبلوغ المقاصد المثلى من الأمن التربوي، وهي كالتالي :
ـ إعادة الاعتبار للمدرسة المغربية، واسترجاع الثقة بها وبدورها في تحقيق رهانات الأمن التربوي كممارسة وسلوك ،من لدن كل الأطراف من المتدخلين والفاعلين والشركاء وجمعيات المجتمع المدني، حتى يصير فضاء مرغوبا فيه من طرف الكل.
ـ إحداث حوافز مادية ومعنوية لهيئة التدريس، وتوفير مناخ نفسي واجتماعي، ومناخ تربوي ملائم حتى يشعر بأهميته ودوره، ومدى قيمته من حيث هو فاعل تربوي( ).
ـ الحرص على وضوح التعاقد بين التربوي والاجتماعي والسياسي.
ـ إحداث محترفات للتربية الفنية والجمالية بمؤسسات التعليم المدرسي والجامعي، لمواجهة شتى أشكال التطرف والعنف.
-    تأهيل الرأسمال البشري من حيث السلوك ،و نظم العلاقة بين الإنسان و ذاته ومجتمعه و العالم.
ـ محاولة صياغة مفهوم تكاملي للتربية استجابة لمراكز اهتمام المتعلم.
-    السهر على التنشئة الأمنية بكل أبعادها منذ مرحلة الطفولة المبكرة.
ـ عقد العزم على تجفيف ينابيع الأمية، لأن التاريخ الراهن لا يقبل بين أحضانه الفئات الأمية أو غير المؤهلة لمسايرة المستجدات المعرفية، ولمواكبة الإيقاع السريع للمنافسة القائمة بين سائر المجتمعات.
ـ تنمية الاتجاه الإيجابي نحو التغيير، سعيا لتجاوز الوضع الراهن والمساهمة فيه بفعالية.
ـ إدراج "الأمن التربوي" ضمن مجزوءة من المجزوءات المدرسة بالجامعة والمعاهد العليا، وإقرارها بالبرامج والمقررات بجميع الأسلاك التعليمية.
ـ توقيع الجامعات والمعاهد العليا لشراكات مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية لتأطير هذه المجزوءة.
 - معالجة كل التوثرات القائمة بين بعض المواد و التخصصات،من غير اجترار نفس الأوراق و نفس الأعطاب،و تقاذف المسؤوليات،و ذلك بمنظور الفعالية و النجاعة و المشترك الوطني.
- تضافر جهود جميع المتدخلين من أجل التصدي الحازم للسلوكات اللامدنية ،التي ما فتئت تتنامى داخل مؤسسات التربية و التكوين، وأيضا بالمجتمع
ـ جعل الروحي مشبعا بالروحية وليس مفرغا من كل روحية.
-    العمل على تخفيف الهوة بين الخطاب حول القيم و الحقوق والواجبات، وبين الممارسة الفعلية لها، بالنظر إلى استفحال السلوكات المخلة داخل المدرسة     وخارجها.
على سبيل الختم.
ويبقى التفاؤل يحدونا والأمل ديدننا جميعا، لترسيخ ثقافة الأمن التربوي، التي ليست بالأمر الهين والسهل، ولن تحصل بمجرد إيماننا بضرورة حصولها، لأن الأمر مركب ومعقد وفي غاية الصعوبة، دون أن يعني هذا التخلي عن إيماننا العميق به، لتحقيق الأمن والسلم الاجتماعي، بكل الوسائل المتاحة حتى تتركز إنسانية الإنسان ويتقوى جانبه العقلي والتربوي والتنظيمي والجمالي والتواصلي ،على جانبه الحيواني ليصل إلى اكتماله الأوفر( ).
 
لائحة المصادر والمراجع

  1. •    القرآن الكريم برواية ورش، دار الكتب العلمية، بيروت، ماي 2013.
  2. •    ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت 1994.
  3. •    ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الجيل، بيروت، 1991. إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط.
  4. •    Le nouveau Petit Robert, De Paul Robert, Nouvelle édition millésime 2010, Paris.
  5. •    Le Petit Larousse illustré  وLa Rousse/VUEF 2003 
  6. Entwistle NEel, Style of learning and Teaching chechster, New York 1996.
  7. •    محمد عزيز الحبابي، من الكائن إلى الشخص، دار المعارف، مصر.
  8. •    محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ط. 2، بيروت 2006.
  9. •    الميلود السعيدي، التحصيل الجامعي: مشكلاته المجتمعية وقضاياه البيداغوجية والمعرفية، الجزء الأول، مطبعة أنفو – فاس، ط.1، 2008.  
  10. •    طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، ط. 3، 2006.
  11. •    إمانويل كانط، تأملات في التربية، دار محمد على للنشر، ط. 1، 2005.
  12. •    السيوطي والألباني، مختصر صحيح الجامع الصغير، ط. 1، شركة أنفا للنشر والإنتاج الفني.
  13. •    الإمام البخاري، صحيح البخاري، ط. 1، 1423 هـ.
  14. •    رشيد عبد الله الجميلي، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، مكتبة المعارف، الرباط، ط. 1، 1983.
  15. •    أبو محمد الملك، السيرة النبوية، لابن هشام، دار الكتاب العربي، ط. 2، 1989.
  16. •    دستور المملكة المغربية، صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، ط. 2.
  17. •    رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية.
  18. •    Biggs. G. B. and Collis. K. F., Evaluation The quality of learning : The Solo Taxonomy, sydney : Academic Press, 1994.
  19. •    المغرب الممكن، إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك، تقرير الخمسينية، مطبعة دار النشر المغربية 2006، الدار البيضاء، المغرب.
  20. •    وزارة التربية الوطنية، المذكرة الوزارية رقم 127 بتاريخ 5 يونيو 2010.
  21. •    المدرس وأخلاقيات المهنة، سلسلة التكوين المهني، لجنة الإعداد، خالد المير ومحمد الدويب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001.
  22. •    وزارة التربية الوطنية، التربية على المواطنة والسلوك المهني، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، نونبر 2012.
  23. •    خالد المير ومحمد الدويب، المدرس وأخلاقيات المهنة، سلسلة التكوين المهني، لجنة الإعداد، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001.
  24. •    وزارة التربية الوطنية، التربية على المواطنة والسلوك المهني، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، نونبر 2012.
  25. •    محمد الدريج، المنهاج المندمج، أطروحات في الإصلاح البيداغوجي لمنظومة التربية والتكوين، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة،      ط. 1، 2015.
  26. •    هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الرابعة 1991.
  27. •    الخمار العلمي، المعرفة والسلطة دراسات في التربية والطفولة والجنس، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995.
  28. •    نحو تحديث مناهج التعليم، عالم التربية العددان 6 ـ 7/1999.
     
Partager cet article
Repost0
20 avril 2023 4 20 /04 /avril /2023 23:24
Reevaluating Language Teaching Methods: Is the Traditional Approach Obsolete?

Reevaluating Language Teaching Methods: Is the Traditional Approach Obsolete?

Mohammed Akram Nacif [1]

دراسة محكمة

ملخص 

تعد منهجية تدريس اللغة مسـألة ذات أهمية بالغة لاتزال موضوع نقاش واسع في أوساط أهل التخصص من أساتذة وباحثين. وقد برز مؤخرا توجه يقول ب’ موت المنهج ’بمعنى أننا اليوم نعيش ولادة منهج مستجد أساسه ‘اللامنهج’ في منهجية تدريس اللغة. نقطة البحث في هذا المقال تتمحور حول مناقشة مدى صحة هذا الزعم وهل فعلا نحن اليوم نشهد ‘موت’ المنهج في تدريس اللغة أم أن الأمر لا يعدو أن يكون اعتقادا لا صحة له باعتبار أن اعتماد واستعمال الكتاب المدرسي نفسه يعد ترسيخا فعليا وتكريسا بطريقة غير مباشرة لكل المناهج المتعارف عليها علميا. والحقيقة أنه لا يخلو كتاب مدرسي عند كتابة محتواه من اعتماد منهج ما يكون له مرجعا وإطارا نظريا يعطيه مصداقية وسندا علميا وجودة، ومن تم فكل مدرس، سواء علم بذلك أم لم يعلم، وسواء كان راغبا أم كارها، فهو يتبع منهجية ما، متمثلة في نظرية اللغة التي اعتمدها مؤلفو الكتاب المدرسي وفي الطريقة التي يعطي بها الكتاب الأولوية لأنواع معينة من الأنشطة على غيرها من باقي الأنواع.

الكلمات المفتاحية: اللغة؛ التدريس؛ المنهجية؛ المقاربة؛ الطريقة البعدية.

Résumé

La question de la pertinence de la méthodologie d'enseignement des langues a été largement débattue récemment. Assistons-nous à la ‘mort de la méthode’ ou le manuel a-t-il simplement été une réincarnation de la méthode de manière discrète ? Les enseignants qui croient ne pas adopter ou suivre une méthode spécifique, mais qui utilisent un manuel dans leur enseignement quotidien, sont autant liés par une méthode que les praticiens de la Méthode Directe, ou les défenseurs de la méthode Audio-orale à leur apogée respective. Evidemment, ces enseignants insisteront sur le fait qu'ils utilisent les manuels de manière sélective, conformément à leurs propres principes ainsi qu'aux besoins des apprenants. Mais quelle que soit la sélectivité de ces enseignants, ils sont toujours, volontairement ou non, liés à une théorie du langage, illustrée par la manière dont le matériel du manuel sélectionne et dépeint la langue, et à une théorie de l'apprentissage, incarnée dans la manière dont le manuel donne la priorité à certains types d'activités par rapport à d'autres.

Keywords : Language; teaching ;methodology; approach; post-method.

 

A language teaching method is “the level at which theory is put into practice and at which choices are made about the particular skills to be taught, the content to be taught and the order in which the content will be presented.” (Richards and Rodgers, 1986, p. 19) 

If you briefly survey teachers as to what method they buy into, you will most likely get answers like : ‘I don’t follow a method at all’, or ‘I prefer to be rather 'eclectic'’, and ‘I pick and choose from techniques and procedures associated with a variety of different methods’. Some might even say that, basically, their teaching follows the principles dictated by the communicative approach, itself an amalgam, embracing anything from drills to communicative tasks, and everything that exists in between. But the concept of a monolithic, prescriptive 'method' - as in the Direct Method, or the Oral/Auditory Method – seems now to be dead and done with.

That more and more teachers are less inclined to follow any particular method fits well with the modern prevalent view that we are now living in what has recently been termed a 'post-method' age in education. In his Fundamental Concepts of Language Teaching, Stern revealed that 'several developments indicate a shift in language pedagogy away from the single method concept as the main approach to language teaching' (1983, p. 477). One such development was the failure, on the part of researchers, to find any significant advantage in one method over another. As Richards (1990) stated, 'studies of the effectiveness of specific methods have had a hard time demonstrating that the method itself, rather than other factors, such as the teacher’s enthusiasm, or the novelty of the new method, was the crucial variable' (p. 36). Additionally, acknowledgment of the broad range of changing factors that influence second language learning fuelled a wide ranging discontent with the notion of a 'quick fix', or what, in the social sciences, is sometimes called the 'technical-rational approach', i.e. the belief that social change and improvement can be attained or accomplished through the strict application of scientific method. This had greatly been the spirit that urged the spread of audiolingualism, initially based upon research into animal behaviour. However, the social sciences started witnessing a challenge to 'scientism', especially in the last two decades of the 20th century, a challenge mainly associated with the emergence of postmodernism, and its abandonment of the idea of universalist, objective knowledge. Correspondingly, Pennycook (1989) argued that methods are never 'disinterested', but serve the dominant power structures in society, leading to 'a de-skilling of the role of teachers, and greater institutional control over classroom practice'(p. 610).

Towards the end of the last century, Kumaravadivelu (1994) similarly talked about what he called the 'postmethod condition', a result of 'the widespread dissatisfaction with the conventional concept of method' (p. 43). The idea is rather than readily accepting a single set of procedures, postmethod teachers adapt their approach in congruence with local, contextual factors, while at the same time being guided by a number of 'macrostrategies', more specifically two macrostrategies : 'Maximise learning opportunities' and 'Promote learner autonomy'. Four years before Kumaravadivelu’s work, Prabhu (1990) in a famous article asserted that there is no one method, but that teachers adopt an approach that corresponds uniquely with their 'sense of plausibility.' Thus, rather than blindly following a wholesale adoption of a teaching method, teachers utilize a discreet adaptation of its underlying principles, keeping only what they believe is plausible to put into practice and leaving out what they deem to be less useful.

All that said, and despite what advocates of the postmethod trend have said, it seems preposterous to claim that the notion of method has now completely faded away. In fact, it is still prevalent ;  you can find it anywhere, even if attempts have been made to replace the term itself with synonyms. Check out some internet advertising for language courses, for instance, you will come up against statements like these:

‘Duolingo is a language learning software that is now also available through ... The Duolingo method uses zero english to teach you a foreign language. ... is built around a concept called dynamic immersion, an unique learning method that uses a computer to mimic the ways in which you learnt your first language.’

‘Earworms is a unique language method that relies on audio lessons mixed into music. The theory is that you will find the music catchy and thus remember your lessons easily … it may be suitable for travelers or others who have given up on other methods.’

‘The Busuu method is broadly communicative, and based on how language is taught successfully in classrooms. The focus of each exercise within a course is to give the student something new - usually a word or a phrase - that they can use immediately in writing or conversation.’

It appears safe to claim that – in the mind of the general public, at least – the method concept is not dead. As Block (2001) notes, 'while method has been discredited at an etic level, it certainly retains a great deal of vitality at the grass-roots, emic level (that is, it is still part of the nomenclature of lay people and teachers)' (p. 72). This is an opinion rightly shared by Bell (2007) who interviewed a number of teachers on the issue, and came to the concusion that:

'Methods, however the term is defined, are not dead. Teachers seem to be aware of both the usefulness of methods and the need to go beyond them.' (p. 143).

However, in an interesting paper, Akbari (2008), using Iran as an instance, argues that, in EFL contexts, it is textbooks that have largely replaced methods in their conventional meaning:

'The concept of method has not been replaced by the concept of postmethod but rather by an era of textbook-defined practice. What the majority of teachers teach and how they teach... are now determined by textbooks' (p. 647).

As a matter of fact, the intentional amalgam of method with textbook is an idea deeply rooted in history, especially in the literature related to language teaching in Spanish, where method and textbook share a single name: método.

I shall similarly argue that the concept of method is not only vigorously alive and well, but has also been reskinned taking the form of coursebooks, in such a manner that it would be reasonably acceptable to say that textbook series like Headway and Cutting Edge – more than any other factor – are now directly shaping and dictating current teaching practice. In other words, rather than the método epitomizing a single specific method, the método is itslef the method in a much broader sense.

Now, a legitimate question rises here. What is a method? What is it, ultimately, that defines a method? Richards and Schmidt (2002) make the rational claim that 'different methods of language teaching... result from different views of:

a. the nature of language

b. the nature of second language learning

c. goals and objectives in teaching

d. the type of syllabus to use

e. the role of teachers, learners, instructional materials

f. the activities, techniques and procedures to use'

(p. 330)

 

Even a brief look at their content or at the manner they are marketed establishes the fact that the writers and publishers of textbooks take particular positions, either explicitly or implicitly, with regard to each of these areas. The theory of language that textbooks instantiate, for example, is clear from their contents pages, where language is typically understood and depicted as what Rutherford names a system of 'accumulated entities', an accumulation of linguistic items in which the role of teacher is to clarify them to the learners (Rutherford, 1987). As Basturkmen (1999) conjectured, after inspecting the back-cover blurbs of a number of present-day textbooks, 'the emphasis is on the underlying generative base or language rules rather than on surface level aspects of use' (p. 34).

Second/foreign language learning, as shown from textbooks, by and large follows a cognitive model, where factual knowledge is organized and taught through successive practice activities. For example, the back cover of Inside Out (Kay and Jones, 2001) makes the claim that 'easy-to-use exercises put rules into practice – and are then recycled as speaking activities'. As for 'the goals and objectives of language learning', these tend to go very much in accordance with those of the communicative approach. Inside Out, for instance, 'has been designed to develop real-life communicative skills and powers of self-expression' (Kay and Jones, op. cit), while Cutting Edge (Cunningham and Moor, 1998) aims at 'improved confidence and fluency' as well as 'a clearer understanding of how language is used'. (There is, obviously, no recognition that the discrete-item focus of the syllabus might be at odds with these more holistic objectives.) As far as the syllabus is concerned, the grammar ‘doctrine’ still holds way, but the influence of the lexical approach (Lewis, 1993) and of corpus linguistics (or ‘real life’ language) is now ostensibly clearer. Innovations (Dellar and Hocking, 2000) 'has a strongly lexical syllabus, presenting and practising hundreds of natural expressions which students will find immediately useful', and Natural English (Gairns and Redman, 2002) offers 'a new syllabus area called natural English – accessible, high-frequency phrases which intermediate students can pick up and use'.

Within the postmethod trend, the role of teachers, learners and instructional materials is most clearly demonstrated in the Teacher’s Book component, where the teacher’s role is both didactic and facilitative, and serves mainly to convey the textbook materials by, for example, explaining, demonstrating and modelling language items, and by setting up and monitoring student interactions. Gairns and Redman (2002) say:

'Once learners have thought about exercise 1, go over the language in the natural English box. You could model the phrases and replies yourself and ask learners to repeat them, then practise the two-line dialogues across the class' (p. 24).

The guidelines typically make the teacher as the center of attention, the locus of control in the classroom and even at times imply that the learners are potentially disruptive:

'Don’t let the false beginners dominate the real beginners or pull you along too quickly… Encourage [the false beginners] to concentrate on areas where they can improve (e.g. pronunciation) and don’t let them think they know it all!' [Oxenden and Seligson, 1996, p. 15]

Still, sporadic reference is made to the need to encourage learner agency and autonomy. For example, 'Choices within tasks encourage learners to take charge of interactions' (Kay and Jones, op. cit). Not unexpectedly, though, the textbook forms the core component of instruction: it is both the means and the message.

Lastly, the types of activities, techniques and procedures to use are derived from a range of methodological approaches. These activities rarely involve translation, or encourage the use of, or any reference to, the learners’ L1. The influence of the communicative approach appears to be strong, with most lessons including information-gap tasks, and texts that strive toward authenticity. There is a heavy focus on skills, and the distribution of the material gives more weight to skills-oriented activities than language-oriented ones. The dominant version/accent for representing English is a native-speaker one, and both the topics and the design of the materials reflect an 'aspirational culture' of travel, consumerism and popular culture (Gray, 2002).

Conclusions

These are, therefore, the characteristcs of a method, typically enmeshed in a método, inextricably linked to it. Clearly, teachers who believe not to be adopting or following a specific method, but who are using a textbook, are as much bound by a method than practitioners of the Direct Method, or advocates of the Audiolingual method during their respective heydays. Obviously, these teachers will insist that they use textbooks selectively, in accordance with their own principles as well as the needs of the learners. But however selective these teachers are, they are still, willingly or unwillingly, tied to a theory of language, exemplified in the way that the textbook material selects and depicts language, and to a theory of learning, as embodied in the way the textbook gives priority to certain types of activity over others.

 References

 

Akbari, R. (2008) Postmethod discourse and practice. TESOL Quarterly, 42/4.

Basturkman, H. (1999) A content analysis of ELT textbook blurbs: reflections on theory-in-use. RELC Journal, 30/1.

Bell, D. (2007) Do teachers think that methods are dead?  ELT Journal, 61.

Block, D. (2001) An exploration of the art and science debate in language education. In Bax, M, and Zwart, J.-W (eds.) Reflections on language and language learning: In honour of Arthur van Essen. Amsterdam: John Benjamins.

Cunningham, S. and Moor, P. (1998) Cutting Edge: Intermediate. Student’s Book. Harlow: Longman.

Dellar, H. and Hocking, D. (2000) Innovations. Hove: LTP.

Gairns, R. and Redman, S. (2002) natural English: Intermediate. Student’s Book. Oxford: Oxford University Press.

Gray, J. (2002) The global coursebook in English Language Teaching. In Block, D., and Cameron, D. (Eds). Globalization and language teaching. London: Routledge.

Kay, S., and Jones, V. (2001) Inside Out Upper Intermediate. Student’s Book. Oxford: Macmillan.

Kumaravadivelu, B. (1994) The Postmethod condition: (E)merging strategies for second/foreign language teaching. TESOL Quarterly, 28.

Lewis, M. (1993) The Lexical Approach. Hove: LTP.

Oxenden, C. and Seligson, P. (1996) English File 1: Teacher’s Book. Oxford: Oxford University Press.

Pennycook, A. (1989)  The concept of method, interested knowledge, and the politics of language teaching. TESOL Quarterly, 23.

Prabhu, N.S. (1990) There is no best method – why? TESOL Quarterly, 24.

Richards, J. (1990) The Language Teaching Matrix. Cambridge: Cambridge University Press.

Richards, J. and Schmidt, R. (2002) Longman Dictionary of Language Teaching and Applied Linguistics (3rd edn.) London: Longman.

Richards, Jack C. and Theodore S. Rodgers (1986). Approaches and methods in language teaching: A description and analysis. Cambridge: Cambridge University Press

Rutherford, W. (1987) Second language grammar: Learning and Teaching. London: Longman.

Stern, H.H. (1983) Fundamental Concepts of Language Teaching. Oxford: Oxford University Press.

 

[1] Associate Professor, CRMEF - Fes

Reevaluating Language Teaching Methods: Is the Traditional Approach Obsolete?
Partager cet article
Repost0
10 mars 2023 5 10 /03 /mars /2023 19:38

المساحات الكاليغرافية للحكي في المجموعة القصصية ورثة الانتظار

بقلم  د. عزالدين نملي


سنقاربة واحد من الإبداعات السامقة للمبدع عبد النور ادريس من خلال ثلاث ورقات , تحاول الورقة الأولى الوقوف على عنوان المجموعة القصصية "ورثة الانتظار" والورقة الثانية تعالج مسألة استحضار الشخصيات التاريخية في مجموعته السردية كتقنية من التقنيات الفنية , أما الورقة الثالثة فتحاول الوقوف على الصور البلاغية التي تنتشر بكثافة على طول المساحة الكلغرافية للحكي.
تطمح هاته الورقات إلى القبض على بعض ملامح التقنيات التعبيرية والأسلوبية والفنية , التي يحفل بها البناء السردي في " ورثة الانتظار" , من خلال البحث في مظاهرها وأشكال حضورها بهدف الإمساك بالدلالة الثاوية فيها ,و اﻈهار ما يكتنفها من توتر وقلق , ويترسب في أعماقها من مكونات سردية تنفتح على الذات والموضوعي, والخاص والعام , وما تختزنه من حمولات جمالية , وطاقات فنية وتعبيرية , على اعتبار أن الكتابة عند القاص عبد النور , حضورا وجوديا تبني نفسها على آليات ومكانيزمات فعالة, تساهم في تحريك اشتغالها وتفجير طاقاتها, حيث تتواشج كل التقنيات والمقاصد لصالح الفكرة المركزية و الدلالة المحورية , التي تعانق في هذا الجنس السردي موضوعة الانتظار في شتى تمظهراتها وتجلياتها , إنها كما يتبين لقارئ النصوص تمارس حضورا قويا في المحكي وفي نفس السارد وشخوصه و في تركيباتهم النفسية وعمقهم الوجداني, وسلوكا تهم الفردية و الجماعية, كما يظهر ذلك من خلال غلاف المجموعة القصصية ..الكل ينتظر بما في ذلك الراوي نفسه.. الكل ينتظر في قاعة متآكلة نسجت في فضائها العنكبوت بيتها, وتراكمت فيها جماجم آدمية, دلالة على مصائر البشر المعومة , والانتظار القاتل , اللانهائي واللامحدود..انتظار واغتراب وتيه وعبث..وتبرز قدرة السارد في نجاحه في تمرير معاني الانتظار في شرايين الملفوظات السردية, ومالها من تداعيات على امتداد طول مساحة السرد.

الورقة الأولى ..عنوان المجموعة القصصية "ورثة الانتظار" .

يمثل العنوان ورثة الانتظار، هذا المركب الاسمي خبر مقدم + مضاف إليه ، العتبة الأولى لدخول عالم النص السردي .. حيث يلعب أدوارا حية في الكشف عن دلالة النص، واستجلاء فكرته العامة، فهو علامة دالة تحرك في المتلقي عموما شهوة القراءة .. إن العنوان لم يوضع اعتباطا، إنما وضع من أجل تأدية وظائف متنوعة تخدم النص السردي وتوجهه وتمنحه إطارا متماسكا، وتطوقه بدلالات تكشف مقصديته، فالعنوان بمثابة نواة تتناسل من النص،إنه يتموضع كمعلومة بعتبة الواجهة، وينهض بوظيفة دمج المتلقي بالنص، وهو ما تنبه إليه كنغور حينما قال : " العنوان يؤسس غواية النص" .. لأن الاشتغال على السرد يبتديء انطلاقا من العنوان، حيث يستقر عند بوابته، ويعطينا إشارة المرور للدخول إلى عالمه. والعنوان هنا يكتسب قيمة دلالية وبلاغية لأن إسناد الانتظار إلى الورثة، ينم عن منافرة دلالية، تنزح في هذا التركيب عن اللغة المألوفة : " ورثة المال " " ورثة الفن " ورثة العلم "... ، فالسارد حطم الحواجز القائمة بينما هو أدمي ورثة وما هو مجرد الانتظار .. للدلالة على القتامة التي تسكن الأنساق السردية، والوعي الحاد الذي يسكن لا وعي الكاتب من هول تراكم الهزائم والإخفاقات والانكسارات ..والاحتراق في صف الانتظار، مما اكسب القوالب السردية قوة درامية ناجمة عن مشهد المسلسل الوجودي والتاريخي للشخصيات الاجتماعية ،المتآكلة، المتهاوية، والمحترقة بلهب الانتظار، كما في صحراء التتار لدينوبوزاتي ، حيث يغرق المنتظرون في بحر لجي من الظلام والظلمات، وموت الرغبات،ونزيف التوسلات...

الورقة الثانية :استحضار الشخصيات في المجموعة السردية

لقد شكل التاريخ طاقة مرجعية ومصدرا معرفيا، استقى منه السارد مواد بناءه خاصة ما تعلق منه باستدعاء الشخوص الماضية ذات الأبعاد الرمزية، وقد أضفى على هذه الاستدعاءات والتوظيفات لمسات فنية وأبعادا دلالية ، دلت على براعته وقدرته الفنية في توظيف ما يلاءم كل سياق، حيث أكسبها أبعادا إنسانية ترتبط بمشكلات الوجود والحياة وقيم العصر، كما نلمس ذلك في الزمن المكسور ص 13/ 14 ، حين استدعى كل من " هوميروس"و " عبد الرحمان المجذوب"، وجعل قبريهما يتصافحان ومضامين إبداعهما.. تركب صهوة الزمن للامحدود، متجولة في أمكنة وفضاءات الشوارع راصدة حركات الأفراد داخل المجتمع في زمن الترهل والاختناق والإخفاق.. حيث لم يجد عبد الرحمان المجذوب أمام هذه الصورة القاتمة إلا ان يطلق ساقيه للريح هاربا من هذا الزمن الرابض المكسور " ص 14 و15" ..، حيث جعل السارد من هذه الشخصيات منسجمة مع الفضاء السردي والدلالي الذي يروم تبليغه وإبلاغه من خلال رؤياه المسكونة بهاجس الزمن الرديء

الورقة الثالثة: الصور البلاغية في المجموعة السردية

تتجه الورقة الثالثة بسهم التحليل، إلى الصورة الشعرية التي يحفل بها النص السردي والتي تشكل خاصية أسلوبية في السرد عند الأستاذ إدريس عبد النور، لكونها تحتل مسافات مهمة في الملفوظات السردية، مما أضفى على تجربته السردية طابعا من الفرادة والبهاء، علما أن هذه الصور البلاغية تلم تلابيب المضمون وتجمع شتاته، كما تنهض بوظيفة إلحامية متميزة .. إن توزعها اللافت في جل أرضية النص، أكسبه غنى وثراء دلاليا، وساهم إلى حد كبير في تمتين بنية النص المتداخلة والمتعالقة.

هكذا، ومن خلال بعض الصور الاستعارية والمجازية التي ارتقت إلى مدارج الصور الانزياحية، بشكل يتطلب مجهودا من القارئ لمعرفة مخبوئها ومستورها الأسلوبي والدلالي، الذي يتسع لأكثر من معنى كما نلاحظ من خلال النماذج التالية:

" القبور تحتفي" ، الألوان الهاربة " ، الفصول الراقدة " ، الطرقات صائمة" الزمن رابض مكسور... حيث يتبين أن هذه الصور تتكئ على المنافرة، لكون المستعار والمستعار منه ينتميان إلى حقول تختلف اختلافا جذريا عن بعضها البعض، حيث يتم إسناد الإنسان على غير الإنسان، الشيء الذي يكسر أفق انتظار المتلقي أمام هذه الانحرافات والمنافرات التي تخدم الدلالة الدرامية والنغمة الحزينة ، والرؤيا الساخرة " الأحزان الضاحكة " .. ما يفسر دلالة اللاجدوى والعبث والاحتراق من انتظار تحول غير ممكن لزمن التخاذل والقتامة والهزائم .

وبهذا المعني فإن الصور البلاغية التي تحفل بها هذه المجموعة السردية ترقى إلى مصاف الصور الإبداعية الخالصة، وتعبر في نفس الوقت عن تجارب نفسية وإنسانية ووجودية في غاية التعقيد .

وختاما فإن هذه المجموعة السردية تحتاج إلى أكثر من قراءة وتأويل، لكونها تزخر بطاقات تعبيرية وتقنية لغوية وفنية جديرة ببحث مستفيض، يرقى إلى مستواها الإبداعي،وعليه فإن هذه القراءة تبقى مفتوحة إلى حين لقاء آخر نجتمع فيه مع هذه الكوكبة من المثقفين والمحبين للإبداع والفن..

Partager cet article
Repost0
22 février 2023 3 22 /02 /février /2023 17:29

    ملصق إشهاري (2)

الاشهار وآليات اشتغاله:

 

وما يزال الحصان..يصهل النساء..

 

 

بقلم د.ادريس عبد النور

 

 

مقدمة الدراسة

 

1- فرضية القراءة .

2- النسق الدلالي المركب.

-أ- إجراء التجدير.

-ب- إجراء الربط.

3- صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

4-الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

-أ- التقطيع الزمني.

-ب- التقطيع المعرفي.

- ج- التقطيع الجسدي.

- د- التقطيع اللغوي.

5- الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

6-وما يزال الحصان يصهل النساء....

 

 

 

تصدير:

إن هذه المقالة أعتبرها بمثابة الجزء الثاني لسلسلة المعنى الذي فتحه الدكتور سعيد بنـﮕراد حول لوغو البنك الشعبي،" ولا يكف الحصان عن الصهيل" المقال المنشور بمجلة علامات العدد السابع.

وهو بذلك قد فتح ذاكرة عميقة في جسد الأشياء ، فأصبح الإشهار عنده يتنفس في كينونة الشعري والسردي والجمالي ..وهل يحتاج الجمال إلى مؤوِّل ؟ إن بؤرة المعنى متشظّية وليس من حق المؤلف أن يؤوّل إلا بحسب امكانية وصوله إلى المعاني النسبية من الكل المتعدد والغير القابل للإيحاء بالنُّسخة والشبيه حيث أنه " لا قانون بنيوي يُجبرك على إقفال الجملة" على حد تعبير ر.بارت...

 

مقدمة:

الإنسان كائن رامز محمول بافتتان الحياة، حامل للمعنى الضواع بانتشاء الجسد الساخن، الجسد الذي يجسد اختلافاته في فضاء يستعمل المعنى في مرافعته ضد قضية المعنى

 

فكيف يكون المعنى كاذبا بالرغم من صدق مكونات القضية؟ أو كيف يكون المعنى صادقا مع عدم مصداقية القضية؟

 

إن الصورة الاشهارية التي ندرسها معدة لأن تفهم بسرعة ولأن يفهمها أكبر عدد من المتلقين انطلاقا من الدليل الأيقوني التي تتمتع به الشفرة اللسانية:

 

Votre banquier vous fait des avances

 

1- فرضية القراءة:

 

قبل مباشرة القراءة والتأويل والقيام بعملية توليد المعاني وملء الفراغات التي تقترحها علينا الصورة باعتبارها خطابا بصريا، لابد من طرح فرضية ما ولنقل مع دي سوسور " وجهة النظر تخلق الموضوع".

 

وقد نقول مع أمبيرطو إيكو" التأويل ليس فعلا مطلقا، بل هو رسم لخارطة تتحكم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة، هي فرضيات تسقط، انطلاقا من معطيات النص، مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية"([1]

 

قد تتنوع قراءة هذه الصورة بتنوُّع المستقبل لها حسب الرهانات التي تخلقها شروطها الثقافية، وهكذا يمكن أن تكون هناك قراءة بعيون أنثوية ليختلط عالم المال بالعالم المناوش للقران الحاضر الغائب بعالم البنك.

 

وقد تكون هناك قراءة بعيون قروية فتكون الصورة جاحدة وهي تحمل وردة بيضاء عوض السنبلة لتطرح السؤال على مدى إمكانية العالم القروي للخروج من العقم الذي فرضه الجفاف على الخصوبة.

 

ويمكن صياغة فرضيات القراءة هاته باعتبار الوحدة المعنوية للدليل الأيقوني المشتمل على شفرات متعددة : * شفرة الألوان * شفرة الأشياء * والشفرة اللسانية.

 

فهل يمكن للصورة أن تكون موضوعا للدراسة في ذاته؟

 

2- النسق الدلالي المركب:

 

إن الفضاء الذي سنتأمل فيه معاني هذا الإشهار هو فضاء العلاقات الإنسانية، العلاقات الواعدة بالخصوبة واستمرار النوع البشري، وبما أن هذا النص الذي بين أيدينا لا يتوفر على قارئ أسمى فإنه لا يشتمل على معنى حقيقي إلا إذا استطاع المؤول أن أن ينتج شرطه كعلامة بحسب قول شارل موريس: " كل شيء يمكن أن يصبح علامة شريطة أن يؤول باعتباره كذلك من لذن مؤول".

 

فأن نقرأ هذا النص معناه أن نسائل فيه المستوى التشكيلي والأيقوني. مع افتراض أن هذه الصورة تحمل ثنائي ضدَّي عميق في ضد يته على المستوى المجالي بادية/ مدينة، خصوبة / لا خصوبة، والتي تحول النظرة الاستثمارية لمجموعة البنك الشعبي في التوجه إلى القطب المديني في طلب الزواج به وتحويل الطاقة الإنجابية الى مجال يهتم بقيمة الحياة في واحديتها وبالكيف على مستوى العيش.

 

فالعلاقة بين النسق اللغوي والنسق الأيقوني يتحدد من خلال:

 

أ- إجراء التجذير:

 

النموذج الذي نحلله هنا هو صورة إشهارية تقدم إشهارا لمؤسسة بنكية، تتمفصل الصورة فيه إلى نسقين متراكبين:أيقون بصري ولغوي.

 

ويمكن الوقوف عند مكونات الصورة في بعديها لتحليل الآليات التي توظفها بهدف إقناع المتلقي بالإرسالية التي تعتزم إبلاغها من خلال البعد الادراكي المعرفي الذي تنخرط الصورة ضمنه.

 

فبالنسبة للصورة موضوع التحليل، نلاحظ أن الإطار العام الذي يؤطرها يتكون من فضاء بوني شاسع يوجد ضمنه أيقون، وهو عبارة عن يد ذ كورية تحمل وردة بيضاء، ويوجد أعلى الصورة تنضيد أقوال لغوية تحقق المستوى اللساني في الصورة مع تبئير اسم : اليسر".YOUSR "

 

وفي أسفل الصورة يسارا يعن لوغو المؤسسة المالية الذي سنقرأ الصورة من خلال تحليله وإعادة بناء اشتغاله مشمولا بقيم النبل والأصالة يتحرك في إطار الهاجس المقاولاتي لصالح الجميع وبالجميع:

 

Entreprendre Pour le Bien Commun

 

ب- إجراء الربط:

 

إن الصورة التي أمامنا تزاوج بين نمطين من التلقي في عالم الاستهلاك:

 

* نمط يرتكز على اعتبار الشفرة اللغوية " تسبيق"

 

« Avance »

 

هو ما تقدمه البنك لحل الأزمة المالية للزبون عند آخر الشهر.

 

* ونمط يعتبر البعد السوسيو- ثقافي، المسبقات الغزلية وسيلة لتعويم المعنى:

 

« Avance »

 

التي عبرت عنه الصورة أصدق تعبير وهي نموذج للمرجعية الثقافية اللاواعية التي تختزن في بعدها الثقافي شحنات انفعالية لا تجد استساغتها إلا بالسنن الثقافي الفرنسي، فالصورة هنا تنتج مستهلكا ثقافيا عبر مرجعية اللغة من جهة، ومن تنميطها من جهة أخرى للاشعور الجمعي لتعكس الرغبة الدفينة للزبونة التي حققت ذاتها على المستوى "الفالوسي"

 

PHALLIQUE

 

بينما كان ذلك على حساب تجلياتها الأنثوية، كحبيبة و مخطوبة ، زوجة وأم.

 

إن الصورة لا توجد إلا لتكرار العالم بشكل أقل اتفاقا مما هو عليه في الأصل ويسمح لها بالانزياح قليلا عن الأصل ما دامت لا تستطيع تقليده بإتقان.

 

فمهما كانت الزاوية التي ننظر منها إلى الأمور فإننا لن نخرج من ثنائية، الشكل/ الشيء، أو ننطلق من الشيء لنصل إلى الشكل.

 

وعند مقاربتنا لهذه الصورة سننطلق من مباشرة دراسة الصورة في ذاتها، انطلاقا من: *المستوى الأيقوني والذي يعتمد على القراءة الاستتيقية ومجمل إيحاءاتها.

 

*المستوى الاجتماعي وفق الحقنة الأيديولوجية المبثوثة في الصورة.

 

* المستوى البلاغي حيث يمارس النص اللغوي سلطة على الصورة ذلك أنه هنا يتحكم في قراءة الصورة الاشهارية ويكبح جماحها الدلالي.

 

3- الدال الأيقوني: صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

 

يرُدّأوبيرطوإ يكو عملية بناء الدال الايقوني إلى ثلاث مستويات من التسنين:

 

*- الأيقون: يتحول فيه الدال اللفظي ( تسبيق) إلى دال بصري (مسبقات غزلية).

 

*- الأيقونوغرافيا: دلالة الوردة البيضاء على التقدم لطلب يد الفتاة من نفسها.

 

*- التسنين البلاغي: لقد أعطت هذه الصورة ومن خلال سنن من طبيعة لسانية

 

مقابلا بصريا تجلت في اليد الذكورة الناعمة التي تحمل وردة بيضاء بدون أشواك.Avance

 

في جل الصور الاشهارية للبنك يرتسم اللوغو في يسار وأسفل الصورة مفتوحا على المستقبل " إن الفرس يسير إلى الأمام، أي من اليمين إلى اليسار، إنه يسير بخطى مزهوة نحو المستقبل" ([2]) .

 

فالصيغة الجديدة " مجموعة البنوك الشعبية" قد تجاوزت اللوغو السابق فبعد أن كان في سباق مع باقي خيول المال في اتجاه الدائرة /البويضة التي ترمز إلى العالم القروي المشمول بآليات الإخصاب، وحيث أنه هو من اخترق فأخصب لم يترك ذيله خارجا كما يفعل الحُوين المنوي، ومع انسداد الدائرة يوحي الفرس بأنه مستعد أو قاب قوسين أو أدنى من الوقوف داخل الدائرة فشكله يدعونا إلى افتراض أن هذا الفرس كان فوقه فارسا يأخد بلجامه وقد انتُزع منه ليتعرى الفرس أمام الفضاء القروي لتبيان فحولته ضمن عالم يؤمن بالرأسمال الوارد عن فحلية طبيعية.

 

إن الفرس وعند اختراقه للجدار السميك للبويضة يتوجه في خطابه قيما ثقافية تستهلك العزة والشهامة وطابع البداوة والفضاء الشعبي : " مثمنة في جميع الحالات وجميع السياقات: إنها الاصالة والصدق والجذور والنقاء الثقافي والبراءة والعفوية والتراب والأرض والطبيعة.إنها الوجود الطبيعي الذي لم تلوثه بعد موبقات العصر الثقافية" ([3])

 

فما دام البنك يلف أيديولوجيته بالشعبية فهو مقرون بالتوالد وارتفاع الخصوبة التي تعتبر الوسيلة المثلى لتكثير المادة الفلاحية من النوع الحيواني، فالتعدد البيولوجي الذي يغنيه اللوغو انعكس على تشكيلته الإدارية التي انتقلت به الى مجموعة بنوك.

 

إن هذا اللوغو في صيغته الأولى والأخيرة يشتغل وفق مبدأ التناظر والمرجعية الثقافية لطبقة شعبية تتمركز بالبادية، أما الصورة التي بين أيدينا فإنها يشتغل وفق مبدأ اللذة من حيث أن الإشهار يعتبر من مكونات الهواء على حد قول روبير لودوك (1975) عندما قال:" إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأكسجين والنيتروجين والإشهار"، يتحول فيه الزبون من منخرط بدافع الحاجة لقرض " اليسر" إلى منخرط بدافع الرغبة عبر عالم الجسد المخملي ، فالجانب الجمالي في الدال الأيقوني الحامل للإرسالية الاشهارية التي بين أيدينا يتحدد في قدرته التعبير عن حالة ثقافية وبسيكولوجية خاصة بالشريحة – الهدف ، على الوصول إلى الدفع بهذه الشريحة المستهدفة إلى التعامل إيجابيا مع المنتوج .

 

4- الكون الدلالي و تقطيعا ته: الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

 

كل شيء في الصورة يتكلم وحيث يقول رولان بارت " لا وجود للأيقون الأخرس أبدا" فالقراءة التي تبحث في تعددية النص يجب أن تكون ذاتها متعددة، أي لا تحتاج إلى إذن بالدخول، وما مدخلات الصورة سوى ما يساعد المعاني على الانتشار فوق المساحة المرئية للنص، لكن لنتساءل من جديد مع رولان بارت " كيف يأتي المعنى إلى الصورة ؟ ".

 

هل المعنى في العبارة كما يقول كار ناب، أم في القضية كما يقول كُوَين؟ .

 

هل اللغة هي التي تخلق المعنى ؟.

 

" من البديهي أن لا تفهم الكلمة إلا في لغة ما، فاللغة هي التي تُعطي الخطاب مفهوما يُدرك من خلال مكوناته" ([4]).

 

أن تقرأ هو بالفعل عمل تقوم به اللغة ، أن تقرأ معناه العثور على معاني والعثور عليها معناه أن تسميها، لكن الثقافي هو الوصي على التفسير اللغوي داخل الصورة التي تلعب دورا مهما في تعميق المعنى بتفسيرها للكتل اللغوية ، وبذلك يصبح للكلمة " معنى واحد، معناها الأفضل "([5]) كما يقول رولان بارت.

 

إن صورتنا الإشهارية تحلم العالم على نموذج الجسد الفاعل الذ ي يتأكد حضوره في انسجامه مع الثقافة السائدة التي تنسب للجسد الذكري كل ما هو فوقي وفاعل كرمز للقوامة والسلطة اتجاه الجسد الأنثوي المقهور والدوني كدلالة على ما هو تحتي وسلبي.

 

إن الصورة الاشهارية التي نعالج ليست مجرد وصف لمنتوج، وإنما هي تحديد لعلاقات ولأنماط للسلوك تستثمر صراحة أزمة مجتمعية تتجلى في عزوف الشباب عن طلب أيدي الإناث للزواج ، والعلامة الأيقونة تعتبر البنكي هو المؤهل للقيام بهذا الدور الاجتماعي لفتح هذه الظاهرة على المخيال العام والدفع بحلم العازبات إلى ولوج عالم الاثارة ، لمّا تلجن فضاء " البنك الشعبي" الذي اشتغل في اللوغو السابق على الاثارةLa

 

séduction

 

المملوءة بالفحلية والإخصاب معتمدا على رأسمالية إنتاجية تعيد بدورها نسخ العالم في أيقون مرجعي مباشر.

 

فالإثارة بالكلمات يمكن أن تأخذ بديل إثارة الكلمات ذاتها ، فالمرأة هنا تثار حسب مستوى الأنوثة الذي تصل إليه أو تتمناه.فالإثارة تثير وهم النظرة الأولى التي لايمكن أن تقول ماهي ولا يمكن أن تقول بتحققها، إذن فهي ضائعة، لا متحددة ، إن الاثارة تلعب لعبة البداية اللغوية ، الانخراط الفجائي والاإرادي داخل اللغة، إذ الإثارة تحيي في الكائن وضعيته الفاعلة داخل الكلام وهو هنا الكلام الفرنسي بامتياز.

 

إن الصورة التي بين أيدينا تعوض العالم الواقعي للزبونة و الزبون بمكونات خيالية تستهدف فيه رأسمالية الاستهلاك وقد تحول موضوع القرض إلى رسالة اجتماعية على اعتبار أن الانخراط في جماعة مستهلكات المنتوج البنكي " لقرض اليسر" يتحول إلى معْنم من بين المعا نم المميزة داخل المنظومة الاجتماعية.

 

إن نموذج فارس الأحلام يوجد في الصورة الاشهارية كما يوجد في عين الفتيات التي ترى وتتوهّم ، إنها عبر النموذج الذي يتحوّل الى مثير ، تستحضر عبره الذات الرائية الوضعيات كما تستحضر أوهاما ورغبات ، نموذج المرأة التي تتعامل مع البنك ، الموظفة الشابة المقبلة على الحياة بعد أن حققت ذاتها في عالم الشغل والتي أصبحت محور اهتمام البنكي الذي يعد خطيبته بوضع مفاتيح خزنته بين يديها .

 

إن الصورة تقدم نفسها على أنها تمثيل لوضعية إنسانية عادية يحق لكل امرأة أن تتماهى معها لتحدد عمقها الاجتماعي، ويصبح من الطبيعي تناول واستعمال المنتوج البنكي " الشعبي" داخل هذه الوضعية جد عادي.ويصبح الجسم العاري الذي تجسده اليد تركز عدة مدلولات من أشد المضامين أيديولوجية تستعمل الرغبة في التزيّي بخاتم الخطوبة من أنبل المضامين الاجتماعية للوصول الى ضفاف الاكتفاء الحالم.

 

لهذا فتنويعات الإثارة النسوية بصورتنا الاشهارية ليست لغوية فحسب بل هي اهتزازات نفسية للأنثى والأشياء المحيطة بها ، هي تلك اللحظة التي تصرخ فيها الأنثى عن المبتعد عنها والمشيح بوجهه أوالمحاول للإبتعاد عنها، أن تقدّم ولا تضع في" حسابك" همّ الحياة..."اليسر" هنا...

 

إن ثنائية خاطب/مخطوبة في مظهرها المباشر وعبر معطياتها المادية والإيحائية تحدد تقطيعا ت عدة على أعتاب القراءة:

 

أ‌- التقطيع الزمني:

 

ب‌- للوجود الإنساني عبر خلق ثنائية تتناظر فيه تجربة البنك في إنشاء البيت القروي بشباب فتاة في مقتبل العمر " موظفة" تنفتح الفضاءات أمامها على هذا الاعتبار.

 

ب- التقطيع المعرفي:

 

فمعرفة البنك بمدى حضور أوراقها النقدية لدى المستهلكة الشابة عند اهتمامها بشبابها والعناية بطراوته قصد اجتذاب زوج... داخل وضعية تنافسية متأزمة مشمولة بالعزوف.

 

إن الخطاب الاشهاري يعلم زبوناته كيفية الاستزادة من نوعية هذه الاستهلاكات كطريق طبيعي لنصائحه، على اعتبار أن قناعة البنكي بجمال الزبونة الموظفة جديرة باحتدائها من طرف المجتمع ،هي شهادة تقدير للجمال الأنثوي والضامن للتسريع به إلى أحضان بيت الزوجية ..إلى أحضا " التكشيطة" والجلباب بما هو "شعبي" نازح من مجال ثقافي مملوء بروائح الأصالة والعراقة والغبار...فهو بذلك يرسم حدود حياة جديدة عبر قيم قديمة.

 

ج- التقطيع الجسدي :

 

إن اليد تتماهى مع جسد الصورة الاشهارية ، الجسد الملون بلون الجلد حيث يأتي عنه صدور اليد بشكل طبيعي كامتداد غير مفارق يحتضن السلطة عبر ثنائية اقتراحيه للفضاء الاجتماعي الخطبة / صمت، إذ الجسد الأنثوي المتلقي للطلب ما عليه إلا الصمت حتّى تتحقق إيجابية الرسالة ، الصمت الذي يحقق للجسد المتلقي أنوثته، دلاله وغنجه وبذلك يكون الشعبي قد حقق الحنين إلى تقاليد الحياة البدوية التي تناقض المظاهر السلوكية للخطبة الحديثة.

 

د- التقطيع اللغوي:

 

تركز الدلالة اللغوية على " اليسر" والتسبيق " لتحقق الكلمتين الزواج الشرعي للتصور المقترح للبنك في منح حلول لظاهرة انحباس الزواجية .

 

فالفضاء الذي تتأمله الصورة يعد بالنعيم واللذة والاستقرار بالرغم من أن الحياة اليومية

 

تعصر المنشغل بها عصرا لتتحول لغة الاشهارإلى لغة تقريرية تقدم التسبيق لفك ضائقة الزبونة.

 

5- كينزياء الكون الدلالي:الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

 

إن حركة اليد التي تقدم الوردة البيضاء والخالية من الشوك تعبر بكل وضوح عن نسقية إيمائية للجسد ، لايترك للصورة ذلك السطح العميق بل يحرك الصورة نحو خروجها والتقرب من المتلقية في بعد بوني يقترب من ذات المخطوبة حتّى يمكن أن تتجاوز تلك اليد- التي تنعمت بدخولها الفضاء المديني بدل اليد الخشنة التي أنهكها المعول والمنجل والمحراث - الحواجز إلى أن تبلغ المسافة التي يمكن أن يسلم فيها الفارس الوردة وهو مطمئن من ذلك القرب الذي يؤجج العواطف ويضع للوجه فرصة حميمية للإنغراس في عيني الآخرو،مع العلم أن التمثلات الثقافية للأنثى في ثقافتنا لا تسمح لها فقط إلا بالثبات في مكانها كي تصل إليها يد المعجب والخاطب محملة بالذوقي : السكر، الرامز إلى جلسات الشاي والعبث في ملف الناس والاشياء، والشمّي : الورد الرامز إلى التوحد والمودة لتنبعث المشاعرالرقيقة الجياشة بالوله والهيام..

 

فحضور فرنسا كبؤرة ثقافية يكاد يصرخ داخل الصورة الاشهارية من خلال رموزها اللغوية والثقافية وهي قادرة على التواصل مع الطبقات التي تعاملت وتتعامل مع القيم الثقافية لفرنسا العميقة على أساس أن الثنائي السلوكي للثقافة المحلية عادات / أعراف ، يستهلك من الحواس رمزية الذوق عند إعلان الخطوبة " قالب السكر" لتنتقل الحلاوة من الشيء إلى أبعاده القصوى وأشكاله اللانهائية، عوض حاسة الشم والبصر واللمس الذي اعتمد داخل هذا المنتوج الاشهاري بالوردة البيضاء التي تعبق أريجا مملوءا باللذة والمتعة والخصب .

 

6- ثنائية الكون الدلالي: ذكورة/أنوثة، وما يزال الحصان يصهل النساء..

 

إن الصورة الاشهارية تعكس نظاما أبيسيا قويا تحتل فيه ثلاثية المال- المعرفة ـ السلطة أوجا سيكولوجيا للعنف الرمزي الذي يفرضه " البنك الشعبي" على زبنائه ، فسلطة المال تتحكم في المعرفة وبالتالي فهي تستعيد السلطة لتحولها إلى أداة باتريركية تكتسح جغرافية ما هو مديني بعدما تم المسح المجالي للبادية .

 

فالصورة تعكس نفس الهيمنةالذكورية على ثبوثية القيم حيث الرجل فاعل ومتفتح على الآخر والمرأة تجتاحها مفاهيم الحشمة والانكماش النفسي على الذات.

 

وبذلك يكون السنن اللغوي يلغي حضور الأنثى ويمارس نفس سلطة المجتمع على أنساقه ، فالفضاء العام للصورة داخل وسطنا الأبيسي لا يترك المجال " للبنكية " أن تكون هي المرسلة وبذلك تغطي مواصفات الذكورة كل مساحات اللوحة الاشهارية ، والمختفي ينتشي بنعومة الأنوثة ، هذه الثنائية تعتمد على تنميط الأدوار بنفس توزيعها في الماضي ، فالصورة تستقبل الموظفة ليذكرها بمجالها الطبيعي " البيت" ، " الإنجاب " ويخاطبها كممتلكة للجسد والعاطفة ، فلا وعي الصورة الجمعي يعكس خام التمثلات الثقافية العامة للمجتمع المغربي ، ومن ثم فالصورة الإشهارية تعمم المعنى على القيم وهي بذلك تقوم بدور المؤسسات الاجتماعية التي ما تفتأ تسكك لثبوثية الزواجية كمؤسسة المؤسسات.

 

إن هوية المرأة تجد داخل هذا الاشهار التنميط الصارم لتحركها ...فهي المخطوبة... وفي اللحظة التي تضع فيها الخاتم على أصبع الرجل تنطبق السلاسل والقيود على تحركاتها...تنقلاتها روحها وعقلها ...كما يزيف وجودها وكينونتها لما يقترح عليها الانقياد الى تصوراته عن الحياة للتّنَعُّم بمواصفات " الكائن المتميز" وتأتي المفارقة العجيبة لعالم المال هذا لمّا يضع في أولوياته مبدأ اللذة كمقياس للحياة العصرية ،

 

ليُغطّي خطابا مُضمرا يصهل في وجه الحريم وحنجرته مملوءة ذهبا..

 

Le bien être commence par le plaisir

 

فالبنك هنا يبيع صورته مغلَّفة بقدرات ذكورية كما جاء في التعبير الفرنسي السابق

 

الذي يدل على أن التوجه الجديد للبنك قد أخذ نفس اتجاه الهجرة القروية ، وفي خطابه إلى الزبونة فهو يخاطب أكبر طبقة من الموظفات اللواتي يتحمّلن مسؤوليات عائلاتهن ويزهدن كارهات في ممارسة حياتهن الطبيعية و الحلم بفارس الأحلام الذي يهيمن هنا على كل الصورة وفي كلية وجوده في المجتمع .

 

إن الإرسالية الاشهارية توجه إلى أناس مجنسين ولا تني إرساليتنا هاته من مخاطبة فئة من النساء يتمتعن بمواصفات حددتها وأكدت عليها .

 

إن المرأة بخروجها لعالم الشغل تمتعت بسلطة قضيبية " فالوسية " جعلت منها محور عائلتها ومحيطها متناسية ذاتها واهتماماتها الشخصية ولا تجد من يذكرها بفراغها النفسي و" الهَوَوي" سوى فضاء البنك ...العالم المفارق ...عالم جفاف العواطف الإنسانية ...الذي يمنح الزبونة لحظات تتلذذ بها كامرأة في النظام البنكي الأبيسي ، وهي تتلذذ موقعها كموضوع لنظرة الرجل.

 

بقلم :د. عبد النور إدريس

 

Abdennour.driss@gmail.com

 

المراجعوالهوامش:

 


[1] - امبرطو إيكو" التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة و تقديم د. سعيد بنكراد ،المركز الثقافي العربي الدارالبيضاء الطبعة الاولىسنة 2000 الصفحة: 11.

- د.سعيد بنكراد "ولا يكف الحصان عن الصهيل" مجلة علامات العدد :7 ص: 37.[2]

- نفس المرجع السابق، ص: 28.[3]

- سامي أدهم ، إبستمولوجية المعنى والوجود، مركز الانماء القومي ، بيروت لبنان ،ص: 6.[4]

[5] - رولان بارت" النقد والحقيقة " ترجمة وتقديم ابراهيم الخطيب مراجعة محمد برادة ، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ، الطبعة الاولى سنة 1985 الصفحة 22.

 

-------------2-.jpg     

Partager cet article
Repost0
10 janvier 2023 2 10 /01 /janvier /2023 18:15
رهانات ترجمة النص الفلسفي إلى العربية:  المفاهيم، المداخل والحواشي

رهانات ترجمة النص الفلسفي إلى العربية

 -المفاهيم، المداخل والحواشي-

 

Les enjeux de la traduction des textes philosophique en langue Arabe, Concepts, Introductions et Notes 

الدكتور محمد سوسي: Mohammed Soussi

أستاذ مبرز في الفلسفة؛

مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس؛ فرع مكناس

 

الملخص:

إذا كان الاهتمام بترجمة الإنتاجات الفلسفية العالمية يعبِّر عن ديناميكية ثقافية وحضارية تكشف عن رِهَانٍ يَرُومُ الانفتاح على الكوني والتَّفاعل معه، فإننا نلاحظ -مع ذلك- بأن بعض المؤلفات الفلسفية التي يتم ترجمتها إلى العربية في زمننا الراهن، لا تتمتَّع بنفس مستوى الجِدِّيَّة والصلاحية المرجوة. حيث إننا نَجِدُ بعضا منها تَعتَرِيه هفوات تَمُسُّ جوهر فعل الترجمة في الفلسفة، الذي هو اختيار مفاهيم تُقابِل أغراض ومفاهيم النص الأصلي. كما نَجِدُ في أحايِينَ أخرى أن بعض هذه الترجمات لا تُولِي أي أهمية للمداخل ولا للحواشي، إن هي اعتمدتها في ما تُنْتِجُهُ من ترجمات. وإذا كان ما يَنْجُمُ عن هذه الهَفَوات هو ضعف قيمة وأهمية بعض هذه الإنتاجات الترجمية، فإننا نرى بأن مهمة الفلسفة تستدعي أيضا ضرورة مواكبة هذه الترجمات، بِغَرَضِ إثارةِ الانتباهِ إلى أَنَّ الانفتاح على فلسفات العالم، يقتضي الوعي بضرورة إنجاز الترجمات ضمن استراتيجيةٍ يَتِمُّ من خلالها اعتبار الترجمة في الفلسفة فِعْلَ كتابةٍ شَاقَّةٍ لها قواعدها ومناهجها. ذلك لأن تحقيق الهدف الأصلي والفعلي لكلِّ ترجمةٍ هو رَفْعُ قَلَقِ عِبَارَةِ النص المُتَرجَم، وتَقْرِيبِهِ إلى القارئ العربي، وذلك ضِمْنَ منظورٍ تَثَاقُفِيٍّ وحضاريٍّ. 

الكلمات المفاتيح: -المفهوم الفلسفي؛ - عتبات النص؛ -الحاشية -الأرشيف؛ - التَّثاقُف؛

 -المفاهيم الأساسية:

-المفهوم الفلسفي؛ - عتبات النص؛ -الحاشية والأرشيف؛ - التَّثاقُف؛ - التقريب؛ -رفع قلق العبارة.

1- الإطار المنهجي للدراسة

يتحدد الإطار المنهجي الموجه لمقالنا من خلال الإجابة عن هذه التساؤلات: بأي معنى يمكِن الحديث مع جمهور الفلاسفة عن وجود لغة فلسفية وأخرى غير فلسفية؟ وما الذي يعنيه القول بأن هناك لغة فلسفية تتميز عن لغة العلم ولغة الأدب ولغة التاريخ ولغة السوسيولوجيا وغيرها من التَّخصُّصَات الفكرية الأخرى؟

وينتُج عن هذين التساؤلين سؤال آخر هو: هل لغة الفلسفة هي بالضرورة لغة الاستدلالات والبراهين والأَقِيسَة، أم أنها في الحقيقة لغة استعارية خَطابية، وبالتالي ينبغي علينا إعادة النظر في هواجسنا المُرتبطة بخصوصيَّة ترجمةِ نصوصها، وخاصة ترجمتها إلى العربية، التي هي هنا موضوعنا؟

ومن أجل مقاربة هذه الأسئلة، نعتقد بأنه أولا، لا ينبغي أن تُمَارَسَ ترجمة نصوص الفلاسفة إلا بعد قراءة المَتْنِ الخاص بالفيلسوف المُراد الترجمة له. وثانيا، أن يتم قراءة النص الذي هو موضوع الترجمة ضمن هذا المَتن. ذلك لأن أهمية هاتين الخطوتين تكْمُن في كوْنها تُجنِّبنا أي سوء فهم للأفكار المُراد ترجمتها. إذ بهذه العملية يتحقَّق أيضا إِمْكَانُ "رفع قلق العبارة الفلسفية"[1]، و"تقريب"[2] الفلسفات التي يتم إنتاجها في آفاق لغوية وثقافية مُغايرة للغتنا وثقافتنا. كما يمكِنُنَا بهذه الخطوة المنهجية تَفَادِي الاضطراب الذي غالبا ما لاحظنا أنه يُلاَزِمُ بعض الترجمات، فيجعلها رَدِيئَةً مُلَوَّثَةً بهواجس وعواطف المُترجمين ومعتقداتهم.

2 - منطلقات أساسية

 في البداية، يمكِن ملاحظة ارتباط مشكل ترجمة نصوص الفلسفة، من اللغة التي أُنْتِجَتْ فيها هذه النصوص الأصلية إلى لغة أخرى مستقبلة لها، بِكَوْنِ الفلسفة تَعتمِد أساسا على المفاهيم في إنتاج أقوالها. وإنتاج المفاهيم، أي إبداع المفاهيم بلغة جيل دولوز وكواتاري[3] يطرح مسألة "الشخصية المفهومية"[4]، التي غالبا ما تكُون مرتبطةً بقراءة وبتأويل فلسفيين للفكر والفلسفة، وللمفهوم الفلسفي. الشيء الذي يعني أن ترجمةَ هذه المفاهيم مجالٌ للإجتهاد، والذي غالبا ما لا يمكِن أن يكُون موضِع يَقِينٍ نِهَائِيٍّ وكَسُولٍ.

ويرتبط بمشكلِ الطبيعة المفاهيمية للغة الفلسفة مشكلٌ آخر، هو مسألةُ نَحْوُ اللغةِ الأصلية ونَحْوُ اللغة المُترجَم إليها. وهذه المسألة إذا كانت فيما يبدو تِقْنِيَّةً، فإن عدم إِيلاَئِهَا الأهمية اللازمة قد يُؤَدِّي إلى اختلالاتٍ في مَبْنَى ومَعْنَى هذه النصوص المُترجَمة. الشيء الذي ينضاف إليه عدم إدراك مضمون النص أو تشويه مضمونه.

لذلك نرى أنه عند الرغبةِ في ترجمةِ النصوصِ الفلسفيةِ، لا بُدَّ من اعتبار أهميةِ المَتْنِ بالنِّسبة للفيلسوفِ. ذلك لأن نصوص الفلاسفة لا تُفهم بعيدا عن الإرتباطِ العِلِّيِّ الذي يحكُم بعضها ببعض: هذه الفكرة سابقة عن تلك ولاحِقة عن الأُخرى، ومقدِّمة أو نتيجة لما كان سابقا أو صار لاحِقا. فالأفكار والأطروحات تُنْتَجُ وتَنْمُو وتَتطوَّرُ، تَمُوتُ وتَحْيَا.    

وينتج عن ما سبق أننا غالبا ما نكُون ضحايا للكَيفِيَّةِ التي نقرأ بها، ولطبيعة ما نقرأه. فالقراءة التي يتم فيها بَتْرُ النصوص عن سياقاتها، ولاَ تُرَاعَى فيها أهمية المَتْنِ الخاص بالفيلسوف والابستيمي الخاص بالعصر، لا يمكِن أن يَنْتُجَ عنها أيُّ فَهْمٍ مُطابِقٍ لفكر الفيلسوف. بل إننا نكُون جرَّاءَ ذلك ضحايا الترجمات التي نلجأ إلى قراءتها، خاصة حين تكُون مصدرُنا الوحيد في المعرفة بالفلسفة ولا نكُون مُلِمِّينَ باللغة الأصلية للنصوص الفلسفية أو اللغة المُترجَم عنها. وهذه هي حال كثيرين منا: أُحاديي اللغة (مُعَرَّبِينَ) ومُستعدِّين لالتِهَامِ كل ما يُترجم لهم إلى هذه اللغة (سواء كانت اللغة العربية أو الفرنسية أو أي لغة لا يُتقنون سِواها)، دون أن تكُون لديهم الأسلحة الضرورية لمُواجهة ما قد يُصادفونه من مشاكل في المَبنى والمَعنى!

وإذا سلَّمنا بأن الترجمة فعل حضاري، فإن ما يَنْتُجُ عن هذا الإعتبار هو ضرورة اعتماد منهجية المُقارنة والمُواجهة بين الترجمات، باعتبارها اختيارات وتأويلات، وإعادة إنتاج للنصوص الأصلية في اللغة المُترجم إليها. وذلك لكي يكُون قارئ النصوص المُترجمة واعيًا بالمَسافاتِ والرِّهانات التي تحكُم فِعْلَ الترجمة. فالترجمة بهذا المعنى لا تَنْفَصِلُ عن التَّحْقِيقِ إلِا َّلاعتباراتٍ منهجيةٍ وبيداغوجيةٍ. إذ، غالبا ما يمتدُّ عمل المُترجم والمُحقِّق لاستعمال وسائل عمل يبدو أنها تَخُصُّ الواحد منهما دون الآخر. لذلك لا بُدَّ للمترجم من أن يكُون مُقنِعًا في اختياراته التَّرجُمية، وأن يَعْتَمِدَ على هامش النص المُتَرجَم، شُروحاتٍ مُضيئَةٍ للنص. وهي حواشي يمكِنها أن تستفيد من قراءات الآخرين للنص المُراد ترجمته، ومن خلال قراءته هو للمَتن الفلسفي الخاص بالفيلسوف، ولمَنْزِلَةِ النص ضمن هذا المَتن.

3 - ترجمة القدماء للنصوص الفلسفية في المشرق والمغرب

كانت مؤسسة بيت الحكمة التي أسسها الخليفة العباسي المأمون (786 م - 833 م) بالمشرق (خلال العصر العباسي)، الإطار الذي أُنشِئَت فيه أُولى الترجمات الخاصة بنصوص الفلسفة اليونانية وتراث الحكمة المشرقية. كما أنه بالإضافة إلى عمل هذه المؤسسة، عرف الغرب الإسلامي أكبر عملية شرحٍ لنصوصِ ومؤلفاتِ الفلسفة الأرسطية التي تَمَّتْ ترجمتها من قبل بالمشرق العربي. وهذه المُهمَّة التي اضطلع بها فيلسوف قرطبة ومراكش، أبا الوليد محمد بن أحمد بن ابن رشد (1126م- 1198م)[5]، وكان هدفها المُعلَن هو ''رفع قلق عبارة أرسطو''[6].  وقد تحقَّقَ هذا المشروع الحضاري بإيعاز من أبو يعقوب يوسف الموحدي (1135م -1184م)[7]، وتحت إشراف فيلسوفٍ فريدٍ في التاريخ الإسلامي هو ابن طفيل (1110م- 1185م)[8]. وقد نتجت عن هذا العمل الرُّشْدِي نماذج ثلاثة في شرح النص الفلسفي الأرسطي هي: المُختصرات والشروح الصغرى ثم الشروح الكبرى[9].

وفي نفس السياق، يمكِن ملاحظة الأعمال الفلسفية للكندي (805 م – 873 م)، والذي أنتج من خلالها رسائل تعتمِد قاموسا خاصا بها، وكأنه لا يركُن إلى إكراهات ''قلق العبارة اليونانية''. بل إن الكندي عمل من أجل الاستِفادة القُصوى من الإمكانيات الهائلة التي تُتِيحُهَا اللغة العربية، فأبدع بذلك عبارات ومفاهيم مثل الأَيْسِ واللَّيْسِ والمَائِيَّةِ وغيرها. والملاحظ أنه بالرغم من كونه لم يكُن يعرف اللغة اليونانية، فإن أعماله الفلسفية تُبِينُ كَونِه كان يتفاعل مع الترجمات الرائجة في زَمَنِهِ ويُبدعُ في فَهمِها و''تَبْيِئَتِهَا''.

وإذا كانت الغاية المرسومة لعمليات الترجمة في القديم هي تبليغ ما تمَّت ترجمته إلى العربية، بلغة دقيقة، سواء في عناوينه أو في مفاهيمه، تركيباته الخطابية أو بناءاته الحجاجية، فإن هذا الرهان ما كان له ليتحقق دون وجود استراتيجية كانت تحكم فعل الترجمة باعتبارها فِعْلَ كتابةٍ شَاقَّةٍ. الشيء يُمْكِنُنَا معه القول بأن اعتماد المُنطلقات الأساسية لمشروع الترجمة، رهان يُضْفِي على المدخل الذي يتصدَّر الترجمات، دورا وظيفيا وتأسيسيا لهذه الكتابة الشاقة.      

4 - مشكل اختيار النصوص للترجمة

ترتبط بترجمة نصوص الفلسفة الغربية إلى العربية إشكالية صميَّمة هي إشكالية اختيار النصوص. والسؤال هو ماهي العوامل التي تتحكَّم في هذا الاختيار؟ وهل يَنْبُعُ هذا الاختيار من أسئلةِ الرَّاهِنِ الفلسفي ببلادنا أم أن هذا الإختيار نابع فقط من اهتمامات المُشتغلين بالحقل الفلسفي؟ فنحن لا نملك ما يكفي من المؤسسات الفكرية والفلسفية التي تجعل من مهامِّها اختيار نصوصٍ بعينها من أجل الترجمة، إلى الحدِّ الذي يمكِننا معه القول بأن لدينا صناعة ثقافية وموسم ثقافي. لذلك، أمكَن لنا القول بأن ما لدينا هو نوع من تفاعل بعض الجامعيين بما هو شائِع في الأوساط الثقافية والفلسفية بالعالمين الفرنكفوني أو الأنجلوساكسوني من أفكار ومؤلفات. الشيء يَلزم عنه أن هذه الترجمات غالبا ما تكُون عبارة عن ترجمات انتقائية.

ولعل ما يمكُننا ملاحظته بشأن العديد من نصوص الفلسفة المُترجَمة إلى العربية، والتي قُلْنَا عنها بأنها انتقائية، كونُها لا تعكِس الإلمام الضروري لدى بعض المُترجمين بالمَتن الأصلي للفيلسوف المُترجَم عنه. كما أنها في العديد من الأحيان يتمُّ التَّصْدِيرُ لها، أو التَّهْمِيشُ على قضاياها، بكلامٍ يُلقَى على عَوَاهِنِهِ، فيصيرُ خَلِيطًا من الأفكارِ القوميةِ التي تَسْعَى بأي وسيلةٍ للرَّفْعِ من مَنْسُوبِ العواطف المُمَجِّدة للأنا القوميةِ وللتُّراثِ الفكريِّ والفلسفيِّ الإسلاميِّ. وفضلا عن ذلك، نعتقد بأن العديد من هذه التَّرجمات لا تَصْدُرُ عن اختيار منهجي يتم تبريره.

وفي هذا السياق، تعتبر حالة مؤلَّف "الإيديولوجية العربية" للدكتور عبد الله العروي[10]، مثالا مُقْلِقًا بشأن قيمة الأعمال التي يتم تقديمها إلينا باللغة العربية باعتبارها ترجمات للنصوص الفكرية والفلسفية. فقد صدر الكتاب (الإيديولوجية العربية) باللغة الفرنسية سنة 1967[11]، وصدرت ترجمته إلى العربية من طرف السيد محمد عيتاني في سنة 1970[12]. وحين أصدر الأستاذ عبد الله العروي، وهو الأستاذ المبرز في اللغة العربية، ترجمته الخاصة لكتابه في سنة 1995، كانت الفترة الزمنية الفاصلة بين الترجمتين، هي سِتَّةَ وعشرون سنة من بعد صدور ترجمة محمد عيتاني، وتِسْعَةَ وعشرون سنة من تأليفه له باللغة الفرنسية، كافية كَيْ يَظْهَرَ لعبد الله العروي بأن ترجمة محمد عيتاني لا تَفِي بِالغَرَضِ. فهي في نظره ترجمة مَلِيئَةٌ بالأخطاءِ ولم تتوفَّق في بلوغ غرضها وغرض المؤلِّف، كما أنها لا تخضع حتى لأبسط قواعد البيان العربي[13]. إن قرار الأستاذ عبد الله العروي إصدار ترجمة شخصية لمؤلَّفٍ كَتَبَهُ هو نفسه باللغة الفرنسية، تُبِينُ عن محدودية أطروحة الأصل والنُّسخة التي يتحدَّث عنها العديد من المُهتمين بإشكاليات الترجمة[14]. وإذا كان غرض الأستاذ العروي هو الاستدراك على ترجمة محمد عيتاني، فإنه مع ذلك لم يَقِفْ عند هذا الحدِّ. فقد اعتبر أن ما يقوم به هو تحقيقٌ لرغبتهِ في أن يكُون القارئ العربي على اطِّلاَعٍ مُبَاشِرٍ، ولأوَّلِ مَرَّةٍ على مؤلَّفه الإيديولوجيا العربية المعاصرة في طبعته العربية [15].

وبعيدا عن مثال الدكتور عبد الله العروي، نتناول نموذجا آخر للترجمة في الفلسفة. يتعلق الأمر بترجمة كتاب ''الإتيقا'' لسبينوزا إلى اللغة العربية. وبالرغم من ضيق الحَيِّزِ الخاص بهذا المقال، وما يَنْتُجُ عن ذلك من عدم إمكانية التفصيل والمقارنة بين النسختين العربيتين لترجمة كتاب الإتيقا، فإننا ونحن نوجه القارئ إلى أهمية ترجمة هذا النص، ندعوه أيضا إلى مراجعته حتى يتبين له أهمية النص، وأهمية ملاحظاتنا حول الترجمتين العربيتين التي بين أيدينا.

فقد صدرت الترجمة الأولى لكتاب سبينوزا مع الدكتور جلال الدين سعيد بعنوان ''علم الأخلاق''[16]، مقابل المفهوم الفرنسي «Ethique »، الذي هو العنوان الأصلي لمؤلف سبينوزا. وكانت هذه أول ترجمة عربية تَصْدُرُ بعد ثلاثة قرون على تأليف سبينوزا لكتاب الإتيقا. وجدير بالملاحظة أن هذه الترجمة لا تتوفر لا على الحواشي ولا على أي إشارة للقراءات التي اتخذت السبينوزية موضوعا لها. غير أن المُترجم جلال الدين سعيد، حرص في التقديم الذي اعتمده لترجمته على ذِكر الأسباب الكامنة وراء اختياره للعنوان العربي[17].  

سيترجم الدكتور أحمد العلمي نفس الكتاب تحت عنوان مغاير هو ''الإتيقا''[18]، وسيعرض في تقديم هام تصدَّر به ترجمته، لمبررات اختياره لهذا النص، من خلال عرضه لأهم الدراسات السبينوزية واتجاهاتها، ومن خلال تناوله أيضا بالتقويم لحدود الترجمة العربية السالفة الذكر للإتيقا. وسيلاحظ قارئ هذه الترجمة أن الدكتور العلمي أغنى هذه الترجمة بالهوامش التي تجعل القارئ يطَّلِع على السبينوزية والدراسات المُرتبطة بها في تعدُّدها واختلافها، الشيء الذي يمكِن من خلاله تَبَيُّنُ موقف واتجاه الدكتور أحمد العلمي من هذه الدراسات. وفضلا عن ذلك، نَجِدُ في آخر هذه الترجمة معجما غنيا، يَنِمُّ عن كَوْنِ الأستاذ أحمد العلمي أحد أَلْمَعِ السبينوزيين المعاصرين الذي ينبغي للجامعة المغربية أن تفتخر بهم.

لذلك يمكن القول بأن هذه الترجمة تختلف عن الترجمة التي أنجزها جلال الدين سعيد، لا فقط من حيث المفاهيم المختلفة التي اختارها العلمي، ولكن أيضا من خلال ما تمتاز به هذه الترجمة من حَذَرٍ، يظهر جَلِيًّا للباحث المُهتم بالسبينوزية. ولعل مقارنة قضية واحدة (القضية 11) من الجزء الأول من كتاب الإتيقا لسبينوزا[19]، كافية للتَّنْبِيهِ إلى اختلالات الترجمة التي وقع فيها الأستاذ جلال الدين سعيد، حين تَرْجَمَ هذه القضية كما يلي:

''الله - أعني جوهرا يتألَّف من عددٍ لامحدودٍ من الصِّفاتِ المُعبِّرةِ كلُّ واحدةٍ عن    ماهيةٍ أزليةٍ ولامتناهيةٍ - وَاجِبُ الوجودِ''[20].

بينما نجد الأستاذ أحمد العلمي يترجمها بالآتي:

''الله، وبتعبير آخرَ جوهرٌ يتألَّف من صفاتٍ لامتناهيةٍ[21]، كلُّ واحدةٍ منها تعبِّر عن ماهيةٍ أزليةٍ لا متناهيةٍ، موجودةٌ بالضرورةِ''[22].

والملاحظ أن هناك تباين بين الصيغتين العربيتين لترجمة قضية واحدة. وهو تباين نرى بأنه يَمُسُّ في العُمق فهم فلسفة سبينوزا، باعتبارها فلسفة تقول بالمُحايثة في الوجود. ويظهر لنا هاهنا تفوُّق ترجمة الدكتور أحمد العلمي، لأنها لا تَرْمِي بنا نحو سِجِّلٍّ فلسفيٍّ آخر مغاير للسبينوزية، كالسِّينَوِيَّةِ (نسبة إلى ابن سينا). الشيء الذي يَدْفَعُنَا أيضا إلى القول بأهمية المُقارنات بين النص الأصلي وترجماته. كما يدفعنا إلى تأكيدِ أهميةِ تَعَدُّدِ الترجماتِ التي قد يخضع لها النص الواحد. ففي فرنسا مثلا نجد أن هناك ترجمات لمُتُونِ الفلاسفة تُعرف بأصحابها وبِدُورِ النشر الصادرة عنها. بينما يظل الأمر محدودا عندنا في اللغة العربية، حيث يَسُودُ نَوْعٌ من الاعتقاد بأن مجرد إنجاز ترجمة واحدة كافٍ لاعتبار أننا نتوفَّر على نص الفيلسوف وأنه فيما يبدو ليس هناك ضرورة لإنجاز ترجمة أخرى.

5- نقد النصوص التي تُتَرجم إلى العربية

وانطلاقا مما سبق، كيف يمكِن ممارسة نقد هذه النصوص التي تَصِلُنَا إلى لغتنا العربية عبر الترجمة، ونحن نَعْرِفُهَا في لغتها الأصلية أو من خلال لغاتٍ أخرى غير لغتنا المُترجَم إليها؟ ولماذا لا يخضع النص الفلسفي الواحد في لغتنا لترجمات عديدة[23]، إلا نادرا؟

في اعتقادي أن الإجابة عن هذين السؤالين بسيط للغاية، وهو أننا ما زِلْنَا لم نفهم بعد بأن الترجمة الجيِّدة للنص هي امتلاكٌ له. كما أنها تمرينٌ أكاديمي ومنهجي يضع المُترجمين أمام مسؤولية اختياراتهم، التي ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها تأويلات قد تَختلف وتتصارع من أجل إثبات قيمتها، ما دامت هذه الاختيارات ليست حَلًّا تِقْنِيًّا نِهائِيًّا. لذلك، فإصدار الترجمات لا ينبغي النظر إليه باعتباره عملا معزولا بل إنه عمل أكاديمي مرتبط بالمَتن والسِّياق الخاصين بالفيلسوف. وهذا ما يَدْفَعُنَا إلى طرح التساؤل التالي: بأي معنى يمكِن الحديث عن فُرُوقٍ جوهريةٍ بين ترجمةِ النصوصِ الفلسفيةِ وترجمةِ نصوصِ الروايةِ والأدبِ عمومًا؟ [24].

لا شك أن بين نصوص الفلسفة ونصوص الأدب تمفصلات، لكنها لا تلغي التمايز الذي هو في الواقع ناتج عن طبيعة تشكُّل الخطابين. لذلك يمكُنني القول بأنه إذا كانت أحوالنا الوجودية، بوصفنا كائنات محكومة بوضعية الارتباك الناجمة عن كَوْنِنَا مُوزَّعين ومُنتَشِرِين عَبْرَ جِهَاتِ عالِمنا المَنظُور، هي التي تَفْرِضُ علينا مهمة الترجمة، تماما مثلما تقتضيها أيضا وضعيتنا بعد "بلبلة" ألسُننا، فإن ذلك ما يجعل من الترجمة دوما رهان تتعدَّدُ مقاصده. غير أن رهان الترجمة كَأَيِّ رِهَانٍ، يتعلق بالمستقبل الفكري والحضاري لمن يختارها وسيلةً للانفتاح على فكر الآخر. وهو عندنا رهان ترجمة نصوص فلسفة الآخر وعلومه إلى لغتنا العربية.  

انطلاقا من ذلك، نعتبر أن اللغة التي يتم بها صياغة النصوص الفلسفية وغير الفلسفية، تستمد مقوِّماتها من التوجُّهات الفكرية والثقافية والتاريخية لأصحابها، إن لم نقل إنها تتَّخِذُ مذاهبهم ومعتقداتهم أساسا لتوجُّهاتها. كذلك يتمُّ فعل الترجمة بالنَّظر إلى ما يحكُم لغة المُترجمين (لغة الانطلاق ولغة الاستقبال) من توجُّهاتٍ. ولا شك أن هذه الأمور مِمَّا يُعَقِّدُ مُهَمِّةَ المترجم، خصوصا حين يجدُ نفسه أمام التَّوجِيه المُزدوج الذي يَحكُم عمله، وينبغي له أن يَعِيَه حتَّى لا يذهب عمله سُدًى. فاللغة التي يعتمدها المُترجم، هي غالبا ما تكُون لغةً مُشْبَعَةً بما هو عقائدي وايديولوجي! وقد يحدث أن يتسرَّب إلى المَتْنِ مفهوم له نَفَسٌ عقائدي أو أيديولوجي، فيتم ترجمته و"فلسفته" كَيْ يصير مُقْنِعًا للقارئ المُفتَرض.  

6- المفاهيم الفلسفية وإشكالية تطابقها مع لغة الترجمة 

يعتبر موضوع اختيار المفاهيم الفلسفية المطابقة للغة الترجمة من القضايا ذات الأهمية القصوى المحددة للتوفيق في ترجمة النصوص الفلسفية. وقد أشار مثلا "شارل أبون"[25] على هامش ترجمته للرسالة اللاهوتية السياسية، في الفقرة الأولى من الفصل السادس عشر، إلى أنه لِكَيْ يتم فهم فكر سبينوزا في هذا الفصل، ينبغي الوعي بأهمية التمييز بين معنى حق طبيعي (Jus naturale) التي يتم ترجمتها خطأ في الفرنسية (Droit naturel). فالحق الطبيعي ليس قوةً أو سلطةً (Pouvoir) شرعيةً يمتلكها الإنسان. ففي الطبيعة لا مجال للحديث عن مشروعيةِ أَيِّ قوة من عدمها. فالحق الطبيعي هو حق السلوك وِفْقَ قوانين الطبيعة ووِفْقًا لقوانين الطبيعة الخاصة للفرد. إنه معنى آخر للحق في حفظ الفرد لوجوده والاستمرار فيه باعتباره ماهيته الحالية، كما نقرأ في إحدى قضايا الجزء الثالث من الإتيقا[26].  

كما أن مترجم كتاب جيل دولوز سبينوزا ومشكلة التعبير[27] (Spinoza et le problème de l’expression) يسقط في مُشكل نَعْتَقِدُ بأنه مرتبط بفهم سبينوزا وفهم قراءة دولوز لسبينوزا. لقد أساء المُترجم فهم الفيلسوفين فوقع في مشاكل أَضَرَّتْ كثيرا بما يقصده دولوز في كتابه السالف الذكر. وإني إذ أكتفي هاهنا بِذِكْرِ مثالٍ واحدٍ هو ترجمته لمفهوم (Mode) بالنمط، فلكي أُبَيِّنَ إلى أَيِّ حَدٍّ تعكِس هذه الترجمة المزعومة نموذجا لما يمكِن أن يكُون عليه الخَلَلُ في ترجمة الفلسفة. فحين يستسهل المترجم التعامل مع المفهوم الفلسفي، ويعتبر ترجمته مُجَرَّدَ عملية تعريب ومسألة تقنية، تكُون النتيجة استحالة فهم غرض النص واستحالة رفع قلق عبارته ومعناه.     

وفضلا عن مشكلاتِ ترجمة المفهوم، نورد مسألة أخرى تتعلق بالتَّصرف في النص الأصلي (الأصل الفرنسي) المُراد ترجمته إلى العربية. فمثلا نجد المرحوم حسن حنفي يتصرف في النص الأصلي بِحَذْفِ بعض العبارات، كما هو الشأن بالنسبة لـعبارة (les déments et les gens sains d’esprit)[28]. بالإضافة إلى هذا المسألة، هناك مشكل اللغة التي يعتمدها المترجم الدكتور حسن حنفي. فسواء في المقدمة أو الحواشي على الترجمة، يعتمد حنفي لغة يَغْلُبُ عليها النفس العقائدي والإيديولوجي.  

لا شك أن هذه المسالة تُحيلنا على ضرورة اعتبار أن الفكر حين يَرُومُ التَّحقُّق الفعلي، إنما يكُون مُجسَّدا من خلال لحظات إبداع أساسية لمفاهيمه. والفلسفة تحديدا هي مجال للاختلاف الفكري وبَحْثٌ في ما هو غير مُنتظر ومحكوم بالتعدد والتنوع، الشيء الذي يجعلنا نقول بأن الفلسفة لا تُفسِّر، وأن مفاهيمها ينبغي أن تكُون ذاتها مَوْضِعَ تفسير[29]. فالفلسفة مُطالبة بإبداع مفاهيم قادرة على التعبير عن عواطفنا وانفعالاتنا. كما أن مهمة الترجمة في اعتقادنا شبيهة بمهمَّة الفلسفة. إنها إبداع المفاهيم، وعمل مُتَفَرِّدٌ، الشيء الذي يجعل من فعل الترجمة -أيضا- فعلا للتفلسف. والتفلسف كما يرى دولوز وكواتاري هو التفكير على الطريقة التي تَرَى بأن المفاهيم إبداع فلسفي محض[30].

وإذا كان هذا الأمر مِمَّا يُمكِنه أن يجعلنا بَعيدِين عن فكرة الأصل والنسخة، المحاكاة ونظرية المحاكاة، فهو يجعل من الترجمة والفلسفة، ومن الكتابة عموما، صياغة وعملا محفوفا بالمخاطر. أي، كما قلنا آنِفًا، كتابة شاقة وعملية فاعلة نتمكَّن من خلالها من عَيْشِ تجربة الإبداع والكشف، والانفتاح على المُمكِن والرَّاجح عبر قُدْرَتِنَا على سَلْكِ دُرِوبٍ نَتَصَفَّح من خلالها ما يبدو لنا ظاهرا حتى نتمكَّن من النَّفاذ عَبْرَ ثُقُوبٍ ممكِنة نحو ما هو مُتَوَارٍ عن أنظارنا المُباشرة. وهكذا يكُون فعل الترجمة تفلسفا يتم من خلاله التركيز على اختيار المفاهيم، والذي يتجسَّد من خلال مخاطرةٍ فكريةٍ. الشيء الذي يكُون معه وَهْمُ البحث في الترجمة عن المفاهيم الفلسفية، باعتبارها محاكاة، خيانة لمنهج الترجمة الذي يلزم في اعتقادنا اتباعه لترجمة النصوص الفلسفية.

ذلك لأن ترجمة المفاهيم عملية إبداعية تدخل ضمن فهمنا للترجمة بوصفها كتابة شاقة. فهي دائماً كتابة مع الآخرين (نصوص وأرشيف وقراءات ومُتون)، ما دامت مثل كلِّ كتابةٍ رحلة فكرية نُقبِل عليها ونحن واعون أشدَّ الوعي برهاناتها التي لم تُكتسَب بعد.

7- المداخل باعتبارها عتبات النص المُترجَم؛ 

تُعتَبَرُ المداخل التي يتم بها التَّصدير للنصوص الفلسفية المُترجَمة، عتبات تروم بلوغ إحدى الغايات الأساسية للترجمة في ثقافتنا الإسلامية العربية، وهي تقريب النصوص المترجمة إلى القارئ العربي. غير أن ما يظهر لنا في الواقع هو أن بعض هذه المداخل، تجعل من فعل الترجمة فعلا عبثيا. فعندما يَتِمُّ تحميل هذه المداخل ما لا تطيق، كأن تَصِيرَ مَسكونة بالهواجس العقائدية والطموحات الأيديولوجية للمُترجم، تكُون النتيجة هي إِفْسَادُ إحدى العناصر الأساسية لتحقيق ترجمة فلسفية جيدة، تَرُومُ بلوغ غرض النص الأصلي. والأمثلة عديدة ولا يتَّسع المقال للتوسع فيها. لذلك نكتفي بالإشارة إلى نماذج من ترجمة ميكيافيللي، وسبينوزا ومنتيسكيو.

ففي ترجمة كتاب ميكيافيللي "فن الحرب" (L’art de la guerre) التي أنجزها صالح صابر زغلول[31]، إقحام لذاتيته وقناعاته. كما أن النص المُترجَم لا يَخْلُو من هفوات طالت المعاني والعبارات. كما أن في ترجمتي "الإتيقا" لسبينوزا، المشار إليهما أعلاه، نلاحظ أهمية المداخل والتقديمات، مادامت هي التي تُبِينُ لنا عن استراتيجية المُترجِم. ويكفي مقارنة ترجمات السيد جلال سعيد لــ"الإتيقا" تحت عنوان ''علم الأخلاق''، و"رسالة في اصلاح الفهم" لسبينوزا، بالترجمة التي أنجزها أحمد العلمي للإتيقا، لِتَتَّضِحَ أهمية التقديمات التي تكُون مُرفقة بالترجمة.

غير أن نموذج الأستاذ عبد الله العروي في ترجمته لكتاب مونتسكيو، "تأملات في تاريخ الرومان"[32]، تَسِيرُ في الإتجاه الذي نعتقده الصواب. فهي، فضلا عن عِنايتها بلغة الترجمة وخاصة مفاهيمها، تُعْلِنُ من خلال التقديم الهام والحواشي المُرفقة بالنص عن الغاية منها وعن أهمية ترجمة مثل هذه النصوص الكلاسيكية. ولا شك أن هذا يعكس أن عبد الله العروي كان قَصْدِيًّا في اختياره، مثلما كان مُجِيدًا لِكُلِّ عَمَلِيَّاتِهِ. ويكفي أن أُشِيرَ إلى أن العروي في كل ذلك يبدو وكأنه يُخاطِبُنا ويوجِّهنا إلى ما ينبغي أن يكُون عليه اختيار النصوص وإنجاز ترجمتها وِفْقَ قواعد احترافية لا يمكِن للقارئِ المُنتبه أن يغفلَ عنها.

لذلك يمكِننا القول بأن قيمة الترجمة تَتحدَّد أيضا بأهمية المدخل إليها. لأن هذه التقديمات الضرورية عتبات تعكس استراتيجية المُترجم ورهاناته، فضلا عن كونِها تُوجِّهنا لنتفادى سوء الفهم أو عدم كِفايته. ولأنها كذلك، فهي تَكشِف عن جِدِّيَةِ المُترجم ومَدَى تَمكُّنِهِ من أدوات العمل ومن المَتن الفلسفي الخاص، مثلما تعكس مستوى استيعابه لرهانات النص الأصلي. غير أن هذه التقديمات قد تكُون مجالا لإسقاط هواجس وانفعالات الذات على النص وتأويله بشكلٍ سيِّئٍ.

8- الحواشي، بين التبرير وإنتاج المعنى داخل النص المترجم

انطلاقا مما سبق، نعتقد أنه لا معنى لأيِّ ترجمةٍ لا تَعتَمِدُ حواشي على النص المُترجَم، ما دامت وظيفتها هي أن تكُون توضيحًا لعملِ المُترجِم ولاختياراته المفهومية. إنها عملية يتمُّ من خلالها إبراز قيمة الأفكار التي نُؤَسِّسُ عَبْرَهَا لعملية الكتابة، التي هي هنا عمليَّةُ ترجمةٍ مُزدوجةٍ: ترجمة لأفكار النص التي لن تتم إلا من خلال ترجمتنا لأفكارنا ومعانينا التي نُطابقها بالنص. لذلك فإن لها ضرورة معرفية وتاريخية، باعتبارها ليست مُجرَّد تَسْوِيدٍ لبياض النص، بل إن الغاية منها هي إضفاء معنى وقيمة ومصداقية معرفية للنص الذي تُلْحَقُ به.

وينتج عن ما سبق، كَوْنُ الحواشي التي يتم اللجوء إليها في الترجمة هي تجعل من هذه الأخيرة شبيهة بعمل الأَرْشَفَةِ. ففي الحاشية يتجلَّى الأرشيف بكل دلالاته ووضوحه وقيمته. فالحاشية أيضا هي التي تُعْطِي للمبدأ القضائي كامِل هِبَتِهِ، كما يذهب إلى ذلك جاك دريدا[33]. من هنا، لا قيمة للأرشيف دون حضور الحواشي التي تُضْفِي عليه تَجَلِّيَهُ القويُّ. والترجمة لا تكُون مُضاءة إلا باعتمادها على الحواشي، التي لا معنى لها إلا إذا كانت تَسْتَوْحِي قيمتها وعملياتها من عمل الأرشفة. فالعمل الذي يقوم به المترجم أشيه في عملياته بعمل الأَرْشِيفِي الذي من مهامِّه حِفْظُ الأشياء من الضَّيَاعِ والتَّدمِيرِ. أي، حِفْظُهَا من الموت، ومدِّهَا بحياةٍ أخرى. إن عمل المُترجِم إذن، هو إعطاء الحياة للنصوص خارج لغتها الأصلية. ولا شك أن هذه الحياة تحتاج إلى عمليات البناء التي تتحقَّق عبر الحواشي.

يهدف المترجم عبر الإعتماد على الحواشي إلى نوعٍ من عمليَّةِ تَرْمِيمِ الفهم وحَثِّ القارئ على التَّذَكُّرِ، وإِشْبَاعِ أَيِّ مفهومٍ بالعديدِ من الإضاءاتِ. بذلك تكُون غاية اعتماد الحواشي هي حَثُّ الأذهانِ على ضرورة الانتباه إلى خصوصية المَقُول بوصفِه خِطَابًا له دلالة أصلية ضمن سياقِ النص والمَتن والبراديكم الخاص بالعصر الثقافي الذي أُنتِج فيه النص.

فالحواشي في اعتقادنا، عملية يتم اللجوء إليها من أجل التَّحكُّم في حركيَّةِ إنتاجِ النص المُتَرجَم داخل اللغة المُستقبِلة. لذلك فوظيفتها أكبر من مُجَرَّدِ كَونِها عملية لتبرير الاختيارات والاستراتيجيات التي يلجأ إليها المُترجِم في عَمَلِهِ، الذي لا ينبغي النَّظَرُ إليه باعتباره مجرَّد عملٍ احْتِرَافِيٍّ. وهذا ما يجعل كل مُترجم جادٍّ، مَسكُونا بِهَوًى وَشَغَفٍ يتحوَّل معه إلى فاعلٍ يتحرَّك تَحْتَ ضغط فكرةٍ هي ما نُسَمِّيهِ الفكرة/المنطلق، التي يَعتقِد بأنها تَمْنَحُهُ إمكانية النجاح في عمله الترجمي. ذلك لأنه غالبا ما يكُون المُترجِم وَاقِعًا تحت تأثير هاجس طموحه لكي يكُون مُنْجَزُهُ على وجهٍ أفضل. وعموما، فالمُترجم يَعتقِد بأنه يستطيع بعقله أن يتغلَّب على أحاسيسه ومشاعره. أي، أن يتغَّلب على عواطفه وانفعالاته سواء كانت انفعالات فاعلة أو كانت انفعالات منفعلة.

خلاصات:

لقد حاولنا في الفقرات السابقة مقاربة مسألة ترجمة النصوص الفلسفية إلى العربية، وبيَّننا من خلال بعض النماذج قيمة وأهمية المداخل والحواشي، مثلما توقفنا عند مشكلة اختيار المفاهيم التي اعتبرناها مرتبطة بأهمية المفهوم في إنتاج الأقوال الفلسفية.

ويبقى أن نؤكد أنه إذا كانت أحوالنا الوجودية، بوصفنا كائنات محكومة بوضعية الارتباك الناجمة عن كَوْنِنَا نعيش تحدي الانفتاح على العالم الذي يسكننا، وكانت هذه الوضعية هي ما يجعل من الترجمة، وترجمة النصوص الفلسفية بخاصة، فعلا للكتابة، يتميز بِكَونِه يقتضي معرفةً بالمَتْنِ والبراديكم الخاص بالعصر، كما يقتضي من المُترجِم وضع تبرير لاختياراته المفاهيمية واللغوية بما يجعل منها، ومن المداخل والحواشي، لحظات للتفلسف ولإنتاج المعنى، بعيدا عن الأهواء القومية والرهانات الايديولوجية، فإن الترجمة، وتحديدا ترجمة نصوص الفلسفة وعلومها إلى لغتنا العربية، ينبغي أن تكُون في نظرنا محكومة دوما برهان أساسي هو أن نفهم هذه النصوص الفلسفية. وهذا الفهم ليس غير تَمكُّنِنا من ترجمتها ترجمةً سليمةً، الشيء الذي يجعل من هذا الرهان رهانا مفتوحا دوما على المستقبل.

لذلك يمكِننا القول بأن ما يُمَيِّزُ البِنية الدائمة لفعل الترجمة هو أن يكُون المُشتغل عليها دوما في وضعية الخطر. فأنْ نَفعل (أن نترجم) يعني أن نَضَعَ قيمة حياتنا الأكاديمية والعلمية في خطرٍ فِعْلِيٍّ. غير أننا لا يمكِننا -مع ذلك- إِلاَّ أن نُترجِم، مادام وجودنا يفرض علينا أن نكُون فاعلين في عملية كونية دائمةٍ ومستمرةٍ، هي عملية التَّثاقُف التي تقع الترجمة منها موقع الصدارة والأولوية.

 

[1] - نعتبر بأن مشكل "رفع قلق العبارة الفلسفية"، يقع في صلب اهتمامات الفلاسفة المسلمين، الذين واجهتهم عند ترجمتهم لنصوص الفلسفة اليونانية، مشكلات المعنى سواء داخل اللغة المُترجَم عنها أو داخل اللغة العربية التي يُترجَم إليها. وقد قدم لنا الفيلسوف الكندي (805 م – 873 م)، مثالا لما يجب أن يكُون عليه الحِرص على "رفع قلق العبارة الفلسفية"، فوضع مفاهيم عربية مقابلة للمفاهيم اليونانية جعلت فلسفته واضحة المبنى والمعنى. لذلك نرى بأن هذا المشكل مرتبط في العمق بالكتابة الفلسفية، وبتبليغ الفلسفة، الذي هو تبليغ لأغراض الفلاسفة الذين نُتَرْجِمُ عنهم. ومعروف أن ابن طفيل (1116 م – 1185 م)، اشتكى من غموض اللغة التي يكتب ابن باجة (1077 م - 1082 م). كما أن الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب (1184 م - 1199 م)، اشتكى بدوره إلى ابن طفيل أمر القلق الملحوظ في عبارة المترجمين المسلمين لأرسطو. وقد اعتبر الخليفة أن أعمال هؤلاء لا تفي بالغرض منها. ولا شك أن المقصود هاهنا هو غرض تقريب عبارات ومعاني الفلاسفة اليونان، وخاصة أرسطو، إلى فهم القارئ العربي.

للتوسع بشأن هذه الملاحظة يمكن الرجوع إلى:

عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تقديم ممدوح حقي، تحقيق محمد سعيد العريان، دار الكتاب البيضاء ط 7. 1978، ص: 353-354.           

[2] - نعتبر الاهتمام بأمر "تقريب" الفلسفة ومعانيها إلى القراء من الهواجس التي كانت حاضرة لدى الفلاسفة المسلمين، سواء من خلال ترجمة مؤلفات اليونان أو من خلال التلاخيص والتفسيرات التي أُنجِزت خلال هذه الحقبة. وقد اضطلع بهذه المهمة فلاسفة من المشرق والمغرب، منذ الكندي رسائله الفلسفية، وابن سينا وموسوعة الشفاء (980 م-1037م)، ومصنفات الفارابي الميتافيزيقية والسياسية، إلى شروح وتلاخيص ومختصرات ابن رشد (1126م- 1198م). ونحن نعتبر في السياق نفسه أن هذه الغاية هي التي دفعت أيضا بابن حزم (ت: 1064 م) إلى تأليف كتاب له بعنوان "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية"، (وقد حققه إحسان عباس، دار مكتبة الحياة – بيروت 1900) . كما أن ابن طفيل (1116 م – 1185 م)، وهو أحد ألمع الفلاسفة المسلمين، كتب رسالته الشهيرة "حي بن يقظان" بدافع "تقريب" وإشاعة الفلسفة، الشيء الذي جعل منها الكتاب الأكثر شُهرة وانتشارا من بعده.

[3] - يعالج جيل دولوز، وفليكس كواتاري وضعية المفاهيم في الفلسفة، في كتابه ما هي الفلسفة؟ ومن أجل مزيد من التوسع في الموضوع، يراجع: الفصل الأول من الكتاب، انظر:

جيل دولوز، وفليكس كواتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة: مطاع صفدي، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء 1997. ص 39.

[4] - المصدر السابق، الفصل الثالث: الشخصيات المفهومية، ص. 77.   

[5] - هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد (الحفيد). عاش بين سنوات، (520 هـ- 595 هـ) الموافق لــ14  إبريل 1126م، بقرطبة وتوفي 10  دجنبر 1198م، بمراكش.

[6] - انظر أعلاه: الهامش رقم 1 و 2.

[7] - هو أبو يعقوب يوسف بن أبى محمد عبد المؤمن بن علي القيسى الكومى ولد في تينمل بالمغرب في شهر رجب سنة 533هـ، وتولى الحكم بعد وفاة أبيه «عبد المؤمن» مؤسس الدولة، في جمادى الآخرة سنة 558هـ. حكم من 1184 حتى وفاته في مراكش عام 1199 الموافق لــ: 595هـ 

[8] - أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي عاش بين سنوات 1100م - 1185م. من أشهر مؤلفاته رسالة حي ين يقظان الشهيرة بعمقها النظري والفلسفي وقدرتها على إثارة العديد من الترجمات والتحقيقات والدراسات من أجل بيان قيمتها الفلسفية والثيولوجية. وقد كتب أيضا الأرجوزة في الطب.

[9] - جمال الدين العلوي، المتن الرشدي، مدخل لقراءة جديدة، الفصل الثالث، دار توبقال للنشر والتوزيع، 1986. 

[10] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ترجمة عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء 1995.

[11] -  A. Laroui, L'Idéologie arabe contemporaine : Essai Critique, éd. Maspero, Paris, 1967, réed. La Découverte, Paris, 1982.

[12] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، تعريب محمد عيتاني، تقديم مكسيم رودنسون، بيروت، دار الحقيقة للطباعة والنشر 1970.

[13] - أحصى عبد الله العروي في مقدمة ترجمته لكتابه الإيديولوجية العربية المعاصرة، الأخطاء التي وقع فيها المُترجم الأول لمؤلفه، فَبَيَّنَ أنها أخطاء تصل في مواضيع كثيرة إلى حدِّ قلب معنى النص. وفضلا عن ذلك، يرى أن في ترجمة محمد عيتاني أخطاء تَهُمُّ الاشتقاقات اللغوية والضمائر والأفعال والنُّعوت. ومثلما شملت هذه الأخطاء فهمه لحروف الربط والاستثناء، شملت أيضا فهمه العادي لعباراتٍ عاديةٍ. لقد امتدَّت أخطاء هذه الترجمة لتجعل منها نَّصًّا فَاقِدًا لغايتهِ، خصوصا وأن المُترجِم -في نظر الأستاذ عبد الله العروي- لم يَقُمْ بِغَيْرِ تعريب النص دون أن يُكَلِّفَ نفسه عناء البحث عن الأصول وإثباتها. انظر:

عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ترجمة عبد الله العروي، (مصدر مذكور)، صص. 8-9-10.

[14]- كتب الجاحظ (ت 868 م)، في كتاب الحيوان عن مشكل الأصل والنسخة في الترجمة، مُعْلِيًا من قيمة الأصل قياسا إلى ما تُمَثِّلُهُ النسخة. ففي نظره يظل عمل الترجمان عملا تقصيريا بالضرورة والطبع. فالمرء في نظر الجاحظ، يَشُقَّ عليه الإحاطة بلغتين فأكثر. انظر:  

الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق محمد عبد السلام هارون، دار الجيل، 1955، الجزء الأول، صص. 75-79؛ والجزء السادس، ص 19.

[15] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة (مصدر مذكور)، المقدمة، ص. 14.

[16] - سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة جورج كتورة، تونس 1996، وأعيد طبعه من طرف المنظمة العربية للترجمة سنة 2009.

[17] - المصدر السابق، الصفحات: 21 -22-23 و27.

[18] - سبينوزا، الإتيقا، ترجمة وتقديم الدكتور أحمد العلمي، ط. 1: إفريقيا الشرق 2010.

[19] - PROPOSITION XI : « Dieu, autrement dit une substance consistant en une infinité d’attributs, dont chacun exprime une essence éternelle et infinie, existe nécessairement ».  Voir :

B. Spinoza, ETHIQUE,  Trad. A. Guérinot, est parue aux Éd. d’art É. Pelletan, Paris, en 1930. Paris, éd. Ivrea, 1993.

- PROPOSITION XI: « Dieu, c'est-à-dire une substance constituée par une infinité d'attributs, dont chacun exprime une essence éternelle et infinie, existe nécessairement ». Voir :

- B. Spinoza, ETHIQUE. Trad. et Introduction générale R. Misrahi, éd. de l'Éclat, Paris-Tel-Aviv, 2005.  

[20] - سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد (مصدر مذكور).  

[21] - يقول الدكتور أحمد العلمي في الهامش: '' استعملنا مفهوم لا متناهي للدلالة على كلمة infini.

[22] - يقول الدكتور أحمد العلمي على هامش هذه القضية: '' موضوع هذه القضية وموضوع براهينها والتعليق التابع لها هو تقديم براهين وجود الله''. 

[23] - يقول بول ريكور في كتابه ''حول الترجمة'' ، المقالة الأولى: ''تحدي الترجمة وسعادتها''، وهو محاضرة ألقاها في 15 أبريل 1997 بالمعهد التاريخي الألماني:

 « Il faut peut-être même dire que c'est dans la retraduction qu'on observe le mieux la pulsion de traduction entretenue par l'insatisfaction à l'égard des traductions existantes. ». P. 15.

- P. Ricoeur, Sur LA TRADUCTION, (Défi et bonheur de la traduction), éd. Bayard, 2004.

[24] - François Dédier, Entendre Heidegger et autres exercices d’écoute, éd. Le grand souffle, 2008.

من المعروف أن فلاديمير فينيامينوفيتش بيبيخين (1938-2004)، تَرْجَمَ لمارتن هايدجر الوجود والزمان إلى اللغة الروسية، وحافظ فيه على نفس عدد الكلمات والأسطر والصفحات. والسؤال هو: هل استطاع فعلا أن ينجح في تحدِّي الترجمة الذي يبدو أنه ينحصر هنا بالنسبة للمُترجِم عند ترجمة ما هو غير قابل للترجمة. أنظر:

محمد صالح يارة، حدود الترجمة، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد المزدوج 37,38. الناشر: مركز الإنماء القومي 2016.

[25] - B. Spinoza ; Traité Théologico-politique, Trad. et notes par Ch. Appuhn, éd. Flammarion 1965. Chap. XVI. Note 1. P. 372. 

[26] - سبينوزا، الإتيقا (مصدر مذكور)، الجزء الثالث، القضية 7. البرهان؛ والقضية 8.

[27] - G. Deleuze, Spinoza et le problème de l’expression, éd. Minuit, 1968.

وقد تمت ترجمته إلى العربية بعنوان: سبينوزا ومشكلة التعبير، ترجمة أنطوان حمصي، دار أطلس للنشر والتوزيع القاهرة 2004.

[28] - يراجع النص المقصود، و معه هامش المترجم، الذي يقارن فيه بين توماس هوبس وسبينوزا بشأن حالة الطبيعة في: - سبينوزا، رسالة اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، ومراجعة د. فؤاد زكريا، الفصل 16. دار التنوير2008. ص. 368.

ولتأكيد ملاحظتنا نوجه القارئ إلى نشرة أبون:

- Spinoza ; Traité Théologico-politique Trad. et notes par Ch. Appuhn. Chap. XVI. Ed. Flammarion 1965. P. 262.

[29] - دولوز، كواتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة: مطاع صفدي، المركز الثقافي العربي 1997، ص. 32.

[30] - (المصدر السابق)، ص 32.

[31] -  ميكيافيللي، فن الحرب، ترجمة وتقديم صالح صابر زغلول، دار الكتاب العربي دمشق-القاهرة، 2015، التقديم، صص. 13-16-17-18.

 [32] - مونتسكيو، تأملات في تاريخ الرومان: أسباب النهوض والانحطاط، نقله من الفرنسية إلى العربية عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء، ط. 1. 2011.

[33] - جاك دريدا، أركيولوجيا التوهم "انطباع فرويدي". ترجمه عن الفرنسية عزيز توما، شارك في الترجمة وقدم للكتاب وعلق عليه إبراهيم محمود، مركز الإنماء الحضاري، ط 1. 2005، ص 27.

العنوان الأصلي:

- Jacques Derrida, Mal d’archive, ''une impression Freudienne'', éd. Galilée, 1995. Paris .

 
رهانات ترجمة النص الفلسفي إلى العربية:  المفاهيم، المداخل والحواشي
Partager cet article
Repost0
30 octobre 2022 7 30 /10 /octobre /2022 15:24
التشغيل والجندر  -مدونة الشغل والأجيرة المغربية من خلال عقد الشغل

التشغيل والجندر

-مدونة الشغل والأجيرة المغربية من خلال عقد الشغل -

دراسة محكمة

 د. ادريس عبد النور

Employment and Gender Approach

-The Moroccan Labor Code and the Moroccan Wage through the Employment Contract -

Dr : driss abdennour

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

الكلمات المفاتيح: مدونة الشغل، المرأة الأجيرة، بطاقة الشغل، عقد الشغل، مقاربة النوع الاجتماعي.

هذه مساهمة بحثية  قاربت فيها صورة المرأة العاملة المغربية ضمن مستجدات مدونة الشغل الجديدة عبر دراسة نقدية استجليت فيها قدر الامكان تعالي النظرة الذكورية للمرأة من خلال التشريع للمجتمع وقد لامست بعض المقاومات لحقوق الانسان من طرف ما يعتبر لدينا كثقافة محلية خاصة بالمواد التالية المشرعنة للخرق القانوني ،173،175،176.

فالمدونة السابقة التي لم تعط لبطاقة الشغل أهميتها الاجبارية والتي نظرا لاحساس العاملة بالانتماء للمقاولة عبر هذه البطاقة من الناحية السيكولوجية ، وجب التفعيل الحقيقي للمادة 15 التي تخول للاجيرة الاحتفاظ بأحد نظيري عقد الشغل.

كما قاربت فيها وضعية الأجيرة وإشكالية العقد وما يترتب عندلك من حقوق واشكالات وما يمكن أن يحققه الانتماء النقابي النوعي من تثبيت مكانة المرأة داخل القطاع العمالي لجدير بان ننوه به داخل مدونة الشغل على الرغم من عدم استجابة المغرب  لتوقيع الاتفاقية الدولية رقم 87 حول الحرية النقابية وحماية الحق النقابي، وعلى الاتفاقية 135 حول حماية ممثلي العمال .

ورغم الإصلاحات التي تضمنتها المدونة في صيغتها الحالية بخصوص المرأة العاملة من أجل صيانة مكتسباتها وضمان حقوقها, فإن هذه الإصلاحات  تعتبر غير كافية من حيث أنها تتضمن مرونة فعلية تساعد على خرق مقتضياتها الحساسة اتجاه الأجيرات، كما أنها  قد أغفلت فئة خادمات البيوت آلائي يتعرضن لاستغلال بشع من طرف مشغليهن  .

ما هي أسباب إنكار وضعية هذه الفئة من الشغالات اللواتي أغفلتهن مدونة الشغل  رغم ذيوع الوضعية المزرية التي يتعرضن لها ؟.

 

Sommaire:

Mots-clés: code du travail, femme salariée, carte de travail, contrat de travail ,genre.

Il s'agit d'une contribution à la recherche dans laquelle j'ai abordé l'image de la femme travailleuse marocaine au sein des évolutions du nouveau code du travail à travers une étude critique dans laquelle il a été révélé autant que possible la transcendance de la vision patriarcale de la femme à travers la législation de la société. ،173،175،176.

Le code précédent, qui ne donnait pas à la carte de travail son importance obligatoire, et qu'en raison du sentiment d'appartenance du travailleur à l'entreprise à travers cette carte d'un point de vue psychologique, l'activation réelle de l'article 15, qui autorise la salariée à conserver un des exemplaires du contrat de travail.

Il a également abordé la situation de la salariée, la problématique du contrat, les droits et les problèmes qui en découlent pour vous, et ce que peut apporter une affiliation syndicale qualitative dans la stabilisation de la position des femmes au sein du syndicat, et la Convention 135 sur la protection des représentants des travailleurs.

Malgré les réformes inscrites dans le Code dans sa forme actuelle concernant les femmes qui travaillent afin de préserver leurs revenus et de garantir leurs droits, ces réformes sont jugées insuffisantes en ce qu'elles incluent une réelle flexibilité qui aide à enfreindre ses exigences sensibles envers les salariées, et elles ont également négligé la catégorie des bonnes qui sont soumises à une horrible exploitation de la part de leurs opérateurs.

Quelles sont les raisons de nier la situation de cette catégorie de travailleuses délaissées par le Code du travail malgré les malheurs généralisés auxquels elles sont exposées ?.

المقدمة

         تشكل مدونة الشغل قفزة نوعية بتاريخ التشريع المغربي  جاءت في وقت كثر فيه الحديث عن عولمة الرساميل وانتقالها عبر القارات  وانخراط المغرب في  هذا  المسار الاقتصادي  الواعد قد عجل بالنظرة الموضوعية  لكل قضايا الشغل المطروحة منذ مدة على الساحة النقابية إن لم يكن ميكانيزم تجنيد العار قد  ساهم في تحريكها ، وقد جاء في تصدير المدونة تلك الرغبة في الانتقال بالمغرب إلى حلبة التنافسية العالمية  والانخراط الجدي في تطوير الاقتصاد الوطني تقول" تأتي مدونة الشغل في وقت يسعى فيه المغرب  إلى   فتح  أوراش  التأهيل  الاقتصادي والاجتماعي ، للاستجابة لرهانات التنمية ورفع تحديات العولمة والتنافسية ، ولفتح المجال أمام الاستثمار الوطني والأجنبي في القطاع الخاص ، لأهمية الدور المنوط به لبناء اقتصاد عصري."([1])

وقد انخرطت المرأة المغربية في ميدان الشغل بعد التطورات التي طرأت على بنية المغرب الاقتصادية والاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية حيث عملت فرنسا على إعادة بناء اقتصادها المنهار انطلاقا من تأسيسها لمؤسسات ضخمة بالمغرب ، وقد خص ظهير 13/07/1926  المرأة العاملة بمقتضيات تنظيمية لتشغيل النساء  حيث نص هذا الظهير على: (منع قيام النساء بأي عمل يتجاوز 10 ساعات في النهار ومنع العمل الليلي ما بين 9 ليلا والخامسة صباحا ،كما نص هذا الظهير على حق العاملة في إجازة الوضع لثمانية أسابيع بدون اعتبار ذلك بمثابة فسخ للعقد ،كما مكنها من التمتع لمدة 6 أشهر التي تلي الوضع بالتوقف عن العمل لمدة نصف ساعة صباحا وأخرى بالمساء قصد الإرضاع ، كما منع هذا الظهير تشغيل الأجيرات في الاشغال الباطنة تحت الأرض في المناجم والمقالع ، كما نص هذا الظهير على إلزامية سهر رؤساء المحلات الصناعية والتجارية على المحافظة على حسن الآداب والأخلاق ومراعاة أمور الحشمة واللياقة العامة.

نلاحظ أن المبدأ التشريعي لهذا الظهير قد استمر في التواجد بجل التشريعات التي طُبقت بالمغرب مع بعض التعديلات التي سنستعرضها خلال هذا العرض.

- إذن ما هي الوضعية القانونية للأجيرة بمدونة الشغل الحالية ؟

-  ما هي مستجدات المدونة فيما يتعلق بالعاملة الأجيرة من خلال عقد الشغل ، إبرامه وسيرورته وإنهاؤه؟

-  هل نستطيع الحكم على المدونة في غياب القوانين التنظيمية ،و أن نصف تعاطيها لمشاكل العاملة الأجيرة بالايجابية أو بالسلبية؟

- هل نجد في مراحل عقد الشغل الإمكانية التي نقرا من خلالها الوضعية الدونية للمرأة؟

لقد طرحنا السؤال النقدي التحليلي على مدونة الشغل(99.65) لتعميق التساؤل حول الوضعية القانونية للعاملة الأجيرة بالاعتماد على أهم مراجع الفقه القانوني وخاصة المرجع الثلاثي التأليف الذي تطرق بالتحليل والنقد لمشروع 1998([2])

وقد انقسم هذا العرض إلى ثلاث محاور رئيسية تطرقت من خلالها لمستجدات مدونة الشغل التي لامست فيها البداية الفعلية لانخراط العاملة الأجيرة بالمقاولة بدء بإبرامها للعقد مرورا بمعرفة آثار صيرورة عقدها وتنفيذه بالموازاة مع ظروف الشغل في إطار التبعية القانونية للمشغل ، حتى مرحلة إنهاء هذا العقد.

كما ذيّلنا هذا العرض ببعض المقاربات النقدية كنتائج نأمل أن يؤدي تفعيل النصوص التنظيمية  إلى تطبيق مواد المدونة في جو تجد فيه العاملة الأجيرة نفسها متساوية مع الأجير داخل نفس المقاولة.

- فإلى أي حد استطاع عقد الشغل تحقيق التوازن في وضعية المرأة الأجيرة  وتبرير تبعيتها لمشغلها وحق هذا الأخير في إصدار التعليمات على اعتبار أن خضوع الأجيرة وتبعيتها لمشغلها انطلاقا من توقيعها لعقد الشغل هي المبرر الواقعي لتطبيق أحكام المدونة الحالية.

لهذا جاءت إشكالية البحث تستهدف إبراز مستجدات المدونة من خلال الروابط القانونية التي تحكم الروابط العقدية الخاصة بالعاملة الأجيرة من حيث مختلف العطل التي تتمتع بها والتغيبات المؤدى وغير المُؤدى عنها وحفظ الصحة والسلامة والأخلاق الحميدة داخل المقاولة ونظام الأجور ومسألة التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية .

المطلب الأول: المرأة الأجيرة من خلال إبرامها عقد الشغل.

الفقرة الأولى : إنشاء العقد وفق مبدأ عدم التمييز.

تشير المدونة لأول مرة في تاريخ تشريع الشغل المغربي صراحة عن فك ذلك التمييز الذي كانت تعاني منه النساء العاملات فيما قبل ، وجاء القسم الثالث من المادة 9 بصيغة منع التمييز فيما يخص إبرام عقد الشغل " يمنع كل تمييز بين الأجراء" وبذلك أصبح حق المرأة في إبرام عقد الشغل من أساسيات تواجدها بالمقاولة ، وقد نصت المادة 15 التي تستوجب حصول رضى أطراف العقد على "تتوقف صحة عقد الشغل على الشروط المتعلقة بتراضي الطرفين".

وقد ركزت المدونة على مبدأ عدم التمييز لتحقيق أساس تكافؤ الفرص في مواد أخري جاءت تحت اسم ، الوساطة في الاستخدام وتشغيل الأجراء وخاصة المادة478 ، لتكرر أحكام المادة9 لاعتبار الدور الريادي الذي تقون به وكالات التشغيل في هذا الباب تقول :" يمنع على وكالات التشغيل الخصوصية كل تمييز يقوم على أساس العرق ، أو اللون، أو الجنس، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي ، من شانه المس بمبدأ تكافؤ الفرص والمعاملة في ميدان التشغيل."

الفقرة الثانية :السياسة الأجرية انعكاس لدونية المرأة داخل العقد.

قبل ظهير18/06/1936،كانت الأجور في ميدان الشغل المغربي تخضع لقانون العقود والالتزامات على أساس مبدأ العرض والطلب حيث أشارت القرارات التي عدّلته (قراري 1937و1938) ،إلى الفرق بين الأجر الممنوح لكل من الرجل والمرأة.

وقد ظلت تصورات الحماية الفرنسية حاضرة في بقاء «مناطق الأجور " إلى غاية 15/01/1972، تاريخ صدور المرسوم الذي وحًّد الحد الأدنى للأجور دون التطرق للميز المُؤسس على الجنس والسن([3])

ورغم سعي المغرب لاحترام الاتفاقية رقم 100 حول المساواة في الأجور والتعويضات، التي صادق عليها المغرب بظهير 17/12/1980 فإن تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة 1995 قد سجل وجود تمييز بالنسبة لأجور العاملات حيث نسبة أجورهن أقل من 50 °/° فقط من أجور الرجال في نفس وضعيتهن المهنية.

ومن مظاهر استفاقة التشريع المغربي لعناصر التمييز الأجرية بين الجنسين انسجامه الأخير بالمدونة مع روح المواثيق الدولية ومقتضيات الاتفاقيات الدولية التي وقعها بالعلاقة مع مبادئ الدستور رغم توقيعه على الاتفاقية رقم  111 بشأن تحريم التمييز في التشغيل والعمل التي ألغت على المستوى القانوني كل مظاهر التمييز الأجرية القائمة على الجنس بين الرجل والمرأة ، مع العلم أنه قد  صادق سنة 1979 على الاتفاقية رقم100 حول المساواة الأجرية بين الجنسين.

وقد تطرقت المدونة  بالمادة 346 صراحة بالمنع لكل تمييز في الأجر بين الرجل والمرأة، تقول  "يمنع كل تمييز في الأجر بين الجنسين ، إذا تساوت قيمة الشغل الذي يؤديانه . " وقد عززتها بمقتضيات زجرية جاءت بالمادة 361 في إطار الزجر بالغرامة وقد  تُضاعف  الغرامة في حالة خرق مقتضيات المادة  السابقة الذكر إمعانا للأولوية التي تعطيها المدونة لصورة المرأة والتعامل معها ايجابيا داخل سوق الشغل، جاء في هذه المادة"...يعاقب عن عدم التقيد بأحكام المادة 346 بغرامة من 25000 إلى 30000 درهم.

وفي حالة العود تضاعف الغرامة المذكورة أعلاه." ([4])

الفقرة الثالثة: شمولية الوضعية التعاقدية للأجيرة: الشغل الليلي والأعمال الخطيرة والشاقة.

منذ تأسيسها أصدرت منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 4  سنة (1919) حول التشغيل الليلي للنساء حيث عملت على تحريمه كما صادق المغرب بالإضافة إلى اتفاقية رقم4 ،على اتفاقية رقم 41المعدلة لها، هذه الاتفاقية المتضمنة لاستثناءات خاصة .

لقد تخلت و تراجعت المدونة الحالية عن صيغة منع تشغيل النساء في أي شغل ليلي  التي جاء بها المشروع نحو إقرار قاعدة الإمكان حيث تقول المادة172 ،" يمكن تشغيل النساء ، مع الأخذ بعين الاعتبار وضعهن الصحي والاجتماعي ،في أي شغل ليلي " .

إذ اكتفت أحكام المدونة باحترام تدابير شروط الصحة والسلامة بالنسبة لتشغيل النساء ليلا . كما حددت نفس المادة الشغل الليلي في :

-  النشاطات غير الفلاحية "كل شغل يؤدى فيما بين الساعة التاسعة ليلا والسادسة صباحا".

-  النشاطات الفلاحية "كل شغل يؤدى فيما بين الساعة الثامنة ليلا والخامسة صباحا".

إن النص التنظيمي المشار إليه في المادة   172، قد أصبح لاغيا استجابة لنشاط المقاولة  المتواصل أو الموسمي ، فالمادة 173 ، التي تقول:" لا تسري أحكام الفقرتين الأولى والثالثة من المادة 172 على المؤسسات التي تحتم الضرورة أن يكون النشاط  فيها متواصلا أو موسميا ، أو أن يكون الشغل فيها منصبا على استعمال مواد أولية ، أو مواد في طور الإعداد ، أو على استخدام محاصيل فلاحية سريعة التلف." تعلن صراحة بعدم سريان أحكام الفقرتين من المادة السابقة على هذه المؤسسات مما يجعل المدونة تعطي بيد من فضة وتأخذ بيد من حديد، خاصة إعطاء صلاحيات  الخرق القانوني فيما يتعلق بتشغيل الأجيرات دون سن السادسة عشر وخاصة استغلال تلك الفئة العمرية في تكسير الإضراب المغلف داخل المدونة بصيغ تمويهية كما جاء في المادة 175" يمكن للمشغل ،  في حالة بطالة ناتجة عن قوة قاهرة أو توقف عارض، لايكتسي طابعا دوريا..." وكما جاء كذلك في المادة 176 "يمكن للمشغل أن يخالف مؤقتا.....عندما يقتضي الأمر اتقاء حوادث وشيكة الوقوع، ..." إن تقنين الخرق فيما يخص تشغيل الأحداث دون 16 سنة يعتبر آلة من آليات تكسير الإضراب تضعه المدونة بيد المشغل وبالتالي تكون قد أجهزت على المكتسبات التي تحققت في إطار المشروعية النقابية.

أما بالنسبة للأحكام الخاصة بتشغيل النساء فقد نصت المادة 179 على التأكيد على استمرارية النظرة لهاته الأشغال منذ ظهير 13 يوليوز 1926،حيث انه بمقتضاها "يمنع تشغيل الأحداث دون الثامنة عشر ، والنساء ، والأجراء المعاقين ، في المقالع ، وفي الأشغال الجوفية التي تؤدى في أغوار المناجم."

إلا أن هزالة الغرامة المنصوص عليها في المادة 183 (من 300 إلى 500درهم ) مدعاة للخرق ما لم يأتي النص التنظيمي للمادة 181 بجديد يعزز إمكانية التضييق على هذا الخرق .

المطلب الثاني: سريان عقد الشغل

الفقرة الاولى: حماية الحق في الشغل للأجيرة في حالة الوضع.

إن مبدأ توفير الحماية للأمومة قد تطرقت له الاتفاقية المراجعة لمنظمة العمل الدولية رقم103والتوصية رقم 95 ، والتي تنص على مجموعة من التدابير لحماية المرأة العاملة قبل وبعد الولادة وخاصة حماية حقها في الشغل، كما  التزمت كل الاتفاقيات الدولية بتقييد وحظر تشغيل النساء خاصة في فترات الحمل والوضع والرضاغة ،وقد نصت مدونة الشغل الحالية على اعتبار وضع المرأة الصحي والاجتماعي بالمادة 152، على مدة إجازة الوضع المحددة في أربعة عشر أسبوعا مع ترك الباب مفتوحا للاستثناءات الأفيد في هذا الباب تقول " تتمتع الأجيرة ، التي ثبت حملها بشهادة طبية ، بإجازة ولادة مدتها أربعة عشر أسبوعا ، ما لم تكن هناك مقتضيات أفيد في عقد الشغل ، أو اتفاقية الشغل الجماعية ، أو النظام الداخلي .

وقد حلل ذ.محمد القري اليوسفي  هذه المادة 154  فوجدها لاتؤدي إلا إلى معنى يحقق  إمكانية تشغيل المرأة  – إن رغبت في ذلك- خلال ستة أسابيع السابقة على الوضع، تنص هذه المادة " حق للمرأة الأجيرة ، إن توقف سريان عقد الشغل فترة تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع بسبعة أسابيع وتنتهي بعد تاريخ الوضع بسبعة أسابيع. "

ثم تساءل لتحقيق الإحالة على إجبارية التوقف قبيل الوضع يقول: " فهل يسمح ذلك بالقول بأن صحة المرأة قبل الوضع أكثر قدرة على تحمل العمل وبالتالي بإمكانها الاشتغال إلى آخر ساعة تضع فيها حملها ؟." ([5])

إن حق الأجيرة ورغبتها في  مواصلة عملها قبل الوضع دون وعيها للمخاطر المحدقة بصحتها وبصحة جنينها،  وسعيا منها " للحصول  على ما قد  يوفر لها موارد  إضافية لمواجهة التكاليف الطبية والاجتماعية للولادة في غياب التغطية الكاملة "([6]) يستدعي ضرورة  المراجعة النصية على فترة توقف إجبارية قُبيل الوضع حماية لصحة المرأة وسلامة وصحة المولود  المرتقب، وهذا ما لم تستجيب له المدونة الجديدة  بشكل قطعي إجباري ، غير أن المدونة وضعت المادة 154 لتحقيق هذا التوقف الاختياري في حدود النص " حق المرأة الأجيرة ، أن توقف سريان عقد الشغل فترة تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع بسبعة أسابيع ، وتنتهي بعد تاريخ الوضع بسبعة أسابيع".

إن الحالة الاستثنائية التي تدعو المشغل للسهر على تخفيف الأشغال التي تُكلف بها الأجيرة أثناء الفترة الأخيرة للحمل حسب المادة 153، تتناقض مع طبيعة عمل المرأة الذي من المفترض إن تكون متخصصة فيه  الشيء  الذي يتعارض كليا مع مسألة التخصص التي استوجبت تشغيلها مسبقا انطلاقا من الكفاءة والخبرة والمهنية، وبالتالي لايلتقي مع أحكام المادة 9 التي تمنع التمييز بين الأجراء أو عدم المعاملة بالمثل في مجال التشغيل أو تعاطي المهنة.

فحماية المرأة الأجيرة في هذا الباب تقتضي إجبارية التوقف عن العمل انطلاقا من شهادة الطبيب، الشيء الذي لم يصرح به نص المدونة الحالي.

الفقرة الثانية : تأثير العناية بالرضيع على سريان عقد الشغل.

نص المشرع  في المادة 156 على إمكانية "الأم الأجيرة باتفاق مع المشغل الاستفادة من عطلة غير مدفوعة الأجر لمدة سنة لتربية مولودها " فإن المدونة قد أوجبت بمقتضى المادة 162 المشغل "تجهيز غرفة خاصة للرضاعة داخل كل مقاولة ، أو على مقربة منها مباشرة ، إذا كان يشتغل فيها ما لايقل عن خمسين أجيرة" .

إن انفتاح هذا النص القانوني على عدد الأجيرات المرضعات (50) ، وإذا أضفنا أن الثقة  في عمل المرأة مهزوز لدى العديد من المشغلين أمكن لنا استخلاص عدم الوصول الواقعي والمتعمد لهذا العدد بالمقاولة المغربية، أما إن كانت إمكانية بلوغ هذا العدد فيمكن لعدد(49) أجيرة أن لا يجعل المرضعات يستفدن من إمكانية مباشرة الإرضاع والاطمئنان على فلذات أكبادهن داخل المقاولة، وإذا اعتبرنا إن اهتزاز الثقة يتلوه غالبا التعامل بسوء النية ، يمكن أن نقوم بعملية حسابية  لعدد الساعات التي يوفرها تجاهل العدد(50) و التي تُذيبها عملية الإرضاع في اليوم بما  أن المادة161 تنص على حق الأجيرة المشروع  في استراحة الرضاعة يوميا ولمدة إثنى عشر شهرا تقول "يحق للأم الأجيرة ، إن تتمتع يوميا ، على مدى اثني عشر شهرا ، من تاريخ استئنافها الشغل إثر الوضع  باستراحة خاصة ، يؤدى عنها الأجر باعتبارها وقتا من أوقات الشغل ، مدتها نصف ساعة صباحا ، ونصف ساعة ظهرا ، لكي ترضع مولودها خلال أوقات الشغل . وتكون هذه الساعة مستقلة عن فترات الراحة المعمول بها في المقاولة ."

إن الفقرة التي تلي الفقرة السابقة توحي بنوع من غموض ظاهر الصياغة تجعل الاستفادة من الرضاعة تهم ساعة يوم واحد في الأسبوع حيث تقول الفقرة الثانية من المادة162" يمكن للأم الأجيرة ، إن تتفق مع المشغل على الاستفادة من هذه الساعة المخصصة للرضاعة في أي وقت من أيام الشغل." وقد كان بالنسبة للصياغة القانونية أن تنهج الوضوح لاعتبار صراحة الفقرة الأولى كأن تقول(في أي وقت من صباح و من مساء يوم الشغل.

أما بالنسبة للمادة 163 والتي تهدف تجميع المرضعات بالمنطقة الصناعية حيث تقول "يمكن إنشاء دار للحضانة بمساهمة عدة مقاولات متجاورة بمنطقة معينة مع تجهيزها وفق الظروف الملائمة" فان هذه المادة تمارس نفس الغموض التعبيري  الذي يترك فراغا كبيرا بالنص من حيث إمكانية استعمال الأجيرة لهذه الدار (الحضانة) قصد الإرضاع ، وإذا كان الأمر كذلك ما هي السبل القانونية لحماية الأجيرة خارج المقاولة وما إذا يعتبرها النص في زمن الشغل فيما إذا تعرضت لحادثة الطريق ، وهل من الممكن تصنيف تلك الحادثة من بين حوادث الشغل ؟ على اعتبار أن المشغل قد رخص لأجيرته  بالاستفادة من نصف ساعة للرضاعة فقط و التي تُستهلك  في الطريق إلى دار الحضانة،" فمكان الشغل هو المكان الذي يباشر فيه الأجير عمله المنوط به،ويأخذ حكمه أيضا كل مكان يتواجد فيه هذا الأجير بناء على أمر   من المشغل أو من ينيبه في ذلك ، أو كان  وجوده فيه  تقتضيه مصلحة العمل ، وبصفة عامة،إن مكان الشغل يمتد إلى جميع الأماكن التي يكون فيها الأجير تحت مراقبة وتوجيه وإشراف المشغل"([7])

ومادامت الأجيرة هنا في إطار التبعية القانونية لمشغلها و مادامت لم تسترد حريتها، فان الحادثة التي تقع لها تعتبر إصابة شغل "فإذا وقعت هذه الأخيرة في وقت كان فيه الأجير تحت هذه المراقبة والإشراف والتوجيه للمشغل ، كانت إصابة شغل ، وذلك بصرف النظر عن الزمان والمكان الذي تقع فيه ، سواء كان ذلك داخل المؤسسة المشغلة، أو ملحقاتها ، أو حتى خارج هذه الأمكنة "([8])

إن هذه التدابير القانونية الحمائية المتعلقة بحماية الأمومة كان على المادة 163 إلا تسكت عنها صراحة تلافيا لأي غموض يمكن إن  يتجاوز هذه الوضعية بعدم خلقها (أي حصر عدد الأجيرات في 49 أجيرة كحد أقصى بالمقاولة

الفقرة الثالثة : التغطية الصحية .

لقد وضع المشرع المغربي استمرار الحالة المرضية الناتجة عن الولادة  في اعتباره حيث أجاز تمديد فترة التوقف ثمانية أسابيع قبل تاريخ توقع الوضع ، وأربعة عشر أسبوعا بعد تاريخ الوضع(المادة 154) ، الشيء الذي يشكل تنافيا مع مقتضيات ظهير 9نونبر 1992 المعدل للفصل 37 من ظهير 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي الذي يحدد مدة الإجازة المغطاة بتعويضاته في اثنى عشر أسبوعا ستة منها على الأقل بعد الوضع.

وبالتالي" فإن تمديدا لهذه الإجازة من طرف العاملة سيكون خارج هذه التغطية ويبقى الأمر بالتالي رهينا برغبة المشغل في منح الأجر أو التعويض وهذا شأن لن يقوم إلا إذا ضمن عقد الشغل أو الاتفاقية ([9]) ولما قررت المدونة تمديد رخصة الحمل إلى  14 الأسبوع أخدا بالاتفاقية رقم 95 التي تتمم الاتفاقية رقم 103/1952 ،يبقى أسبوعان بدون تغطية تستوجب التعديل ورغم أن منظمة العمل الدولية عبر اتفاقية رقم 3/1919،تطلب حماية الأمومة في حدود 12 الأسبوع فإن" CNSS(تتحمل هذه المرحلة (أي الحمل) لمدة 10 أسابيع في حدود 50 في المائة من الراتب الشهري .. ."([10])

والتمديد المقترح من طرف المدونة يستلزم من الأجيرة تمديد رخصة الحمل عبر التوقف المؤقت عن العمل غير المؤدى عنه.la mise en disponibilité هذا مع العلم ان فترات الحمل تُقتطع من راتب التقاعد لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

المطلب الثالث: إنهاء عقد الشغل

الفقرة الأولى : الدفع بالحمل لإنهاء عقد الشغل.

إن الأجيرة الحامل معرضة لفساد عقد عملها بسبب الحمل ولهذا فقد حمى المشرع  هذا العقد كما حماها من الطرد التعسفي بسبب حملها عبر نصوص قانونية منها المادة 159 التي تنص " لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة ، التي ثبت حملها بشهادة طبية ، سواء أثناء الحمل ، أو بعد الوضع بأربعة عشر أسبوعا. كما لا يمكن إنهاء عقد شغل الأجيرة ،أثناء فترة توقفها عن الشغل بسبب نشوء حالة مرضية عن الحمل أو النفاس ،مثبتة بشهادة طبية.".

لقد تحدث المشرع عن المغادرة الطوعية للأجيرة الحامل وتبرئة ذمتها من أدائها التعويض عن إنهاء عقد الشغل عبر ثلات مواد متتالية ، المادة 156 يقول "يحق للام الأجيرة ، إلا تستأنف شغلها بعد مضي سبعة أسابيع على الوضع " والمادة 157 التي جاء فيها "يمكن للام الأجيرة ، العدول عن استئناف شغلها،" وبالمادة 158كذلك " يمكن للأجيرة الحامل ، إذا أثبتت حملها بشهادة طبية ، أن تترك شغلها دون إخطار.." .

إن هذه المواد لا تشعر بحرج دفع الأجيرة إلى إنهاء عقد الشغل بسبب الحمل وكأن الحمل  والأمومة  والشغل لا  يتعايشون  داخل  المقاولة ، وتظهر التدابير التي اتخذت بهذه المواد كتدابير تمييزية تتعامل بشكل مختلف مع الرجل ، ولهذا وجب حماية العاملة من المادة 66 التي تعطي إمكانيات واسعة للمشغل الذي "يعتزم فيها فصل الأجراء كلا أو بعضا لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو اقتصادية".

كما أن المادة 158 رخصت للعاملة إذا أثبتت حملها بشهادة طبية أن تترك شغلها دون إشعار مشغلها بذلك ولا يترتب على تصرفها أي التزام بأداء التعويض. .والملاحظ أن المادة 154 نصت على أن للأجيرة الحق في إيقاف فترة سريان عقد الشغل لمدة سبعة أسابيع تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع, وهذا لا يؤدي إلا للاستمرار في عملها دون وعي منها بالمخاطر التي تهدد صحتها و صحة جنينها ,سعيا منها (للحصول على ما قد يوفر لها موارد إضافية لمواجهة التكاليف الطبية والاجتماعية في غياب التغطية الكاملة ([11]) . لذا كان على المشرع في هذه المادة أن يؤكد على إجبارية التوقف قبل الوضع مثلما فعل في المادة153 التي نص فيها على أنه(لا يمكن تشغيل الأجيرات النفيسات أثناء فترة الأسابيع السبعة المتصلة التي تلي الوضع.

إن حالة الإجهاض المفاجئ تتطلب باعتبارها حالة مرضية نفس فترة التوقف عن العمل في حالة الحمل العادي ولهذا جاءت المادة 159 قصد تصحيح هذه الوضعية حيث تنص على انه " لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة أثناء فترة توقفها عن الشغل بسبب نشوء حالة مرضية  عن الحمل أو النفاس ، مثبتة بشهادة طبية".

وقد تخلت المدونة عن العقوبات الحبسية والاستعاضة عنها بغرامة تتراوح بين 3000و 5000 درهم بسبب تسريح العاملة الحامل ، وقد رأى الفقه القانوني " أن تعزز هذه الحماية بمراجعة هذه العقوبات بالرفع من قيمة الغرامة ومضاعفة تعويض المرأة الحامل متى تبث طردها تعسفيا" ([12])

الفقرة الثانية : التحرش الجنسي والفصل التعسفي .

إذا كان عمل المرأة يحررها بفعل استقلالها المادي وبفعل تفتح شخصيتها على العالم الخارجي لتحس بكيانها المستقل  إن على المستوى السوسيو اقتصادي  أوعلى المستوى النفسي، فان التحرش الجنسي يفقدها طعم هذه الحرية ويفقدها كرامتها الشخصية وبالتالي إرجاعها إلى البيت تحت ضغط الزوج أو الأهل انسياقا للمعايير الأخلاقية والقيمية للمجتمع التقليدي المغربي.

وعندما اعتبرت المادة 40 من مدونة الشغل إن التحرش الجنسي، من الأخطاء الجسيمة ، ضد الأجير(والأجير الأنثى من أكثر المعًّرضين للتحرش الجنسي) من طرف المشغل أو رئيس المقاولة أو المؤسسة ، وضعت إمكانية التقاضي بيد المتضرر من هذا الأجراء في حالة إثبات الخطأ ، والمطالبة بالتعويض عن الضرر لاعتبار ذلك الخطأ (التحرش الجنسي ) بمثابة فصل تعسفي  على اعتبار أن المشغل بمقتضى المادة 24 يعتبر مسؤولا وساهرا على حسن السلوك والأخلاق الحميدة وعلى استتباب الآداب العامة داخل المقاولة، وتنص المادة41 من المدونة  انه "في حالة ثبوت فصل الأجير تعسفيا ، إما بإرجاع الأجير إلى شغله أو حصوله على تعويض عن الضرر "  الذي رفعته المدونة إلى سقف 36 شهرا عوض 24 شهرا بالمشروع.

الفقرة الثالثة :قاعدة "حركية الأجير" بين سريان العقد وإنهائه.

                إن من بين الإشكاليات التي تدفع العاملة المتزوجة إلى فقدان عملها في إطار ما نسميه بقاعدة "حركية الأجير" والتي أغفلت المدونة التنصيص عليه هو انتقال نشاط المقاولة المشغلة في إطار المادة 19 ،"على الأخص بسبب الإرث ، أو البيع أو الإدماج ،أو الخوصصة " ،  إلى التمركز بمدينة أخرى  غير تلك التي قام بها عقد الشغل  الشيء الذي  يجعل العمل بعيدا عن بيت الزوجية كمشكل قائم الذات فيما يخص تشغيل النساء( المتزوجات) ، فهل تعتبر وضعية المقاولة الجديدة بالنسبة للأجيرة المتزوجة فصلا من الشغل استوجبت بذلك التعويض عنه.؟

فعقد الشغل في إطار حركية الأجير يبقى ساري المفعول حيث " لايؤثر على العلاقة بين الأجير والمقاولة انتقاله من موقع إلى آخر أو من مدينة إلى أخرى في إطار نفس المقاولة " ([13])

إلا انه بالنسبة للأجيرة الزوجة والأم يشكل تشرذما لوضعيتها الموزّعة بين  دخولها حالة اجتماعية  في حالة استمرارها في الشغل ، أو دخولها حالة فسخ عقد الشغل في حالة ارتباطها ببيت الزوجية .

إن مراعاة سكنى الأجيرة هنا غير واردة رغم إن المدونة لم تغفله بالمادة 37 في إطار العقوبات التأديبية في حق الأجير في "التوبيخ الثالث أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى يُراعى مكان سكنى الأجير".

ثم إن عدم التحاقها بالمؤسسة المنتقلة يُصبح حسب المادة 42 بمثابة "إنهاء عقد الشغل بصفة تعسفية" وتصبح بذلك الأجيرة مهددة ومطالبة بالتعويض عن الضرر بمقتضى المادة 41 التي تنص على أنه "يحق للطرف المتضرر ، في حالة إنهاء الطرف الآخر للعقد تعسفيا ، مطالبته بالتعويض عن الضرر"

بينما يكتفي المُشغل بمقتضى المادة 136 بالتصريح فقط للعون المكلف بالشغل "إذا انتقلت المقاولة إلى مكان آخر وهي تشغل أجراء .

وعندما تضطر العاملة للبحث عن عمل آخر داخل مدينتها تُحمل المدونة للمشغل الجديد "المسؤولية عن الضرر اللاحق بالمشغل السابق "(المادة 42)" إذا استمر في تشغيل أجير بعد أن علم أنه ما زال مرتبطا بمشغل آخر بموجب عقد شغل".

خاتمة:

عند الصياغة النهائية للمدونة تم رفع التقييد لتشغيل النساء ليلا  نحو طرح إمكانية تشغيلهن  في " أي شغل ليلي "  دون تخصيص ، لايمكن إلا أن نستخلص ما رسمته المدونة من دوائر القلق حول المفهوم الذكوري لتواجد المرأة ببيتها ليلا يقول ذ.عبد الرزاق مولاي رشيد "يجب إعادة النظر في أسطورة الفحولة ، صورة التواجد الضروري للمرأة بالبيت ليلا.([14]) وقد نختم هذه المقاربة بالفرضية التي  وضعها عند تطرقه لوضعية المرأة بالمغرب  حيث قال :" التفكير في موضوع  مماثل يرجع للتساؤل  حول المجتمع كله"([15])

لهذا  فالدراسة حول  المرأة كيفما كان اختصاصها تثير إشكالية العلاقة  التصارعية بين الحضور القوي للموروث المجتمعي ومتطلبات الأزمنة الحديثة ، ما بين الخصوصية والعمومية .

المراجع والهوامش:

[1] - مدونة الشغل(تصدير) الجريدة الرسمية عدد 4158، 08/12/2003،ص:3971

[2] - ذ .محمد القري اليوسفي، ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي: دراسة تحليلية ونقدية لمدونة الشغل المرتقبة,مشروع 1998.

[3] - للمزيد من الاطلاع ، انظر المرجع السابق ص:192وما يليها

[4] - المادة 361

[5] - ذ. محمد القري اليوسفي ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي، نفس المرجع السابق ص:124.

[6] - نفس المرجع السابق ص:124.   

[7] - د.عبد اللطيف خالفي ، حوادث الشغل والأمراض المهنية ، دراسة نظرية وتطبيقية في ضوء تعديلات ظهير 23يوليوز 2002،المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات ، مراكش، الطبعة الأولى ،2003،ص:59.

[8] - نفس المرجع السابق ص:103.

[9] - ذ.محمد القري اليوسفي، ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي، دراسة تحليلية نقدية لمدونة الشغل المرتقبة، مشروع 1998، ص:126.

[10] - marocaine et sécurite sociale, fettouma benabdnbi-jerrari, editions le fennec, page : 102.

[11] - ذ . محمد القري اليوسفي و آخرون : دراسة تحليلية ونقدية لمدونة الشغل المرتقبة,مشروع 98 ,ص124

[12] - نفس المرجع السابق ،ص: 128

[13] - ذ.محمد الشرقاني، محاضرات في مدونة الشغل المرتقبة( مشروع 2000) لطلبة السنة الثالثة لشعبتي القانون الخاص والعام ،الجزء الأول ،السنة الجامعية 2000-2001.

[14] - Abderrazak Moulay rchid « la condition de la femme au Maroc, édition de la faculté des sciences Economiques et sociales de rabat, introduction générale p : 477 -

[15] - abderrazak Moulay rchid « la condition de la femme au Maroc , p :3

Partager cet article
Repost0
15 octobre 2022 6 15 /10 /octobre /2022 11:55

المرأة والرواية: نتوءات الوعي النسائي بين الاستهلاك والانتاج

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

الكلمات المفاتيح: الرواية النسائية، متخيل المرأة ، الجسد الأنثوي، زينب فواز العاملية.

                كانت المرأة دوما مصدر إلهام لجل الأعمال التي أبدعها الرجل منذ القدم شعرا ونثرا، وقد عايشت صورة المرأة مخيال الشعوب قديما وحديثا فكانت أصدق شخصية ساعدت الروائي في نقل عمق تصوراته عن الحياة، وقد احتلت بذلك الصدارة في إقناع القارئ بصدق الحياة المتخيلة القصصية منها والروائية والتي تصور المرأة كذات فردية تعيش ضمن الشرط اللغوي للمؤلف تارة كشخصية محورية تبتدئ في وعي الكتابة متجلية ابتداء من العنوان وتارة كشخصية تحكمها الدونية كما في واقعها اليومي الذي تحياه، " فصورة المرأة في الرواية كانت تتعدى وجودها الفردي لتعبر عن حقائق أبعد من هذا الوجود" ([1]).

Sommaire:

Mots clés : Le roman féminin, L'imaginaire de la femme, Le corps féminin, Zainab Fawaz Al-Amiliah.

La femme a été toujour une source d'inspiration pour la plupart des œuvres que les hommes ont créées depuis l'Antiquité, poésie et prose. L'image de la femme a vécu l'imaginaire des peuples, anciens et modernes. Elle était la personnalité la plus vraie qui a aidé le romancier à transmettre la profondeur de son perceptions de la vie, et a donc pris l'initiative de convaincre le lecteur de la véracité de la vie fictive, y compris des histoires et des romans, qui dépeignent des femmes. En tant qu'individu vivant dans la condition linguistique de l'auteur, parfois en tant que personnage central qui commence dans la conscience de l'écriture, manifestée à partir du titre, et parfois comme un personnage gouverné par l'infériorité, comme dans sa réalité quotidienne qu'elle vit.

1- المرأة والرواية: من الاستهلاك إلى الإنتاج.

1-1-التوظيف الروائي لصورة المرأة.

                لقد ارتبط ظهور الرواية بتحرر الشعوب من الاضطهاد فأصبحت الرواية متصلة عن قرب بنهضة الوطن وتحرر المرأة وقد ذهب د.طه وادي إلى اعتبار أن" الرواية تدين لهذين العاملين قبل غيرهما من أسباب وجودها وازدهارها في مصر" ([2]) على أساس أن ازدهار الرواية العربية الحقيقي في ثلاثينات هذا القرن يرتبط بشكل واضح بتعلم المرأة وتحررها، الشيء الذي يبين عن امكاناتها الواسعة في احتواء ومعالجة الظواهر المختلفة، ولعل الرواية العربية تتميز عن نظيرتها الأوروبية في العناية بهذه الثيمات وبأدواتها التقنية التي تنتشلها توا من الزمن الشعري لتأسيس بدايات لها أسئلة وجودية خاصة بها تحتفل بنهاية الشعري وانتفاء معنى السعادة معه.

                إن الرواية هي فن الشخصية بامتياز وهي  "الفن الذي يقدم تجربة إنسانية من خلال تصويره لمجموعة من الشخصيات في واقع محدد زمنيا ..ومكانيا" ([3])

                - فكيف عبرت الرواية عن طريق تقديمها لصورة المرأة بالعمل الفني عن واقع ما تعيشه المرأة بالمجتمع؟.

                لقد اشتغلت الرواية بمصر وغيرها من البلدان العربية على صورة المرأة باعتبار شخصيتها الرهيفة ولحساسيتها العالية  في التعبير عن الواقع المعيش أكثر من صورة الرجل ذلك أن المرأة تملك شخصيية قصصية من إحدى أدوارها الكبرى، كما عرفنا مع شهرزاد ألف ليلة وليلة ، إقناع القارئ بصدق الحياة السردية التي تصورها تلك الحياة المتخيلة إذ هي تتحرك داخل الفضاء السردي ( القصصي والروائي) كرمز للنوع الأنثوي " من هنا نرى أن قاسم أمين كان على وعي حين أكد أن تحرير المرأة ليس مطلبا إنسانيا فحسب بل إنه ضرورة للتقدم القومي " ([4]).

                فالمرأة بهذا تمثل بحساسيتها واتزانها العاطفي قيم المجتمع فهي أكثر تمثيلا للنوعية في حين أن الرجل يعتبر أكثر تمثيلا للفردية، وصارت المرأة متمركزة في دائرة الرواية بمصر في مرحلة عاش فيها العالم العربي تحت نير الاستعمار.

                وقد احتلت المرأة في الرواية العربية بمصر البطولة لعدة روايات الفترة الأولى بدءا من صفحة العنوان للعديد من العناوين على مدى سبعة وثلاثين سنة (1906-1943) والجدول التالي ([5]) يبين ذلك:

الجدول رقم:1

عنوان الرواية

المؤلف

السنة

عذراء دانجوان

محمود طاهر حقي

1906

زينب

محمد حسين هيكل

1914

إحسان هانم

عيسى عبيد

1921

ثريا

عيسى عبيد

1922

ابنة الملوك

محمد فريد أبوحديد

1926

حواء بلا آدم

محمود طاهر لاشين

1934

سارة

عباس محمود العقاد

1938

زنوبية

محمد فريد أبو حديد

1941

سلوى في مهب الريح

محمود تيمور

1943

                فما نلاحظه في هذا الجدول هو احتواء كل العناوين على أسم مؤنث يأخذ دور البطولة بالرواية في واقع عربي مليء برفض الآخر كأنثى متصدرة لعالم الحكي، فعالم البطولة العربية عالم عرف مروره في الزمن عبر الرجل، وهذا ما خلق التحول في أبوية النظام الاجتماعي  لصورة المرأة التي يخترقها السلب منذ عصور خلت.

                كما أن كل الروائيين المذكورين قد كانوا "واعين بارتباط حركة المرأة بالمجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى بدلالة المرأة كرمز ثري موح للتعبير عن الوطن" ([6]).

 وتجد النساء في الانتحار الأدبي ملاذا للخلاص" فحين يفشلن في إفهام الزوج أو المجتمع يشعرن بأن الطريقة الوحيدة المتاحة لهن هي أن يضعن حدا لحياتهن " ([7]) وقد وجدت الناقدة بثينة شعبان في ظاهرة الانتحار ظاهرة اجتماعية أدبية تستحق الدراسة تقول " لإلقاء الضوء على حقيقة أن النساء يخترن أسوأ بديل ممكن لأنفسهن(..) الخلاص الفردي، إذا كان يمكن للموت أن يسمّى خياراّ ([8]).

لقد كان على المرأة أن تدخل صراعا مزدوجا لتأكيد ذاتها وحربين مركبتين لتحقيق وجودها المادي والمعنوي تختزلهما د. بثينة شعبان في مكونين  اثنين:

" حربا ضد الاستعمار إلى جانب الرجل وحربا ضد عوامل الكبت والقمع التي يفرضها المجتمع على امرأة وفي طليعتها السفور والحجاب، ثم اختيار المرأة لشريكها وأنماط حياتها بأن تتعلم وتشتغل" ([9]).

                لم تكن قضية المرأة فيما أنتجه الروائيون سوى قضية المؤلف، لا تعبر سوى عن زاوية خاصة للنظر لا ترقى إلى كونها قضية مجتمع بكامله، وقد وُظِِّفت المرأة لتعكس أزمة ذلك المجتمع التواق للحرية بما تمتاز به من حساسية مرهفة على تكثيف الإيحاء بحجم الظلم المجتمعي.

ولم تكن لقضية الحب من معنى في هذه المرحلة التي عاشتها الرواية العربية بمصر سوى التعبير الرمزي عن أزمة الحرية وفساد الأوضاع الاجتماعية عبر أزمة طبقية متعفنة وقد خلص د.طه وادي إلى أنه" كانت صورة المرأة في الرواية (فردية) تعبر عن أزمة الفرد في علاقاته بمجتمعه" ([10]).

1-2- ملامح التوظيف الفني للمرأة بالرواية العربية.

                -  من أين استمد الروائيون ملامح الصورة التي قدموها في الرواية؟

                - أين تكمن حدود العلاقة الفنية لصورة المرأة بالمجتمع؟.

لقد استغل الروائي المرأة وقضيتها ووظفها توظيفا فنيا شخصت فيه أزمة الأديب ذاته وجسدت له مشكلة العصر، فيبدأ الروائي عمله الفني بالتطرق للحب ومشكلاته ثم ينتقل إلى مستوى ثان يتطور:" إلى نوع من الاحتجاج الفردي السلبي على بعض أزمات التفاوت الطبقي ومشكلات العصر السياسية والأيديولوجية "([11]).

                شكلت سنة1945 ومع نهاية الحرب العالمية الثانية نهاية فترة المد الرومانسي والبداية القوية للمدرسة الواقعية في الأدب والتي دشنها الروائي نجيب محفوظ برواية " القاهرة الجديدة".

ويعتبر إحسان عبد القدوس عند الناقد طه وادي بمثابة "الحلقة الأخيرة في إفلاس الرومانسية في مجال الرواية" ([12]) نظرا للشكل والمضمون الباهتين برواياته ونظرا لسطحية بعده الفني فيما يتعلق بواقعية الشخصيات والأحداث باستثناء البطولة النسائية التي تستقطب كل تفتقاته الإبداعية في إبراز مظاهرها وإلتباساتها.

لقد وظف إحسان عبد القدوس الجنس في روايته " أنا حرة" وجعله محورا لأزمة الفتاة " أمينة" التي كان كفرها بما يحيط بكينونتها شاملا ما عدا الرجل الذي تأله في نظرتها له كمعبود للجسد،" وضاع منها رأسها كما تعود أن يضيع كلما التقت بشفتيه" ([13]).

لقد اختزل إحسان عبد القدوس عالم المرأة في تابع ومريد لإرادة الرجل المانح للسعادة القصوى في معبد الجنس المقدس " أحست بهذه النار تسري في جسدها كأنها نغمات الحياة، ثم أحست بوجهه فوق وجهها، وعبير عبق من أنفاسه يلفها كأنها رقدت عارية فوق المذبح المقدس، وأعمدة من أبخرة المسك والعنبر تحيط بها، بينما أصابع الساحر المقدس تباركها" ([14]).

                لقد انبثق التعامل مع الجسد الأنثوي للتعبير عن انهيار قيم عجزت عن خلق صيغة لها بالأخلاق والمثل الاجتماعية العربية فقدمت المرأة العربية وحدها في البحث عن حريتها، الحرية التي لم تصبح هدفا في ذاتها وإنما وسيلة لتحقيق المطالب الملحة للجسد كتعبير عن أزمة الحرية التي تحياها الفتاة العربية على المستوى الطبقي.

                إن قضية التحرر الاجتماعي قد فاضت بالرواية العربية، فالبطلة مؤمنة بضرورة استقلال المرأة الاقتصادي لممارسة متكافئة مع الرجل في ممارسة استقلالها العاطفي فأمينة بطلة المتن الروائي " أنا حرة" تقول " لازم يبقى معايا شهادة علشان ما اضطرش اقعد في بيت مش عايزة اقعد فيه. وأبقى حرة وجوزي يفهم أني زيي زيه أقدر أستغني عنه زي ما يقدر يستغني عني" ([15]).

لقد شغلت حرية المرأة عددا كبيرا من المفكرين في العصر الحديث ، فقد وجد هؤلاء وعلى رأسهم قاسم أمين أن العلل التي يشكو منها المجتمع العربي تعود في قسم كبير منها إلى جهل المرأة ومن ذلك جاءت البطولة الشكلية للمرأة بالرواية لتعميق أزمة مجتمعية مطمئنة على كيانها المتعفن الآسن ضمن واقع أصبح يتحرك بسرعة ومن ذلك اعتبر جورج لوكاتش أن" سلبية بطل الرواية ليست ضرورة شكلية، بل إنها تميز علاقة هذا البطل بروحه وبالعالم المحيط به" ([16]).

وقد ضمنت الرواية التي أعطت البطولة للمرأة البدايات الأولى للمغامرة المفترضة للأنثى على المستوى الإبداعي فأصبح محتوى الشكل الفني للرواية يؤرخ لروح ناهضة تسير نحو المعرفة لتدرك نفسها  كما قال لوكاتش " إن الرواية هي شكل المغامرة (..) ومحتوى هذا الشكل هو تاريخ هذه الروح التي تذهب إلى العالم لتتعلم كيف تعرف" ([17]).

وقد كان الشرط الوجودي للمرأة ينزع إلى تحقيق هذا الشرط في ممارستها الكتابة عن ذاتها والذي شكل تحول الارتسامات إلى سلوك أدخل المرأة  المبدعة في صراع مع العالم الخارجي ، وقد أصبحت المرأة من هذا الموقع، موقع الكتابة، منخرطة في ذلك الصراع " ذلك أن روحا قادرة على إخراج جميع مضامين عمقها الخاص، بوسعها أن تكون ممتلئة ومكتملة، حتى وإن عرض لها أن لا تدخل أبدا في علاقة اتصال مع الواقع الخارجي الغريب" ([18]).

1-3 – لَعْـنَـة الجسد الأنثوي.

                لقد ناضل الجيل الثاني من الروائيات (أنظر(ي) الجدول رقم(3) ضد المفاهيم المغلوطة التي تحملها مجتمعاتهم حيال جنس النساء "وبذلك حاولت الروائيات العربيات تحرير صورة المرأة من كونها " جسدا " أو " جنسا"، كما حاولن تثقيف الرجال حول الأبعاد الفنية لحياة النساء" ([19]).

فالمرأة وهي تستشعر ثقل العادات والتقاليد لم تناد بالانفصال عن الرجال ولم تطالب النساء بتاتا بانحلال العائلة بل " كن مصممات على تغيير المواقف، بحيث تتمكن النساء من نيل حريتهن ولعب دورهن على قدم المساواة مع الرجال ضمن البُنى القائمة " ([20]).

كانت المبدعات العربيات يكتبن انطلاقا من نفس الهاجس الذي دفع سيمون دي بوفوار لأن تجعل مشكلة المرأة هي مشكلة الرجل بالأساس، ورغم ذلك فما زال مفهوم الرجل عن المرأة يتشجر بشكل يبدو من الصعب تصحيح أفكاره المحملة بكل ما هو سلبي اتجاه النساء وقد تبين للدكتورة نادية العشيري أن " .. المرأة تجرّ وراءها تاريخا مُثقلا من الصعب الانفلات منه، تاريخ يكاد ينكر عليها أي شيء إيجابي " ([21]).

وقد انخرط الإبداع في ترسيخ هذه الصورة عبر روايات ما يزال النقد الأدبي يضعها في قمة هرم المتخيل العربي من بينها رواية " بداية ونهاية " لنجيب محفوظ  الذي يرتضي بطله ّحسنينّ لنفسه تحويل صراعه من أسباب اضطهاده الطبقي إلى أنثى المضطهد الذي يتخيل أنه حين يمارس الجنس معها " سيقول لي كل جزء من جسدها الحار (سيدي)، وهذا كل ما أتمناه في هذه الحياة، إذا اخترقتها جنسيا فكأنني اخترقت الطبقة كلها " ([22]).

 وفي رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح أحاط "مصطفى سعيد" وهو في بلاد المستعمِر "  نفسه في غرفة نومه بالمرايا كي يتخيل أنه حين يغزو جسد امرأة إنجليزية فهو يغزو أجساد جميع النساء الانجليزيات" ([23]).

                لقد اختُزلت المرأة في وظيفتها البيولوجية وتجنست قضيتها وهاجسها نحو التحرر، وتشيأ جسدها فتفاعل الرجل مع هذا التجنيس حيث أصبح " ينظر إلى الجنس كعملية عدوان وقنص وصيد وغزو وانتصار وإذلال يصدر عن نفسية المقهور" ([24]) وحتى أن هذا الطرح ونظرا لاستثماره بالمتخيل العربي شكَّل منهجا عند جورج طرابيشي الذي صاغ ثنائية ضدية غريبة جعلت الرجل يتحربأ مع المواقف التي تعترضه فهو رجل ضعيف أمام سيده، وهو باعتباره آلة قضيبية رجل قوي أمام أنثى سيده وهذا الموقف " جعل الكثيرين من أبناء المستعمرات المقهورين والمخصِيّْين نفسيا يهتفون بينهم وبين أنفسهم عند مرآهم لامرأة بيضاء نقية البشرة: هذه امرأة إذا ركبتها فقد ركبت أمة بكاملها "([25]).

                أما إحسان عبد القدوس في مجموعته القصصية  "منتهى الحب" فقد قابل ما بين تشبث الرجل بالتقاليد وبين تشبث المرأة بتفتحها، فهو يقول في قصة " الملاءة اللف" " كان يمكن أن تكون سعيدة بزوجها، لولا أنه أصر على أن تضع البرقع وملاءة اللف، كلما خرجت من بيتها في طريقها إلى بيت مخدومها.ورفضت.." ([26]) فبقدر ما يستهزئ القاص هنا من بلادة العادات التي تطلب من المرأة تشديد الحجاب خارج البيت، يضع المرأة في نفس الصورة التي تأسطرت في مجتمع الرجال وهي صورة المرأة التي تستعمل عقلها في الشر فقط ، فهذه القصة تزكي الافتراض الشعبي العام الذي يؤمن بأن كل النساء زانيات محتملات، ف"حميدة" بعد أن خانت زوجها مع الأسطى إبراهيم تستجيب لتصورات زوجها حول المرأة التي تشتغل خارج البيت وتقول" سماح بأه يا خويا .. برضه الواحدة مصيرها تعقل " ([27])

وقد جعل إحسان عبد القدوس مفهوم العقل عند المرأة مرتبط بالخيانة وهي دعوة للمجتمع التقليدي للحيطة  من اشتغال المرأة  باعتبار الحضور القوي لأسطورة الفحولة : صورة التواجد الضروري للمرأة بالبيت، وصورة التدخل الشيطاني بين رجل وامرأة منعزلين تحت سقف واحد، بالرغم من أن صورة المجتمع المصري أنذاك قد تغيرت مما يسمح للمرأة بالعمل، يقول في نفس القصة " وذهبت حميدة إلى بيت مخدومها في الصباح الباكر.. ودخلت إلى غرفة الأسطى إبراهيم السائق ..وخلعت البرقع والملاءة اللف" ([28]).

               لقد عبر الرجال بالمتخيل الروائي عبر الأزمنة السردية على رجولة نسقية تحضر متوهجة أدبيا من خلال امتلاك الجسد الأنثوي، الجسد الذي يثير رغبة الرجل ويقع صريعه وهو الجسد الممتلئ دوما  بالجمال والفتنة  والإغراء حتى أن أروى بنت الخطوب بطلة رواية وداد سكاكيني عندما فكرت في المآسي التي حلت بها وجدت أن جسدها هو الذي أصابها بلعنته من فرط جماله تساءلت  "كيف يمكن لها أن تجعل ملامحها خشنة وتقلل من جاذبيتها الأنثوية " ([29])، وهي إذ تفعل تسحق اديولوجية الغزو "الأنثوية" حيث تتمكن المرأة من عبور نهر الرجال دون أن يصيبها البلل كما هو الحال في روايات حميدة نعنع، " الوطن في العينين" (1979) و " يجرؤ على الشوق" (1989)، التي ضمنتها رؤيتها لعالم الرجال كامرأة غير عادية عندما تقول وحيث الرجال يعرفون جميعهم أن " نادية بطلة حميدة نعنع "،" لا تقصد بصفتها أنثى...بل لم يعد هذا الوجود الأنثوي يثير في أذهانهم تلك الشهوات الساذجة إلى جسد المرأة.. العلاقة معها شيء آخر.. دخول في عالم الرؤى.. والقدر.. والجنون.. والحلم".([30])

وعبر الرواية كلها قدمت الروائية وداد سكاكيني معالم قديسة (كرابعة العدوية) تحاول الوقوف ضد كل القيم التي تعتبر المرأة متاعا جنسيا، وتؤكد المركزية الصوفية للمرأة عندما تقاوم أهواء النفس وتتعالى على صغائر الحياة وكبائرها  محافظة بذلك على طهارتها وعفتها، وتصبح بذلك مستحقة لشاهد قبر جميل كتب عليه " هنا تستلقي الطهارة النسائية التي طالما دنّسها الرجال دائما" ([31]).

                إن النقد الأدبي لم يعط لأدب المرأة الروائية حقها من جانب الموضوعية  فقد تم تقييم إنتاج المرأة الإبداعي  بنفس المنظور الذي يرى منه الرجل أنثاه، وقد سعت العديد من الروائيات إلى صياغة صورة جديدة للمرأة في وعي الرجل وانتشالها من لعنة الجسد الذي كبّل انطلاقتها نحو المساواة والتحرر على مستوى الواقع فكان" الجمهور المستهدف هو الرجال وليس النساء، والهدف هو تغيير المواقف حيال النساء.وفي نهاية هذه الروايات يدرك الرجال أنهم ضحية سوء فهمهم للنساء" ([32]) ، وكان من ضمن أدواتهن لهذا السبيل ممارسة التخييل الأدبي ف" حين كان التخييل مكانا للحرية ، فقد وجدت فيه المرأة الفضاء الأرحب لتجريب حريتها وانعتاقها، ذلك لأن في المتخيل تأخذ المرأة المكانة التي يرفضها الواقع"([33]).

                فإذا كانت بطلات روايات هذه الفترة عاجزات عن الوعي بحدود غنى الجسد الأنثوي في جعله من آليات الصراع والنضال لترسيخ قدم في بالوعة الطين الجارفة بقيمها المجتمعية الصدئة انتقلت بطلات روايات الفترة الثالثة إلى إضفاء طابع الخصوصية في إنتاجاتهن الروائية على صعيد التقنيات من حيث أن التقنيات بدورها تعتبر ذات محتوى كما قال د.عبد الله العروي ، ولا من حيث الموضوع الذي يكتشف معه المتلقي العديد من الجزر الأدبية المهجورة في أدبنا العربي ، فأن ندع البطلة تصرخ فما ذاك حسب الناقدة بثينة شعبان سوى نصف الطريق ف " استجماع الشجاعة للصراخ أو الكلام أو الرفض أو الاعتراض هو نصف الطريق لكسب المعركة" ([34]).

وبذلك صرح د. بدوي طبانة أن الأديبات كنّ مضطرات إلى تجنب التعبير عن الانفعالات الوجدانية والعواطف الجياشة التي تفيض بها شاعرية نفوسهن ولغتهن" ما يزال بين المرأة العربية وبين صدق التعبير عن عواطفها ومشاعرها مراحل طويلة لها صلتها بالحياة الناهضة والنفوس المتجددة" ([35]).

وحيث اعتبرت المرأة باستمرار موضوعا لإغراء الرجل، فقد تعددت القيم التي تُلجم هذه المفاتن من انطلاقها داخل القيم الأخلاقية والتي تقف وراء اللعنة التي تصيب الجسد الأنثوي، باعتباره متواجدا ضمن منظومة المقدس، ساكنا بالمخيال الشعبي كمسئول عن خروج  الرجل من الجنة ، فجسد المرأة بهذا الاعتبار له نفس المكانة بين المقدس والمدنس " فهذا الجسد الذي يعتبر نجسا يتم التعامل معه بقداسة، إنه الرجس والطهر في الوقت ذاته" ([36]) 

2- الرواية النسائية: التأسيس وترتيب فوضى البدايات

زينب فواز العاملية وفجر الرواية العربية

                استطاعت المرأة في سوريا أن تنتزع من المجتمع حقوقا (ولو نسبية باعتبار المرحلة) مكنتها من الدخول في حقول إنتاجية كبرى اقتصادية وفكرية وخاصة ما يتعلق بالحقل الأدبي حيث برزت العديد من الكاتبات والشاعرات والمبدعات فتاريخنا " يتضمن حلقات مشرقة برزت فيها نساء عديدات لا تزال في حاجة إلى من يلقي عليها مزيدا من الضوء حتّى تنكشف الظروف والمناخ العام الذي ساعدهن على الإبداع وعلى البروز ." ([37]) ولهذا ظهر جيل " من الكاتبات اللاتي عمدن في كتاباتهن إلى الدفاع عن المرأة والمناداة بالمزيد من حريتها ، كما أنهن استطعن أن ينجحن في كثير من المجالات التي عملن بها في حقول الأدب " ([38]).

فنبغت من الجيل الأول: زينب فواز العاملية ، عائشة تيمور، لبيبة ماضي هاشم، عفيفة كرم، لبيبة ميخائيل صويا ، باحثة البادية ووردة اليازجي ومن الجيل الثاني: صبرية محمد، هيام نويلاتي ،هند سلامة، فتحية محمود الباتع، كوليت خوري، انعام مسالمة، سعاد زهير، أمينة السعيد، ماجدة العطار، صوفي عبد الله،  كاترين معلوف داغر، عزيزة الأبراشي، سحر خليفة، وداد سكاكيني،إميلي نصر الله وليلى بعلبكي ...

                لقد تم تجاهل الكتابات النسائية التحررية الأولى المشحونة بالاحتجاج والرفض، بالرغم من انخراطها في مضمار تحرر وتقدم المرأة العربية  بشكل واضح جنبا إلى جنب رواد النهضة العربية الحديثة أمثال ، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وخاصة الأديبة السورية زينب فواز العاملية التي طالها النسيان وهي التي كانت وراء تأليف عدة كتب منها " الدر المنثور في طبقات ربات الخدور" و" الرسائل الزينبية " و مسرحية " الهوى والوفا " ورواية" حسن العواقب" وقد يتفاجأ المتتبع لما يعرف أن روايتها هاته  مع رواية" غادة الزهراء" قد صدرتا عام 1899.

                إن زينب فواز بهذه الرواية (حسن العواقب) تعتبر من رائدات الرواية العربية على المستوى الزمني وعلى مستوى طرح المسألة النسائية ضمن كتاباتها، تتلوها المبدعة لبيبة ماضي هاشم بروايتها " قلب الرجل " التي صدرت سنة 1904، وفي نفس السنة نشرت اللبنانية لبيبة ميخائيل صويا روايتها " حسناء سالونيك.." وبذلك نرى أن رواية "زينب" التي صدرت سنة 1914، لمحمد حسين هيكل تبتعد زمنيا وبشكل موضوعي عن أن تكون الرواية المؤسِسَة للرواية العربية كما يؤرخ لذلك العديد من النقاد.

                إن التهميش الذي طال الرائدة زينب فواز وحجبها حقها في تصدر الروائيين والروائيات العرب تأسيسا وإبداعا لم يكن عن حسن نية خاصة وأنه قد أُرخ لمن هم دونها في المكانة إبداعا وفكرا وقد جاء على لسان الشيخ أحمد عارف الزين صاحب " مجلة العرفان" (م8.ج6 آذار 1923):" من لم يسمع بذكر هذه النابغة العاملية في هذا القرن سواء في سوريا أو مصر، أو سائر الأقطار العربية؟.. فزينب لم تكن أبدا مجهولة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.. فمن يطلع على مقدمات كتبها وما كان يأتيها من تقريظ لهذه الكتب يجد فيها دليلا على شهرتها في الأوساط الأدبية والفكرية في ذلك الحين" ([39]).

ويمكن التدليل بهذه القولة على أن زينب فواز قد استيقظت في فجر الرواية العربية لتحتل موقع الصدارة والريادة بروايتها "حسن العواقب" منشورات الدار الهندية، القاهرة  والتي شغلت هاجس النقد أنذاك ، وقد رأت د.بثينة شعبان في هذه الرواية أنها تتوفر على، " معظم عناصر الرواية الحديثة من شخصيات وموضوع وجو روائي "([40]) وقد ضمنت زينب فواز مقدمة إحدى رواياتها رؤيتها النقدية بمنظور روائي حديث في تاريخيته، يجعل من الرواية  صورة للواقع في أشكاله غير الفجة ربطت فيها بين الاجتماعي والسياسي  جسدت فيها العقلية المتحكمة في النخبة السياسية التي حكمت وما تزال في العالم العربي تقول " بما أن الروايات الأدبية هي أهم نوع من الكتابة تعكس فكر المرء وتفيد وتمتع، وبما أن الروايات تعيد إنتاج صورة للواقع وليس الواقع بحالته الفجة، فقد قررت أن أكتب هذه الرواية آملة أن تفيد وتمتع" ([41]) .

وقد حازت رواية "حسن العواقب" حظها الوافر من النقد حيث كتب رئيس تحرير جريدة النيل، حسن حسني باشا عنها كلمة بالمصدر السابق نفسه سنة 1899 يقول " قرأت رواية حسن العواقب للكاتبة الشهيرة التي لا توازي شهرتها شهرة، وذلك لفكرها النيّر وقلمها المبدع ، فوجدت الرواية تتمتع ببنية جيّدة ومواضيع بعيدة المنال ومزايا أدبية جميلة.نأمل أن تستمر كاتبتنا بمنح عصرنا الحاضر مثل هذه الكتابات الأدبية القيّمة".

-   الروائية عفيفة كرم وإشكالية التلقي.

              إضافة للبعد النظري الذي أبدته زينب فواز في مقدمة روايتها نهجت عفيفة كرم ([42]) نفس المنحى، حيث طلبت في مقدمة روايتها " بديعة وفؤاد" من قرائها أن يقرؤوها بحياد تام وبعدم اعتبار ما جاء في الرواية كجزء من حياتها الشخصية " واللافت للنظر هو أن عفيفة كرم تتوسل إلى قرائها كي ينسوا أن المؤلفة هي امرأة سورية وألا يحكموا على روايتها بناء على ذلك. وتطلب منهم أن ينسوا ذلك تماما ولو كان فقط لفترة قراءة الرواية وألا ينتقدوها لأنها كتبت عن الحب والزواج" ([43]). 

                إن عفيفة كرم وهي تدرك بعمق المرحلة التاريخية التي تكتب فيها ومدى المحافظة التي تسيطر على المجتمع التقليدي آنذاك تكتب لتمارس انتقاد العادات والتقاليد البالية التي عفّى عليها الزمن والتي ترهن مجمل الحياة المادية والعقلية لنساء عصرها، وإذا كانت د. نادية العشيري ما تزال تستشعر هذا الحيف في تلقي إبداعات النساء أو الكتابة في موضوع المرأة مع نهاية القرن العشرين حيث تقول: " فكلما تطرقنا إلى هذا الموضوع، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من التخوف من ردود الفعل عند الآخرين"([44])، فكيف نتصور تلقي المجتمع الذكوري وهو في نشوته التاريخية لأدب المرأة التي " تخرج " عن الطوق مع بداية القرن العشرين"  وهكذا تُظهر المقدمة بوضوح أن المؤلفة مدركة بعمق للمعوّقات التي خلقها لها جنسها ولحقيقة أن الرواية التي تكتبها امرأة تُقرأ وتُفسّر بشكل مختلف عن الرواية التي يكتبها الرجل.وتطلب قراءة موضوعية لعملها وحكما محايدا" ([45]) ولو تستمر هذه القراءة في حيادها و لزمن القراءة فقط، إن هذه النظرة للتلقي الأدبي الذي عبرت عنه عفيفة كرم يشكل حاليا إحدى التقنيات الأساسية المعاصرة في نظرية الرواية وهو" وجوب إعطاء القارئ القدر الكافي ليفهم أهم ظواهر القصة وليس القصة كلها ؟ لماذا لأنه مطلوب من القارئ أن يشارك في إبراز المضمون " ([46]).

                إن الروائية عفيفة كرم تعالج في روايتها " بديعة وفؤاد" موضوعا اعتبرته د.بثينة شعبان من بين المواضيع التي ما يزال الوعي الفكري حائرا في إيجاد حل لها وهي العلاقة بين الشرق والغرب، تقول " فقد أكدت عفيفة كرم في روايتها على سبيل المثال ، على أخطار هجرة الشباب ودعت إلى التركيز على تحسين الأحوال في الأوطان كي لا تستنزف البلاد الأجنبية قدراتها المحلية ونبقى منهكين ومستكينين" ([47]).

ودون أن نضيف استشهادا آخر على أسبقية كل من زينب فواز وعفيفة كرم في باب الأسبقية الأدبية في عالم الرواية العربية نحيل جورج طرابيشي على رواية هذه الأخيرة ليجد فيها صيغة لمنظومته ولمنهجه المتجاوز في تجنيس العلاقات الحضارية حول الشرق والغرب، قبل أن يعيد إلحاق هذا التأسيس القضيبي للرواية العربية مع رواية " عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، وبعدما نفى وجود هذه العلاقة الحضارية بالرواية النسائية العربية سابقا عندما قال : " وأنه لمِمَّا يستوقف الانتباه أن موضوع العلاقة الحضارية لم يأخذ طريقه قط إلى الرواية النسائية العربية" ([48]).

                فرواية عفيفة كرم تتحدث عن مفهوم الشرق والغرب بالمعنى الذي يتجنسن فيه هذا المفهوم وبالعلاقة مع التصرفات الجنسية للمرأة " وتصبح السفينة التي تنقل نساء لبنانيات إلى الولايات المتحدة نوعا من الصالون الأدبي، تروي فيها النساء تجاربهن ويتحدثن عن المشاكل التي يواجهنها في البيت والمجتمع" ([49]).

ف" بديعة" بطلة رواية عفيفة كرم بعد عودتها من الولايات المتحدة تنخرط في التصدي لأسطرة نساء الغرب على مستوى التفسخ الجنسي كما تتصدى لإشاعة الانفلات الجنسي للنساء في الغرب  مع تركيزها على وجود متخلقين في الشرق كما في الغرب.

2-3- تهافت النقد أو الوأد الأدبي المزدوج.

                إن ما أجمع عليه النقاد من أن رواية " زينب" لمحمد حسين هيكل ، تعتبر أول رواية في الأدب العربي يجانب الصواب من جهة واحدة فقط، فهي بحق ثاني رواية  يكتبها رجل تكون بطلتها أنثى ،لا غير، بعد رواية "عذراء دونجوان" لمحمود طاهر حقي سنة 1906، يتأسس فيها من منظور ذكوري وعي  تعسفي بقضايا المرأة النفسية والعاطفية والاجتماعية والسياسية ، بحيث أن هذه الرواية قد جاءت بعد ثلاثة عشر رواية كتبتها نساء عربيات. (أنظر الجدول رقم 2).

ومن أهم الاستشكالات المفهومية في تلقي الرواية النسائية هو الحضور المرجعي  الأخلاقي والمجتمعي للقارئ كما للقارئة من حيث القيم المتوارثة التي تجعل النساء " خائنات محتملات دائما لعشاقهن وأزواجهن، حيث تطفو قصة ديزدمونا إلى السطح في أعمال غربية وعربية" ([50]).

لقد كان لعنوان هذا الفصل أن ينطلق من طرح مسألة "الإنتاج قبل استهلاك صورة المرأة بالرواية" باعتبار حتمية الأسبقية الزمنية والفنية التي دلّلنا عليها لمبدعات أسسن لفجر الرواية العربية والنسائية مع نهاية القرن التاسع عشر(1899)، ومن هذا المنظور الذي وضعنا فيه النتاج الأدبي في سياقه التاريخي تبين لنا أن هذا الإبداع بغناه ومتخيله يتجاوز زمنه ساهمت فيه أديبات مبدعات في ولادة الرواية العربية إلى جانب مبدعين رجال أمثال سليم البستاني و جرجي زيدان وفرنسيز مراش و محمد حسين هيكل وغيرهم.

                ولقد وضعت حسب الجدول رقم (2) التالي:

عنوان الرواية

المؤلفة

السنة

عدد رواياتها

حسن العواقب

زينب فواز

1899

واحدة+

غادة الزهراء

زينب فواز

1899

واحدة+

قلب الرجل

لبيبة ماضي هاشم

1904

واحدة

حسناء سالونيك

لبيبة ميخائيل صويا

1904

واحدة

بديعة وفؤاد

عفيفة كرم

1906

ثمانية(أنظر(ي)

الهامش43 من الفصل الثاني)

بين عرشين

فريدة عطايا

1912

واحدة

 التسلسل الزمني للرواية العربية كما يشير إلى ذلك التاريخ الذي يبتدئ بسنة1899  كرواية عربية أولى، من جهة  كما  يشير كذلك إلى جعل زينب فواز رائدة الرواية العربية والرواية النسائية على السواء، فما على النقد العربي الموضوعي مسترشدا بأحدث مناهج البحث المعاصرة – نظرية جمالية التلقي-  سوى أن يعيد النظر في المسلمات التقليدية الكثيرة التي تغزو الأدب والقراءة ومجمل دراساتنا الأدبية والنقدية، و أن يصحح سجل الرواية العربية دون الانقياد إلى تحليلات مُتأرضنة تسعى جاهدة لتبيان عبقرية المدن والأقاليم، القاهرة أو بيروت أو لبنان أو....، خدمة للقضية الأدبية ببلادنا العربية.

                وإذ لا يمكن أن نفصل بين جمالية الخطاب الأدبي النسائي وجوهر قضية المرأة وإذ نعتبر أن قضيتها لوحدها بمثابة وسيلة إبداعية ذات جرأة لغوية تفيض بالسرد (قصة ورواية ) إلى منابع النضج الفني، بما أنها هي البناء الأول لخصوصية أدب المرأة .وفي هذا المسار الأول الذي اتخذته المرأة في عملية الإنتاج الأدبي والذي تطورت فيه واستوعبت التجربة الاجتماعية عبر عالم الهموم الذاتية الصادرة عن وعيها بقضاياه كامرأة.

 لقد أصبح الاشتغال على الجسد الأنثوي والكتابة به من طرف المرأة خصوصية ثابتة وظفته للتعبير عن الذات كجزء من المجتمع.  فما حقيقة رأي دة. ماجدة حمود التي تقول فيه " لم نجد قبل الخمسينات رواية سورية تتسم بالنضج الفني، سواء كانت لروائيين أم لروائيات (..)وهذا طبيعي لأن الرواية ابنة الحياة الحديثة ، أي ابنة المدينة بكل ما تعنيه من تشابك في العلاقات الاجتماعية، ونشوء طبقة وسطى تعنى بالتعليم وتستطيع شراء الكتب لكونها تملك وقتا لمطالعتها، ومن المعروف أن الرجل بدأ الانغماس في هذه الحياة قبل المرأة، فاستطاع الخروج من مستنقع الانحطاط، وبدأ الاحتكاك بالعالم، فاتصل بالغرب مبدع الرواية، عن طريق الدراسة والسفر" ([51]).

                 إن ماجدة حمود تقول بنضوب معين الإبداع قبل الخمسينات وتعزو تقدم الروائي السوري في هذا الباب لانتمائه فقط للمدينة ، فما هذا الانطباع في نظرنا سوى  حكما عاما ينفي خصوصيات واضحة تجلت في وجود الروائيتين زينب فواز الرائدة وعفيفة كرم التي عاشت في قلب حضارة الغرب بنيويورك كصحافية متمرسة.

خلاصات : إن الروائية زينب فواز العاملية من" جبل عامل" في جنوب لبنان كما تعرفه الخريطة اليوم، والتي نعتبرها أول مؤسِّسة للرواية العربية والنسائية على السواء، إنها روائية من مواليد سوريا قبل التقسيم ، ففي عصر زينب فواز لم تكن هناك سوريا ولبنان بلدين منفصلين  بل كانت الخريطة تقول إنها سوريا فقط.

ولا داعي لتذكير صاحبة " الخطاب القصصي النسوي.." بأن عفيفة كرم لها جنسية سـورية وقد كـان اتصالها بالغـرب " مَبدَع الرواية" عن طريق الدراسة والسفر إلى أمريكا وقد شغلت منصب نائب رئيس تحرير جريدة الهدى في نيويورك وهي بالطبع تحوز الوقت كله للمطالعة والكتابة ... ويكفينا تدليلا على ما جاء بالصفحة 15 من هذا المؤلف من إقرارها بالشكل الروائي لكل عمل يعتمد التخييل ويتجاوز حرفية الواقع ، القول بأن أحداث رواية " بديعة وفؤاد" تجري بين لبنان والولايات المتحدة، " واللافت للنظر هو أن عفيفة كرم تتوسل إلى قرائها كي ينسوا أن المؤلفة هي امرأة سورية وألا يحكموا على روايتها بناء على ذلك"([52]) والظاهر أن دة.ماجدة حمود قد اتبعت النصيحة بكل أمانة فنسيت أن المؤلفة تنتمي إلى سوريا.

                لقد كانت منطلقات بحث د.ماجدة حمود في كتابها المذكور خاطئة في التأريخ الأدبي للرواية النسائية السورية وبالتالي العربية. ولهذا فقد وأدت الناقدة و بملامس" أدبية" ناعمة فترة كاملة من تاريخ  الرواية بسوريا(من 1899إلى1950) مستعملة نفس مقاييس الوأد للنقاد العرب كجمال الغيطاني ومحمد دكروب وغيرهم([53]).

                أما الباحثة رشيدة بنمسعود في كتابها " المرأة والكتابة، سؤال الخصوصية/ بلاغة الاختلاف " فقد سبقت د.ماجدة حمود في التأريخ للكتابة النسائية مع مطلع الخمسينات معتبرة أن أساس اهتمام النقاد بهذه الإبداعات يرجع " أيضا لانتسابها إلى الجنس الثاني الذي أخذ الكلمة بدخوله إلى ميدان اقتصر تاريخيا على الرجل" ([54]).

                إن التركيز على اعتبار رواية ليلى بعلبكي وأخريات عند رشيدة بنمسعود التي تقول " ومع مطلع الخمسينات، تعالت صيحات نسوية مشحونة بالاحتجاج والثورة والرفض.."([55]) قد ألغى نصف قرن من زمن النساء العربيات المبدعات وقد جعل رواية ليلى بعلبكي كائنا إبداعيا بدون جذور مما يخلق تساؤلات منهجية حول البدايات الأولى.

المصادر والمراجع

 

 

[1] - د. طه وادي" صورة المرأة في الرواية المعاصرة" دار المعارف،القاهرة،الطبعة الثانية سنة 1980، الصفحة: 5.

[2] - نفس المرجع ، ص:6.

[3] - نفس المرجع السابق ص: 49.

[4]  - نفس المرجع ص:56-57.

[5]  - أخذا عن المرجع السابق ص:58.

[6]  - المرجع السابق ص: 59.

[7] - دة.بثينة شعبان" مئة عام من الرواية النسائية العربية" تقديم محيي الدين صبحي دار الآداب للنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الأولى  1999،ص : 56.

 [8] - نفس المرجع ص : 56-57.

[9] - نفس المرجع السابق، الصفحة5.

[10]  - د.طه وادي ، نفس المرجع السابق ص:120.

[11] - نفس المرجع السابق ص:121.

[12] - نفسه ص:163.

[13] - إحسان عبد القدوس" أنا حرة" دار الهلال سنة 1945، ص:176.

[14] - نفس المرجع ص: 176.

[15] - "أنا حرة" ص: 100.

[16] - جورج لوكاتش" نظرية الرواية " ترجمة الحسين سحبان ، منشورات التلال ،الرباط الطبعة الأولى 1988،ص: 85.

[17]  - نفس المرجع ص: 84-85.

[18]  - نفس المرجع  ص: 106.

[19] - دة.بثينة شعبان ، المرجع السابق ص: 69.

[20]  - نفس المرجع السابق ص: 69.

[21] -أنظر كتابنا " الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية." من تقديم د. نادية العشيري، مطبعة سجلماسة مكناس الطبعة الأولى، شتنبر 2004.

[22]  - نجيب محفوظّ بداية ونهاية" مكتبة مصر، القاهرة، بدون تاريخ، ص: 245.

[23]  - الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال "دار الأضواء، بيروت، الطبعة الرابعة عشر، 1987، ص: 43-48

[24]  - د.لطيفة الزيات" صورة المرأة في القصص والروايات العربية" دار الثقافة الجديدة، القاهرة،سنة 1979، ص: 80.

[25] - د.جورج طرابيشي ،نفس المرجع السابق ص:9-10.

[26] - احسان عبد القدوس،" منتهى الحب" قصة ملاءة اللف، دار القلم، المطبعة الجديدة بيروت-لبنان،ط الأولى غشت 1971 ص:82.

[27] -  إحسان عبد القدوس،" منتهى الحب" نفس المرجع السابق ص:86. التشديد مني.

[28]  - نفس المرجع السابق ص: 86.

[29]  - وداد سكاكيني " أروى بنت الخطوب" دار الفكر العربي ، القاهرة، سنة 1949، ص: 40..

[30] - حميدة نعنع ، " من يجرؤ على الشوق" دار الآداب ، الطبعة الأولى سنة 1989، ص: 109.

 - وداد سكاكيني، المرجع السابق، ص:132.[31]

 - دة.بثينة شعبان نفس المرجع السابق ص: 79.[32]

[33]  - دة. زهور ﮔرام " السرد النسائي العربي، مقاربة في المفهوم والخطاب" شركة النشر والتوزيع- المدارس- الدار البيضاء الطبعة الأولى سنة 2004 ص: 19.

[34]- دة.بثينة شعبان نفس المرجع السابق ص: 88.

 - د. بدوي طبانة " أدب المرأة العراقية في القرن العشرين" دار الثقافة بيروت الطبعة الثانية سنة 1974، ص: 30.[35]

 - ليانة بدر " هل هناك لغة نسائية في القصة " مجلة آفاق ، مجلة اتحاد كتاب المغرب ، أكتوبر 1983، ص: 133.[36]

[37] - أنظر(ي) كتابنا،" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية." نفس المرجع السابق التقديم.

[38]  - د.علي نجيب عطوي " تطور فن القصة اللبنانية العربية ،بعد الحرب العالمية الثانية، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت الطبعة الأولى 1982، ص: 234.

[39]  - للمزيد من الاطلاع انظر (ي) "الرواية العربية أنثى" لجوزيف كورية شاهين.

[40] -" مئة عام من الرواية النسائية العربية" نفس المرجع السابق ص:48.

[41]  - حسن العواقب المطبعة الهندية القاهرة ص: 37. عن المرجع السابق ص: 48

[42]  - اشتغلت عفيفة كرم قبل كتابة روايتها بالصحافة فقد كانت أمينة تحرير جريدة الهدى بنيويورك ،وقد أصدرت ملحقا أسبوعيا سنة1911، تحت عنوان " المرأة السورية في نيويورك"بعد ذلك أصدرت مجلة شهرية تحت عنوان " العام الجديد"، وبعد روايتها " بديعة وفؤاد" كتبت سبعة روايات أخرى..(غادة عمشيت، فاطمة البدوية، ملكة اليوم، ابنة نائب الملك،Nancy styar  ، محمد علي الكبير،كليوباترة) جاء هذا الجرد للروايات بكتاب " نساء من بلادي " تأليف نادية الجردي النويهض،المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت سنة 1986، ص: 217.

[43]  - دة.بثينة شعبان نفس المرجع السابق ص: 54.

 [44] - دة.نادية العشيري – ملامح في صورة المرأة من خلال بعض مصادر الأدب الأندلسي-  أعمال ندوة المرأة والكتابة ، سلسلة ندوات 8 جامعة المولى إسماعيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس ، 1995، ص:81.

[45]  - " مئة عام من الرواية النسائية العربية" نفس المرجع السابق ص:54..

[46] - " الأفق الروائي" د. عبد الله العروي، حوار مع محمد بنيس ،مجلة الكر مل العدد 11، سنة 1984، ص: 171.

[47]  - د.بثينة شعبان" المرأة العربية في القرن العشرين" دار المدى للثقافة والنشر ،سوريا، الطبعة الأولى سنة 2000،الصفحة: 10-11.

[48] - د.جورج طرابيشي " شرق وغرب رجولة وأنوثة ، دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية" دار الطليعة بيروت الطبعة الثالثة 1982  ص: 13.

 - دة.بثينة شعبان ،نفسه ص: 56.[49]

[50] -  دة بثينة شعبان المرجع السابق ص: 57-58

[51] - دة.ماجدة حمود" الخطاب القصصي النسوي ، نماذج من سوريا" دار الفكر ،دمشق الطبعة الاولى سنة 2002، ص: 13. التشديد منّي

[52] - دة.بثينة شعبان ،المرجع السابق نفسه ص: 54.

[53]  - للمزيد من المعلومات أنظر(ي) الصفحة رقم 51 -55  من كتاب " مئة عام من الرواية النسائية العربية"

[54] - رشيدة بنمسعود ، المرأة والكتابة ، سؤال الخصوصية /بلاغة الاختلاف، إفريقيا الشرق الطبعة الأولى سنة 1994 ص:75.

[55] - رشيدة بنمسعود ، نفس المرجع السابق ص: 75.

Partager cet article
Repost0
17 septembre 2022 6 17 /09 /septembre /2022 18:56
المرأة في الإسلام من السياق إلى التأويل -القرآن الكريم والسنة النبوية

المرأة في الإسلام من السياق إلى التأويل

  •  -القرآن الكريم والسنة النبوية-

 

د. ادريس عبد النور

 

دراسة محكمة

 

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس/المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

 

الكلمات المفاتيح: القرآن الكريم، السنة النبوية، التشريع الاسلامي، المرأة المسلمة، مقاربة النوع الاجتماعي.

ملخص:

     يُتَّهم الإسلام بأنه ينتقص من عقل المرأة وقدراتها الفكرية، وأنه يحط من إمكانياتها في استعمال العقل بالمقارنة مع الرجل بمعنى أن الإسلام يخالف العلم واستعمال العقل و أساس هذه الاتهامات هو ما اجتزئ من آيات قرآنية وأحاديث صحيحة وظفت في غير سياقاتها .ومن هذه النصوص التي ولدت جدلا وأشكل على البعض تأويلها وأضرت بصورة المرأة المسلمة في التشريع الإسلامي.

 

Sommaire:

Mots-clés : le Noble Coran, la Sunna du Prophète, la législation islamique, les femmes musulmanes, l'approche genre,

L'islam est accusé de nuire à l'esprit de la femme et à ses capacités intellectuelles, et qu'il dégrade ses capacités à utiliser la raison par rapport aux hommes, ce qui signifie que l'islam contredit la science et l'utilisation de la raison. Certains l'ont interprété et cela a nui à l'image de la femme musulmane. dans la législation islamique.

 

1-  المرأة في القرآن من السياق إلى التأويل

    1. التفريق بين الذكر الأنثى على أساس التفاضل.

     جاء في هذا الموضوع قوله تعالى: ﴿ وليس الذكر كالأنثى﴾ (سورة آل عمران الآية 36.) وقد خضعت هذه الآية إلى عدة تفاسير بحيث فسرها القرطبي في جزئه الرابع الصفحة 68، بأن امرأة عمران إنما قصدت بكلامها أن الأنثى التي ولدتها لا تصلح لما نذرت به ربها ،أي خدمة المسجد، وهو العمل المخصص للذكور بحيث جاء في قصة امرأة عمران (حنة بنت فاقود)* ﴿ إذ قالت امرأة عمران رب إني أنذرتك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم* فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾ ( آل عمران الآية 35-36) . وإن كان بعض المفسرين المحدثين " يأخذ هذه العبارة منفصلة عن سياقها ليؤكد تفوق الذكور، فإن وضعها داخل إطارها الحقيقي يطلعنا على خطأ التصورات التي تؤسس العلاقة بين الجنسين على التفاضل" ([1]).

فالرجل مفضل انطلاقا من إنتاج المعاني التي تنتجها قصة الخلق ومعاني الآيات الآتية :﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ (سورة البقرة الآية 227) . ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ (سورة النساء الآية 34.)

هذا ويقول ابن جوزي : " كان ذلك من تمام اعتذار امرأة عمران ومعناه : لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من خدمته المسجد والإقامة فيه لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس" ([2]) .

وقال الشوكاني في " زبدة التفسير" ص: 68 ، " أي ليس الذكر الذي أردت أن يكون..خادما ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك" .

وفي تفسير ابن كثير الجزء الأول ص: 359، يقول كاتبه مفسرا هذه الآية بأن المقصود هو " ليس الذكر كالأنثى في القوة والجلد والعبادة وخدمة المسجد الأقصى".

لقد أجمعت كل هذه التفاسير لهذه الآية عن قراءتها وفق السياق العام الذي نزلت فيه مع اعتبار كل القراءات التأويلية لم تكن محايدة فيما يتعلق بإنتاجهم لنفس الصورة التي تنتهجا الصياغة التوراتية حول المرأة بالنسبة لمفهوم " الطهارة"  وبذلك فإخراج هذه الآية من سياقها يضر بصورة المسلمة كما يضر بصورة الإسلام من حيث قيام الأفضلية بين الذكر والأنثى على المستوى الإلهي ، وهو موقف يظلم المرأة كما يظلم الإسلام وهو الذي نادى في العديد من الآيات بمبدأ المساواة الذي يشمل الرجل كما المرأة على السواء قال تعالى : ﴿ وأمرت لأعدل بينكم﴾( الشورى الآية: 15). كما قال :﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم

أجرهم بأحسن ما كانوا يعلمون﴾ (النحل الآية 97)،وقال أيضا: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾ (الحديد الآية 18).

      فالمساواة بين الرجل والمرأة  متحققة في الإسلام بطريقة قل نظيرها في باقي الديانات السماوية الأخرى وإن كان هناك أحيانا تباين في الاختصاصات والمسؤوليات،" فإننا لا نجد تفريقا بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية وفي الجزاء من ثواب أو عقاب" ([3])

    1. في إلحاق الكيد بجنس النساء.

كثيرا ما تضررت صورة النساء من خروج  الآية التالية عن سياقها ، فأصبح تفسيرها يستدعي فهمها على ضوء سياقها الذي يتعلق بامرأة عزيز مصرمع يوسف عليه السلام يقول تعالى :﴿ فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة الآتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾ ( سورة يوسف الآية 50.)، وقد أرجع المفسرين الكيد بعدد من الخصال متعلقة بالسياق حيث وصف القرطبي الكيد بالمكر والحيلة و "عظيم" لعظم فتنتهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن.

    1. في وجه عداوة الأزواج والأولاد.

قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ () ، إن حيلولة الزوجة أو الأولاد عن طاعة الله واستجابة المؤمن لنداء الله يتحمل مسؤوليتها الزوج وحده ، ويأتي تفسير الآية : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ (سورة التغابن الآية 14) مركزا على أن "عدوا لكم" بمعنى " احذروهم" ، أما ما يتعلق بإلحاق فحوى الآية بالمرأة فقط ف" من أزواجكم" يدخل فيها كل من الذكر والأنثى باعتبار أن الجمع المذكر الذي يدخل في جميع الآيات كان يشمل كلا منهما، فيصبح بذلك الرجل " عدوا" أي يجب الحذر منه كذلك عندما يقف حائلا بين العدو وبين الطاعة كما جاء على لسان القرطبي  في تفسيره الجزء 18 ص: 141،حيث قال " أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدوا، كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوا بهذا المعنى بعينه .وعموم قوله " من أزواجكم " يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما كل آية" .

    1. في التلبيس بمكان الوطء

في قوله تعالى :﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ( البقرة الآية 223) يقع تفسير الآية أحيانا على أساس إلتباس يجعل معنى "الحرث" - وهو يحيل هنا على معنى رقيق للوطء – يتعلق بالمكان مادام معنى الزمان – وهو وقت المحيض- قد شجبته الآية : 222 من سورة البقرة ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتّى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ " ولما كانت المرأة موضع النسل إذ كان في رحمها نطفة زوجها جاء تشبيهها بالأرض التي هي موضع النبات والإنبات [...] والمراد أن بإمكان الرجل إتيان امرأته من أي جهة شاء، ما دام ذلك في موضع الحرث ، أي القُبُل" ([4]) .

  1. المرأة في السُّنة من السياق إلى التأويل

     الإسلام هو الإسلام والتأويل متعدد فبعد أن اختلف المسلمون في تفسير القرآن الكريم ، وبعد أن جعل المفسرين النص القرآني يقول بدونية المرأة ، كما نادى بذلك أبو الأعلى المودودي الذي جعل الإسلام يوصد الباب في وجه النساء للاندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية لمجتمعاتهن ، هذا القول قد يجعل البعض يعتقد بمصداقيته باعتباره فعلا موقف الإسلام من المرأة  .

لقد سخّر التأويل العقيدة لخدمة وجهة النظر المحكومة بالهاجس الفردي أو الأيديولوجي.. عن الانزلاق في التأويل أو تدعيما لسلطة دنيوية ما على الأرض.

إن نفس الذهنية التجزيئية قد أصابت مقتلا في النص القرآني كما في النص الحديثي أبانت عن تغلغل المنطق الأبوي المتحجر اتجاه كل ما يتعلق بالمرأة، بدءا من :

    1. أحاديث الابتلاء بالبنات:

 فقد روى الترمذي عن عائشة قالت : قال (ص) : " من ابتلي بشيء من البنات فصبر عليهن كن له حجابا من النار".

فالبلاء هنا ليس بالمعنى العامي ولكنه الامتحان والاختبار، فالصبر قيمة مضافة للواجب الذي يجب أن يستمر حتى تتزوج البنات، وهذا التأويل يضع هذه الأحاديث ف باب (فضل الإحسان على البنات).

    1. أحاديث تجعل المرأة عورة:

 فقد روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود بسند صحيح أن النبي (ص) قال " المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان".

فكون المرأة عورة يعني الحذر من إغرائها وفتنتها والاحتياط من جاذبيتها وقوة إيحاء جسدها .

    1. أحاديث تجعل المرأة فتنة:

 رُوي عن البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أسامة قوله (ص):" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" .

لقد علق د.إبراهيم مروان القيسي على هذا الحديث بقوله" ليس في الحديث ما يعيب المرأة ،وإنما فيه أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، والفتنة هنا تعني الاختبار" ([5])

    1. حديث في تشبيه المرأة بالحيوان:

روى مسلم وأبو داود وابن خزيمة أن رسول الله (ص) قال : " يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود " .

وإذ يُطرح التساؤل عن مدى دلالة الجمع بين المرأة والحمار والكلب نجد أن البعض قد فهمه على ظاهره بما يسيء للمرأة ومكانتها في المجتمع ولهذا " فالجمع بين هؤلاء الثلاثة ليس من باب التسوية بينهم بشكل عام ، وإنما التسوية بينهم فقط في حكم معين هو قطع الصلاة" ([6])

وقد سبق للرسول (ص) أن جمع بين المرأة والطيب والصلاة في حديث آخر أخرجه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي بسند صحيح يقول فيه (ص) " حُبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة".

    1. إلحاق الحكم بالخيانة على بنات حواء:

لقد جاء فيما رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص): «...لولا حواء لم تخن أنثى زوجها"  وبذلك يذهب أصحاب التأويل المغرض إلى ما تلحقه الصياغة التوراتية من خطيئة المرأة ومسؤوليتها في خروج آدم من الجنة لما زينت لآدم الأكل من شجرة التفاح، ولو رجع المؤول إلى تفسير النص الحديثي بالنص القرآني لوجد أن القرآن يخص آدم بالعتاب وهذا العتاب سيكون منطقيا لو علمنا أن آدم هو من علمه الله الأسماء كلها والقرآن في قوله تعالى يخصص آدم بمسؤولية الخرق والإشارة له ب" إليه" واضحة،﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى﴾ (سورة طه الآية 120-121.)، بينما نجد في التوراة، سفر التكوين ، بالإصحاح الثالث ،أن آدم ينفي عنه مسؤولية الاقتراب من الشجرة بما أنه متمثل للأوامر التي وجهها له الله في هذا الشأن إذ يقول " فقال آدم المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت".

ويتبين من هذا كله أن حواء في قصة الخلق الإسلامية (ومن بعد ذلك المرأة بشكل عام) ما زالت تستحكمها قصة الخلق اليهودية على مستوى التأويل([7]) بينما لم نجد لها تخصيصا بالعتاب والإشارة بالتثنية التي جاءت بسورة البقرة الآية 36، والتي جاءت تالية بعد أن استحكم الإله إرادته في أن يجعل في الأرض خليفة يقول: ﴿ فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾.

    1. عن نقصان العقل والدين.

  روى أبو داود عن عبد الله بن عمر، أخرجه مسلم، قال، قال رسول الله (ص) :" .. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُبّ منكن، قالت امرأة: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين" ([8]) .

فالمراد من نقصان العقل والدين فالحديث يشرحها بكل وضوح ([9])، وما جعل هذا الحديث يلتبِس على الفهم خروجه عن سياقه الأصلي ليبني به الفقهاء أحكاما شرعية ومواقف ثابتة جعلت المرأة كائنا من الدرجة الثانية له معطيات طبيعية مغايرة وكأن الأمر لأجل ذلك من المسلمات والبديهيات غير خاضعة للنقاش، بالرغم من كون المرأة جاءت في سورة التوبة وصية كالرجل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى بالآية 71: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾.

  - فهل من نقص عقله – رجلا أو امرأة- يكلف بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ .

  إن المساواة الحقيقية أمام الله وقمة الثقة الإلهية في مشروعية استعمال العقل من طرف المرأة هي وضع مسؤولية السهر على شريعة السماء بين يديها لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

  -  فكيف لمن نقص عقله أن يُكلف  بتقويم اعوجاج  الحياة الدينية لعموم المسلمين؟

  - بل كيف لناقصات عقل ودين أن يذهبن بلب الرجل الحازم الوافر العقل ؟ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في كتاب الحيض عن أبي سعيد الخدري : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن."

  وقد كان علي ابن أبي طالب هو أول من أوّل و وجّه هذا الحديث وجهته الخاطئة بل تحامل على ما جاء في الآية 71 من سورة التوبة بدعوته عدم إطاعة النساء في دعوتهن للمعروف وبذلك جعل النساء بعيدات عن النهي عن المنكر، حيث قال في خطبته المشهورة: " معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان  نواقص الحظوظ نواقص العقول.فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن.أما نقصان حظوظهن، فمواريثهن على الأنصاف عن مواريث الرجال.وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد. فاتقوا شرار النساء. وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر" ([10]). بمعنى منع طاعتهن في المعروف كي لا يطمعن في مسألة النهي عن المنكر.

  كما أنتج عمر ابن الخطاب تأويلا لا يختلف كثيرا عن تأويل علي ابن أبي طالب بل أضاف له من القدسية و" البركة" ما يجعله مترسخا في البنية العقلية للمسلم حيث قال " خالفوا النساء فإن خلافهن بركة".

   فالإسلام ساوى بين المرأة والرجل في التكاليف الشرعية في درجة إتقان العبادة  وفي العقوبة على خلاف ذلك، فلو كانت المرأة ناقصة عقل، فكيف تكون عقوبة غير المؤهل عقليا  بنفس مستوى كامل العقل والأهلية، إن هذه الواقعة تتنافى مع  روح الخطاب الإيماني العام فيما جاء به من العدل والمساواة ونحن نعرف رفع الحرج الذي رفعه الإسلام عن القاصر والمجنون ( أي فاقد العقل) على حد تعبير ابن تيمية : "فلا يسمى عاقلاً من عرف الشر فطلبه والخير فتركه".

خاتمة:

إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195(

وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282.(

وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقرار والغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.

أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.

هوامش

  1. زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990 ص: 67. 
  2. ابن جوزي ، " زاد المسير" الجزء الأول ص: 377. 
  3. د.مروان إبراهيم القيسي" المرأة المسلمة بين اجتهادات الفقهاء وممارسة المسلمين" نشر إيسيسكو الرباط الطبعة الأولى سنة 1991 ص: 20. 
  4. د.مروان إبراهيم القيسي" المرأة المسلمة بين اجتهادات الفقهاء وممارسة المسلمين" نفس المرجع ص: 143. 
  5. نفس المرجع السابق ص: 146. 
  6. المرجع السابق نفسه ص: 147. 
  7. أنظر(ي) ما جاء في كتابنا عن قصة آدم وحواء ب" الكتابة النسائية حفرية في الأنساق الدالة ..." المرجع السابق ص: 109-110. 
  8. شرح مسلم للنووي الجزء الثاني الصفحة : 65-66. 
  9. لمزيد من المعلومات في هذا الشأن خاصة فيما يتعلق بالتكوين البيولوجي للمرأة  المصحوب بالعذر الإلهي، بالإضافة إلى غلبة العاطفة عليها وقلة خبرتها وعدم اكتراثها بشؤون المعاملات أنظر، د. وهبة الزحلي " الأسرة المسلمة في العالم المعاصر "، دار الفكر المعاصر ،بيروت الطبعة الأولى سنة 2000، الصفحة 109.
  10. علي ابن أبي طالب " نهج البلاغة"  ،الجزء الأول ص: 129. 

 

Partager cet article
Repost0
3 juillet 2022 7 03 /07 /juillet /2022 17:06
الكتابة على الجسد الأنثوي و بصمة عشتار

الكتابة على الجسد الأنثوي و بصمة عشتار

-قصة "اليد البيضاء" للقاصة زهرة الرميج أنموذجا-

د. عبد النور ادريس

دراسة محكمة

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس 

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

إن العالم القصصي والفني لمجموعة "أنين الماء" للقاصة زهرة الرميج في شكله وفي كتابته، يشيع في مفهوم جنس القصة، الإستغراق في التفاصيل التي لا تستطيع إلا الكاتبة أن تلتقطها، وهي تعتبر من مجموع الآليات التي تساعد عالم النساء على التبلور. فبالرغم من خطية المكونات المرجعية التي تحيط بعملية الحكي والتفسير، تفتح نصوص المجموعة آفاقها لعملية التأويل والتفسير، دون استدعائها لقارئ نموذجي يستطيع وحده فك استراتيجية ولذة النص الأنثوي، فتصبح وظيفة اللغة مع الزهرة رميج وظيفة تواصلية يمكن معها تصور واستحضار الفعل السردي.

وبذلك نجد أن تصورات الكاتبة تتلاقى، أحيانا، مع تصورات المتلقي بسبب الأساس الرمزي الذي يتجاوز وظيفة اللغة التواصلية. أما فيما يتعلق بالمرجع النصي، فهو نص تتضح معالمه داخل فضاء القصة، بما يحتوي عليه من فضاء وزمن وأمكنة وشخوص دون التطرق إلى فضاءات مرجعية تهتم بالقاص(ة).

الكلمات المفتاحية: النقد الجندري، كتابة الجسد الأنثوي، الزهرة رميج،  اليد البيضاء قصة قصيرة.

Sommaire

L'univers fictif et artistique de la collection "anine al mae" de la conteuse Zahra Al-Ramij, dans sa forme et dans son écriture, est commun dans le concept du genre de l'histoire, l'immersion dans les détails que seul l'écrivain peut capturer, et il est considéré comme l'un des mécanismes totaux qui aident le monde des femmes à se cristalliser. Malgré la linéarité des composantes de référence qui entourent le processus de narration et d'interprétation, les textes du groupe ouvrent leurs horizons au processus d'interprétation et d'interprétation, sans les appeler à un lecteur typique qui seul peut décrypter la stratégie et le plaisir du texte féminin, de sorte que la fonction du langage chez Vénus devient une fonction communicative avec laquelle il est possible de visualiser et d'évoquer l'acte narratif.

Ainsi, nous constatons que les perceptions de l'écrivain convergent parfois avec les perceptions du destinataire en raison de la base symbolique qui va au-delà de la fonction communicative du langage. Quant à la référence textuelle, c'est un texte dont les traits s'éclairent dans l'espace du récit, avec ses contenus d'espace, de temps, de lieux et de personnes sans aborder les espaces de référence concernés par le ou les récits,

Mots clés : critique de genre, écriture du corps féminin, Zahra Al-Ramij, la main blanche, une nouvelle.

اتصفت الكتابة القصصية للقاصة المغربية الزهرة رميج ونصوصها، بصفات النص الكلاسيكي الذي يتبع سمات نظرية النقد الأدبي وأعرافها النابعة من نظرية المحاكاة  في الإنتاج الأدبي، والتي تعتبر النص مرآة عاكسة للعالم الذي يقوم النص بتصويره ([1]). فلا عجب أن يلتقي عنوان وثيمة قصة " اليد البيضاء" بنفس ثيمة قصة "الأسوار البيضاء" للكاتبة نعم الباز، وقصة " ليلة بيضاء" لليلى بعلبكي التي تطرقت فيها للمرأة وللكيفية التي تُهدر بها آدميتها نظرا لكون المجتمع ينظر إليها كأداة لإشباع نزوات الرجل الجنسية ووعاء طيب لأطفاله.

  1. المرجعية التقليدية ونمط اشتغالها.

لقد جعلت القاصة الزهرة رميج من المتلقي انطلاقا من رؤية السارد(ة) وأشكال العلاقات التي تربط بين الفضاء المكاني للحكي والمتلقي بؤرة لاشتغالها وبذلك حددت لجل قصصها بمجموعة "أنين الماء" انتمائها الواعي بالأدب النسائي، إذن ما الذي يجعلنا نقول عن قصص الزهرة رميج بأنها قصص نسائية؟

إن التحول الذي وقع في وعي كتابة القصة، والذي شكل الوظيفة الأساسية للكتابة القصصية، جعل القصة القصيرة المغربية تنتقل بين أجيال سردية بالمغرب، وتربط أواصر العلاقة مابين القاص والمرجعية الفكرية التي تغذي انتظارات المتلقي يقول محمد برادة: "إن نوعية العلاقة التي يقيمها القاص مع مرجعياته تتحكم أيضا في استراتيجية التشكيل وفي الكتابة، وكذلك في نوعية علاقة المتلقي بالمرجعية وأفق التلقي"([2]).

 ومن المرجعيات القصصية ما اقترن خطابها الإجتماعي بالسياسي قبل الإستقلال، ومنها الكتابة الأدبية الملتزمة، والتي جعلت من الأدب محركا ومغيرا للواقع، كما انتقلت الكتابة القصصية إلى الإهتمام بالشكل وإبراز الذات، الشيء الذي جعل محمد برادة يستخلص عنصر "الفانطاستيك" كعنصر مشترك بين معظم النصوص القصصية في السبعينيات، والتي كان من بين أبرز أسبابها: "النزوع إلى تكسير نوع من الرتابة سيطر على الكتابة القصصية خلال الفترة الواقعية، ولأن أيضا ما يسمى بالواقع أصبح أحيانا متجاوزا التصورات التخييلية القصصية"([3]).

وأنت تقرأ قصة اليد البيضاء ([4]) تقع أسير متعة الحكي التي تعادل متعة القاصّة وهي تنقلنا من حُرقة الوعي الشعري إلى الحكي بأنفاس المتخيل الشعري، مطرِّزة بذلك مقدمة القصة لتعطي القارئ فرصة الولع بالكلمة الحالمة تقول: " شعرت أنا أتخبط في محيط عجين لا لون له ولا حدود. من يسلني ويقذف بي في الفضاء الشاسع حيث أتلاشى في ذرات النور والهواء؟" (أنين الماء، ص: 51).

والساردة إذ تقرأ العالم بعينيها وجسدها تحاول أن تحوز على إعجاب الزوج وتدخل من ضمن اهتماماته الشبقية اللاواعية، ولذلك أشرعت الساردة أبواب الذكريات فرسمت مداراتها لتختبر قوة الكتابة بالجسد المغلق، الجسد الذي جعل البطلة رهينة استيهامات زوجها، وبالتالي ملحقة باللذة الذكورية ومجرد شيء يُفتح ويُغلق حسب  متطلبات تلك اللذة، الشيء الذي يعكس تشبعها بتلك التربية الأسرية التي تستحكم قبضتها على جسد الأنثى، وتجعل "البكارة " من بين آليات الجسد الأنثوي الذي يعشقه النسق الثقافي الموسوم بالعفة والطهارة، نظرا لتركيزه على مسألة الشرف المتمثل في العفاف الجنسي للمرأة والمرتبط سطحيا بغشاء البكارة الذي قد تولد به الأنثى أولا تولد، حيث تشكل العفة إحدى القيم المجتمعية التي تقمع جسد المرأة، كما تشكل العذرية قطب اهتمام المجتمع من حيث أنه يصب الاهتمام على غشاء البكارة باعتباره محور قيم ذكورية خاصة ومصفاة تعبر منها الأنثى نحو المجتمع الفاضل أكثر من كونها حالة من الطهر الداخلي، ويقتصر نقل الصورة المجتمعية في هذه الحالة إلى إحاطة الفتاة المغربية بهوس الصورة المرتبطة بالعذرية التي تؤكد أنوثتها وتمارس بها وجودها، وتعرف بها وبواسطتها الشعور بالسعادة والاطمئنان على مستقبلها في بيت الزوجية، وتتجلى هذه الصورة بالأساس في صيانة العذرية وخاصة تلك القطعة الجلدية التي ينتظر الجميع أن تسيل دما لحظة الافتضاض بليلة "الدخلة".

والبطلة في هذه القصة تعيش "الحياة" على هامش الحياة، وتتحول اعترافاتها في النص لتنتمي إلى دائرة المنفلت الاجتماعي، إنها تمحو بذلك الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر، فبعد أن تم الزواج بين البطلة وابن الجيران بشكل تقليدي تقدمت فيه أم الزوج لخطبتها من بيت العائلة، ولم يكن لهذا العالم الذي نسجته التقاليد والعادات إلا أن ينفتح على ليلة الدخلة التي تشترط وفقا لعادات وتقاليد المجتمع المغربي، "العذرية" الأنثوية التي تدخل من بين خصوصيات التملك الاجتماعي للجسد الأنثوي، وتؤكد رسم معالمها الصفة التشريحية كشرط لازم للزواج، يعكسه هاجس بقاء الفتاة عذراء إلى يوم الدخلة، بينما يشترط اللاعذرية في الزوج والتي إن ثبت عكسها في الذكر يعتبره المجتمع ناقص الرجولة. تقول سمية نعمان جسوس في ذلك :" فالفحولة تظل صفة يقر بلزومها اجتماعيا، ولذلك يكون الزوج البكر عرضة للعار وللسخرية، والعار للزوجة التي لا تستطيع أن تعرض على الأنظار قماشا مبقعا بدم غشاء البكارة المُفترع !" ([5]) وهذا التراتب الاجتماعي للمرأة ظل قابعا في تلافيف العقلية الشعبية المغربية نتج عنها أن دور الرجل يتمثل في فعلية الحضور والاختراق بينما ظلت المرأة محاطة بأسوار هيكل المنزل وجدران الهيكل العظمي، تقول الساردة :" كانت ليلة الدخلة ليلة لا تنسى. غمرته فرحة لا مثيل لها عندما افتض بكارتي. أغرقني بالحب والحنان وبالهدايا المتنوعة. اعترف لي فيما بعد أنه عرف نساء أوربيات كثيرات، لكنه لم يشعر مع أية واحدة منهن بالنشوة التي شعر بها معي وهو يفتض بكارتي. هذا الاعتراف جعلني أشعر بالسعادة والاطمئنان إلى مستقبلي معه." (أنين الماء، ص: 54-55.)

ولذلك ليس غريبا أن تعرف المرأة معنى كرامتها وعقلها بدءا بليلة الدخلة المتمحورة حول العذرية التي تكتب مكانة المرأة وقيمتها وحدود وكيفية تصرفها في جسدها، كما أنها تمنح الفتاة صفة امرأة بمرأى من الجميع، حيث تعتبر العذرية مسألة جماعية تهم المجتمع بكامله، مجتمع يجعل مكانة الأخلاق الاجتماعية متفوقة بكثير على المسألة الدينية. وقد عبرت القصة عن مدى ما تحوزه مسألة البكارة في ليلة الدخلة من قيمة في المجتمع المغربي، والمرتبط أساسا في الثقافة المحلية المغربية بميثاق الدم، حدث يعبر عن طقوس الحرب أكثر من تحوله المعاصر إلى التعبير كرمز للشرف والعفة، وقد تطرق لحسن أيت لفقيه في دراسته الموسومة ب "المرأة المقيدة" إلى العلاقة التي تربط ما بين طقس العرس و ليلة الدخلة، تربط ما بين الافتضاض وطقس الحرب يقول :" إذا نجح العريس في تحقيق الاتصال الجنسي الذي يُوثَّق بمادة الدم، في منديل أبيض يسلم لرفيقات العروس، " تيمسنايين Timsnayine"، فإنه منتصر اجتماعيا، محارب، شجاع، راشد، لان الدم الأحمر مغزاه في الوسط القبلي، يعني أن الرجل ينحدر من أسرة محاربة، ويعني أيضا أن العروس تنحدر من أسرة محاربة إقطاعية ذات قيم محافظة آهلة لتساعد زوجها وتشجعه، وتدافع عنه. إنها من جانب آخر امرأة محصنة، منذ ليلة الزفاف، عفيفة، عالمة بواجباتها اتجاه الأسرة والمجتمع." ([6]).

  1. بصمة عشتار: العذرية والكتابة على الجسد.

لقد عرفت الحضارة الحديثة نفس نقطة التمركز التي عرفتها الحضارات القديمة، فوصفت العذراء بالنبع المختوم بشمع العذرية الأحمر، وشبهت الأنثى بالإناء الفخاري المغلق وهذا هو مدلول الأم الكبرى على المستوى الطبيعي، فهذه إنانا السومرية في أكثر من نص تُخاطَب بالعذراء، أو تتحدث عن نفسها بالعذراء ([7]) كما كانت عشتار عذراء قبل الولادة الشيء الذي يرمز لأسبقية المبدأ الأنثوي على المبدأ الذكوري يقول فراس السواح :" وأختام عشتار لم تفض لزرع بذرة الإله الإبن، ولم تفض لخروجه، ولن تفض بعد ذلك بالممارسة الجنسية. لأن أختامها رمز اكتمالها وغناها واغتنائها، ورمز لسيطرتها على جسدها الذي لا ينقص منه الجماع، ولا يترك فيه ذكر علامة. لذا فقد حملت إلهات الطبيعة لقب العذراء" ([8]).

ولعل القاصة الزهرة رميج في هذه القصة قد احتمت بهدوء البوح لتصرخ أمام تعنت العادات والتقاليد التي تجعل من غشاء البكارة هوية أساسية للمرأة المغربية، وقد أطلعتنا القاصة في قالب قصصي متميز على المجانية الأخلاقية لهذا التصور فأسقطت خرافة العذرية في ابتذاليتها، فجعلت القارئ يستسلم لعبثية ولاجدوى الاهتمام بهذا التقليد مادام الطب الحديث يستطيع تحويل الثيب إلى بكر، تقول سمية نعمان جسوس :"وتوجد على أيامنا طريقة عصرية لاستعادة العذرية الضائعة وتتمثل في رأب غشاء البكارة بعملية جراحية تُخاط فيها اللحيمات، وهي بقايا الغشاء، التي تظل قائمة، لا تذهب بها الاتصالات الجنسية المتواترة. إذا اتصلت الفتاة المستعيدة بكارتها على هذا النحو، اتصالها الجنسي الأول سال من فرجها الدم" ([9])، وتقول الساردة وهي التي رأت هوس زوجها وإخلاصه الفحولي للحظة الأولى التي افتض فيها بكارتها: " كان الصيف الماضي خاتمة عشر سنوات من الزواج. فكرت في تقديم مفاجأة سارة لزوجي لاسترجاع حيويته. كنت أعلم طبيبا أجنبيا متخصصا في أمراض النساء يستطيع تحقيق المعجزات، يحول الرجل إلى امرأة والمرأة إلى رجل كما يحول الثيب إلى بكر. اتصلت به ليعيد الي البكارة. أجريت العملية مباشرة قبل الاحتفال بالذكرى العاشرة لزواجنا" (أنين الماء، ص: 55-56)

ان قصة "اليد البيضاء" هنا لا تنتج إلا معنى الأنوثة الشهرزادية حيث تنتصب العذرية كبطل خرافي تداخلت في بروزه مستويات عدة تعمل القصة بوساطتها استحضار قيم الانعتاق والتحرر من موروث نفسي وقاموس جنساني رَهَنَ حيوات النساء، وجعل المرأة في محاولتها للتحرر تعمل على مجاراة المنطق الذكوري وتسهم في ترسيخ الصورة التي ينتجها الرجل عنها، تقول الساردة:" كان هذا ما أطمح إليه. ولعل دافعي إلى التفوق الدراسي كان هو إثارة اهتمامه، وأن أليق بمستواه. وافقت على الاقتران به، بل وعلى التنازل عن حلمي في متابعة تعليمي العالي. لقد أقنعني بضرورة التزام البيت والتفرغ لأبنائنا المقبلين مادام قادرا على تحمل المسؤولية" (أنين الماء، الصفحة: 54)، وقد أثبتت القصة أن حصول البطلة على عذرية جديدة إنما قد كشفت به عن هذا الميثاق المغشوش والقابل للغش والتدليس الذي يربط بين العريس وعروسه والمتمثل في غشاء البكارة، واعتبرت أن هذه الطريقة العصرية التي تستعيد بها الأنثى العذرية الضائعة بمثابة تصحيح لقيم زائفة وتأسيس لقيم أخلاقية تعاقدية تعمل على إزاحة الأساس الفحولي، وتحرره من الموروث التقليدي، والعودة إلى التفسير الأسطوري الأول لمفهوم العذرية وخاصة العلاقة العذرية بين الإله بعل وعناة الأوغارتية في الحضارة المينوية يقول فراس السواح :" إن آلاف المرات من المضاجعة بين بعل وعناة لا تذهب ببكارة الإلهة المتجددة. لأن بكارتها رمز للدافع الجنسي الكوني الذي يدفع الكائنات الحية بعضها إلى بعض ويساهم في استمرارها وبقائها. ومن أسماء الأم الكريتية الكبرى " بريتوماريتس" اي العذراء  العذبة و هي التي تبدو في معظم رسومها وعلى حضنها أو ذراعها ابنها الصغير الذي لم يبلغ مبلغ الرجولة والاستقلال عن الأم طلية فترة الحضارة المينوية" ([10])

هكذا نجد أن للعذرية عاملا قويا في تحريك القيم المجتمعية التي تحدد الوجود الفعلي للمرأة حتى أن أسطرت مفهوم العذرية لذى العقلية الذكورية، ولّد عدة أنماط للتعامل مع المرأة، وهكذا ما تزال عذرية عشتار حاضرة في المخيال الذكوري متعددة المستويات :" فهي عذراء على المستوى البدئي لأنها الأوروبورس المغلق الذي انحل إلى عالم المادة المتنوع وهي عذراء على المستوى الطبيعي يفيض خصبها على العالم دون مؤثر خارجي، وهي العذراء التي أنجبت لأول مرة دون إخصاب من ذكر وهي عذراء السيدة التي تبقى بكارتها رمزا لسلطانها على نفسها وجسدها ولا يقوم إلى جانبها زوج يساويها أو يعلو عليها، أو ينقص من اكتمالها." ([11])

إننا في قصة " اليد البيضاء" نقف على القناعة الدائمة والشائعة بأن الرجل يَمَلُّ سريعا من الجسد الذي يقدم إليه بيسر وسهولة، ولهذا تبقى العذرية شيء محمود في الفتاة قبل الزواج، ويرتبط تواجدها بحقيقة الاحترام الذي ستجده ببيت الزوجية تقول سمية نعمان جسوس في ذلك:" فللرجل أن يعاني ويكابد في سبيل امتلاك زوجته، وينبغي له أن يكد ويشقى لجمع المال اللازم للصداق وينبغي له أن ينتظر [ويظل ينتظر] قبل أن يضم زوجته بين دراعيه. فالأسرة ترمي إلى الرفع من قيمة الاتصال الجنسي الأول إلى الإعلاء من قيمة الفتاة التي تريد تزويجها، فهي كشيء كلما طال توق المرء إليه، كلما اشتدت رغبته فيه... هذا التصور للأمور يجعل من الطبيعي تماما في نظر الفتيات (وفي نظر أسرهم خاصة) أن يكون للخطيب اتصالات جنسية بنساء أخريات في انتظار الزفاف، فقد صرحت لنا امرأة في الثامنة والعشرين من العمر بقولها :" كان إذا رغب في جسد نسوي، يذهب للبحث عنه عند الأخريات. وأما أنا فأحرص على أن يحترمني. كانت أمي لا تني تردد على مسامعي أنه إذا أراد النساء، فما عليه إلا أن يطلبهن في الشارع ، حتى لا يمس بكرامتي" ([12]).

  1. القيم الذكورية الشهرزادية وقصة اليد البيضاء.

يبقى أن الخطاب الأدبي للزهرة رميج غير متبن لشعارات سياسية، لكنها مباشرة استطاعت عبره اختراق سطوة الخطابات السائدة وتفكيك منطقها حيث وصلت القاصة إلى كُنْه آليات إنتاجها واعتمادها على أوعاء زائفة، فرسمت بريشتها الأدبية خريطة المجتمع الثقافية التي حوّلت الثقافة والقيم إلى سلعة، فاكتشفنا مع قصة " اليد البيضاء" إنزياح هذه القيم عن مرجعيتها التي أنشأتها، ففقدت " البكارة" دلالتها الرمزية وتوقفت عن القول متخلّْية عن وظيفتها الاجتماعية، كما طالعتنا القصة بخطاب  مجتمعي يعمل على تبليد الوعي، فأبانت بذلك عن إفلاس مفهوم البكارة فعرت بذلك علاقات الأخذ والرد للسلطة القائمة في المجتمع، فحققت لفعل المسألة النقدية والمواجهة وضعا مفجرا يشير في النص إلى الصور المضطربة والمتفتتة الملامح، فعبَّرت بوضوح عن الازدواجية والانفصام الذي تعانيه المرأة لتحقيق ذاتها الأنثوية وهويتها، فعملت القاصة على تحرير صورة الذات انطلاقا من نسج صورة جديدة مشروط تحررها من سلطة المنظور التقليدي الذي يسمح في بنيته المنظمة للخطاب بانقسام الذات الأنثوية وازدواجيتها، نهض كذلك على استبعاد المرأة من كل إيجابية على اعتبار أنها حابلة بالطبيعة بكل الخصائص السلبية التي لم تساعد الساردة في انفكاكها من الصورة النمطية والمتحكمة في نظام القيم السائدة :" آه ياعزيزتي، لقد مرَّغ سمعتي في الوحل، فانفض من حولي الأهل والأصدقاء وها أنذا منبوذة وحيدة أجتر صدمتي وخيبة أملي" (أنين الماء، الصفحة : 57).

يتبين هنا أن القاصة تحاول أن تحرر وعي المجتمع، والرجل بشكل خاص، من مفاهيم الأبوية المتغلغلة في القيم العامة وذلك من خلال طرح عدة تساؤلات عميقة على معنى العفة المرتبطة بالبكارة، كما بإثارة جملة تشكيكات في طبيعة المفاهيم التي قامت على رؤية الرجل وحده للعالم، ففجرت المسكوت عنه واستخرجت من الظل المكبوت في الوعي المجتمعي العام المتجلى في رد الفعل الذي قوبلت به الساردة من طرف زوجها، وخاصة عندما بصمت اصطناعيا على جسدها بصمة الإلهة عشتار : "تتجرئين أيتها المومس على أسيادك؟ ولكن الحق ليس عليك وإنما على المغفل الذي سقط فريسة سهلة لأحابيلك ! غذا تغادرين الفيلا، وستصلك ورقتك قريبا. أما الأولاد فلن أسمح لمومس حقيرة مثلك أن تقترب منهم" (أنين الماء، الصفحة :57). ويعتبر رد فعل الزوج طبيعيا في الثقافة المجتمعية المغربية، وذلك ما أكدته الباحثة السوسيولوجية زينب معادي في كتابها الجسد الأنثوي وحلم التنمية تقول:" 95% من النساء المستجوبات تعتبرن أن البكارة ضرورية لكي يستمر الزواج. وأن الزوج من حقه أن يطرد العروسة ويرجعها إلى والديها إذا ما اكتشف ليلة الزفاف أنها ليست بكرا" ([13]).

إن الوعي النسائي الذي صاغته القاصة عبر فعل الكتابة تمثل في أن معرفة خبايا الخطاب الأبوي تمر بالجسد وبما يحياه التجسد على المستوى الجنسي والرمزي، من هنا دلت كلمة " بكارة" -والتي أسميتها ببصمة عشتار- على أنها تنتمي إلى الجنس المذكر والمؤله، فصار الجسد كلمة وأصبحت الكتابة النسائية لغة هامسة تدفع بالمؤنث إلى أن يستمر على شكله الأنثوي.

ولم يأت رد فعل الرجل إلا كفيض من دائرة تبين ذلك في البعد المستشري في المجتمع، وكأن القاصة تبعث من جديد شهرزاد الجديدة التي كتبت الباطن كي تقتل الظاهر، في حين أن المنطق الذكوري يعمل جاهدا وباستمرار على قتل امرأة الباطن كي تنتعش فيه اليقظة العليا للسلطة ، فكانت كتابتها كما جاء على لسان جوليا كريستيفا جوهرا يعمل على إحراق ذاته من أجل إعادة التشكل والإنبعاث كما طائر الفنيكس من رماده تقول ساردة اليد البيضاء:" سأخرج من منفاي الاختياري لأحاول اللحاق بالزمن الضائع علني أعثر على تلك التي كنتها من جديد." (أنين الماء، الصفحة :57)

وتعمل القاصة من خلال قصة "اليد البيضاء" على الدفع بشهرزاد الجديدة نحو تجربة تثقيف شهريار الجديد وبعثه من ظلمات الجهل ومحاولة تحويله وفق معجم جنساني مغاير بدءً من ممارستها الحفر في الجسد المثالي، بينما الساردة تبوح بسرها متلفعة بأسرار الحكي الشفاهي وواضعة المستمعة إليها أمام الأمر الواقع الذي لا ينفر حقها في المعرفة والتأمل، وقد اعتمدت الزهرة رميج على إمكانية التقليد الشفهي فمارست الوعد تلميحا لا تصريحا، وكأننا بشهرزاد الجديدة تعيد الألق لحكي النساء تقول :" من أين أبدأ حكايتي؟ من البداية أم النهاية؟ وأي قالب أختار؟ بل أي قالب يناسبها؟ هل التوفيق بين الأصالة والحداثة أم حكي النساء الضارب في أعماق التاريخ؟ كلاهما مناسب لها لكني أفضل حكي النساء، حكي الجدات على الخصوص" (أنين الماء، الصفحة :57).

وبذلك حاولت الزهرة رميج تحرير صورة المرأة من كونها جسدا مغلقا بلُحَيْمة ضمان الصلاحية (غشاء المهبل) يفتحه الرجل جنسيا، بل يتعدى ذلك إلى التشكيل الرمزي لذلك الفتح، كما حاولت تثقيف الرجال وإثارة انتباههم إلى الأبعاد الفزيولوجية التي تتفاعل معها النساء نفسيا باعتبارهم من وجهة نظرها – أي القاصة- في حاجة إلى تثقيف بطبيعة النساء، فخرجت من مستوى التيمة الأساسية المطروحة في قصة  "اليد البيضاء"، ومن تصوير الجسد كلعنة وموضع شك إلى إنتاج صورة جديدة ينتقل إطار ثوابتها الفحولية إلى متغيرات فقط، وبهذا المعنى أصبح بالإمكان الحديث عن علاقة مرآوية بين الجسد باعتباره فضاءا لاشتغال المنطق الذكوري الذي يحتاج إلى خطة تأويلية تبني فاعليتها من الفعل التأويلي المرجعي للمتلقي، وبين الجسد كنظام رمزي يسكن كوامن اللغة، فيه تتحول الأنساق القيمية إلى نُظُم تعبيرية وتمثيلية، لذا " فإن التلقي الرمزي والاجتماعي للجمال وللعاهة الجسدية يستمد مقوماته من الإرث الرمزي والمتخيل الذي يتم نسجه حول الدلالة التداولية للجسد".([14])، وقد اعتبرت القاصة "البكارة " في ظل هذا الموروث الذي يضُجُّ بالتقليد بكل خطوطه وملامحه من معايير الجسد الأنثوي على المستوى الواقعي والمتخيل، حيث تركزت في الوعي واللاوعي الفردي والجماعي للمجتمع المغربي على أساس أن خلو الجسد الأنثوي من البكارة قبل ليلة الدخلة يُعد نقصانا جسديا تركز منذ القدم بسبب تطعيمه للمادة الأساسية التي ينسج منها المتخيل والقدسي تجلياتهما المتعددة، بحيث حافظ المجتمع على البعد السلبي للحس الأنثوي الخالي من البكارة، وتم تصريف هذا التسليم بدونية الجسد الأنثوي وبشكل كبير في الثقافة الشعبية والمتخيل والذاكرة الجماعية، فالنقص الذي تشعر به الساردة في القصة والذي أدى إلى انهيارها والذي جعلها تقول :" واعلمي أني مدينة لك بإنقاذي من هلاك محقق. منذ الليلة، سأرمي بكل الحبوب المنومة " (أنين الماء، ص :57).

فما تشعر به الساردة إذن هو رفض زوجها لها كذات، لارفض وضعها الجسدي المشكوك في توفره على بكارة طبيعية زمن ارتباطه بها. ويأتي تصرفها هذا على أساس أنها اعتبرت مسألة العذرية مسألة شخصية، في حين أن رد فعل الرجل الذي يدعمه المجتمع والدين والقانون ينحو نحو ما يثبت أن العذرية قضية اجتماعية بالأساس، ومن ثم ظلت جنسانية المرأة معرفة ومحددة بواسطة الرجل وعلى اتصال وثيق به، وبحدود معرفته بالجسد، فترميم العذرية للعازب يعني إعادة بناء شيء تهدم يلتحق بسمعة المرأة، أما في حالة الساردة هنا، فترميم العذرية داخل مؤسسة الزواج، واستعادتها صناعيا وطبيا يعني تعريض الزواج للخطر.

                  خاتمة:

ان الخط السردي في قصة " اليد البيضاء" أكد لنا أن الجسد الأنثوي بتمظهراته حسب الخطاطة النفسية للعالم النفسي فرويد Freud هو لعبة متخفية للاوعي. هذا اللاوعي الذي لايمكن الوصول اليه الا من خلال لغة الحياة الواعية الكلامية، فلغة  اللاوعي صعبة الادراك، لاتصبح موضوع دراسة علمية إلا إذا وجدت من يكتبها باللغة الواعية، كما أن الجسد ليس مجرد أعضاء فيزيولوجية وإنما هو تعبير ذو طبيعة لغوية يحمل ذاكرة وتاريخا أيضا، وقد توفقت القاصة في جعل الجسد الأنثوي من خلال " غشاء البكارة" محملا بعناصر تخييلية باعتبارها كتابة أدبية تأخذ من الجسد مساحة أكبر لفهم إيقاع الأحداث فدبَّجَت بذلك كتابة أدبية تعبُر من الأصالة نحو الحداثة ليتحول النص هنا إلى نص مفتوح تتلامس فيه وتتداخل أصالة الحكي الشفهي وحداثة الحكي المعاصر تجسدت في البكارة كخزان ميثولوجي يتفتّق فيه الخفي والمكبوت والمستحيل، يظهر ذلك من خلال طقس " الثقاف" الذي يؤشر على الاغلاق الرمزي الذي يمارس على جسد الفتاة قبل أن تحيض، وجعله منغلقا أمام أي محاولة من طرف الرجال لفضه- أي فض بكارتها- فالثقاف كتابة اجتماعية ثقافية بيد نساء (الأم، الجدة، الخالة و العمة) على جسد الفتاة، فهو يجدد مكانة المرأة وقيمتها، وحدود تصرفها في جسدها:" الثقاف يمارس بالدرجة الأولى من طرف الأم، ثم تأتي الجدة للأم في الدرجة الثانية ثم الخالة في الدرجة الثالثة. طقس الثقاف يكتب على جسد المرأة أنه يجب أن يكون منغلقا، مما يجسد درجات الرقابة. ويرسم علاقة غريبة بين الأنثى وجسدها رغم بداهتها الظاهرية. فهو جسدها وفي نفس الوقت هو موضوع مراقبة الآخرين" ([15]). وبذلك تمكن النص من إثارة أسئلة جوهرية في عصر الطب التجميلي، وخلق وعيا جديدا استحكم طبيعة علاقة الذات بالآخر والمذكر بالمؤنث في إطار من التعدد التأويلي الذي يتسع لكل الدوائر الرمزية، مع تحويل الظواهر الجسدية إلى ظواهر لغوية كما اتسع تفاعليا بين المكوّن الثقافي الجمعي والمكوّن النصّي اللغوي.

المراجع والهوامش


[1] - د. الرويلي ميجان و. سعد البازغي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، سنة 2002، ص 274.

[2] - برادة محمد "القصة المغربية - التجنيس والمرجعية وفرادة الخطاب" ، سلسلة ملتقى القصة، كتاب جماعي، منشورات الشعلة الدار البيضاء، إعداد وتقديم: محمد فرطسي عبد الواحد أولاد الفقيهي، ط 2، 2006، ص 62.

[3] - برادة محمد "القصة المغربية - التجنيس والمرجعية وفرادة الخطاب" ، نفس المرجع السابق، ص 63.

[4] - انظر نص القصة بالمجموعة، ص:   51.

[5] - جسوس سمية نعمان ، بْلا حْشومة: الجنسانية النسائية في المغرب ، ترجمة عبد الرحيم حُزل ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ، 2003 الصفحة : 177.

[6] - ايت الفقيه لحسن ، المرأة المقيدة ، نفس المرجع السابق، الصفحة: 52.

[7] - في حوارية بين إنانا السومرية وبين أوتو إله الشمس وحول زواج الإلهة المرتقب نجد:" أي أختاه عليك بالراعي الكثير الأنعام، إنانا أيتها العذراء لماذا تعرضين عن الراعي..؟.. أنا العذراء سأتزوج المزارع، الفلاح الذي يزرع النبات ويعطي الغلال الوفيرة" مغامرة العقل الأولى ، فصل قابيل وهابيل، عن فراس السواح، لغز عشتار، نفس المرجع السابق، الصفحة 174-175.

[8] - السواح فراس ، لغز عشتار، ، الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، دار علاء الدين، دمشق سوريا، الطبعة الثامنة سنة 2002 ،الصفحة: 174.

[9] - جسوس سمية نعمان ، بلا حشومة الجنيانية النسائية في المغرب، ترجمة عبد الرحيم حزل، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى ، سنة 2003 ، الصفحة : 213.

 [10] - السواح فراس ، لغز عشتار، المرجع السابق، الصفحة: 175.

[11] - السواح فراس ، لغز عشتار، نفسه، الصفحة: 176.

[12] - جسوس سمية نعمان ، بلا حشومة..، نفس المرجع السابق ، الصفحة: 94

[13] - معادي زينب: الجسد الأنثوي وحلم التنمية، إنها امرأة تذوب، نشر الفنيك، الدار البيضاء، ط 1، مطبعة النجاح الجديدة، دجنبر 2004، ص: 74.

[14] -  الزاهي فريد: النص والجسد والتأويل، افريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الأولى، سنة 2003، الصفحة: 153.

[15] - معادي زينب ، نفس المرجع السابق، ص: 74.

Partager cet article
Repost0
23 juin 2022 4 23 /06 /juin /2022 18:54
أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي
أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي

أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي

-قراءة في كتاب للدكتور عزالدين النملي-

د. ادريس عبد النور

أستاذ باحث  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

مقدمة:

هناك آفاق تصورية ومنهجية لدراسة الشعر العربي القديم في تاريخيته، نجح الدكتور الباحث عز الدين النملي في سبر غوره، ولهذا لقد تمت قراءتنا لكتابه الموسوم ب" شعر الهذليين دراسة دلالية تداولية" من خلال مقاربة نقدية تجاوزنا فيها الواقع اليومي المعيش إلى بناء الفعل التخيّلي وخاصة النظرة المتعلقة بشعرية الحلم، كما تم  الاعتماد على الحضور التاريخي لإحاطة القراءة بضرورة التعبير عن الرمزي المنغرس في الطقوس حيث ربط الانفعال الخاص بالجسد المؤنث بالعالم المرئي وتشكيله داخل القبيلة الشعرية كطيف وانطباع عبر الصورة الحلمية وتحقيقها شعرا وبلاغة .

فهل استطاعت اللغة أن تنقل حقيقة ما أحسّه الهذلي من أحاسيس جيّاشة بداخله اتجاه الأنثى التي عشقها؟

الكلمات المفاتيح: الشعر الهذلي، العذرية الشعرية،المرأة المثال، الغزل العذري،عز الدين النملي

introduction:

Il existe des horizons conceptuels et méthodologiques pour l'étude de la poésie arabe ancienne dans son histoire.Le chercheur, le Dr Izz al-Din al-Namli a réussi à la comprendre, et pour cela nous avons lu son livre intitulé "La Poésie des Huddhili : une étude sémantique et pragmatique " à travers une approche critique dans laquelle nous sommes allés au-delà de la réalité vécue quotidiennement à la construction de l'acte imaginaire, en particulier le regard. Lié à la poésie du rêve, car il s'est appuyé sur la présence historique pour informer le lecture de la nécessité d'exprimer la symbolique inscrite dans les rituels, comme liant l'émotion du corps féminin au monde visible et sa formation au sein de la tribu poétique comme spectre et impression à travers l'image du rêve et sa réalisation dans la poésie et l'éloquence.

Le langage était-il capable de traduire la réalité des sentiments intenses qu'Al-Hudhali ressentait en lui envers la femme qu'il aimait ?

Mots-clés : Poésie hypocrite, virginité poétique, la femme idéale, filature virginale, azddine Namli

أولا: الشعر الهذلي بين الواقعي و المتخيل

إن الشاعر الهذلي  كان يقرض الشعر مأخوذا بسحر المرأة" المثال" المتمثلة في المخيال على شاكلة الشعراء الجاهلين حتى استحالت حلما رقيقا مخضبا بالأشواق ولهذا فميكانيزمات اللغة الشعرية الهذلية البيانية والبلاغية أبانت عن سلطتها لما باينت وتخلّصت من ثقل الواقع على شحناتها العاطفية.

  فالشعراء الهذليون لم يستوحوا لغة امرئ القيس وتشبيهاته وصوره وقيمه الجمالية وما استخدموا عباراته وألفاظه المسكوكة، فالمؤنث بالشعر الهذلي لا يمت إلى اتجاه حسّي بصلة ولا يصدر عن تجربة واقعية، وبذاك وجب انتفاء عناصر التمييز والتفارُق بين العصرين على المستوى المتخيّل الفنّي ، وهذا ما تمت ملاحظته مع الناقد الدكتور عز الدين النملي وهو يتجول في المداخل النصية المعجمية والدلالية للشعر الهذلي ليؤشر على الارهاصات الأولى لإنبثاق المنحى العذري بالشعر العربي وذلك من خلال تمفصلات كتابه وخاصة الصفحات الآتية من الكتاب:

الصفحات

الانهمام النقدي

من ص 120 إلى ص 127

 

هنا تساؤل المؤلف عن علاقة الغزل بالرثاء وذلك من خلال اقتران المرأة بالرثاء في قصيدة أبي دؤيب.

من ص 345 إلى ص 354 .

 

حددت هذه الصفحات الصورة الضعنية التي تمثلها الشاعر الهذلي لتوديع الراحلة وهي تحمل زمن فتنته  فأصبح المكان عنده دارس لغياب المعشوقة.

من ص 354 إلى ص 364

 

وتأتي هنا الصورة الطيفية كما حددها المؤلف د. عزالدين النملي شاملة مانعة ، حيث كنت أبحث عن شعر شاعر هذلي مفرد ، فوجدت شعر قبيلة إذ الشعر الهذلي يعبر عن رأي القبيلة وينطق بلسان كل فرد ويخلص لها.

من ض 364 الى 374

الصورة العسلية وما تحتويه من شعر رقيق بعيد عن الغموض الذي يتسم به الشعر الهذلي.

 

أليس في شعر الذؤبان رواسب من حياة القبيلة؟

لو كان شعر هذيل مرتبط بشاعر فرد لجال المؤنث داخله ملموسا متفتقة رياحينه في عز الضوء، لكن شعر قبيلة هذيل ذكر يحلم بما علق في اللاوعي فأنتج الهذليون ديوانا بطعم الجماعة يمتح من المشترك العام ويحفل بتمظهرات ثقافية عدة غطت على عاطفته الجياشة منها : ثقافة الحرب بما هي مؤسسة ثقافية لها أهميتها القصوى في حياة القبيلة ذات أبعاد منها السطو والصعلكة والثأر والجهاد.

يقول الشاعر خديفة بن أنس:

وكنا أناسا أنطقتنا سيوفنا *****لنا في لقاء الموت حدّ وكوكب

فقبيلة هذيل قبيلة الشعر أولا لأنها قبيلة حرب.

ولما عبر الشاعر الهذلي  عن الوجدان  في تجلياته تتحول القصيدة عنده إلى كائن شفاف يعيد صياغة الأسئلة، وهي أجوبة لخصتها بعض القصائد من 300 قصيدة يحفل بها ديوان قبيلة هذيل المتوفر على 4039 صفحة،

فهل تكفي كيمياء الأحاسيس للقول بوضوح ملامح الأنثى داخل القصيدة وخارجها؟

كيف انتشت اللغة الهذلية بقدرتها على التعبير عن نفس تلك الإحساسات ؟

إذا سلَّمنا بفرضية وجود المرأة المثال في المعتقدات الدينية والأسطورية بالبيئة الجاهلية، فإن عودة شعراء بني هذيل إلى نحث نفس الصورة الحُلمية للمرأة  تثبت وجود صورة أقدم للمرأة هي المثال أو الأصل الذي احتداه كل الشعراء، هذه المرأة الأيقونة، التي تضمَّنت كل الصفات الأنثوية المتحركة  بوجدان  ومخيال  الإنسان العربي ،وكانت عناصر الأنموذج كاملة يتجاذبه الحضور والغياب، الواقعي والمتخيل الشيء الذي جعل الشعراء الهذيليين يحتدون الأصل المفقود، عبر مقاطع شعرية تتلاقى فيها الخيالات الفاتنة والأماني العذبة والتطلعات القابضة على الجمر المنفلت.

فجاءت المواضيع التي تحدثت عن المؤنث بالشعر الهذلي كما قبض عليها الناقد د. عز الدين النملي راصدة ل:مفاتن المرأة، وقسوة الهجر، ونار الشوق، واللذة المحاصرة، والشهوة المقموعة.

والصورة النجم التي تطرق لها المؤلف تتحدث باستفاضة عن التعويض الذي لجأ إليه الشاعر الهذلي عن الغزل المباشر حيث أنشد طيف المرأة التي لا تظهر إلا في الليل بعد المنام.

وقد أسست تجربة الطيف أو تجربة الأرق شكل من أشكال التعويض عن الغزل المباشر ، وهي تجربة مشتركة بين العديد من شعراء هذيل المؤرّقين فلان قولهم وشفّ خطابهم وخلت جملهم من الغامض من القول وبذلك ساهمت المرأة في أناقة قولهم الشعري المرتبط بها :

  • ربيعة بن الكودن:

أفي كل ممشى طيف شمّاء طارقي *** وإن شحطتنا دارها فمؤرقي

  • مليح بن الحكم:

ومن يتعلق حب شيماء أو تكن ***    له شجنا يكبر حنينا ويشتق

ويهتج لذكراها إذا خطرت له    ***     وللبين منها والخيال المؤرق

 ويقول أيضا:

يجللها الأحمالَ غيد كأنما ***  جُلين بماء المُذهب المترقرق([1])

  • أمية بن أبي عائد:

وأيقنت حين استبنت الفراق *** أن لن نعود كما قد غنينا

  • ساعدة بن جؤية :

أهاجك مغنى دمنة ورُسوم *** لقَيْلة منها حادث وقديم([2])

لقد عبر هؤلاء في قصائهم بالديوان عن صور " تكشف عن الجنسية المحضورة والليبيدو المقموع، والتعبير عن حالة الاستقرار التي بات يمجُّها الروح الاجتماعي ابتغاء حالة حضارية أرقى"[3]

ثانيا :تأسيس العذرية الجمعية للشعر الهذلي

الحب العذري يحتاج إلى شروط نشأة وتطور منها: مساهمة القبيلة في إقصاء الجسد الأنثوي والحيلولة دون منحه صيغته الطبيعية للتفاعل والتحقُّق، فهذا المنع والتعطيل لفاعلية علاقة العشق وتحققها عبر المسلك الطبيعي، الزواج، هو الذي يجعل اللغة تأخذ دور الفاعلية التعويضية وتستعير لتقوم بتفجير المعجم وتوليد الخيال.

- ما هي دلالة ترعرع الغزل "الإباحي" بحاضرة الحجاز وانتشار العذري منه بباديتها؟

لقد اتخذ هذا البوح معنى المس بعفة القبيلة وشرفها في توجهه إلى امرأة واحدة " في مجتمع لم يكن قد تحلل من نزعات البداوة وخصوصا نزعة الاعتقاد بأن المرأة دون الرجل ومُجلبة للعار، فأحاطها بسوار من الأوهام لا ينبغي لها تجاوزه، ولذلك منعوها من الحب...وبالتالي، أسقطوا من عالمها حب الرجل لها، وبثِّه إيّاها نجواه وشكواه، لأن في ذلك استباحة تُقلق القبيلة كلها، وتنال من كبريائها"([4]) .

فمن خصائص الشعر العذري العفيف عند العرب، التعبير عن مرارة السهر والأرق وعن مشاعر الألم والمعاناة لدى الشاعر وذلك يعود إلى فراقه عن معشوقته والبعد عنها جراء عوامل قصرية فقد قال امرئ القيس (مجنون ليلى)

أظلّ رزيح العقل ما أُطعمُ الكرى***** وللقلب منّي أنّة وخُفوقُ

وقد جاءت صورة المرأة عند الشعراء العذريين تقليدية تمتح من العناصر الفنية لصورة المرأة في الجاهلية فإذا كان  ذي الرمّة وهو الناسك في محراب الحب المسبِّح بآياته في وصفه "ميّ" عن الصورة التي كانت تسكن مخيلة امرئ القيس " فاطمة" والنابغة الذبياني "نعم "وطرفة بن العبد " خولة " حيث شبّه الاقدمون المرأة بالظبية ولم يخرجو من نسق هذا التصور وإن كان قد أضاف ذي الرمة إليها أضواء جديدة من شعاع الضحى فبدت صورتها أحلى وعشقها أمتن،

فجاءت صورة المرأة في الشعر الهذلي حاضرة في المخيال غائبة جسديا وواقعيا.

  • سهم بن أسامة بن الحارث الهذلي" أم نوفل ":

ألا أرقتنا بالسُّرى أم نوفل *** فأهلا بذاك الطارق المتغلغل([5])

  • ربيعة بن الجحدر أم مسافع" :

أنّى تسدى طيف أم مسافع *** وقد نام يا ابن القوم من هو ناعس([6])

  • أبو شهاب المازني" أم عامر" :

ألا يا عناء القلب من أم عامر *** ودينته من حُب من لا يُجاور

  • أمية بن أبي عائد " زينب":

ألا يا لقوم لطيف الخيال *** أرّق من نازح ذي دلال

خيال لزينب قد هاج لي *** نُكاسا من الحُب بعد اندمال

  • ربيعة بن الكودن  ومليح بن الحكم "شمّاء"

أفي كل مُمْسى طيف شمّاء طارقي *** وإن شحطتنا دارها فمؤرقي([7])

  • عبد الله بن مسعود الهذلي" عثمة":

تغلغل حب عثمة في فؤادي *** فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شرابُ *** ولا حُزْن ولم يبلغ سُرور

  • ساعدة بن جؤية " دمنة"" أم معمر"

أهاجك مغنى دمنة ورُسوم *** لقَيْلة منها حادث وقديم

ثالثا: المرأة الهذلية في مضمار الفحولة الشعرية .

إن صورة المرأة المثال في وجدان الهذلي  شعريا قد حملها النسق الثقافي المفتوح على الاستفحال اللغوي المترسخ إلى استكناه صورة النسق المُهيمن، فصورة المرأة المثال قد انغرست في الوجدان العام الثقافي العربي وخلقت لدى الوعي الشعري عدم إمكانية خروجه عن أنموذج الفحولة الشعرية للقبيلة.

فليس في طبع الثقافة الذكورية أن تتحمل أو تقبل (واقعية) الجسد المؤنث، ومن الضروري لهذه الثقافة أن يكون التأنيث قصيا ووهميا وطيفا لكي تظل الأنوثة (مجازا) ومادة للخيال والحلم ،في هذه الحالة-فقط- تكون الأنوثة جذابة ومطلوبة في المخيال الثقافي ،وتنتهي جاذبيتها بمجرد تحوّلها إلى واقع محسوس.

خاتمة

شخصية المرأة في الشعر الهذلي جاءت مضمرة متدثرة بسدول الليل تُعيد الرغبة بالعلاقة مع الرهبة إلى أصل العشق الأصلي بما يتجدر لدى الوعي العام العربي من خصوبة وكمال الصفات لدى أصل النسق الثقافي  تلك العودة التي وإن أثنت العربي عن الاستمرار في شبقيته وأزهدته في تهتك الجواري ، كانت هي التحول الثقافي الذي صنع شعراء النسق كما رسّخ الأعراف الجاهلية الشعرية والقيمية لدى جميع عصور الشعر العربي، حيث استمر هذا الغزل العذري العفيف مع الهذيليين حتى العصر الأموي مع شعراء مثل: مليح القردى وعبد الله بن مسلم بن جندب وأبو صخر الذي روى عنه ابن تمام مقطوعتين غزليتين وأمية بن أبي عائد.

الهوامش

 

[1] - شرح أشعار الهذليين، ج3 ص 999-1000

[2] - شرح أشعار الهذليين، ج3 ص 1157-1158

[3] - يوسف اليوسف ، مقالات في الشعر الجاهلي ، دار الحقائق للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، د.ت.ط، ص 161.

[4] -  د. عبد النور ادريس، الجسد المؤنث في وجدان الشعر العربي، منشورات بيت الأدب المغربي، مطبعة سجلماسة ، مكناس، ط1، يناير 2012، ص 39.

[5] - شرح أشعار الهذليين، ج2 ص 522.

[6] - شرح أشعار الهذليين، ج2 ص 641-642.

[7] - شرح أشعار الهذليين، ج2 ص 655.

أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي
Partager cet article
Repost0
13 mai 2022 5 13 /05 /mai /2022 12:34
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

مدونة الأسرة والتشريع المغربي
وضعية المرأة القانونية والسوسيولوجية
بين النفقة والحضانة

د. ادريس عبد النور
دراسة محكمة


تصميم الدراسة
المبحث الأول: الضوابط السوسيولوجية وإستراتيجية البناء
المبحث الثاني: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الموضوعية
المطلب الأول:  التعريف بالنفقة والسند الفقهي
المطلب الثاني- التعريف بالنفقة والسند القانوني
المطلب الثالث- سبب الالتزام بالنفقة
المبحث الثالث: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الإجرائية
المطلب الأول: مشتملات النفقة
المطلب الثاني: إثبات النفقة وتقديرها
المطلب الثالث: سقوط النفقة عن الزوج ووقفها.
المطلب الرابع: دائرة وجوب النفقة بالقرابة
المبحث الرابع: الضوابط القانونية السوسيولوجية للحضانة
المطلب الأول: التعريف بالحضانة والسند الشرعي والقانوني
المطلب الثاني: شروط الحضانة.
المطلب الثالث: أسباب سقوط الحضانة
المبحث الخامس : مواد تدخل النيابة العامة فيما يتعلق بالنفقة والحضانة.
خاتمة

الكلمات المفاتيح: مدونة الاسرة، النفقة، الحضانة، الشريعة، القانون المغربي

ملخص
إن الصورة الأبوية التي عكستها تصورات المذهب المالكي العميقة حول المرأة من جهة واعتبارها كائنا دونيا في خدمة العنصر الذكوري وحول  صورة الرجل من جهة ثانية و بما يحمله مفهوم القوامة من معطيات نفسية ، اجتماعية وثقافية وبالرغم من كل التحولات الماكرو- سوسيولوجية، جعلت بيت الزوجية جحيما بسبب توتر العلاقات وحدّة الخلافات حول مسؤولية الإنفاق وتحديد القائم به في حالة عمل الزوجة هذا بالإضافة إلى ما جاء في دراسة ذة.رحمة بورقية التي تطرقت إلى أن بعض الزوجات يستغللن ذلك الإقرار القانوني للقوامة للزوج للامتناع عن الإنفاق عندما تتوفر لهن الإمكانيات في حالة يسرهن وعسر الأزواج ، وفي حالات كثيرة معروضة على محاكم المملكة استُعملت القوامة في حالة عجز الزوج كذريعة لإذلاله والتشهير به.

سأعتمد في تحليل هذا الموضوع "الضوابط القانونية والسوسيولوجية للنفقة والحضانة" على مقاربة نصية تحليلية شاملة تتجاوز الاهتمام بالمستجدات فقط، على اعتبار إن السياق الذي أُدرجت فيه تلك التغييرات يشكل جزءا من النسق العام للمدونة، و على ضوء معطيات الواقع الاجتماعي دون إغفال التأصيل الفقهي للموضوع والتعاطي القانوني مع مواد المدونة نحو خلق انسجام للمدونة مع نفسها ومحيطها الاجتماعي على أساس أن الإنسان أصبح قطبا مركزيا في تعديلات همّت قضايا الأسرة كان همها الاستراتيجي يتمحور حول: رفع الحيف عن النساء، حماية الأطفال والحفاظ على كرامة الرجل وصيانتها.

Mots-clés : code de la famille, pension , garde, charia, droit marocain

résumé
L'image patriarcale qui se reflétait dans les perceptions profondes de l'école de pensée Maliki sur la femme d'une part, et la considérant comme un être inférieur au service de l'élément masculin, et sur l'image de l'homme d'autre part , et avec les données psychologiques, sociales et culturelles que porte le concept de tutelle, et malgré toutes les transformations macro-sociologiques, ont fait du domicile conjugal un enfer vivant.En raison des relations tendues et de l'acuité des disputes sur la responsabilité des dépenses et déterminer qui en est responsable dans le cas du travail de l'épouse, en plus de ce qui était indiqué dans l'étude Rahma Bourqiah, qui mentionnait que certaines épouses profitent de cette reconnaissance légale de la tutelle du mari pour s'abstenir de dépenser lorsqu'elles ont les moyens en cas de leur bonheur et les difficultés des maris Dans de nombreuses affaires devant les tribunaux du royaume, la tutelle est utilisée en cas d'incapacité du mari comme prétexte pour l'humilier et le diffamer.
.

Dans l'analyse de ce sujet, "Contrôles juridiques et sociologiques de la pension alimentaire et de la garde", je m'appuierai sur une approche analytique textuelle globale qui va au-delà de l'attention aux seuls développements, étant donné que le contexte dans lequel ces changements ont été intégrés fait partie de la schéma général du Code, et à la lumière des données de la réalité sociale sans négliger l'enracinement doctrinal du sujet et l'interaction juridique avec les articles de la Moudawana, vers l'harmonie du Code avec lui-même et son environnement social sur la base que l'être humain est devenu un pôle central des amendements qui concernaient les questions familiales, sa préoccupation stratégique s'articulait autour de : la suppression de l'injustice à l'égard des femmes, la protection des enfants et la préservation et le maintien de la dignité des hommes.

المبحث الأول: الضوابط السوسيولوجية وإستراتيجية البناء
  لم تستطيع اللجنة العلمية التي تشكلت لمراجعة نص المدونة سنة 1993 أن تخرج من هالة التقديس المحيطة بنص مدونة الأحوال الشخصية  باعتباره قانونا وضعيا حيث أنها اختارت التعديل الشكلي " الذي لايحفظ الفلسفة العامة لمدونة 1957 فحسب، بل يضمن استمرارية آثارها العملية والمجتمعية" ( 1)،حيث النص الفقهي يستحكم قبضته على المجتمع عوض أن تتحكم التحولات بعمق البنيات المجتمعية في هذا النص الذي استوطن العقليات فبات المنتوج الفقهي يُنظر له كأنه  من طبيعة ثبات المجتمعات الإسلامية
    إن السوسيولوجية القانونية كمنهجية أكدت وتؤكد أن تغيير القوانين يرتبط أساسا بما يعرفه المجتمع من تغيير في بنياته السوسيو- ثقافية ، بينما نجد إن المجتمعات الإسلامية وعلى مستوى التعاطي مع القضايا المتعلقة بالأسرة كان يستحكم فيها الفقهاء بتكرار نفس الأحكام بمقياس وحدة المضامين الاجتماعية ،" بل وكانت بعض القضايا تتكرر من كتاب فقهي إلى آخر ، تتكرر في بعض الأحيان بتناص يكاد يكرر نصُّ نصا آخر"(2 ).
وقد أعطت ذة. رحمة بورقية مثالا عن ذلك يتعلق بكتاب " معيار الونشريشي" الذي يكرره كتاب آخر من النوازل للمهدي الوزاني بنفس الحجم بل وبنفس المضامين أيضا.
    إن دخول مدونة الأسرة قبة البرلمان باعتبارها نصا قانونيا مؤسسا للمجتمع الديمقراطي الحداثي، مقرونة بالتوجهات العامة لجلالة الملك التي وردت في خطابه الملكي ليوم 10 أكتوبر 2003 بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الثانية من الولاية السابعة والتي يشير فيها إلى إنصاف المرأة وحماية حقوق الطفل وصيانة كرامة الرجل مع الانفتاح على روح العصر ومتطلبات التطور والتقدم  وقد ركز الخطاب الملكي على ما يتعلق بالحضانة والنفقة في النقطة الثامنة من المنطوق الملكي جاء فيه " الحفاظ على حقوق الطفل بإدراج مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب في صلب المدونة، هذا مع اعتبار مصلحة الطفل في الحضانة من خلال تخويلها للام ثم الأب ثم لأم الأم. فإن تعذر ذلك، فإن للقاضي أن يقرر إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية، كما تم جعل توفير السكن اللائق للمحضون واجبا مستقلا عن بقية عناصر النفقة، مع الإسراع بالبث في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد"
     كما حظيت المدونة بدعم مستمر من طرف جلالته الذي واكب مشروع المدونة منذ أول خطاب له في شهر غشت 1999 الذي أوضح فيه أنه  لا يمكن ضمان التقدم والازدهار في الوقت الذي تتعرض حقوق النساء اللواتي يمثلن نصف المجتمع للإهانة   
إن التحسن الذي تعرفه الأسرة المعاصرة في مستوى العيش وانخراط أفرادها في منظومة الاستهلاك، أثر بشكل كبير في توزيع الأدوار بين الزوج والزوجة و الأبناء ولقد تطرقت ذة.رحمة بورقية إلى إنه " بالرغم من هذا التأثير فالتصورات المجتمعية والثقافية ما زالت تنظر إلى الزوج مثلا مصدرا وحيدا للإنفاق على البيت والأطفال" (3 ) .
    إن الصورة الأبوية التي عكستها تصورات المذهب المالكي العميقة حول المرأة من جهة واعتبارها كائنا دونيا في خدمة العنصر الذكوري وحول  صورة الرجل من جهة ثانية و بما يحمله مفهوم القوامة من معطيات نفسية ، اجتماعية وثقافية و بالرغم من كل التحولات الماكرو- سوسيولوجية، جعلت بيت الزوجية جحيما بسبب توتر العلاقات وحدّة الخلافات حول مسؤولية الإنفاق وتحديد القائم به في حالة عمل الزوجة هذا بالإضافة إلى ما جاء في دراسة ذة.رحمة بورقية التي تطرقت إلى أن بعض الزوجات يستغللن " ذلك الإقرار القانوني للقوامة للزوج للامتناع عن الإنفاق عندما تتوفر لهن الإمكانيات في حالة يسرهن وعسر الأزواج" (4 ) .
وفي حالات كثيرة معروضة على محاكم المملكة استُعملت القوامة في حالة عجز الزوج كذريعة لإذلاله والتشهير به.
    لقد حررت مدونة الأسرة عبر المادة 199 المجتمع من المفهوم النفسي والاجتماعي للقوامة والتي كانت مرتبطة بالرجل وتركت آثارا بالغة لدى تمثلات كل من الزوج والزوجة حول مسؤولية بيت الزوجية .إن هذه المادة تحاول بناء الأدوار داخل الأسرة بشكل جديد تتحرر معه المرأة (العاملة) أمام المجتمع من الحرج الاجتماعي والنفسي في حالة قبولها التزوج من عاطل و الإنفاق عليه.
    إن مفهوم القوامة يعكس تصورا بتريركيا يقوم على الاحتباس والاستمتاع ومبدأ الطاعة مقابل الإنفاق ، وهذه التصورات مجتمعة لا تحقق مجتمعا متوازنا يحقق للأسرة تساكنا شرعيا بين جل أطرافها، وقد نصت المادة 51 التي جاءت بالعديد من المصطلحات في هذا الباب على تنشيط مفاهيم أخلاقية ذات مستوى عال بمنظومة القيم الاجتماعية مثل : المساكنة الشرعية، معاشرة زوجية، المعاشرة بالمعروف، تبادل الاحترام، المودة ، التشاور في اتخاذ القرار، حسن المعاملة...) وقد نصت هذه المادة في فصلها الثالث على اقتسام المسؤولية بين الزوج والزوجة في تسيير ورعاية شؤون بيت الزوجية، " تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال".
ولقد حافظت مدونة الأسرة على ما يقارب 90 في المائة من مقترحات "الخطة الوطنية من أجل إدماج المرأة في التنمية" التي توخت النهوض بأوضاع المرأة المغربية بمبادرة من كتابة الدولة في التعاون الوطني سنة 1998 وبدعم من البنك الدولي وبإشراك الجمعيات النسائية التي حرصت على إلغاء مختلف مظاهر التمييز ضد النساء .
وقد اتسمت عملية الإعداد باعتماد مقاربة شمولية: مقاربة النوع /جندر/  (5) كأداة منهجية  شملت مرحلة التصور والصياغة النهائية(6 )،
    إن هاجس مدونة الأسرة الأساسي يهدف إلى جعل المجتمع يتجاوز عقدة التفوق الذكوري نحو إقرار التوازن "الكامل" بين الزوجين الذي تؤطره ثقافة جديدة تنهل من ثقافة المساواة بين الجنسين والعلاقة التشاركية بينهما، بذلك فلم يبق للمبدأ الفقهي القديم الذي يربط مسألة الإنفاق بالاستمتاع قائما على اعتبار أن كل من الزوجين يستمتع بالآخر وهذه الخلاصة تعتبر من ضمن الاستنتاجات الجندرية الرائدة في هذا الباب على أساس أن الاختلاف المُفترض بين الذكر والأنثى على مستوى الجنس هو اختلاف ثقافي واجتماعي تُذكيه أسطورة الرجل الفحل وليس بيولوجيا وفسيولوجيا.
    ومن ذلك حاولت مدونة الأسرة أن تُضعف من التفضيل التقليدي لذكورية قيم المجتمع التي حضرت بقوة بمدونة الأحوال الشخصية والتي أعلنت وفق سياق فقه المالكية عن هوية مُتَعِيَة للمرأة مشمولة بالتصورات  الفقهية للعالم الذي يُشَيِّء جسد المرأة ويجعل عملية الإنفاق بما هي استمتاع من قبل الرجل بالجسد الأنثوي تذوب معه الزوجة في حالة العجز أو المرض أو الشيخوخة.
المبحث الثاني: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الموضوعية
المطلب الأول:  التعريف بالنفقة والسند الفقهي

    □ تجب النفقة على الزوج انطلاقا من الحكم التعبدي المنصوص عليه بالكتاب والسنة والإجماع ، يقول تعالى" ولينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها" (الآية 7 سورة الطلاق)، ويقول أيضا: " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم" (الآية 6 من سورة الطلاق)
    وقد روى أبو داوود عن معاوية القشيري قال" أتيت رسول الله (ص) فقلت ما تقول في نسائنا؟ قال :" أطعموهن مما تأكلون واكسوهُنَّ مما تكتسون.."
وقد عزا الفقهاء سبب إنفاق الزوج على زوجته ما تضعه بين يديْ زوجها من استمتاع ولما له عليها من حقوق الاحتباس والطاعة، وقد جاء بشرح مختصر الخليل قوله في باب النفقة" وسقطت إن أكلت معه أو منعت الوطء أو الاستمتاع أو خرجت من غير إذنه"
ويتحقق الاحتباس المبرر للنفقة حسب التفسير الفقهي بمجرد دعوة الزوجة زوجها إلى نقلها بيته بعد إبرام العقد.
    إن هذا الثلاثي : الاحتباس، الاستمتاع والطاعة أصبح في ظل الظروف المستجدة قابلا للنقد ، ولعله ومما يتنافى مع ميثاق عقد الزوجية أن تُختزل هذه العلاقة في المُتعة الجسدية مقابل الغذاء، فمؤسسة الزواج ولما لها من قدسية بكل الشرائع المنزَّلة تجعلنا نستبعد أن يقوم الزواج على ركن الإمتاع وقد يتداخل مفهوم الطاعة والاحتباس بمفهوم الاستمتاع الشيء الذي جعل طاعة الزوجة مرتبطا بالنفقة ومع مرور الوقت انقلبت الطاعة إلى خضوع حُرِِمت فيه الزوجة من إنسانيتها وحقها في المساكنة الزوجية بالمعروف عملا بقوله تعالى: " ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن" (الآية 6 من سورة الطلاق)، وقوله أيضا :" ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"  (الآية 228 من سورة البقرة).
وإذا كان المذهب المالكي لا مكان فيه للحديث عن إمكانية إلزام الزوجة بالإنفاق عن الزوج كما لا يقول أيضا بسقوط نفقة الزوجة التي تمارس حرفة أو مهنة، يرى الفقه الحنفي الذي استلهمته مدونة الأسرة سقوطها " لأن التسليم – الاحتباس غير تام"(7)
المطلب الثاني:  التعريف بالنفقة والسند القانوني
    فلا جدال مبدئيا في أن نفقة الزوجة لا تعني في مجمل المبادئ الفقهية إلا نفقة الزوج على الزوجة والذي تنص عليه المادة 194" تجب نفقة الزوجة بمجرد البناء، وكذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها".
    قد اتفقت جل المذاهب الفقهية على وجوب نفقة الزوجة على زوجها ومن ذلك جاءت المادة 199 من مدونة الأسرة الباب الثالث فيما يتعلق بالنفقة على الأولاد والتي نصت على أنه " إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده، وكانت الأم موسرة، وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب "، وينتج عن ذلك عدم سماع دعوى الزوجة (التطليق) إذا تزوجت الرجل وهي عالمة بأنه عاجز عن الإنفاق عليها.
وبذلك فقد استجاب المشرع المغربي بشكل فعلي للاتفاقية الدولية التي صادق عليها والمبرمة بنيويورك بتاريخ 16 دجنبر 1966 والتي تنص على المساواة بين الرجال والنساء حسب ما ورد في الفصل 23 منها :" على الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية اتخاذ الخطوات المناسبة لتأمين المساواة في الحقوق – والمسؤوليات- عند الزواج وأثناء قيامه وعند فسخه".
وقد يأتي السند الواقعي ليؤكد " أن المرأة في الواقع (لا القانون) هي صاحبة الولاية على الأولاد بل حتّى على الزوج " (8 )
    إن هذه المادة(199) قد فتحت الباب أمام الزوج المعسر لرفع دعوى ضد زوجته لمطالبتها بالإنفاق إمعانا من المدونة في إقرار المساواة أمام الواجبات بالقدر الذي يتم فيه التساوي في الحقوق، وقد لاحظت ذة. نادية العشيري أن هذه المادة لا توضح المقصود بالعجز ولا مدته واعتبرت أنه وإن كانت قد ضمنت حقوق الأطفال فهي" قد تفتح الباب على مصراعيه أمام أطماع بعض الأزواج ليقع بسببها استغلال النساء أكثر مما هن مستَغَلاّت" (9 )
    ولقد جاء في قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 29 نونبر 1983،أن النفقة مفهوم لا تجب إلا بزواج صحيح شرعا، فإن كان فاسدا فلا نفقة للزوجة لأن الواجب حينئذ الافتراق لا المعاشرة( 10)، ويكون الزواج فاسدا إذا توفرت فيه شروط موانع الزواج التي تنقسم حسب ما جاء في المادة 35 إلى موانع مؤبدة وموانع مؤقتة.
المطلب الثالث- سبب الالتزام بالنفقة
    تنص المادة 194 من مدونة الأسرة على أنه" تجب نفقة الزوجة على زوجها بمجرد البناء، وكذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها".
إن هذه المادة لا تختلف في جوهرها عن مقتضيات الفصل 117 من مدونة الأحوال الشخصية الذي استعمل مفهوم الدخول والمستوحى أصلا من قول الإمام مالك  الذي يقول" لا تجب النفقة على الزوجة حتى يدخل بها أو يُدعى إلى الدخول بها وهي ممن توطأ وهو بالغ " ( 11).هذا المفهوم المالكي( الدخول) الذي يختلف عن المفهوم الحنبلي المستعمل في مدونة الأسرة (البناء) والذي يُقصد منه الوطء  بحيث يفرق مذهب أبي حنيفة ما بين البناء (الوطء والمواقعة) وما بين الدخول والاختلاء بدون وطء.
وبذلك فقد تكررت نفس أحكام الفصل 117 حيث تستحق الزوجة النفقة بالبناء بها أو بالدعوى إليه من طرفها، وتشترط المادة 194 أن يكون قد تم العقد على الزوجة.
ويعتبر رفض الزوج للدخول دافعا لرفع دعوى النفقة وقد اعتبر المجلس الأعلى في الملف الاجتماعي عدد 69 بتاريخ 8ماي 1970أن المطالبة القضائية بحقوق الزوجة عبر الدعوة إلى الدخول موجبة للنفقة ابتداء من تاريخ المطالبة بالدخول (12 ).
وفعلا فقد عرضت على المحاكم بالمغرب عدة قضايا في هذا الشأن قضت بالنفقة بمجرد المطالبة بالدخول، وما يعاب على هذه المادة (194) كما وقع للفصل 177 من مدونة الأحوال الشخصية هو إغفال ما يستفاد من رأي المالكية القائل بأن الزوجة تستحق الصداق كاملا بعد مرور سنة ابتداء من تاريخ العقد وإن لم يمسسها الزوج وبذلك كان لزاما على المادة 194 أن تنص على فترة معينة (سنة حسب الإمام مالك) تحسبا لانحلال الزوجية لمّا تلجأ الزوجة للاستفادة من حقها في دعوة الزوج للبناء أو طلب النفقة بمجرد العقد عليها (يمكن إن يكون اليوم الموالي للعقد هو يوم المطالبة بالبناء أو النفقة) على اعتبار أن اجتهاد المجلس الأعلى قد اعتبر طلب الدعوة للبناء بمثابة طلب النفقة في حين أن الدعوة للبناء يجب أن تكون سابقة على تاريخ المطالبة بالنفقة.
وعند إغفال الأعراف السائدة والتي تقضي بوجود فترة فاصلة بين تاريخ إبرام العقد وتاريخ البناء تكون غالبا مخصصة من طرف الزوج للاستعداد لحفل العرس أو لكراء سكن وتجهيزه، تكون المادة 194 ناقصة وقد تدفع بالعديد من الزيجات إلى الفشل.
إذ كيف سيكون موقف الزوج وعائلته وهم في غمرة استعدادهم لاستقبال الزوجة بين أحضانهم والزوجة ترفع دعوى قضائية على الزوج لطلب النفقة؟.
    لا شك أن العقلية المغربية ستتعامل مع هذا الموقف بحساسية شديدة ينتهي معها مصير هذا الزواج، فيكون جواب الزوج في مرافعته بأن المدعية طالق حسب ما جاء كتابة بمذكرة جوابه الأولى، وبذلك يقع الطلاق وفق المادة 92 التي تنص على أن الطلاق لا يقع إلا مرة واحدة " الطلاق المقترن بعدد لفظا أو إشارة أو كتابة لا يقع إلا مرة واحدة" .
وبذلك تستحق الزوجة نصف الصداق المسمى حيث يقع الطلاق قبل البناء انطلاقا من المادة32 من مدونة الأسرة.
ونظرا لما يمكن أن تثيره دعوة الزوجة من بغضاء وكراهية يُزكيها المخيال الشعبي ببلادنا /المغرب/على مستوى إنتاج المثل الشعبي الذي يقول " ما درنا في الطاجين ما يتحرق"حيث اللجوء إلى القضاء يعتبر كآخر مرحلة تستنفذ فيها كل محاولات الصلح المتعارف عليه، فقد جانب المشرع الصواب عندما جمع في المادة 78 الحكم بإنهاء عقد الزواج بالطلاق في حالة إقراره قبل البناء بنفس المسطرة المتبعة لإنهاء عقد الزواج بالطلاق بعده  تنص هذه المادة على أن "الطلاق حل ميثاق الزوجية، يمارسه الزوج والزوجة، كل بحسب شروطه تحت مراقبة القضاء وطبقا لأحكام هذه المدونة" والإحالة هنا للقسم الثالث( الطلاق) من المادة 78 إلى المادة 93، هذا بالرغم من أن الطلاق قبل البناء يعتبر بائنا جاء ذلك بالفصل 67 من مدونة الأحوال الشخصية كما جاءت به المدونة الجديدة في المادة 122 التي تنص " كل طلاق قضت به المحكمة فهو بائن ، إلا في حالتي التطليق للإيلاء وعدم الإنفاق" و المادة 123 التي تنص " كل طلاق أوقعه الزوج فهو رجعي، إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل البناء والطلاق بالاتفاق والخلع والمملك" و المادة 126 التي تنص كذلك على أن " الطلاق البائن دون الثلاث يزيل الزوجية حالا ولا يمنع من تجديد عقد الزواج " وحيث لا تلزم العدة قبل البناء كذلك حسب ما جاء بالمادة 130 من المدونة.
يظهر من خلال هذه المعطيات أن المدونة لم تتحرر بشكل كامل من أثر مفهوم الاستمتاع الجنسي حيث وُثّقت سابقا العلاقة الزوجية باسم (عقد النكاح).أما وهي حاليا تستعمل عقد الزواج بمعناه التعاقدي فما تزال تحمل أثر العقد الأول.
    - فما معنى ألاّ تُعطى للمطلقة قبل البناء متعة ؟
وقد تطرق ذ.أحمد زوكاغي إلى أن متعة المطلقة قبل البناء هي النصف الآخر من الصداق المسمى يقول: " وما دامت المطلقة قبل الدخول يجب لها نصف الصداق، فإن متعتها في النصف الآخر من الصداق المسمّى"( 13)، ويتم الاستشهاد في ذلك بقوله تعالى" يا أيها الذين آمنوا، إذا نكحتم المومنات، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فمالكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتّعوهن وسرّحوهن سراحا جميلا"( الآية 49 من سورة الأحزاب) وقوله أيضا" لا جناح عليكم إن طلقتم النساء، ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتّعوهن، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعا بالمعروف، حقا على المحسنين" ( الآية 236 من سورة البقرة)، ولهذا أنا مع رأي ذ.أحمد زوكاغي الذي يقول بتمتيع الزوجة قبل البناء حيث يقول " تستحق الزوجة المطلقة المتعة إذا كان زوجها قد طلقها قبل الدخول وقبل أن يحدد صداقا معينا معلوما" (14 ).  
    إن المدونة في المادة 194 ومدونة الأحوال الشخصية في الفصل 177 قد أخذتا بالمذهب الظاهري (ابن حزم) الذي يقول بوجوب النفقة على الزوجة بمجرد العقد عليها بل إن " عقد الزواج عندهم هو سبب النفقة" (15 ).
المبحث الثاني: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الإجرائية
المطلب الأول: مشتملات النفقة
     نصت المادة 189 من مدونة الأسرة على انه" تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج ، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد مع مراعاة أحكام المادة 168 أعلاه" .
وقد أضافت المادة 168 اعتبار السكن من حق المحضون عندما اعتبرت تكاليف سكنى المحضون مستقلة في تقديرها على النفقة وأجرة الحضانة وغيرهما".
    إن هذه المادة قد نصت صراحة على إخراج تكاليف سكنى المحضون من مشمولات النفقة وأجرة الحضانة وغيرها وأوجبت أن تكون مستقلة في تقديرها عن هذه الالتزامات.فعلى الأب واجب تهيئ محل لسكنى أبنائه أو أدائه مبلغ الكراء حسبما تقرره المحكمة مع مراعاة أحكام المادة 191 التي تنص على " تحدد المحكمة وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة، وتكاليف السكن على أموال المحكوم عليه، أو اقتطاع النفقة من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه، وتقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفيلة باستمرار أداء النفقة.."
المطلب الثاني: إثبات النفقة وتقديرها
ترفع الزوجة دعوى النفقة في حالتين:
الحالة الأولى:
 إذا كانت الزوجة ببيت الزوجية.
الحالة الثانية:
إذا كانت الزوجة بمنزل والديها مع أبنائها في حالة إثبات النفقة.
وقد استقر القضاء المغربي على اعتبار إقرار الزوج باليمين ثابت في حالة قيام الزوجية وقد جاء ذلك في القرار الصادر في 26غشت 1978 بمجلة المجلس الأعلى أنه " في حالة قيام الزوجية، القول قول الزوج الحاضر مدعي الإنفاق بيمينه.."(16)
    أما في الحالة الثانية ومع استحالة إثبات الزوج إدعاءه الإنفاق على زوجته بمنزل والديها فقد اعتبر القضاء القول قول الزوجة مع يمينها، جاء ذلك في القرار الصادر في 14 فبراير 1978 الذي يقول " ما دام أن الزوجة التي تطالب بالنفقة كانت بمنزل والديها مع أبنائها ولم يثبت الزوج إدعاءه الإنفاق فإن القول قولها مع يمينها" (17 ) ، ويقول الإمام التسولي معلقا على ابن عاصم في تحفته :" ..ومفهوم من يغب أن الحاضر يكون القول قوله..وإنما كان القول قوله حيث كان حاضرا أو غائبا ولم ترفع لأنها في حوزه..وإذا كانت في غير داره وحوزه فالقول قولها" (18 ).
وقد مكن المشرع الزوجة في الفرع الثاني من الباب الثاني المعنون بعدم الإنفاق المادة 102 وفي حالة إمساك الزوج عن الإنفاق من تقديم طلب التطليق لعدم الإنفاق لقوله تعالى " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" ( الآية 229 من سورة البقرة)، إلا أن الإمساك بالمعروف يتضمن الإنفاق بخلاف الإمساك مع الامتناع الذي يلحق ضررا بالزوجة والاعتداء على حقوقها الشرعية.
وتتحدث المادة 102 عن ثلاث حالات:
الحالة الأولى:
    لاتستجيب فيها المحكمة لطلب التطليق إذا كان للزوج مال ظاهر حيث أن المحكمة تلقائيا تتولي تحديد طريقة تنفيذ النفقة بدون تقديم طلب في الموضوع كالأمر بالاقتطاع من الراتب (موظف) أو الأمر بتحويل مبلغ النفقة من ريع الزوج أو من حساب بنكي إلى مستحقي النفقة، ويدعم هذه الحالة على المستوى الفقهي الحديث الشريف الذي يؤكد شرعية ووجوب نفقة الزوجة على زوجها ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن هندا زوجة أبي سفيان قالت يا رسول الله : إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال:" خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" .
وتعتمد المحكمة في تقدير النفقة على تصريح كل من الزوج والزوجة المدعم بالحجج والوثائق.
وإذا كانت القاعدة الفقهية تعتمد في تقدير النفقة على الوضعية المادية للزوج انطلاقا من قوله تعالى: " لينفق ذو سعة من سعته" فالمذهب المالك قد راعى حالة الزوجة كذلك يقول الإمام التسولي في ذلك " والنفقة بقدر ُسعه وحالها" ( 19)
وقد جاء في المادة 189 في جانب مشملات النفقة وتقديرها ما يلي " تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد.." مع مراعاة أن يكون السكن مستقلا عن النفقة.
و يراعى في تقدير كل ذلك، التوسط ودخل الملزم بالنفقة، وحال مستحقها، ومستوى الأسعار والأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة".
الحالة الثانية:
    نظرا للطابع المعيشي للنفقة فإن تنفيذها يكون بقوة القانون فحسب المادة 190 من مدونة الأسرة " يتعين البث في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد" ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 179 من قانون المسطرة المدنية على أنه" يبث في طلبات النفقة على شكل استعجالي وتنفذ الأوامر في هذه القضايا رغم كل طعن".
ونظرا للطابع الاستعجالي للنفقة فإذا أثبت الزوج عسره تمهله المحكمة مدة لا تتعدى شهرا واحدا حتّى يتسنى له الحصول على ما ينفق به على زوجته فإن عجز عن الإيفاء بذلك طلقت عليه المحكمة زوجته إلا في وجود ظرف قاهر واستثنائي وهي حالات تدخل في تقدير المحكمة.
إن لجوء المحكمة إلى التطليق في حالة فقد الزوج لعمله خلال شهر واحد تحتاج إلى إعادة نظر.
    - فكيف سيجد الزوج عملا آخر خلال شهر ونحن نعيش أزمة اجتماعية موسومة بندرة مناصب الشغل مع الارتفاع المهول لطالبيه؟.
قد يكون تطبيق القانون في هذه الحالة مضرا بوضعية كافة أفراد الأسرة،     - فهل ستجد الزوجة حلا مباشرا للإنفاق بمجرد حصولها على قرار المحكمة القاضي بتطليقها؟؟.
الحالة الثالثة: (المادة 102)
    تستجيب فيها المحكمة بشكل فوري لدعوى التطليق لعدم الإنفاق دون إعطاء الزوج مهلة كما بالحالة الثانية،إذا كان الزوج موسرا وامتنع عن أداء النفقة أو ادعى أنه معسر ولم يثبت ذلك وأصر على عدم الإنفاق في مرحلة الصلح.
أما المادة 103 فتؤكد تطبيق نفس أحكام المادة 102 على الزوج الغائب في مكان معلوم وتوصل بمقال الدعوى، أما إذا كان محله مجهولا وتأكدت المحكمة من ذلك بواسطة النيابة العامة ومن صحة دعوى الزوجة، تبث في الدعوى على ضوء نتيجة البحث ومستندات الملف.
المطلب الثالث: سقوط النفقة عن الزوج ووقفها.
    تسقط نفقة الزوجة في مدونة الأحوال الشخصية كما ينص الفصل    123في الحالات التالية:
-بوفاة الزوج
- بالإبراء منها.
- بخروج المطلقة رجعيا من بيت عدتها بدون عذر ولا رضى زوجها"، على اعتبار أن نشوز الزوجة لا يسقط نفقتها إلا إذا حُكم عليها بالرجوع لبيت الزوجية وامتنعت حسب ما جاء بالمادة 195.
    فنفقة الزوجة كما يقول ذ.خالد بنيس " واجبة عمليا منذ إبرام عقد النكاح، هذا الوجوب الذي يلازم الزوج إلى أن يموت أحد الزوجين أو تنتهي عدة الطلاق" (20 )
وقد نجد في العديد من تشريعات الدول العربية تنصيصا على سقوط نفقة الزوجة بمجرد النشوز إلا في حالة الحمل لكونها تحمل من زوجها جنينا.
    إن النفقة دين لا يسقط بالتقادم وقد وصفه ذ.محمد الكشبور بكونه " لا يمكن أن يكون موضوعه محلا لعقد صلح" (21 )، وبذلك جاء المشرع بالمادة 119 التي تنص على أنه " لا يجوز الخلع بشئ تعلق بحق الأطفال أو بنفقتهم إذا كانت الأم معسرة  وقد احتوت المادة 119 ما اهتم به المنشور الوزاري عدد 5/61 الصادر بتاريخ 6 يناير 1961 في موضوع " التزام المختلعات المعسرات بنفقة الأولاد" .( المرفق رقم 1).
 وقد جاء في الفصل 1102 من قانون الالتزامات والعقود أنه " لا يجوز الصلح على حق النفقة، وإنما يجوز على طريقة أدائه أو على أداء أقساطه التي استحقت فعلا" بالرغم من أن المجلس الأعلى في الملف الاجتماعي عدد 81413 قد تمسك بتطبيق الفصل 1112 لإبعاد لفيف يثبت صلحا تم بين زوجين بخصوص النفقة ( 22).
وقد تطرق ذ.أحمد الخمليشي إلى أسباب سقوط النفقة فأخلص إلى أنه " إذا كانت النفقة تجب من الدخول أو الدعوة إليه إلى الوفاة أو الطلاق البائن بالنسبة لغير الحامل ، وإلى وضع الحمل أو انتهاء عدة الطلاق الرجعي، فقد تحدث أسباب تسقطها خلال فترة الوجوب السالف الذكر، أو تقف أداءها دون أن تسقط من ذمة الزوج" (23 ).
ويمكن حصر أسباب سقوط النفقة عن الزوج في حالة إعساره، فقد جاء بالمادة 199 ما يفيد وجوب النفقة على الزوجة بمقدار ما عجز عنه الأب حفاظا على مصلحة الأطفال من الضياع، تنص المادة على أنه " إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده ، وكانت الأم موسرة، وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب " .
وتصبح الزوجة إثر هذا النص الجديد معرضة لأن يطبق عليها حكم إهمال الأسرة بموجب ما جاء في المادة 202 التي تنص على أن " كل توقف ممن تجب عليه نفقة الأولاد عن الأداء لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول ، تطبق عليه أحكام إهمال الأسرة".
المطلب الرابع: دائرة وجوب النفقة بالقرابة
    خصص القسم الثالث الموسوم بالنفقة الفرع الثاني مادتين لنفقة الأبوين وهما المادة 203والمادة 204، تنص المادة الأولى على أنه توزع نفقة الآباء على الأبناء عند تعدد الأولاد بحسب يسر الأولاد لا بحسب إرثهم"  إن النفقة من بين الموضوعات التي تثير نقاشات عميقة بالقضاء الأسري نظرا لطابعها المرتبط بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمتقاضين ، وبين اتساع دائرة وجوب النفقة وتوسيعها إلى الأسرة الممتدة تبقى نفقة الأسرة النواة هي المستقطبة لوجهة نظر المشرع الشيء الذي يجعل الملزم بالنفقة بين مطرقة نفقة الزوجة والأولاد وسندان نفقة الأقارب ونفقة نفسه،

 - فكيف يتصرف المُلزم بالنفقة في حالة اجتماع الأطراف المستحقة للنفقة وهو لا يملك إلا نفقة نفسه؟؟
لقد توصل الاجتهاد الفقهي في مسألة ترتيب استحقاق النفقة بين الأقارب ما جاء به الزرقاني يقول " ومن له أب وولد فقيران وقدر على نفقة أحدهما.فقيل يتحاصان وقيل يقدم الأب..وقيل يقدم الابن..وتقدم الأم على الأب والصغير من الولد على الكبير، والأنثى على الذكر عند الضيق، فلو تساوى الولدان صغرا وكبرا وأنوثة تحاصّا" (24 ).
فمفهوم النفقة ونظرا لمرونته وطبيعة دخل المتقاضين تجعل أمر التعامل مع النص أمرا قد يضر بمصالح الملزم بالنفقة من باب عجزه عن نفقة نفسه، تنص المادة 188 على أنه " لا جب على الإنسان نفقة غيره إلا بعد أن يكون له مقدار نفقة نفسه.."
وتطبيقا للمبدأ لمعروف في الشريعة وهو" إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما" فكيف لمن له مقدار نفقة نفسه أن نلزمه بالنفقة على الغير في وجوهها الثلاث: الزوجية والقرابة والالتزام (المادة 187).
وقد افترضت المادة 188 مبدأ افتراض ملاءة ذمة الملزم بها، حتّى يثبت العكس ، أي التسليم بقدرته على أدائها حتّى يثبت ادعاؤه العجز عنها .
-    فكيف السبيل إلى إثبات العجز لمن يتقاضى شهريا الحد الأدنى للأجور وعلى  افتراض أنه موظف ؟
-    كيف يمكن للقضاء أن يبث في ملف اجتماعي ضُم فيه ملفين للمطالبة بالنفقة : واحد من طرف الزوجة والآخر من طرف الأم؟
لمن تُعطى الأسبقية والأم فقيرة عاجزة والزوجة لها نفقة نفسها فقط والنص غير صريح إلا ما يفهم من تقديم المادة 197 وجوب النفقة على الوالدين قبل الأولاد كترتيب ضمني توحي به هذه المادة التي تنص على أن " النفقة على الأقارب تجب على الأولاد للوالدين وعلى الأبوين لأولادهما طبقا لأحكام هذه المدونة."  
أما بالنسبة للملزم بالنفقة فتنص المادة 205 ووفقا لمبدأ " من التزم بشيء لزمه" على أن " من التزم بنفقة الغير صغيرا كان أو كبيرا لمدة محدودة لزمه ما التزم به ولا تسقط عنه إلا بالعجز أو الوفاة".
وقد استفردت مدونة الأسرة عن باقي القوانين التي تطرقت لقضايا الأسرة بالتنصيص على نفقة الأولاد المعاقين والعاجزين عن الكسب حتّى تسقط عن الأب بوفاته تنص المادة 198 على "..ويستمر إنفاق الأب على أولاده المصابين بإعاقة والعاجزين عن الكسب"
المبحث الرابع: الضوابط القانونية السوسيولوجية للحضانة
المطلب الأول: التعريف بالحضانة والسند الشرعي والقانوني

    □ عرفت المادة 163 من مدونة الأسرة الحضانة بقولها " الحضانة حفظ الولد مما قد يضره، والقيام بتربيته ومصالحه"، إن الحضانة تثار كإشكالية عندما تنفصم الرابطة الزوجية وهي باعتبارها نتيجة طبيعية لتلك الرابطة يكون الأبوان ملزمان بها قانونيا واجتماعيا، ولا تظهر المشاكل المرتبطة بالحضانة بقوة إلا مع انحلال تلك الرابطة عن طريق الطلاق حيث يستلزم الأمر تعيين من له الحق في الحضانة وتحديد مشمولاتها  وقد جمع ذ. محمد الكشبور بين أثر الحضانة بما هي من آثار الزواج والطلاق على السواء يقول: " إن الحضانة أثر من آثار الزواج لكنها أثر من آثار الطلاق أيضا" (25 ).
وقد أشارت المادة 163 على الواجبات المتوفرة في الحاضن حيث نصت أنه " على الحاضن، أن يقوم قدر المستطاع بكل الإجراءات اللازمة لحفظ المحضون وسلامته في جسمه ونفسه، والقيام بمصالحه في حالة غيبة النائب الشرعي وفي حالة الضرورة إذا خيف ضياع مصالح المحضون"
وقد روي عن الرسول (ص) أن امرأة جاءته وقالت: يا رسول الله هذا ابني، كان له بطني وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال رسول (ص) أنت أحق به ما لم تتزوجي" أخرجه أحمد وأبو داوود والبيهقي.
وعند الرجوع إلى الكتب الفقهية نجد أن مفهوم الحضانة قد أخذ أشكالا متعددة تبتدئ، أولا: العناية بإعداد طعام الصغير وتنظيف جسمه وثيابه وفراشه، مع السهر على حمايته من تعريض نفسه للأخطار الجسدية والصحية التي يمكن أن يقع فيها، وهذا ما تتطلبه السنوات الأولى من ولادته.
ثانيا: العناية بالصغير في تربيته وإعداده للحياة المستقبلية عن طريق التعليم ومعرفة أسباب الكسب المختلفة.
ثالثا: الحماية الخاصة بالفتاة من الاعتداء عليها جنسيا وصيانتها.
    إن ما يطرحه التعريف الفقهي للحضانة هو مجمل اقتصاره على العناية المادية لما يحتاج إليه الصغير، وقد اتفق عموم الفقهاء عند إسناد الحضانة للام وما يليها من النساء، يقول ابن عاصم الغرناطي:
وصرفها للنساء أليق   *   لأنهن في الأمور أشفق
    وقد أعادت مدونة الأسرة ترتيب مستحقي الحضانة بالمادة 171 التي " تخول الحضانة للام ثم للأب ثم للام الأم" وقد أعطت المدونة لعنصر الولاية الشرعية أهمية جعلتها موازية لعنصر الحضانة بحيث جعلت الأب في المرتبة الثانية كحاضن بدل المرتبة السادسة بمدونة الأحوال الشخصية، وذلك راجع إلى أن الحضانة تفترض قرينة نفسية كالشفقة من الواجب توفرها في الحاضن  يقول ذ.محمد الكشبور" والوصي مقدم على سائر العصبات وهم الحاضنون الذكور باستثناء الأب الذي له الولاية على المحضون وهي نيابة شرعية أقوى من الوصاية" ( 26).
ولهذا نتساءل من جديد عن المقاييس التي جعلت الفصل 99 من م.أ ش.يعتبر" الحضانة من واجبات الأبوين ما دامت الزوجية قائمة بينهما .." وحرمان الأب من الحضانة إذا ما انفكت الزوجية وقد تنفك بالطلاق أو بوفاة الزوجة ليبقى مصير الأطفال مجهولا وهم ينتقلون إلى موطن آخر تنعدم فيه شروط التمدرس .و.. خاصة وأن الحضانة تخرج من بين يدي الأب لتستقر حسب الفصل المذكور إلى «...فإذا انفكت فالأم أولى من حضانة ولدها من غيرها ثم أمها ثم أم أمها ثم أخت أمها الشقيقة ثم التي للام ثم للأب..." .
المطلب الثاني: شروط الحضانة .
    تتحدث المادة 173 من المدونة عن شروط استحقاق الحضانة وأسباب سقوطها في الشروط التالية"1-  الرشد القانوني لغير الأبوين، 2- الاستقامة والأمانة 3- القدرة على تربية المحضون وصيانته ورعايته دينا وصحة وخلقا وعلى مراقبة تمدرسه، 4- عدم زواج طالبة الحضانة إلا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 174 و175 بعده" وبذلك تخلصت المدونة من التصور الذي يجعل الحضانة مُناطة بشخص فاقد الإدراك والتمييز أو بصبي (أخت الأم الشقيقة) يحتاج هو نفسه إلى الرعاية والتربية والصيانة.
وقد جاء في المغني لابن قدامى المقدسي " لا تثبت الحضانة لطفل ولا معتوه لأنه لا يقدر عليها وهو يحتاج إلى من يكفله فكيف يكفل غيره" (27 ).
ويلحق بالشرط الثالث من المادة 173 أن يكون الحاضن متدينا بدين أبي المحضون وبالتالي إذا كان الأب مسلما لا يجوز أن يكون الحاضن غير مسلم وقد قال عن ذلك ابن قدامى المقدسي " ...إنها ولاية فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى لان ضرره أكثر فإنه مجتهد في إخراجه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته له وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحفظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه" (28 ).
وعندما أسقطت المادة 173 الشرط الخامس الذي جاء به الفصل 99 من مدونة أ.ش. " السلامة من كل مرض معدي أو مانع من قيام الحاضن بالواجب "
    - فهل اعتبرت المدونة الأعمى (مثلا) أو المريض بالسرطان قادرا على تربية المحضون وصيانته؟
المطلب الثالث: أسباب سقوط الحضانة
    نصت المدونة  في المادة 175 على سقوط الحضانة عن الأم التي يصعب على مستوى التطبيقي تنفيذه وقد تطرق ذ.محمد الكشبور لذلك عندما قال :" نجد أن المشرع أدخل على مضمون النص تعديلات يصعب معها – إن لم نقل يستحيل- من الناحية القانونية إسقاط الحضانة عن الأم رغم زواجها" ( 29)
تنص هذه المادة على أن زواج الحاضنة الأم، لا يسقط حضانتها إلا في الأحوال الآتية:
    إذا كان المحضون صغيرا لم يتجاوز سبع سنوات ، أو يلحقه ضرر من فراقها .
     إذا كانت بالمحضون علة أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم.
    إذا كان زوجها محرما أو نائبا شرعيا للمحضون.
    إذا كانت نائبا شرعيا للمحضون ".
ومن ضمن المستجدات التي أتت بها المدونة الجديدة هي التنصيص على عدم سقوط الحضانة بانتقال الحاضنة إلى بلدة أخرى داخل المغرب مع مراعاة مصلحة المحضون، بعكس الانتقال خارج المغرب الذي يسقط الحضانة إلا إذا وافق نائبه الشرعي.
ويأتي بمدونة الأسرة عرضا ما يستفاد من عدم تجزيء موضوع الحضانة إذ مع تعدد الأطفال لا يحق لطالب الحضانة أن يطلب حضانة البعض دون الآخر ، وقد تكون - في حالات غير قليلة معروضة على المحاكم- الحاضنة غير قادرة على حضانة كل الأطفال عند تعددهم لسبب من الأسباب المادية أو المعنوية التي تتطلب التوجيه والمراقبة.
وقد أثار ذ.احمد الخمليشي موضوعا مهما جديرا بالمناقشة تتعلق بتوزيع الحضانة بين الأبوين مثلا في حالة تعدد الأولاد يقول " يرضي عاطفتهما الأبوية معا ويحول دون التجاء كل واحد منهما إلى الطعن في سلوك وأخلاق الآخر للوصول إلى حرمانه من الحضانة" (30 ).
وإسناد مدونة الأسرة على قاعدة عدم تجزيء موضوع الحضانة غير مبني على نص في كتاب أو سنة وإنما يستند في ذلك إلى القياس يقول الفقيه الرهوني " أخذ الأئمة مسائل من الحضانة من مسائل من الشفعة" وقال الوانوغي " وشفيع ذلك كله واحد وليس له إلا أن يأخذ الجميع أو يسلم ..أخذ منها أن من له حضانة متعدد انه ليس له اخذ البعض دون البعض" (31 ).
وقد أضم رأيي إلى تساؤل ذ.الخمليشي الذي استفسر فيه عن العلاقة بين حضانة الطفل من احد أبويه وبين رغبة الشريك في ضم الجزء الذي باعه شريكه من المال المشترك.
 المبحث الخامس : مواد تدخل النيابة العامة فيما يتعلق بالنفقة والحضانة لتقوية الطابع الإجرائي لأحكام لمدونة الأسرة.

الاختصاصات المواد
تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في القضايا المتعلقة بمدونة الأسرة المادة 3
إذا قام أحد الزوجين بإخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر تدخلت النيابة العامة من اجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية حالا، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بأمنه وحمايته. 53
تسهر النيابة العامة على تنفيذ الأحكام المتعلقة بحقوق الأطفال 54
عند التطليق لعدم الأنفاق، إذا كان محل غيبة الزوج مجهولا، تأكدت المحكمة بمساعدة النيابة العامة من ذلك، ومن صحة دعوى الزوجة، ثم تبت في الدعوى على ضوء نتيجة البحث ومستندات الملف. 103
إذا لم يوجد بين مستحقي الحضانة من يقبلها، أو وجد ولم تتوفر فيه الشروط، رفع من يعنيه الأمر أو النيابة العامة الآمر إلى المحكمة، لتقرير اختيار من تراه صالحا من أقارب المحضون أو غيرهم، وإلا اختارت إحدى المؤسسات المؤهلة لذلك 165
يجب على الشاب وأم المحضون والأقارب وغيرهم، إخطار النيابة العامة بكل الأضرار التي يتعرض لها المحضون لتقوم بواجبها للحفظ على حقوقه،بما فيها المطالبة بإسقاط الحضانة. 177

يمكن للمحكمة بناء على طلب من النيابة العامة، أو النائب الشرعي للمحضون، أن تضمن في قرار إسناد الحضانة، أو في قرار لاحق، منع السفر بالمحضون إلى خارج المغرب، دون موافقة نائبه الشرعي.
تتولى النيابة العامة تبليغ الجهات المختصة مقرر المنع، قصد اتخاذ الاجراءات اللازمة لضمان تنفيذ ذلك.

179

خاتمة:
    إن ضرورة تغيير مدونة الأحوال الشخصية جاء ليؤكد على دلالة حدة الجدل القائم بين الواقع والقانون وإبراز دور القانون في التأثير على الواقع الاجتماعي باعتباره كذلك يماشي الواقع ، وقد تطرق ذ.إدريس اجويلل لما اتسمت به مدونة الأسرة الجديدة من انفتاح على محيطها العالمي والجهوي والمحلي عندما قال " هكذا إذن جاءت مدونة الأسرة الجديدة في سياقها الواقعي والتاريخي والمجتمعي لتؤسس لثقافة جديدة داخل الأسرة المغربية دون إغفال هويتنا وثقافتنا وخصوصياتنا التاريخية" (32 ).
    كما أن اعتبار قضايا الأسرة قانونا وضعيا بدخولها كنص قانوني قبة البرلمان قد رفع عنها القدسية حيث استلهمت العمق الحضاري للمحيط العالمي والواقع المعيشي الذي يمس كل مكونات الأسرة المغربية بسبب الاحتكام إلى الإطار العالمي الذي أصبح المغرب إثره مُلزما باحترام الاتفاقيات الدولية دون إغفال أن المدونة ما تزال ترفل بتألقها من داخل المرجعية الإسلامية.

 

المرفقات

  1. منشور عدد 5/61
  2. قرارات المجلس الأعلى (مجلة قضاء المجلس الأعلى ) الأعداد رقم: 57-58، 59-60، 61

المراجع

    1. محمد الصغير جنجار، الجمعيات النسائية وقضية تعديل مدونة الأحوال الشخصية، مجلة مقدمات ، عدد رقم 3،مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء سنة 2002 ص: 33.
    2.  منبر الجامعة، ذ.رحمة بورقية، الجوانب الاجتماعية في قانون مدونة الأسرة، " مدونة الأسرة المستجدات والإبعاد" منشورات جامعة المولى إسماعيل ، العدد 5، سنة 2005 ص: 21.
  1. منبر الجامعة ، نفس المرجع السابق ص: 23.
  2. نفس المرجع السابق ص:23.
  3. تعريف  الجندر تعريف  الجندر بالموسوعة البريطانية (موقع الموسوعة البريطانية : Encyclopédie Britannique على شبكة الانترنت)

أصل المصطلح هو الكلمة الانجليزية "Gander"، وتعرف الموسوعة البريطانية الهوية الجندرية "Gander Identité" بأنها: شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى وفي الأعم الأغلب فإن الهوية الجندرية تطابق الخصائص العضوية، لكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية (أي شعوره الشخصي بالذكورة أو الأنوثة)… وتواصل التعريف بقولها: "إن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة - ذكر أو أنثى -بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كُلّما نما الطفل"

أما منظمة "الصحة العالمية" فتعرف الجندر بأنه: "المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية" بمعنى أن كونك ذكراً أو أنثى عضوياً ليس له علاقة باختيارك لأي نشاط جنسي قد تمارسه فالمرأة ليست إمرأة إلا لأن المجتمع أعطاها ذلك الدور، ويمكن حسب هذا التعريف أن يكون الرجل امرأة.. وأن تكون المرأة زوجاً تتزوج امرأة من نفس جنسها وبهذا تكون قد غيرت صفاتها الاجتماعية وهذا الأمر ينطبق على الرجل أيضاً.

  1. انظر محمد الصغير جنجار، المرجع السابق ص: 35.
  2.  حاشية بن عابرين ، الجزء الثاني ص: 647.
  3.  ذ.خالد بنيس " النفقة بين الواقع والتشريع" دار نشر المعرفة ،الرباط الطبعة الأولى،سنة 1992 ص: 29.
  4. منبر الجامعة ،ذة. نادية العشيري، مفهوم المساواة بين الجنسين في مدونة الأسرة" نفس المرجع السابق ص: 88- 89.
  5.  قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 29 نونبر 1983 المنشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 35-36 ص:  105.
  6. ابن رشد القرطبي " بداية المجتهد ص: 41.
  7. الملف الاجتماعي عدد 69 بتاريخ 8 ماي 1970 ، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 21 ص: 18.
  8. د. أحمد زوكاغي " الطلاق حسب الصيغة الحالية لمدونة الأحوال الشخصية" مطبعة الأمنية ، الرباط ، الطبعة الأولى سنة 1994، ص: 109.
  9. د. أحمد زوكاغي ، نفس المرجع السابق ص: 109.
  10. ذ.خالد بنيس " النفقة بين الواقع والتشريع" مرجع سابق ،ص: 11.
  11. قرار عدد 26غشت 1978 عدد 29 ص: 125.وكذا القرار الصادر في 14 دجنبر 1982 بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 31 ص: 83.
  12. قرار صادر في 14 فبراير 1978 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 26 ص: 140.
  13. شعر ابن عاصم:
  14. ومن يغب عن زوجه           *  نفقة لها وبعد أن رجع

         ناكرها في قولها في الحين  *  فالقول قوله مع اليمين

  1. الإمام التسولي ، شرح التحفة، دار الفكر،ص: 390.
  2. ذ.خالد بنيس " النفقة بين الواقع والتشريع" دار نشر المعرفة ، الرباط الطبعة الأولى سنة 1992 ص: 83.
  3. د.محمد الكشبور ط"الوسيط في قانون الأحوال الشخصية" مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء الطبعة الرابعة، سنة 1999 ص: 249-250.
  4. قرار رقم 168 صادر في 28 أبريل 1980 في الملف الاجتماعي عدد 81413، أخذا عن ذ. محمد الكشبور ، مرجع سابق ص: 249.
  5. د.أحمد الخمليشي " التعليق على قانون الأحوال الشخصية " الجزء الثاني ، دار نشر المعرفة، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1994 ص: 223.
  6. شرح الزرقاني عبد الباقي، مطبعة محمد أفندي ،مصر ، الجزء الرابع، الصفحة: 259.
  7. منبر الجامعة ، د.محمد الكشبور، " الحضانة في مشروع مدونة الأسرة" نفس المرجع السابق ص: 52.
  8. د. محمد الكشبور " الوسيط في قانون الأحوال الشخصية" مرجع سابق ص: 468.
  9. المغني لابن قدامى المقدسي، الجزء التاسع الطبعة الثالثة، القاهرة، سنة 1367ه ص: 173
  10. ابن قدامى المقدسي، المرجع السابق، ص: 138.
  11. منبر الجامعة ، ذ.محمد الكشبور ، ص: 54.
  12. ذ.احمد الخمليشي " التعليق على قانون الأحوال الشخصية" مرجع سابق ،ص: 148.
  13. حاشية الرهوني على الزرقاني ، الجزء الرابع ص: 263
  14. منبر الجامعة، ذ.إدريس اجويلل ، مستجدات مدونة الأسرة في مجال مسطرة الشقاق بين الزوجين، نفس المرجع السابق ص: 75.

 

Partager cet article
Repost0
27 avril 2022 3 27 /04 /avril /2022 20:37
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

حقيقة المرأة العربية بين العصر الجاهلي والعصر الاسلامي

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فرع مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية و علوم التربية والنقد الأدبي النسائي

Abdennour.driss@gmail.com

الكلمات المفاتيح: المرأة العربية، العصر الجاهلي، العصر الاسلامي، التشريع الاسلامي، الحقوق الانسانية،

ملخص

لقد حازت المرأة على اهتمام التشريع الإسلامي، فقد تطرق القرآن الكريم للكثير من شؤونها وبالعديد من السور التي بلغت عشر سور هي : سورة النساء ، الطلاق، البقرة ، المائدة ، النور، الأحزاب، المجادلة ، الممتحنة والتحريم.
إن هذه العناية تدل بقوة على المكانة التي تحظى بها المرأة في التشريع الإسلامي ، فقد أعلى الإسلام من قدرها في مجتمع كان يستعبدها ويئدها فرد لها الحق في الحياة وأقر لها حقوقا لم يكن يستسيغها المجتمع الجاهلي قبلا.


Mots-clés : femmes arabes, ère préislamique, ère islamique, législation islamique, droits de l'homme,

résumé

Les femmes ont attiré l'attention de la législation islamique, car le Saint Coran aborde bon nombre de ses affaires et dans bon nombre des dix chapitres : Sourate al-Nisa, Divorce, Al-Baqarah, Al-Ma'idah, Al-Noor, Al-Ahzab, Al-mojadala, Al-Mumthahina et Al-Tahrim.

Cette attention indique fortement la position dont jouissent les femmes dans la législation islamique, car l'islam a élevé son statut dans une société qui avait l'habitude d'asservir et de perpétuer un individu qui a le droit à la vie et qui lui a reconnu des droits qui n'étaient pas acceptables pour l'ancien.

société islamique.


1- المرأة و العصر الجاهلي.
1-1-
وأد الجاهلية.
إن المرأة في العصر الجاهلي كانت مسلوبة الحقوق الأساسية ، كحقها في الحياة كأنثى ، فقد كان الأب أنداك يئد ابنته عقب ولادتها مباشرة اقتداء بالأعراف القبلية السائدة وخاصة تغلغل المنظور اليهودي للمرأة وخاصة الجاهلي الذي دأب على وأد البنات الشيء الذي يجعل هذا المجتمع ومن خلال انغلاق تفتحه الحضاري يعبر عن هذا التغلغل للإسرائيليات كخلفية ثقافية سائدة تتناسل في وعينا الفقهي والتي جعلت من المرأة حريما مرتبطا بالدنَس والعار وفضاء الاحتشام وقد أجازت اليهودية كديانة انتشار هذا المعطى محملا بقيم محلية جاهلية حيث ذاعت المعتقدات التي خضعت لعملية التأثر والتأثير بين الإسلام والديانات السابقة" فمن المعروف أن اليهود الذين اعتنقوا الإسلام مزجوا بين التراث اللاهوتي اليهودي، وبين العقيدة الإسلامية، واتضح هذا المزج في لجوء المسلمين لإخوانهم المسلمين – الذين كانوا يهودا منهم- في تفسير كثير من القصص القرآني" (1) ، ومن المرجعيات الدينية لظاهرة الوأد الجاهلية ما جاء في سفر التكوين أن اليهودي، «يملك على أولاده حق الموت والحياة، يقتلهم إذا شاء أو يقدمهم قربانا للرب"(2).
وصف القرآن الوضعية الكارثية التي كانت تعيشها المرأة قبل نزول الوحي، وخاصة منذ تلقي عائلتها نبأ ولادتها كما جاء ذلك بسورة النحل حيث قال تعالى:﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ (النحل الآية 58-59.).
إن هذه التلاوين التي تُصبغ بها عواطف الأب الجاهلي من هذه "البُشرى" تعكس وظيفة الأنثى داخل الهرم القبلي الجاهلي وبالتالي تجسيدها لتدهور القيم الخاصة لقبيلتها(3) يقول د.محمد بلتاجي " كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقتل عن القبيلة، ويراها مصدرا لجلب العار له حين تُؤسر من العدو فيفترشها آسرها عنوة واقتدارا أو طواعية واختيارا، فيعير الأب وقبيلته بها" (4) .
، وقد انقسم الوأد إلى :
- 1-
وأد الفقر:
ويشكل رغبة الجاهلي في التخلص من عبء تربية أبنائه ذكورا وإناثا بدون تخصيص جنس الموؤود.
- 2-
وأد العار:
وكان يقتصر على وأد البنات الذي كانت تمارسه القبائل البارزة بالجزيرة العربية، كربيعة وكندة وطيء وتميم.
- 3-
الوأد الميثولوجي:
وهو مرتبط باعتقادهم أن البنت رجس من خلق الشيطان ، فالأنثى مخلوق مدنس وهو باعتباره منظومة خرق يصنف في العقلية الجاهلية ضمن المبعدات حيث يرى الجاهلي أن واجبه الديني يدفعه للتخلص من الأنثى وتقديمها للآلهة كقربان حتى يُمنح ديمومة بقاء واستمرار النظام الثقافي الآمن.
نلاحظ أنه في حالات الوأد الثلاث تكون الأنثى هي الضحية وبذلك فقد حرك القرآن الكريم الشعور بالذنب لدى المسلم عندما قال : ﴿وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قتلت ﴾ (سور التكوير الآية 8-9)، وبذلك حرك الإسلام القيم الايجابية في المجتمع اتجاه الأنثى فمنحها الحق في الحياة باعتبارها مخلوقا يتساوى مع الذكر من حيث قدسية الجنس البشري حيث يتكفل الله خالق الأنثى برزق مخلوقاته يقول ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .إن قتلهم كان خطأ كبيرا ﴾ ( سورة الإسراء الآية 31.)، كما جاء في سورة الأنعام الآية 151، ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ﴾
1-2- أنكحة الجاهلية:
وقد تعيش الأنثى نفس الوأد على المستوى المعنوي فتصبح مخلوقا للمتعة والخدمة وإنجاب الأطفال ، فقد كان عرب الجاهلية يشيئون المرأة في نظام أنكحتهم المتعدد والذي جاء على الشكل التالي:
- 1-
نكاح الاستبضاع : فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت " كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه .ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه .فإذا تبين حملها أًصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد".
- 2-
نكاح المشاع أو ما يسمى بنكاح الرهط:
لقد كان من عادة بعض القبائل العربية أن يشترك رهط من الرجال في زوجة واحدة ، ولقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها قولها :" كان يجتمع الرهط دون العشرة ، فيدخلون على المرأة فيصيبونها. فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم ، فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع .فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل" .
- 3-
نكاح البُعولة: وفيه يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
- 4-
نكاح البغي ونكاح المتعة: وهو نكاح مؤقت بالنقود أو شيء ما يدفع للمرأة ويحدد زمن نهايته.
- 5-
نكاح البدل: ويتبادل فيه رجلان امرأتيهما فيقول الواحد لآخر، انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي.
- 6-
نكاح الضغينة: ويتعلق بالسبايا من النساء فالرجل إن سبى امرأة له أن يتزوجها إن شاء.
- 7-
نكاح المقت ويسمى كذلك نكاح الضيزن : وهو أن يرث الابن زوجة أبيه فيتزوجها أو يجمع بين الأختين في آن واحد.
- 8-
نكاح الخذان : وهو معاشرة المرأة لغير زوجها سرا ، وقد تحدث الإسلام عن متخذات الأخذان ونهى عنه بإقراره لعقوبة الرجم للمحصنة كما نادت به اليهودية القديمة.
- 9-
نكاح الشغار:
وهو أن يتزوج رجل أخت رجل آخر مقابل أن يتزوج الثاني أخت الأول.
لقد عالج الإسلام هذه الأنكحة بإلغائها عبر آيات كثيرة ، ولما جاء بمفهوم يصف فيه الرجل بكونه بعلا فقد أبقى على نكاح البعولة الذي يجسد مطلقية الطاعة التي تكنها المرأة لرب بيتها حتى أن الكون الرباني يستاء من خروجها عن طاعته من ذلك " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح " ( بخاري ج 7 ص: 39(
إن نظام الأنكحة الجاهلي يشيِّء المرأة ويجعلها جسدا للمتعة والإخصاب بدون كرامة من جهة ، ويضيع معه صفاء الأنساب من جهة أخرى، فالمرأة لم تلق تكريما يتعلق بانتمائها إلى جنس النساء ، فالوضع الاجتماعي والاعتباري للمرأة في العصر الجاهلي كان سيئا للغاية " فهي محرومة من كثير من حقوقها الأساسية ، ولا تلقى أي نوع من أنواع الإكبار أو التكريم ..وإذا حدث ولقيت شيئا من التكريم عند زوجها ، فإن ذلك لا يحدث إلا لأنها أم لابنه الذي يحبه، أو لأنها ابنة واحد من علِّية القوم " (5(
أما الحماية التي كانت تتمتع بها من قبل الذكور المحيطين بها (الأب، الزوج ، الأخ والابن) فهي تتساوى مع الحماية التي تلقاها فرسته وبئره ومرعاه.
وقد يتبين لنا مستوى المكانة التي وضع فيها الإسلام المرأة من خلال استقصاء وضعيتها الاجتماعية قبل مجيء الوحي.
-
فما هو جديد وضعية المرأة في الإسلام؟
2- جديد وضعية المرأة مع مجيء الإسلام.
مع حلول الإسلام بالجزيرة العربية حازت المرأة جملة من الحقوق المادية والمعنوية : منها الحقوق الإنسانية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية كما تلقت واجباتها التي تتناسب مع الحقوق المعطاة، ولهذا " فالمؤسسات التي هدمها الإسلام ، لم تكن تنسجم مع المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية كالوأد والعضل والقسامة والظهار والإيلاء وحرمان المرأة من الإرث " (6(
2ـ1ـ الحقوق الإنسانية .
لقد جعل الإسلام المرأة شريكة للرجل ، فأقر سبحانه بوحدة المصدر المشترك بين الرجال والنساء وبذلك دخلت المرأة دائرة المقدس الرباني وخرجت من دائرة المدنس الاجتماعي يقول تعالى ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء﴾ (سورة النساء الآية 1) ويقول كذلك ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾
)سورة الحجرات الآية: 13(
إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195(
وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282(
وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقرار والغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.
أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.
2-2-
الحقوق المادية .
ينكر البعض على الإسلام في مادة الميراث جعل حظ الرجل يساوي حظ الأنثيين وهذا تحد كبير في مجتمع جاهلي تقتضي تقاليده وأعرافه حرمان المرأة من الميراث واقتصار ذلك على المحاربين من الرجال ، بل وتصل المرأة في هذا المجتمع إلى حد أن تصبح إرثا بحد ذاتها، فجاء الإسلام ليقر هذا الحق في قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (سورة النساء الآية 7.) ، وقد فصل القرآن في سورة النساء الآية :11،واجب الأنثى من الإرث بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ، فعندما أقر الإسلام نفقة الزوجة وجعلها من واجبات الرجل الذي يرث حقا كاملا يعتبر بذلك حظ المرأة مضاعفا بهذا الإنفاق المفروض من جهة الزوج ومن جهة الأب أو الأخ أو العم إذا لم تتزوج وبذلك تكون هذه الوضعية غير مرتبطة بالنقص في إنسانية المرأة ولا يجعل المرأة بتاتا في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل وهو الذي أحاط المرأة بالرعاية فضمن لها حياة اقتصادية مستقرة حيث أخلى ذمتها من أي عبء من الأعباء الاقتصادية لمعيشتها هي أو لغيرها ، فجعل نفقتها على أصولها أوزوجها أو فروعها أو أقربائها في جميع ما تحتاج إليه بالمعروف ﴿ لينفق ذو سعة من سعته﴾ (سورة الطلاق الآية 7.)، وكذلك الآية ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تُضاروهن لتضيِّقوا عليهن ﴾ (سورة الطلاق الآية 6.)وفي سورة البقرة الآية 233، يقول : ﴿ وعلى المولودِ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ كما لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من مما أعطاه لزوجته كصداق أو مهر كما منعه الإسلام من أخد كلا أو بعضا من مالها الأصيل عملا بقوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاته نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا﴾(سورة النساء الآية 4.)
لقد قرر الإسلام قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الأحكام، في الحقوق والواجبات في قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾( سورة البقرة، الآية 228)
2-3- الحق في التعبير والرأي.
حازت المرأة على الحق في طلب العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ، واستمع إلى رأيها لسداده وقرره كمبدأ تشريعي عام، وبذلك تلقت المرأة العلم وأصبحت من المفتيات فيه كما جاء في الآية 34 من سورة الأحزاب ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وتتجلى قمة تساوي الرجل والمرأة في تكليفهم بالوصاية على الدين من حيث وضعه تعالى بيدهما مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في الآية 71 من سورة التوبة ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾ ويُروى عن السيدة عائشة أنها قامت بدور كبير في مجال تلقين الأحكام ومكارم الأخلاق حيث كانت تقضي بين المسلمين في أمور الفقه والحياة. وكان من جراء ذلك أن احترم الإسلام رأي المرأة وأحسن الاستماع إليها كما وقع من رأي الخنساء بنت خذام الأنصارية في حوارها مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي أقر فيه الرسول بأن جعله جزءا من التشريع العام وخاصة وجوب أخذ رأي المخطوبة في شريك حياتها وأخذ رأيها في مسألة زواجها ، فأجابته عليه السلام وقد استخلصت حكما عدّل من تطرف الوصاية في نكاح البعولة عندما قالت ولم ينكر الرسول عليها مقالها " لقد أجزت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء" (7)
كما كان رأي المرأة واضح المعالم في تأويل الآيات حيث اعترضت امرأة خطبة عمر رضي الله عنه حول المغالاة في المهور بأن أرجعته إلى فحوى الآية 20 من سورة النساء : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ فما كان من عمر وإمعانا في احترام رأي المرأة والاقتضاء بمعطياته إلا أن عدل عن رأيه في تحديد المهر وقال " أصابت امرأة، وأخطأ عمر" .
ومما يدل على المكانة المتميزة للمرأة في الإسلام واحترام رأيها ووجهة نظرها ما جرى لهند بنت أبي طالب المكناة بأم هانئ، عندما أجارت عدوا من أعداء المسلمين واحتكامها إلى الرسول (ص) عندما امتنعت من تسليمه لعلي ابن أبي طالب فقال لها الرسول : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" .
إن الإسلام قد جعل المرأة تعبر عن رأيها بكل حرية ومسؤولية وما كان من تدخلاتها إلا أن تمت الاستجابة لها مما يدل على معرفتها بأصول التشريع من معرفة دقيقة بتفسير النصوص الدينية وأحكامها، الشيء الذي جعلها تدافع عن حقوقها وحقوق بنات جنسها ، ويكفي دليلا على ذلك حسّها النقدي الذي نظرت فيه أسماء بنت يزيد الأنصارية إقصاء المرأة من جملة الإثابات الإلهية عكس الرجل الذي يتحدث الإسلام عن جزاءاته الكثيرة وفقا لمشاركته العديدة في الحياة العامة ، فقد جاءت ممثلة عن النساء فعرضت وضعية المرأة على أنظار الرسول بكل دقة وبلاغة اندهش لها جميع حضور مجلس الرسول (ص) عندما قالت " ... أنا وافدة النساء إليك، إن الله قد بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، حاملات أولادكم، وأنتم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا حفضنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في الأجر والثواب.." .
لقد كانت إجابة الرسول الكريم تجعل طاعة المرأة لزوجها في مقابل كل أنشطة الرجل التعبدية حيث قال " افهمي أيتها المرأة ، واعلمي من خلفك، أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته، يعدُل كل ذلك".
يظهر من هذا الرد أن التشريع الإسلامي يضع للمسلمة وضعيتين من حيث الأجر والثواب ، الوضعية الأولى تشمل الأنثى بكامل البراءة وهي ما تزال في حضن أبيها ، بينما تنتقل بها الوضعية الثانية إلى بيت الزوجية وهي الوضعية التي تحوز فيها الزوجة على مرضاة الله وثوابه ، فطاعة الزوج هنا من طاعة الله وقد جاء في صحيح البخاري ج7 ص: 39. " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" و " إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (رواه الترمذي والنسائي) إن إباحة خرق التعاليم الدينية في سبيل طاعة الزوجة لا يوازيه إلا رغبة الشريعة في إقرار ربوبية أرضية للرجل
ثم إن المسلمات بعد ذلك لم ترضخن لهذا الحكم فقد طالبن الرسول بإلحاح بعد ذلك بالخروج إلى الجهاد مع أزواجهن للتمريض وسقي الظمأى ثم طالبن بالخروج إلى المساجد حيث قال النبي ردا على طلبهن " لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله".
كما طالبت النساء بالمشاركة في الحياة العامة بحضور الأعياد فاستجاب الرسول (ص) يقوله" دعوا العواتق وذوات الخدور يشهدن الأعياد " وتأتي طلبات النساء تباعا في حياة الرسول في إطار سعيهم للتحرر من عبودية الرجل واستغلالهن حيث كان الأسياد يكرهون الإماء على البغاء إلى أن جاءت (سورة النور الآية: 33) لتصحيح الوضع بقوله تعالى" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء"، وما حدث مع زوجة سعد بن الربيع وأم كحة في مطالبتهن بحقهن في الميراث ، فما تحيلنا عليه زوجة سعد يدل بعمق على معرفة متفحصة لأحوال مجتمعها وبرغبة الرجل العربي ومرغِّباته في الزواج وتركيزه على يسرها حيث قالت " هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال " تفسير الجلالين ص: 198.
لقد كان هاجس الثواب هو المحرك الأساسي لتحرك المرأة في اتجاه تحررها من عبودية العبد باعتبار أن الله عز وجل لا يجعل واسطة في التقرب إليه وعبادته ، فغيَّرت من الصورة التي وسمها بها العصر الجاهلي ، ويكفي للتدليل على استحكام هذا الهاجس في معركتها ضد معنى قوامة الرجل والوضعية الدونية لها في قول إحداهن للرسول " يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إذا عملت المرأة حسنة كُتبت لها نصف حسنة؟" .
الهوامش
1- د.نصر حامد أبو زيد" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة" ص: 18.
2-
سفر التكوين الإصحاح 42 الآية 37.
3 -
أنظر(ي) كتابنا" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."مطبعة وراقة سجلماسة ،مكناس الطبعة الأولى شتنبر 2004، ص:115
4-  مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة"- حقوق السياسية والاجتماعية والشخصية للمرأة في المجتمع الإسلامي-، د.محمد بلتاجي ،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة مصر،الطبعة الأولى 2000.
5 -
د.عبد الباسط محمد حسن ، مجلة عالم الفكر ،المجلد السابع، العدد الأول أبريل 1976.
6-
زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990
7 - المبسوط في الفقه" للسرخسي ،مطبعة السعادة، القاهرة، سنة 1324ه- 1903م الجزء الخامس

Partager cet article
Repost0
22 avril 2022 5 22 /04 /avril /2022 23:18
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

 ميثولوجيا المقدس والعقل الفقهي

 

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية والفلسفة و علوم التربية والنقد الأدبي النسائي ، والثقافة الرقمية.

Abdennour.driss@gmail.com

الكلمات المفاتيح: المحظور والقُدسي، العقل  الفقهي، التفسير، الخطاب الديني، مقاربة النوع الاجتماعي.

في زمن تحتويه منظومة التناقضات لتؤسس ثنائيات يتفاعل فيها السلب والإيجاب.. ما هو شرعي وما هو وضعي ، ما هو مقدس وما هو مدنس، كانت هذه النظرة تشكل أساس تقويض دائم لمسلمات الإنسان المسلم، الذي تأسست نظرته للعالم ضمن ثقافة إسلامية استهلكت الإطار الفقهي الكلاسيكي ، وهي التي يُطلب منها استيعاب الواقع الحضاري الجديد.

Mots clés :l’interdit et al-Qudsi, raison jurisprudentielle, interprétation, discours religieux.

 

À une époque où un système de contradictions était contenu pour établir des dualités dans lesquelles le positif et le négatif interagissent.. ce qui est légitime et ce qui est statu quo, ce qui est sacré et ce qui est profane, cette vision a constitué la base d'une remise en cause permanente des postulats de l'homme musulman, dont la vision du monde a été établie au sein d'une culture islamique qui a consommé le cadre jurisprudentiel classique, qui est nécessaire pour absorber la nouvelle réalité civilisée.


1- إشكالية المحظور والقُدسي:

قصة الخلق- نموذج لتحليل النسق-
تتسع دائرة المقدس داخل المجتمع لتتقاطع مع ما هو مدنس. كما تتسع فيه أحيانا دائرة المدنس لتتداخل مع المقدس. مع العلم أن الفصل التام بين (المقدس) و(المدنس)، لا يساعد في فهم الظاهرة الدينية.
إن أزمة التقديس هاته تعني ” انحسار دائرة المقدس على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع، وذلك ب” تدنس” عناصر كثيرة كانت ، إلى عهد قريب، معدودة من متعلقات المقدس بل من صلبه”.(1)
فالمقدس موجود دوما على شكله المطلق، وعلى اعتبار أن المقدس هو الأصل ،فالخرق موجود كذلك في شكله المبأر، في قوة إيحاءاته المُتَحَرْبِئَة على المعاني ،فما يجعل المحظور مدركا في ذاته ويوحي بأسبقيته على المقدس هو مساهمته في بناء المقدس ذاته، فالمقدس بهذا المعنى لا سلطة له دون قيام المحظور بتحقيقها. فهو يأخذ معنى الوجود بالفعل كبداية، “والضرورة تعني البدء من الوجود لا من العدم”.(2)
فالوجود مؤسس على انبثاق المحظور من المقدس، من ثم كان وعي المحظور لذاته يجعله أصلا وموجودا بالقوة بعدما كان موجودا بالفعل وينتمي للرمزي، فمن حيث هو ممارسة إنسانية محكومة بالنسبي ، يشترك في علاقة جدلية بما هو مقدس حيث يضطر هذا الأخير للاقتراب من النسبي فيأخذ حكم الاستعمال فيصبح الواقع هو قصديته فيُنزّل المعنى المتحقق في ذاته التنزيل المطلق.
يستعمل العقل الرمزي ومضات الكشف الصوفي كي يحرر المقدس من لُبس الخرق المنتشر في خطاب الحظر، والذي يعتبر أساس المنظومة الدينية والقانونية من حيث تفسيره وتأويله، وهكذا “(ففي الخطاب الديني على الخصوص) ثمة بداهات واحدة تشتغل لإنتاج الحقيقة والمعنى تتمثل في القول بأولوية الذات ومنطق الهوية ومثالية المدلولات وجوهرية المعاني وتواطؤ المفهومات وحقيقة التصورات وذاتية الحدود وشفافية العلامات وعِلِّية التفسيرات وغائيتها”.(3)
إن الثنائية الميتافيزيقية، التقليدية، للوجود: مقدس/ مدنس، تجعل المقدس بما هو لانهائي، في قلب المدنس النهائي ، كل ذلك يجعل منظومة التقديس جوابا مصادرا من طرف السؤال، فالجواب بهذه المنظومة يجد صياغته النهائية قبل السؤال، حيث الأسئلة هي التي تحدد للقراءة – أية قراءة- آلياتها، وما دام السؤال مضمرا تكون آليات القراءة بدورها مضمرة تؤدي بالتأويل إلى سيرورات تأويلية بعيدة عن الموضوعية في الوصول إلى المغزى الحداثي للمعطى التراثي ف”في الدين هناك دوما حيزا خفيا يشغله المقدس، ومنطقة ممنوعة يحتلها المحرم”.(4)

فالمحظور ينفعل بذاته في الوجود الإنساني، ومع استمراره في تأزيم التاريخ يسكن الأسطوري والديني والرمزي باعتباره ينتمي إلى جدلية تنتقل من الأسطوري وإليه ، وهو إذ يفعل يسيطر على مملكة المعنى ويختبئ في الأنساق الرمزية، فلو انعدم المحظور لما وُجد المباح ولهذا قال الحلاج :” ما من طاعة إلا ووراءها معصية ” ومن ذلك نستخلص نتيجة بانية تجعل من الخرق البناء الأول في صياغة الوجود بحيث نجد المعصية تسبق الطاعة على المستوى الزمني،” ولو انعدم الفجور لما وجد التُّقى”(5)، ولهذا فوعي الوجود مؤسس على المحظورات بما هي مقدسة، وقد اكتمل هذا البناء الذهني فيما يتعلق بقصة الخلق من حيث البناء الإلهي للمحظور حيث يقول تعالى:﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ (سورة البقرة الآية: 29.) وهو بناء يجعل الأمر الإلهي في صيغة الإصرار على الأمر ” جاعل” متحققا عبر تبئير المحظور من أجل خرقه كي يستمر المقدس.
فبما أن الله قد "عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا (البقرة الآية: 30)، ألا يعتبر”آدم “هو المسؤول الأول عن التنفيذ المبطَّن لتحققات الكينونة الإلهية، ولهذا نرى أن الله (سبحانه) هو الفاعل بإخراج آدم من الجنة وإن كان قد عهد بذلك إلى الشيطان.  فكانت التجليات الالهية في أن يسكن آدم الأرض بعد أن يسكن الجنة، فأمره بألا يأكل من الشجرة مع تحذيره من الشيطان.

إن التجلية الإلهية قد تضمنت المختفي والمضمر مند البداية وأسس سبحانه لانبثاق المحظور من المقدس على يد الإنسان.
فأين حدود المقدس وحدود المدنس في ذلك؟
هل لو غاب المدنس أكانت التجليات المضمرة تجد طريقا للتحقق؟
لقد أورد محمد بن جرير الطبري (224-31ه/839/922م) في تفسيره ما جعل آدم الضحية في قصة الخلق وحمّل حواء خطيئة خروجه من الجنة، وقد جاءت على الصيغة التوراتية- التي رواها عن ” وهب بن منبه” (من أحبار اليهود الذين اعتنقوا الإسلام)- الذي ضمّن فيه التصورات المستقاة من المرجعية التوراتية والتي تسربت إلى كتب التفسير وأصبحت جزءا من البناء الفكري بالنسبة للمنظومة الإسلامية .

ولذلك ما معنى العقاب الذي تحملته حواء إثر هذا الخرق في منظومة الخلق، إن لم يكن استشراء لمعاني التوراة فيما يتعلق بتحقير المرأة وتخطيئها باعتبارها هي التي غررت بآدم، يقول الطبري في ذلك:” فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم أين أنت ؟ قال: أنا هنا يا رب، قال ألا تخرج؟ قال أستحيي منك يا رب ، قال : ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة يتحول ثمرها شوكا ، ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة أفضل من الطلح والسدر. ثم قال: يا حواء، أنتِ التي غررت عبدي ، فإنك لا تحملين حملا إلا حملته كرها، وإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا”.(6)

فهذه الصورة التي ترفع عن آدم التلبس بالخطيئة، تتناقض من حيث إلحاق العقوبة بمن لم يخطئ (حواء)، ولهذا نقترح مرافعة لا تخلو من مشاكسة تتعلق بتفاصيل منظومة الحظر الإسلامية التي لا تحتوي فيما تحتويه كلية على تجليات الإغراء، الإغراء الذي ينفلت من المقدس ويخترق نظام التجليات ومن ذلك ” يسهر الإغراء دائما على تحطيم نظام الإله”(7)، ولهذا يبقى الإغراء الأنثوي خارج منظومة القُدسي ، يحل متشظيا في كل الأشياء يحمل الرغبة واللذة والإرواء كعلامة تبادلية وهناك تكمن رمزيته وسلطته فهو يأخذ أبعادا لا متناهية من الحالات التي تتعلق بتحديده ولهذا قال ج. بودريار Jean Baudrillard “يجب القول أن الأنثوي يغري لأنه ليس أبدا في المكان الذي يُفترض وجوده فيه”(8)، ومن هنا استوطنت العلامة الأيروتيكية رأس منظومة القيم، فأصبح الجسد الأنثوي يحرض على التعامل معه وفق انتظامه في مدار الأيقونات، فالجسد الأنثوي بحسب هذا الاعتبار يتداخل مع الإغراء من دون أن يكون الإغراء نابعا منه.

وقد مزج جورج باطاي ما بين إدراكنا للنزعة الأيروتيكية والبعد الديني إلى حدود أنه جعل من الأول العامل الموضوعي للثاني يقول: ” فالمعنى الأصيل للنزعة الأيروتيكية يفلت منا إذا لم نحاول اكتشاف بعدها الديني تماما مثلما سيفلت منا المعنى الأصيل للدين إذا لم نكتشف الرابط الذي يشده إلى النزعة الأيروتيكية”(9)، وقد استشف الباحث عبد الحق منصف قوة هذا المزج لدى باطاي في مجمل الثقافات القديمة التي يتداخل فيها تصور العالم والإنسان بمفاهيم أسطورية أو دينية أو ميتافيزيقية، والتي تتمازج وتتداخل فيما بينها داخل تلك الثقافات.(10)
ومن ثم فالإغراء يتموقع في منظومة المقدس كالقدر لاحتلاله أنظمة العلامات والتمثلات، وبذلكّ ” فهو أقوى من السلطة”(11)، لأنه ينتمي للمعيش اليومي باعتباره يقاسم نظامه استيهامات الواقع بالرغم من كونه لا ينتمي للواقع ولا للسلطة الدينية وعلاقاتها بالسُّلط الأخرى.
فالأنثى تتحول مع الإغراء من الوعي بوجودها بالفعل إلى الوعي بوجودها بالقوة، فينعكس هذا الوعي على إدراك الجسد الذي يطمح في مسيرته المُجهدة للعودة إلى أصله (المقدس)، من هنا كان الجنس المقدس لدى بعض الديانات، “مشاركة في الفعل الإلهي وطقس عبور (معمودية) باتجاه الخلود والألوهية”.(12)
ولقد كان الإغراء ومن ضمنه استيهامات الأنثوي، محفلا للعلاقات الرمزية داخل الزمن، “وهي كلها عناصر ليست من خصائص العالم اللازمني”(13)، يحقق الصعود والنزول لتحقيق الأمر الإلهي، على مستوى المحظور (النزول إلى الأرض) وعلى مستوى المقدس (الصعود إلى التجليات الإلهية) وعلى كل تبقى “صورة آدم البريء تلك في حقيقتها تعكس مجتمعا يكون الرجل فيه هو مثال الخير والبراءة، في حين تمثل الأنثى الشر والخطيئة. فالقصة تشير إلى المجتمع أكثر مما تفسر النص الديني”.(14)
- ألم تكن التجلية الإلهية هي أن يجعل الله (في الأرض خليفة)؟
- أليس معنى هذا أن التجلية الإلهية تضمنت المختفي، وأن هذا المضمر أسس لانبثاق المحظور القدسي من المقدس كحقيقة مطلقة؟

- أين تكمن حدود المقدس وحدود خرقه في نزول آدم إلى الأرض؟
لايمكن لهذا تصور قيام المدنس منفردا، كما لايمكن تصور المقدس من دونه وبالتالي لا معنى للمقدس في ذاته إلا في طبيعة المحظور ، ” فإذا توقف المحظور عن لعب دوره وإذا فقدنا الإيمان به يغدو الخرق مستحيلا” كما قال جورج بطاي في كتابه : 155) (Erotisme

لهذا فمنذ بدأ الخليقة، وضع المحظور نفسه كمؤسس شرعي للمقدس، وهذه النظرة من شأنها أن تُبَرِّئ المدنس في مرحلة تأسيسه الأولى من أبعاده الإنسانية والتاريخية.
فكيف ندرك مطلقية المقدس وتجلياته في المعنى، لو غاب المحظور؟
2- العقل الفقهي ومنظومة الحظر.
- كيف يمكن اعتبار الفقه تابعا رئيسيا للمقدس؟
- هل يحقق العقل الفقهي جدلية الاختلاف بين المقدس والمحظور، بين الشريعة والتاريخ؟
- ما معنى الإجازة الشرعية (الخرق) التي يجيزها الفقه بالنسبة لإجازة أحد المحظورين إذا تقابلا؟
إن مظاهر الأزمة القائمة بين المسلم المعاصر والعقل الفقهي يمكن استجلاؤها من خلال تطلعات كل منهما نحو العالم والوجود، فالمسلم الحديث يرتضي في اقتناعه اعتماد المُقْنِع على البرهان العقلي الخارج من دائرة المقدس الذي لم يعد يشمل إلا القرآن والسنة “على خلاف ما كان يتسم به موقف القدامى من بعض رموز الإسلام الأخرى كالصحابة مثلا”.(18)

لقد حدث تحول عميق في علاقة المسلم بالقُدسي عامة حتى ليصعب الفصل بين الفقه المجرد و الواقع الإسلامي، وقد انعكس ذلك الوضع على المجال الفقهي من حيث أن العقل الفقهي كان “لا يشتغل إلا ضمن المقدس ولا ينفك عنه ، فإنه سيصيبه، لا محالة، ما أصاب المقدس ذاته”.(19)
فالمسلم المعاصر ما زال يطمئن إلى وضعه الوجودي القديم يتأرجح داخل هذا الوضع بين كونه موضوعا للتاريخ وكونه أداة له، لأنه لا يستطيع أن يخلق نفسه ، فهو مرتبط بالمقدس بشكل حميمي و يعمل باستمرار على إنتاج معاني قصة الخلق في ذاته، وبذلك فهو على هذا الصعيد يتقاطع مع المركزية الغربية التي يخلق فيها الإنسان نفسه كما يقول مرسيا إلياد في كتابه “رمزية الطقس والأسطورة” ” ولا يصل إلى خلق نفسه تماما إلا بمقدار ما يتجرد من القداسة ويجرد العالم منها “(20) ومن هنا أصبح القدسي بالنسبة لهذه المركزية الغربية المتمركزة على الذات من آليات كبح انطلاقة الإنسان.
لقد أصبح القُدسي ينكمش على نفسه بالنسبة للفرد والمجتمع على السواء وذلك بتدنس مجالات متعددة كانت تحيطها دائرة المقدس سابقا وتعتبر من ركائزه، حيث أصبحت العديد من قضايا المسلم المعاصر يتم تدبيرها خارج منظومة التقديس.
لهذا كان لزاما على العاملين بالاجتهاد*(21) ألاّ يجعلوا مسلماتهم تعارض تكيف أحكامهم مع الواقع الجديد للمسلم المعاصر على اعتبار أن” الواقعة غير متناهية والنصوص متناهية” كما يقول الشهرستاني، ومن ذلك أن المجتهد ضمن العقل الفقهي هذا يستبعد من دائرة اجتهاده أحكام العقائد بحجة أن القرآن والسنة لا يقبلان التعديل ولا التغيير ومن ضمن ما يجب أن يمسه الاجتهاد من أحكام المعاملات” تعدد الزوجات والجلد والرجم [..] ورؤية الهلال بالعين المجردة “(22) أو كما في مسائل العبيد و الإماء و العِدة وثلاث ” قُروء” أو الأرملة وتربصها لأربعة أشهر وعشرا…
3-
منهجية التأويل الديني.
-
هل أصبح الشرعي بتعاليه وقدسيته قاصرا عن إقناع عقل المسلم الحديث؟
- هل عمَّق التأويل الديني للنصوص الجدلية التراتبية للمحظور والقُدسي؟
- هل يتضمن النص الديني آليات تأويله: قراءته وفهمه وتفسيره؟
إن أي قراءة تستهدف التأويل لا بد لها من طرح الأسئلة قصد الوصول إلى إجابات ممكنة ” فطبيعة الأسئلة تحدد للقراءة آلياتها “(23) وبذلك تتحدد إشكالية التأويل في طبيعة التساؤلات التي تقترحها القراءة التي تغوص في أعماق فهم العالم والإنسان والنصوص.
إن تأويل النصوص الدينية وتفسيرها اتسع ليشمل كافة العلوم الإنسانية.
-
هل أنتج الواقع الإسلامي الجديد آلياته الخاصة للتأويل  القرآني؟
- هل ما يزال الواقع الديني سندا تفسيريا وحيدا للأحداث الراهنة؟
لقد أنتج التراث الإسلامي مواقف تفسيرية  ففرق ما بين منهجيتين حُددتا في موقفين:
1-
التفسير بالمأثور: هذا التفسير يهدف في وصول المفسر إلى معنى النص “عن طريق تجميع الأدلة التاريخية واللغوية التي تساعد على فهم النص فهما (موضوعيا)، أي كما فهمه المعاصرون لنزول هذا النص من خلال المعطيات اللغوية التي يتضمّنها النص وتفهمها الجماعة”.(24) وهذا التفسير قد استعمله أهل السنة والسلف الصالح في استنباط تشريعاتهم على اعتبار أن نص الانطلاق يشتمل على وحدة زمنية جامدة على أساس صلاحيته لكل الزمان والمكان، فالمفسر هنا يبدأ من الحقائق التاريخية والمعطيات اللغوية لإعادة إنتاج نفس المناخ الفقهي متضمنا في رأيه صفاء ونقاء النموذج الإسلامي الأول.
2-
التفسير بالرأي أو التأويل. إن المفسر حسب هذا الاتجاه لا ينطلق من نفس منطلقات التفسير بالمأثور ، أي من الحقائق التاريخية والمعطيات اللغوية بل “يبدأ بموقفه الراهن محاولا أن يجد في القرآن(النص) سندا لهذا الموقف”.(25)
وقد يتداخل هذان الاتجاهان فيستعمل أصحاب الاتجاه الأول بعض الآليات التأويلية للاتجاه الثاني والعكس صحيح ، وقد تنتقل في هذا الاتجاه اللغة في دلالتها المرجعية إلى دلالتها الرمزية ، يخضع فيها النص القديم لشروط إنتاجه الجديدة فتلعب التأويلات الداخلية وجدل الدال والمدلول دورا في إعادة إنتاج النص من حيث أن التحول الذي يقع للعلامات يذهب بالنص القديم إلى أخذ أبعاد رمزية.
وقد ولد هذا الجدل التفسيري للنص الديني بعض التساؤلات المعرفية والتي نسوقها على الشكل التالي:
-
كيف يمكن الوصول إلى معنى النص القرآني بشكل موضوعي؟
- كيف نوقف توالد معاني الإسرائيليات في إنتاج معانينا الفقهية؟
- هل في استطاعة المؤول (فقيه) الوصول إلى مطلقية وكمال القصد الإلهي؟
إن التأويل قد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه فأعطى للمؤول حرية واسعة في فهم النص بالرغم من أن التفسير بالمأثور بحسب المنهجية المتبعة قد يضع بيد المفسر إمكانية موضوعية للفهم حيث أن “الاتجاه الأول يتجاهل المفسر ويلغي وجوده لحساب النص وحقائقه التاريخية واللغوية.(26)
إن هذين المنهجين في قراءة النص الديني قد شكلا وعي المفسرين في العصر الحديث كما حازا سابقا على اهتمام كل المفكرين العرب كابن عربي، ابن رشد، ابن حزم والسهروردي، وندرج هنا بعض أفكارهم فيما يتعلق بالتأويل: فابن عربي في كتابه الفتوحات المكية يجعل من التأويل “عبارة عمّا يؤول إليه ذلك الحديث الذي حدث عنده في خياله (المتلقي) فهو ينقله من خيال إلى خيال لأن السامع يتخيله على قدر فهمه، فقد يطابق الخيال الخيال، خيال السامع مع خيال المتكلم، وقد لا يطابق. فإذا طابق سمي فهما عنه وإن لم يطابق فليس بفهم”.(27)
إن المعنى الذي يحيل عليه قول ابن عربي يجعل “النص” كدلالة ظل يستخدم في حقله الدلالي كدلالة واضحة لا تحتاج إلى تأويل ، بينما ينتج النسق الفقهي المعاصر الالتباس المنهجي في استخدام كلمة “نص” للدلالة على كل النصوص الدينية من القرآن الكريم إلى الأحاديث النبوية متغاضيا بذلك عن الواضح منها والذي يحتاج إلى التأويل، وبذلك “يخلط الخطاب الديني عن عمد وقصد بين الدلالة القديمة التي استخدمها الفقهاء حين قرروا المبدأ، وبين الدلالة المعاصرة التي تسبق إلى وعي المخاطب العادي، فيترسخ في الذهن”تحريم الاجتهاد”(28)، وقد يتّجه الاجتهاد إلى رد الفرع إلا أصل لمساواته في علة الحكم.
فمن خلال المبدأ الفقهي القديم “لااجتهاد فيما فيه نص” يُحكم الفقه المعاصر الحصار على النصوص لتنفرد فئة الفقهاء بسلطة تأويلها وتفسيرها، وبذلك تحتكر هذه الفئة القدرة على التمييز بين القُدسي والمحظور وتهيمن إثر ذلك على الأسلوب الذي تنتج عبره المنظومة الفقهية عقلانيتها.
وقد عرف ابن رشد التأويل في “فصل المقال” باعتباره “إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل في ذلك بعادة اللسان في التجوز في تسمية الشيء بشبيهه أو سببه أو لاحقه أو مقارنة أو غير ذلك.” لقد ركز ابن رشد هنا على المجاز واعتبر للغة وجهين، وجه ظاهر وآخر باطن.
أما ابن حزم فقد اعتبر أن التأويل “هو انحراف عن النص وعن صورته الحقيقية، وهو تجاهل للنص وللحقيقة في آن واحد”، فاللغة عند ابن حزم لا تحتاج للبحث عن الظاهر أو الباطن، والنص الديني عنده وحيد التفسير له حقيقة واحدة فعلية، الوصول إليها يستوجب رؤية موحدة للتعامل معه.
بينما فرق أبو النجيب السهروردي بين التفسير والتأويل، فالتفسير عنده “علم نزول الآية وشأنها وقصتها وأسبابها وهذا محظور على الناس كافة القول فيه إلا بالسماع والأثر”.(29)
وعندما انتقل السهروردي إلى التأويل جعل النص الديني يتسع في معناه بحسب قُرائه ودرجة معرفتهم وعمق فهمهم ، حيث جعل التأويل ” صرف الآية إلى معنى تحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه يوافق الكتاب والسنة، فالتأويل يختلف باختلاف حال المؤول : من صفاء الفهم ورتبة المعرفة.(30)
فالفعل التأويلي عند السهروردي يتجاوز حدود اللغة ليتصل بذات المؤول التي تشتمل بالإضافة إلى المعرفة المحضة على الحضور القوي للبناء النفسي والاجتماعي له، فالتأويل عنده يبقى اجتهادا نسبيا يتغير وفق حالة المؤول ووضعيته.
وبهذا نكون قد وصلنا عبر هذه الاستشهادات حول التأويل ومعناه إلى الاستنتاج الذي يجعل التأويل تحريفا للكلمات عن معانيها الأولى لتخدم معاني جديدة هاجسها موافقة قناعات فئة دون أخرى.
لذا فالتأويل(31) “لا يعني مجرد عملية الفهم لشيء معطى محدد سلفا، له وجود خارجي محايد عن المتلقي الذي يحاول أن يفهم هذا الشيء أو النص”.(32)
إن الصيغة التفسيرية للنص الديني التي تجعل التأويل ممكنا يكشف على أن منظومة اللغة هي التي تتكلم من خلال هذا التأويل من حيث أن اللغة هي مجال خام للفهم والتفسير ف” الانفتاح الوجودي عند المتلقي – من خلال وعيه بوجوده الذاتي – يجعل عملية الفهم ممكنة”(33)، وهي إشكالية ارتبطت باللغة والدلالة والتي كانت القاعدة التي انطلق منها الفكر الإسلامي لتأسيس علاقته بالنص.
الهوامش:
1- نور الدين بوثوري ” مقاصد الشريعة، التشريع الإسلامي المعاصر بين طموح المجتهد وتصور الاجتهاد” دار الطليعة، بيروت الطبعة الأولى شتنبر 2000 ص: 112.
2-
علي حرب ” لعبة المعنى..فصول في نقد الإنسان” المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1991، ص: 98.
3-
علي حرب، نفس المرجع السابق ص:117.
4-
علي حرب ،المرجع السابق نفسه ص: 119.
5-
علي حرب ،هو نفسه ص: 129.
6-
الطبري”التفسير” الجزء الأول، دار الفكر، بيروت، سنة 1984، الصفحة335.
7- Jean Baudrillard, De la séduction », Ed, Galilée, Paris, 1979, P :10.
8- De la séduction, Ibid, p : 17.

9- Georges Bataille « les larmes d'Eros » 1961 paris p :94.
10-
منصف عبد الحق ” الكتابة والتجربة الصوفية، نموذج محيي الدين بن عربي” مطبعة عكاظ، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1988 الصفحة: 367.
11- De la séduction , Ibid, p :69.
12-
تركي علي الربيعو” العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية” المركز الثقافي العربي الدار البيضاء،الطبعة الثانية ، سنة 1995، الصفحة 89
13- قصة الخلق…دراسة في الجنس المقدس” موقع د. سعيد بن?راد
SAIDBENGRAD.FREE.FR
14-
د.نصر حامد أبو زيد” دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة” المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، سنة 2000 ص: 22.
15-
الطبري ” التفسير” نفس المرجع السابق ص: 237.
16-
القرطبي” الجامع لأحكام القرآن ، الجزء 11-12 ص: 90.
17-
القرطبي، المصدر السابق ص: 91.
18-
القرطبي، نفس المصدر ، ص: 113.
19-
القرطبي، المصدر نفسه ص: 114.
20-
مرسيا إلياد” رمزية الطقس والأسطورة..المقدس والدنيوي” ترجمة نهاد خياطة، دار العربي، دمشق، سنة 1987، ص:189.
21-
يعني الاجتهاد بالرأي “بذل الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط بها فيما لا نص فيه”
22-
عبد الوهاب خلاف” مصادر التشريع فيما لانص فيه” دار القلم للنشر والتوزيع- الكويت الطبعة السادسة سنة 1993 الصفحة:7.
23-
د. نصر حامد أبو زيد ” إشكالية القراءة وآليات التأويل” المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء المغرب، الطبعة الخامسة ،سنة 1999، ص: 6.
24-
إشكالية القراءة وآليات التأويل” المرجع نفسه ص: 15″
25- إشكالية القراءة وآليات التأويل” المرجع نفسه ص: 15.
26-
المرجع نفسه ص: 16.
27-
محي الدين بن عربي ” الفتوحات المكية” الجزء الثاني، دار صادر بيروت، بدون تاريخ ص: 181.
28-
د. نصر حامد أبو زيد” النص، السلطة، الحقيقة..الفكر الديني بين إٍرادة المعرفة وإرادة الهيمنة” المركز الثقافي العربي الدار البيضاء الطبعة الثانية سنة 1997 ص: 157.
29-
أبو النجيب السهروردي ” عوارف المعارف” دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى ،سنة 1966، ص: 25.
30-
المرجع نفسه ،ص: 26.
31-
أبو النجيب السهروردي ” عوارف المعارف” نفس المرجع السابق ص: 25-26.
32-
التأويل أومصطلح هرمينيوطيقا قديم ارتبط بالأبحاث اللاهوتية ليشير إلى القواعد والمعايير والآليات التي على المفسر أن يتّبعها لفهم النص الديني.
32 –
إشكالية القراءة وآليات التأويل” المرجع نفسه ص: 27.
33-  
إشكالية القراءة وآليات التأويل” نفسه ص: 36.

Partager cet article
Repost0
14 avril 2022 4 14 /04 /avril /2022 22:15
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف


                                      شعرية اللغة العربية و التجلي المثالي للمرأة      
                                   - العصر الأموي أنموذجا      -
                                                                            
                                                                        د. ادريس عبد النور 

  دراسة محكمة

                               أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس/المغرب
Abdennour.driss@gmail.com             
الكلمات المفاتيح: الأدب الأموي، المرأة العربية، الشعر العربي، المرأة المثال، النقد النسائي.

مداخل العرض               
 إن حقيقة الشعر العربي كنسق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الإطار السياسي والاجتماعي الذي أنشأه وبلور احتفاليته الثقافية بالوعي العربي.              
إن العمل الأدبي في تحركه نحو إنتاج العالم المعيش لا يستطيع السقوط في المباشرية كإعادة الإنتاج المادي لواقعه وإنما ينزع نحو تكثيف المثال الفني لينسج مكانه عالم آخر لا يتماثل مع الصورة الفنية للمعيش الشيء الذي يضع بين أيدينا افتراض حضور الطابع المثالي لامرأة النسيب كمثل أعلى للجمال الأنثوي وعودة الشعر الأموي إلى الصورة الفنية للشعر الجاهلي الذي كان يمتح من صورة المرأة المثال الوثيقة الصلة بالمعتقدات الدينية والأسطورية وتنحدر منها لتعشش في المخيال العربي مند القدم          .
لهذا كان طرحنا لعدة أسئلة من شأنه أن يثير تلك العلاقة الجدلية بين الإنتاج الفني واستهلاكه الاجتماعي. 
- ما هي أسباب تواجد وحدة الصورة للمرأة في الشعر العربي ؟              
- ما هي الدوافع التي حركت وساعدت الشعراء لمدح الجمال الأنثوي بالعصر الأموي؟
- ما هي الطرق التي عبّر بها شعراء "الحجاز" عن مكنونات قلوبهم وخوالجهم وعاطفة الحب لديهم ؟ 
- هل تعكس مقاييس الجمال المُنشَد الذوق العربي في تجلياته الواقعية أم إنها تعبر عن مثل أعلى للجمال طافح مترسب عن معتقد ديني أو أُسطوري سابق؟   
- كـيف يـكون الإبـداع الشعـري شخصيا ويعـبر عـن ذات الـشاعـر وجماعيا ويعبر عن جسد القبيلة في نفس الوقت؟    
- ما هي مقاييس تصنيف الشعر عند الأمويين انطلاقا من مظاهر تشطير البيت العربي إلى واجهة للحرائر وأخرى للجواري؟               
- ما هي صورة المرأة المثال في شعر الغزل الأموي بملامحها الجسدية والمعنوية؟             
- ألا يساعد الحفر اللغوي على فهم الإسطير الفهم الأمثل؟       
- هل الاستفحال الشعري تعبير عن فحولة المجتمع أم فحولة ممكنة للغة؟ .  
لاشك أن محاولة الإجابة على هذه الأسئلة يعطي لهذا البحث تصميما خاصا قد يجيب على تساؤلات النقد الأدبي، حيث أن الدراسات التي تطرقت لشعر الغزل لم تكن ترسم بشكل واضح صورة للمرأة العربية ف "قلما حفلت الدراسات التي تتناول شعر الغزل على امتداد العصور الأدبية العربية بشأن المرأة " (1)       
وقد اعتمدت في هذا البحث المنهجية التي تعتبر العملية الفنية نفي مستمر لذاتها ومحيطها نحو خلق وحدة نسقية منسجمة للشكل بمضمونه، كما نضع في اعتبارنا العلاقة السوسيولوجية بين مرسل ومتلقي الصورة الشعرية.       
إذن ما هي أهم المؤشرات التي تفاعلت بالسلب والإيجاب في وجدان الشعر الأموي ؟.

Mots clés : Littérature omeyyade, femmes arabes, poésie arabe, la femme idéale, critique féministe.

Afficher les entrées

 La réalité de la poésie arabe en tant que système ne peut être considérée isolément du cadre politique et social qui l'a établie et a cristallisé sa célébration culturelle de la conscience arabe.

L'œuvre littéraire, dans son mouvement vers la production du monde vécu, ne peut tomber dans la directivité comme reproduction matérielle de sa réalité, mais tend plutôt à intensifier l'idéal artistique pour tisser à sa place un autre monde qui ne correspond pas à l'image artistique. du vivant, qui met entre nos mains l'hypothèse de la présence du caractère idéal de la femme du parent comme idéal de beauté féminine et un retour de la poésie omeyyade à l'image artistique de la poésie préislamique, qui fournissait à partir de l'image de la femme l'idéal étroitement lié aux croyances religieuses et mythologiques et qui en est issu pour se nicher dans l'imaginaire arabe depuis l'Antiquité.

C'est pourquoi nous avons posé plusieurs questions qui soulèveraient la relation dialectique entre la production artistique et sa consommation sociale.

- Quelles sont les raisons de la présence de l'unité de l'image de la femme dans la poésie arabe ?

- Quels sont les motifs qui ont motivé et aidé les poètes à louer la beauté féminine de l'ère omeyyade ?


المؤشرات البارزة في حركية الشعر العربي         
 يرتبط تطور الشعر بمدى إمكانية تطور حياة المجتمع ولعل من أهم الأسباب التي أثرت في الاتجاهات الأدبية للعصر الأموي وخاصة من حيث حضور هاجس المجتمع في موضوعات الشعر وصوره وألفاظه وأساليبه، والتي أثرت بالسلب والإيجاب في تمظهرات الإشكال السياسي والاجتماعي والثقافي بالإبداع الفني ومدى الحضور القوي لهذه التجليات في تطور مفهوم الممارسة الشعرية كحقيقة واقعية متجانسة تستبدل تشكيلها الواقعي باللفظ والصورة الشعرية.    
-1- المؤشر السياسي     
إن هذا المؤشر من أبرز المؤشرات التي طبعت العصر الأموي و"لئن كان للأمويين الغلبة في الوصول إلى الحكم ، فإنهم لم يستطيعوا غلبة المعارضة نهائيا فأدركوا أن حكمهم يحتاج إلى الاستقرار، وأن هذا الاستقرار بحاجة إلى دهاء سياسي" (2)               
ومن آثار هذا الدهاء أن حرك بنو أمية النعرة القبلية بين العنصر العربي وعداهم من المسلمين، فكان طبيعيا أن تشب نارها في الشعر وبذلك ساهموا في أن يفتح "سوق عكاظ" بابه من جديد في وجه التراشق الشعري بين المكونات المختلفة لمعارضيهم بالحجاز والعراق والشام.      
كما أحدثوا شرخا بمشاعر الذاكرة والنفس العربيتين لما حوّلوا مركز الخلافة من بلد الحجاز إلى الشام.         
وقد ساهم هذا المؤشر في الظهور القوي للمؤشر الاجتماعي.    

-2- المؤشر الاجتماعي     
بعد انتهاج بني أمية لسياسة الفتوحات وانفتاح البلاد العربية على حضارة الترف البيزنطية والفارسية، كان لتدفق الأموال كبير الأثر في تميُّز دهائهم السياسي لإسكات المعارضين وخاصة أصحاب الحق الشرعي في الخلافة بالحجاز، حيث عالج بنوأمية هذه المعارضة "بالمال الوفير أغدقوه عليهم بلا حساب، وأبعدوهم عن المشاركة في السياسة والحكم "(3).     
وقد أنجب حجاز الترف شعراء كالعرجي والاحوص والحارث بن خالد المخزومي الذين رسموا في شعرهم الملامح الأولى للمرأة التي سنجدها كاملة عند الشاعر عمر بن أبي ربيعة.
ولقد أصبح الانغماس في الملذات شيئا مباحا ومظهرا تتسم به هذه الحقبة وخاصة بالحجاز الذي ازدهر فيه الغناء والإيقاع وفنون اللهو في الغفلة المتعمدة للرقيب الذي غض الطرف "عمّا انهمك فيه الناس من لهو وترف وغناء وحرية التمتع بملك اليمين من سبايا الهند وفارس والروم وسواها من البلدان " (4)             
هكذا استمتع المجتمع الحجازي باسترخائه حيث أنه خلع ثوب الجهاد ومضى يتمتع بجني الفتوحات، جمالا ومالا، فكان الغزل "أشبه موضوعات الشعر بالغناء، ومطلب النفوس من هذا مطلبها من ذاك، ومن هنا كان التجاوب بين حالتيهما: فمن آثار الموسيقى في الحجاز توجيهها موضوع الشعر إلى الغزل"(5)     
2-1الوضعية المجتمعية للمرأة بين ظاهرتي الحجاب و"ملك اليمين". 
يتحدد الأسر كواحد من الأسباب المباشرة لظاهرة الرق باعتباره أهم مصادرها الرئيسية وقد تعمقت العلاقة بين الرجل والمرأة المسترَقَّة من الناحية الجنسية بحكم ورودها في النص القرآني كملك اليمين تقول الآية: ﴿ وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ﴾ سورة النساء الآية 3.               
- ما هي انعكاسات ظاهرة "ملك اليمين" على نفسية المرأة العربية؟     
- ما هي القاعدة الواقعية التي جعلت عمر بن أبي ربيعة ناطقا رسميا باسم المرأة الحرة ؟
إن التفتح الواسع على عدد النساء "الجواري"اللواتي أضفن التنوع في الجمال الأنثوي وحسن الصوت والغناء بالبيت الأموي حيث كان منهن الروميات والفارسيات والسنديات والهنديات...               
وقد أدى الاستغراق في المجون والخلاعة إلى الابتعاد عن فحوى النص القرآني الذي أسس هذه الإجازة الشرعية "ملك اليمين" كتدبير مؤقت، فأخذ المجتمع الأموي ينهل من الحضارة التي وفدت عليه الشيء الذي "أقحم على الحرائر عوامل القلق والتمزق النفسي حين فهم الرجل خطأ حرية التمتع "بملك اليمين"فانقاد إلى قيانه وجواريه، وذا الميل الفطري المنجذب بمادية أحاسيسه إلى اللذة الجسدية " (6)   
إن هذا التفسخ والاستغراق في التمتع بالجسد الأنثوي المتنوعة مصادر جماله وفتنته قاد البحث إلى أن نفترض وجود أزمة للزواج بالمجتمع الأموي وبالتالي إعراض الرجال عن زوجاتهم، الشيء الذي أضر بالحرائر من النساء العربيات كما أضر بهن الحجاب الذي عزلهن عن المجتمع "ذلك أن المرأة الحرة لا تباع ولا تشترى فلا ينبغي لها أن تبرز محاسنها إلا على حَليلها، بينما تبرز الجارية محاسنها لأنها مادة تجارية في سوق الرقيق تباع وتُشترى"(7)          
إن الحجاب قد ألحق الحرة العربية بالظل وقد انشطر البيت الإسلامي إلى شطرين : شطر للحرائر وشطر للجواري.
فالحرائر قد فرض عليهم منطق الحجاب لزوم بيوتهن، يقول تعالى: ﴿يا أيها النبئ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن﴾ سورة الأحزاب الآية 59
وكان من الانعكاسات المباشرة للحجاب، عدم خروج الحرائر بأية زينة أو طيب، ويمكن القول بأن هذه الوضعية جعلت المرأة الحرة تحاول صياغة وعي خاص بها لشد الذكر العربي إلى مفاتنها الشيء الذي دفع بها إلى منافسة الجواري في إبراز محاسنها ، وهي معركة شاملة ذات بعد انفلاتي من بعض أحكام الشرع الإسلامي، تحمل في جوهرها سمات معركة تستبد بالمضمون لكي تستحكم الاستبداد بالشكل.     
فالمرأة الحرة " ربَّما سعت بجسدها الأنثوي لأن تكون "خليلة " لزوجها بعد أن كانت حليلة مما يسَّر للشعراء إثر هذه المنافسة سبيلا لاقتناص الصور التي تلائم ميولهم في غفلة الرقيب " (8)       
لقد أُعجب الحجازيون بالأسيرات فأصبحوا أسرى لجمالهن وفتنتهن ودلالهن فكان الإعراض عن الزوجات بالجسد المستورد الوافد من الأمصار.  
-2-2- معركة الحرائر لاستعادة المكانة المفقودة               
- كيف عبًّرت المرأة الأموية الحرة عن رغبتها في خرق الطابوهات وتكريس استمرارها أحيانا؟
أثار حكم بني أمية النعرة القبلية ودعوة الجاهلية فعاد الشعر للتداول باعتبار ان الشعر هو ديوان العرب، فعمدت المرأة المحصنة إلى إحياء ذكرى الجاهلية في النفوس وإغراء الشعراء للتشبيب بمفاتنها واستعراض خباياها النفسية والجسدية " إذا ما كانت عزباء، فيقبل عليها الخطاب، أما المتزوجات فلِثَني الرجل عن أفعاله واستعادته إلى بيته" (9)              
- كيف عبّرت العبقرية الشعرية العربية عن ذاتها؟      
- ما هي تلك الخصوصية التعبيرية؟     
فبعدما رقَّقَ الغناء وتعاطي الجواري من طبع البداوة بالحجاز كان لشعر الغزل في الحرائر مفعول الرقيب على الأخلاق المتشعبة المسالك في جغرافيا تضاريس وعي المجتمع العربي الجاهلي حيث لم يكن الشاعر الجاهلي بوقا للقبيلة فقط وإنما لسانها والمعبر عنها إذ ضَمُّن شعره مُلتقى عواطف القبيلة ومحامدها وسجل أيامها ووقائعها كصدى لها بالإضافة إلى كونه أنشد الشعر كقيتارة للتعبير عن نفسه ،فالغزل في رأي ابن قتيبة "غرض بذاته ولكنه غرض لغيره"،الشعر والشعراء، بتحقيق أحمد شاكر.            
"فهذه النكسة الجاهلية كان لها أثرها في الحياة الأدبية في هذه الفترة (العصر الأموي) من ناحية الكم والكيف جميعا، فقد أتاحت لتيار النشاط الأدبي الجاهلي أن يمضي في سبيله، وان يغمر الحياة بأمواجه المندفعة في صخب وعنف ، بعد أن تهاوت السدود التي تمنعه أو تحاول تلطيفه وتهذيبه"(10)
وقد وُصف العصر الشعري الأموي بعصر الرجعة"إذ جعلت الحياة الأدبية تُراجع فيه نشاطها الذي عرفته في العصر الجاهلي ، كما أرادت أن تجعل من نشاطها فيه صورة من ذلك النشاط الجاهلي وامتدادا له " (11)             
ولعـل ما يثبت فرضية كون عمر بن أبي ربيعة ناطق رسمي باسم المرأة العربية الحجازية هو كونه" رسم لها طريق الخلاص حين أنطقها، في شعره، بكل ما تريد البوح به وأعلى من شأنها، وناصرها في صراعها مع الجواري والـقيان بُـغـية إثبات وجـودها كائـنا لـه حــق الـحـرية والـحـياة "(12). وعندما جعلها عاشقة لا معشوقة حرّك غيرة الرجال على نسائهم المُهمَلات.               
- هل هناك شروطا نظرية يمكن من خلالها تحديد الشعر الأموي في حدود الإباحية والعذرية؟
- بأي معنى يمكن أن ندعو قصيدة النسيب الأموية إباحية ؟ 
فشعر الغزل بما هو صحافة العصر الأموي قد سجَّل أخبار النساء لتحريك غيرة الذكر العربي على أُنثاه وإعادة تمكينه من اكتشافها في مداها الأخلاقي الواسع وقد استعملته بنات الخلفاء ، فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وشريفات آل البيت كسكينة بنت الحسين التي كانت تستقبل الشعراء في دارها، وعائشة بنت طلحة بنت الصحابي ، ومما يزكي الدور الترويجي المؤثر في نفسية العربي واستجابته له قصة الدارمي الشاعر الذي ترك الشعر وكانت عودته لشعر الغزل وسيلة لذر الربح على تاجر خُمُر العراق ، حيث تعَشَّقَ صاحبة الخمار الأسود يقول صاحب الأغاني في ذلك " فلم تبق مليحة في المدينة إلا اشترت خمارا أسودا وباع التاجر ما كان معه "(13)              
يقول الشاعر الدارمي: 
قل للمليحة في الخمار الأسود*
ماذا فعلت بزاهد متعبّــد           
قد كان شمّر للصلاة ثيابه*       
حتى خطرت له بباب المسجد   
رُدي علية صلاته وصيامه*       
لا تقتليه بحَــقّ دين محمد          
لقد صارت المرأة العربية الشريفة أُغنية في قصيدة .. والقصيدة أُغنية على أوتار المغنيات فكان أن تحولت عقلية العربي بفعل سحر شعر الغزل الذي يسعر القلوب ويستفزُّ العقول ويستخفُّ الحليم، من عشق الجواري إلى التهافت على الحرائر ، شارك في هذه الصيرورة مغنيات حادقات، صار لهن مكانة وموكب ودار ، أمثال جميلة وعزة الميلاء وسلاَّمة القس وقد كان تأثيرهن في الشعر والشعراء واضحا جليا    .
الخاتمة:
هل استطاعت اللغة أن تنقل حقيقة ما أحسّه العربي من أحاسيس جيّاشة بداخله اتجاه الأنثى التي عشقها؟         
إن الشاعر العربي كان يقرض الشعر مأخوذا بسحر المرأة"المثال" إذ أن ميكانيزمات اللغة الشعرية لا تبين عن سلطتها إلا إذا باينت وتخلّصت من ثقل الواقع على شحناتها العاطفية.
إن شعراء العصر الأموي قد استوحوا لغة امرئ القيس وتشبيهاته وصوره وقيمه الجمالية واستخدموا عباراته وألفاظه بعينها فهذا الوصف لا يمت إلى اتجاه حسّي ولا يصدر عن تجربة واقعية، وبذاك وجب انتفاء عناصر التمييز والتفارُق بين العصرين على المستوى المتخيّل الفنّي .
- لماذا كان الشعر ديوانا للعرب؟ تساؤل يُلخص جوابه كل تاريخ القصيدة العربية في صراعها مع القوافي.      
فلما يوصف الكلام الشعري كهجاء وفخر ومدح يعيد الشعر إنتاج سلطة البلاطات وأُمرائها، ولما يعبّر عن الوجدان العربي في تجلياته تتحول القصيدة إلى كائن شفاف يعيد صياغة الأسئلة، لمن هذا الشعر؟ وما هي حدود علاقاته مع الآخر،متلقّي ومتلقية؟ وهل تكفي كيمياء الأحاسيس للقول باستمرار القريض الشعري حاضرا في جل العصور الأدبية؟     
كيف انتشت اللغة بقدرتها على التعبير عن نفس تلك الاحاساسات ؟ وما مدى محدوديتها لمّا استعملها امرئ القيس ومزجها عمر بن أبي ربيعة بكيانه ووجدانه وأنطقها جميل بن معمر من فيض روحه ؟ مستلهمين جميعهم المرجعية الأسطورية والدينية في رسم الصورة المثالية الحاضرة دوما وأبدا في المخيال العربي. 

هوامش ومراجع              

1- د. رفيق خليل عطوي ،"صورة المرأة في شعر الغزل الأموي"، دار العلم للملايين بيروت لبنان ، الطبعة الأولى ، أكتوبر سنة 1986، ص:7         
2- نفس المرجع السابق ص:40
3- نفس المرجع السابق ص:28
4- نفس المرجع السابق ص: 28              
5- نجيب محمد البهبيتي "تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري " دار الثقافة ،الدار البيضاء سنة 1982 الصفحة:129  
6- د.رفيق خليل عطوي ص:11              
7- د.رفيق خليل عطوي ، نفس المرجع السابق الصفحة :52  
8- نفس المرجع السابق ص:11.              
9- صورة المرأة في شعر الغزل الأموي ص:54.  
10- د.محمد طه الحاجري ، في تاريخ النقد والمذاهب الأدبية ،دار النهضة العربية،       بيروت 1982،الصفحة :70.    
11- نفس المرجع السابق ص:148.        
12- صورة المرأة في شعر الغزل الأموي ص:12.               
13- الأغاني، بولاق ،الجزء الثاني، ص:179 .

Partager cet article
Repost0
13 avril 2022 3 13 /04 /avril /2022 23:25
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

بناء الكفاية اللغوية بين الإضمار والتصريح بالقواعد الضابطة

بمرحلة التعليم الابتدائي

د.الحسان الحسناوي

دراسة محكمة

                             أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، فاس مكناس

elhasnaouihas@hotmail.fr 

مقدمة:

   تروم هذه الورقة الكشف عن أهمية بناء الكفاية اللغوية بالمدرسة الابتدائية والسيرورة التي تسلكها عملية البناء هذه، حيث يبدأ اكتساب اللغة في سياقها الطبيعي من الاستعمال الشفهي " مما يقتضي إيلاء الأهمية اللازمة للاستماع والتحدث باللغة العربية الفصيحة" باعتباره أداة لاستضمار البنيات اللغوية الضابطة للغة العربية في السنوات الثلاث الأولى من التعليم الابتدائي، وكفاية عرضانية تتيح للمتعلمات والمتعلمين تعلم موارد المواد الأخرى، واكتساب المفاهيم والمهارات والقيم. ويتخذ تمرير القواعد اللغوية بطريقة ضمنية في السنوات المذكورة مسارا متدرجا يتخذ من الحكاية دعامة لغوية تنطوي على مرتكزات وموجهات أدب الطفل، وتراعي خصائص مرحلته النمائية (العقلية، والوجدانية، والحس حركية)، ويتبلور هذا المسار في الحصص الديداكتيكية التي يتنامي فيها التشرب اللغوي للمتعلم على امتداد عشر حصص، تخصص الحصص الخمس الأولى للاستماع،  حيث يتداول المتعلم كل ما يتضمنه النص الحكائي من مفردات وجمل تستضمر البنيات اللغوية الأسلوبية والتركيبية والصرفية المستهدفة عبر حوارات أفقية وعمودية متتالية، وتروج لجملة قيم يتشربها ويطلب منه ترجمتها وتشخيصها عبر محطات السرد لمقاطع الحكاية.

    وتأتي الحصص الخمس التي تقدم في الأسبوع الثاني متناغمة ومكملة لحصص الأسبوع الأول، وذلك لخدمة هدف أساسي وهو: استعمال المتعلم للغة في نسقيتها وشموليتها وإقداره على الإبداع والإنتاج انطلاقا من حكاية استضمر بنياتها العميقة.  ولا يتحقق شرط البناء للكفاية اللغوية دون الخدمة المتكاملة للمبدأين معا ( مبدأ الإضمار، مبدأ التصريح)؛ فإذا كان مبدأ الإضمار يمثل الوجه الاستعمالي لبنيات اللغة في شموليتها دون تجزيئها وتعرف عناصرها، لأن اللغة هنا أسبق من القواعد، وهي تكتسب أولا بتداول بنياتها الأسلوبية والتركيبية والصرفية؛  فإن مبدأ التصريح يمثل الجانب الواعي للغة، لذلك يطلب من مستعمل اللغة أن يتعرف متحكماتها ويدرك العلائق التي تنتظم عناصرها، مثل علاقة الفعل والفاعل، علاقة الفعل والمفعول به، علاقة الفعل والمفعول معه، علاقة الفعل والحال، علاقة الفعل والتمييز...الخ. ولتثبيت وعي مستعمل اللغة (المتعلم) بهذه العلائق والمتحكمات، يسخر المدرس ما توفره الديداكتيك والبيداغوجيا من أدوات وطرائق لتيسير إنماء الكفاية اللغوية.

Introduction:

   Cet article vise à révéler l'importance de la construction de la compétence linguistique à l'école primaire et le processus suivi par ce processus de construction, où l'acquisition de la langue commence dans son contexte naturel à partir de l'usage oral, « qui nécessite de donner l'importance nécessaire à l'écoute et à la parole dans le langage classique ». langue arabe » comme outil d'ancrage des structures linguistiques de contrôle de la langue arabe dans les années Les trois premières de l'enseignement primaire, et la suffisance transversale qui permet aux apprenants et apprenantes d'apprendre les ressources d'autres matières, et d'acquérir des concepts, des compétences et des valeurs . Le passage des règles linguistiques implicitement dans les années mentionnées prend un chemin progressif qui prend le conte comme un support linguistique qui comprend les fondements et les directives de la littérature pour enfants, et prend en compte les caractéristiques de son stade de développement (mental, émotionnel et kinesthésique). ), et ce parcours se cristallise dans les séances didactiques où l'imbibition linguistique de l'apprenant se développe tout au long des dix séances, les cinq premières séances sont consacrées à l'écoute, où l'apprenant échange tout le vocabulaire et les phrases contenues dans le texte narratif qui intègrent la stylistique visée, structures structurelles et morphologiques à travers des dialogues horizontaux et verticaux successifs, et promeut un ensemble de valeurs qu'il absorbe et lui demande de traduire et de diagnostiquer à travers les stations de narration des passages de l'histoire.

    Les cinq leçons qui sont proposées en deuxième semaine sont harmonieuses et complémentaires aux leçons de la première semaine, afin de servir un objectif fondamental : l'utilisation de la langue par l'apprenant dans sa cohérence et sa globalité, et sa capacité à être créatif et productif , basé sur une histoire qui a ancré ses structures profondes. L'exigence de construction de la compétence linguistique n'est pas atteinte sans le service intégré des deux principes ensemble (le principe d'implication, le principe déclaratif) ; Si le principe d'implication représente l'utilisation des structures de la langue dans leur globalité sans les fragmenter et sans en connaître les éléments, car la langue est ici antérieure aux règles, et elle s'acquiert d'abord en échangeant ses structures stylistiques, synthétiques et morphologiques ; Le principe de déclaration représente le côté conscient de la langue, il demande donc à l'utilisateur de la langue d'identifier ses contrôleurs et de réaliser les relations qui organisent ses éléments, telles que la relation du verbe et du sujet, la relation du verbe et l'objet avec lui, le rapport du verbe et de l'objet avec lui, le rapport du verbe et de la situation, le rapport du verbe et la distinction...etc. Afin d'établir la prise de conscience de l'utilisateur de la langue (l'apprenant) avec ces relations et contrôles, l'enseignant mobilise les outils et méthodes fournis par la didactique et la pédagogie pour faciliter le développement de la compétence linguistique.

أولا. الكفاية اللغوية: تحديد المفهوم

في مفهوم الكفاية والكفاية اللغوية

عن مفهوم الكفاية

      ورد في معجم اللغة العربية المعاصرة: كفى/ كفى ب/ كفى ل/ يكفي، اكف، كفاية، فهو كاف وكفي، والمفعول مكفي للمتعدي. وكفى الشيء/ كفى به/ كفى له: اكتفى وغني؛ حصل به الاستغناء عن سواه، وكثيرا ما تزاد الباء على فاعله؛ " وكفى بالله حسيبا" - " وكفى بالله شهيدا" شهادة الله تغني عن غيرها[1].وفي  لسان العرب لابن منظور، الكفاية من " كفي يكفي كفاية إذا قام بالأمر، والكفاة الخدم الذين يقومون بالخدمة، وكافيك من رجل وناهيك من رجل وجازيك من رجل، أي حسبك، وكفاه الأمر: إذا قام في مقامه، والكفية القوت"[2].  " ومنها الكفء: نظير له وهو أي الكفاءة في الأصل مصدر، ومن الكفء الكفاءة في النكاح، وهو أن يكون الزوج مساويا للمرأة في حسبها ونسبها وبيتها وغير ذلك. وهكذا فإن المعنى الذي تنصرف إليه هذه المادة وهو المساواة حاصل في كثير من المشتقات، غير أن عربيتنا الحاضرة قد عدلت عن هذا المعنى وصار الكفء فيها هو الكافي القدير. فيقولون هو كفء في عمله أي قادر في عمله. وكان الصحيح أن يقال كاف في عمله. وعلى هذا، فإن الكفاية أخذت هذا المعنى المولد الجديد وهو القدرة على القيام بالشيء. وفلان ذو كفاءة يراد به ذو كفاية تفرض استعمال كفاية من كفى يكفي وليس كفاءة"[3]

ومن هنا نلحظ أن المعاني الواردة في المعاجم العربية «تنعقد حول مفهومين:

الأول: القيام بالأمر ولم تحدد المعاجم مستوى القيام به، إذا ما كانت مرتفعة أو منخفضة، ونسبة الارتفاع والانخفاض.

الثاني: الوصول إلى درجة من المبتغى سواء أكان المبتغى ماديا أم معنويا"[4].

  ويتداخل مفهوم الكفاية مع مفاهيم أخرى تستعمل لنفس المعنى، وهي القدرة والاستعداد والمهارة والمعارف المعمقة " المعترف بها reconnues التي تعطي الحق لصاحبها سلطة الحكم والتقرير في بعض المواد، مثال ذلك: له الكفاية Avoir de la compétence أو التمكن من الكفاية أو الكفايات، أو الاهتمام بقضية ما لكفايته، أو تنقصه الكفاية"[5]. غير أن ثمة فروقا تميز هذه المفاهيم جميعها، فإذا كانت (القدرة: capacité) «تدل على إمكانية أداء نشاط معين...وتشير إلى القوة على أداء فعل ما، جسديا كان أو عقليا"؛ فإن (الاستعداد: Aptitude) قدرة ممكنة " أي وجود بالقوة أو أداء متوقع سيتمكن الفرد من إنجازه فيما بعد، عندما يسمح بذلك عامل النمو والنضج أو عامل التعلم، أو عندما تتوفر لذلك الشروط الضرورية له"[6]. أما (الإنجاز: Performance) " فهو النتائج التي يبلغها المتعلم حسب معايير محددة للإنجاز، التي تكون محددة في شكل سلوكات وأداءات قابلة للملاحظة"[7]. ويتحدد (السلوك: comportement) في كونه يشمل نشاط الإنسان، وحتى الكائن الحي، في تفاعله مع بيئته من أجل تحقيق أكبر قدر من التكيف معها.[8]

       وقد تعددت التعاريف التربوية للكفاية، ففي تعريف عبد الكريم غريب تتحدد الكفاية في كونها " سلوكا مركبا، يتوقف تكوينها على مستوى عال من المهارة والنجاعة في التدريس، الأمر الذي يتطلب الإلمام بمختلف مكونات الفعل التعليمي التعلمي، وعلى مختلف المستويات السيكولوجية والبيداغوجية والديداكتيكية..."[9]. غير أن مفهوم الكفاية على الرغم من التوضيحات الكثيرة التي شملته، بقي-على امتداد فترة ليست بالقصيرة مشوبا بالالتباس والغموض فرضتهما صعوبة التنزيل والتطبيق. إذ يكفي الممارس للفعل التربوي (المدرس) أن يقدم شروحا وافية لمفهوم الكفاية، ولكن حين يطلب منه كيفية تنزيل الكفاية وأجرأتها في تدبير الوضعيات والأنشطة التربوية تعوزه القدرة على ذلك. ولتجاوز هذه الوضعية الشاذة التي أربكت عمل المدرسين بالمدرسة المغربية على امتداد ما يقارب عقدا من الزمن، عملت وزارة التربية الوطنية على اعتماد بيداغوجيا الإدماج -التي أجهضت في مهدها-باعتبارها تطبيقا فعليا للكفايات في نظام التربية والتكوين.... وهكذا، أصبح المدرس أمام مفهوم واضح ودقيق للكفاية، وأضحى باستطاعته تنزيله وتطبيقه بكل يسر وسهولة في الوضعيات التعليمية التعلمية. وتبعا لذلك، صرنا نعرف الكفاية كالآتي: " هي أن يتمكن فرد ما أن من تعبئة مجموعة من الموارد (معارف، معارف الفعل، معارف الكينونة) وإدماجها من أجل حل وضعية مشكلة تنتمي إلى فئة الوضعيات"[10]. فلكي تتحقق الكفاية لدى مدرس ما أو تلميذ أو طبيب أو مهندس أو غير ذلك، ونحكم عليه بأنه كفء، لابد من تضافر الموارد الثلاثة المذكورة؛ لأن غياب مورد واحد يعني عدم التحكم في الكفاية. وللتوضيح أكثر، يرتكز التحكم في الكفاية من لدن مدرس اللغة العربية في السلك الابتدائي مثلا على تعبئته وتجنيده ل:

المعارف كدرايات ومعلومات ومعطيات معرفية مرتبطة باللغة العربية (قواعد اللغة العربية، أنواع النصوص: سردية، وصفية، حوارية، إخبارية، حجاجية، معارف مرتبطة بعلوم التربية والديداكتيك ...)؛

معارف الفعل: باعتبارها مهارات تحول المعارف إلى إنجازات وأداءات تترجم في الفعل المهني داخل الفصل الدراسي؛

معارف الكينونة: بوصفها مواقف واتجاهات وقيما مرتبطة بحسن التصرف. فالمدرس، تبعا لهذا، مطالب بأن يقبل الاختلاف وأن يحتوي فضول متعلميه وأن يستوعب مواقفهم المختلفة، وأن يحسن التصرف في إزاء كل ذلك.

في مفهوم الكفاية اللغوية

      يرجع ظهور مفهوم الكفاية اللغوية إلى العالم اللغوي الأمريكي (نعوم تشو مسكي Noam Chomsky) الذي يحددها بكونها " قدرة المتكلم – المستمع المثالي على أن ينتج انطلاقا من قواعد ضمنية عددا غير متناه من الجمل تقود عملية التكلم"[11]. وقد ميز تشو مسكي بين الكفاية والإنجاز أو الأداء   Performance الذي يفيد استعمال اللغة، " فالكفاية اللغوية compétence هي القدرة التي تمكن الإنسان من فهم ما يقال، وتمكنه من صوغ الجمل اللغوية الصحيحة وتركيبها تركيبا نحويا سليما، في حين أن الأداء أو الكلام هو القدرة التي تتيح حركة صوتية في الفم، تجعل العضلات الموجودة داخل الفم وخارجه تتحرك على نحو يجعل الإنسان ينطق الأصوات المتعارفة في كل لغات العالم"[12]. وهذا التفريق يذكرنا بالتمييز الذي وضعه (فيرديناد دي سوسير Ferdinand de Saussure (   بين اللغة والكلام "باعتبارهما ظاهرتين منفصلتين؛ فاللغة -عنده -هي الانطباعات المركوزة في عقل كل فرد من أفراد المجتمع"[13]، وتتمثل هذه الانطباعات في تقيد المتكلم بقواعد اللغة والمناويل اللغوية المتعارف عليها في لغته، والمفردات المعجمية المصطلح عليها[14]؛ أما الكلام فهو حدث فردي إرادي " وهو تركيبة لقولة معينة على نحو يحكمه عادة قصده الإبلاغي، واختياره لمفردات معجمية ومناويل قاعدية بعينها، واستثمار السياق لبيان مقصده"[15]. ضمن هذا المنحى، يؤكد التوليديون على الطابع الإبداعي للغة، وهو محصلة انتقال الإنسان من القدرة الفطرية إلى الحدس اللغوي الذي يتمثل فيها (الإنسان) قواعد لغته، ويستطيع أن ينتج مالا حصر له من الجمل التي لم يسبق له أن أنتجها أو فهمها من قبل. وإذا كانت الكفاية من وجهة نظر التوليديين تشمل قدرة نحوية وأخرى تداولية، " فإن الوظيفيين يذهبون إلى أن الكفاية اللغوية كفاية واحدة تجمع بين النحو والتداول ويسمونها بالكفاية التواصلية: compétence communicative ...وتعني التمكن والقدرة على استعمال السنن اللغوي من أجل التعبير والفهم والتواصل...فلكي نتواصل لا يكفي أن تكون لدينا معرفة باللغة والنظام اللغوي، ولكن يتعين علينا أيضا أن نعرف كيف نستعملها حسب السياق الاجتماعي"[16]

قياس الكفاية اللغوية:   

     إذا كان المنطق الذي يتأسس عليه بناء الكفاية اللغوية يقوم على كمية اللغة التي تعلمها شخص ما وتحديد مستوى توظيفها في مقامات تواصلية مختلفة، فإن ذلك يقتضي أيضا قياس هذه الكمية ومعيرة استثمارها. " ولقد وضعت شروط لحصول الكفاية اللغوية في استعمال اللغة الثانية، فيقال عن شخص ما إنه يعرف هذه اللغة إذا كان قد حقق واحدا من المعايير أو الشروط الآتية:

اكتساب المهارات اللغوية معرفة وأسسا؛

الوقوف على ما يقاس وما لا يقاس؛

الأداء على المستويات المختلفة (الحقيقة والمجاز)؛

سلامة الإنتاج اللغوي أصواتا وقواعد واستعمالا...الخ؛

إنتاج لغوي بأساليب متنوعة؛

أداء المهارات اللغوية الوظيفية؛

إنجاز أهداف لغوية محددة؛

الإنتاج اللغوي بكفاية عامة وشاملة؛

القدرة على الإرسال والاستقبال؛

الإنتاج بدرجة محددة من الطلاقة؛

الإنتاج بأشكال وأنواع لغوية متنوعة"[17].

الكفاية اللغوية سيرورة بناء

      ترتكز سيرورة بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلم على أساس أن المعارف اللغوية " وإن كانت تتدرج من حيث ظهورها واكتسابها وانتقالها مما هو محسوس خاص عملي إجرائي إلى ما هو مجرد عام مفهومي تصريحي، فإنها تتكامل وتتفاعل فيما بينها سواء على مستوى الانبناء والنمو أو على مستوى التطور والتعلم أو على مستوى الانتقال والتحول من حالة إلى أخرى"[18]. وترتكز هذه السيرورة على ثلاثة مستويات، تتلخص فيما يلي:

سيرورة البناء كنشاط ذهني تحكمه محددات أهمها:

الاستناد إلى عمليات الفهم والتذكر والاستنباط؛

الجمع بين المعارف السابقة والمعارف الجديدة؛

الأخذ بسيرورة التفاعل بين المتعلم والمحيط؛

كل اكتساب عبارة عن سيرورة ذهنية داخلية مراقبة من لدن المتعلم نفسه، بحيث يشارك بنشاط وحيوية في كل ما يكتسبه من معارف وكفاءات"[19]

سيرورة البناء كنظام من المعارف المتفاعلة التي تتمظهر على مستوى:

 أنواع المعارف التي تتدرج من المحسوس الضمني إلى المجرد التصريحي؛

أشكال المعارف التي تتضمن المعارف الطبيعية العفوية الساذجة والمعارف العلمية الممأسسة المرتبطة بالسياق المدرسي؛

من حيث استراتيجيات الاكتساب التي تفترض أن مهمة المتعلم لا تنحصر فقط في مجرد تعلم معارف خاصة بمجال محدد، بل يتعين أن تتجاوز ذلك إلى تعلم " قواعد عامة للتفكير واستراتيجيات لاكتساب المعارف واستعماها". يتعلق الأمر –هنا-بتعلم التعلم أو الميتا تعلم، حيث يصبح «التعلم سيرورة لتحويل فكر المتعلم من فكر معيش منغرس في السياق الطبيعي إلى فكر مجرد يعقل ذاته ولغته بمعزل عن أي سياق"[20]

سيرورة البناء كتحويل للمعارف التي تتحول بفعل التمدرس من معارف ساذجة إلى معارف منظمة ومبنينة، "وتتحدد إشكالية تحويل المعارف، حسب السيكولوجيين والديداكتيكيين في مناسبة وملاءمة المعارف المدرسة والوضعيات الجديدة في أفق تفعيلها بشكل جيد. أي بمدى المطابقة والمماثلة بين الشكل ومحتوى المعارف المدرسة من جهة، وبين مختلف الميادين حيث إمكانية تطبيقها من جهة أخرى"[21]

    تبعا لذلك، إذا كان بناء الكفاية يأخذ هذا الوجه السيروراتي التكاملي (البناء كنشاط ذهني، البناء كنظام من المعارف، البناء كتحويل للمعارف)، فكيف يتأجرأ على مستوى المعارف اللغوية بالمرحلتين الأساسيتين للتعليم الابتدائي بشكل يضمن التدرج والاستمرارية والانسجام والنسقية بين المرحلة الأولى التي تضم السنوات الثلاث الأولى، ومرحلة السنوات العليا؟  

ثانيا. مرحلة استضمار البنيات اللغوية واستثمار المهارات الشفهية في السنوات الثلاث الأولى

 عن مفهوم الإضمار/الاستضمار 

     يتخذ بناء الكفاية اللغوية في منهاج اللغة العربية بالتعليم الابتدائي سيرورة بناء متنامية كما وكيفا، وذلك عبر" المحافظة على مرحلتين أساسيتين للتعليم الابتدائي، لضمان الاستمرارية والنسقية والانسجام والتدرج داخل كل مرحلة على حدة، قصد ترصيد المكتسبات وتطوير القدرات والمهارات وإنماء الكفايات المقررة في المنهاج"[22]. فما معنى الإضمار في تمرير القواعد اللغوية بالمرحلة الأولى؟

     الإضمار: مصدر أضمر وهو تكوين فكرة في الذهن تكون متضمنة وغير معبر عنها صراحة، وفي علم العروض إسكان الحرف الثاني كالتاء في متفاعلن فتصير متفاعلن، وفي علم النحو هو الإتيان بالضمير بدلا من الاسم الظاهر[23]. وفي مجال الديالكتيك يقتضي هذا المبدأ " تمرير الظواهر الأسلوبية والصرفية والتركيبية والإملائية بطريقة ضمنية في السنوات الأولى والثانية والثالثة من السلك الابتدائي"[24]. ولعل المسوغات التي تقتضي تمريرها ضمنيا تعزى إلى كون القواعد اللغوية ذات طبيعة مجردة يتعذر على الطفل في هذه المرحلة العمرية استيعابها، ف" تفكير الطفل في هذه المرحلة مادي صرف، فهو لا يفهم المجردات على الرغم من أن الإبداعية تكون في ذروتها ...وبالمقارنة مع تفكير الراشد، فإن تفكير الطفل ليس من الدرجات العليا، فلا توجد لديه مفاهيم حقيقية في هذه المرحلة..."[25].

تدرج بناء الكفاية اللغوية عبر سيرورة تبدأ ب: 

اعتماد الحكاية منطلقا لاستضمار البنيات اللغوية

      تبعا لطبيعة إدراك المتعلم (إدراك حسي) في هذه المرحلة، عملت المجموعة التربوية التي سهرت على صياغة منهاج اللغة العربية بالتعليم الابتدائي على ضرورة مراعاة واحترام العمر الزمني والإدراك العقلي للمتعلم. لذلك كان اختيار نصوص الحكاية والقراءة والكتابة منطلقات أساسية لاستضمار البنيات اللغوية المذكورة في السنوات الثلاث الأولى، يستجيب للشرطين الديداكتيكي والسيكولوجي. من هنا، كانت الحكاية "كدعامة لغوية كتبت باستحضار أسس ومرتكزات وموجهات أدب الطفل وثقافته من جهة، والخصائص العقلية والوجدانية والنفس حركية المميزة للمرحلة النمائية التي ينتمي إليها أطفال السنة الأولى من التعليم الابتدائي. أما الدعامة السيميائية فتتمثل في المشهد التعبيري الخاص بالحكاية، والرسوم والصور الخاصة بالوضعية التواصلية،  وذلك بهدف إنماء الكفاية اللغوية وفق سيرورة يشكل فيها تدريب المتعلمين على الاستماع في الحصص الخمس الأولى مرتكزا أساسيا لاستضمار المتحكمات اللغوية والبنيات العميقة للحكاية، وتشربها عبر فهم مضمونها العام ورصد عناصرها الأساسية: الأحداث، الشخصيات، الزمان، المكان، واستثمار بنيتها: البداية، تنامي الأحداث، عقدة الحكاية، تهاوي الأحداث إلى الحل. وقد اعتمد منهاج اللغة العربية جملة من الاستراتيجيات لخدمة البعد الأول من أجل تملك الكفاية اللغوية: بعد تمرير الظواهر اللغوية عبر الإضمار.

تطوير الرصيد الوظيفي:

    ينطوي استثمار المعجم الوظيفي في الحكاية المقدمة للمتعلمين في السنتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي على أهمية خاصة في إنماء كفايتهم اللغوية، فكلما زاد تحكم المتعلمين في طائفة كبيرة من المفردات والوحدات المعجمية، سهل عليهم نسج خطابات وتأليف حوارات، وكلما ضعف تحكمهم في المعجم، أثر ذلك في مهارات الفهم والإنتاج. حيث تشير الأبحاث إلى أن «التحكم في المعجم لا يقل أهمية عن التمكن من النحو في تنمية الكفاية التواصلية.... فالكفاية المعجمية كفاية مركبة وشاملة لمجموعة من الخصائص التأليفية التي تمكن المتكلم من التعرف على دلالة مفردات اللغة وكيفية استعمالها في جمل ونصوص معينة"[26]. لهذا يرتبط الجزء الأكبر من تعلم لغة ما بتعلم مفرداتها الجديدة. لذلك فإن " متعلم اللغة لا يعود إلى كتب النحو أثناء مواجهته لصعوبات تواصلية سواء على مستوى التواصل الشفهي أو الكتابي، بل يعود إلى القواميس لمعرفة معاني بعض المفردات الصعبة"[27]. وينبني التحكم في الكفاية المعجمية من لدن المتعلمين على ضرورة تملك هذه الوحدات وتعرف بنياتها والعلائق القائمة بين المعاني المختلفة وإدراك العلائق الصرفية بين الكلمات والوحدات والمفاهيم، ثم استثمارها في صيغ وجمل مختلفة ومتعددة استعدادا لتوظيفها في وضعيات تواصلية دالة.  

تمرير البنيات التركيبية والصرفية والأسلوبية بطريقة ضمنية

    تحتل الظواهر التركيبية والصرفية والأسلوبية أهمية خاصة في بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلمات المتعلمين في برنامج اللغة العربية الخاص بالمستويات الثلاثة من التعليم الابتدائي، ويقتصر مصطلح الظواهر التركيبية على الظواهر المتعلقة بطرق تركيب الكلام في الجمل... وهي في المستويات الثلاثة الأولى:(1-2-3) تمرر بطريقة مضمرة لاعتبارات سيكولوجية يقتضيها العمر الزمني، ويستدعيها مستوى الإدراك لدى المتعلمين في هذه المرحلة. لذلك، فإن استضمار المتعلم لبنية الجملة السابقة (فعل+ فاعل + حال) يتيح له أن يصوغ -على مستوى الإنجاز (البنية السطحية) الذي يتمثل فزيائيا في شكل مجموعة من الأصوات والرموز-ما لا حصر له من الجمل النظيرة أو الشبيهة، وتقتضي هذه الصياغة ألا تدرج باعتبارها مواد منفصلة، بل باعتبارها نظاما متكاملا، والتحكم في هذا النظام هو الذي يؤهله لإنتاج ما لا حصر له من الجمل والصيغ والتراكيب اللغوية.

من الاستضمار إلى الإنتاج وتطوير القدرة على التواصل

      يمثل إنتاج  النص الموازي – هنا- إبداعا لغويا عن طريق الإبدال أو الإضافة أو الحذف أو ملء الفراغ، ويستطيع المتعلم بيسر أن ينسج مقطعا من الحكاية أو نصا حكائيا كاملا، يساعده في ذلك الحكاية نفسها التي أصبحت مركوزة في ذاكرة المتعلم بسبب ترددها على مسمعه على امتداد خمس حصص متوالية مدرجة في الأسبوع الأول (الحصص:1،2،3،4،5)؛ وخلال عملية الاستماع يتداول المتعلم كل ما يتضمنه النص الحكائي من مفردات وجمل يستضمر بنياتها اللغوية الأسلوبية والتركيبية والصرفية المستهدفة عبر حوارات أفقية وعمودية متتالية، وتروج لجملة قيم يتشربها ويطلب منه ترجمتها وتشخيصها عبر محطات السرد لمقاطع الحكاية. وتأتي الحصص الخمس التي تقدم في الأسبوع الثاني متناغمة ومكملة لحصص الأسبوع الأول، وذلك لخدمة هدف أساسي وهو: إقدار المتعلم على الإبداع والإنتاج انطلاقا من حكاية استضمر بنياتها العميقة؛ فإنتاج المتعلم للنص الموازي-إذن-يأتي حصادا لمجموع ما اكتسبه عن طريق الاستماع.

      وتعتبر الوضعية التواصلية مكونا مكملا لمكون الاستماع والتحدث، " تروم توفير مواقف تواصلية مقصودة في حد ذاتها تسمح للمتعلم(ة) بالتحدث والتعبير واستعمال اللغة وتوظيفها في سياقات دالة، وهي بذلك مكملة لما يمكن استثماره في الحكاية من مواقف تعبيرية وتواصلية؛ وهذا ما ييسر تغطية الأهداف التواصلية والأفعال الكلامية المحددة في المنهاج وتحقيقها"[28]. وتفيد الأفعال الكلامية أن " الاستعمال اللغوي ليس إبراز منطوق لغوي فقط، بل إنجاز حدث اجتماعي معين في الوقت نفسه، فنحن نريد أن يعرف السامع ما نعرف (نقدم له معلومات)، بل إننا نريد -بناء على ذلك -أن يفعل ما نقول. " فنحن نطلب ونأمر ونوصي، وحين نعبر عن ذلك في نص، فإننا نقيم حدثا اجتماعيا"[29]، ويتجلى هذا الإنجاز في كون الأفعال الكلامية تتضمن ثلاثة أفعال لفعل كلامي واحد، وهذه الأفعال هي: الفعل اللفظي والفعل الإنجازي والفعل التأثيري؛ فالفعل اللفظي هو التركيب النحوي الصحيح الذي ينطوي على معنى أصلي، والفعل الإنجازي هو المعنى الإضافي الذي يؤديه الفعل اللفظي كالأمر أو الحث على إنجاز فعل ما. أما الفعل التأثيري فهو ما يحدثه الفعل الإنجازي من أثر في السامع، فيقبل بذلك إما على إنجاز الفعل أو رفضه. ويمكننا أن نسوق مثالا من الوضعيات التواصلية المقدمة لفائدة متعلمي المستوى الأول[30].

     ففي إطار استرجاع الحوار -الذي دار بين "ديدي ونميرة-المتعلق بالأمر والنصيحة. يوجه ديدي النصيحة لنميرة قائلا لها:   

ديدي: احملي معك معطفك. أنصحك بارتدائه في المساء حتى لا تصابي بنزلة برد.

نميرة: سأعمل بنصيحتك يا صديقتي.

فديدي-هنا-ينجز فعلا لفظيا قوليا، يكمن وراءه فعل إنجازي هو النصح المقدم لنميرة، وحين عملت نميرة بهذه النصيحة كان ذلك هو الأثر أو الفعل التـأثيري... وهكذا فالقدرة التواصلية تنبني حسب دوجلاس براون على أربع سمات متداخلة، هي كالتالي:

" لا تقتصر قاعة الدرس على القدرة النحوية أو اللغوية، وإنما تركز على مكونات القدرة الاتصالية؛

لا تمثل الأشكال اللغوية أساسا لتنظيم الدروس وترتيبها، وإنما تقدم من خلال تعليم الوظائف؛

الدقة اللغوية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي أمر ثانوي في التعبير. ومن ثم، فإن الطلاقة أهم من الدقة، والمعيار النهائي في نجاح الاتصال هو التعبير عن المعنى المراد، وفهم المعنى المراد على وجهه الحقيقي؛

 ينبغي أن يكون استعمال اللغة هو الهدف الأساسي للدارسين في قاعة الدرس، سواء في إنتاجها (الحديث) أو في استقبالها (الفهم) في سياقات لم يسبق التدريب عليها"[31]

ثالثا. مرحلة التصريح بالقواعد الضابطة في السنوات الثلاث العليا

       إذا كانت المرحلة الأولى تتميز بكونها محطة يغلب عليها طابع " التحسيس والإعداد القبلي لاكتساب المعارف والمهارات والمواقف (السنة الأولى والثانية) ودعمها وتثبيتها في السنة الثالثة؛ فإن المرحلة الثانية  التي تضم السنوات الرابعة والخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي، يغلب عليها طابع البناء والتركيز والتثبيت والتوسع التدريجي الأفقي للمكتسبات اللغوية المستهدفة، وتطوير الكفايات اللغوية والتواصلية المنشودة من محاور برامج المرحلة الأولى( السنة الرابعة)، في حين يغلب على السنة الخامسة والسادسة طابع الترسيخ والتعميق العمودي وترصيد المكتسبات السابقة واستثمارها وتثبيتها"[32]. وتتميز هذه المرحلة بكونها محطة للتصريح بالقواعد الضابطة للغة، حيث يحضر الوعي بالمتحكمات اللغوية وإدراك القواعد المجردة (النحوية والصرفية والأسلوبية والإملائية) التي سبق للمتعلم أن استضمر بنياتها في المحطة الأولى؛ لأن تفكيره (المتعلم) في هذه المرحلة " يتدرج من التفكير الحسي إلى المجرد وتتضح تدريجيا القدرة على الابتكار والعمل المبدع ويستمر التفكير المجرد في النمو"[33]. فالتصريح-إذن-بالقواعد الضابطة في مكونات الصرف والتحويل والتراكيب والإملاء في المستويات العليا يتم وفق غلاف زمني حدده المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي الصادر سنة 2021 في ستين دقيقة موزعة على حصتين، خصصت ثلاثون دقيقة للحصة الأولى التي تقدم في الأسبوع الأول، فيما خصصت الثلاثون الأخرى للحصة الثانية في الأسبوع الثاني. ويأخذ التصريح بالقواعد اللغوية سيرورة متنامية ديداكتيكيا تفضي بالمتعلم – عبر انخراطه في بناء التعلم-ليس فقط إلى تملك القاعدة اللغوية وتطبيقها في تمارين وأنشطة مقترحة، ولكن – أيضا-تتيح له إمكانية توظيف القاعدة في سياقات ومقامات تواصلية دالة متعددة ومختلفة.  فكيف يتم التصريح بالقواعد الضابطة إذن؟ وما السبيل إلى إنماء الكفاية اللغوية عبر القواعد المصرح بها؟

الوضعيات التعليمية التعلمية وبناء الكفاية اللغوية

     يرتكز تحقيق الكفاية على ضرورة استحضار المكتسبات السابقة من معارف وقدرات ومهارات، ويبقى "هذا الاستحضار غير كاف مالم يتم إدراجه في وضعيات تعلمية... وتعرف الوضعية التعلمية بأنها السياق الذي يتم فيه نشاط أو يقع فيه حدث تعلمي ... وتستند الوضعية التعلمية إلى ثلاث مكونات أساسية، هي:

الدعامات: أي مجموع العناصر المادية التي يتم تقديمها للمتعلم، ومنها الصورة والرسم والنصوص والخبرات وكذلك المجال والمحيط اللذان يحيا فيهما المتعلم؛

المرتقبات: وهي النتائج المؤمل الحصول عليها بعد الإنجاز؛

الإرشادات: وهي مختلف التوضيحات وشروط العمل التي تقدم للمتعلم بصورة واضحة."[34] 

     ولتحقيق الكفاية المذكورة عبر الوضعيات الديداكتيكية، يمكن اعتماد تقسيم كزافيي روجرز لهذه الوضعيات في تدبير الدروس، وهي: (الوضعية الاستكشافية، الوضعية الديداكتيكية، الوضعية المهيكلة، الوضعية التقويمية)[35]

     وللتوضيح أكثر، نقترح تدبير ظاهرة لغوية لكشف تمشيات البناء الذي يتخذه مبدأ التصريح بالقواعد الضابطة، مستثمرين في ذلك مبدأ التفاعل الذي تنادي به النظرية البنائية (جون بياجي Jean Piaget) بين الذات المتعلمة وموضوع التعلم. فالظاهرة اللغوية المقترحة –إذن-هي: الحال والجملة الحالية التي تقدم لفائدة متعلمي المستوى السادس، مدة غلافها الزمني ستون دقيقة.  وتتحدد أهداف الحصة كما يلي:

 أن يتعرف الحال والجملة الحالية؛

أن يميز بين أنواع الحال (مفرد، جملة، شبه جملة)؛

أن يستعمل الحال والجملة الحالية في جمل مفيدة؛

أن يوظف الحال والجملة الحالية في وضعيات تواصلية دالة ومختلفة.

                   

    فاصطفاف الأهداف التعلمية بهذه الترتيب يوازيه ترتيب بناء الوضعيات والأنشطة التي تتضمنها.  وتبعا لذلك، فإذا كانت الوضعية الاستكشافية Situation d’ exploration تستهدف التمهيد لإرساء الموارد الجديدة عبر خلخلة المكتسبات القبلية للمتعلم، من خلال أنشطة لا يصرح فيها بالموارد أو بالمفهوم الجديد (الحال والجملة الحالية)؛ فإن الوضعية الديداكتيكية: Situation didactique(البنائية) تستهدف بناء التعلمات الجديدة عبر التصريح بالموارد بكيفية نسقية. فكيف يتدرج بناء هذا التصريح عبر الوضعيات الثلاث التالية (الديالكتيكية والمهيكلة والتقويمية)، وكيف يتم إنماء الكفاية انطلاقا من درس في علاقته بالدروس الأخرى التي تليه؟  بكلمة أخرى، كيف تتفاعل الذات المتعلمة (المتعلم) مع موضوع التعلم (الحال والجملة الحالية) لبناء المعرفة الجديدة؟ لا سيما أن " من أهم مبادئ التعلم في هذه النظرية (النظرية البنائية) أنه لا ينفصل عن التطور النمائي للعلاقة بين الذات والموضوع، فالتعلم يقترن باشتغال الذات على الموضوع، وليس باقتناء معارفه عنه"[36]

الوضعية الديداكتيكية (وضعية البناء)

     لمعرفة كيفية تفاعل المتعلم مع موضوع التعلم، يسلك المدرس -باعتباره ميسرا لعملية التعلم لا ملقنا للمعرفة -مسارا يستدرج فيه المتعلمين – بعد قراءتهم للنص القاعدي وفهم مضمونه-إلى عزل الجمل المتضمنة للظاهرة وتسجيلها على السبورة، ثم يطلب منهم ملاحظة الظاهرة مستدرجا إياهم إلى تحليلها من خلال أسئلة دقيقة، تفضي بهم إلى تعرف الحال (اسم نكرة منصوب يأتي لبيان هيئة الاسم الذي قبله) ثم ينتقل بالمتعلمين إلى تعرف أنواع (الحال مفرد، الحال جملة، الحال شبه جملة).

    الجدير بالذكر هنا أن الأسئلة التي يطرحها المدرس تؤشكل المتعلم وتخلخل توازنه المعرفي (اللاتوازن عند جون بياجي)، وتضعه أمام تحد عليه أن يجد له حلا؛ فيبدأ في البحث عن ملاءمة (الاستيعاب والتلاؤم لدى بياجي) لمعارفه السابقة مع المعرفة الجديدة، وفي سياق ذلك، يفسر ما يستقبله ويبني المعنى بناء على ما لديه من معلومات إلى أن يصل إلى الحل أو إلى التوازن الجديد. فالذات –هنا-تمارس تأثيرها على موضوع التعلم عبر مجموعة من العمليات الذهنية: (الفهم، التفسير، التأويل، التجريب، المقارنة، الاستدلال...). بفعل هذا التأثير، يتحول موضوع التعلم إلى موضوع طيع يسير الفهم من قبل المتعلم؛ الأمر الذي يسهل لديه عملية التجريد (تجريد الموضوع) أو مفهمة الموضوع = القاعدة.

الوضعية المهيكلة: Situation Structuration

    في هذه الوضعية يبنين المتعلم -بمساعدة المدرس-الموارد المكتسبة عبر شبكة مفاهيمية وتثبيتها تثبيتا منظما، يتم ذلك عبر مجموعة من الأسئلة المتسلسلة والمتدرجة التي تفضي إلى المفهمة، وذلك من قبيل:

ما نوع كلمة مبتسما في جملة: دخل الأب إلى البيت مبتسما؟

يجيب المتعلم: اسم.

هل هو مرفوع أم منصوب أم مجرور؟

يجيب المتعلم: منصوب. هل هو نكرة أم معرفة؟ يجيب المتعلم: اسم نكرة وما قبله معرفة. ماذا يبين هذا الاسم النكرة المنصوب؟

يجيب المتعلم: يبين هيئة الاسم الذي قبله.

إذن كيف نسمي الاسم النكرة المنصوب الذي يبين حالة الاسم الذي قبله؟

يجيب المتعلم: نسميه حالا. إذن ما هو الحال؟

هنا يعطي المتعلم للظاهرة مفهوما صريحا، وهو: الحال اسم نكرة منصوب يبين هيئة الاسم الذي قبله. وقس على ذلك بقية الظاهرة.

الوضعية التقويمية: Situation d’évaluation

    في علاقة هذه الوضعية بالوضعية السابقة يتم الانتقال إلى التعميم الذي تجسده محطة أستعمل وأوظف. حيث يدرك المتعلم ويتعرف أن كل الأسماء المنصوبة النكرة التي تبين هيئة الأسماء التي قبلها تسمى حالا. وهو ما يسوغ له إمكانية الاستعمال، ويتيح له القدرة على التطبيق والتوظيف في المواقف التواصلية.

محطة الاستعمال: يكون فيها المتعلم قادرا على تطبيق القاعدة واستعمالها، بعد تعرفه على الحال وإعطائه مفهوما، وتملكه للقدرة على الاستعمال في ضوء عملية التعميم التي توصل إليها، فالاستعمال يقتصر فقط على التطبيق، كأن يركب المتعلم جملا مفيدة تتضمن الحال والجملة الحالية، أو أن يستخرجهما من نص.  

محطة التوظيف:

    تختلف عملية التوظيف عن الاستعمال من حيث كونها تستهدف تعبئة الموارد المتعلقة بالحال والجملة الحالية وتجنيدها لاستثمارها في وضعيات تواصلية متعددة ومختلفة، تدريبا وإقدارا له على الإدماج ولو في شكله البسيط. هذه المحطة أساسية في إطار المقاربة بالكفايات، لأنها تعد المتعلم وتهيئه لأن يتعامل مع المركب. ومن الأمثلة على ذلك: نطلب من المتعلم أن يصف رحلة قام إلى إحدى القرى يوظف فيها الحال والجملة الحالية.

خاتمة

      حاولنا في هذه المساهمة إبراز المسار الذي يتخذه بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلم بالمدرسة الابتدائية -مسار يتكامل فيه مبدآن أساسيان هما مبدأ الإضمار ومبدأ التصريح، فالأول الذي يرى إلى اللغة على أنها أسبق -من حيث الاستعمال والتداول -من القاعدة التي تضبطها، يبقى وفيا – من جهة-لخصائص المرحلة النمائية التي ينتمي إليها أطفال السنوات الأولى والثانية والثالثة؛ ومن جهة أخرى يراعي المسار الذي اتخذته البشرية في تعلم اللغة، فالإنسان تداول اللغة شفهيا قبل أن يعي القواعد المتحكمة فيها. أما المبدأ الآخر(التصريح)، فهو ينسجم مع المراحل العمرية التي يكون المتعلم قادرا على التجريد والتمثل الصوري للمفاهيم اللغوية، ولكنه مع ذلك، يبقى في حاجة إلى ما تقدمة البيداغوجيا والديداكتيك للمدرس قصد إنزال المفاهيم اللغوية من عليائها إلى مستوى المتعلم في المراحل الثلاث العليا من التعليم الابتدائي.

المراجع

  1. [1] - أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، المجلد الأول، الطبعة الأولى، القاهرة، 2008، ص: 1948
  2. [1] - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، ج15، ط4 بيروت، مادة (ك.ف.ي)
  3. [1] - إبراهيم السامرائي، التطور اللغوي التاريخي، دار الأندلس، ط2، القاهرة، ،1966، ص: 134
  4. [1] - خاد بسندي، مصطلح الكفاية وتداخل المفهوم في اللسانيات الحديثة، المجلة الأردنية في اللغة العربية وآدابها، المجلد 5، العدد2، نيسان 2009، ص: 36-37
  5. [1] - عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الجزء الأول، البيضاء، 2006، ص: 162
  6. [1] - عبد الكريم غريب، استراتيجيات الكفايات وأساليب تقويم جودة تكوينها، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط3، 2003، ص: 54-55
  7. [1] - عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، م. م. ص: 737
  8. [1] -  عبد الكريم غريب، استراتيجيات الكفايات وأساليب تقويم جودة تكوينها، م. م. ص: 57
  9. [1] - المرجع نفسه، ص: 7
  10. [1] - كزافيي روجرز، نقلا عن وزارة التربية الوطنية، مجزوءة التخطيط لفائدة الأساتذة الموظفين بموجب عقود، 2016، ص: 72
  11. [1] - نعوم تشو مسكي، جوانب من نظرية النحو، ترجمة مرتضى جواد باقر، البصرة، 1985، ص: 28
  12. 12-محمود السيد، الكفاية اللغوية مفهوما ومعيارا ومقياسا، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد 89، الجزء4، ص: 870-871
  13. المرجع نفسه، ص: 45[1]
  14. [1]- يونس علي محمد، أصول اتجاهات المدارس اللسانية الحديثة، عالم المعرفة، المجلد 32، العدد1، الكويت، 2003، ص: 134
  15. -المرجع نفسه، ص: 134[1]
  16. [1] - العربي اسليماني، التواصل التربوي مدخل لجودة التربية والتعليم، منشورات مجلة علوم التربية5، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، البيضاء، 2005، ص: 76-77
  17. محمود السيد، الكفاية اللغوية مفهوما ومعيارا وقياسا، م. م. ص: 881 [1]
  18. [1] - الغالي أحرشاو، الطفل بين الأسرة والمدرسة، منشورات علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، البيضاء، 2009، ص: 54
  19. المرجع نفسه، ص: 54[1]
  20. المرجع نفسه، ص: 56[1]
  21. [1]- عمر بيشو، ديداكتيك الكفايات والإدماج، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، البيضاء، 2010، ص: 33
  22. [1] - وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 71

 

  1. [1] - أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، المجلد الأول، الطبعة الأولى، القاهرة، 2008، ص: 1369
  2. [1] - وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 57
  3. [1]- أديب محمد عبد الله النوايسة، إيمان طه طايع القطاونة، النمو اللغوي والمعرفي للطفل، دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، ط1، 2015عمان، ص: 153
  4. [1]- فاطمة الخلوفي، أثر الكفاية المعجمية في التمكن من اللغة، تطور معايير التمكن من تخزين مفردات اللغة إلى بناء الكفاية التواصلية، التدريس، مجلة كلية علوم التربية، العدد 6، السلسلة الجديدة، يونيو. 2014، ص: 3
  5. الحسن عبد النوري، دور المفردات في بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلم، مجلة العربية، عدد2، المجلد6. ص: 36[1]
  6. [1]- وزارة التربية الوطنية والتعليم العلي والتكوين المهني والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 28
  7. [1]- فان ديك تون.أ، علم النص: مدخل متداخل الاختصاصات، ترجمة وتعليق سعيد حسن بحيري، دار القاهرة للكتاب، ط1، القاهرة، 2001، ص: 26
  8. [1] - وزارة التربية الوطنية والتعليم العلي والتكوين المهني والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز. 2021، ص: 152
  9. [1]- دوغلاس براون ه، أسس تعلم اللغة وتعليمها، ترجمة: د. عبده الراجحي، د. علي أحمد شعبان، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1994، ص: 261
  10. [1]- وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 71
  11. [1]-  أديب محمد عبد الله النوايسة، إيمان طه طايع القطاونة، النمو اللغوي والمعرفي للطفل، دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، ط1، 2015عمان، ص: 156
  12. [1] - وزارة التربية الوطنية، مديرية تكوين الأطر (قسم استراتيجيات التكوين)، المقاربات البيداغوجية الحديثة، 2005، ص: 24
  13. [1]- نقلا عن وزارة التربية الوطنية، مديرية تكوين الأطر، مجزوءة التخطيط لفائدة الأساتذة الموظفين بموجب عقود، 2016، ص: 72 
  14. [1]- شاه خالد ناسوتيون، تطوير نموذج تدريس النحو في ضوء نظرية التعلم البنائية (رسالة دكتوراه)، قسم تعليم اللغة العربية، جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية، مالانج ، اندونيسيا، مايو: 2016، ص: 107

 

Partager cet article
Repost0
21 janvier 2022 5 21 /01 /janvier /2022 23:20

الادارة التربوية واقع الممارسة بين النظرية والتطبيق

د. عبد النور ادريس

أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس- مكناس ،فرع مكناس/ المغرب.

Abdennour.driss@gmail.com

الكلمات المفاتيح: الإدارة التربوية، المنظمة المدرسية، النظرية الإدارية،علم النفس التنظيمي

 

 

  1. تشخيص واقع الادارة التربوية والطموحات المرتقبة

تتسم المنظمة المدرسية الحالية بالترهل على جميع الأصعدة والمستويات، ظهرت واضحة في عدد من التمظهرات في الزمان والمكان، ساهم في التشخيص الذي قادنا إلى مقاربة الهفوات التي تشملها، من ذلك:


ـ طغيان النمط الإداري البيروقراطي، والأسلوب التسلطي.

ـ هشاشة  الموارد البشرية.
ـ إهمال العلاقات الإنسانية داخل المنظمة المدرسية.    
ـ ضعف النمو المهني للفاعلين التربويين.
ـ ضعف المشاركة في اتخاذ القرارات.    
ـ ضعف أساليب الاتصال بين أطراف العملية التعليمية. 
ـ عدم القدرة على استثمار البحوث في المجال التربوي.
ـ اتصاف المناهج التعليمية بالجمود وهي تركز على حجم المعلومات دون الاهتمام بنوعيتها.     
ـ الاعتماد على الحفظ والإقتصار على ما هو موجود في المناهج الدراسية.

ـ اقتصار الادارة التربوية على تنفيذ المذكرات والتعليمات.

ـ اعتماد الاختبارات التقويمية على الإسترجاع.

ـ ضعف العلاقات بين الإدارة المدرسية والبيئة المحلية.
ـ استخدام أساليب ديداكتيكية تقليدية تعتمد على المحاضرة والتلقين.

ـ ضعف برامج التكوين المستمر أثناء الخدمة .

ـ ضعف إعداد وتدريب القيادات التربوية تدريبا علميا تطبيقيا من حيث ما يتميز به التدريب من أسس وبرامج وفلسفات.

Diagnosing the reality of educational administration and future aspirations

The current school organization is characterized by slackness at all levels and levels, evident in a number of manifestations in time and place, which contributed to the diagnosis that led us to approach the lapses that it includes, including:
The tyranny of the bureaucratic administrative style, and the authoritarian style.

The fragility of human resources.
Neglecting human relations within the school organization.
Weak professional growth of educators.
Weak participation in decision-making.
Poor communication methods between the parties to the educational process.
Inability to invest research in the educational field.
The educational curricula are characterized by rigidity, and they focus on the volume of information without paying attention to its quality.
Rely on memorizing and limiting what is in the curriculum.

The educational administration is limited to executing notes and instructions.

Adoption of evaluation exams on recall.

Weak relations between the school administration and the local environment.
The use of traditional didactic methods based on lecture and memorization.

Weakness of continuous training programs during the service.

Weakness in preparing and training educational leaders in a practical and scientific way in terms of the foundations, programs and philosophies of the training.

  1. ـ أهمية النظرية الادارية

   من هذا المنطلق بدأ التركيز على القيادة وفق المعايير الجديدة فى المنظمة المعاصرة ووظائفها، في إطار بناء سلطة مبنية على المعرفة العلمية، والإهتمام بالظروف والمتغيرات العالمية المعاصرة وتأثيراتها فى المنظمة، وقد تم كذلك التأكيد على دور الإدارة التنفيذية فى مواجهة تحديات الحاضر وطموح المستقبل، خاصة وأننا اليوم أمام إدارة تنحاز إلى كونها علما تطبيقيا أكثر من كونها نظرية بالرغم من أن كل الحركة الموجهة نحو الوصول إلى نظرية مناسبة للإدارة هي في نفس الوقت حركة للوصول إلى أسلوب علمي في الإدارة، الشيء الذي يتأكد معه أن تسلح الإداري بالمهارات الأساسية لفهم المشاكل الإدارية وتمكنه من النظريات الإدارية التربوية والتدرب على توظيفاتها الميدانية يمنحه القدرة على تطوير ممارسة واعية ضابطة للمواقف الإدارية المختلفة التي تواجهه في الميدان، بالشكل الذي يجعله أكثر مرونة مع عمليات التغيير في السلوك والاتجاهات لسد الفجوة بين الأداء الفعلي ومستوى الأداء المرجو تحقيقه.

إذن النظرية الإدارية التربوية هي العلم الذي يعتمد في نحث مفاهيمه الخاصة على العلوم الأخرى، كعلم النفس وعلم الإجتماع والعلوم الرياضية والاقتصادية... كما تعتمد في أحيان كثيرة على الظروف المحلية والموقف السائد.

   إن التدريب على قيادة التغيير لذلك يرتكز على النظرية التي تقول بإمكانية صناعة القائد من خلال التدريب، حيث يكتسب معها المتدرب صفات ذات طابع علمي يبعده مسافة عن الارتجالية التي تعتمد أسلوب المحاولة والخطأ، فيضيف بالتدريب صفات جديدة على الصفات المتوفرة لديه، على أساس أن يأخذ التدريب بعين الإعتبار: أولا أهمية الجانب الأخلاقي، وأهمية البرنامج التدريبي لقيادة التغيير المتضمن لخطوات عملية إجرائية يستطيع القائد بوساطتها أن يستجيب للتجديد والتطوير أثناء قيادته للمنظمة، وثانيا أهمية التدريب على الجوانب المتعلقة بالذكاء العاطفي، واختلاف القدرة على قيادة التغيير باختلاف المستوى التنظيمي، في حين تشتمل آلية تدريب القادة على نموذج إعدادي يتكون من جانبين:

الأول: يجعل من القيادة علما وفنا، إذ العلم هو الجانب الإداري، والفني هو الجانب القيادي المتعلق بالجانب المهاري والإلهامي.

الثاني: تقني ومعرفي خاصة وأننا نرصد تداخل نظريات القيادة مع نظريات الادارة التربوية مع نظريات الادارة بشكل عام ، ويتعلق بمواكبة المستجدات المعاصرة في عالم التدبير الإداري، وخاصة الإتجاه نحو الأسلوب العلمي أي الإدارة التربوية العلمية التي تبني تدخلاتها على تقنيات متسلسلة ومتكاملة مثل التخطيط، والتنظيم، والتنسيق، والقيادة، والمراقبة. كما ترتكز على معارف اخرى مثل(علم النفس،علم الإجتماع،علم التدبير والإقتصاد والتواصل الإستراتيجي..)، وخاصة التعرف على نمط القيادة الفعالة لمواجهة تحديات العصر، بما في ذلك أسلوب العلاقات الانسانية وأسلوب الإدارة السلوكية. وكذا الإتجاه نحو الإدارة الموقفية أوالقيادة الظرفية، والإدارة بالأهداف والنتائج. وبذلك تكون القيادة للجميع باعتبارها حيزا معرفيا للجميع وليست امتيازا للنخبة فقط.

 

  وتمنح النظريات الادارية الإطار الاداري معرفة متميزة ب:

  • المقاربات الحديثة للتدبير Management           
  • التمييز بين المدير والقائد.
  • تحديد مصادر قوة وتأثير القائد.
  • تحديد أهم الصفات التي تتوفر في القائد الفعال.
  • التعرف على النظريات القيادية النظرية والتطبيقية.
  • التعرف على نماذج النظريات السلوكية في القيادة.
  • التعرف على المتغيرات والعوامل التي تحدد فعالية القائد والقائدة.
  • التعرف على نموذج القيادة المشاركة والقيادة التبادلية والتحويلية.

إن التغيير يخلخل البنية الثقافية للمنظمة، إذ هي عملية تمس بالأساس التفاعل بين الفرد والمنظمة، وفق مقاربات عدة أهمها المقاربة النسقية التي تتضمن من ضمن مكوناتها الأساسية : المقاربة التشاركية ومقاربة التنمية ومقاربة النوع الاجتماعي.

إن رهاب التغيير ظاهرة نفسية تنتاب المكون الإنساني الذي لا يستسيغ التغيير، نظرا لتحكم التنشئة الإجتماعية بالفاعل الإنساني الذي يستجيب بحكم العادة لنمط حياة موروثة وروتينية، في حين أن المنظمة والتربوية على الخصوص لا تهادن هذا النمط، إذ من وظيفتها الأساس تربية الأجيال لكي تعيش زمنها في مستقبل له قيمه ومعتقداته وبديهياته الخاصة، كما تهدف عملية التغيير إلى رسم خريطة للتفاعلات والعمليات منها: عملية صنع القرار التربوي على مستوى الوحدة الإدارية التربوية، وعملية التعرف على االمقاومات التي تكبح تنزيل وتنفيذ عملية التغيير، وبحسب هذا المنظور يكون لدينا نوعين من التغيير:

1. التغيير الوظيفي:

يشكل التغيير الوظيفي في التكنولوجيا الإدارية حلقة أساسية ضمن التغيير الإستراتيجي، ويتميز بكونه جزء من آليات اشتغال بنية التغيير، ويعمل على استدامة خدماتها، بشكل يسمح بتعديلات جديدة في بنية التغيير.

2. التغيير الإستراتيجي:

يعتبر التغيير الاستراتيجي من أدبيات الإدارة التي تمس بالتحديد البنية الخارجية وموارد المنظمة الداخلية منها والخارجية والمحتملة، بالإضافة إلى تحليل النظم systemesالتي أدت إلى الرغبة في التغيير، ويهتم هذا النوع من التغيير بالقضايا المفصلية التي تحدث قطيعة مع الماضي، ويشتغل على آليات اشتغال المنظمة ذاتهافي اتجاه تغيير هويتها، بما في ذلك مجمل الحوامل والدعامات التقنية المستخدمة

 

  1. ـ قائد تربوي للتغيير .

تتفق جل النظريات الإدارية حول قائمة المهارات الفنية والإنسانية والسلوكية والتنظيمية اللازمة للقيادة الإدارية، ومن أهمها ما يلي :

  •  إدارة الذات.
  • إدارة الوقت.
  • إدارة الاجتماعات.
  • إدارة ضغوط العمل.
  • إدارة الصراع.
  • إدارة المقاومة.
  • إدارة الإخفاق.
  • إدارة التغيير.
  • إدارة الجودة.

ولهذا فاكتساب صفة القائد الحقيقي دقيقة جدا وصعبة المنال وتحتاج إلى ملكات فيزيزلوجية بارزة تولد مع المرء. بالإضافة إلى ملكات مكتسبة يحصل عليها الإنسان من الدراسة العلمية وخبرة الحياة والمجتمع، وهذا يعني أن داخل بنية مفهوم القيادة يتعين وجود أركان أساسية للقيادة وهي:

  • القيادة هي خلاصة سمات وسلوكيات تميز القائد عن المرؤوسين من حيث القدرة على التأثير.
  • القيادة من خلال علاقات الفاعلين، وذلك من خلال الإلتزام بقرارات القائد صاحب السلطة التي يستمدها من القوة التنظيمية الرسمية والكاريزمية.
  • القيادة تجسيد لعلاقة تسلسلية تهيكل مكانة القائد بالنسبة للفاعلين.
  • القيادة استخدام مهارات علمية بقصد تنزيل هدف مشترك تسعى الجماعة لتحقيقه.

فعملية القيادة يجب أن:"يتم التوافق بين أركانها حتى يتم التفاعل، فالموقف يساعد على تهيئة الفرصة للقيادة ويظهر الإحتياج إليها، والقائد هو فرد من جماعة يشعر بشعورها ولديه القدرة على استغلال قدرات أفرادها والتأكيد فيما بينهم ليجابهوا الموقف الذي يتفاعلون فيه. والأفراد بالتالي يجب أن يكون لديهم شعور بالحاجة إلى القيادة والاستعداد للتعاون مع القائد في الموقف الذي يتفاعلون فيه.

ولتجلية الغموض المفاهيمي الذي يثيره مفهوما المدير والقائد، ندرج هنا ما أوردته مجلة فورتشن، التي أكدت على وجود اختلاف جوهري بين المدير التقليدي والقائد المبدع.

المدير التقليدي

القائد المبدع

  • يدير العمل المكلف به.
  • يعمل على استمرار عجلة العمل.
  • يدير فريقه معتمدا على قوته وسيطرته الوظيفية.
  • يؤدي ما يتوجب عليه بالطريقة الصحيحة.
  • يبدع ويجدد ويتميز في أي عمل يقوم به.
  • ينمي ويطور ويبحث دائما عما يفيد العمل.
  • يعتمد في إدارته لفريقه على ثقته بنفسه وبقراراته.
  • يفعل الأشياء الصحيحة.

 

إن المدير هو الشخص الذي تعهد إليه مهمة الإشراف على وحدة أو جماعة عمل، وهو مطالب بالقيام بالوظائف الإدارية اليومية والروتينية، متبعا في ذلك تعاليم إدارته الإقليمية أو الجهوية أو المركزية. فهو معني بالحاضر إذ يحافض على الوضع الراهن، ومسؤول عن الجوانب التنفيذية وليس له دور في تغير المنظمة لأنه يستخدم الوسائل والأساليب القائمة من أجل تحقيق الأهداف المقررة بالفعل، فهو بذلك يعتبر عنصرا من عناصر الإتزان والإستقرار، بالرغم من إتقانه للعبة العلاقات الانسانية من حيث التزامه بنمط القيادة المباشرة التي تتميز بأسلوب المناورة والضبط المحكم وبالإشراف المغلق حيث يستخدم المدير أسلوب المناورة لمحاولة الحصول على طاعة الفاعلين بالمنظمة التربوية من خلال التظاهر بممارسة علاقات إنسانية معهم كغطاء لدوره القيادي المباشر.

أما القائد فهو داعية للتغيير ومطلوب منه أن يحدث تغييرات في البناء والتنظيم. ويرى الغايات في ارتباطها بالوسائل، والأهداف في ارتباطها بالطرق وأساليب التنفيذ، كما أنه يقوم بدور رئيسي في رسم السياسة وتنفيذها. ومن هنا يمكن أن ينظر إليه على أنه عامل مقلق للأوضاع الراهنة في عمله، كما قال بذلك ماكليري وهانسلي[1].

المدير

القائد

  • عمله إداري.
  • يحافظ على ما هو موجود
  • يميل إلى السيطرة.
  • تفكيره قصير المدى.
  • مقلد.
  • قوة رسمية.
  • عمله إبداعي.
  • يغير ما هو موجود.
  • يميل إلى الإثارة.
  • تفكيره طويل الأمد.
  • مجدد.
  • قوة شخصية.

يتع

 

[1]-McCleary ,L. E. and Hencley, S.P. : Secondary School Administration. Theoritical Bases for Professional Practice. Dodd, mead company inc. N.Y. 1965 .P 103 .

Partager cet article
Repost0
28 décembre 2021 2 28 /12 /décembre /2021 18:35
الإنتاج السلوكي بين الحركة واللغة في مجال الرياضة والمدرسة

الإنتاج السلوكي بين الحركة واللغة

في مجال الرياضة والمدرسة

دراسة محكمة

                                       د. حميد مرواني

أستاذ التعليم العالي مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس/  المغرب

تقديم

لعل الدراسات والأبحاث التعليمية في الربع الأخير من القرن العشرين، أدت الى إجراء تغيرات ملحوظة على الدراسات المتعلقة بالتعلم والتعليم. فبعد أن كانت عملية التعليم تركز على كيفية تنظيم مثيرات البيئة التعليمية الخارجية بصورة تؤدي بالمتعلم تدريجيا الى الاستجابات المطلوبة، حيث يتم دعمها وترسيخها عن طريق أشكال التعزيز--المدرسة السلوكية—أصبحت هده العملية تهتم بتهيئة المواقف التعليمية تحت وطأة هندسة بيداغوجية محكمة تفضي بالمتعلم  القيام بفك لغز وضعيات مشكلة تتطلب منه التفكير واستقصاء الحلول المواكبة لدلك، بنوع من التنظيم والتنسيق والتبويب المعرفي، رغم هده المحاولات الجريئة ورغم الجهود المبذولة على مستوى التطبيق، والتأثير ،فإن المدرسة المغربية لازالت لم ترق إلى المستوى المرغوب والرامي الى تجويد العمل البيداغوجي، ودلك لعدم استفادتها وعدم استيعابها للمستجدات العلمية - النظري والتطبيقي – لعلم النفس المعرفي واستثمار معطياته الحقيقية. إن الأمر راجع إلى أن هده المدرسة لم تستطيع تجاوز العراقيل والاختلالات البيداغوجية التي تواجه المتعلمين والمدرسين على السواء مما يزيد ويكرس ظاهرة الهذر والفشل المدرسيين.

 إن قدرة واضعي المناهج والبرامج التربوية ببلادنا ، لم تتمكن من استحضار واستثمار مكونات الخطاب المعرفي بكل معطياته ومفاهيمه الأساسية خلال تدبير الشأن البيداغوجي بصورة عامة.

من معالم هدا الخطاب البيداغوجي المعرفي، الانتقال بالمتعلم من مستوى أدنى إلى مستوى أكثر تطورا وتقدما، فالتعلم من خلال هده المنظومة المعرفية هو تعلم فعال حقيقي دو معنى، تعلم دال، يكون فيه المتعلم بمثابة الفاعل الرئيسي في تعلماته، واع بأدواته التعليميه، كما أن له القدرة على ضبط وتوجيه طرائق بحثه ومراقبة أدائه وإنجازاته.

إن تحقيق هده الغاية التربوية، تقتضي من أصحاب القرار والشأن البيداغوجي: خبراء، مدرسين، مكونين، الانفتاح على علم النفس المعرفي، العلوم النورولوجية، علم النفس التطوري،...وهو رهان سيكو- بيداغوجي صعب التحقق    من جهة أخرى المجازفة بمحاولة تفعيل الأداء البيداغوجي والديداكتيكي تحت وطأة المقاربة السيكو- معرفية ، محاولة ترمي إلى تطوير وتحسين شأن التدبير الذهني في تفاعله مع مواقف تعليمية غرضها تجويد آليات التفكير من فهم وتذكر وتفكير  وإبداع.

  علاوة على ما ذكر يمكن القول أن التأكيد على التربية المعرفية هو انتقال من التربية Education   إلى القابلية للتربيةEducabilité   مجال بمثابة براديݣم معرفي Paradigme Cognitif همه العناية بكيفية الاشتغال الذهني وكيفية استحضار الآليات الفكرية والوعي بها خلال الاشتغال المعرفي. 

إن الأمر هنا يقتضي من خلال هدا الانتقال البيداغوجي العمل على إمكانية خلق نماذج إنسانية ذكية ، فعالة واعية بقدراتها وإمكاناتها الفكرية، وهدا معناه الانتقال بالمتعلم إلى مستوى أكثر تطورا وتقدما، وهو تعلم دال ودو معنى لدى المتعلم يكون فيه هدا الأخير واع بأدوات تعلمه.

إن تحقيق هده الغاية التربوية تمكن  المتعلم، من  التعامل مع جميع الوضعيات مهما اختلفت حالتها سواء في حياة المدرسة أو مدرسة الحياة. فتطوير القدرة على التعلم لا تنتهي فقط بقدرة المتعلم على حل المشكلات المدرسية،  وبناء معارف جديدة، ولكن القدرة على التطوير والاغناء الدائمين  لهده المعارف وتقويمها.

إن الوضعيات على اختلاف معطياتها تكون مصدر تعلمنا سواء أكان تعلما حركيا  أم لغويا. فالمنتوج السلوكي الإنساني، تحدده اللغة أو الحركة، أمران بمثابة إفراز عمل دهني ناتج عن اشتغال معرفي يكون أساسا لاستنفار الوظائف المعرفية والتنفيدية.

  إن اهتمامنا بالتعلم تجاوز حدود المدارس التقليدية والنظريات الكلاسيكية ليقع على المعرفية، نظرية من النظريات المعاصرة التي تناولت التعلم بشكل أكثر تقدما، لكونها ركزت على الدهن وعلى طرق معالجة المعلومات، وبتأكيدها على أن النسق المعرفي للفرد  عبارة عن نظام لمعالجة المعلومات، إذ عادة ما يقوم بتحويل المعلومات الفيزيقية الى معلومات ذهنية أو تمثيلية هذا النسق "عبارة عن نظام صوري يشتغل حول التمثلات الرمزية"ANDLER.D(1992) .

فما موقع التعلم في إطار المنظور المعرفي؟

2. الاهتمام بوضعيات التعلم من منظور المعرفية.

أصبحت التربية تتأسس حاليا على مخططات وبرامج وكذا على نظريات سيكولوجية، حيث أن الفعل التربوي لا يمكن أن يحقق مقاصده وأهدافه، إلا إذا كان قائما على تصورات سيكولوجية معينة وفق ما تقتضيه الظروف والتطورات.وعلى خلفية هذه العلاقة المتينة بين البيداغوجيا وعلم النفس، فإن التجديد البيداغوجي المتمثل في بيداغوجيا الكفايات يجد مرجعيته السيكولوجية في علم النفس المعرفي، بحيث إن تأثيرات هذا الأخير في التعلم تظل واضحة وذلك من خلال انشغاله (بالإنتباه) ، (وبالذاكرة) ،وبالاستراتيجيات المعرفية والتمثلات وكذا بالبناء التدريجي للمعومات والمعارف.

في سياق اهتمام علم النفس المعرفي بمعالجة المعلومات التي يحصل عليها الفرد منً بيئته،(بلحاج عبد الكريم 2005. ص121)،  يصبح التعلم تبعا للمنظور المعرفي نوعا من البناء التدريجي للمعارف. فالذاكرة تشتغل وفقا لآليات وقواعد معينة وكلما كانت المعلومات والمعارف الوافدة على الذاكرة منظمة ومفيئة، كلما ترسخت فيها أكثر وبالتالي كلما سهل استرجاعها وتذكرها عند الحاجة ( HAROUCHI )، بل واستثمارها في وضعيات جديدة. ذلك أن معالجة المعلومات يقتضي بالأساس العمل على بنينتهاStructuration   وتنظيمها الذي يتم من خلال سيرورة التحليل والتركيب والربط مع المعارف السابقة. فهذه الإجراءات التنظيمية للمعلومات تبقى هي السبيل الوحيد للحفاظ على المعارف في الذاكرة. وهذه الاعتبارات تلزم المدرس على مساعدة المتعلم على تحليل المعارف وتفكيكها وإعادة تنظيمها بالشكل الذي يسهل عملية دمجها مع المعارف السابقة. إذ أصبح معلوما أن المعلومات والمعارف المتناثرة التي لا تربطها علاقات منطقية، والمنتزعة من سياقات مختلقة لا تعمل إلا على تأثيث الذاكرة مما ينمي لدى المتعلم الحفظ الأصم والترديد الميكانيكي، كما تقتل فيه روح الإبداع والمبادرة وحب الاستطلاع العلمي.لهذا، فإن موقف المنظور المعرفي في التعلم هو موقف التجاوز والمواجهة، فمن جهة فقد تجاوز اختلالات سيكولوجية السلوك التي قاربت الموضوع انطلاقا من ثنائية المثير والاستجابة ومن جهة أخرى عمل على إلقاء الضوء على العمليات الدينامية الداخلية التي يقوم بها الذهن أثناء التعلم والاكتساب.

ومجمل القول إنه إذا كان الاتجاه السلوكي قد هيمن على البيداغوجيا لعقود طويلة انطلاقا من بداية القرن العشرين مما جعله يشكل نموذجا تفسيريا، فإن الاختلالات والعيوب التي بدأت تظهر عليه مع التطور العلمي وخاصة البحث السيكولوجي جعلته يتراجع إلى الوراء ويفقد بالتالي الكثير من مصداقيته مما تطلب معه البحث عن براديݣم سيكولوجي جديد قادر على استيعاب كل التحولات والتطورات التي عرفتها السيكولوجيا. وقد تمثل هذا البراديغم في علم النفس المعرفي كمنظور جعل من الأنشطة الذهنية والعمليات المعرفية أهم اهتماماته وانشغالاته على اعتبار أنها تشكل مركز الثقل في كل إنتاجات الفرد سواء الداخلية أو الخارجية.وفيما يخص عملية التعلم، فإن علم النفس المعرفي اهتم بالبحث في طبيعة ونوع الاستراتيجيات المعرفية التي يلجأ إليها الفرد في مواجهته لمختلف الوضعيات-المشكلات التي تنتج طبيعيا من خلال تفاعله مع المحيط الذي يتواجد فيه. أكيد أن هذه الاستراتيجيات تروم الوصول إلى حلول مناسبة لهذه الوضعيات، لكن لا بد من مساءلتها وإلقاء الضوء عليها قصد تبني أحسنها. غير أن هذه الاستراتيجيات المستعملة من قبل الفرد لا تأتي من فراغ، وإنما تتحدد أساسا من خلال تمثلاته القبلية ونوع المعارف التي يتوفر عليها وكيفية إدراكه للموضوع.كثيرا ما تشكل هذه التمثلات القبلية عائقا معرفيا وذلك حينما تكون بعيدة عن العلمية والموضوعية، لهذا يجب استخراجها والتعرف عليها وتصحيحها حتى تصبح عملية التعلم عملية ممكنة. إن المعلومات الجديدة الوافدة على الذاكرة يجب أن تنتظم بشكل منطقي في الذاكرة حتى تسهل عملية استرجاعها عند الحاجة. طبعا هذا التنظيم للمعلومات لا يحصل إلا من خلال بنائها تدريجيا، أي إخضاعها لعملية التحليل والتركيب والبحث في علاقتها المنطقية الداخلية.

يعد علم النفس المعرفي ذلك المجال العلمي، الذي ينطلق من فرضية أن التفكير هو سيرورة في معالجة المعلومات. ويعود أصل تسمية هذا المجال من السيكولوجيا إلى مفهوم المعرفية  cognitionالذي يحيل على آليات النشاط الذهني.

 ويهتم المنظور المعرفي بدراسة وظيفة الذكاء وأصل المعارف والاستراتيجيات المعرفية المستعملة في الاستيعاب والتذكر واستثمار المعارف ومعالجة المعلومات في الذاكرة واللغة، وذلك من خلال وظيفة الدماغ. وقد نشأ هذا الاتجاه في سيكولوجيا في ظل الثورة المعرفية، التي انطلقت في منتصف القرن العشرين، بحيث تمخض عنها ظهور مجموعة من الحقول المعرفية التي أصبحت تتخذ  المعرفة (cognition) موضوعا لها، وقد تحددت هذه  الحقول المعرفية في الذكاء الاصطناعي واللسانيات والعلوم العصبية والفلسفة بالإضافة إلى علم النفس المعرفي. في هذا السياق إذن، برز علم النفس المعرفي كمسعى جديد يهتم "بدراسة النشاطات العقلية الداخلية للفرد بالأساس، وذلك في تقابل مع النشاطات الخارجية الخاضعة للملاحظة المباشرة، وهي النشاطات التي شكلت كلاسيكيا معنى السلوك" بلحاج عبد الكريم 2005 ص56.

لقد دشن علم النفس المعرفي إذن، نوعا من القطيعة الابستمولوجية، على الأقل على مستوى الموضوع، مع سيكولوجيا السلوك التي سادت عقودا من الزمن، بحيث انتقلت السيكولوجيا مع المنظور المعرفي من دراسة السلوك القابل للملاحظة والقياس إلى الاهتمام بمشكلات سيكولوجية مختلفة تتعلق أساسا بالأنشطة العقلية وآليات الاشتغال الذهني، أي تلك الأنشطة الداخلية للفرد والتي أقصيت من الدراسة والتحليل ضمن الاتجاه السلوكي بدعوى عدم إمكانية إخضاعها لصرامة المنهج التجريبي وأن منتوجها السلوكي غير ملاحظ وغير قابل للقياس.

 وعموما كان لظهور هذا المنظور المعرفي، كنموذج تفسيري للسلوك، شروطه ومبرراته الموضوعية التي اقتضته من أجل تجاوز نقائص وعيوب السلوكية وملء تلك الفراغات التي تركتها في مقاربتها للموضوع.

3-الاهتمام  بالوضعيات في مجال الرياضة من منظور المعرفية.

لم يعد ينظر إلى الرياضة على أنها ذلك النشاط الخالي من أي معان أوقيم ،ذلك النشاط الذي تتم ممارسته بطريقة اعتباطية دون استراتيجيات أو إجراءات تضمن المردودية والإنتاجية على مستوى التنفيذ .فالرياضة لم تعد ذلك المجال القائم فقط على القيمة البدنية ،التي تعد  من أهم مقوماتها والتي لازمت رحلتها الطويلة عبر حضارات الإنسان، بل أصبحت بأنشطتها جزءا عضويا من المنظومة الشاملة لأي مجتمع. فهي جزء متكامل من مجموع النظم الاجتماعية والسلوكية،  حيث إن العلاقة بين الرياضة وهذه النظم هي علاقة تنموية في المقام الأول.

و يمكن حصر دواعي اعتمادنا المعرفية في القطاع الرياضي في ثلاث نقط هي كالتالي:

*تنحصر الأولى في الفراغ الملموس على مستوى البحث العلمي الموضوعي القائم على مقاربة سيكولوجية قائمة على التيار المعرفي. فمن المؤكد أنه بعد القيام بعملية رصد لمجمل الدراسات والأعمال التي أنجزت في هذا الصدد، لم أقف إلا على تلك التي اهتمت بالبعد الفيزيولوجي للممارس، من حيث اللياقة البدنية وطرق اكتسابها ومن حيث التحكم الخططي وأساليب تنفيذها وكذا من حيث الكفاءة المهارية وإشكاليات صقلها وتطويرها.   كما وقفت على تلك التي اهتمت بالشأن الرياضي من حيث التسويق والاستشهار. هذه  الأعمال في مجملها، تغافلت الاهتمام بالبعد المعرفي للرياضي الممارس، الأمر الذي دفع بنا إلى تبني مقاربة تقوم على أسس اشتغال الذهن الإنساني أثناء أداء مهامه.  هذا الذهن الذي كان يعتبر حتى الأمس القريب  "علبة سوداء" ممنوعة من الصرف يتمنع الكشف عن مكوناتها وآليات اشتغالها.

*تنحصر الثانية في العمل على الرفع من كفاءات اللاعب وتحسين مستوى إنجازاته، وذلك من خلال مساعدته على التركيز على كيفية تمثل المهام وانتقاء الاستراتيجيات والإجراءات الملائمة للحل بعد التخطيط القائم على أساس التجسيد والتوقع، ثم القيام بعد ذلك بالتنفيذ. هذه المساعدة تتحدد في مدى وعي الممارس الرياضي بالآليات الفكرية والإجراءات الذهنية المسخرة .وهو ما فرض علينا الانتقال من الاهتمام بالمعارف إلى الاهتمام بالميتا-معارف Métacognition عن طريق إرساء قواعد للحوار البيداغوجي الرياضي بيننا وبين الممارس الرياضي منطلقين من القناعة التي تؤكد على" أن ما وراء المعرفة عنصر ضروري وحيوي في مواقف التعلم الناجحة"Pugalee.D 2001 p 101. يتضح أن علماء النفس لم يكتفوا بالتنويه على أهمية توظيف الإنسان لاستراتيجياته المعرفية بغية الفهم والمعرفة، بل نادوا أيضا بضرورة يقظته ووعيه لما يوظف من استراتيجيات والتحكم بها وتوجيهها الوجهة الصحيحة وعليه فالحوار البيداعوجي المذكور "يساهم في حل المشكلات والتعامل مع المواقف الحقيقية الأصيلة من خلال قيام الفرد بالتعرف على الاستراتيجيات المناسبة ذهنيا، والعمل بطريقة إستراتيجية"Davidson.Jet Strenberg.1998 فما وراء المعارف، أي التفكير في التفكير، يعتبر" منشأ فكريا يبين التبصر حول ماذا وكيف ولماذا ندرك"Gaing.M etYore.L . بمعنى آخر "معرفة الفرد بعملياته الإدراكية ونواتجهاFlavell.J 1976 . إن هذه الوقفة التأملية التي يقوم بها اللاعب ويتعود عليها عادة ما تساعد على التحصيل وعلى مراقبة سيرورته الذهنية أثناء اشتغالها وقيادتها صوب المردودية والإنتاجية من خلال إنجاز دقيق ومضبوط.

*أما النقطة الثالثة فتنحصر في كيفية تفسير الخطأ الرياضي. لقد لمسنا أن كل الشروحات والتفسيرات التي تؤخذ كمرجعيات للخطأ، غالبا ما يتفق فيها المختص وغير المختص.  فالرأي أو التعليق الذي يبديه التقني  (المدرب) أو الصحفي المختص، وما يبديه رجل الشارع العادي الهاوي رأي واحد، حيث اختلطت المفاهيم، وامتزجت المعرفة العامية بالمعرفة العلمية، فأصبحت معرفة غير موحدة، ذلك أن عالم الرياضة عالم مفتوح اقتحمه الجميع حيث تبسطت مفاهيمه فأصبحت في متناول أي كان، وهو ما انعكس على خطابته واستنتاجاته.  إن جل التعليلات الخاصة بالخطأ تبقى حبيسة ما هو مرئي قابل للملاحظة والقياس الاعتباطيين، مرتبطة بالعوامل البدنية عوض النفاذ إلى ما هو داخلي مرتبط بالعوامل الذهنية. إن الممارس الذي خبر الميدان، والذي يتمتع بمرومنة معرفيةFlexibilite Cognitive على مستوى المعالجة المعلوماتية.  يتميز بمايلي :

× يكون عنده نطاق ومجال الانتباه جد واسعplus diffus بحيث يتمكن من التقاط عدد كبير من المعلومات البادية في مجاله المرئي المكاني.

× يتمز بمرونة وسلاسة كبيرتين في التركيز خاصة عند تحويل الانتباه الذي يتمثل في ارتباطه بمعلومة غير صالحة،إلى المعلومة الامثل، حيث ينتج عن ذلك اقتصاد في الجهد والوقت، وكذا التمتع بفرصة السبق في مجموع العمليات الرياضية من تسجيل أوقذف أو مراوغة  أو تمريرة.

×يتميز كذلك بالتركيز المحكم للانتباه  Focalisation de L’attention بحكم ارتباطه الوثيق بالمهام الواجب القيام بها معرفيا وحركيا.

إن نظام المعالجة المعلوماتية البشرية، هو نظام محدود القدرات، وعليه لا يمكن معالجة عدد كبير من المعلومات، ونحن مستمرين في الوقت ذاته على دوام الانتباه. إن الفرد الإنساني وبشكل تلقائي يستوجب عليه تصفية وغربلة المعلومات الزائدة المشتتة للانتباه. اللاعب المتمرس يؤشر على كفاءات عالية أثناء المعالجة المعلوماتية التي يقوم بها، وذلك بفضل تغيير الانتباه بصورة سلسة، مع القدرة على التكيف وبسرعة مع مجرى الأحداث الدينامية ذات الإيقاع السريع والتغير البنيوي المفاجئ، هذا ونحن نعلم أن الممارس الرياضي لا يقف عند الحل المعرفي ولكن يتجاوزه إلى الأداء الحركي، فوظيفة الانتباه لديه تتدخل على المستوى الإدراكي وعلى المستوى الحركي. فاليقظة التي يتمتع بها والآلية التي تطبع أداءه الحركي دون ضبط أو مراقبة، كل هذا يفيده في التوقع وقراءة الأحداث قبل وقوعها ما يكسبه فرصة السبق في تناول العمليات وربحه الرهان، بخلاف اللاعب العادي المشدود الحركة والتفكير بفعل المراقبة والضبط، غالبا ما يكون عرضة لضياع الوقت، والإرهاق بفعل الجهد المبذول، والشعور بالتوتر والانفعال بفعل هدر الفرص.

"إن التدريب الرياضي القائم على ضوابط ديداكتيكية صارمة يساهم في التخفيف من وطأة الضغط أثناء القيام بالمعالجة من جهة، ومن التطبيع الحركي المنضبط من جهة أخرى، الشيء الذي يسمح بشكل ايجابي في تحرير كمية مهمة من موارد الانتباه التي يمكن استخدامها لتنفيذ مهام أخرى حين المعالجة "Shiffrin .R et Schneider. W, 1977, p250.

اعتمادنا على الجانب المعرفي كخلفية نظرية، قد استلزم منا الاهتمام بالوظيفة التنفيذية الذهنية للاعب باعتبارها حاسمة في الانجاز. فمجال علم النفس المعرفي الرياضي ومنذ عقود وهو يسترعي انتباه العديد من المهتمين والباحثين نظرا لما يقدمه من خدمة للرفع من مستوى الأداء وتطوير المهارات الذهنية وتحسين الانجاز والرفع من الإنتاجية والمردودية.

إن دراسة محتويات الذهن فرضت علينا استخدام مفاهيم معرفية والاطلاع على أخرى من قبيل الانتباه، والذاكرة والمعالجة المعلوماتية والوظائف الذهنية والصورة الذهنية من جهة تم محاولة الكشف عن طريقة اشتغالها من جهة اخرى.  فقائمة وترتيب هذه المكونات يشكل ما يسميه علماء النفس ب " الهندسة المعرفية"Architecture Cognitive وتشمل هذه الخصائص الوظيفية على كل المعطيات المتعلقة بالعملية التنفيذية المرتبطة بالسرعة والدقة والليونة الفكرية في تناول تنفيذ جميع العمليات على اختلافها، ما يستدعي من الممارس الرياضي التحلي بالقدرة على اتخاذ القرار المناسب والحل الحركي المضبوط عند تنفيذ الأداء الحركي بسرعة وفعالية عالية. إن إمكانية ممارسة الرقابة على العملية الذهنية تعتبر من الخصائص الوظيفية المعرفية التي تعتمد على "تنظيم المعلومة في الذاكرة"Organisation de L’information en Mémoire  . وفي هذا السياق

يتجلى دور النشاط المعرفي في القدرة على ايجاد الحلول الملائمة والمناسبة للوضعيات الرياضية وذلك باستعمال المنطق، التمثل، الانتباه، التخطيط، الكف، التوقع، التدبير، والاختيار، معالجة المعلومات العملية الاكثر تطورا في علم النفس المعرفي"   Famose.J.P 1993, p120

إن الأداء الرياضي هو خلاصة عمليات فكرية وبدنية، قيمته تحددها نجاعة الاشتغال الذهني، من حيث إدراك وفهم المواقف والوضعيات والاستدلال عليها والقيام بتقويمها، قبل التنفيذ، وكذا نجاعة الأداء الحركي على مستوى التنفيذ من حيث اللياقة البدنية والحس المهاري والمرهف والتحكم الخططي الذكي وكذا ظروف أخرى لا مجال لذكرها هنا. فانسجام  البعدين) الذهني والبدني( يضمن إنجازا فعالا  ومبدعا، وأن أي خلل أو فشل، لا يمكن إرجاعه إلا إلى البعدين الذهني والبدني: الذهني كهندسة معرفية وآليات فكرية (التمثل،التخطيط، الاستراتيجيات،التنفيذ، المراقبة، التعميم والآلية) ثم البدني بعوامله الأساسية (اللياقة البدنية وقوتها، الكفاءة المهارية وفنيتها، التحكم الخططي وفعاليته). ونظن أنه انطلاقا من ارتكازنا على هذين البعديين سنساهم في الكشف عن العناصر الأساسية التي ستمكننا من الوقوف على السبب أو الأسباب الكامنة وراء الخطأ.

وقدعرف Matveyev   الرياضة بأنها" نشاط ذو شكل خاص، جوهره المنافسة المنظمة من أجل قياس القدرات وضمان أقصى تحديد لها" Matveyev.L : 1981, p210.، وبذلك فإن ما يميز الرياضة هو قيامها على فكرة النشاط التنافسي الذي يقوم على قواعد دقيقة لتنظيم المنافسة بعدالة ونزاهة. إنها نشاط يعتمد بشكل أساسي على الطاقة البدنية وبشكل ثانوي على عناصر مثل الخطط والمهارات التقنية الفنية.

إن التركيز الكلي على التعليمات والتوجيهات وعلى مختلف الوضعيات كما أن اليقظة والمثابرة خلال طول زمن المباريات وكذا سرعة ردود الأفعال المشروطة بالدقة والإتقان... كلها عمليات ذهنية تعكس لنا الطبيعة المعقدة للاشتغال المعرفي للاعب أمام وضعيات حل المشكلات المختلفة في عالم الرياضات جماعية كانت أو فردية. فإذا كان  الأمر في حياة المدرسة يتطلب جهدا فكريا  لفك لغز مواقف ووضعيات حل المشكلات من خلال تمظهرات  لغوية شفهية أو كتابية، فان الأمر يختلف عنه خلالا لممارسة الرياضية الكروية، حيث إن وضعيات حل المشكلات تقتضي جهدا فكريا وآخر بدنيا لتجاوز الصعوبات والاكراهات التي تفرضها تلك الوضعيات.

إن المتتبع لطرق واستراتيجيات الرياضة الجماعية يدرك بأن الأوضاع لا تستقر على حال داخل رقعة الميدان، ذلك أن اللاعبين والكرة في حركة دينامية دائمة،  مما يتولد عنه وضعيات ومواقف هي نفسها في تغير مستمر ودائم.  فالحالة الحركية التي يتواجد عليها اللاعب مركبة معقدة لتداخل الذهني بالبدني في مواجهة حل المشكلات وتجاوزها تجاوزا محكوما بالدقة والإتقان. فتعاقب الوضعيات وتعددها يستلزم إيجاد حلول لها بشكل آني ومتتالي باعتبار الوضعيات) شلالا متدفقا من الحواجز والصعوبات يستوجب تعديلا فوريا وملائما لكل المبادرات والعمليات) .وما يزيد الأمر تعقيدا، هو أنه لايكفي إيجاد الحل الذهني لتجاوز المشكلة، بل إن تنفيذ المهمة يستدعي تدخل عوامل ثلاثة هي : اللياقة البدنية  (الجسمية) والكفاءة المهارية (التقنية) والتحكم الخططي (التكتيكية)، في ترجمة الحمولة المعرفية على أرض الواقع ، على شكل أداء حركي مثير و مبهر. غير أن هذا الأخير – أي الأداء – غالبا ما يضع الممارس في مواجهة صريحة لمجموعة من الإشكاليات والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

uتتلخص الأولى في مواجهة لاعب كرة القدم لوضعيات مشكلة أثناء تواجده على الملعب، وهي مواجهة تختلف إلى حد كبير عن تلك التي يقوم بها الفرد حينما يكون أمام مشكلة لغوية أو حسابية... فالوضعية في كرة القدم لا تستدعي تدخل الجانب المعرفي فقط، بل تستدعي أيضا تدخل ما هو بدني ومهاري وخططي، ناهيك عن الحالة النفسية للاعب أثناء أداء واجبه والقيام بمهامه داخل الملعب.

وبذلك يمكننا القول بأن الوضعية المشكلة التي يحاول اللاعب حلها وضعية مركبة يستخدم فيها جسمه ككل بحمولته المختلفة.

uتتعلق الوقفة الثانية بالمتغيرات المتدخلة في أداء اللاعب أثناء مواجهاته للمشكلات. فبجانب اللاعبين الذين ينتمون للفريق الخصم، هناك المدرب الذي يسجل ملاحظاته أو يتدخل مباشرة لتقديم توجيهاته للاعبيه، كما أن هناك حالة الملعب والحكم والمسيرين والجمهور. واعتقد أن هذا الأخير يمارس ضغطا كبيرا على اللاعب، فإن أصاب، أي نجح في حل ا لمشكلة، اعتبر لاعبا كبيرا ذو موهبة ومكانة عاليتين يتميز بحس فني راق، وإن أخطأ نهل عليه الجمهور بالملاحظات وأحيانا بوابل من السب والشتم... مما يؤثر مباشرة على نفسية اللاعب وعلى أدائه أثناء مواجهته للمشكلات المماثلة.

خاتمة

وفي الختام، يمكننا أن ندرك بأن  المتمدرس  واللاعب أيضا يواجهان مهام كثيرة تتطلب منهما الاعتماد على مجموعة من الوظائف التنفيذية التي لا يمكنها أن تشتغل إلا بتدخل الانتباه بأنواعه المختلفة والذاكرة سواء كانت عاملة او بعيدة الأمد. فحينما يكون التلميذ أمام مسألة رياضية فهو يقرأها من أجل التعرف على دلالتها وتعليماتها والأعداد الواردة فيها وذلك من أجل بناء تمثل لها. والحقيقة أن ذلك كله يتطلب تدخل الانتباه المستمر والانتقائي وكذا المرونة الذهنية والكبح والتخطيط والتدبير والمراقبة والاختيار. فالإنجاز يقوم على هذه المكونات كلها. وبالمثل فلاعب كرة القدم يعتمد على تلك المكونات سواء في استقباله... للكرة بالرجل أو الرأس أو قذفها أو المراوغة أو غير ذلك من الحركات الرياضة

 

الإشكالات الممكن طرحها مستقبلا ترمي في أفق مفهوم الانتباه على اختلاف أنواعه واختلاف الوضعيات المصادفة، وهي كالتالي :

                                                                      

ما دور التركيز والانتباه الانتقائي Attention sélectiveفي حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟

ما دور الانتباه الموزعAttention partagée في حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟

ما دور الانتباه المستمرAttention soutenue في حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟...

 فهذه كلها إشكاليات تحتاج للدراسة والتحليل المستفيض

 السؤالان اللذان يتوجب أن نطرحهما في نهاية هذا التقرير هما: هل الأساتذة وكذا المدربين على دراية بالميكانيزمات والوظائف التي أتينا على ذكرها؟ هل لهم القدرة على تشخيص أخطاء التلاميذ

وكذا اللاعبين،  لكي يرفعوا من أدائهم وفعالية إنجازاتهم؟

 

BIBLIOGRAPHIEالمـــــــــــــراجـــع

Alain, L., 1993, La mémoire du cerveau à l’école, Flammarion, France.

Alain, L., 2013, Le livre de la mémoire, Dunod, France.

Baddeley, A.D. 1986. Working memory.Oxford: Oxford University Press.

Baddeley, A.D., 1993, La mémoire humaine, Théorie et pratique

Baddeley, A.D., 2003, Working memory : Looking back and  looking forwad, Nature Reviewes Neuroscience.

Davidson. J et Strenberg. R, 1998, Smart problem solving : Ed. Métacognition.

Famose.J.P. 1993, la performance motrice Un essai de definition  ed cognition et performance ; Paris INSEP publication

Flavell .J : 1976, Les aspects cognitifs de résolution de problèmes ; In : L. Resnick (ed).

GASTON MIALARET, 1979, P U F, Vocabulaire de l’éducation.

Graing.M et Yore.L :1992, Middle Selwol student metacognitive knowledge. Ed : ERIC

Harouchi, A. La Pédagogie des Compétences, Editions Le Fennec.

Matveyev.L : 1981, Aspects fondamentaux de l’entrainement, Vigot édition, Paris.

MICHELE MAZEAU et ALAIN POUHET. 2014. Neuropsychologie et troubles des apprentissages chez l’enfant. Du développement typique au « Dyspraxie ». 2ème Edition. EL SEVIER MASSON

Nicolas, S., et Pascale, P., 2010, Anthologie de psychologie cognitive de la mémoire, Bruxelles, De Boeck.

PugaleeD., 2001, La métacognition et l’apprentissage des mathématiques.

Rossi, J.P., 2006, Psychologie de la mémoire, Bruxelles, De Boeck.Pascal

StephenK.R., 2006, Cognition : théories et applications, Tra. Teresa, B. et Pascal, C.T., Bruxelles, De Boeck.

Shiffrin .R et Schneider. W, 1977, controlled and automatic human information processing. Psychological review.

Tulving, E., Schacter, L.D., Challis, B.H., 1994, Qu’en est-il de la notion de systèmes mnésique ? Tra. Serge Nicolas et Pascale Piolino, dans Anthologie de psycholigie cognitive de la mémoire (2010), Bruxelles : de Boeck.

 

أوزي أحمد، 2006 : المعجم الموسوعي لعلوم التربية ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

بلحاج عبد الكريم، 2005، علم النفس بالمغرب بين المعرفة والممارسة، الطبعة الأولى ، دار أبي رقراق للطباعة والنشر.

بلحاج عبد الكريم، 2005 ، علم النفس المعرفي، قضايا النشأة والمفهوم، مجلة فكر ونقد، عدد68.

تعوينات، 2009 اظطرابات الانتباه وعلاجها

السيد علي، محمد بدر، 1999، اضطرابات الانتباه لدى الأطفال، أسبابه وتشخيص، القاهرة، مكتبة النهضة العربية.

فتحي مصطفى الزيات، 1998. "مدخل معرفي مقترح لتفسير صعوبات التعلم " القاهرة المؤتمر الدولي الخامس، مركز الارشاد النفسي.كلية التربية بجامعة عين شمس.

زغبوش، بنعيسى. 2013، نماذج البحث المعرفي ونمذجة العمليات المعرفية

رافع زغلول وآخرون ، 2003. علم النفس المعرفي، دار المشرق عمان ، الاردن.

 

Partager cet article
Repost0
26 décembre 2021 7 26 /12 /décembre /2021 21:29
أثر التجربة الصوفية في الشعر العربي

أثر التجربة الصوفية في الشعر العربي

دراسة محكمة

د.محمد زيدان،

أستاذ التعليم العالي مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس المغرب

د.عزالدين النملي،

أستاذ التعليم العالي مساعد، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس المغرب

 

    مفدمة: لقد كان بين الشعر والتصوف علاقة قديمة توجد تحققاتها النصية في أشعار الحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية والشريف الرضي وابن عربي وسواهم، قبل أن تتخذ في الشعر العربي الحديث طورًا آخر جديدًا من الصوغ والبناء في الممارسة والنظرية، كما عند شعراء مؤسسين من أمثال: عبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، ومحمد عفيفي مطر. وفي الشعر المعاصر، كثر الحديث عن التصوف في الشعر أو الشعر الصوفي؛ فالأول يُنظر إليه باعتباره مكونًا بنائيا يتجلى في العبارة الشعرية بإشاراتها وومضاتها الإشراقية، والثاني باعتباره تجربةً باطنية تتصل بجميع الرؤى والاتجاهات المنحازة إلى المطلق واكتشاف المجهول واللامرئي.

Introduction: Il y avait une relation ancienne entre la poésie et le soufisme dont les vérifications textuelles se trouvent dans la poésie d'al-Hallaj, Ibn al-Faridh, Rabia al-Adawiya, Sharif al-Radi, Ibn Arabi et d'autres, avant qu'elle ne prenne une autre nouvelle phase dans la poésie arabe moderne dans la formulation et la construction dans la pratique et la théorie, comme chez les poètes fondateurs tels que : Abd Al-Wahhab Al-Bayati, Salah Abdel-Sabour, Adonis et Muhammad Afifi Matar. Dans la poésie contemporaine, on a beaucoup parlé de soufisme dans la poésie ou la poésie soufie. Le premier est considéré comme une composante constructive qui se manifeste dans la phrase poétique avec ses signes et ses éclairs lumineux, et le second comme une expérience intérieure liée à toutes les visions et tendances orientées vers l'absolu et la découverte de l'inconnu et de l'invisible.

     1- معنى التصوف وعلاقته بالأدب الحديث
    ذهبت التأويلات في أصل الاشتقاق لكلمة (تصوّ ف) مذاهب شتّى، وظهرت العديد من الآراء التي أعادت التسمية إلى عدّة أصول، منها ما يوافق القواعد الصرفية، ومنها ما يخالفها، وقد رُشّحت، ألفاظ عديدة لتكون أصلا لكلمة (صوفي) منها: الصفاء، الصفوة، الصف، الصفّة
الصفا، الصوفة، بنو صوفة، أو كلمة سوفيا اليونانية، التي تعني الحكمة[1]
وقد اعتمد المفكرون والباحثون الصوفيون في اشتقاقاتهم لاسم الصوفية على مرتكز أساسي،
وهو مدى ارتباط هذا الاسم بفكرهم، ولو كان هذا الاشتقاق لا يتفق وقواعد الاشتقاق اللغوي في أكثر الألفاظ المرشحة، "ولكنهم اتفقوا على أن أقرب الاشتقاقات هي المشتقة من كلمة (صوف)؛ لأنها الأصح لغويا من جهة، والأكثر ارتباطا بمظهر الصوفية من جهة أخر.

    فالتصوف في الشعر يعني التصوف بمعناه العام، من حيث هو تجربة روحية، تخص جميع الديانات، وتحدد موقف البشر من الوجود والحياة، "وهو بهذه الصورة ظاهرة إنسانية عامة،  ليست محدودة بدين، أو حدود مادية زمانية أو مكانية، ومن ثم يمكن القول: بأن التجربة الصوفية قد تنشأ بعيدًا عن الدين"[2].
   لا يعني ذلك نفي وجود أثر التصوف الإسلامي الخاص في الشعر العربي الحديث، فللتصوف الإسلامي أثره حتى في شعر غير العرب، فهيجل-مثلا–يرى: " أن ظاهرة فقدان الشعور بالأنا، نابعة من التصوف الإسلامي. فهو يقول: إن الشاعر المسلم الصوفي إذ يسعى إلى استشفاف الله في الكائنات يتخلى عن أناه الخاصة، وهذا ما يعود عليه بالبهجة والسعادة الروحية، فهو يعزف عن  ذاته، ليستغرق في الأزل والمطلق"[3].  
   وعن أثر الصوفية في الأدب الحديث بصفة عامة يقول أحد الباحثين: "لا أحد ينكر أن
التيار الصوفي يشكل مكونا أساسيا من مكونات الفكر العربي المعاصر... وبخاصة أن النتاجات الصوفية المختلفة قد شكلت مادة ثرية خصبة لعديد النتاجات الأدبية الحديثة والمعاصرة...وقادت بالنتيجة إلى أن تصبح المكونات الصوفية جزءا مهما في لحمة النص الأدبي الحديث، وقد ترقى في بعض الأعمال إلى المكوّن الأساس الذي يتماهى معه المبدع، ويوظفه بكيفية ما"[4].      
  إذن فبين التصوف والأدب بعامة، والشعر بخاصة، وشائج قربى تتمثل في أن كلا منها يحيل
على العاطفة والوجدان والغموض؛ والشعور الكامل بالتحرر من كافة القيود التي تشعر الإنسان
بعبوديته، وحين يصل الصوفي إلى درجة الفناء، فهو كالشاعر في حالة الإلهام.

2- الشعر العربي والتصوف:

   مع انطلاق الشعر العربي المعاصر أو ما يُسمَّى بشعر التفعيلة منذ منتصف القرن العشرين، بدأ الشعراء يشغلون التراث في شعرهم على غرار تجربة (إليوت) في ديوانه «أرض اليباب»، حينما اتكأ على الموروث الأسطوري لنعي الحضارة الغربية وإعلان إفلاسها. واقتداءً بـ إليوت غدا الشعراء العرب المعاصرون يوظفون التراث الأسطوري والتاريخي واستخدام الأقنعة الدينية والفنية والأدبية والصوفية، وتشغيل الرموز المكانية والطبيعية واللغوية من أجل خلق قصيدة الرؤيا والانزياح التي تتجاوز طرائق الاجترار والامتصاص والاستنساخ في التعامل مع التراث إلى طريقة الحوار والتناص قصد خلق تعددية صوتية تحيل على المعرفة الخلفية للكاتب ومرجعياته الثقافية وسمو حسه الشعري، وجمعه بين المتعة والفائدة في شعره.

    وقلما نجد شاعرًا عربيًا معاصرًا يكتب شعر التفعيلة أو الشعر المنثور بدون أن يوظف التراث أو يشغل الكتابة الصوفية أو يستلهم الشخصيات الصوفية أو يستعمل تعابير المعرفة اللدنيّة أو يستحضر مقتبسات المتصوفة والوعّاظ أو ينحو منحاهم في التخييل والتجريد واستعمال الرموز و الاستعانة برشاقة الأسلوب وتلوين النصوص الشعرية بنفحات الدين والعرفان الباطني.    
هذا، وإن استعارة الشخصيات الصوفية مثلت ظاهرة واضحة في الشعر المعاصر، وقد اختار شعراؤنا المعاصرون شخصيات عديدة من أهل التصوف واجهوا بها قارئ قصائدهم، واتخذوا منها قناعًا يتحدثون به ومن ورائه عن مشاغلهم ومعاناتهم ومواقفهم. وليس ذلك فحسب، بل نجد الشاعر المعاصر أحيانًا يندمج في الشخصية الصوفية ويحل فيها حلولًا صوفيًا. ويتحد بأبعادها بفعل تشابه أحواله بأحوالها.   
   ومن الشعراء الذي وظفوا الخطاب الصوفي نذكر: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، ومحمد الفيتوري، وخليل حاوي، ومحمد عفيفي مطر، ومحمد محمد الشهاوي، «أحمد الطريبق أحمد، ومحمد السرغيني، وحسن الأمراني، ومحمد بنعمارة، وعبد الكريم الطبال، وأحمد بلحاج آية، وارهام، ومحمد علي الرباوي.. وآخرين[5]

  ويتضح لنا مما سبق، أن المتصوِّفة والشعراء على حدٍ سواء استعملوا الكتابة الشعرية للتعبير عن تجاربهم العرفانية، وأحوالهم الذوقية، ومجاهداتهم النفسية، ومقاماتهم الباطنية. والشعر "أول الفنون المؤهلة للتعبير الصوفي الملغز، حتى لكأن الشعر-أو هو كذلك-
معاناة صوفية، فكلاهما منذور لثنائية الظاهر والباطن... وكلاهما نابع من الوعي السحيق...وهو وعي متعال إلى الجميل والجليل، في رحلة فردية عامرة باللذات والنشوات، ومستغرقة بالكشف الذوقي المحض"[6].

3- الشعراء العرب والتصوف:

   استمد الشعراء العرب من التصوف قصائدهم، واستعاروا ذلك الجو الصوفي الشفاف، الذي يفيض بالصفاء، واستعاروا من المعجم الصوفي في حوار مع شخصياتهم الصوفية التي اختاروها؛ وليس غريبا أن يعبر الشاعر المعاصر في تجربته الشعرية من خلال أصوات صوفية؛ فالصلة بين التجربتين جد وثيقة، وقد أشار كثير من الشعراء والنقاد إلى هذه الصلة، يقول صلاح عبد الصبور: "التجربة الصوفية والتجربة الفنيّة، تنبعان من منبع واحد وتلتقيان عند غاية واحدة هي العودة بالكون الى صفاته وانسجامه "[7].

   4- خصائص البعد الصوفي في الشعر الحديث:

من بين هذه الخصائص نجد:

  1. الانسحاب من الحياة، ومعناه: إقصاء العقل بصورة متعمدة عن الأشياء التي يمكن أن تتجاوز حقائقها الظاهرة، والشعور الكامل بالتحرر من كافة القيود التي تشعر الإنسان بعبوديته، وهو يفعل ذلك لأنه يحس بانهزامه وتفاهته، وفكرة الانسحاب هذه نجدها عند شعرائنا المعاصرين.
  2. فقدان الشعور بالأنا: حيث ينسحب من الحياة، ويفقد الوعي والشعور الكامل بـــ(الأنا)، وقد تعمق الشاعر العربي المعاصر في البعد عن أناه، ويظهر ذلك كثير في شعر أدونيس، وخاصة في ديوانه (مفرد بصيغة الجمع)، وهو عنوان مقتبس من اصطلاح صوفي قديم.
  3.  التبصّر، رؤية الأشياء الكائنة في صورة مختلفة عن حقيقتها الظاهرة هو ما يسميه هدارة التبصر، فالإنسان الذي يخوض التجربة الصوفية يرى هذه الأشياء من داخل نفسه.
  4. الإحساس العنيف بالقلق والغربة، يبدو الشاعر المعاصر ذو النزعة الصوفية كالصوفي، في سعي دائم للوصول إلى الحقيقة التي ينشدها، وفي معاناة مستمرة من أجل الخالص من سجن المادة والزمن.
  5. الرفض: إن الإحساس بالضياع في هذا العالم الحقيقي من حيث ظاهره، حيث عم الفساد والقيم الزائفة، فقام الشعراء بالثورة على ذلك بطريقة فنية متسربلة بالرؤية الصوفية.
  6. الغموض، بسبب وسائل الصوفية الغامضة في إدراك الأشياء والتعبير عنها، وقد تسرب هذا الغموض إلى الشعر المعاصر، من حيث علاقته بالصوفية وما يتعلق بلغتها من رموز وايحاءات، و(أدونيس) في مقدمة الشعراء العرب المعاصرين ذوي الاتجاه الغامض، الذي تمتزج فيه السريالية بالصوفية امتزاجا قويا.[8]

  5- علاقة الشعر العربي بالتراث الصوفي

   إن التجربتين الصوفية والشعرية تلتقيان في كونهما تجربتين إنسانيتين لا يحدهما زمان أو مكان تسعيان كلاهما إلى الغوص في الذات والبحث عن الحقيقة وجوهر الأشياء بعيدا عن الماديات والدنيويات. فكلتاهما تنتقلان بالشخص المعني من الأليف المعتاد إلى الحقيقة الغامضة، وتمكنهما من الوعي العميق بجوهر الأشياء. فالتجربة الصوفية تكتمل بالتعبير الشعري والتعبير الشعري يكتمل بالتجربة الصوفية، بمعنى أن هنالك علاقة تكاملية بين التجربة الصوفية وترجمتها الشعرية.

  فكثير من الشعراء العرب إذن ظهر في أشعارهم المنحى الصوفي سواء باستخدام المعجم الصوفي، أو اللجوء إلى الترميز والعمق الدلالي أو الارتقاء إلى عالم المثل والروحانيات هروبا من عوالم مادية متلاطمة متصادمة تصيب المتأمل بالإحباط والانكسار.[9]

    إن الشاعر العربي يجد في الشخصية الصوفية معادلا موضوعيا لواقعه وآلامه، فتجربته تتسم بالمعاناة والغربة عن الوطن، والمطاردة، ومواجهة الموت بشجاعة، وخير مثال على ذلك: نجد شخصية الحلاج نموذجا للتضحية، ونبل المواقف وصلابتها، والصمود بعنفوان في وجه الموت والبلاهة، وذلك في قصيدة (مرثية الحلاج) لأدونيس، و(مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور(مسرحية شعرية)، وقصيدة(عذاب الحلاج) لعبد الوهاب البياتي.[10]

 6- الشعر الحديث والرمز الصوفي:

يسعى الشعر العربي الحديث إلى اتخاذ الرمز الصوفي إطارا فنيا يجلب المتعة الفنية، ويهدف إلى التعبير عن فكر يعجز الأسلوب المباشر عن تضمينه، ويعد الغموض والإبهام المرتبط به خاصية مميزة تفصح عن غنى الاحتمالات التي ترقد خلف الرموز، وتكشف عن كتابة شعرية تفلتت من قبضة العقل الذي يسعى إلى الوضوح الجامع المانع، وارتمت في أحضان التجربة الشعورية التي يعانيها الشاعر والتي تمنح الأشياء مغزى خاص غير ذلك الذي يوظف في لغة التخاطب العادي، لأنه (الرمز) وجود في ذاته وقيمته في وجوده ولا يشير إلى وجود آخر، فمن خصائصه أنه سيميوزيس ديناميكي ومتجدد مع كل عصر؛ إن توظيف الرمز الصوفي (المرآة والمرأة والصحو والسكر.....)، هو قناع لتمرير الشاعر لخطابه وموقفه، ووسيلة لمحاكاة نقائص العصر الحديث، أو القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية في الحياة المعاصرة.

      يقول البياتي على لسان الحلاج:

سقطت في العتمة والفراغ

تلطخت روحك بالأصباغ

شربت من آبارهم

أصابك الدوار

تلوثت يداك بالحبر والغبار

...........................

ما أوحش الليل إذا انطفأ المصباح

وأكلت خبز الجياع زمر الذئاب

وصائدو الذباب[11]

    فتوظيف رمز(الحلاج) هو تعبير من الشاعر عن رفضه للواقع العربي المرير، ودعوة للتبصر لما تحمله شخصية الحلاج من دلالات متوهجة وشحنات عاطفية ملتهبة، مشبعة بالتضحية من أجل الحقيقة، والوطن.... فيغدو الرمز الصوفي- المتمثل في الصمود(الحلاج)- مصباحا للنفوس المظلمة، ونبراسا لجيل الغد.

   إن استعارة" الشخصيات الصوفية مثلت ظاهرة واضحة في الشعر المعاصر، وقد اختار شعراؤنا المعاصرون شخصيات عديدة من أهل التصوف واجهوا بها قارئ قصائدهم، واتخذوا منها قناعا يتحدثون به ومن ورائه عن مشاغلهم ومعاناتهم ومواقفهم. وليس ذلك فحسب، بل نجد الشاعر المعاصر أحيانا يندمج في الشخصية الصوفية ويحل فيها حلولا صوفيا. ويتحد بأبعادها بفعل تشابه أحواله بأحوالها[12].

خاتمة

    إن الشعر الصوفي في العصر الحديث والمعاصر من نسج الشعراء المبدعين الذين صاغوا قصائد صوفية في إطار تجارب كلية أو جزئية أو في شكل استشهادات تناصية موحية أو في شكل مستنسخات تناصية. وقد استعار هؤلاء الشعراء مجموعة من الشخصيات الصوفية كشخصية النفري عند أدونيس، وشخصية السهروردي وفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي عند عبد الوهاب البياتي، وشخصية الحلاج عند صلاح عبد الصبور في قصيدته الدرامية" مأساة الحلاج"، وعبد الوهاب البياتي في قصيدة بعنوان" عذابات الحلاج"، وأدونيس في قصيدة تحت عنوان" مرثية الحلاج"، وشخصية إبراهيم بن أدهم عند الشاعر التونسي محيي الدين خريف، وشخصية رابعة العدوية عند نازك الملائكة في قصيدتها" الهجرة إلى الله".

   ويمتاز الشعر الصوفي المعاصر باستعمال التناص بكثرة فضلا عن الاستشهاد بالمستنسخات والمقتبسات والشذرات العرفانية. كما يوظف الشعراء المعاصرون في قصائدهم ودواوينهم الشعرية خطاب الانزياح الصوفي والرموز الإحالية، والعبارات الموحية الرشيقة. وهناك من الشعراء من سقط في خاصية الإبهام والغموض خاصة الشاعر الحداثي أدونيس الذي حول كتاباته الشعرية إلى طلاسم من الصعب تفكيكها وفهمها وتأويلها. وهناك من أحسن توظيف التناص الصوفي في سياقه الشعري الملائم إبداعيا، وهناك من وظف العبارات العرفانية والمفاهيم الصوفية دون أن يعيش التجربة أو يستكنهها بشكل جيد؛ مما أوقع نصوص الكثير منهم في التصنع الزائد والتمحل الشعري.

 

لائحة المصادر والمراجع

      المصادر:

  • عبد الوهاب البياتي، ديوان "الفقر والثورة"، دار الآداب بيروت، ط2، مايو 1969م.

المراجع العربية:

  • بنعمارة محمد، الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار

     البيضاء، ط 1، 2001م.

  -  علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، الشركة العامة للنشر

     والتوزيع، طرابلس ليبيا، ط1، 1987م.

  - صلاح عبد الصبور، حياتي في الشعر، دار العودة، (بيروت)، 1969.

  -  أبو العلا عفيفي، التصوف الثورة الروحية في الإسلام، دار المعارف، الطبعة الأولى 1963م.

  -  راشد عيسى، الخطاب الصوفي في الشعر المعاصر، وزارة الثقافة عمّان الأردن، 2006م.

  - محمد علي كندي، في لغة القصيدة الشعرية، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى،2010م.

  - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1،

    عدد4،1981م.

  المجلات العلمية:

  - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1، عدد4  

    ،1981م.

 

[1] - أبو العلا عفيفي، التصوف الثورة الروحية في الإسلام، دار المعارف، الطبعة الأولى 1963م، ص27وما بعدها

[2] - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1، عدد4،1981م، ص107.

[3] - المرجع نفسه، ص 114.

[4] - محمد علي كندي، في لغة القصيدة الشعرية، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى،2010م، ص43

[5] - بنعمارة محمد: الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار البيضاء، ط 1، 2001م، ص: 266.

[6] - راشد عيسى، الخطاب الصوفي في الشعر المعاصر، وزارة الثقافة عمّان الأردن، 2006م، ص 40.

[8] - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1 ،عدد4 ،1981م، ص 112 وما بعدها

[9] - استخدم الشعراء المعاصرون شخصيات صوفية، ولكنها قليلة إذا ما قورنت باستخدامهم لشخصيات التراث الأخرى، كالتراث التاريخي - مثال - ومن هذه الشخصيات: الحلاج، والنفري، وابن عربي، والسهروردي، والغزالي، وجلال الدين الرومي، والعطار، والجنيد، وبشر الحافي، وغير هم. واستخدموا رموز الصوفية ومصطلحاتها، مثل: السفر، السكر والرقص، والموت، والكشف، والتوحد، والمريد، والفقر... ومن ذلك استخدامهم لعبارات الصوفيين المشهورة، مثل: عبارة الحلاج: يا من أسكرني بحبه، وحيرني في ميادين قربه، وعبارة محيي الدين بن عربي: فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني.

[10]  - انظر للمزيد من المعلومات، علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، الشركة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس ليبيا، الطبعة الأولى 1987م

[11] - عبد الوهاب البياتي، ديوان "الفقر والثورة"، دار الآداب بيروت، الطبعة الثانية مايو 1969م، ص 10 وما بعدها.

[12] - محمد بنعمارة: الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار

      البيضاء، ط 1، 2001م، ص: 266

Partager cet article
Repost0
1 octobre 2020 4 01 /10 /octobre /2020 18:34
التغذية الراجعة من المفهوم إلى التشكل

التغذية الراجعة من المفهوم إلى التشكل

د.محمد زيدان

أستاذ التعليم العالي مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس المغرب

      مقدمة: يعتبر مفهوم التغذية الراجعة من المفاهيم التربوية الحديثة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين ، غير أنها لاقت اهتماما كبيرا من التربويين وعلماء النفس على حد سواء . وكان أول من وضع هذا المصطلح هو : " نوبرت واينر " عام 1948 م . وقد تركزت في بدايات الاهتمام بها في مجال معرفة النتائج ، وانصبت في جوهرها على التأكد فيما إذا تحققت الأهداف التربوية والسلوكية خلال عملية التعلم ، أم لا. ومما لا شك فيه أن التغذية الراجعة ومعرفة النتائج مفهومان يعبران عن ظاهرة واحدة .

Préface:

        Le concept de rétroaction est l'un des concepts éducatifs modernes apparus dans la seconde moitié du XXe siècle, mais il a reçu une grande attention de la part des éducateurs et des psychologues. Le premier à mettre ce terme était: "Nobert Weiner" en 1948 après JC. Au début, l'intérêt pour elle portait sur la connaissance des résultats, et portait essentiellement sur la vérification de l'atteinte ou non des objectifs éducatifs et comportementaux au cours du processus d'apprentissage. Il ne fait aucun doute que la rétroaction et la connaissance des résultats sont deux concepts qui expriment un même phénomène.

يتركب مفهوم التغذية الراجعة من كلمتين:

التغذية لغة:

جاء في لسان العرب: "غذا: الغذاء: ما يُتغذى به، وقيل: ما يكون به نَماء الجسم وقِوامه من الطعام والشراب واللبن (...) والتغذية أيضا: التربية"[1].

فالتغذية إذن كلمة تحيل على كل شيء منتفعٍ به مستفادٍ منه من طعام وشراب ونحوه، وقد ترد في سياقات أخرى غير سياق المطعم والمشرب، فقد جعلها ابن منظور مرادفا للتربية.

الراجعة لغة:

قال صاحب اللسان في مادة رجع: "رجع يرجع رجعا ورجوعا ورجعى ورجعانا ومرجعا ومرجعة: انصرف. وفي التنزيل: إن إلى ربك الرجعى، أي الرجوع والمرجع، مصدر على فعلى، وفيه: إلى الله مرجعكم جميعا، أي رحوعكم"[2].

وقال أيضا: "رجَّع الرجل وترجَّع: ردد صوته في قراءة أو أذان أو غناء أو زمْر أو غير ذلك مما يترنم به"[3].

فالمادة التي استقى منها وصف الراجعة يفيد – فيما يفيد – شيئين، أولهما العودة إلى الأصل، وثانيهما تكرار الفعل وإعادته بنحو مطرد ومستمر.

التغذية الراجعة اصطلاحا:

يورد الباحثون تعريفات عديدة للتغذية الراجعة منها:

"أداة تعليمية يمكن من خلالها تحقيق نتائج تربوية مرغوب فيها"[4].
"عملية تزويد المتعلم بمعلومات إضافية عن سير أدائه التعليمي"[5].
"إعلام المتعلم نتيجة تعلمه من خلال تزويده بمعلومات عن سير أدائه بشكل مستمر لمساعدته في تثبيت ذلك الأداء إذا كان يسير في الاتجاه الصحيح، أو تعديله إذا كان بحاجة إلى تعديل"[6].
يتبين من خلال التعريفات السابقة أن التغذية الراجعة استراتيجية ينهجها المدرس داخل الفصل الدراسي، وتقوم هذه الممارسة على إيلاء أجوبة المتعلمين عناية شديدة من خلال ما يقدمه المدرس من معلومات حول هذه الأجوبة رغبة منه في تصحيح مسار التعلم الخاطئ وتعزيز أداء المتعلم الصحيح.
1- أنواع التغذية الراجعة:
للتغذية الراجعة أشكال وأنواع وصور متعددة، فمنها ما يكون من النوع السهل الذي يتمثل في إعطاء جواب يتمثل في نعم أو لا، ومنها ما يكون بتقديم معلومات تصحيحية للاستجابات، ومنها ما يكون بإضافة معلومات ومهارات جديدة للاستجابات، وها هنا تصنيف لأنواع التغذية الراجعة وذلك على النحو الآتي:

تغذية راجعة حسب المصدر:

تنقسم التغذية الراجعة حسب مصدر المعلومات إلى تغذية راجعة داخلية وتغذية راجعة خارجية، حيث تشير التغذية الراجعة الداخلية إلى المعلومات التي يكتسبها المتعلم من خبراته وأفعاله على نحو مباشر. فمصدرها ذات المتعلم. أما التغذية الراجعة الخارجية فتشير إلى المعلومات التي يقوم بها المدرس، كإعلامه بالاستجابة الخطأ أو غير الضرورية التي يجب تجنيبها أو تعديلها وغالبا ما يتزود بها المتعلم في بداية التعلم.

التغذية الراجعة حسب زمن تقديمها:

تنقسم التغذية الراجعة حسب زمن تقديمها إلى تغذية راجعة فورية تقدم مباشرة بعد السلوك الملاحظ وتكون على شكل معلومات أو توجيهات أو إرشادات قصد تعزيز السلوك أو تطويره أو تصحيحه في مقابل، التغذية الراجعة المؤجلة التي تعطى للمتعلم بعد مرور فترة زمنية على إنجاز المهمة أو الأداء وقد تطول هذه الفترة أو تقصر حسب ظروف التعلم.

التغذية الراجعة حسب شكل معلوماتها:

يتخذ تقديم التغذية الراجعة أشكالا متنوعة فقد تكون على شكل معلومات لفظية، أو معلومات مكتوبة أو مهارات.

التغذية الراجعة حسب التزامن مع الاستجابة:

يمكن تقسيم التغذية الراجعة حسب التزامن مع الاستجابة إلى: التغذية الراجعة التلازمية وتكون فيها المعلومات التي يقدمها المدرس للمتعلم مقترنة بالعمل، في مقابل التغذية الراجعة النهائية وتقدم بعد اكتساب المهارة كليا.

التغذية الراجعة المعتمدة على المحاولات المتعددة": (صريحة، غير صريحة)

التغذية الراجعة الصريحة: هي التي يخبر فيها المدرس المتعلم بأن إجابته عن السؤال المطروح صحيحة، أو خاطئة سواء في المعارف أو المهارات، ثم يزوده بالجواب الصحيح في حالة الإجابة الخطأ، ويطلب منه أن يعدّل أخطائه مباشرة بعد رؤيته له.

أما في التغذية الراجعة غير الصريحة فيخبر المدرس المتعلم بأن إجابته على السؤال المطروح صحيحة أو خاطئة، ولكن قبل أن يزوده بالجواب الصحيح في حالة الإجابة الخاطئة، يعرض عليه السؤال مرة أخرى، ويطلب منه أن يفكر في الجواب الصحيح، ويتخيله في ذهنه، مع إعطائه مهلة محددة لذلك، وبعد انقضاء الوقت المحدد، يزوده بالجواب الصحيح، إن لم يتمكن من معرفته[9].

أما إذا استحضرنا التغذية الراجعة في بعدها الوظيفي يمكن تصنيفها إلى أربعة أشكال هي:

التغذية الراجعة الإعلامية: وهي التغذية الراجعة التي يتم بها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجاباته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) إذا كانت خاطئة.

التغذية الراجعة التصحيحية: وهي التغذية الراجعة التي يتم فيها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجاباته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) إذا كانت الإجابة خاطئة مع تصحيح الاستجابة الخاطئة.

التغذية الراجعة التفسيرية: وهي التغذية الراجعة التي يتم فيها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجابته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) أذا كانت خاطئة كما يشار إلى تصحيح الاستجابة الخاطئة وبيان سبب الإجابة الخاطئة.

التغذية الراجعة التعزيزية: وهي التغذية الراجعة التي يتم فيها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجابته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) إذا كانت خاطئة كما يشار إلى تصحيح الاستجابة الخاطئة وبيان سبب الإجابة الخاطئة وتزويد المتعلم بعبارات تعزيزية مثل: أحسنت، ممتاز[10].

2- مصادر التغذية الراجعة:

يقوم المدرس غالبا بدور تقديم التغذية الراجعة، فيقيم إجابة الطالب بالتعزيز الإيجابي في حال صوابها، أو التوجيه والإرشاد في حال عدم صحتها، لذا فإن مصدر التغذية الراجعة في هذه الحالة هو المدرس، وقد يكون شخصا آخر كأن يقوم المدرس بتوجيه السؤال لأحد الطلاب لإبداء رأيه في إجابة زميله، وهنا يتغير مصدر التغذية الراجعة إلى أحد الأقران. من هنا يمكننا القول إن مصادر التغذية الراجعة تنقسم إلى قسمين:

خاتمة

للتغذية الراجعة أهمية عظيمة في عملية التعلم ، ولا سيما في المواقف الصفية . إذ أنها ضرورية ومهمة في عمليات الرقابة والضبط والتحكم والتعديل التي ترافق وتعقب عمليات التفاعل والعلم الصفي . وأهميتها هذه تنبثق من توظيفها في تعديل السلوك وتطويره إلى الأفضل . إضافة إلى دورها المهم في استثارة دافعية التعلم ، من خلال مساعدة المعلم لتلميذه على اكتشاف الاستجابات الصحيحة فيثبتها ، وحذف الاستجابات الخاطئة أو إلغاؤها.

تعمل التغذية الراجعة على تحسين عملية التعلم ولذلك.

فعالية التغذية الراجعة لا تعتمد على شكلها، إنما تعتمد على مدى توافقها وتفاعلها مع الخصائص الشخصية للمتعلمين.
تأثير التغذية الراجعة يكون محدودا إذا كانت المعلومات المقدمة جديدة على المتعلم.
فعالية التغذية الراجعة تعتمد على ثلاث محاور رئيسة:
التوقيت.
طبيعة المعلومات المقدمة.
الانسجام مع الخصائص الشخصية للمتعلم.
وقد أفضت الدراسة إلى عدة نتائج تستحق التأمل، وهذه بعضها:

فعالية التغذية الراجعة في المدونات الإلكترونية.
التغذية الراجعة من المعلم أفضل من التغذية الراجعة المقدمة من الأقران.
يفضل المتعلمون التغذية الراجعة المقدمة من المعلم لثقتهم بتغذيته وصحة معلوماته التي يدلي بها.

المراجع والهوامش

[1] - أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، المجلد الخامس عشر، دار صادر، بيروت، ص 119.

[2] - أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، مرجع سابق، المجلد الثامن، ص 114.

[3] - المرجع السابق، ص 115.

[4] - د. مرزوق عبد المجيد أحمد مرزوق، مستوى أداء التعلم في ضوء استخدام التغذية الراجعة ووضوح الأهداف (دراسة تجريبية في التعلم الإنساني)، ص 32.

[5] - محمد مرشد المطيري، أثر اختلاف نمط التغذية الراجعة (تقويم المعلم / تقويم الأقران) في المدونات الإلكترونية على تنمية التحصيل الدراسي لدى طلاب الثانوية لمنهج الحاسب وتقنية المعلومات بمحافظة الدوادمي، مجلة العلوم التربوية والنفسية، العدد12، المجلد3، يونيو2019، ص173.

[6] - التغذية الراجعة، نشرة تنمية المراحل، العدد98، ماي2017.

[7] - محمد الصدوقي، المفيد في التربية، ص71.

[8] - الإطار المرجعي للجودة في منظومة التربية والتكوين والتعليم، ص 13.

[9] - التغذية الراجعة، تنمية المراحل، مجلة دورية تصدرها إدارة البرامج وتنمية المراحل، العدد98، ماي2017.

[10] - ميسر خليل الحباشنة، التغذية الراجعة وأثرها في التحصيل الدراسي، ص25.

 
 
Partager cet article
Repost0
30 novembre 2019 6 30 /11 /novembre /2019 21:44
اللغــة العـربيــة والهوية

 

اللغــة العـربيــة والهوية

محمد العلمي أستاذ بالمركز الجهوي  لمهن التربية والتكوين فرع مكناس.   المغرب

 

-عالمية اللغة العربية :

 اللغة العربية  لغة القرآن ،  لغة وجود ، ورمز هوية ، وعامل توحيد،  ولغة تخاطب عالمي. ولغة أي قوم هي عنوان أصالتهم ، ومرآة تقدمهم ، ولغتنا العربية هي فوق ذلك شعار ديننا إذ تنزل بها القرآن الكريم  مما أعطاها قوة وتميزا على مر العصور وحسبها محفوظة بحفظ الله حتى قيام الساعة لقوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )[1]

وقد تميزت هذه اللغة بثروة لغوية كبرى فضلا عما أضاف  إليها القرآن الكريم من آفاق لغوية واسعة ، والمطالع لمعاجمها وقواميسها يلمس ذلك الثراء المنقطع النظير .

وألفاظ اللغة هاجرت مع أهلها الذين تنقلوا في مختلف البقاع والبلدان واستطاعت العربية أن تهضم كثيرا من اللغات واللهجات حتى أصبحت لغة عالمية استوعبت معطيات الحضارة في عصور الإسلام الزاهرة ، والذين يشككون في مقدرتها وحيويتها نقول لهم ما قاله حافظ إبراهيم [2]:

وسعت كتاب الله لفظا وغاية         وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف      آله وتنسيق أسماء لمخترعات .

 وهذا يستلزم أن تكون العربية  لغة عالمية .والتراجع الذي حصل للغتنا في عصورنا الأخيرة ، نتج عن الانهزامية التي حلت بالأمة يوم دخل المستعمر كثيرا من بلدانها محاولا محوها وبالتالي محو هويتها .

واللغة العربية ، لغة الدين الطاهر ، والأدب الباهر ، وديوان الفضائل والمفاخر ...وهي لغة التنزيل ووعاء الفكر الإسلامي ، والشريان الذي يربط بين أواصر الأمة ، بل هي احد أسس الوحدة العربية ودعامتها ، والأداة الحية للأدب والثقافة العربية ، وعامل من أكبر العوامل على تجميع المسلمين ، وتوحيد صفوفهم ، وقيام الروابط القوية بينهم .

 فمثلاً سورة ( الفاتحة ) المؤلفة في القرآن من 31 كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنكليزية 70 كلمة .

      في عام 1897 خاطب وزير  المستعمرات البريطاني(غلادستون)[3]  في مجلس العموم البريطاني،  مخاطبا  النّواب بقوله : (  ما دام هذا الكتاب ــ ورفع القرآن في مجلس العموم ــ بيد المسلمين والعرب لن تقوم لنا بينهم قائمة. وأظهر أن سر قوة المسلمين هو القرآن الذي لا سبيل إلى تحريفه، وأن الطريق القصير إلى تحقيق هدف إبعاد المسلمين عن القرآن ـ هو الكيد للعربية التي هي لغة القرآن، وبالتالي يصبح القرآن سلاحا في يد مشلولة لا يقدر حامله على فعل أي شيء، وهذا أثر مكرهم يتجلى في مجتمعاتنا المسلمة التي تقرأ في الصلوات الخمس آيات وسورا لا تعرف لها معنى؛ لجهلهم باللغة العربية التي لا يستخدمونها في حياتهم اليومية، مع العلم أن الحق سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ("كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ[4]") .

  وفي حوار [5]مع الدكتور حسن الصميلي ذهب فيه إلى أن الفرنسية هي اللغة الأولى في المغرب؛ معقبا "والحمد لله أن العربية غير خاصة بالمغرب، وإلا ضاعت، وثانيا القرآن، وهما الضمانتان الحاميتان للغة العربية. في فرنسا مثلا إذا تحدث المسؤول في الحكومة بغير الفرنسية في مؤسسات الدولة يجبر على الاستقالة". 

ولا جرم أن اللغة العربية  لها مكانة بارزة بين اللغات ، فهي واحدة من أقدم اللغات العالمية ، ومن أعظم تلك اللغات أدبا ، وأعرقها ثقافة ، وأغزرها علما ، وأغناها تراثا ،فقد ظهرت شابة مكتملة دون أن تمر بمرحلة طفولة ، ولم تتعثر في سيرها على امتداد تاريخها ...وحسبك أن تعلم أنه قد أمكن حصر مئة ألف مادة من كلامها , وقد سجل الخليل بن احمد الفراهيدي في كتاب ( العين ) أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل ( 12304321 ) اثنا عشر مليونا من الأبنية وثلاث مئة ألف . وأن عدد الألفاظ العربية ( ستة ملايين وست مئة وتسعة وتسعون ألفا )  لايستعمل فيها سوى (5620) لفظا ، والباقي مهمل .

هذا ، وقد يرجع تاريخ أقدم نصوص مسجلة بهذه اللغة إلى نحو ستة عشر قرنا ، منها قرنان قبل الإسلام ، وأربعة عشر قرنا في الإسلام ...

 وقد ظل ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم قائما، وكان الهدف الأساس من دراسة اللغة العربية هو فهم الدين فهما كاملا ، والوقوف على معانيه باعتباره وسيلة إلى فهم الأحكام الشرعية ، وقد  أكسب هذا الارتباط تلك اللغة نوعا من القداسة التي للقرآن ، وأصبح الحفاظ عليها حفاظا على القرآن الكريم ـ والتفريط فيها تفريطا في القرآن الكريم .. وكان من نتيجة هذا الارتباط ظهور كثير من الدراسات النحوية واللغوية  المتعلقة بالقرآن الكريم منها :

       _ إعراب القرآن للنحاس ت 338 ه.

         -معاني القرآن للفراء 707 ه

  • معاني القرآن وإعرابه للزجاج 311ه
  • ووضع أبو الأسود الدؤلي أسس النحو العربي  .
  • وألف الثعالبي فقه اللغة .
  • وكتب الخليل بن أحمد ، أقدم تصنيف للأصوات اللغوية عند العرب في معجمه الشهير ( العين )
  • وألف ابن جني كتابه : سر صناعة الإعراب . [6]

وبهذا فهي ليست لغة العرب فقط ، ولكن لغة المسلمين ، وإذا كان العالم لم يعرف إسلاما بلا قرآن ، فإنه لم يعرف قرآنا بغير العربية ، باعتبارها المظهر اللغوي  لمعجزة القرآن الكريم .

والحق أن الإسلام كان من أهم عوامل حفظها وانتشارها ـ فعلى الرغم من أنها خرجت من الجزيرة ، واتجهت إلى فارس والهند والشام ومصر ، وعبرت البحار إلى افريقية فالأندلس ، فإنها استطاعت أن تحتفظ بفصاحتها ورونقها ووحدتها وكيانها  ، بالرغم من اختلاطها بلغات أخرى ..بل إنها استطاعت أن تزيح هذه اللغات واللهجات وأن تملي سيطرتها على هذه الأمم .[7]

 

واقع تعليم اللغة العربية في بعض  مؤسسات التعليم :

       تتعالى  بين الحين والآخر أصوات  هيئة التدريس  لمادة اللغة العربية في مختلف المستويات الدراسية ( ابتدائي ، إعدادي ، ثانوي ، جامعي ....) من الوضع المؤلم التي وصل إليها مستوى أبنائها ومتوجِّسة الخوف الشّديد من خطر هذا الضّعف الّذي يزداد مع الأيّام سوءًا، ويتفاقم بإهمال شأنه صعوبة وتعقيداً. وسادت الفوضى والعبث في قواعد الإملاء العربيّ في الكتب والصّحافة والرّسائل والتّقارير وفي كلّ مكتوب.

   ثم إن واقع اللغـة العربيـة فـي المؤسسـات التعليميـة بالمغـرب مأساوي، ولا يرضي أحدا، فالتلميذ لا يكاد يستوعب لغته في المدرسة؛ فضلا عن أن ينتج فيها ويبدع مـن خلالهـا، أما الطالب في الجامعة، فلا يستطيع مع الأسف أن يسترسل في حديثه، وفي تعبيره بلغة فصيحة سليمة دقائق قليلة، وهو واقع مؤلم، يستدعي وقفة جدية وحاسمة؛ من أجل بناء الـذوق المادي واللغوي للغة العربية في نفوس التلاميذ والطلاب.

إننا نقتل العربية قتلا في جامعاتنا بسياسة مدروسة، لقد أقصيت اللغة العربية من الجامعات كلغة علم، وحلت محلها لغة أجنبية، إنجليزية بالدرجة الأولى أو فرنسية.عندما لا يتوطن العلم في اللغة، ولا يتوطن الفكر في اللغة، فإننا عمليا نقتل اللغة.

إن اهتمام  المؤسسات التعليمية باللغة  العربية هو اهتمام بقضية الوجود نفسه وقضية الهوية أيضا، كما تعلمنا من فلاسفة كبار اهتموا بقضية الهوية حتى شاعت عبارات من بينها أن اللغة مسكن الوجود، لأننا في الحقيقة نفكر ونحيا من خلالها كمسلمين وعرب.

فمن الصعوبات التي يواجهها المتعلم (ة) في المدرسة العمومية والخصوصية تعدد اللغات والألسن، مما  يدفع التلميذ إلى الحيرة والتيه؛ إلى درجة أنه لا يستطيع الإمساك بخيوط أية لغة[8]

 ورغم أن اللجان التي أنيطت بها مسؤولية التهيىء للميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ لاحظت خلال زياراتها العديدة لمجموعة من الدول الرائدة في التعليم؛ للاطلاع على برامجها ومناهجها: ككندا، والتشيلي ، وفرنسا، ودول أخرى، تعتمد في مدرستها العمومية على اللغة الأصلية للبلد خلال سنوات التعليم الأولي على الأقل؛ قبل أن تنفتح بعد ذلك على لغات أساسية ورئيسية، تفيد التلميذ والطالب.[9]

          إن التركيز على اللغة العربية في مناهج التعليم أمر مهم، ودراسة مناهجها وطرق تدريسها وتأثير اللغات الأجنبية في تعليم اللغة العربية، كل ذلك ينبغي التركيز عليه مع توجيه المعلمين إلى الحرص على تقويم ألسنة طلابهم، وشرح دروسهم باللغة العربية، وعدم التحدث بالعامية.

 

وقد صدق شاعرنا في قصيدته الرائعة أقتطف منها هذا البيت  :

أنا البحر في أحشائه الدر كامن        فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فاقول فهل سأل الخط التحريري للجريدة وللإشهار عن رقيب وخبير  لغوي يقوم الاعوجاج " ؟ وهل يستقيم الظل والعود أعوج ؟

" فكل ما هو براق ليس ذهبا tout ce qui brille n est pas or "

ملأى السنابل تنحني تواضعا            والفارغات رؤوسهن شوامخ

_ وفي جريدة المساء عبارات  مكتوب فيها ما يلي : [13]

اكتشفوا  علاش الإبتسامة ( بهمزة القطع )مستمرة على وجوه 12 مليون من زبنائنا ؟

حيت تيستستافدوا من هدية بدون مقابل كل أربعاء على club .inui .ma 

زوروا club .inui .ma  عبر كيف بغيتي

 حتى تنوما التحقوا ب 12  مليون زبون باش تستمر الإبتسامة  . [14]

_ استعمال المقابل العربيّ لكلمات أجنبيّة متفشّية لا ضرورة لها، مثل:  مِرْسِي، وبونجور،وبنسوار، ومدام، … إلخ. وفي لغة الهاتف روشارج و " أوتوماتيك .( اللغة المتداولة بين الشبات والشباب ) 

" أليس هناك رقيب لغوي خاص باللوحات ؟

 

·  فالرجاء  التّقليل بقدر الإمكان من البرامج المذاعة باللّهجات العامّيّة المحلّيّة، وتشجيع البرامج المذاعة بالفصحى الميسّرة الّتي لا يستعصي فهمها على أحد.

 

 مثلا عند قولهم في   مشاهدة مباراة كرة القدم: " نتفرج في الماتش"  "،وقولهم في أمور العمل الصحفيّ: "ربورتاج" ولغة اجزم تسلم : وقولهم في شؤون السّفر:"باسبور" و"فيزا" و"ترانزيت"، وقولهم في شؤون التّسويق :" شريت طوموبيل أوكازيون" و قولهم للأطفال " سوبرمان "… وفي وسائل النقل : " راكب في  طوموبيل ،  راكب في  كار، جاي في كاميو ،  مسافر في   تران .  وقضيت ليلة في أوطيل كذا وكذا عوض فندق .ومشيت لافاك عوض الكلية أو الجامعة . وفاليدي  valider  عوض مستوفي[15] ....

وقولهم : الشنطة،وصحتها الحقيبة
 وقولهم: القشطة،وصحتها القِشْدة.
وقولهم:الراديو،وصحته:المذياع.
 وقولهم:التلفزيون،وصحته الرائي.
وقولهم:التليفون،وصحته:الهاتف.

وقولهم : الكوزينا عوض المطبخ

والصباط وسوق الصباط عوض الحذاء وجمعه أحذية  بالذال المعجمة
 وقولهم:كمبيوتر،وصحته:الحاسوب.وغير ذلك كثير..

إن لغة الضاد بالمغرب لا زالت تعيـش وضعـا مزريـا ومترديا؛ بسبب الهجمات المتتالية التي تستهدفها من الخارج، ولمـا تتعـرض لـه فـي الداخل من التيار "المفرنس" من جهة، ومن بعض التيارات  المتعصبة من جهة أخرى التي تعتبر اللغة العربية أجنبية على المغرب.

" فمثلاً تسمية الدراجة في العربية تشير إلى وظيفتها وعملها وحركتها. أما في الفرنسية فإن bicyclette (ذات الدولابين) تشير إلى أجزائها وتركيبها وحالتها الساكنة. ومثل ذلك السيارة التي تشير تسميتها إلى عملها بينما في الفرنسية كلمة automobile تعني المتحرك بنفسه.

_ ومن أشهر العبارات الدخيلة التي تكثر في كتاباتنا وكلامنا ما يعرف ب " الكاف  الدخيلة الاحتلالية " "كقول صحفيينا وباحثينا ، بل وبعض علمائنا " : هل تعمل كوزير للصناعة عل إنشاء مصانع  لتنمية التشغيل ..؟ أو أنا كأستاذ أهتم بتنمية الجانب الأخلاقي عند التلاميذ . وفي هذا الكاف الاحتلالية قال الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله : " أما تسميتها دخيلة فلا إشكال فيه : لأنها  لاتوجد في الإنشاء العربي الذي قبل هذا الزمان ، وأما تسميتها احتلالية فلأنها دخلت على في الإنشاء العربي مع دخول الاحتلال البلدان العربية ، فإن جهلة المترجمين تحيروا في ترجمة كلمة تجيء في هذه اللغات قبل الحال ، وهي في الإنجليزية((as  وفي الفرنسية (comme) وفي الألمانية (als) مثال ذلك : فلان مشهور ككاتب . وهذا الاستعمال  دخيل  لا تعرفه العرب ، ولا يستسيغه ذوق سليم ، وليس له في قواعد اللغة العربية موضع .[16]

ثم سار الهلالي رحمه الله تعالى يوضح الحالات الصحيحة التي يجئ عليها حرف الكاف في اللغة العربية بكلام طويل  نلخصه كالآتي :

تجيء الكاف في اللغة العربية لأربعة أمور:

  1.  التشبيه : كقول الشاعر  في ممدوحه :

كالبحر يقذف للقريب جواهرا             جودا ويبعث للبعيد سحائبا

كاشمس في كبد السماء وضوؤها          يغشي البلاد مشارقا ومغاربا[17]

 وقد تحقق في البيتين أركان التشبيه الأربعة ، والكاف هنا أداة تشبيه ، وبهذا تعلم أن الكاف الاحتلالية لايجوز ان تكون للتشبيه البتة ، لعدم وجود أركانه .

2 -  التعليل : ودليله قوله تعالى " ( واذكروه كما هداكم وإن كنتم  من قبل لمن المرسلين ) [18]أي : واذكروا الله لأنه هداكم .

"3- أن تكون زائدة : وذلك إذا دخلت على كلمة بمعناها ، كما في قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وه السميع البصير ) [19] . والحرف الزائدة في القرآن الكريم لها دلالة التوكيد وتقوية الكلام ، وليس المقصود أنها زائدة لا معنى لها ، فقد زيدت هنا لتوكيد النفي ( ليس ) ، ولو حذفت لكان الكلام تاما .

  1. أن تكون اسما بمعنى ( مثل ) ، كقول الشاعر :

أتنهون ولن ينهى ذوي شطط      كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل

فالشاعر ينكر عن أعدائه عدم انتهائهم عن ظلمهم وبغيهم بالاستفهام في بداية البيت ، ويؤكد على أنهم  لن ينتهوا إلا بأن يقاتلوا ويطعنوا بالسيوف والرماح حتى يذهب زيتهم، وهو كناية عن الهلاك التام ، فالكاف جاءت بمعنى  (مثل ) وهي فاعل مؤخر مؤخر تقديره : لن ينهى  ذوي شطط مثل طعن ....

 يقول الدكتور الهلالي رحمه الله في الأخير: فهذه معاني الكاف عند العرب ، وما سواها شاذ لم يجيء  في الكلام البليغ .

 وصواب مثل هذه الجمل _ والله أعلم _ هو : ( انا بصفتي أو بوصفي أو باعتباري أستاذا أحب لغتي العربية ) أو ( هو لكونه عالما متبحرا بحق له أن يفتي في النوازل ) وهلم جرا في كل عبارة من هذا القبيل .

وقد شاع في عصرنا الحاضر استعمال كلمة ( ساهم ) التي تعني ( اقترع ) في محل ( أسهم ) التي تعني ( شارك ) ، ولا يكاد يسلم من هذا  الخطأ إلا النزر اليسير من محبي لغة الضاد ، فتسمع على سبيل المثال : ( ساهم فلان في بناء مسجد ) والصواب ( أسهم )  لا ( ساهم ) . وامتد الخطأ إلى كل تصاريف هذا الفعل ، فتسمع ( ساهم ، يساهم ، مساهمة ) في مكان ( أسهم ، يسهم ، إسهام ) .

ونحن نقرأ في كتاب الله تعالى : ( وإن يونس لمن المرسلين ، إذ أبق إلى الفلك المشحون ، فساهم فكان من المدحضين ، فالتقمه الحوت وهو مليم ) [20]، أي فاقترع .

يقول الطاهر بن عاشور : وساهم : قارع ، وأصله مشتق من اسم السهم ، لأنهم كانوا يقترعون بالسهام ، وهي أعواد النبال ، وتسمى الأزلام ... وسنة الاقتراع في أسفار البحر كانت متبعة عند الأقدمين إذا ثقلت السفينة بوفرة الراكبين أو كثرة المتاع )  [21],

 ومن العبارات الشائعة غير الفصيحة قولنا : شكرتك ونصحتك ، يقول علي بن حمزة الكسائي : " وتقول : شكرت لك ، ونصحت لك ، ولا يقال شكرتك ونصحتك . وقد نصح فلان لفلان ، وشكر له ، هذا كلام العرب . قال الله تعالى : ( ان اشكر لي ولوالديك ) [22]وقوله تعالى : ( واشكروا لي ولا تكفرون[23] ) وقوله تعالى : ( ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم  ) [24]

وبعد ،

فإذا ما جئنا إلى علاقة المجتمع العربي باللغة من الناحية الثقافية، هالنا ما تسجله الإحصاءات من نسب الأمية المنتشرة في كل الأوطان العربية بلا استثناء، وهي نسب مخيفة تقضي على كل أمل في الإصلاح.

إن متوسط انتشار الأمية لا يقل عن 50 % من مجموع الشعوب العربية. رغم وجود مؤسسات تعليمية كثيرة، أساسية وجامعية، وهي كلها لا فاعلية لها، بل ربما كانت عبئاً على المستوى المعيشي العام، فمجموع الدخل العام ينفق على هذه المؤسسات التي تحمل رسالة التعليم، وهي عاجزة عن حملها.

فماذا تفعل العربية وهي محاصرة من كل اتجاه ؟

1 .    محاصرة بطردها من المؤسسات العلمية !

2 .    محاصرة بتأخير دورها في استقبال الصغار !

3 .    محاصرة بعجزها عن المنافسة الحضارية !

4 .    محاصرة بما يحوطها من اللهجات واللغات !

5 .    محاصرة بدور المؤسسات الوطنية في عزلها وهزيمتها !

 

 


 
Partager cet article
Repost0
24 avril 2012 2 24 /04 /avril /2012 17:42
دراسة في وعي الثقافة الأمازيغية بقلم د. عبد النور ادريس

دراسة في وعي الثقافة الأمازيغية+

بقلم د. عبد النور ادريس

■ أكد تلاقح الحضارات منذ الأزل أن الأبعاد الثقافية وإن لم تنصهر بحكم احتكاكها وتقاربها في قالب واحد. فإنها بالتالي لا تتعارض بل يكمل بعضها البعض وهذا ما جعل أيادي سكان المغرب "البربر" مفتوحة لاحتضان الحضارة الإسلامية قبل وبعد وصول المولى إدريس الأول للمغرب رغم أنه لم يتول سلطة البلاد لقرابته من نسب النبي صلى الله عليه وسلم بل لمكانته العلمية التي حظي بها، مكانة علمية أهلته لسلطانهم كما وقع لمهدي الموحدين إذ يقول ابن خلدون في هذا الإطار: «... ولا نجعل من هذا الباب إلحاق مهدي الموحدين بنسب العلوية فإن المهدي لم يكن من منبت الرئاسة في هرتمة قومه وإنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم والدين ودخول قبائل المصامدة في دعوته وكان مع ذلك من أهل المنابت المتوسطة فيهم»1.

فإدريس الأول إذن لم يأت غازيا ولا محاربا بدليل أن القبائل المتواجدة بالمغرب آنذاك كانت في قمة قوتها وأوج عصبيتها يقول ابن خلدون عن هذه الوضعية في مقدمته ص 133 الطبعة الأولى 1978 مؤكدا أن قوتهم هاته لم تكن مدعومة من قبل عصبية دينية وأنهم غير محتاجين لنسب ما حتى ينالوا الملك يقول: «... وهم غير محتاجين لذلك فإن منالهم للملك والعزة إنما كان بعصبيتهم ولم يكن بادعاء علوية ولا عباسية ولا شيء من الأنساب... ولقد بلغني عن يغمراسن بن زيان مؤتل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره وقال بلغته الزناتية ما معناه أما الدنيا والملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النسب وأما نفعهما في الآخرة لمردود إلى الله وأعرض عن التقرب إليهما بذلك»2 فكل شيء يؤكد على أن الأمازيغيين كانت لديهم حضارة متميزة وقفت صامدة في وجه الحضارات المترادفة على المنطقة، هذه الحضارة التي أطلق عليها المؤرخون الحضارة "الليبيكية" تملك من قوة السلاح والسلطان ما حافظت به على استقرارها السياسي دون إغفال ما يترتب عن هذا الاستقرار من ترك الفرصة للثقافة المميزة أن تظهر وتتجدر، يقول «فرجليوس» - القرن الأول قبل الميلاد – في ملحمته الشعرية "الاليادة" التي أشار فيها إلى بعض المدن الليبية: «أن الليبيين من جنس لا يقهر في الحروب والمعارك» - نسبة للحضارة الليبيكية بشمال افريقيا – كما أن وصف "ز.روجيي" لسكان الأطلس يوحي بنبوغ هذا الشعب الذي لا يتصف بأوصاف الشعوب المنحطة المتوحشة يقول: «... قد كان الأهالي يعتقدون أنه يوصل إلى السماء، وقد كان هؤلاء الأهالي يستمدون اسمهم من هذا الجبل إذ أطلق عليهم فعلا اسم "الأطلسيين" وقد قيل أنهم لا يتغذون على الكائنات الحيوانية وليست لديهم أوهام». هذه القولة تحيلنا للقول بأن أهالي شمال افريقيا – أهالي الأطلس – قد اكتشفوا الدورة الزراعية التي تفرض استقرارا حياتيا يقول كلمته بالنسبة للاستقرار الحضاري.

كما أن تسمية "بربر" بالنسبة لمعناها في قاموس الحضارات السابقة لم تكن قدحية تعني التخلف والتوحش كما نعتت به من طرف الاستعمار الكولونيالي بل إن كلمة "بربر" أطلقتها الحضارة الإغريقية للإشارة إلى سكان شمال افريقيا وذلك للدلالة على غير المنتمين لحضارتها وهي تؤكد بذلك وجود الفوارق اللغوية والثقافية والتنظيم السياسي وهذا يدل على أن ساكنة شمال افريقيا كانت متميزة بلغتها الخاصة وبتنظيمها السياسي وبثقافتها.

كما أن الحضارة الرومانية أطلقت اسم "بربر" على كل الشعوب وخاصة التي رفضت الاحتلال الروماني واستعصت عليه وحاربته وعلى الخصوص سكان الأراضي الإفريقية.

كل هذه الطروحات التاريخية تشخص بعمق أزمة الثقافة الأمازيغية المطروحة حاليا – وبشكل فلكلوري – على الواجهة إذ أصبح الوتر شديد التوتر، فبعد التهميش المفتعل للبادية المغربية نجد أن اللغة الأمازيغية وقفت صامدة أمام الهزات التاريخية منذ القدم كما أمام الحضارات والثقافات الكبرى التي توالت على حوض البحر الأبيض المتوسط، وسوف لا نذكر فضل تمازجها بهذه الحضارات والتفاعل معها والتأثر بها منذ أن تربى بوغرطة في أحضان الحضارة الرومانية ونهل من ثقافتها متأثرا بها ومؤثرا فيها وهذا ما تؤكده رسالة إلى هيسيبيا من شيبون الإيميلي (185-189 ق.م) قنصل روماني كان مسؤولا عن هدم قرطاجة سنة 146 ق.م يقول فيها «إن ملك يوغرطة قد أبان البرهان على شجاعة فائقة في حرب نومنسا وأنا متأكد من أن هذا سيدخل عليك السرور، أن لك رجلا ينبغي أن تفخر به وأن تفخر بجده ماسينيسا3.

فالثقافة الأمازيغية إذ تعلى حضورها المتجدر بالثقافة المغربية ككل. تؤكد على تفردها، هذه السمة التي تشكل الفن الأمازيغي كتعبير دينامي متحرك لواقع تطور وواكب الحياة المغربية منذ عصور واكتوى بنار التغيير وتفوق على سلطة الزمن.

إن اللغة الأمازيغية هي حقا ما تحفظ به تلك الزمرة الاجتماعية "إمازيغن" سلوكها وتقاليدها على المدى الطويل، حقيقة أن الثقافة الأمازيغية لها خصوصيات ساعدتها على البقاء صامدة في وجه التاريخ حتى أن قوة حضورها خلقت بواعث عدة لدراستها، غير أن دورها في بناء الحضارة المغربية الحديثة لازال مهمشا ويمكن إرجاع هذا الابعاد إلى أن المساهمة التي بذلتها في الجسم الثقافي المغربي لم ترق إلى حدود التدوين – دون إغفال المجهودات الأخيرة في هذا الميدان – فعائق الشفاهية هذا هو الذي جعل الكثير من الباحثين في الثقافة الأمازيغية يقف مشلولا لا لندرة وقلة النصوص كمراجع بل لضرورة أخذ هذه النصوص في منابعها الأصيلة "الرواة" فيصبح البحث ميدانيا وتلتحق هذه الدراسات والقراءات بالدراسات التنقيبية الأنتروبولوجية، مما يشكل الحاجز الأول للخروج من هذه الأزمة الثقافية.

إلا أن بعض الجهات الثقافية بالمغرب تعمل جادة على إحياء وتدوين الشعر الأمازيغي وتقريب البحث على الدارسين باعتبار أن الشاعر في عرف الحضارات منذ "هوميروس" هو لسان حال القبيلة وصانع مجدها التليذ وسنقول مع "هيكل" أن الشاعر لا يملك غير الكلمات لكنه يملك أن يغير العالم بهذه الكلمات، فسيطرة الواقع على الشعر الأمازيغي تنشحن بها القصيدة الأمازيغية "تمدياست" فالشعر كان وما يزال ديوان الثقافة الأمازيغية.

بذلك اقترح بعض الخطوات التي لابد منها للنهوض بالثقافة الأمازيغية على الوجه الصحيح وهي:

أ- جمع وتصنيف النصوص الأدبية الأمازيغية من: شعر، حكايات، ومطارحات شعرية الأمثال، الأحاجي، الأسطورة والخرافة... الخ.

ب- فك وإخراج الثقافة الأمازيغية: العادات والتقاليد، النقوش، الآثار.. من وجهة النظر المتحفية والفولكلورية التي تنعت بها.

ج- فلك سراح الدراسات والبحوث التي تملأ رفوف الجامعات والمعاهد وتبني طبعها ونشرها من قبل الجهات المسؤولة.

فبالإضافة إلى مشكل التراكم النصي الذي يعرقل البحث في هذا الميدان هناك مشكل آخر مطروح بإلحاح في وعي المثقف الأمازيغي.

هو إشكالية الشكل اللغوي من حيث الرسم التي سيعيد بها كتابة هذا الناتج الشعري وتلك الأدبيات هل سيعود إلى محبرة "تيفيناغ" أم الحرف اللاتيني أو الحرف العربي؟.

سأناقش على التوالي بموضوعة كبيرة هذه الإشكالية ولو أن خوض غمار هذا الموضوع يجرف البحث نحو فواصل بعيدة عن البحث العلمي خاصة إذا مورس تحويل النتائج العلمية لتهييج فئة الانتماء الثقافي.

أولا تيفينـاغ:

«على غرار الفنيقيين اخترعت الشعوب الليبيكية بالمغرب الكبير عددا من الرموز الهجائية لكتابة لغتهم الأم، إلا أن ذلك تم في تاريخ لم يتم بعد تحديده وهذه الكتابة تميل إلى الحروف الصوامت وتدعي بالليبيكية ولا تتعدى الأربعة والعشرين رمزا ويمكن قراءتها عموديا من أعلى إلى أسفل كما أنها تقرأ أفقيا من اليمين إلى الشمال وهي أصل الكتابة الحالية للغة الطوارق المسماة تيفيناغ TIFINAGH  4، من هنا يتبين لنا أن تواجد هذه اللغة يدل عليه رسم الحروف بالإضافة إلى الصوت ويرتبط إحياء الثقافة الأمازيغية بمدى القدرة على رسم هذه الثقافة بالحرف المخلوق لها "تيفيناغ" فسوف لا يكون هناك استغراب إذا اقترحنا أن يواكب هذا الحماس حماسا آخر من نوع التضحية في هذا السبيل من طرف الغيورين على الثقافة الأمازيغية لفتح مدارس حرة لتعليم اللغة الأمازيغية بالمغرب، بذلك سيكون لتيفيناغ قوة تضفي على الشعر الجمال وبلاغة الرسم حتى يتسنى لدراسي الحضارات وضع النصوص في إطارها التاريخي، إذ أن أي باحث موضوعي لا يفكر في معالجته موضوع ما منفصلا عن الشكل المكتوب به يقول "جان فريفيل" في هذا الشأن "الجميل هو التظاهر المحسوس للفكرة التي تشع عبر الشكل5.

وقد أثبت البحث التاريخي أن ظهور "تيفيناغ" ينطلق من فجر التاريخ حتى أواخر القرن القرن التاسع عشر مع التوارك.

ثانيا: الحرف اللاتيني

أما بالنسبة للحرف اللاتيني فإنك تشم رائحة الكولونيالية تضع حدا لطموح كتابة الأدب الأمازيغي باللاتينية، فالتوجه الاستعماري انتهك حرمة الثقافة الأمازيعية وسلبها مقوماتها على الحضور بشكل مشرف، وخاصة عندما جعل من بعض الجوانب المشرقة من هذه الثقافة "فلكلورا" وهو مصطلح قدحي لا يرقى إلى المصطلحات العلمية التي ينبغي أن ينعت بها هذا اللون الشعبي، فوجهة النظر الاستشراقية تنظر للثقافة الأمازيغية كشكل من أشكال الكينونة السياحية لا الحضارية، وبذلك فلا نستغرب من سيادة موقف الاحتواء والتغريب الذي يفرضه الاتجاه القائل بكتابة الناتج الثقافي الأمازيغي بالحرف اللاتيني.

ثالثا: الحرف العربي

أن وجود لغة ما مقرون بشدة العصبية، وما يزكي ذلك أن قوة "البربر" جعلت حمايتهم للغتهم "تيفيناغ" تفرض احترامها على اللغات المتساكنة معها وخاصة اللغة العربية، فالخط العربي عند نقله للغة الأمازيغية كان مهتما بمخارج حروفها وبنسقها اللساني الشيء الذي يدل على أن اهتمام العربية باللغة الأمازيغية لم يقف عند حدود التدوين بل أكثر فقد تعداه إلى البحث فيها والعناية الدقيقة بمخارج الحروف، فحرف الكاف، مثلا له أربعة أشكال بالعربية توازي حروف تيفيناغ مما يدل على غنى اللغة الأمازيغية وقدرتها التعبيرية التوليدية.

يقول ابن خلدون ص 34 مثبتا لهذا التنوع اللغوي في مقدمته شاهدا على عظمة اللغة الأمازيغية وكثرة مخارج الحروف فيها يقول:

- كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقطها الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجيئ في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا كذلك فنكون قد دللنا عليه، ولو وضعناه برسم الحرف الواحد على جانبه لكنا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا وغيرنا لغة القوم6.

إن وراء كل تحمس للكتابة بإحدى هذه الحلول الثلاثة ايديولوجية معينة ومعيقات عدة ولكن سنسجل مع كولن ولسن أن "الأدب الذي لا يتصل بتقاليده لا يستطيع أن يحقق أي تقدم هام7.

إلا أن اللحظة التاريخية الراهنة تضع الثقافة الأمازيغية أمام رهان تاريخي كن أو لا تكون، فالمهم هو تجاوز هذا الطرح اللساني والخروج بكل موضوعية من درجة الصفر هاته حتى يتقدم البحث العلمي إلى الأمام.

الهوامش

+- نشرت بجريدة التكتل الوطني و بجريدة  بيان اليوم، عدد 767 بتاريخ 28-07-1993.

1- مقدمة ابن خلدون – الطبعة الأولى – دار القلم بيروت – لبنان، سنة 1987 ، ص :133.

2-  نفس المرجع السابق ص 133.

3- عن مذكرات من التراث المغربي، المجلد الأول ص: 176 ،سنة 1984 Nord Organisation

4- مذكرات من التراث المغربي، نعيمة الخطيب بوجيبار، المجلد الأول، ص: 137

5- جورج بينيخانوف: الفن والتصور المادي للتاريخ، تأليف جان لريفيل، ترجمة جورج طرابيشي، الصفحة: 177-178.

6- مقدمة ابن خلدون، نفس المرجع، ص: 34

7- المعقول واللامعقول في الأدب الحديث، تأليف كولن ولسن – ترجمة أنيس زكي حسن – دار الآداب بيروت، الصفحة: 19.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.عبد النور ادريس

Abdennour.driss@gmai.com

 

 

 

Partager cet article
Repost0
25 décembre 2011 7 25 /12 /décembre /2011 21:48

أُفق التجريب القصصي في المغرب:

نزق اللغة عند القاص أنيس   الرافعي

بقلم د. عبد النور ادريس

                  

   

أُفق التجريب القصصي في المغرب:

 نزق اللغة عند القاص أنيس الرافعي

بقلم د. عبد النور ادريس

 

■ تعتبر القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، شكلان من الأشكال الأدبية التي تثير الانتباه من حيث الثراء الكيفي والتنوع على المستوى الكمي، وبفضل انخراطهما المستمر في التجريب وعكسهما للحالة النفسية لكُتابها، وخلقهما لمستويات عالية على صعيد الرؤية والتقنية، حتى باتا من أكثر الأنواع الأدبية التي تستقطب اهتمام المبدعين والمتلقين على حد سواء، فكون القصة القصيرة المغربية في طور التجريب يعني أنها ما تزال في طور التأسيس.

إن القصة القصيرة تتميز على الرواية بما يخلقه التكثيف والترميز من إشباعات دلالية لدى المتلقي، وهي تشاكس المعاني عبر فضاءات سردية متعددة كالأمكنة والأزمنة والأحداث والأشخاص، وما تنطوي عليه من أبعاد درامية مشحونة بالتوتر والقلق. ولم تحز القصة القصيرة هذه المكانة إلا عندما اقترن حكيها بالوعي الحاد الذي ينخرط فيه الإنسان احتجاجا على واقع سريع التغير، تخترقه أزمات حادة في شكله ومضمونه، كما يعود الاهتمام بها لما تتميز به من إيقاع يتماشى وسرعة الإيقاع في الحياة العادية والذي نعتبره من أكثر الإيقاعات انسجاما مع طبيعة العصر السريعة، وتمثيل شخصياتها للواقع المعيش كما المتخيل، فالشخصيات الإنسانية عليها أن تتحرك على صفحات القصة سواء استمد القاص موضوعه من التجارب الحياتية المعيشة، أو تعدى نطاق العادي إلى عوالم المتخيل.

وقد اشتهر من القصاصين العرب على سبيل المثال كل من يوسف الشاروني، يوسف إدريس، يحيى حقي، زكريا تامر، إبراهيم عبد المجيد، جمال الغيطاني، يوسف القعيد ونجيب محفوظ، وغيرهم. ومن القصاصين المغاربة وحسب مرجعياتهم في الكتابة القصصية هناك:

1- كتابة الهامش، ومن مبدعي هذه المرجعية، محمد زفزاف في مجموعته \' بيوت واطئة\' و إدريس الخوري في مجموعته\' ظلال\'(  [1]   ) وابراهيم بوعلو في مجموعته \'السقف\'، ومحمد شكري في مجموعتيه \' مجنون الورد\' و\'الخيمة\' ...

2-كتابة الذات الاجتماعية التي احتلت فيها المرأة الكاتبة دورا مهما من حيث سيطرة نزعة التمرد والحنين والمناجاة والبوح، نظرا لمحاولتها الاندماج النهائي في المجتمع والبحث عن مكان في الوجود. ومن قصص هذه المرجعية نذكر القاصة خناتة بنونة في نصّيها السرديين \'ليسقط الصمت\' و\'النار والاختيار\'. وأحمد المديني في مجموعته \'المظاهرة\'، ومحمد عز الدين التازي في مجموعته\'أوصال الشجر المقطوعة\'...

3- كتابة الذات والإحساس بالكتابة كأزمة، وتمتح هذه المرجعية من العوالم التي تنتمي للذات والعاطفة والبوح، وهي تغترف من الذاكرة والوعي الثقافيين، وتنحو نحو تقديم الكتابة القصصية كصنعة من أجل تكسير نمطية القص، ونذكر من بين قصاصي هذه المرجعية، محمد الغرناط في مجموعته القصصية \' الصابة والجراد\'،وحسن برما في مجموعته\'ضمير الخائب\')  [2]   (...

4- تبئير الواقع وكتابة الوعي الثقافي: هذه الكتابة تهدف إلى تبئير اليومي، وهي تُشعرنا بحضور الواقع المتعفن، وترصده وهو في نزعه الأخير يحتضر بفعل هشاشة مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن كتاب هذه المرجعية، محمد برادة في مجموعته \'سلخ الجلد\'، وأحمد بوزفور في مجموعته \' النظر في الوجه العزيز\'، الذي ضمنها القاص كتابة تسعى إلى خلق أنساق فنية تفوق انخراط كتابته في حل المشاكل الاجتماعية. فبدلا من  أن توظف هذه المرجعية السردية الكتابة من أجل تغيير الواقع، حاولت أن تجعل الواقع منخرطا في عملية تغيير الكتابة.

5- الكتابة المُغايرة:– ولتمثيل ذلك على سبيل المثال لا الحصر- نجد أنها كتابة مُجدِّدة تستند على نزق اللغة، (علبة الباندورا لأنيس الرافعي) وشعرية الحكي،(ورثة الإنتظار لعبدالنور ادريس) والكتابة بالتيمة بدل النص المفرد، ( في انتظار الصباح لمحمد سعيد الريحاني)، والكتابة القصصية ذات الرؤية الروائية، (الليل العاري لعبد الرحيم العطري) وكتـابة الحالة الاجتماعية للنساء، (أنين الماء للزهرة رميج).

إن هذه الكتابة تلتحق بالمـرجعية المنفتحة على اللغة والمعنى، وهي مرجعية منفتحة أساسا على التجريب وتفترض إمكانية انصهار الأنواع والأجناس لتوليد نوع جديد.

ففي هذه المرجعية عبّر الجيل الجديد من القصاصين والقصاصات المغاربة، عن توجه نحو التجريب وكتابة القصة من الداخل، متجاوزين بذلك ماضي القصة القصيرة، راسمين بذلك خصوصياتها الفنية والجمالية المتشظية والمتفجِّرة على مستوى المعنى والمبنى، وأثبت تجارب هذه المرجعية أن القصة القصيرة المغربية فن، من خلال اهتمامها الواضح بالأداء الفني للقصة القصيرة، فجعلت من اللغة ورشة نشيطة لصقل اللغة، والحفر في مكوناتها الدلالية انطلاقا من الحرف ثم الكلمة فالجملة، ومن ثم خرجت اللغة من المختبر اللغوي إلى فضاء يحقق فيه النص توافقه مع ذاته في تجانس تام مع إمكانية تحقق النص بوجود متلقي يعمل على تخمين معاني النص بشكل فردي، يجعل عملية التفسير فردية غير متكررة، الشيء الذي يجعل تفسير نص ما محاطا بالتفسير المنفرد (  [3]   )، بينما كانت القصة التقليدية تكتب المعاني الملقاة على الطريق انطلاقا من معيارية النموذج المكرس، وقد أكد التجريب القصصي أنه من الممكن كتابة اللاّمعنى غير المرتبط بالأحداث والشخصيات.

إن القصة القصيرة المعاصرة (بما فيها القصة القصيرة جدا) والتي يمثلها قصاصو المغرب المعاصر أمثال:( حسن برطال- أبراج وقوس قزح، حسن البقالي- الرقص تحت المطر و مثل فيل يبدو عن بعد، حميد ركاطة – دموع فراشة ، عبد الله المتقي - قليل من الملائكة و الكرسي الأزرق وآخرون..) .

بهذا المعنى لم تعد القصة القصيرة تتقمص دور المنتقد والكاشف عن عيوب المجتمع كما أنها لم تعد تهتم بالتحولات الإجتماعية المتسارعة الإيقاع، لذا فقد تجاوزت مفهوم الذيلية للخطابات السياسية والإيديولوجية تماشيا مع الإضطراب الإيديولوجي الحاصل لدى المتلقي المعاصر، والذي جعل القاص يكتب أساسا لذاته مركزا ومكثفا كل أشكاله الذاتية في حكي لا يهادن المعيش، ولا يضع في اعتباره أي مقوم من مقومات قارئ نموذجي محتمل.

6- \'علبة البّانْدورا \'وكتابة نزق اللغة،(أنيس الرافعي نموذجا)

 تنخرط هذه المرجعية مع القاص أنيس الرافعي في تحميل اللغة سياقات لسنية حادة في خرق المرجع اللسني المتعارف عليه مع تفصيح للغة الدارجة وإكسابها سياقات فوق- محلية، ففي مجموعاته القصصية \'أشياء تقع دون أن تحدث فعلا\' و\'السيد ريباخا\' و\'البرشمان\' ثم \'علبة البَّانْدورا\' وهي مجموعة تجميعية حيث لم يعد للبطل أو الحدث من معنى، تكلمت اللغة واجتاحت الحكي بكامله، فتم الرهان على اللغة وإمكاناتها التدليلية وانشحانها بالتعدد في السياقات، معبّرة عن الأكليشيهات الإبداعية التي تربط اللحظة الإبداعية باللغة، وهي نصوص مُتْرعة بحمى التجريب القصصي على مستوى التقنيات السردية، وهي إذ تسعى ضمنيا إلى تدمير البناء القصصي التقليدي، تحاول أن تدمر في نفس الوقت ذلك التآلف الحاصل بين المتلقي وهذا النمط من الحكي، وتعمل على فتح آفاق سردية مغايرة لإنتاج نص مفارق تقنيا تكون فيه ذات القاص محورا للمعاني وموضع تشريح.

إن الجملة السردية عند أنيس الرافعي امتداد لنفسيته المتشظية ما بين الواقع كما يعاش على المستوى الوجودي، والمتخيل كما يوحي بذلك ذوبان لغة القاص في ذاته، وهو ما يمكن تسميته ب\' شعرية الموقف اللغوي\' الذي يؤسس له القاص مرجعا ينطلق ويعود إليه، حيث نجد أن عماء المعنى يتجاوز داخل النص إلى خارجه بسبب لجوء القاص إلى عدة تركيبات لغوية تضع أمامها كل امكانيات اللغة على المجاز والاستعارة والشعرية الطوباوية، حيث يجعل القاص عالمه ضمن قابليته القصوى لاحتلال دلالات مغايرة وعميقة في تجانسها الداخلي.

 إن شخصيات قصص أنيس الرافعي نعرفها ونعلم بوجودها من خلال الوجود اللغوي الذي يحيل عليها، ويتميز بطابعه المزدوج في البناء القصصي، ويتحدد من خلال بنيتيه الشكلية والدلالية، وفيما استطاع القاص أن ينسجه أنموذجا تتصف به كل أعماله السردية، انتقلت اللغة من إطار البنية الشكلية إلى فضاء بنية الدلالة، فرغم أن اللغة هي أصل فعل الحكي فهي في سرد الرافعي استمرت في الوجود وتلاقحت من خلال قوة الشكل الغوي، وأشَّرَت على قص مفارق يتحدد في ما وراء فعل الحكي، هذا إن هذا التطور يُرغم المتلقي على القيام بعملية فك شفرة النص، واستحضار المعطى الغائب في النص عبر تمثيله المخيالي أيضا حتى يلامس حلم اللغة بأبعادها الجديدة التي تحتفل بالنص السردي، يقول القاص معبرا عن الإمكانية التأويلية التي يضعها بين يد القارئ منذ الجملة السردية الأولى متجاوزا بذلك الحكي التقليدي الذي ينتظر نهاية الزمن التأويلي كي يبوح بمساراته الدلالية، يقول في قصة \'ملاحظات حول الصور الفوتوغرافية\': \'كأني نحيت إلى أبعد مسافة ممكنة يقظتي التي أخفقت مسدسات القهوة السوداء في إطفاء أنفاسها الأخيرة وتدهورت صوب نوم مضمون فوق القميص الداخلي للسرير، إلا أنني في حقيقة \' الوصف\' كنت فحسب أغفو بعينين مفتوحتين داخل محبرة عيني المغلقتين\' (  [4]   ).

وإن كان الجسد وخاصة المرتبط بالشخصيات النسائية هو المحفل السردي الذي يطبع التحققات السردية، وتُقرأ وتُؤول التجربة الفنية لكل قاص من خلال إمكانية توظيفه، وإن كانت الشخصيات حسب يانيك رايش yannick Resch   :\' تكشف العالم والآخرين عبر جسدها\' (  [5]   )، فالجسد في \'علبة الباندورا\' يشكل لحمة منسجمة مع اللغة التي تظهر كشخصية محورية في النص، يعشقها الكاتب ويقودنا بوساطتها إلى اكتناه لذة النص وسلطته من خلال جعل اللغة تتمرد على ذاتها، وجعلها بكل ما في السرد من جهد قليلة الحياء المعجمي، لا تستجيب للسياق المتداول، لغة ترفع إيقاع التوزع الذهني، وتنخرط ببطء في مجتمعها اللغوي، فتصبح قراءة النص لمسا للجسد،  وتستحضر الكيفية التي تجعل الرغبة منبثقة من مختلف التفاصيل والأجزاء وتعبر في نفس الوقت عن الكل، ولهذا قال جان بودريار jean   Baudrillard   \' يجب القول أن الأنثوي يغري لأنه ليس أبدا في المكان الذي يُفترض وجوده فيه\' (  [6]).

فالجسد الأنثوي في قصص الرافعي لا يُقَدََّم في نصوصه إلا عبر ما يثير المساءلة عن هويته الحقيقية كجسد مملوء بالشر، ولايشير إلى نهد أو صدر أو خصر، فهو إما جسد مُشاع لا يقدم لإغراء المؤنث أي توصيف جديد كما يشهد بذلك نص \' انشطارات(1)\' الذي تحضر فيه المرأة كمومس محترفة أو امرأة تبلغ سن الأربعين:\' ومن هنا، وضع النادل-مرة أخرى- افتراضا مؤداه أن المرأة الأربعينية قد سلمت للمومس المحترفة السوار الذهبي المتفق عليه\'([7]) ويمكن تلمس ذلك فيما فتحه أمام المتلقي من دلالة العنوان محذرا المتلقي من جموح التأويلات يقول:\' بّاندورا(pandore)، حسب الأسطورة الإغريقية، هي أول امرأة خلقها هيفيسْتوس (Héphaïstos). أهداها ثيوس(Zeus) مملوءة بمزايا وسيئات الإنسانية، ثم أرسلها إلى الأرض مع أول رجل، إييميثيو(Epiméthe) . فتح هذا الأخير العلبة فتناثر محتواها عبر العالم، ووقعت الكارثة !أيها القارئ حذارٍ أن تفتح عُلبة هذه القصة حتى لا يقع\'مابعد السرد\' ! \'(علبة البّانْدورا، ص: 5)، إن وظيفة المرأة في \'علبة الباندورا\' قائمة على أشكال تلقيها في \'ما بعد السرد\'، وقد تصبح فعلا جنسيا لا يُعطينا أوصافه العادية لتمظهره بشكل طبيعي، ولهذا فكل جسد في نصوص الرافعي هو كجسد دونكيشوطي.

 وقد جعل القاص فضاء النص مكانا لالتقاط تحولات السرد بادراك العين التي تشاهد حكيا واصفا باللغة، فأعار أدواته من السرد الفني لعالم الكرتون carton التي يصنع بها \'والت ديزني\' عالما سرديا واسع التخييل، يقول القاص في قصة \'التحولات غير المعقولة للسيد ريباخا\' ما يمكن أن يتمثله فقط المنطق الذي تصاغ به أفلام الكارتون: \' فجأة وعلى نحو يتجاوز المعقول، يخرج منك شخص آخر يشبهك ويواصل الركض أمامك بخفة عداء .. تتوقف أنت، فتتجاوز المرأة بذات الخفة وتركض خلفه بلا هوادة.\' (علبة البّانْدورا، ص: 76) ولهذا ممكن أن تتحول قصص المجموعة \'علبة الباندورا \' إلى قصص كارتونية من حيث يصعب إدراكها لغويا على القارئ العادي، ولكن يسهل تمثلها كحكي بصري يشهد للقاص أنيس الرافعي بالتفوق في بلورة جديدة لسينارية السرد المشهدي.

وما دمنا نردد مع أرسطو قولته الشهيرة بأن التقنية وحدها تولد الأفراد في حين تمسك المعرفة بالأنواع، نجد القاص في قصة \' ملاحظات حول الأحصنة المعدنية \' يستشعر بعده عن جمهور القراء الذي لا يني بول ريكور يلح على أن استجابة الجمهور هي التي تجعل النص مهما ودالا ([8]) عندما يقول \' على الرغم من كوني أعلمُ الصعوبات الناجمة عن محاولة ارتكاب مقترح سردي من هذا الطراز المعقد، لكني أريدك – بداية-أن تنجح في تخيل نافذة وكرسي ورجل\'(علبة البّانْدورا، ص: 131)، فالتقنية التي يستعملها القاص في مجموعته التجميعية \' علبة البَّانْدورا\' بعد أن يخترق القاعدة الذهبية للأدب والتي تقول بأننا يجب أن نكتب عمّا نعرفه، تحتوي على أمل ترويض القارئ الكلاسيكي للتماهي مع الإمكانات المفتوحة للمرحلة السردية الجديدة دون أن ننسى المتعة الكبيرة التي تلفحنا بها نصوص الرافعي ذات الرصد الحالم لزمن اللغة الأخرق باعتباره يسكن خارج سيطرة المعاني المتداولة، الشيء الذي يضع أعمال القاص في خانة \' السرد الأطروحي\' للحكي البصري نظرا لنسقها الدلالي الخاص المشتمل على صيغ خطابية تنتعش بفضلها التحولات في اللغة والخطاب


الهوامش

[1] - معتصم محمد، \'القصة المغربية\'، تعدد المرجعيات في الكتابة القصصية المغربية\'، سلسلة ملتقى القصة، منشورات الشعلة، الطبعة الثانية ، سنة 2006 ، الصفحة : 73.

[2] - \'ضمير الخائب\' عنوان المجموعة القصصية لحسن برما التي صدرت سنة 1993.

[3] - ريكور بول: نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2003، ص: 125.

[4] - الرافعي أنيس ، علبة البّانْدورا، متتاليات ما بعد سردية، الطبعة الثانية تجميعية، الشاطئ الثالث (4) ، مطبعة دار القرويين، البيضاء، سنة 2007، الصفحة 117.

[5]-yannick Resch ,« corps féminin, corps textuel Essai sur le personnage féminin dans l’œuvre de colette », librairie c.klincksieck, paris ,1973,p : 15.

[6]- Jean Boudrillard ,« De la séduction », Ed ,Galilée , Paris ,1979, P: 17.

[7] - علبة البّانْدورا، قصة ، انشطارات (1) نفس المرجع السابق،الصفحة:41.

[8] - ريكور بول: نظرية التأويل، نفس المرجع السابق ، الصفحة : 63.

 

Partager cet article
Repost0

مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية، مغربية-دولية ثقافية شاملة مصنفة ومحكمة

  • : Revue Cahiersdifference مجلة دفاتر الإختلاف
  • : مجلة دفاتر الإختلاف Revue Cahiersdifference مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية مغربية-دولية ثقافية مصنفة ومحكمة ملف الصحافة رقم:07\2005 الايداع القانوني:2005/0165 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ p-2028-4659 e-2028-4667 المجلة حائزة على معامل التأثير العربي Arab Impact Factor لسنة 2023 بمعامل 1.22 وسنة 2024 بعامل التأثير 1.83 وسنة 2025 بمعامل التأثير 1.88 وعن سنة 2026 بمعامل التأثير 1.95 وفي الترتيب الربعي Q2 كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية "المنظومة" AL MANDUMAH
  • Contact

مدير المجلة

  • مجلة دفاتر الاختلاف الورقية والالكترونية
  • الدكتور ادريس عبد النور 
	البريد الالكتروني:
abdennour.driss@gmail.com
  • الدكتور ادريس عبد النور البريد الالكتروني: abdennour.driss@gmail.com

الهيئة الاستشارية العلمية

i أعضاء الهيئة الاستشارية العلمية

د.محمد زرو أستاذ التعليم العالي ( اللغة العربية ) عميد كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.مولاي عبد الملك الداودي أستاذ التعليم العالي ، رئيس شعبة اللغة العربية بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.عبد المجيد بنجلالي أستاذ التعليم العالي (أدب ونقد)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د.الطيب الوزاني (ادب ونقد)،  كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د.محمد التاقي أستاذ التعليم العالي (لسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

دة.سعاد اليوسفي أستاذة التعليم العالي (أدب) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د. ادريس الذهبي أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. رضوان الخياطي، أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. فريد أمعضشو أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية، مركز تكوين مفتشي التعليم ، الرباط.

د. محمد بنلحسن  أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها،المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ، فاس.

د. عبد الرحيم أخ العرب، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

دة.عائشة الخضر/ رئيسة الاتحاد العربي للثقافة/ تركيا.

دة. ربيعة حجيلة HAJILA Rabia ، أستاذة التعليم العالي، المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، الرباط، المغرب.

بحث

الهيئة العلمية والتحكيم

أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم

د.عبد المنعم حرفان، أستاذ التعليم العالي، تخصص اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب

.والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس المغرب

د. خالد قدروز، تخصص أدب  ونقد ، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

د. عبد الواحد المرابط، أستاذ التعليم العالي،  تخصص السيميائيات ومناهج النقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق الدار البيضاء.

د.عبد الكامل أوزال، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/.المغرب

د.الشرقي نصراوي أستاذ التعليم العالي  تخصص (السيميائيات والتأويليات) جامعة السلطان مولاي سليمان - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة.

د.الحسني عبد الكبير أستاذ مؤهل تخصص (اللسانيات) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال.

دة.الزهرة براهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (مسرح وأنثروبولوجيا وديدكتيك) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط- سلا- القنيطرة.

د.الغالي بنهشوم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب)، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل مكناس

د. لخلافة كريم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي 

إسماعيل مكناس

د.أحمد دكار، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علم النفس وعلوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

.فاس/المغرب

دة.لطيفة بلخير ،التخصص: أدب حديث ، أستاذة التعليم العالي ،كلية الٱداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ـ فاس ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

دة.جناة سفضار، تخصص تدبير الموارد البشرية، جامعة لافال، كيبيك كندا

د. عبد الله الروملي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الأدب العام والمقارن، التمثلات الثقافية والاجتماعية والإعلامية، مدير مركز دراسات الدكتوراه بكلية اللغات والآداب والفنون ، جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب.

د. عبد الرحمان إكيدر،  أستاذ محاضر مؤهل،  تخصص: (النقد الأدبي والبلاغة)، كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض مراكش.

د. عادل ضرغام ، أستاذ الأدب والنقد كلية دار العلوم جامعة الفيوم، مصر.

دة. بشرى سعيدي. أستاذة محاضرة مؤهلة، تخصص (المسرح وفنون الفرجة) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية جامعة مولاي إسماعيل - مكناس.

دة. سعاد مسكين أستاذة التعليم العالي. تخصص: (السرد العربي) المدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د. هشام بُحَيْري، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص: (النحو واللسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان.

دة. سلوى السعداوي، تخصص: (السرديات والنقد الأدبي، مهتمّة بتحوّلات كتابات الأنا)، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس.

دة. نوال بنبراهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (الدراماترجيا والنقد)، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط.

د. محمد تنفو، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص ديدكتيك اللغة العربية والسرديات ،  المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش آسفي/المغرب

د.محمد أبحير، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال/المغرب

د.محمد الأزمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

د. عبد الرحمن علمي إدريسي، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

محمد زيدان، أستاذ التعليم العالي ، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز  الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد العلمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الدراسات الاسلامية والديدكتيك، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد سوسي، أستاذ مبرز ، دكتور في الفلسفة، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.سميحة بن فارس، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الديدكتيك علوم الحياة والارض ، المدرسة العليا للأساتذة فاس / المغرب

د.عزالدين النملي، أستاذ محاضر ، تخصص اللغة العربية والديدكتيك ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم/المغرب

دة.صليحة أرزاز ، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص لغة فرنسية، ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.المصطفى العناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الاجتماعيات ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.حسان الحسناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فنيطرة/المغرب

د.عمرأكراصي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغربدة.حنان الغوات، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش/المغرب.

د.محمد تمي،أستاذ باحث في مجال المعلوميات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم (TICE) وتحليل البيانات لتعزيز ودعم التعلم الرقمي، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس. 

د. طريق زينون ، أستاذ باحث تخصص اللغة العربية وآدابها ،بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس -مكناس المغرب

هيئة التحرير وشروط النشر

 

أعضاء هيئة التحرير

اسم مدير التحرير

د.ادريس عبد النور

اسم رئيس التحرير

د.خالد قدروز

هيئة التحرير​​

د.طريق زينون-د.نورالدين محقق-ذ.هواري الأمين
ذ.محسن لوميكي-دة.نجاة سفضار-دة.مهدية بنعبيد
د.أيوب بن مسعود-د.محسن الطوصي-
د.مراد بلمودن-د.عبدالرحيم بلكاني

المسؤول التقني والفني

ذ.ياسين مفتاح

ذة.فاطمة نافل

الشروط العامة لنشر البحوث بالمجلة ومنشوراتها:

  • مجلة دفاتر الاختلاف للنشر العلمي مجلة علمية مصنفة ومحكمة ورقية وإلكترونية تعنى بنشر البحوث العلمية في الحقول التالية: العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم التربوية، علوم الشريعة والقانون.
  • تنشر مجلة دفاتر الاختلاف البحوث العلمية الأصيلة للباحثين في هذه التخصصات كافة، من داخل المغرب  وخارجه، مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية. ويشترط في البحث ألا يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر، وعلى الباحث أن يتعهد بذلك خطياً عند تقديم البحث للنشر، وتخضع جميع البحوث للتقويم حسب الأصول العلمية المتبعة.

قواعد النشر:

  • يقدم البحث المقترح للنشر مكتوب بصيغة word بخط Sakkal Majalla حجم 15 دون تضخيم وبالخط نفسه بحجم 12 في الهوامش، شريطة ألا يزيد عدد صفحاته على 20 صفحة (وبواقع 5000 كلمة) بما في ذلك الجداول والصور والرسومات ويستثنى في هذا العدد الملاحق والاستبيانات.
  • تكتب العناوين الرئيسية بحجم 15 والفرعية للفقرات بحجم 14 مع التضخيم (Gras)،
  • يرفق مع البحث ملخص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية، على ألا تزيد عدد كلمات الملخص على 205 كلمة.
  • تكتب بعد الملخص الكلمات الدالة للبحث (Keywords) في حدود 5 كلمات.
  • تطبع الجداول والأشكال داخل المتن و ترقم حسب ورودها في المخطوط، وتزود بعناوين، ويشار إلى كل منها بالتسلسل، وتستخدم الأرقام التالية: (1,2,3…) في كل أجزاء البحث.
  • كل بحث يجب أن يشمل على مانسبته 20% من المراجع الأجنبية
  • يعطى الباحث مدة أقصاها أسبوعا لإجراء التعديلات على بحثه إن وجدت، وللمجلة بعد ذلك إلغاء الملف البحثي تلقائيا في حال تجاوز المدة المذكورة أعلاه.
  • لا تجيز المجلة بأي حال من الأحوال سحب الأبحاث بعد قبولها للنشر ومهما كانت الأسباب.
  • تكتب الهوامش والإحالات أسفل كل صفحة، وتكون حسب النموذج التالي:

- الكتب: لقب واسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، البلد، الطبعة، السنة، الصفحة.

- الدوريات: لقب واسم المؤلف، عنوان المقال، عنوان الدورية،  دار النشر، العدد، السنة، الصفحة.

  • ضبط لائحة المصادر والمراجع وفق ما يلي: اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، المطبعة، مكان النشر، رقم الطبعة. السنة.

توجيهات عامة:

  • لهيئة التحرير الحق بإجراء أي تعديلات من حيث نوع الحرف ونمط الكتابة، وبناء الجملة لغوياً بما يتناسب مع نموذج المجلة المعتمد لدينا.
  • قرار  هيئة التحرير بالقبول أو الرفض قرار نهائي مع الإحتفاظ بحقها بعدم إبداء الأسباب.
  • ملحوظة مهمة: يُنشر إسم وصفة مُحكِّم(ة)الدراسة من السادة أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم داخل الدراسة، كما بشهادة النشر.
  • ترسل البحوث وجميع المراسلات المتعلقة بالمجلة إلى:

cahiers.difference@gmail.com

abdennour.driss@gmail.com

دراسات العدد

من نحن؟

من نحن؟

مجلة دفاتر الإختلاف

Revue Cahiersdifference

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية، مغربية- دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

رقم ملف الصحافة :2005/07

الايداع القانوني:2005/0165

 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ISSN

 P-2028-4659

 E-2028-4667

المجلة حائزة على معامل التأثير العربي

 Arab Impact Factor

لسنة 2023 بمعامل  التأثير 1.22

وسنة 2024 بمعامل التأثير 1.83

وسنة 2025 لمعامل التأثير 1,88

وعن سنة 2026 بمعامل التأثير 1.95

وفي الترتيب الربعي Q2

كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH

دعوة للنشر بالعدد 26

📢 دعوة للنشر في العدد رقم 26) 📢

يسر مجلة دفاتر الإختلاف   REVUE CAHIERSDIFFERENCE  المغربية-الدولية للنشر العلمي والأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية واللغوية والتربوية والقانونية والشرعية، أن تدعو الباحثين والأكاديميين إلى إرسال أبحاثهم للنشر في العدد رقم 26 /نونبر 2026

📌 مجالات النشر:

العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية (الدراسات اللغوية، الأدبية، التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، والتقنية وغيرها).

جميع التخصصات التربوية (المناهج، طرق التدريس، الإدارة التعليمية، التقويم، التكنولوجيا التعليمية، علم النفس التربوي، وغيرها).

⚡ ما يمتاز به النشر في المجلة:

✔ نشر ورفي وإلكتروني واسع الانتشار

✔نشر وفق معايير علمية و أكاديمية رصينة.

✔ تحكيم علمي بمعايير دولية من قبل خبراء متخصصين.

✔ شهادة التحكيم والنشر.