Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
5 juin 2023 1 05 /06 /juin /2023 21:33
الأمن التربوي ورهانات المدرسة المغربية

الأمن التربوي ورهانات المدرسة المغربية
       

د.عزالدين النملي

دراسة محكمة

أستاذ محاضر المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم المغرب

 

مقدمة: لاشك أن الاقتراب من مفهوم "الآمن التربوي" الذي ما يزال في مرحلة التبلور والتشكل، يجعل الباحث منذ الوهلة الأولى يتملكه شعور صادم، حين يروم الإمساك به وهو يسبح في لجته بسبب ما يحفه من مزالق، فيحتار بداية في إنتاج خطاب علمي يتعمق أغواره وأخاديده، لكونه يتأبى عن التحديد، لتشابك موضوعاته وتنوع مرجعياته وهلامية هويته، الأمر الذي يمنحه طابعا تركيبيا ويضفي عليه شمولية واتساعا وانفتاحا، وذلك راجع لأهميته الوظيفية وطريقة اشتغاله، التي لا تعود فقط لطبيعته، وإنما لصفة الدينامية الكامنة في أعماقه وشمولية دلالاته. وتأثيره اللانهائي على .مختلف الممارسات المرتبطة بأشكال الحياة العامة.

Introduction : Il ne fait aucun doute que l'approche du concept de « sécurité éducative », qui est encore au stade de la cristallisation et de la formation, fait que le chercheur possède dès le premier instant une sensation choquante, lorsqu'il veut l'attraper alors qu'il nage dans sa mer à cause des embûches qui l'entourent, et ses sillons, parce qu'elle refuse d'être définie, du fait de l'imbrication de ses thèmes, de la diversité de ses références, et de la gélatine de son identité, qui lui donne un caractère synthétique et donne sa globalité, son ampleur et son ouverture, en raison de son importance fonctionnelle et de son mode de fonctionnement, qui tient non seulement à sa nature, mais aussi à la caractéristique dynamique inhérente à sa profondeur et à la globalité de ses connotations. Et son influence sans fin sur diverses pratiques liées à la vie publique.

ولعل المعاجم العربية( )، ظلت في تناولها لهذا المفهوم حبيسة البعد الديني والخلقي، وهذا أمر طبيعي، لأنها كانت محكومة بالسياق التاريخي والشروط السوسيوثقافية التي تحركت فيها.
في حين أن المعاجم الغربية( )، واعتبارا لمعطى العلوم الإنسانية ونظريات التعلم والفلسفة والسوسيولوجيا ، تقدم دلالة تستجيب للشروط التاريخية الراهنة من حيث الأبعاد والأنواع والوظائف والدلالات والتحولات العلمية.
لهذا يبدو، أن المفهوم من خلال مكوناته الملفوظية، طافح بدلالات تربوية وثقافية ممتلئة بمعاني وقيم إنسانية روحية، مضيء بأبعاد سلوكية وحضارية وتاريخية تمارس حضورها بالاندماج اندماجا كليا، وواضحا في بنيات المجتمع برمته، فتؤثر على الحياة المادية والمعنوية للإنسان، في أفق السمو والرقي بالذات والمجتمع بشكل يحيل على الأمن والأمان والطمأنينة والسلم والسلام.
ومن دون ريب، فإن المؤسسة التعليمية التي تنهض على استراتيجية العمق (التفكير في المعاني والقيم والعلاقات)، هي التي تجعل الفرد مسؤولا عن سلوكاته، يعبر عن قيم الذات التي نسميها بحق شغبا أو عنفا أو إخلالا بالأمن المدرسي. لأنه يتربى على قيم تسمو به عن مثل ذلك بكثير مثل (الاستقلالية، التصميم، احترام الذات، التخلص من الخوف، الثقة بالآخرين)( ).
نستشف من ذلك، أن الأمن التربوي إدراك للذات بكل أبعادها ووظائفها وأدوارها داخل المجتمع في حركية جدلية بينها وبين الآخر فردا كان أم جماعة، إنه احتواء وتمثل القيم التراثية والحضارية المحلية والعالمية في أشكالها المضيئة وتجسيدها على أرض الواقع، وانفتاح على قيم السلام والمثل الرفيعة المستقطرة من التعلمات والمعارف، وكذا انتصار لقيم الحق والخير والجمال، التي تنطق بها الديانات والمذاهب الإنسانية، حفاظا على الأمن والسلم الاجتماعيين.
بهذا المعنى، يغدو الأمن التربوي نهضة شاملة للذات، لضمير الأنا، والأنت، والنحن، كل من موقعه من أجل تجسيد إنسانية الإنسان والانتصار للطّهرانية والفضيلة وتغيير العقليات والسلوكات حتى يصبح كل منا "آمنا" على نفسه وغيره ومحيطه، في استحضار للقوانين الزجرية، وإخضاع الجميع لها كيفما يكون الموقع الاجتماعي أو الاقتصادي، في حالة ارتكاب أي تجاوز يعاقب عليه القانون بتفعيل الآليات القانونية لتقويم مظاهر الانحراف والفساد الإداري، واستغلال النفوذ أو السلطة( ). بهذا المعنى يصبح الأمن صيرورة ترمي إلى الكمال في تصاعدها نحو الإنسان( ) ،تنمية للقدرات الذاتية ليصبح الشخص ملتزما بالمساهمة في الجهود المشتركة التي يقوم بها مع الآخرين لتشييد عصره( ).
وبديهي أن الأمن التربوي، تتنازعه كل أنواع الأمن (الأمن الذاتي والقضائي والقانوني والتدبيري والاقتصادي والمالي والاجتماعي والصحي والمعلوماتي والطرقي والوطني)، ويغلف كل الحقول والمجالات، إنه القطب الرئيس والحاضن للسلم الاجتماعي، لهذه الغاية والمكانة أصبح مطلبا حضاريا ،ومقياسا رئيسا في استقرار المجتمعات والشعوب.
ولعل هذا ما يبرر مقولة "كانط" ،من أن" الحرص على التنشئة الخلقية، ينبغي أن لا يكون الإنسان مؤهلا لشتى أنواع الغايات فحسب، بل ينبغي أيضا أن يكتسب إحساسا يجعله لا يختار إلا الغايات الحسنة، وهي التي يتبناها بالضرورة كل شخص ويمكن أن تكون في الوقت ذاته غايات كل إنسان( ). ويبدو أن المفكر المغربي طه عبد الرحمان قد جعل هذه التنشئة الخلقية، تستغرق استغراقا شموليا كل سلوكات الفرد المختلفة، بقصد تحقيق أمن تربوي فريد، يسع كل شيء، إنها لا تتناول بتعبيره علاقات الفرد بخالقه أو بما سواه من الأفراد في المجتمع فحسب، بل تتناول علاقاته بالكائنات الحية، حيوانات أو نباتات، و لا تقف في توسعها عند هذا الحد، بل إنها تتعداه إلى أن تشمل كل شيء، جامدا كان أو حيا، معنويا كان أو ماديا( ).   
1. الأطر المرجعية الدينية والقانونية والتربوية
تتشكل المرجعية الدينية للأمن التربوي من القرآن الكريم والسيرة النبوية والإسلام وباقي الديانات السماوية الأخرى، ويهمنا هنا الوقوف على الأمن التربوي في القرآن والسنة النبوية،باعتبارهما "الموروث الإسلامي الخالص، لأن نظام القيم الخاص به يستند بصورة أو أخرى إلى المرجعية الإسلامية، وعمادها القرآن والحديث"( ).
يظهر من خلال القرآن والسيرة النبوية، رهان الإسلام الكلي على تأسيس منظومة الأمن التربوي، بشكل يجعل الإنسان يسمو بتربيته وسلوكه قولا وفعلا، فيترك آثارا إيجابية في نفس الفرد والمجتمع، ويؤسس لقيم ترقى إلى الكونية.
1.1. المرجعيــــــــة الإسلاميــــة
    أ) القـــرآن الكريــــم

يستفيد الأمن التربوي في بلادنا من القرآن الكريم، باعتباره مصدرا إلهيا، غني بمعطياته العلمية ومكوناته المعرفية وأخلاقه الكونية، مما يجعله يتسم بالغنى والتنوع، وذلك استنادا إلى مجموع الآيات والتعابير والمفاهيم القرآنية التي تحيل على الأمن، وما تنطوي عليه من أبعاد دلالية وقيم خلقية، على اختلاف السياقات والمقاصد. انطلاقا من تمظهراتها وتجلياتها كما يتضح للمتلقين عموما.
ولعل أول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم "اقرأ"( )، تعبيرا على الأهمية البالغة التي يحتلها الأمن التربوي والإنساني ،باعتباره دستور المسلمين والمغاربة على حد سواء، وأمام كل أنواع الأمن الأخرى لتتوالى بعد ذلك آيات متعددة، نذكر منها كالآتي :
ـ ﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمراتُ كل شيء رزقا من لدنا، ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون﴾( ).
ـ ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يومنون وبنعمة الله يكفرون﴾( ).
ـ ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السَّيْر، سيروا فيها ليالي وأياما آمنين﴾( ).
ـ ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾( ).
ونتوقف عند قوله تعالى المتمثل في دعوة إبراهيم الخليل، لما شيد بيت الله الحرام، قال تعالى : ﴿وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بَلَدًا آمنا وارزق أهله من الثمرات، من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾( )، حيث قدم الأمن على الرزق، من باب تقديم الأهم على المهم. وعلى اعتبار أن الإنسان لا يستطيب له العيش من دون أمن.
وأيضا قوله تعالى لكل الناس : ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾( )، في توجيه خطابه الإلهي لكل الأفراد والجماعات والدول من المؤمنين، أن يتحروا الصدق ويتحلوا بمجموعة من الصفات الإيمانية في الحركات والسكنات من الإخلاص والأمانة ،واستحضار الرقابة ... لكي ينعم الله عليهم بالأمن، على أساس أن أساس السلم والأمن في الحياة ،رهين بالفعل الإيجابي المثمر البناء.
والملاحظ أن الآيات السالفة، حاملة لمعاني الأمن بشتى أنواعه التربوي، الاجتماعي، الاقتصادي والنفسي حسب السياق، وبصيغ صرفية وخصائص أسلوبية متنوعة.
ب) السيـرة النبويـة 
بصفة إجمالية تنطوي السنة النبوية على نسق قولي، ونظرات حكيمة ممتدة في أرض الواقع العملي، حيث يتبين من خلال السيرة، أن مجموعة من الأحاديث والمواقف النبوية تؤشر على الأمن التربوي شكلا ومضمونا.
فقوله عليه السلام : "طلب العلم فريضة على كل مسلم"( ) وقوله "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله يؤمن. قيل : ومن يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بَوائقَهُ"( ). وكذلك كما ورد في كتب السير والتراجم، عن تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى معالجة مشكلة المهاجرين بعد أن تركوا منازلهم ومتاعهم، وهاجروا إلى المدينة بدينهم، فعمد إلى مؤاخاة المهاجرين والأنصار على الحق والمساواة( )، ثم عملية إطلاق سراح أسرى غزوة بدر الكبرى، على أساس فداء بعض الأسرى مرتبط بتعليم عشرة صبيان المدينة، الكتابة والقراءة( )، وفي فتح مكة استأمن أبا سفيان( )، الذي نادى قومه، من دخل داري فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه الباب فهو آمن( )".
ساهمت هذه الأحاديث والمواقف النبوية في توجيه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية على عهد الرسول، كما أظهرت حرصه عليه السلام، على الترجمة العملية للأمن التربوي سلوكا وممارسة ،من خلال التأمين الاجتماعي والنفسي والمعرفي، كمظاهر للأمن التربوي بكل دلالاته الرمزية.

2.1. المرجعية القانونية - الدستـور
يعتبر الدستور إطارا مرجعيا رئيسا في هذا الباب، إذ يمد الباحث بمادة علمية وقانونية، ويوجه نظره صوب عدد من الأبواب والفصول والعناصر الفرعية، التي يستشف منها المتلقي، عبر مساحته الكاليغرافية بالتصريح أو بالتلميح، تيمات مختلفة تشكل فيما بينها وحدات مستقلة، ولكنها تظهر تضامنا داخليا له قوانينه الخاصة، لتأدية وظائف متنوعة، تكشف عن مقصدية تحيل على حقل الأمن التربوي، نذكر منها على سبيل المثال :
•    إقامة مؤسسات دولة حديثة يتمتع فيها الجميع بالأمن والحرية والكرامة، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة( ).
•    حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما( ).
•    الاهتمام باللغات العربية والأمازيغية، والحسانية .. واللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب .. وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، باعتبارها وسائل التواصل، والانخراط والتفاعل في مجتمع المعرفة( ).
•    تنمية الإبداع الثقافي والفني والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة( ).
•    التمتع بالحقوق المدنية والسياسية( ).
•    توفير تعليم عصري ميسر والاستفادة من التربية البدنية والفنية( ).
•    التعليم الأساسي حق للطفل( ).
•    تأهيل الأشخاص المعاقين .. إعاقة جسدية أو حسية أو حركية وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية( ).
•    تأمين وتتبع وضعية الأسرة والطفولة( ).
•    النهوض بتطوير الحياة الجمعوية( ). 
تبعا لما تقدم، فإن الدستور يضع استراتيجية واضحة، ورؤية طموحه لاستتباب الأمن التربوي، عبر تنزيل مشاريع كبرى لها علاقة بالأمن المعرفي، والحقوقي، والبيئي والصحي، واللغوي، والقضائي، والأسري، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، في اتجاه خدمة القضايا الاجتماعية والإنسانية، بالرهان على تحقيق السلوكات المدنية الصادقة والانفعالات الدافقة، ضمن رهان أمن المجتمع المغربي ككل، في أفق إضاءة الحقائق وإنارة الطريق بعدد من الإنجازات، ذات البعد التواصلي والإنساني والاجتماعي.
3.1. المرجعيــة التربويــة 
إن إدراك المجتمعات العالمية لأهمية الأمن التربوي، ودوره في تحقيق التنمية وبناء المجتمع الحديث، جعلها تراهن على تعميق وتوحيد أنظمته. وقد طالت هذه العملية البنية التحتية : بناء المدارس والجامعات والكليات المتعددة التخصصات وإصلاح الطرق والتجهيز، علاوة على تطوير الممارسات البيداغوجية ومراجعة البرامج والمناهج، كل ذلك خدمة للتنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية( ).
ولعل صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين (2000/2010) باعتباره إطارا عمليا متماسكا في المنطلقات والغايات والأهداف والتصورات، ووثيقة هامة لإصلاح المنظومة التربوية، وتحقيق أمن تربوي في ظل دولة الحق والقانون( )، وذلك من خلال جل الأقسام والمجالات والدعامات والبنود، التي يتكون منها، حيث نلمس، أنه صبّ اهتمامه على تحسين نوعية التربية والتكوين عن طريق تعميم التعليم ضمانا للجودة( )، وتقليص النسبة العامة للأمية بين صفوف المغاربة( ) وإعادة تنظيم وتمفصل أسلاك التعليم والتكوين( )، وملاءمة نظام التربية والتكوين للمحيط الاقتصادي( )، ومراجعة وتكييف المقررات وطرق التدريس والكتب المدرسية والوسائط التعليمية( ) وحفز هيئة التدريس والتأطير في مختلف الأسلاك( ) إلى جانب تحسين الظروف المادية والاجتماعية للمتعلمين والعناية بالأشخاص ذوي الحاجات الخاصة( ) ووضع شراكات وتشجيع القطاع الخاص( ).
وفي سياق مواجهة التحديات المحلية والعالمية الكاسحة ،جاء البرنامج الاستعجالي لتسريع إنجاز إصلاح منظومة التربية والتكوين ، الذي امتد أربع سنوات 2009/2012 وامتاح مرجعيته من ميثاق التربية والتكوين ،على أساس إعطاء الإصلاح نفسا جديدا( )، وبغية إدماج متطلبات الأجرأة،  بتنظيمها في شكل مشاريع منسجمة ومتجانسة، تعتمد المقاربة بالمشروع ،لإتاحة الفرصة أمام تنفيذ البرنامج الاستعجالي.
وقد جعل البرنامج المتعلم في قلب المنظومة التربية والتكوين، وسخر كل المشاريع سواء المرتبطة بالبنية التحتية أو الخادمة للجانب البيداغوجي من أجل توفير الشروط الكفيلة لتحقيق التفوق والجودة بمختلف أسلاك التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، وتأمين الزمن التربوي ليكون في مستوى التطلعات. 
وانسجاما مع منطق التاريخ والتطور، وتماشيا مع التحولات الدولية في مجالات الأمن التربوي وحقوق الإنسان، والمناهج والمعرفة، ولمواكبة التغيرات السريعة للمنافسة القائمة بين سائر المجتمعات، برزت الرؤية الاستراتيجية الجديدة للإصلاح 2015/2030، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، التي تعمل الوزارة الوصية حاليا على بلورة وإرساء استراتيجية تنموية تحقق من خلالها أمنا تربويا يحد من اهتزاز صورة الأمن التربوي، بالرهان على تربية تكون في مستوى حضارة الإنسان المغربي وتاريخه ومقوماته الثقافية والسياسية والاجتماعية.
ويبدو أن تكرار لفظ "تأمين" في الوثيقة "الخطة" على الشكل التالي :
تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين( ).
تأمين تمدرس استدراكي متكامل ومندمج لكافة المنقطعين( ).
تأمين التعلم مدى الحياة( ).
طريقة إبلاغية تؤشر على الرغبة الأكيدة للرؤية الاستراتيجية ،في كسب رهان الإصلاح بواسطة الرافعات المحورية وما يندرج تحتها من عناصر، أبرزها :
ضمان الحق في التربية للجميع، وتحقيق إلزامية التعليم الأولي( )، والتنشئة الاجتماعية والتربية على القيم في بعديها الوطني والكوني( ) وتخويل تمييز إيجابي لفائدة الأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص( )، وإرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية( ). وتطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار( )، والتمكن من اللغات المدرسة وتنويع لغات التدريس( )، وترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة( ).
كل هذا انسجاما مع المقتضيات الدلالية، والمستلزمات المعنوية والمقامات التداولية التي تحيط بهذه الرافعات وما تختزنه من معاني، وتأسيسا لخطوات إجرائية تروم تأهيل الموارد البشرية في سبيل تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ قيم الأمن التربوية في المتلقي ومحاولة إقناعه وتحسيسه بضرورة مواكبة التغيير، وتكريس المبادئ الراقية، والمقاصد الرفيعة التي تشكل في مجموعها سلوكا مدنيا راقيا، يأخذ بأسباب التعلم، ويراعي التفاعل الإيجابي بين المدرسة والمجتمع والأسرة، ويسمح بإزهار القيم المعرفية والأخلاقية، وقيم المواطنة، عن طريق تجفيف ينابيع الأمية والجهل، وتنمية القدرات الذاتية والعقلية للمتعلمين. فقد تأكد تجريبيا مع بيغز Biggs وكوليس  Collisأن المتعلم الذي يخلصه مربّوه من البنية المعرفية الغير مبنية، يحصل عنده انطلاق نموه على ثلاثة مستويات : أخلاقي، للذاكرة، ولقيم المواطنة، ثم يبلغ ذروته إن هو بلغ مستوى البنية المعرفية الممتدة نحو التجريد، مرورا بالبنية المتعددة العناصر Multistructral، وقبلها البنية الأحادية (القدرة على التعامل مع عنصر أو متغير أوحد) فالبنية العلائقية (إدراك العلاقات والتفاعلات)، يصبح المتعلم حينها، مثلا قادرا على إدراك العلاقة بين سلوكه "المتهوّر" المخل بـ"الأمن المدرسي"، وبؤس مصيره( ).

2.  مظاهر حضور الأمن التربوي بالمدرسة المغربية
    1.2. المظهر المادي للأمن التربوي

لا يمكن لأي مُتتبع أن يتجاهل المجهودات التي قامت بها الدولة والوزارة الوصية وكل الفاعلين والمقاولين، أثناء تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ويؤكد تقرير حول 50 سنة من التنمية بالمغرب، أن معدل التمدرس انتقل في السلك الابتدائي من 17 % سنة (1956/1957) إلى 46,7 % سنة (1963/1964)، ليصل هذا المعدل مع عشرية الميثاق إلى 94 % سنة (2004/2005)( )، وعملت أيضا على توفير العلاجات الصحية الأولية وإنجاز البنيات الأساسية( )، واجتهدت في إطار برنامج عام لتزويد الوسط القروي بالماء، حيث تمكنت إدارة الدولة من رفع معدل التزويد إلى 60 % سنة 2004( )، وبالموازاة مع ذلك، عملت على تعميم كهربة الوسط القروي PERG، وقد مكن هذا البرنامج من رفع معدل كهربة العالم القروي إلى 55 % مع نهاية سنة 2003( )، والبرنامج الوطني لبناء الطرق القروية الذي انطلق سنة 1995، ويرمي إلى تحسين معدل ولوج السكان القرويين للطرق لكي يتم رفعه إلى 80 سنة 2015( )، وقد انصب انشغال الوزارة في إطار مواصلة تفعيل مشاريع البرنامج الاستعجالي ،على التحقيق الفعلي لإلزامية التعليم إلى غاية 15 سنة، وخصوصا المشروع E1P4 الذي ارتبط بالعمليات التالية :
ـ توفير النقل المدرسي للمتعلمين والمتعلمات بالوسط القروي، حافلات، دراجات هوائية، سيارات رباعية الدفع، وذلك في إطار الاتفاقيات المبرمة بين الأكاديميات والولاية والوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات ANAPEC( ).
ـ تعميم اللباس الموحد في التعليم الإلزامي، للارتقاء بالحياة المدرسية، وجعل المدرسة فضاء للتعايش المبني على الاحترام والتفاهم، وعلى أسس الاندماج الاجتماعي والحماية الجسدية والنفسية والأخلاقية( ).
ـ المبادرة الملكية "مليون محفظة" على مستوى المؤسسات التعليمية بهدف القضاء على الهدر المدرسي( ).
ـ برنامج تسير، الذي يقوم بتحويلات مالية مشروطة، وقد شمل في المرحلة الثانية السلك الثانوي الإعدادي، كل ذلك للحد من ظاهرة الهدر المدرسي والحد من الأمية باستفادة الأسر بالعالم القروي من الدعم المالي( ).
ـ التدابير الخاصة بتحسين ظروف الإقامة بالأقسام الداخلية في شأن أصناف ومقادير المنح( ).
ـ الشراكات الجهوية والوطنية والدولية.
ـ تشييد المؤسسات الجماعية وبناء أقسام ودور الطالبة تشجيعا للفتاة القروية لمتابعة الدراسة، بالإضافة إلى بناء كليات متعددة التخصصات بكثير من المدن المغربية، أو أحياء جامعية ودور للطلبة والطالبات. لكن بالرغم من كل المجهودات،سيظهر أن الإقبال الواسع على التعليم، ما زال يحتاج ويتطلب الكثير من أوراش البناء والإصلاح. 
مما لا شك فيه، أن هذه المشاريع المنجزة تؤثر في السياق الاجتماعي الذي تتحرك فيه، وفي كل مستفيد ومستفيدة، على أساس أن كل واحد يشكل بناء نفسيا وجسديا وروحيا وسلوكيا، لذلك يتفاعل معه نفسيا ووجدانيا، إنه فعل يُخرج الإنسان من دائرة النسيان والإقصاء، إلى دائرة العناية ومركز الاهتمام، مما يجعل الوعي بالأمن التربوي يتقوى لديه ـ ولو تدريجيا ـ ويمنحه الشعور بالانتماء، ويسمح له بالتفاعل إيجابيا مع البنية الاجتماعية والطبيعية.
نستنتج من ذلك، أن هذه البرامج تسمح للمواطن بالاندماج والمشاركة، خاصة عندما تتقاطع مع البرامج والخطط التنموية التربوية والثقافية والروحية، الأمر الذي يدفعه للمضي بشكل تصاعدي لتحقيق إنسانيته.
2.2. المظهر المعنوي والثقافي للأمن التربوي
نتجه في هذا العنصر بسهم التحليل إلى المظهر المعنوي والأدبي للأمن التربوي الذي يسري مثل تيار كهربائي في أوصال المرجعيات التربوية : الميثاق الوطني للتربية والتكوين، البرنامج الاستعجالي، الرؤية الاستراتيجية.
انطلاقا من مجموع الكفايات التي تحرص المرجعيات التربوية الرهان عليها، بصيغ مختلفة، لأنها تمثل الغايات الكبرى، وتكشف عن المقصدية العامة منها،يظهر أن  الإلحاح عليها وتكرارها يكتسي أهمية بالغة وبعدا وظيفيا هاما، يمنح بموجبه الأمن التربوي الحياة والدينامية، ومن أهم هذه الكفايات : الكفاية التواصلية، الكفاية المعرفية، الكفاية القيمية.
 
* الكفاية التواصلية : تتحقق حين تجعل المتعلم في قلب الاهتمام( ) باعتباره محور الفعل التربوي، وفاعلا أساسيا في بناء التعلمات( ) وحين تترك له فرصة الانفتاح على العصر واكتساب اللغات والمعارف( ).وتفتح أمامه الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية( ) والأنشطة الموازية( )، وفي السياق تعمل على حفز التفاعل الإيجابي للمتعلمين( ) وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي( )
وتفتح أمامه الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية( ) والأنشطة الموازية( )، وفي السياق نفسه حفز التفاعل الإيجابي للمتعلمين( ) وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي( ) وتوثيق العلاقة مع الأسرة( )، والانفتاح على المحيط والتفاعل معه( )، والتمكن من اللغات وتنويع لغات التدريس( ).
تنصهر هذه العناصر مجتمعه في بوثقة الأمن التربوي، كمميزات وسمات للمظهر المعنوي، وتنهض بوظائف سامية، تلقي بآثارها الإيجابية على أجواء وقنوات التواصل، لكونها تسمح للذات المتعلمة بإبراز مقوماتها وبناء ذاتها على أساس التفاعل والتلاقح، وتبادل التأثير والتأثر، من خلال التأكيد على محورية ودور الأنشطة الموازية، في إغناء الذات وإشعاعها، وكذا تعلم اللغات الذي يسمح بتجسيد التواصل ،وتذويب كل المشاعر السلبية، ويعطي أيضا لمسؤولي الإدارات التربوية فرصة مد جسور التواصل الاجتماعي مع الأسرة، وكل الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، مما يسمح بإشاعة الثقة بين كل الأطراف، وإقامة بناء اجتماعي متماسك بين الأفراد والجماعات، تعزيزا لقيم المواطنة، وترسيخا لقيم الفضائل الأخلاقية، وتثبيتا للضوابط التواصلية، حفاظا على أمن البلاد ومصالح العباد.
*الكفاية المعرفية:تبرز الكفاية المعرفية بشكل لافت ،في تضاعيف الأطر المرجعية التربوية، من خلال الرهان الأساس على حزمة من الإجراءات والتدابير، التي تلبي حاجات المدرسة المغربية والمجتمع قاطبة، خاصة ـ وكما هو واضح ـ أن الذي يُفلح في القرن الواحد والعشرين، يملك القوة المعرفية والعلمية والأخلاقية والإنسانية، القمينة بصيانة الأمن التربوي ومن أهم الإجراءات المعلنة :
ـ إلزامية التمدرس من السنة السادسة إلى تمام الخامسة عشرة كرهان مجتمعي رئيس( ).
ـ التحرر من الأمية عن طريق التزام الدولة اجتماعيا، بالتربية غير النظامية ومحاربة الأمية، على المدى المتوسط، وفي أفق الإرساء الكلي لمقاربة نوعية تهم التقليص من النسبية العامة للأمية( ).
ـ تعميم التعليم الأولي، الذي يعد القاعدة الأساس لكل إصلاح تربوي، باتخاذ عدة تدابير تهتم بإحداث إطار مؤسسات تختص بالتعليم الأولي، ووضع إطار مرجعي واضح، وعدة للتكوين تؤهل كافة المربيات والمربين، بالإضافة إلى فتح أقسام للتعليم الأولي بالمناطق القروية بمؤسسات التعليم الابتدائي ،وتعزيز تأطير التعليم الأولي بأطر التفتيش، تتيح تقويم المربين( ).
ـ اعتماد التكوين المستمر بكافة الأسلاك( ).
ـ إعادة هيكلة أسلاك التعليم وتحيين البرامج والمناهج البيداغوجية والتقويم والتوجيه، وفي هذا السياق، فقد تمت مراجعة كل برامج ومقررات التربية الإسلامية لمختلف الأسلاك، كما شرعت الوزارة الوصية في تحيين برامج الابتدائي إلى حدود السنة الرابعة ابتدائي( ).
ـ توجيه المقاربات البيداغوجية نحو استهداف التّمكن من مختلف المعارف، باعتماد الكفايات اللازمة لكل مستوى( ).
ـ إدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال( ).
انطلاقا من هذه المداخل الكبرى والدالة، يستشف المتلقي بأنها تتقاطع وتتلاقى جميعها عند الأمن التربوي، ذلك أن إلزامية التعليم ومحاربة الأمية وتعميم التعليم الأولي، وتحيين البرامج والمقررات واعتماد المقاربات البيداغوجية اللازمة، واستعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وتبني فلسفة التكوين المستمر، تحاول بشكل من الأشكال مواجهة الأمية بكل أنواعها ومظاهرها، مواجهة جذرية حازمة، على اعتبار أن كل مظاهرها متكاملة، بالرغم من اختلاف أشكالها وصورها، سعيا لربح رهان الاندماج الاجتماعي، وتجاوز الصعوبات ورفع التحديات المرتبطة بالرأسمال البشري، الكفيل بتجسيد الأمن التربوي، والسمو بكل أنواع الأمن الأخرى سلوكا وتدبيرا وتقويما، والأقدر أيضا ـ في حال نجاح هذه الرهانات ـ على مواجهة قضايا ومشاكل الغد، وتحقيق نتائج إيجابية في شتى مجالات الحياة اليومية، وترسيخ أخلاقيات وسلوكات تصبح قواعد مجتمعية.
*الكفاية القيمية:تتموقع الكفاية القيمية في قلب الأطر المرجعية التربوية السالفة الذكر، لذلك حظيت بأهمية قصوى واهتمام بالغ، اعتبارا لتفشي ممارسات وسلوكات تنتهك منظومة القيم، وتتعارض مع المضامين الفلسفية للرسالة التربوية للمدرسة، وقد جاءت هذه الرؤية القيمية لمحاربة السلوكات المشينة ،من خلال الإعلان عن إجراءات تروم تخليق الفضاء المدرسي والمحيط، حتى تصير المرتكزات القيمية جزءا لا يتجزأ من واقعنا اليومي، ومن الإجراءات والتدابير المعلن عنها نذكر العناصر التالية :
ـ الاهتداء بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية، لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة، المتسم بالاعتدال والتسامح( ).
ـ التشبع بالقيم الدينية والخلقية والوطنية والإنسانية الأساسية( ).
ـ ترسيخ القيم وتقوية الانتماء والحوار بين الثقافات والحضارات ..، ومبادئ وقيم حقوق الإنسان( ).
ـ بناء مواطن متمسك بالثوابت الدينية والوطنية للغرب مُتحلٍّ بقيم المواطن وفضائل السلوك المدني، متشبع بالمساواة والتسامح واحترام الحق في الاختلاف( ).
نسجل هنا، أن الأطر المرجعية التربوية عمدت إلى جعل التربية على القيم سواء المرتبطة بالقيم الدينية أو تلك المتعلقة بالقيم الوطنية، أو الخلقية أو التواصلية، خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، في محاولة لإدماج المقاربة القيمية والأخلاقية والحقوقية في طلب المناهج والوسائط التعليمية في أفق ترجمة هذه الأفكار إلى سلوكات مدنية داخل البيئة المدرسية والجامعية والتكوينية وحسن الانتماء إلى الوطن( ).
ويبدو، أن رهان هذه القيم مجتمعة، خليق بتحقيق أمن تربوي وسلم اجتماعي، على أساس أن استمرار المجتمع وبقاءه رهين بالتشبع بالقيم الإسلامية في علاقة بقيم المواطنة وحقوق الإنسان. إن تجاوز القيم وتعاضد كل من الأخلاق والقانون "يساهم بكل جدارة في توطيد دعائم الاستقرار الاجتماعي والتحضر والازدهار، بينما غياب أو ضعف القيم الأخلاقية في الأمة يؤدي إلى اضمحلالها وتدهورها. أما غياب أو نقص سيادة القانون، فيكرس للصراع الاجتماعي، ويصعد المشاكل الاجتماعية، ويجعل البلاد عرضة للفوضى وعدم الأمن والاستقرار( ).
والجدير بالذكر، أن ترجمة القيم إلى سلوك فعلي وممارسات وتصرفات عملية، في إطار تنمية الكفايات الضرورية في هذا السياق، "يتطلب : تجاوز أساليب الوعظ والنصح والأمر والنهي وتقديم المعلومات والمعارف، إلى اعتماد مقاربات إنماء القيم والاتجاهات وطرائق التربية الوجدانية وأساليب التعلم بالممارسة، والانخراط في أنشطة تترجم القيم والاتجاهات إلى سلوك فعلي يتوافق فيه النظر بالعمل، وتتلاحم فيه الأقوال والأفعال( ).

3. أبرز الإكراهات التي تواجه تحقق الأمن التربوي بالمدرسة المغربية
في هذا السياق، سينصب الاهتمام على إثارة نقاش حول أبرز الإكراهات التي ترصدها البحوث التربوية والميدانية( )، فيما يتعلق بالثغرات التي تعرقل تفعيل محاولات الإصلاح المتتالية، دون أن تنجح في تحقيق جانب مهم من ملموسية الأمن التربوي، ودرجة تأثير ذلك على المرفق العام والسلوكات المدنية. الأمر الذي يستدعي البحث عن أسباب ودواعي ضآلة وخفوت مظاهر وتجليات الأمن التربوي والقيمي والإنساني بالمدرسة المغربية. ومما يجعل الأمر مربكا ،أن الاقتراب من هذه الاختلالات الإدارية والتصرفات السلبية للذات والجماعة في مجالات الحياة اليومية، والتي تنتشر في المدرسة، والشارع، والإدارة ...، هو طابعها التركيبي، حيث يتداخل فيها التربوي والنفسي والسوسيواقتصادي والسياسي، لذلك ينبغي، أن يتقصد النظام التربوي العنصر البشري، ويؤهل المدرسة المغربية لكسب رهان الأمن التربوي، عبر إحداث تغيير داخل المؤسسة وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية ..، حتى تتكامل العناصر المعرفية والعناصر القيمية والخلقية والحقوقية، على اعتبار أنه المدخل الوحيد نحو بناء مواطن حامل للقيم المحلية والحضارية والكونية، متمسك بالثوابت الدينية والوطنية والقيم الإنسانية ،التي تصنع له الوازع الذاتي والرقيب الداخلي في الخلوات والجلوات والسر والعلن، ولعل هذا ما حدا بمارتن لوثر إلى القول : "ليست سعادة البلاد بوفرة إيرادها ولا بقوة حصونها، ولا بجمال مبانيها، إنما سعادتها بعدد المهذبين من أبنائها، وبعدد الرجال ذوي التربية الأخلاقية فيها( ).
وفضلا عن هذا وذاك، يمكن أن نحصر أهم مظاهر الإكراهات المشوشة على الأمن التربوي، بحسب الأسلاك التعليمية فيما يلي :

1.3. سلك التعليم الأولي والابتدائي:
نسجل منذ البداية أن هناك غياب للتعليم الأولي بالمؤسسة العمومية، وإن كانت هناك استثناءات تتمثل في مؤسسة محمد السادس للتعليم الأولي، التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد، أما بالنسبة للتعليم الخصوصي، فإن حضوره يشكو من نقص حاد على مستوى البنى التحتية والتجهيزات والفضاءات، وأيضا من فقر في التجربة والتأطير والمراقبة، ولعل هذه الحلقة من التعليم الشبه المفقودة ،تنبع أهميتها من كون "التجارب التي يحياها الطفل خلال السنوات الخمس أو الست الأولى من حياته تفرز تركيب شخصيته مدى الحياة. ولهذا فإن عملية تربية الطفل وتثقيفه خلال هذه السنوات أمر حاسم بالنسبة إلى الفرد وبالتالي إلى المجتمع"( ).
أما بالنسبة للمرحلة الابتدائية، فعلى الرغم من إعادة الهيكلة ومراجعة البرامج من السنة الأولى إلى السنة الرابعة ،بشكل يتماشى مع المرجعيات والغايات الكبرى للميثاق في التنشئة الاجتماعية، فما تزال هناك أمور عديدة تؤثر على الترجمة الفعلية للقيم الدينية والخلقية والإنسانية، منها :
•    صعوبة تفعيل الحياة المدرسية لكثرة عدد ساعات العمل 30 ساعة أسبوعيا.
•    ظاهرة الاكتظاظ التي استفحلت بشكل ملفت.
•    نقص في أطر التفتيش.
•    انعدام المرافق الصحية بالوسط القروي، والقاعات المتعددة الوسائط، والقاعات المخصصة للأنشطة الموازية.
•    إعادة انتشار الأساتذة، وعملية الضم دون اعتبار لمصلحة المتعلمين.
•    انعدام الساحات لممارسة التربية البدنية.
•    ندرة التنسيق بين الأسرة والمدرسة، ومؤسسات المجتمع المدني والسلطات المحلية.
•    عدم احترام أوقات الدخول والخروج، وفترات الاستراحة، وعند بداية السنة ونهايتها، وقبل وبعد العطلة، كمؤشرات تدفع إلى طرح أسئلة حول الظاهرة التي اتسعت، حتى صارت عرفا لا يقبل النقاش.
•    كثرة الغياب في صفوف التلاميذ والمدرسين على حد سواء، بسبب الملل والقلق من المستقبل، أو بسبب فقدان الثقة، وتكاسل وتماطل في أداء الواجبات المدرسية ونوع من الهروب من المسؤولية( ).
•    العنف والعدوانية والتمرد على القوانين، حيث أصبح العنف جزء من سلوك عام داخل المؤسسة، لدى التلاميذ ولدى أوليائهم، ولدى العاملين فيها : تكسير للمقاعد والنوافذ، اعتداء على الأطر التربوية ورشقهم بالحجارة، تلطيخ للجدران، التمرد على العمل، تمرد على الواقع، مخالفات سلوكية وأخلاقية مختلفة، وبعض مظاهر الانحراف والإدمان( ).
•    كثرة المواد المقررة وطولها.
•    تشتت الفرعيات بالمجموعات المدرسية وغياب الرقابة الذاتية، يؤثر سلبا على عملية التعلم.
2.3 سلك التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي
من المعلوم أن سلكي التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، يعاني من إكراهات مختلفة، منها :
ـ ارتفاع ظاهرة الاكتظاظ بالمؤسسات التعليمية.
ـ تباين عدد ساعات العمل، حيث تتأرجح بين 24 ساعة و12 ساعة بالإعدادي، وبين 21 ساعة و8 ساعات بالتأهيلي، مما يخلق جوا مشحونا بين الأطرالتربوية ، ومع الإدارة الإقليمية أو الجهوية أحيانا.
ـ غياب النسقية بين المواد التعليمية، إذ هناك فجوات أفقية بين الأسلاك، وأيضا بين بعض المواد التربية الإسلامية والفلسفة، وبين لغة التدريس والمواد العلمية.
ـ الخصاص في بعض الأطر من هيئة التدريس والتفتيش.
ـ تنوع مؤسسات التعليم والتربية، فهناك العمومية والخصوصية، والتعليم الأصيل، والعتيق وتعليم البعثات الخارجية، مؤسسات التعليم الفرنسي والإسباني ..، في غياب تصور واضح عن مواصفات الإنسان والمجتمع الذي نريد الحصول عليه.
ـ تنامي ظاهرة الغش في التقويمات الإشهادية، وتطور أساليبها، اعتبارا لامتدادات الغش السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ـ اهتزاز القيمة العلمية للشواهد المغربية الباكالوريا (مثلا).
ـ تفشي ظاهرة العنف بين مكونات المؤسسات والتحرش الجنسي.
3.3. مؤسسات التعليم العالي :
نتيجة للتحولات والتغيرات التي بات يشهدها التعليم العالي على مستوى البنيات المؤسساتية والنظام البيداغوجي والعلاقة بالمحيط، التي مست في العمق وظائفه وقيمه المعرفية والثقافية، فقد أصبح هذا التعليم من جراء هاته التحولات يواجه العديد من الإكراهات التي تؤثر سلبا على المكانة العلمية و الإشعاعية له، أبرزها:
-    تراجع القيم التربوية وقيم العلم والعقل التي تشيعها الجامعة داخل المجتمع.
-    تراجع المكانة الاجتماعية والثقافية للإنسان المثقف العارف بمعناه الأنتليجنسي: نساء ورجال الجامعة والباحثين والكتاب.
-    ضعف الإقبال على المنتوج الأكاديمي ،بسبب انهيار معادلة الشهادة الجامعية للشغل أو الوظيفة( ).   
ـ الحديث عن حلقات منفصلة وجزر متباعدة بين الشعب، لاعتبارات ذاتية ومذهبية وفكرية واختلافات لغوية.
ـ الصراع الطلابي وتعدد الفصائل وموجة العنف التي تعصف بها أحيانا.
ـ غياب ربما دفتر التحملات، يطرح مشكل التنسيق بين الأساتذة داخل الشعبة الواحدة، لتقريب وجهات النظر وخلق الانسجام والتكامل في الوظائف والأدوار.
ـ اجتثاث مواد الفنون من مراكز التكوين كالموسيقى والرسم والتشكيل.
ـ طابع الارتجالية في إسناد مسؤولية التدريس، عبر خطية غير مستقرة على أسلوب واحد فهناك (التكوين الأساس، الخدمة المدنية، التوظيف المباشر، إعادة الإدماج، التوظيف بالعقدة...) وما لذلك من أثر مباشر على المردودية.
يبدو من خلال ما سبق، أن الرهان الحقيقي ينبغي أن ينصب على إعادة الاعتبار لهيئة التدريس ولدورهم وللمدرسة العمومية، لأنه بالرغم من كل الإكراهات والعوائق، فهي الأقدر على التأثير في الحياة التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لما لهيئة التدريس من دور في بناء الإنسان وتشكيل توجهاته، وإثراء مقوماته الإنسانية، وإنارة عتمة الطريق، وتصحيح السلوك، بتحويل الدوافع الداخلية إلى دوافع خارجية إيجابية، لأن الذي ينمو أخلاقيا لا يحتاج إلى أمن، وما يؤكد هذا الدور الطلائعي للمدرس، قول الباحث والمفكر اللساني عبد القادر الفاسي الفهري، في إحدى حواراته : "إن التعليم ليس هو المدارس الجملية، ولا الميزانيات "المعتبرة" ولا حتى الوسائط العصرية. لقد أفسدنا التعليم العمومي، ونحن في طريق القضاء عليه، لم نرصد الداء بوضوح، وبقينا حبيسي التبريرات والتهربات من تحديد المسؤوليات والتقارير الفوقية. حينما كنا ندرس، كان المعلم هو المسؤول، وإذا لم يفهم التلاميذ أو ينجحوا، يحمّل المسؤولية، وكان المربي مكونا محترفا ومؤطرا بإدارة تربوية مكوّنة ومحترفة ،والكل يحسب الحساب للقيام بالمسؤولية أحسن قيام، وللمحاسبة، كان التعليم والتأطير جيدين للمعلمين، وكانت النتائج جيدة عند من يقدرون المسؤولية، وكانت المحاسبة شرسة"( ).
خلاصــــــة واستشرافـــــات :
إن موضوع الأمن التربوي يحتل مكانة استراتيجية في المنظومة التربوية لأنه آلية حضارية راقية، لتحصين كل المظاهر وحمايتها من إنسان، وطبيعة، وثروات، وعمران، وتراث، وحضارة، وقيم، وتاريخ، من كل سلوك عدواني مدمر، إنه صمام أمان الذات والأفراد والجماعات محليا وعالميا، وأداة للاستقرار الروحي والسلم الاجتماعي، في ظل منتظرات للمدرسة المغربية وما توصلت إليه فعلا، خاصة بعد الرهانات التي تمخضت عن محطات الإصلاح منذ الاستقلال إلى مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي، ثم الرؤية الاستراتيجية المتوسطة المدى التي ابتدأت سنة 2015 وستستمر إلى حدود سنة 2030، على أنه يجب أن نعتبر الإكراهات التي تشكو منها المنظومة طبيعية، لأن التربية قائمة بين ما يجب أن يكون "المثال" وبين ما هو كائن وممكن ،وفق شروط وإكراهات اجتماعية وسياسية واقتصادية، و استحضار أن المغرب يعيش مخاض النقلة الحداثية، وفي نفس الوقت المحافظة على قيمة الدينية والحضارية الأصيلة، وهذه نفسها صعوبة لن تتغلب عليها إلا التربية.
وقبل الختام نتقدم ببعض المقترحات كاستشرافات ،لبلوغ المقاصد المثلى من الأمن التربوي، وهي كالتالي :
ـ إعادة الاعتبار للمدرسة المغربية، واسترجاع الثقة بها وبدورها في تحقيق رهانات الأمن التربوي كممارسة وسلوك ،من لدن كل الأطراف من المتدخلين والفاعلين والشركاء وجمعيات المجتمع المدني، حتى يصير فضاء مرغوبا فيه من طرف الكل.
ـ إحداث حوافز مادية ومعنوية لهيئة التدريس، وتوفير مناخ نفسي واجتماعي، ومناخ تربوي ملائم حتى يشعر بأهميته ودوره، ومدى قيمته من حيث هو فاعل تربوي( ).
ـ الحرص على وضوح التعاقد بين التربوي والاجتماعي والسياسي.
ـ إحداث محترفات للتربية الفنية والجمالية بمؤسسات التعليم المدرسي والجامعي، لمواجهة شتى أشكال التطرف والعنف.
-    تأهيل الرأسمال البشري من حيث السلوك ،و نظم العلاقة بين الإنسان و ذاته ومجتمعه و العالم.
ـ محاولة صياغة مفهوم تكاملي للتربية استجابة لمراكز اهتمام المتعلم.
-    السهر على التنشئة الأمنية بكل أبعادها منذ مرحلة الطفولة المبكرة.
ـ عقد العزم على تجفيف ينابيع الأمية، لأن التاريخ الراهن لا يقبل بين أحضانه الفئات الأمية أو غير المؤهلة لمسايرة المستجدات المعرفية، ولمواكبة الإيقاع السريع للمنافسة القائمة بين سائر المجتمعات.
ـ تنمية الاتجاه الإيجابي نحو التغيير، سعيا لتجاوز الوضع الراهن والمساهمة فيه بفعالية.
ـ إدراج "الأمن التربوي" ضمن مجزوءة من المجزوءات المدرسة بالجامعة والمعاهد العليا، وإقرارها بالبرامج والمقررات بجميع الأسلاك التعليمية.
ـ توقيع الجامعات والمعاهد العليا لشراكات مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية لتأطير هذه المجزوءة.
 - معالجة كل التوثرات القائمة بين بعض المواد و التخصصات،من غير اجترار نفس الأوراق و نفس الأعطاب،و تقاذف المسؤوليات،و ذلك بمنظور الفعالية و النجاعة و المشترك الوطني.
- تضافر جهود جميع المتدخلين من أجل التصدي الحازم للسلوكات اللامدنية ،التي ما فتئت تتنامى داخل مؤسسات التربية و التكوين، وأيضا بالمجتمع
ـ جعل الروحي مشبعا بالروحية وليس مفرغا من كل روحية.
-    العمل على تخفيف الهوة بين الخطاب حول القيم و الحقوق والواجبات، وبين الممارسة الفعلية لها، بالنظر إلى استفحال السلوكات المخلة داخل المدرسة     وخارجها.
على سبيل الختم.
ويبقى التفاؤل يحدونا والأمل ديدننا جميعا، لترسيخ ثقافة الأمن التربوي، التي ليست بالأمر الهين والسهل، ولن تحصل بمجرد إيماننا بضرورة حصولها، لأن الأمر مركب ومعقد وفي غاية الصعوبة، دون أن يعني هذا التخلي عن إيماننا العميق به، لتحقيق الأمن والسلم الاجتماعي، بكل الوسائل المتاحة حتى تتركز إنسانية الإنسان ويتقوى جانبه العقلي والتربوي والتنظيمي والجمالي والتواصلي ،على جانبه الحيواني ليصل إلى اكتماله الأوفر( ).

لائحة المصادر والمراجع

  1. •    القرآن الكريم برواية ورش، دار الكتب العلمية، بيروت، ماي 2013.
  2. •    ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت 1994.
  3. •    ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الجيل، بيروت، 1991. إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط.
  4. •    Le nouveau Petit Robert, De Paul Robert, Nouvelle édition millésime 2010, Paris.
  5. •    Le Petit Larousse illustré  وLa Rousse/VUEF 2003 
  6. Entwistle NEel, Style of learning and Teaching chechster, New York 1996.
  7. •    محمد عزيز الحبابي، من الكائن إلى الشخص، دار المعارف، مصر.
  8. •    محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ط. 2، بيروت 2006.
  9. •    الميلود السعيدي، التحصيل الجامعي: مشكلاته المجتمعية وقضاياه البيداغوجية والمعرفية، الجزء الأول، مطبعة أنفو – فاس، ط.1، 2008.  
  10. •    طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، ط. 3، 2006.
  11. •    إمانويل كانط، تأملات في التربية، دار محمد على للنشر، ط. 1، 2005.
  12. •    السيوطي والألباني، مختصر صحيح الجامع الصغير، ط. 1، شركة أنفا للنشر والإنتاج الفني.
  13. •    الإمام البخاري، صحيح البخاري، ط. 1، 1423 هـ.
  14. •    رشيد عبد الله الجميلي، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، مكتبة المعارف، الرباط، ط. 1، 1983.
  15. •    أبو محمد الملك، السيرة النبوية، لابن هشام، دار الكتاب العربي، ط. 2، 1989.
  16. •    دستور المملكة المغربية، صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، ط. 2.
  17. •    رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية.
  18. •    Biggs. G. B. and Collis. K. F., Evaluation The quality of learning : The Solo Taxonomy, sydney : Academic Press, 1994.
  19. •    المغرب الممكن، إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك، تقرير الخمسينية، مطبعة دار النشر المغربية 2006، الدار البيضاء، المغرب.
  20. •    وزارة التربية الوطنية، المذكرة الوزارية رقم 127 بتاريخ 5 يونيو 2010.
  21. •    المدرس وأخلاقيات المهنة، سلسلة التكوين المهني، لجنة الإعداد، خالد المير ومحمد الدويب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001.
  22. •    وزارة التربية الوطنية، التربية على المواطنة والسلوك المهني، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، نونبر 2012.
  23. •    خالد المير ومحمد الدويب، المدرس وأخلاقيات المهنة، سلسلة التكوين المهني، لجنة الإعداد، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001.
  24. •    وزارة التربية الوطنية، التربية على المواطنة والسلوك المهني، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، نونبر 2012.
  25. •    محمد الدريج، المنهاج المندمج، أطروحات في الإصلاح البيداغوجي لمنظومة التربية والتكوين، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة،      ط. 1، 2015.
  26. •    هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الرابعة 1991.
  27. •    الخمار العلمي، المعرفة والسلطة دراسات في التربية والطفولة والجنس، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995.
  28. •    نحو تحديث مناهج التعليم، عالم التربية العددان 6 ـ 7/1999.
     
Partager cet article
Repost0
20 avril 2023 4 20 /04 /avril /2023 23:24
Reevaluating Language Teaching Methods: Is the Traditional Approach Obsolete?

Reevaluating Language Teaching Methods: Is the Traditional Approach Obsolete?

Mohammed Akram Nacif [1]

دراسة محكمة

ملخص 

تعد منهجية تدريس اللغة مسـألة ذات أهمية بالغة لاتزال موضوع نقاش واسع في أوساط أهل التخصص من أساتذة وباحثين. وقد برز مؤخرا توجه يقول ب’ موت المنهج ’بمعنى أننا اليوم نعيش ولادة منهج مستجد أساسه ‘اللامنهج’ في منهجية تدريس اللغة. نقطة البحث في هذا المقال تتمحور حول مناقشة مدى صحة هذا الزعم وهل فعلا نحن اليوم نشهد ‘موت’ المنهج في تدريس اللغة أم أن الأمر لا يعدو أن يكون اعتقادا لا صحة له باعتبار أن اعتماد واستعمال الكتاب المدرسي نفسه يعد ترسيخا فعليا وتكريسا بطريقة غير مباشرة لكل المناهج المتعارف عليها علميا. والحقيقة أنه لا يخلو كتاب مدرسي عند كتابة محتواه من اعتماد منهج ما يكون له مرجعا وإطارا نظريا يعطيه مصداقية وسندا علميا وجودة، ومن تم فكل مدرس، سواء علم بذلك أم لم يعلم، وسواء كان راغبا أم كارها، فهو يتبع منهجية ما، متمثلة في نظرية اللغة التي اعتمدها مؤلفو الكتاب المدرسي وفي الطريقة التي يعطي بها الكتاب الأولوية لأنواع معينة من الأنشطة على غيرها من باقي الأنواع.

الكلمات المفتاحية: اللغة؛ التدريس؛ المنهجية؛ المقاربة؛ الطريقة البعدية.

Résumé

La question de la pertinence de la méthodologie d'enseignement des langues a été largement débattue récemment. Assistons-nous à la ‘mort de la méthode’ ou le manuel a-t-il simplement été une réincarnation de la méthode de manière discrète ? Les enseignants qui croient ne pas adopter ou suivre une méthode spécifique, mais qui utilisent un manuel dans leur enseignement quotidien, sont autant liés par une méthode que les praticiens de la Méthode Directe, ou les défenseurs de la méthode Audio-orale à leur apogée respective. Evidemment, ces enseignants insisteront sur le fait qu'ils utilisent les manuels de manière sélective, conformément à leurs propres principes ainsi qu'aux besoins des apprenants. Mais quelle que soit la sélectivité de ces enseignants, ils sont toujours, volontairement ou non, liés à une théorie du langage, illustrée par la manière dont le matériel du manuel sélectionne et dépeint la langue, et à une théorie de l'apprentissage, incarnée dans la manière dont le manuel donne la priorité à certains types d'activités par rapport à d'autres.

Keywords : Language; teaching ;methodology; approach; post-method.

 

A language teaching method is “the level at which theory is put into practice and at which choices are made about the particular skills to be taught, the content to be taught and the order in which the content will be presented.” (Richards and Rodgers, 1986, p. 19) 

If you briefly survey teachers as to what method they buy into, you will most likely get answers like : ‘I don’t follow a method at all’, or ‘I prefer to be rather 'eclectic'’, and ‘I pick and choose from techniques and procedures associated with a variety of different methods’. Some might even say that, basically, their teaching follows the principles dictated by the communicative approach, itself an amalgam, embracing anything from drills to communicative tasks, and everything that exists in between. But the concept of a monolithic, prescriptive 'method' - as in the Direct Method, or the Oral/Auditory Method – seems now to be dead and done with.

That more and more teachers are less inclined to follow any particular method fits well with the modern prevalent view that we are now living in what has recently been termed a 'post-method' age in education. In his Fundamental Concepts of Language Teaching, Stern revealed that 'several developments indicate a shift in language pedagogy away from the single method concept as the main approach to language teaching' (1983, p. 477). One such development was the failure, on the part of researchers, to find any significant advantage in one method over another. As Richards (1990) stated, 'studies of the effectiveness of specific methods have had a hard time demonstrating that the method itself, rather than other factors, such as the teacher’s enthusiasm, or the novelty of the new method, was the crucial variable' (p. 36). Additionally, acknowledgment of the broad range of changing factors that influence second language learning fuelled a wide ranging discontent with the notion of a 'quick fix', or what, in the social sciences, is sometimes called the 'technical-rational approach', i.e. the belief that social change and improvement can be attained or accomplished through the strict application of scientific method. This had greatly been the spirit that urged the spread of audiolingualism, initially based upon research into animal behaviour. However, the social sciences started witnessing a challenge to 'scientism', especially in the last two decades of the 20th century, a challenge mainly associated with the emergence of postmodernism, and its abandonment of the idea of universalist, objective knowledge. Correspondingly, Pennycook (1989) argued that methods are never 'disinterested', but serve the dominant power structures in society, leading to 'a de-skilling of the role of teachers, and greater institutional control over classroom practice'(p. 610).

Towards the end of the last century, Kumaravadivelu (1994) similarly talked about what he called the 'postmethod condition', a result of 'the widespread dissatisfaction with the conventional concept of method' (p. 43). The idea is rather than readily accepting a single set of procedures, postmethod teachers adapt their approach in congruence with local, contextual factors, while at the same time being guided by a number of 'macrostrategies', more specifically two macrostrategies : 'Maximise learning opportunities' and 'Promote learner autonomy'. Four years before Kumaravadivelu’s work, Prabhu (1990) in a famous article asserted that there is no one method, but that teachers adopt an approach that corresponds uniquely with their 'sense of plausibility.' Thus, rather than blindly following a wholesale adoption of a teaching method, teachers utilize a discreet adaptation of its underlying principles, keeping only what they believe is plausible to put into practice and leaving out what they deem to be less useful.

All that said, and despite what advocates of the postmethod trend have said, it seems preposterous to claim that the notion of method has now completely faded away. In fact, it is still prevalent ;  you can find it anywhere, even if attempts have been made to replace the term itself with synonyms. Check out some internet advertising for language courses, for instance, you will come up against statements like these:

‘Duolingo is a language learning software that is now also available through ... The Duolingo method uses zero english to teach you a foreign language. ... is built around a concept called dynamic immersion, an unique learning method that uses a computer to mimic the ways in which you learnt your first language.’

‘Earworms is a unique language method that relies on audio lessons mixed into music. The theory is that you will find the music catchy and thus remember your lessons easily … it may be suitable for travelers or others who have given up on other methods.’

‘The Busuu method is broadly communicative, and based on how language is taught successfully in classrooms. The focus of each exercise within a course is to give the student something new - usually a word or a phrase - that they can use immediately in writing or conversation.’

It appears safe to claim that – in the mind of the general public, at least – the method concept is not dead. As Block (2001) notes, 'while method has been discredited at an etic level, it certainly retains a great deal of vitality at the grass-roots, emic level (that is, it is still part of the nomenclature of lay people and teachers)' (p. 72). This is an opinion rightly shared by Bell (2007) who interviewed a number of teachers on the issue, and came to the concusion that:

'Methods, however the term is defined, are not dead. Teachers seem to be aware of both the usefulness of methods and the need to go beyond them.' (p. 143).

However, in an interesting paper, Akbari (2008), using Iran as an instance, argues that, in EFL contexts, it is textbooks that have largely replaced methods in their conventional meaning:

'The concept of method has not been replaced by the concept of postmethod but rather by an era of textbook-defined practice. What the majority of teachers teach and how they teach... are now determined by textbooks' (p. 647).

As a matter of fact, the intentional amalgam of method with textbook is an idea deeply rooted in history, especially in the literature related to language teaching in Spanish, where method and textbook share a single name: método.

I shall similarly argue that the concept of method is not only vigorously alive and well, but has also been reskinned taking the form of coursebooks, in such a manner that it would be reasonably acceptable to say that textbook series like Headway and Cutting Edge – more than any other factor – are now directly shaping and dictating current teaching practice. In other words, rather than the método epitomizing a single specific method, the método is itslef the method in a much broader sense.

Now, a legitimate question rises here. What is a method? What is it, ultimately, that defines a method? Richards and Schmidt (2002) make the rational claim that 'different methods of language teaching... result from different views of:

a. the nature of language

b. the nature of second language learning

c. goals and objectives in teaching

d. the type of syllabus to use

e. the role of teachers, learners, instructional materials

f. the activities, techniques and procedures to use'

(p. 330)

 

Even a brief look at their content or at the manner they are marketed establishes the fact that the writers and publishers of textbooks take particular positions, either explicitly or implicitly, with regard to each of these areas. The theory of language that textbooks instantiate, for example, is clear from their contents pages, where language is typically understood and depicted as what Rutherford names a system of 'accumulated entities', an accumulation of linguistic items in which the role of teacher is to clarify them to the learners (Rutherford, 1987). As Basturkmen (1999) conjectured, after inspecting the back-cover blurbs of a number of present-day textbooks, 'the emphasis is on the underlying generative base or language rules rather than on surface level aspects of use' (p. 34).

Second/foreign language learning, as shown from textbooks, by and large follows a cognitive model, where factual knowledge is organized and taught through successive practice activities. For example, the back cover of Inside Out (Kay and Jones, 2001) makes the claim that 'easy-to-use exercises put rules into practice – and are then recycled as speaking activities'. As for 'the goals and objectives of language learning', these tend to go very much in accordance with those of the communicative approach. Inside Out, for instance, 'has been designed to develop real-life communicative skills and powers of self-expression' (Kay and Jones, op. cit), while Cutting Edge (Cunningham and Moor, 1998) aims at 'improved confidence and fluency' as well as 'a clearer understanding of how language is used'. (There is, obviously, no recognition that the discrete-item focus of the syllabus might be at odds with these more holistic objectives.) As far as the syllabus is concerned, the grammar ‘doctrine’ still holds way, but the influence of the lexical approach (Lewis, 1993) and of corpus linguistics (or ‘real life’ language) is now ostensibly clearer. Innovations (Dellar and Hocking, 2000) 'has a strongly lexical syllabus, presenting and practising hundreds of natural expressions which students will find immediately useful', and Natural English (Gairns and Redman, 2002) offers 'a new syllabus area called natural English – accessible, high-frequency phrases which intermediate students can pick up and use'.

Within the postmethod trend, the role of teachers, learners and instructional materials is most clearly demonstrated in the Teacher’s Book component, where the teacher’s role is both didactic and facilitative, and serves mainly to convey the textbook materials by, for example, explaining, demonstrating and modelling language items, and by setting up and monitoring student interactions. Gairns and Redman (2002) say:

'Once learners have thought about exercise 1, go over the language in the natural English box. You could model the phrases and replies yourself and ask learners to repeat them, then practise the two-line dialogues across the class' (p. 24).

The guidelines typically make the teacher as the center of attention, the locus of control in the classroom and even at times imply that the learners are potentially disruptive:

'Don’t let the false beginners dominate the real beginners or pull you along too quickly… Encourage [the false beginners] to concentrate on areas where they can improve (e.g. pronunciation) and don’t let them think they know it all!' [Oxenden and Seligson, 1996, p. 15]

Still, sporadic reference is made to the need to encourage learner agency and autonomy. For example, 'Choices within tasks encourage learners to take charge of interactions' (Kay and Jones, op. cit). Not unexpectedly, though, the textbook forms the core component of instruction: it is both the means and the message.

Lastly, the types of activities, techniques and procedures to use are derived from a range of methodological approaches. These activities rarely involve translation, or encourage the use of, or any reference to, the learners’ L1. The influence of the communicative approach appears to be strong, with most lessons including information-gap tasks, and texts that strive toward authenticity. There is a heavy focus on skills, and the distribution of the material gives more weight to skills-oriented activities than language-oriented ones. The dominant version/accent for representing English is a native-speaker one, and both the topics and the design of the materials reflect an 'aspirational culture' of travel, consumerism and popular culture (Gray, 2002).

Conclusions

These are, therefore, the characteristcs of a method, typically enmeshed in a método, inextricably linked to it. Clearly, teachers who believe not to be adopting or following a specific method, but who are using a textbook, are as much bound by a method than practitioners of the Direct Method, or advocates of the Audiolingual method during their respective heydays. Obviously, these teachers will insist that they use textbooks selectively, in accordance with their own principles as well as the needs of the learners. But however selective these teachers are, they are still, willingly or unwillingly, tied to a theory of language, exemplified in the way that the textbook material selects and depicts language, and to a theory of learning, as embodied in the way the textbook gives priority to certain types of activity over others.

 References

 

Akbari, R. (2008) Postmethod discourse and practice. TESOL Quarterly, 42/4.

Basturkman, H. (1999) A content analysis of ELT textbook blurbs: reflections on theory-in-use. RELC Journal, 30/1.

Bell, D. (2007) Do teachers think that methods are dead?  ELT Journal, 61.

Block, D. (2001) An exploration of the art and science debate in language education. In Bax, M, and Zwart, J.-W (eds.) Reflections on language and language learning: In honour of Arthur van Essen. Amsterdam: John Benjamins.

Cunningham, S. and Moor, P. (1998) Cutting Edge: Intermediate. Student’s Book. Harlow: Longman.

Dellar, H. and Hocking, D. (2000) Innovations. Hove: LTP.

Gairns, R. and Redman, S. (2002) natural English: Intermediate. Student’s Book. Oxford: Oxford University Press.

Gray, J. (2002) The global coursebook in English Language Teaching. In Block, D., and Cameron, D. (Eds). Globalization and language teaching. London: Routledge.

Kay, S., and Jones, V. (2001) Inside Out Upper Intermediate. Student’s Book. Oxford: Macmillan.

Kumaravadivelu, B. (1994) The Postmethod condition: (E)merging strategies for second/foreign language teaching. TESOL Quarterly, 28.

Lewis, M. (1993) The Lexical Approach. Hove: LTP.

Oxenden, C. and Seligson, P. (1996) English File 1: Teacher’s Book. Oxford: Oxford University Press.

Pennycook, A. (1989)  The concept of method, interested knowledge, and the politics of language teaching. TESOL Quarterly, 23.

Prabhu, N.S. (1990) There is no best method – why? TESOL Quarterly, 24.

Richards, J. (1990) The Language Teaching Matrix. Cambridge: Cambridge University Press.

Richards, J. and Schmidt, R. (2002) Longman Dictionary of Language Teaching and Applied Linguistics (3rd edn.) London: Longman.

Richards, Jack C. and Theodore S. Rodgers (1986). Approaches and methods in language teaching: A description and analysis. Cambridge: Cambridge University Press

Rutherford, W. (1987) Second language grammar: Learning and Teaching. London: Longman.

Stern, H.H. (1983) Fundamental Concepts of Language Teaching. Oxford: Oxford University Press.

 

[1] Associate Professor, CRMEF - Fes

Reevaluating Language Teaching Methods: Is the Traditional Approach Obsolete?
Partager cet article
Repost0
10 mars 2023 5 10 /03 /mars /2023 19:38

المساحات الكاليغرافية للحكي في المجموعة القصصية ورثة الانتظار

بقلم  د. عزالدين نملي


سنقاربة واحد من الإبداعات السامقة للمبدع عبد النور ادريس من خلال ثلاث ورقات , تحاول الورقة الأولى الوقوف على عنوان المجموعة القصصية "ورثة الانتظار" والورقة الثانية تعالج مسألة استحضار الشخصيات التاريخية في مجموعته السردية كتقنية من التقنيات الفنية , أما الورقة الثالثة فتحاول الوقوف على الصور البلاغية التي تنتشر بكثافة على طول المساحة الكلغرافية للحكي.
تطمح هاته الورقات إلى القبض على بعض ملامح التقنيات التعبيرية والأسلوبية والفنية , التي يحفل بها البناء السردي في " ورثة الانتظار" , من خلال البحث في مظاهرها وأشكال حضورها بهدف الإمساك بالدلالة الثاوية فيها ,و اﻈهار ما يكتنفها من توتر وقلق , ويترسب في أعماقها من مكونات سردية تنفتح على الذات والموضوعي, والخاص والعام , وما تختزنه من حمولات جمالية , وطاقات فنية وتعبيرية , على اعتبار أن الكتابة عند القاص عبد النور , حضورا وجوديا تبني نفسها على آليات ومكانيزمات فعالة, تساهم في تحريك اشتغالها وتفجير طاقاتها, حيث تتواشج كل التقنيات والمقاصد لصالح الفكرة المركزية و الدلالة المحورية , التي تعانق في هذا الجنس السردي موضوعة الانتظار في شتى تمظهراتها وتجلياتها , إنها كما يتبين لقارئ النصوص تمارس حضورا قويا في المحكي وفي نفس السارد وشخوصه و في تركيباتهم النفسية وعمقهم الوجداني, وسلوكا تهم الفردية و الجماعية, كما يظهر ذلك من خلال غلاف المجموعة القصصية ..الكل ينتظر بما في ذلك الراوي نفسه.. الكل ينتظر في قاعة متآكلة نسجت في فضائها العنكبوت بيتها, وتراكمت فيها جماجم آدمية, دلالة على مصائر البشر المعومة , والانتظار القاتل , اللانهائي واللامحدود..انتظار واغتراب وتيه وعبث..وتبرز قدرة السارد في نجاحه في تمرير معاني الانتظار في شرايين الملفوظات السردية, ومالها من تداعيات على امتداد طول مساحة السرد.

الورقة الأولى ..عنوان المجموعة القصصية "ورثة الانتظار" .

يمثل العنوان ورثة الانتظار، هذا المركب الاسمي خبر مقدم + مضاف إليه ، العتبة الأولى لدخول عالم النص السردي .. حيث يلعب أدوارا حية في الكشف عن دلالة النص، واستجلاء فكرته العامة، فهو علامة دالة تحرك في المتلقي عموما شهوة القراءة .. إن العنوان لم يوضع اعتباطا، إنما وضع من أجل تأدية وظائف متنوعة تخدم النص السردي وتوجهه وتمنحه إطارا متماسكا، وتطوقه بدلالات تكشف مقصديته، فالعنوان بمثابة نواة تتناسل من النص،إنه يتموضع كمعلومة بعتبة الواجهة، وينهض بوظيفة دمج المتلقي بالنص، وهو ما تنبه إليه كنغور حينما قال : " العنوان يؤسس غواية النص" .. لأن الاشتغال على السرد يبتديء انطلاقا من العنوان، حيث يستقر عند بوابته، ويعطينا إشارة المرور للدخول إلى عالمه. والعنوان هنا يكتسب قيمة دلالية وبلاغية لأن إسناد الانتظار إلى الورثة، ينم عن منافرة دلالية، تنزح في هذا التركيب عن اللغة المألوفة : " ورثة المال " " ورثة الفن " ورثة العلم "... ، فالسارد حطم الحواجز القائمة بينما هو أدمي ورثة وما هو مجرد الانتظار .. للدلالة على القتامة التي تسكن الأنساق السردية، والوعي الحاد الذي يسكن لا وعي الكاتب من هول تراكم الهزائم والإخفاقات والانكسارات ..والاحتراق في صف الانتظار، مما اكسب القوالب السردية قوة درامية ناجمة عن مشهد المسلسل الوجودي والتاريخي للشخصيات الاجتماعية ،المتآكلة، المتهاوية، والمحترقة بلهب الانتظار، كما في صحراء التتار لدينوبوزاتي ، حيث يغرق المنتظرون في بحر لجي من الظلام والظلمات، وموت الرغبات،ونزيف التوسلات...

الورقة الثانية :استحضار الشخصيات في المجموعة السردية

لقد شكل التاريخ طاقة مرجعية ومصدرا معرفيا، استقى منه السارد مواد بناءه خاصة ما تعلق منه باستدعاء الشخوص الماضية ذات الأبعاد الرمزية، وقد أضفى على هذه الاستدعاءات والتوظيفات لمسات فنية وأبعادا دلالية ، دلت على براعته وقدرته الفنية في توظيف ما يلاءم كل سياق، حيث أكسبها أبعادا إنسانية ترتبط بمشكلات الوجود والحياة وقيم العصر، كما نلمس ذلك في الزمن المكسور ص 13/ 14 ، حين استدعى كل من " هوميروس"و " عبد الرحمان المجذوب"، وجعل قبريهما يتصافحان ومضامين إبداعهما.. تركب صهوة الزمن للامحدود، متجولة في أمكنة وفضاءات الشوارع راصدة حركات الأفراد داخل المجتمع في زمن الترهل والاختناق والإخفاق.. حيث لم يجد عبد الرحمان المجذوب أمام هذه الصورة القاتمة إلا ان يطلق ساقيه للريح هاربا من هذا الزمن الرابض المكسور " ص 14 و15" ..، حيث جعل السارد من هذه الشخصيات منسجمة مع الفضاء السردي والدلالي الذي يروم تبليغه وإبلاغه من خلال رؤياه المسكونة بهاجس الزمن الرديء

الورقة الثالثة: الصور البلاغية في المجموعة السردية

تتجه الورقة الثالثة بسهم التحليل، إلى الصورة الشعرية التي يحفل بها النص السردي والتي تشكل خاصية أسلوبية في السرد عند الأستاذ إدريس عبد النور، لكونها تحتل مسافات مهمة في الملفوظات السردية، مما أضفى على تجربته السردية طابعا من الفرادة والبهاء، علما أن هذه الصور البلاغية تلم تلابيب المضمون وتجمع شتاته، كما تنهض بوظيفة إلحامية متميزة .. إن توزعها اللافت في جل أرضية النص، أكسبه غنى وثراء دلاليا، وساهم إلى حد كبير في تمتين بنية النص المتداخلة والمتعالقة.

هكذا، ومن خلال بعض الصور الاستعارية والمجازية التي ارتقت إلى مدارج الصور الانزياحية، بشكل يتطلب مجهودا من القارئ لمعرفة مخبوئها ومستورها الأسلوبي والدلالي، الذي يتسع لأكثر من معنى كما نلاحظ من خلال النماذج التالية:

" القبور تحتفي" ، الألوان الهاربة " ، الفصول الراقدة " ، الطرقات صائمة" الزمن رابض مكسور... حيث يتبين أن هذه الصور تتكئ على المنافرة، لكون المستعار والمستعار منه ينتميان إلى حقول تختلف اختلافا جذريا عن بعضها البعض، حيث يتم إسناد الإنسان على غير الإنسان، الشيء الذي يكسر أفق انتظار المتلقي أمام هذه الانحرافات والمنافرات التي تخدم الدلالة الدرامية والنغمة الحزينة ، والرؤيا الساخرة " الأحزان الضاحكة " .. ما يفسر دلالة اللاجدوى والعبث والاحتراق من انتظار تحول غير ممكن لزمن التخاذل والقتامة والهزائم .

وبهذا المعني فإن الصور البلاغية التي تحفل بها هذه المجموعة السردية ترقى إلى مصاف الصور الإبداعية الخالصة، وتعبر في نفس الوقت عن تجارب نفسية وإنسانية ووجودية في غاية التعقيد .

وختاما فإن هذه المجموعة السردية تحتاج إلى أكثر من قراءة وتأويل، لكونها تزخر بطاقات تعبيرية وتقنية لغوية وفنية جديرة ببحث مستفيض، يرقى إلى مستواها الإبداعي،وعليه فإن هذه القراءة تبقى مفتوحة إلى حين لقاء آخر نجتمع فيه مع هذه الكوكبة من المثقفين والمحبين للإبداع والفن..

Partager cet article
Repost0
26 février 2023 7 26 /02 /février /2023 07:56
الأبعاد الحضارية لإصلاح المنظومة التربوية عند العلامة مصطفى بنحمزة

الأبعاد الحضارية لإصلاح المنظومة التربوية عند العلامة مصطفى بنحمزة

د. عبد الجليل بوسيف

دراسة محكمة

ملخص

تتسم  الرؤية الإصلاحية للدكتور مصطفى بنحمزة بالرزانة والمتانة والشمولية وبعد النظر، وقد نبه من خلالها إلى الحذر من بعض الدعاوى التي تتخذ من دعوة الإصلاح هذه ذريعة إلى إلغاء ما تبقى تدريسه من قيم الإسلام وتعاليمه في برامج التعليم.

الكلمات المفاتيح: الرؤية الإصلاحي – الشمولية – الدعاوى – قيم الإسلام

Sommaire

La vision réformiste du Dr Mustafa Benhamza se caractérise par la sobriété, la pérennité, l'exhaustivité et la clairvoyance. A travers elle, il a mis en garde contre certaines affirmations qui prennent cet appel à la réforme comme prétexte pour annuler ce qui reste de son enseignement des valeurs. et les enseignements de l'Islam dans les programmes d'éducation.

Mots clés : vision réformiste - totalitarisme - revendications - valeurs de l'islam

أولا: إصلاح التعليم العمومي والخصوصي.

إثر صدور بلاغ الديوان الملكي بخصوص إصلاح التعليم الديني، انبرت جملة من الأقلام لتقديم مقترحات إصلاحية لهذا التعليم، استنادا للخطوط العريضة التي أرساها الخطاب الملكي لهذا الإصلاح، وكان من أهم تلك المقترحات، مقترح العالم الكبير "مصطفى بنحمزة" الذي قدم فيه رؤيته الإصلاحيةَ لتنزيل مضمون وفحوى الخطاب  الملَكِي.

وقد أسس هذا المقترح على ثلاثة مرتكزات ومعالم، وفق ما جاء به الخطاب الملكي، تندرج تحتها فروع وتفصيلات موضحةٌ ومبينة، ففي مستهل مقترحه هذا يقول: "إن بلاغ الديوان الملكي المعبر عن إرادة إمارة المومنين ورؤيتها لإصلاح التعليم الديني قد تضمن محاور يجب أن تعتبر معالم وحدودا يجب أن لا يحيد عنها أي إصلاح مقترح، والمتعين هو تحليلُ تلك المضامينِ وأجرأَتُها وتفريغها في مجزوءات تربوية قابلة للتنفيذ، وهاته المضامين التي تمثل معالم ومرتكزات يقوم عليها الإصلاح هي:

المرتكز الأول: إعطاء أهمية أكبر للقيم الإسلامية السمحة، وتنزيلُها ضمن عناوين دراسية.

المرتكز الثاني: الاستناد إلى المذهب المالكي في ثلاثة من جوانبه هي: سنيته ووسطيته واعتداله، وإبراز كلِّ الأبواب التي تمثل هذه الجوانب.

المرتكز الثالث: إبراز قيم الإسلام في التسامح والتعايش مع مختلف الحضارات والثقافات الإنسانية.

وتحت كل مرتكز عناوينُ صغرى تنتمي إليه وتتضافر مجتمعة في تكوين مضمونه العام"([1]).

ثم حدد لكل مرتكز أهم العناصر التي تتفرع عنه، والتي من خلالها تتم معالجتُه وتبيينه وتوضيحه، ففي المرتكز الأول حدد لمعالجته  ثلاثة عناصر هي:

أ. مفهوم القيم وسمتُها في المنظومة التربوية الإسلامية.

ب. استعراض جملة من القيم التي تكتسي أولوية بحكم الواقع المجتمعي.

ج. تشخيص معنى السماحة في الشريعة الإسلامية كما نظر لها علماء الشريعة"([2]). 

ففي العنصر الثاني يقترح قائمة من عناوين القيم وموضوعاتها، قصد إدراجها في المقررات الدراسية، بغية تعزيز جانب القيم في المجتمع بها، في الحفاظ على أمنه، والإسهام في تنميته وتطويره، وبلغ عدد القيم التي ذكرها ستةً وعشرين قيمة، تتلخص فيما يلي:

"قيمة العبادة، قيمة الانتماء للوطن، قيمة الانتماء للأمة الإسلامية، قيمة الانصهار في الجماعة، قيمة الفعل التطوعي، قيمة تحقيق أمن الجماعة والحفاظ عليه، قيمة المسؤولية في المواقف، قيمة الاحترام الطوعي للقوانين الضابطة للسلوك الاجتماعي، قيمة المقابلة بين الحق والواجب، قيمة المساواة، قيمة الجودة والإتقان في العمل، قيمة الرفق، قيمة العدل، قيمة احترام الرأي الآخر، والمجادلة بالتي هي أحسنُ، قيمة الصبر، قيمة الوفاء، قيمة الصدق، قيمة الإحساس بالجمال، قيمة احترام البيئة، قيمة احترام حقوق الإنسان العامة منها والخاصة".

وأما العنصر الثالث من عناصر المرتكز الأول فتحدث فيه عن السماحة من جهة ضبط معناها، معرفا إياها بقوله: "السماحة هي ترك الغلو والتشدد والتنطع في الدين"([3]).

وحدد مجموعة من الأبواب والموضوعات التي تعالجها وتعمل على نشر الوعي بها وتربية المجتمع عليها، من خلال إدراجها في المقررات الدراسية للأجيال المتعاقبة، وتتلخص هذه الموضوعات في: "اليسر ورفع الحرج، الذي من مظاهره تشريع الرخص، وكذا الترشيد بموضوع الخلاف، من حيث إقراره شرعا، والحرص على الخروج منه ما أمكن حفاظا على جمع الكلمة، وكذا الأخذ بعين الاعتبار أن الأحكام بتغير الأزمان والأحوال"([4]).

أما المرتكز الثاني المتمثل في: تقديم المذهب المالكي في سنيته واعتداله، فيقترح لإبراز وسطيته واعتداله، تدريسَ جملة من الموضوعات تتلخص في: التعريف بالمذهب وصاحبه، ومواقفه التي تجسد الوسطية والاعتدال في أهم القضايا.

أما المرتكز الثالث المتمثل في زرع روح التسامح والتعايش مع الثقافات والحضارات الإنسانية، فيقترح لتحقيقه: إيضاح الموقف الإسلامي الحقيقي من المخالفين، من خلال دراسة عدد من الموضوعات أهمُّها:

" - موقف القرآن الكريم من قضية الاختلاف، وأن ذلك من مشيئة الله في الناس﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ ﴾([5]). ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ([6]).

- نهي القرآن عن الإساءة إلى أي نبي من الأنبياء. ﴿ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾([7]). ﴿ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ  ﴾([8]) .

- رؤية القرآن لأهل الكتاب رؤيةً منصفةً ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾([9]). ﴿ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ﴾([10])

- دفاع القرآن عن المضطهدين من بني إسرائيل ممن نالهم ظلم فرعون: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾([11]).

- تصوير القرآن للظلم الذي لحق بالنصارى لما أحرقوا في نار الأخدود، ﴿قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ([12]).

- بناء القرآن للتعامل مع غير المسلمين على قاعدة العدل معهم والبر بهم والإحسان إليهم﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾([13]).

- تشريع الإسلام للارتباط الأسري مع الكتابيين بزواج ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾([14]).

-  دراسة نص وثيقة المدينة المنورة.

-  دراسة العهدة العمرية مع نصارى الشام، وما تضمنته من حقوق.

- - حماية اليهود في الأندلس.

-  لجوء اليهود إلى البلاد الإسلامية فرارا من الاضطهاد"([15]).

وختم بالتأكيد على ضرورة أن يتخذ الإصلاح - من منطلق الخطاب الملكي - طريقه الصحيحَ، بعيدا عن توظيفه في خدمة رؤى ذاتيةٍ، بالدعوة مثلا إلى التقليص من المدة الزمنية المقررة للتربية الإسلامية - والتي لا تكفي أصلا لتدريسها - أو حذف عناوينَ وإحلالِ عناوين أخرى بدلها، ولربما  السعيُ إلى استبعادها من البرنامج الدراسي كلية، وهو ما عبر عنه بقوله : "الملاحظ أنه على الرغم من وضوح نص بلاغ الديوان الملكي، فإن ذلك لم يمنع من أن يتجه به البعض متجها آخر، ويحاول توظيفه في خدمة رؤى ذاتية، ويرى فيه فرصة مواتية للمطالبة بالتقليص من المدى الزمني لتدريس المادة الدينية، أو بحذف عناوينَ معينةٍ وإحلالِ عناوين أخرى بدلها، أو الانتهاءِ إلى استبعاد المادة الدينية من البرنامج الدراسي لو أمكن ذلك"([16]).

كما نبه في ختام قوله هذا إلى أن الإصلاح الحقيقي للمادة الإسلامية، إنما يتمثل في تعميقها وتوسيع حضورها ونشر ثقافة التسامح من خلالها، مبينا أن الدعوة إلى عكس ذلك، لا تأخذ بعين الاعتبار تجذر الدين في الحياة الذهنية الجمعية للمغاربة، و لا ما ينتج عن الخواء المعرفي الصحيح، من تسرب أفكار غريبة عن البيئة التدينية المغربية، وهو ما من شأنه أن يولد التعصب والصدام في المجتمع، الأمر الذي اعتبره في النهاية شرودا عن المضمون الذي حمله بلاغ الديوان الملكي، والتفافا عليه، وفي هذا يقول: "إن معالجة المقترحات التي تقدم بها بعض من دعا إلى تقليص وجود المادة الدينية في البرنامج التعليمي تستدعي التنبيه على القضايا التالية:

إن تقديم أي اقتراح لا يفي بمتطلب تعميق المادة الإسلامية وتوسيع حضورها ونشر ثقافة التسامح هو في حقيقته شرود عن المضمون الذي حمله بلاغ الديوان الملكي، وهو انصراف عنه والتفاف عليه، يمكن وصفه بعدم الوفاء للنص المرجعي الذي يؤسس للإصلاح التربوي الراهن والمرتبط دستوريا بإمارة المومنين.

ولو صح أن تكون مقترحات التقليص أو الإلغاء مشروعا لإصلاح التعليم الديني، فإنها لا تكون بحال مُصغية ولا متماهية مع ما ورد في نص البلاغ، وإنما تكون مقترحات شاردةً عن اللحظة، إن لم نقل إنها مقترحاتٍ أصبحت متجاوزةً، لأنها قد جُربت فعلا في ظل أنظمة شمولية في جهات من العالم الإسلامي، ثم كان المآل هو ما يراه الناس على الأرض، لا ما يبشر به دعاةُ التقليص والإلغاء"([17])

ثانيا: إصلاح برامج التعليم العتيق.

في هذا الجانب يوضح "مصطفى بنحمزة" أهمية العناية بإصلاح برامج التعليم العتيق أولا حيث قال: “إن الاشتغال على إصلاح برامج التعليم العتيق يكتسي من الأهمية والجدوى بقدر ما يستحضر القائمون عليه كل الأبعاد والغايات الدينية والمعرفية والاجتماعية التي يحققها لفائدة الأمة”.

ثم أجمل القول ابتداء فيما قصد تناولَه تفصيلا فقال: “وسيرا على نهج الإصلاح والتطوير، فإنه يمكن تسجيل ملاحظات ومقترحات، أرى أنه يتعين أخذُها بعين الاعتبار، والتأسيسُ عليها وأجرأتها ضمن برنامج قادم للتعليم العتيق، يتحقق به إنصاف هذا التعليم وتمكينُه من الارتقاءِ والتطور، ومساعدته على أن يؤدي أداء جيدا يناسب رسالتَه وأهميته”([18]).

واعتبر أن تحديد الأهداف والمقاصدَ المتوخاةَ من تكوين الطالب بالتعليم العتيق، هو أولى المراحل التي ينبغي وضعها والتأسيس بها لإصلاح هذا التعليم، وأنه على أساسٍ من ذلك يقوم وضع برنامج للإصلاح، ولخص هذه الأهداف في: تكوين شخص ترى فيه الأمة أنه من أهل العلم، وتثق بمعرفته وتأتمنه على تدينها.

وبناء على الأهداف التي صرح بها، يقترح برنامج إصلاح التعليم العتيق، في المحددات الآتية:

1 - حفظ القرآن الكريم برواية ورش عن نافع، لأن ذلك هو المؤهل الأساس للحضور في الحياة الدينية، بتولي مهمات الإمامة خصوصا والتدريس والإفتاء.

2 -  الاهتمام بكل المعارف الشرعية التي يأتي على رأسها - بعد القرآن الكريم - الاشتغال بالحديث النبوي رواية ودراية.

3 - قراءة النصوص القديمة على شيوخ العلم، وعدمُ الاقتصار على الأخذ من الملخصات والمراجع التي كتبت بلغات إن كانت من جهة ميسرة، إلا أنها تَفْصل الطالب عن لغة التراث العلمي.
         4 - وصل خريجي التعليم العتيق بالثقافة المعاصرة وبالفكر العالمي الحديث؛ ليتسنى لهم تمثلُه واستيعابُه، وليُسْهِموا في تطويره وترشيده.

  1. - تقوية حضور المواد الأدبية في البرنامج الدراسي، وهي كفيلة بأن تكسب الطالب قدرة على الإبانة والتعبيرِ عن آرائه والدفاع عنها.
  2. - تمكين الطالب من استعمال لغةٍ عربية حديثة، تجعله قادرا على التواصل مع التيارات الحديثة في المجتمع.
  3. - تمكين التلميذ من اللغات الأجنبية إلى درجة المحاضرة والتأليف بها؛ لأن إتقانه لهذه اللغة يفتح أمامه آفاق التعامل مع العالم، وإبلاغ رسالة الإسلام إلى الناس.

ويرى أن من شروط بلوغ هذه الأهداف، ضرورةَ الجمع بين أمرين هما:
أ – الحفاظ على وحدة المنظومة التربوية المغربية، باعتبارها كيانا متجانسا ومتكاملا.
ب – الإقرار أيضا بخصوصيات التعليم العتيق، بما يُنتظر منه من أجل بلوغ الأهداف المنشودة؛ حتى لا يكرر هذا التعليم صورا من التعليم الديني، هي موجودة بالفعل على مستويات التعليم الثانوي والجامعي.

وتتلخص باقي مقترحاته في: التحقق من استيعاب التلميذ لمضامين كل مستوى بإجراء الامتحانات المعبرة عن المستوى الحقيقي للتلميذ، وتركيز مواد الامتحان وضم المتجانس منها بعضه إلى بعض؛ من أجل اختصار أيام الامتحان، وكذا الاهتمام برفع نسبة اشتراك المرأة في هذا التعليم، وإنجاز تقاريرَ سنويةٍ عن مسار التعليم العتيق، ورصد ما يحققه من أهدافه المرصودة التي تبرر الاستثمار القوي فيه([19]).

خاتمة

إن هذه الرؤية الإصلاحية للتعليم التي تقدم بها مصطفى بنحمزة في ظل ما يكتنفها من المتغيرات والأسباب الداعية إليها، لدليل وعيه بالواجب الذي أناطه الله بالعلماء في القيام بواجب البيان حيث تقتضيه المصلحة،

ولم يقتصر على تقديم هذه الرؤية بما تتسم به من رزانة ومتانة وشمولية وبعد نظر، وإنما نبه من خلالها إلى الحذر من بعض الدعاوى التي تتخذ من دعوة الإصلاح هذه ذريعة إلى إلغاء ما تبقى تدريسه من قيم الإسلام وتعاليمه في برامج التعليم.

وأحسب أنها رؤية سديدة فريدة، جديرة باستحضارها واعتمادها في مساعي الإصلاح القائمة اليوم في مجال التربية والتعليم الديني على وجه الخصوص.

الهوامش والمراجع


[1]) البرنامج المقترح لإصلاح التعليم الديني بالمدرسة المغربية، مقال لـ: "مصطفى بنحمزة" نشره بجريدة هسبريس بتاريخ: 11 أبريل 2016م.

[2])  البرنامج المقترح لإصلاح التعليم الديني بالمدرسة المغربية.

[3] )  المصدر نفسه.

[4] ) البرنامج المقترح لإصلاح التعليم الديني بالمدرسة المغربية.

[5]) هود: 118.

[6]) سورة يونس ، الآية 99.

[7]) الأحزاب: 69.

[8]) المائدة: 77.

[9]) آل عمران: 113.

[10]) آل عمران: 74.

[11]) القصص 04 .

[12]) البروج: 4 .

[13]) الممتحنة: 08 .

[14]) المائدة: 06 .

[15]) البرنامج المقترح لإصلاح التعليم الديني بالمدرسة المغربية.

[16] ) البرنامج المقترح لإصلاح التعليم الديني بالمدرسة المغربية.

[17]) المصدر نفسه.

[18])  البرنامج المقترح لإصلاح التعليم الديني بالمدرسة المغربية.

[19]) البرنامج المقترح لإصلاح التعليم الديني بالمدرسة المغربية، مقال لـ : "مصطفى بنحمزة" نشره بجريدة هسبريس بتاريخ:  الاثنين 11 أبريل 2016 م تلخيصا واختصارا.

 

 

Partager cet article
Repost0
22 février 2023 3 22 /02 /février /2023 17:29

    ملصق إشهاري (2)

الاشهار وآليات اشتغاله:

 

وما يزال الحصان..يصهل النساء..

 

 

بقلم د.ادريس عبد النور

 

 

مقدمة الدراسة

 

1- فرضية القراءة .

2- النسق الدلالي المركب.

-أ- إجراء التجدير.

-ب- إجراء الربط.

3- صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

4-الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

-أ- التقطيع الزمني.

-ب- التقطيع المعرفي.

- ج- التقطيع الجسدي.

- د- التقطيع اللغوي.

5- الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

6-وما يزال الحصان يصهل النساء....

 

 

 

تصدير:

إن هذه المقالة أعتبرها بمثابة الجزء الثاني لسلسلة المعنى الذي فتحه الدكتور سعيد بنـﮕراد حول لوغو البنك الشعبي،" ولا يكف الحصان عن الصهيل" المقال المنشور بمجلة علامات العدد السابع.

وهو بذلك قد فتح ذاكرة عميقة في جسد الأشياء ، فأصبح الإشهار عنده يتنفس في كينونة الشعري والسردي والجمالي ..وهل يحتاج الجمال إلى مؤوِّل ؟ إن بؤرة المعنى متشظّية وليس من حق المؤلف أن يؤوّل إلا بحسب امكانية وصوله إلى المعاني النسبية من الكل المتعدد والغير القابل للإيحاء بالنُّسخة والشبيه حيث أنه " لا قانون بنيوي يُجبرك على إقفال الجملة" على حد تعبير ر.بارت...

 

مقدمة:

الإنسان كائن رامز محمول بافتتان الحياة، حامل للمعنى الضواع بانتشاء الجسد الساخن، الجسد الذي يجسد اختلافاته في فضاء يستعمل المعنى في مرافعته ضد قضية المعنى

 

فكيف يكون المعنى كاذبا بالرغم من صدق مكونات القضية؟ أو كيف يكون المعنى صادقا مع عدم مصداقية القضية؟

 

إن الصورة الاشهارية التي ندرسها معدة لأن تفهم بسرعة ولأن يفهمها أكبر عدد من المتلقين انطلاقا من الدليل الأيقوني التي تتمتع به الشفرة اللسانية:

 

Votre banquier vous fait des avances

 

1- فرضية القراءة:

 

قبل مباشرة القراءة والتأويل والقيام بعملية توليد المعاني وملء الفراغات التي تقترحها علينا الصورة باعتبارها خطابا بصريا، لابد من طرح فرضية ما ولنقل مع دي سوسور " وجهة النظر تخلق الموضوع".

 

وقد نقول مع أمبيرطو إيكو" التأويل ليس فعلا مطلقا، بل هو رسم لخارطة تتحكم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة، هي فرضيات تسقط، انطلاقا من معطيات النص، مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية"([1]

 

قد تتنوع قراءة هذه الصورة بتنوُّع المستقبل لها حسب الرهانات التي تخلقها شروطها الثقافية، وهكذا يمكن أن تكون هناك قراءة بعيون أنثوية ليختلط عالم المال بالعالم المناوش للقران الحاضر الغائب بعالم البنك.

 

وقد تكون هناك قراءة بعيون قروية فتكون الصورة جاحدة وهي تحمل وردة بيضاء عوض السنبلة لتطرح السؤال على مدى إمكانية العالم القروي للخروج من العقم الذي فرضه الجفاف على الخصوبة.

 

ويمكن صياغة فرضيات القراءة هاته باعتبار الوحدة المعنوية للدليل الأيقوني المشتمل على شفرات متعددة : * شفرة الألوان * شفرة الأشياء * والشفرة اللسانية.

 

فهل يمكن للصورة أن تكون موضوعا للدراسة في ذاته؟

 

2- النسق الدلالي المركب:

 

إن الفضاء الذي سنتأمل فيه معاني هذا الإشهار هو فضاء العلاقات الإنسانية، العلاقات الواعدة بالخصوبة واستمرار النوع البشري، وبما أن هذا النص الذي بين أيدينا لا يتوفر على قارئ أسمى فإنه لا يشتمل على معنى حقيقي إلا إذا استطاع المؤول أن أن ينتج شرطه كعلامة بحسب قول شارل موريس: " كل شيء يمكن أن يصبح علامة شريطة أن يؤول باعتباره كذلك من لذن مؤول".

 

فأن نقرأ هذا النص معناه أن نسائل فيه المستوى التشكيلي والأيقوني. مع افتراض أن هذه الصورة تحمل ثنائي ضدَّي عميق في ضد يته على المستوى المجالي بادية/ مدينة، خصوبة / لا خصوبة، والتي تحول النظرة الاستثمارية لمجموعة البنك الشعبي في التوجه إلى القطب المديني في طلب الزواج به وتحويل الطاقة الإنجابية الى مجال يهتم بقيمة الحياة في واحديتها وبالكيف على مستوى العيش.

 

فالعلاقة بين النسق اللغوي والنسق الأيقوني يتحدد من خلال:

 

أ- إجراء التجذير:

 

النموذج الذي نحلله هنا هو صورة إشهارية تقدم إشهارا لمؤسسة بنكية، تتمفصل الصورة فيه إلى نسقين متراكبين:أيقون بصري ولغوي.

 

ويمكن الوقوف عند مكونات الصورة في بعديها لتحليل الآليات التي توظفها بهدف إقناع المتلقي بالإرسالية التي تعتزم إبلاغها من خلال البعد الادراكي المعرفي الذي تنخرط الصورة ضمنه.

 

فبالنسبة للصورة موضوع التحليل، نلاحظ أن الإطار العام الذي يؤطرها يتكون من فضاء بوني شاسع يوجد ضمنه أيقون، وهو عبارة عن يد ذ كورية تحمل وردة بيضاء، ويوجد أعلى الصورة تنضيد أقوال لغوية تحقق المستوى اللساني في الصورة مع تبئير اسم : اليسر".YOUSR "

 

وفي أسفل الصورة يسارا يعن لوغو المؤسسة المالية الذي سنقرأ الصورة من خلال تحليله وإعادة بناء اشتغاله مشمولا بقيم النبل والأصالة يتحرك في إطار الهاجس المقاولاتي لصالح الجميع وبالجميع:

 

Entreprendre Pour le Bien Commun

 

ب- إجراء الربط:

 

إن الصورة التي أمامنا تزاوج بين نمطين من التلقي في عالم الاستهلاك:

 

* نمط يرتكز على اعتبار الشفرة اللغوية " تسبيق"

 

« Avance »

 

هو ما تقدمه البنك لحل الأزمة المالية للزبون عند آخر الشهر.

 

* ونمط يعتبر البعد السوسيو- ثقافي، المسبقات الغزلية وسيلة لتعويم المعنى:

 

« Avance »

 

التي عبرت عنه الصورة أصدق تعبير وهي نموذج للمرجعية الثقافية اللاواعية التي تختزن في بعدها الثقافي شحنات انفعالية لا تجد استساغتها إلا بالسنن الثقافي الفرنسي، فالصورة هنا تنتج مستهلكا ثقافيا عبر مرجعية اللغة من جهة، ومن تنميطها من جهة أخرى للاشعور الجمعي لتعكس الرغبة الدفينة للزبونة التي حققت ذاتها على المستوى "الفالوسي"

 

PHALLIQUE

 

بينما كان ذلك على حساب تجلياتها الأنثوية، كحبيبة و مخطوبة ، زوجة وأم.

 

إن الصورة لا توجد إلا لتكرار العالم بشكل أقل اتفاقا مما هو عليه في الأصل ويسمح لها بالانزياح قليلا عن الأصل ما دامت لا تستطيع تقليده بإتقان.

 

فمهما كانت الزاوية التي ننظر منها إلى الأمور فإننا لن نخرج من ثنائية، الشكل/ الشيء، أو ننطلق من الشيء لنصل إلى الشكل.

 

وعند مقاربتنا لهذه الصورة سننطلق من مباشرة دراسة الصورة في ذاتها، انطلاقا من: *المستوى الأيقوني والذي يعتمد على القراءة الاستتيقية ومجمل إيحاءاتها.

 

*المستوى الاجتماعي وفق الحقنة الأيديولوجية المبثوثة في الصورة.

 

* المستوى البلاغي حيث يمارس النص اللغوي سلطة على الصورة ذلك أنه هنا يتحكم في قراءة الصورة الاشهارية ويكبح جماحها الدلالي.

 

3- الدال الأيقوني: صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

 

يرُدّأوبيرطوإ يكو عملية بناء الدال الايقوني إلى ثلاث مستويات من التسنين:

 

*- الأيقون: يتحول فيه الدال اللفظي ( تسبيق) إلى دال بصري (مسبقات غزلية).

 

*- الأيقونوغرافيا: دلالة الوردة البيضاء على التقدم لطلب يد الفتاة من نفسها.

 

*- التسنين البلاغي: لقد أعطت هذه الصورة ومن خلال سنن من طبيعة لسانية

 

مقابلا بصريا تجلت في اليد الذكورة الناعمة التي تحمل وردة بيضاء بدون أشواك.Avance

 

في جل الصور الاشهارية للبنك يرتسم اللوغو في يسار وأسفل الصورة مفتوحا على المستقبل " إن الفرس يسير إلى الأمام، أي من اليمين إلى اليسار، إنه يسير بخطى مزهوة نحو المستقبل" ([2]) .

 

فالصيغة الجديدة " مجموعة البنوك الشعبية" قد تجاوزت اللوغو السابق فبعد أن كان في سباق مع باقي خيول المال في اتجاه الدائرة /البويضة التي ترمز إلى العالم القروي المشمول بآليات الإخصاب، وحيث أنه هو من اخترق فأخصب لم يترك ذيله خارجا كما يفعل الحُوين المنوي، ومع انسداد الدائرة يوحي الفرس بأنه مستعد أو قاب قوسين أو أدنى من الوقوف داخل الدائرة فشكله يدعونا إلى افتراض أن هذا الفرس كان فوقه فارسا يأخد بلجامه وقد انتُزع منه ليتعرى الفرس أمام الفضاء القروي لتبيان فحولته ضمن عالم يؤمن بالرأسمال الوارد عن فحلية طبيعية.

 

إن الفرس وعند اختراقه للجدار السميك للبويضة يتوجه في خطابه قيما ثقافية تستهلك العزة والشهامة وطابع البداوة والفضاء الشعبي : " مثمنة في جميع الحالات وجميع السياقات: إنها الاصالة والصدق والجذور والنقاء الثقافي والبراءة والعفوية والتراب والأرض والطبيعة.إنها الوجود الطبيعي الذي لم تلوثه بعد موبقات العصر الثقافية" ([3])

 

فما دام البنك يلف أيديولوجيته بالشعبية فهو مقرون بالتوالد وارتفاع الخصوبة التي تعتبر الوسيلة المثلى لتكثير المادة الفلاحية من النوع الحيواني، فالتعدد البيولوجي الذي يغنيه اللوغو انعكس على تشكيلته الإدارية التي انتقلت به الى مجموعة بنوك.

 

إن هذا اللوغو في صيغته الأولى والأخيرة يشتغل وفق مبدأ التناظر والمرجعية الثقافية لطبقة شعبية تتمركز بالبادية، أما الصورة التي بين أيدينا فإنها يشتغل وفق مبدأ اللذة من حيث أن الإشهار يعتبر من مكونات الهواء على حد قول روبير لودوك (1975) عندما قال:" إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأكسجين والنيتروجين والإشهار"، يتحول فيه الزبون من منخرط بدافع الحاجة لقرض " اليسر" إلى منخرط بدافع الرغبة عبر عالم الجسد المخملي ، فالجانب الجمالي في الدال الأيقوني الحامل للإرسالية الاشهارية التي بين أيدينا يتحدد في قدرته التعبير عن حالة ثقافية وبسيكولوجية خاصة بالشريحة – الهدف ، على الوصول إلى الدفع بهذه الشريحة المستهدفة إلى التعامل إيجابيا مع المنتوج .

 

4- الكون الدلالي و تقطيعا ته: الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

 

كل شيء في الصورة يتكلم وحيث يقول رولان بارت " لا وجود للأيقون الأخرس أبدا" فالقراءة التي تبحث في تعددية النص يجب أن تكون ذاتها متعددة، أي لا تحتاج إلى إذن بالدخول، وما مدخلات الصورة سوى ما يساعد المعاني على الانتشار فوق المساحة المرئية للنص، لكن لنتساءل من جديد مع رولان بارت " كيف يأتي المعنى إلى الصورة ؟ ".

 

هل المعنى في العبارة كما يقول كار ناب، أم في القضية كما يقول كُوَين؟ .

 

هل اللغة هي التي تخلق المعنى ؟.

 

" من البديهي أن لا تفهم الكلمة إلا في لغة ما، فاللغة هي التي تُعطي الخطاب مفهوما يُدرك من خلال مكوناته" ([4]).

 

أن تقرأ هو بالفعل عمل تقوم به اللغة ، أن تقرأ معناه العثور على معاني والعثور عليها معناه أن تسميها، لكن الثقافي هو الوصي على التفسير اللغوي داخل الصورة التي تلعب دورا مهما في تعميق المعنى بتفسيرها للكتل اللغوية ، وبذلك يصبح للكلمة " معنى واحد، معناها الأفضل "([5]) كما يقول رولان بارت.

 

إن صورتنا الإشهارية تحلم العالم على نموذج الجسد الفاعل الذ ي يتأكد حضوره في انسجامه مع الثقافة السائدة التي تنسب للجسد الذكري كل ما هو فوقي وفاعل كرمز للقوامة والسلطة اتجاه الجسد الأنثوي المقهور والدوني كدلالة على ما هو تحتي وسلبي.

 

إن الصورة الاشهارية التي نعالج ليست مجرد وصف لمنتوج، وإنما هي تحديد لعلاقات ولأنماط للسلوك تستثمر صراحة أزمة مجتمعية تتجلى في عزوف الشباب عن طلب أيدي الإناث للزواج ، والعلامة الأيقونة تعتبر البنكي هو المؤهل للقيام بهذا الدور الاجتماعي لفتح هذه الظاهرة على المخيال العام والدفع بحلم العازبات إلى ولوج عالم الاثارة ، لمّا تلجن فضاء " البنك الشعبي" الذي اشتغل في اللوغو السابق على الاثارةLa

 

séduction

 

المملوءة بالفحلية والإخصاب معتمدا على رأسمالية إنتاجية تعيد بدورها نسخ العالم في أيقون مرجعي مباشر.

 

فالإثارة بالكلمات يمكن أن تأخذ بديل إثارة الكلمات ذاتها ، فالمرأة هنا تثار حسب مستوى الأنوثة الذي تصل إليه أو تتمناه.فالإثارة تثير وهم النظرة الأولى التي لايمكن أن تقول ماهي ولا يمكن أن تقول بتحققها، إذن فهي ضائعة، لا متحددة ، إن الاثارة تلعب لعبة البداية اللغوية ، الانخراط الفجائي والاإرادي داخل اللغة، إذ الإثارة تحيي في الكائن وضعيته الفاعلة داخل الكلام وهو هنا الكلام الفرنسي بامتياز.

 

إن الصورة التي بين أيدينا تعوض العالم الواقعي للزبونة و الزبون بمكونات خيالية تستهدف فيه رأسمالية الاستهلاك وقد تحول موضوع القرض إلى رسالة اجتماعية على اعتبار أن الانخراط في جماعة مستهلكات المنتوج البنكي " لقرض اليسر" يتحول إلى معْنم من بين المعا نم المميزة داخل المنظومة الاجتماعية.

 

إن نموذج فارس الأحلام يوجد في الصورة الاشهارية كما يوجد في عين الفتيات التي ترى وتتوهّم ، إنها عبر النموذج الذي يتحوّل الى مثير ، تستحضر عبره الذات الرائية الوضعيات كما تستحضر أوهاما ورغبات ، نموذج المرأة التي تتعامل مع البنك ، الموظفة الشابة المقبلة على الحياة بعد أن حققت ذاتها في عالم الشغل والتي أصبحت محور اهتمام البنكي الذي يعد خطيبته بوضع مفاتيح خزنته بين يديها .

 

إن الصورة تقدم نفسها على أنها تمثيل لوضعية إنسانية عادية يحق لكل امرأة أن تتماهى معها لتحدد عمقها الاجتماعي، ويصبح من الطبيعي تناول واستعمال المنتوج البنكي " الشعبي" داخل هذه الوضعية جد عادي.ويصبح الجسم العاري الذي تجسده اليد تركز عدة مدلولات من أشد المضامين أيديولوجية تستعمل الرغبة في التزيّي بخاتم الخطوبة من أنبل المضامين الاجتماعية للوصول الى ضفاف الاكتفاء الحالم.

 

لهذا فتنويعات الإثارة النسوية بصورتنا الاشهارية ليست لغوية فحسب بل هي اهتزازات نفسية للأنثى والأشياء المحيطة بها ، هي تلك اللحظة التي تصرخ فيها الأنثى عن المبتعد عنها والمشيح بوجهه أوالمحاول للإبتعاد عنها، أن تقدّم ولا تضع في" حسابك" همّ الحياة..."اليسر" هنا...

 

إن ثنائية خاطب/مخطوبة في مظهرها المباشر وعبر معطياتها المادية والإيحائية تحدد تقطيعا ت عدة على أعتاب القراءة:

 

أ‌- التقطيع الزمني:

 

ب‌- للوجود الإنساني عبر خلق ثنائية تتناظر فيه تجربة البنك في إنشاء البيت القروي بشباب فتاة في مقتبل العمر " موظفة" تنفتح الفضاءات أمامها على هذا الاعتبار.

 

ب- التقطيع المعرفي:

 

فمعرفة البنك بمدى حضور أوراقها النقدية لدى المستهلكة الشابة عند اهتمامها بشبابها والعناية بطراوته قصد اجتذاب زوج... داخل وضعية تنافسية متأزمة مشمولة بالعزوف.

 

إن الخطاب الاشهاري يعلم زبوناته كيفية الاستزادة من نوعية هذه الاستهلاكات كطريق طبيعي لنصائحه، على اعتبار أن قناعة البنكي بجمال الزبونة الموظفة جديرة باحتدائها من طرف المجتمع ،هي شهادة تقدير للجمال الأنثوي والضامن للتسريع به إلى أحضان بيت الزوجية ..إلى أحضا " التكشيطة" والجلباب بما هو "شعبي" نازح من مجال ثقافي مملوء بروائح الأصالة والعراقة والغبار...فهو بذلك يرسم حدود حياة جديدة عبر قيم قديمة.

 

ج- التقطيع الجسدي :

 

إن اليد تتماهى مع جسد الصورة الاشهارية ، الجسد الملون بلون الجلد حيث يأتي عنه صدور اليد بشكل طبيعي كامتداد غير مفارق يحتضن السلطة عبر ثنائية اقتراحيه للفضاء الاجتماعي الخطبة / صمت، إذ الجسد الأنثوي المتلقي للطلب ما عليه إلا الصمت حتّى تتحقق إيجابية الرسالة ، الصمت الذي يحقق للجسد المتلقي أنوثته، دلاله وغنجه وبذلك يكون الشعبي قد حقق الحنين إلى تقاليد الحياة البدوية التي تناقض المظاهر السلوكية للخطبة الحديثة.

 

د- التقطيع اللغوي:

 

تركز الدلالة اللغوية على " اليسر" والتسبيق " لتحقق الكلمتين الزواج الشرعي للتصور المقترح للبنك في منح حلول لظاهرة انحباس الزواجية .

 

فالفضاء الذي تتأمله الصورة يعد بالنعيم واللذة والاستقرار بالرغم من أن الحياة اليومية

 

تعصر المنشغل بها عصرا لتتحول لغة الاشهارإلى لغة تقريرية تقدم التسبيق لفك ضائقة الزبونة.

 

5- كينزياء الكون الدلالي:الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

 

إن حركة اليد التي تقدم الوردة البيضاء والخالية من الشوك تعبر بكل وضوح عن نسقية إيمائية للجسد ، لايترك للصورة ذلك السطح العميق بل يحرك الصورة نحو خروجها والتقرب من المتلقية في بعد بوني يقترب من ذات المخطوبة حتّى يمكن أن تتجاوز تلك اليد- التي تنعمت بدخولها الفضاء المديني بدل اليد الخشنة التي أنهكها المعول والمنجل والمحراث - الحواجز إلى أن تبلغ المسافة التي يمكن أن يسلم فيها الفارس الوردة وهو مطمئن من ذلك القرب الذي يؤجج العواطف ويضع للوجه فرصة حميمية للإنغراس في عيني الآخرو،مع العلم أن التمثلات الثقافية للأنثى في ثقافتنا لا تسمح لها فقط إلا بالثبات في مكانها كي تصل إليها يد المعجب والخاطب محملة بالذوقي : السكر، الرامز إلى جلسات الشاي والعبث في ملف الناس والاشياء، والشمّي : الورد الرامز إلى التوحد والمودة لتنبعث المشاعرالرقيقة الجياشة بالوله والهيام..

 

فحضور فرنسا كبؤرة ثقافية يكاد يصرخ داخل الصورة الاشهارية من خلال رموزها اللغوية والثقافية وهي قادرة على التواصل مع الطبقات التي تعاملت وتتعامل مع القيم الثقافية لفرنسا العميقة على أساس أن الثنائي السلوكي للثقافة المحلية عادات / أعراف ، يستهلك من الحواس رمزية الذوق عند إعلان الخطوبة " قالب السكر" لتنتقل الحلاوة من الشيء إلى أبعاده القصوى وأشكاله اللانهائية، عوض حاسة الشم والبصر واللمس الذي اعتمد داخل هذا المنتوج الاشهاري بالوردة البيضاء التي تعبق أريجا مملوءا باللذة والمتعة والخصب .

 

6- ثنائية الكون الدلالي: ذكورة/أنوثة، وما يزال الحصان يصهل النساء..

 

إن الصورة الاشهارية تعكس نظاما أبيسيا قويا تحتل فيه ثلاثية المال- المعرفة ـ السلطة أوجا سيكولوجيا للعنف الرمزي الذي يفرضه " البنك الشعبي" على زبنائه ، فسلطة المال تتحكم في المعرفة وبالتالي فهي تستعيد السلطة لتحولها إلى أداة باتريركية تكتسح جغرافية ما هو مديني بعدما تم المسح المجالي للبادية .

 

فالصورة تعكس نفس الهيمنةالذكورية على ثبوثية القيم حيث الرجل فاعل ومتفتح على الآخر والمرأة تجتاحها مفاهيم الحشمة والانكماش النفسي على الذات.

 

وبذلك يكون السنن اللغوي يلغي حضور الأنثى ويمارس نفس سلطة المجتمع على أنساقه ، فالفضاء العام للصورة داخل وسطنا الأبيسي لا يترك المجال " للبنكية " أن تكون هي المرسلة وبذلك تغطي مواصفات الذكورة كل مساحات اللوحة الاشهارية ، والمختفي ينتشي بنعومة الأنوثة ، هذه الثنائية تعتمد على تنميط الأدوار بنفس توزيعها في الماضي ، فالصورة تستقبل الموظفة ليذكرها بمجالها الطبيعي " البيت" ، " الإنجاب " ويخاطبها كممتلكة للجسد والعاطفة ، فلا وعي الصورة الجمعي يعكس خام التمثلات الثقافية العامة للمجتمع المغربي ، ومن ثم فالصورة الإشهارية تعمم المعنى على القيم وهي بذلك تقوم بدور المؤسسات الاجتماعية التي ما تفتأ تسكك لثبوثية الزواجية كمؤسسة المؤسسات.

 

إن هوية المرأة تجد داخل هذا الاشهار التنميط الصارم لتحركها ...فهي المخطوبة... وفي اللحظة التي تضع فيها الخاتم على أصبع الرجل تنطبق السلاسل والقيود على تحركاتها...تنقلاتها روحها وعقلها ...كما يزيف وجودها وكينونتها لما يقترح عليها الانقياد الى تصوراته عن الحياة للتّنَعُّم بمواصفات " الكائن المتميز" وتأتي المفارقة العجيبة لعالم المال هذا لمّا يضع في أولوياته مبدأ اللذة كمقياس للحياة العصرية ،

 

ليُغطّي خطابا مُضمرا يصهل في وجه الحريم وحنجرته مملوءة ذهبا..

 

Le bien être commence par le plaisir

 

فالبنك هنا يبيع صورته مغلَّفة بقدرات ذكورية كما جاء في التعبير الفرنسي السابق

 

الذي يدل على أن التوجه الجديد للبنك قد أخذ نفس اتجاه الهجرة القروية ، وفي خطابه إلى الزبونة فهو يخاطب أكبر طبقة من الموظفات اللواتي يتحمّلن مسؤوليات عائلاتهن ويزهدن كارهات في ممارسة حياتهن الطبيعية و الحلم بفارس الأحلام الذي يهيمن هنا على كل الصورة وفي كلية وجوده في المجتمع .

 

إن الإرسالية الاشهارية توجه إلى أناس مجنسين ولا تني إرساليتنا هاته من مخاطبة فئة من النساء يتمتعن بمواصفات حددتها وأكدت عليها .

 

إن المرأة بخروجها لعالم الشغل تمتعت بسلطة قضيبية " فالوسية " جعلت منها محور عائلتها ومحيطها متناسية ذاتها واهتماماتها الشخصية ولا تجد من يذكرها بفراغها النفسي و" الهَوَوي" سوى فضاء البنك ...العالم المفارق ...عالم جفاف العواطف الإنسانية ...الذي يمنح الزبونة لحظات تتلذذ بها كامرأة في النظام البنكي الأبيسي ، وهي تتلذذ موقعها كموضوع لنظرة الرجل.

 

بقلم :د. عبد النور إدريس

 

Abdennour.driss@gmail.com

 

المراجعوالهوامش:

 


[1] - امبرطو إيكو" التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة و تقديم د. سعيد بنكراد ،المركز الثقافي العربي الدارالبيضاء الطبعة الاولىسنة 2000 الصفحة: 11.

- د.سعيد بنكراد "ولا يكف الحصان عن الصهيل" مجلة علامات العدد :7 ص: 37.[2]

- نفس المرجع السابق، ص: 28.[3]

- سامي أدهم ، إبستمولوجية المعنى والوجود، مركز الانماء القومي ، بيروت لبنان ،ص: 6.[4]

[5] - رولان بارت" النقد والحقيقة " ترجمة وتقديم ابراهيم الخطيب مراجعة محمد برادة ، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ، الطبعة الاولى سنة 1985 الصفحة 22.

 

-------------2-.jpg     

Partager cet article
Repost0
10 janvier 2023 2 10 /01 /janvier /2023 18:15
رهانات ترجمة النص الفلسفي إلى العربية:  المفاهيم، المداخل والحواشي

رهانات ترجمة النص الفلسفي إلى العربية

 -المفاهيم، المداخل والحواشي-

 

Les enjeux de la traduction des textes philosophique en langue Arabe, Concepts, Introductions et Notes 

الدكتور محمد سوسي: Mohammed Soussi

أستاذ مبرز في الفلسفة؛

مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس؛ فرع مكناس

 

الملخص:

إذا كان الاهتمام بترجمة الإنتاجات الفلسفية العالمية يعبِّر عن ديناميكية ثقافية وحضارية تكشف عن رِهَانٍ يَرُومُ الانفتاح على الكوني والتَّفاعل معه، فإننا نلاحظ -مع ذلك- بأن بعض المؤلفات الفلسفية التي يتم ترجمتها إلى العربية في زمننا الراهن، لا تتمتَّع بنفس مستوى الجِدِّيَّة والصلاحية المرجوة. حيث إننا نَجِدُ بعضا منها تَعتَرِيه هفوات تَمُسُّ جوهر فعل الترجمة في الفلسفة، الذي هو اختيار مفاهيم تُقابِل أغراض ومفاهيم النص الأصلي. كما نَجِدُ في أحايِينَ أخرى أن بعض هذه الترجمات لا تُولِي أي أهمية للمداخل ولا للحواشي، إن هي اعتمدتها في ما تُنْتِجُهُ من ترجمات. وإذا كان ما يَنْجُمُ عن هذه الهَفَوات هو ضعف قيمة وأهمية بعض هذه الإنتاجات الترجمية، فإننا نرى بأن مهمة الفلسفة تستدعي أيضا ضرورة مواكبة هذه الترجمات، بِغَرَضِ إثارةِ الانتباهِ إلى أَنَّ الانفتاح على فلسفات العالم، يقتضي الوعي بضرورة إنجاز الترجمات ضمن استراتيجيةٍ يَتِمُّ من خلالها اعتبار الترجمة في الفلسفة فِعْلَ كتابةٍ شَاقَّةٍ لها قواعدها ومناهجها. ذلك لأن تحقيق الهدف الأصلي والفعلي لكلِّ ترجمةٍ هو رَفْعُ قَلَقِ عِبَارَةِ النص المُتَرجَم، وتَقْرِيبِهِ إلى القارئ العربي، وذلك ضِمْنَ منظورٍ تَثَاقُفِيٍّ وحضاريٍّ. 

الكلمات المفاتيح: -المفهوم الفلسفي؛ - عتبات النص؛ -الحاشية -الأرشيف؛ - التَّثاقُف؛

 -المفاهيم الأساسية:

-المفهوم الفلسفي؛ - عتبات النص؛ -الحاشية والأرشيف؛ - التَّثاقُف؛ - التقريب؛ -رفع قلق العبارة.

1- الإطار المنهجي للدراسة

يتحدد الإطار المنهجي الموجه لمقالنا من خلال الإجابة عن هذه التساؤلات: بأي معنى يمكِن الحديث مع جمهور الفلاسفة عن وجود لغة فلسفية وأخرى غير فلسفية؟ وما الذي يعنيه القول بأن هناك لغة فلسفية تتميز عن لغة العلم ولغة الأدب ولغة التاريخ ولغة السوسيولوجيا وغيرها من التَّخصُّصَات الفكرية الأخرى؟

وينتُج عن هذين التساؤلين سؤال آخر هو: هل لغة الفلسفة هي بالضرورة لغة الاستدلالات والبراهين والأَقِيسَة، أم أنها في الحقيقة لغة استعارية خَطابية، وبالتالي ينبغي علينا إعادة النظر في هواجسنا المُرتبطة بخصوصيَّة ترجمةِ نصوصها، وخاصة ترجمتها إلى العربية، التي هي هنا موضوعنا؟

ومن أجل مقاربة هذه الأسئلة، نعتقد بأنه أولا، لا ينبغي أن تُمَارَسَ ترجمة نصوص الفلاسفة إلا بعد قراءة المَتْنِ الخاص بالفيلسوف المُراد الترجمة له. وثانيا، أن يتم قراءة النص الذي هو موضوع الترجمة ضمن هذا المَتن. ذلك لأن أهمية هاتين الخطوتين تكْمُن في كوْنها تُجنِّبنا أي سوء فهم للأفكار المُراد ترجمتها. إذ بهذه العملية يتحقَّق أيضا إِمْكَانُ "رفع قلق العبارة الفلسفية"[1]، و"تقريب"[2] الفلسفات التي يتم إنتاجها في آفاق لغوية وثقافية مُغايرة للغتنا وثقافتنا. كما يمكِنُنَا بهذه الخطوة المنهجية تَفَادِي الاضطراب الذي غالبا ما لاحظنا أنه يُلاَزِمُ بعض الترجمات، فيجعلها رَدِيئَةً مُلَوَّثَةً بهواجس وعواطف المُترجمين ومعتقداتهم.

2 - منطلقات أساسية

 في البداية، يمكِن ملاحظة ارتباط مشكل ترجمة نصوص الفلسفة، من اللغة التي أُنْتِجَتْ فيها هذه النصوص الأصلية إلى لغة أخرى مستقبلة لها، بِكَوْنِ الفلسفة تَعتمِد أساسا على المفاهيم في إنتاج أقوالها. وإنتاج المفاهيم، أي إبداع المفاهيم بلغة جيل دولوز وكواتاري[3] يطرح مسألة "الشخصية المفهومية"[4]، التي غالبا ما تكُون مرتبطةً بقراءة وبتأويل فلسفيين للفكر والفلسفة، وللمفهوم الفلسفي. الشيء الذي يعني أن ترجمةَ هذه المفاهيم مجالٌ للإجتهاد، والذي غالبا ما لا يمكِن أن يكُون موضِع يَقِينٍ نِهَائِيٍّ وكَسُولٍ.

ويرتبط بمشكلِ الطبيعة المفاهيمية للغة الفلسفة مشكلٌ آخر، هو مسألةُ نَحْوُ اللغةِ الأصلية ونَحْوُ اللغة المُترجَم إليها. وهذه المسألة إذا كانت فيما يبدو تِقْنِيَّةً، فإن عدم إِيلاَئِهَا الأهمية اللازمة قد يُؤَدِّي إلى اختلالاتٍ في مَبْنَى ومَعْنَى هذه النصوص المُترجَمة. الشيء الذي ينضاف إليه عدم إدراك مضمون النص أو تشويه مضمونه.

لذلك نرى أنه عند الرغبةِ في ترجمةِ النصوصِ الفلسفيةِ، لا بُدَّ من اعتبار أهميةِ المَتْنِ بالنِّسبة للفيلسوفِ. ذلك لأن نصوص الفلاسفة لا تُفهم بعيدا عن الإرتباطِ العِلِّيِّ الذي يحكُم بعضها ببعض: هذه الفكرة سابقة عن تلك ولاحِقة عن الأُخرى، ومقدِّمة أو نتيجة لما كان سابقا أو صار لاحِقا. فالأفكار والأطروحات تُنْتَجُ وتَنْمُو وتَتطوَّرُ، تَمُوتُ وتَحْيَا.    

وينتج عن ما سبق أننا غالبا ما نكُون ضحايا للكَيفِيَّةِ التي نقرأ بها، ولطبيعة ما نقرأه. فالقراءة التي يتم فيها بَتْرُ النصوص عن سياقاتها، ولاَ تُرَاعَى فيها أهمية المَتْنِ الخاص بالفيلسوف والابستيمي الخاص بالعصر، لا يمكِن أن يَنْتُجَ عنها أيُّ فَهْمٍ مُطابِقٍ لفكر الفيلسوف. بل إننا نكُون جرَّاءَ ذلك ضحايا الترجمات التي نلجأ إلى قراءتها، خاصة حين تكُون مصدرُنا الوحيد في المعرفة بالفلسفة ولا نكُون مُلِمِّينَ باللغة الأصلية للنصوص الفلسفية أو اللغة المُترجَم عنها. وهذه هي حال كثيرين منا: أُحاديي اللغة (مُعَرَّبِينَ) ومُستعدِّين لالتِهَامِ كل ما يُترجم لهم إلى هذه اللغة (سواء كانت اللغة العربية أو الفرنسية أو أي لغة لا يُتقنون سِواها)، دون أن تكُون لديهم الأسلحة الضرورية لمُواجهة ما قد يُصادفونه من مشاكل في المَبنى والمَعنى!

وإذا سلَّمنا بأن الترجمة فعل حضاري، فإن ما يَنْتُجُ عن هذا الإعتبار هو ضرورة اعتماد منهجية المُقارنة والمُواجهة بين الترجمات، باعتبارها اختيارات وتأويلات، وإعادة إنتاج للنصوص الأصلية في اللغة المُترجم إليها. وذلك لكي يكُون قارئ النصوص المُترجمة واعيًا بالمَسافاتِ والرِّهانات التي تحكُم فِعْلَ الترجمة. فالترجمة بهذا المعنى لا تَنْفَصِلُ عن التَّحْقِيقِ إلِا َّلاعتباراتٍ منهجيةٍ وبيداغوجيةٍ. إذ، غالبا ما يمتدُّ عمل المُترجم والمُحقِّق لاستعمال وسائل عمل يبدو أنها تَخُصُّ الواحد منهما دون الآخر. لذلك لا بُدَّ للمترجم من أن يكُون مُقنِعًا في اختياراته التَّرجُمية، وأن يَعْتَمِدَ على هامش النص المُتَرجَم، شُروحاتٍ مُضيئَةٍ للنص. وهي حواشي يمكِنها أن تستفيد من قراءات الآخرين للنص المُراد ترجمته، ومن خلال قراءته هو للمَتن الفلسفي الخاص بالفيلسوف، ولمَنْزِلَةِ النص ضمن هذا المَتن.

3 - ترجمة القدماء للنصوص الفلسفية في المشرق والمغرب

كانت مؤسسة بيت الحكمة التي أسسها الخليفة العباسي المأمون (786 م - 833 م) بالمشرق (خلال العصر العباسي)، الإطار الذي أُنشِئَت فيه أُولى الترجمات الخاصة بنصوص الفلسفة اليونانية وتراث الحكمة المشرقية. كما أنه بالإضافة إلى عمل هذه المؤسسة، عرف الغرب الإسلامي أكبر عملية شرحٍ لنصوصِ ومؤلفاتِ الفلسفة الأرسطية التي تَمَّتْ ترجمتها من قبل بالمشرق العربي. وهذه المُهمَّة التي اضطلع بها فيلسوف قرطبة ومراكش، أبا الوليد محمد بن أحمد بن ابن رشد (1126م- 1198م)[5]، وكان هدفها المُعلَن هو ''رفع قلق عبارة أرسطو''[6].  وقد تحقَّقَ هذا المشروع الحضاري بإيعاز من أبو يعقوب يوسف الموحدي (1135م -1184م)[7]، وتحت إشراف فيلسوفٍ فريدٍ في التاريخ الإسلامي هو ابن طفيل (1110م- 1185م)[8]. وقد نتجت عن هذا العمل الرُّشْدِي نماذج ثلاثة في شرح النص الفلسفي الأرسطي هي: المُختصرات والشروح الصغرى ثم الشروح الكبرى[9].

وفي نفس السياق، يمكِن ملاحظة الأعمال الفلسفية للكندي (805 م – 873 م)، والذي أنتج من خلالها رسائل تعتمِد قاموسا خاصا بها، وكأنه لا يركُن إلى إكراهات ''قلق العبارة اليونانية''. بل إن الكندي عمل من أجل الاستِفادة القُصوى من الإمكانيات الهائلة التي تُتِيحُهَا اللغة العربية، فأبدع بذلك عبارات ومفاهيم مثل الأَيْسِ واللَّيْسِ والمَائِيَّةِ وغيرها. والملاحظ أنه بالرغم من كونه لم يكُن يعرف اللغة اليونانية، فإن أعماله الفلسفية تُبِينُ كَونِه كان يتفاعل مع الترجمات الرائجة في زَمَنِهِ ويُبدعُ في فَهمِها و''تَبْيِئَتِهَا''.

وإذا كانت الغاية المرسومة لعمليات الترجمة في القديم هي تبليغ ما تمَّت ترجمته إلى العربية، بلغة دقيقة، سواء في عناوينه أو في مفاهيمه، تركيباته الخطابية أو بناءاته الحجاجية، فإن هذا الرهان ما كان له ليتحقق دون وجود استراتيجية كانت تحكم فعل الترجمة باعتبارها فِعْلَ كتابةٍ شَاقَّةٍ. الشيء يُمْكِنُنَا معه القول بأن اعتماد المُنطلقات الأساسية لمشروع الترجمة، رهان يُضْفِي على المدخل الذي يتصدَّر الترجمات، دورا وظيفيا وتأسيسيا لهذه الكتابة الشاقة.      

4 - مشكل اختيار النصوص للترجمة

ترتبط بترجمة نصوص الفلسفة الغربية إلى العربية إشكالية صميَّمة هي إشكالية اختيار النصوص. والسؤال هو ماهي العوامل التي تتحكَّم في هذا الاختيار؟ وهل يَنْبُعُ هذا الاختيار من أسئلةِ الرَّاهِنِ الفلسفي ببلادنا أم أن هذا الإختيار نابع فقط من اهتمامات المُشتغلين بالحقل الفلسفي؟ فنحن لا نملك ما يكفي من المؤسسات الفكرية والفلسفية التي تجعل من مهامِّها اختيار نصوصٍ بعينها من أجل الترجمة، إلى الحدِّ الذي يمكِننا معه القول بأن لدينا صناعة ثقافية وموسم ثقافي. لذلك، أمكَن لنا القول بأن ما لدينا هو نوع من تفاعل بعض الجامعيين بما هو شائِع في الأوساط الثقافية والفلسفية بالعالمين الفرنكفوني أو الأنجلوساكسوني من أفكار ومؤلفات. الشيء يَلزم عنه أن هذه الترجمات غالبا ما تكُون عبارة عن ترجمات انتقائية.

ولعل ما يمكُننا ملاحظته بشأن العديد من نصوص الفلسفة المُترجَمة إلى العربية، والتي قُلْنَا عنها بأنها انتقائية، كونُها لا تعكِس الإلمام الضروري لدى بعض المُترجمين بالمَتن الأصلي للفيلسوف المُترجَم عنه. كما أنها في العديد من الأحيان يتمُّ التَّصْدِيرُ لها، أو التَّهْمِيشُ على قضاياها، بكلامٍ يُلقَى على عَوَاهِنِهِ، فيصيرُ خَلِيطًا من الأفكارِ القوميةِ التي تَسْعَى بأي وسيلةٍ للرَّفْعِ من مَنْسُوبِ العواطف المُمَجِّدة للأنا القوميةِ وللتُّراثِ الفكريِّ والفلسفيِّ الإسلاميِّ. وفضلا عن ذلك، نعتقد بأن العديد من هذه التَّرجمات لا تَصْدُرُ عن اختيار منهجي يتم تبريره.

وفي هذا السياق، تعتبر حالة مؤلَّف "الإيديولوجية العربية" للدكتور عبد الله العروي[10]، مثالا مُقْلِقًا بشأن قيمة الأعمال التي يتم تقديمها إلينا باللغة العربية باعتبارها ترجمات للنصوص الفكرية والفلسفية. فقد صدر الكتاب (الإيديولوجية العربية) باللغة الفرنسية سنة 1967[11]، وصدرت ترجمته إلى العربية من طرف السيد محمد عيتاني في سنة 1970[12]. وحين أصدر الأستاذ عبد الله العروي، وهو الأستاذ المبرز في اللغة العربية، ترجمته الخاصة لكتابه في سنة 1995، كانت الفترة الزمنية الفاصلة بين الترجمتين، هي سِتَّةَ وعشرون سنة من بعد صدور ترجمة محمد عيتاني، وتِسْعَةَ وعشرون سنة من تأليفه له باللغة الفرنسية، كافية كَيْ يَظْهَرَ لعبد الله العروي بأن ترجمة محمد عيتاني لا تَفِي بِالغَرَضِ. فهي في نظره ترجمة مَلِيئَةٌ بالأخطاءِ ولم تتوفَّق في بلوغ غرضها وغرض المؤلِّف، كما أنها لا تخضع حتى لأبسط قواعد البيان العربي[13]. إن قرار الأستاذ عبد الله العروي إصدار ترجمة شخصية لمؤلَّفٍ كَتَبَهُ هو نفسه باللغة الفرنسية، تُبِينُ عن محدودية أطروحة الأصل والنُّسخة التي يتحدَّث عنها العديد من المُهتمين بإشكاليات الترجمة[14]. وإذا كان غرض الأستاذ العروي هو الاستدراك على ترجمة محمد عيتاني، فإنه مع ذلك لم يَقِفْ عند هذا الحدِّ. فقد اعتبر أن ما يقوم به هو تحقيقٌ لرغبتهِ في أن يكُون القارئ العربي على اطِّلاَعٍ مُبَاشِرٍ، ولأوَّلِ مَرَّةٍ على مؤلَّفه الإيديولوجيا العربية المعاصرة في طبعته العربية [15].

وبعيدا عن مثال الدكتور عبد الله العروي، نتناول نموذجا آخر للترجمة في الفلسفة. يتعلق الأمر بترجمة كتاب ''الإتيقا'' لسبينوزا إلى اللغة العربية. وبالرغم من ضيق الحَيِّزِ الخاص بهذا المقال، وما يَنْتُجُ عن ذلك من عدم إمكانية التفصيل والمقارنة بين النسختين العربيتين لترجمة كتاب الإتيقا، فإننا ونحن نوجه القارئ إلى أهمية ترجمة هذا النص، ندعوه أيضا إلى مراجعته حتى يتبين له أهمية النص، وأهمية ملاحظاتنا حول الترجمتين العربيتين التي بين أيدينا.

فقد صدرت الترجمة الأولى لكتاب سبينوزا مع الدكتور جلال الدين سعيد بعنوان ''علم الأخلاق''[16]، مقابل المفهوم الفرنسي «Ethique »، الذي هو العنوان الأصلي لمؤلف سبينوزا. وكانت هذه أول ترجمة عربية تَصْدُرُ بعد ثلاثة قرون على تأليف سبينوزا لكتاب الإتيقا. وجدير بالملاحظة أن هذه الترجمة لا تتوفر لا على الحواشي ولا على أي إشارة للقراءات التي اتخذت السبينوزية موضوعا لها. غير أن المُترجم جلال الدين سعيد، حرص في التقديم الذي اعتمده لترجمته على ذِكر الأسباب الكامنة وراء اختياره للعنوان العربي[17].  

سيترجم الدكتور أحمد العلمي نفس الكتاب تحت عنوان مغاير هو ''الإتيقا''[18]، وسيعرض في تقديم هام تصدَّر به ترجمته، لمبررات اختياره لهذا النص، من خلال عرضه لأهم الدراسات السبينوزية واتجاهاتها، ومن خلال تناوله أيضا بالتقويم لحدود الترجمة العربية السالفة الذكر للإتيقا. وسيلاحظ قارئ هذه الترجمة أن الدكتور العلمي أغنى هذه الترجمة بالهوامش التي تجعل القارئ يطَّلِع على السبينوزية والدراسات المُرتبطة بها في تعدُّدها واختلافها، الشيء الذي يمكِن من خلاله تَبَيُّنُ موقف واتجاه الدكتور أحمد العلمي من هذه الدراسات. وفضلا عن ذلك، نَجِدُ في آخر هذه الترجمة معجما غنيا، يَنِمُّ عن كَوْنِ الأستاذ أحمد العلمي أحد أَلْمَعِ السبينوزيين المعاصرين الذي ينبغي للجامعة المغربية أن تفتخر بهم.

لذلك يمكن القول بأن هذه الترجمة تختلف عن الترجمة التي أنجزها جلال الدين سعيد، لا فقط من حيث المفاهيم المختلفة التي اختارها العلمي، ولكن أيضا من خلال ما تمتاز به هذه الترجمة من حَذَرٍ، يظهر جَلِيًّا للباحث المُهتم بالسبينوزية. ولعل مقارنة قضية واحدة (القضية 11) من الجزء الأول من كتاب الإتيقا لسبينوزا[19]، كافية للتَّنْبِيهِ إلى اختلالات الترجمة التي وقع فيها الأستاذ جلال الدين سعيد، حين تَرْجَمَ هذه القضية كما يلي:

''الله - أعني جوهرا يتألَّف من عددٍ لامحدودٍ من الصِّفاتِ المُعبِّرةِ كلُّ واحدةٍ عن    ماهيةٍ أزليةٍ ولامتناهيةٍ - وَاجِبُ الوجودِ''[20].

بينما نجد الأستاذ أحمد العلمي يترجمها بالآتي:

''الله، وبتعبير آخرَ جوهرٌ يتألَّف من صفاتٍ لامتناهيةٍ[21]، كلُّ واحدةٍ منها تعبِّر عن ماهيةٍ أزليةٍ لا متناهيةٍ، موجودةٌ بالضرورةِ''[22].

والملاحظ أن هناك تباين بين الصيغتين العربيتين لترجمة قضية واحدة. وهو تباين نرى بأنه يَمُسُّ في العُمق فهم فلسفة سبينوزا، باعتبارها فلسفة تقول بالمُحايثة في الوجود. ويظهر لنا هاهنا تفوُّق ترجمة الدكتور أحمد العلمي، لأنها لا تَرْمِي بنا نحو سِجِّلٍّ فلسفيٍّ آخر مغاير للسبينوزية، كالسِّينَوِيَّةِ (نسبة إلى ابن سينا). الشيء الذي يَدْفَعُنَا أيضا إلى القول بأهمية المُقارنات بين النص الأصلي وترجماته. كما يدفعنا إلى تأكيدِ أهميةِ تَعَدُّدِ الترجماتِ التي قد يخضع لها النص الواحد. ففي فرنسا مثلا نجد أن هناك ترجمات لمُتُونِ الفلاسفة تُعرف بأصحابها وبِدُورِ النشر الصادرة عنها. بينما يظل الأمر محدودا عندنا في اللغة العربية، حيث يَسُودُ نَوْعٌ من الاعتقاد بأن مجرد إنجاز ترجمة واحدة كافٍ لاعتبار أننا نتوفَّر على نص الفيلسوف وأنه فيما يبدو ليس هناك ضرورة لإنجاز ترجمة أخرى.

5- نقد النصوص التي تُتَرجم إلى العربية

وانطلاقا مما سبق، كيف يمكِن ممارسة نقد هذه النصوص التي تَصِلُنَا إلى لغتنا العربية عبر الترجمة، ونحن نَعْرِفُهَا في لغتها الأصلية أو من خلال لغاتٍ أخرى غير لغتنا المُترجَم إليها؟ ولماذا لا يخضع النص الفلسفي الواحد في لغتنا لترجمات عديدة[23]، إلا نادرا؟

في اعتقادي أن الإجابة عن هذين السؤالين بسيط للغاية، وهو أننا ما زِلْنَا لم نفهم بعد بأن الترجمة الجيِّدة للنص هي امتلاكٌ له. كما أنها تمرينٌ أكاديمي ومنهجي يضع المُترجمين أمام مسؤولية اختياراتهم، التي ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها تأويلات قد تَختلف وتتصارع من أجل إثبات قيمتها، ما دامت هذه الاختيارات ليست حَلًّا تِقْنِيًّا نِهائِيًّا. لذلك، فإصدار الترجمات لا ينبغي النظر إليه باعتباره عملا معزولا بل إنه عمل أكاديمي مرتبط بالمَتن والسِّياق الخاصين بالفيلسوف. وهذا ما يَدْفَعُنَا إلى طرح التساؤل التالي: بأي معنى يمكِن الحديث عن فُرُوقٍ جوهريةٍ بين ترجمةِ النصوصِ الفلسفيةِ وترجمةِ نصوصِ الروايةِ والأدبِ عمومًا؟ [24].

لا شك أن بين نصوص الفلسفة ونصوص الأدب تمفصلات، لكنها لا تلغي التمايز الذي هو في الواقع ناتج عن طبيعة تشكُّل الخطابين. لذلك يمكُنني القول بأنه إذا كانت أحوالنا الوجودية، بوصفنا كائنات محكومة بوضعية الارتباك الناجمة عن كَوْنِنَا مُوزَّعين ومُنتَشِرِين عَبْرَ جِهَاتِ عالِمنا المَنظُور، هي التي تَفْرِضُ علينا مهمة الترجمة، تماما مثلما تقتضيها أيضا وضعيتنا بعد "بلبلة" ألسُننا، فإن ذلك ما يجعل من الترجمة دوما رهان تتعدَّدُ مقاصده. غير أن رهان الترجمة كَأَيِّ رِهَانٍ، يتعلق بالمستقبل الفكري والحضاري لمن يختارها وسيلةً للانفتاح على فكر الآخر. وهو عندنا رهان ترجمة نصوص فلسفة الآخر وعلومه إلى لغتنا العربية.  

انطلاقا من ذلك، نعتبر أن اللغة التي يتم بها صياغة النصوص الفلسفية وغير الفلسفية، تستمد مقوِّماتها من التوجُّهات الفكرية والثقافية والتاريخية لأصحابها، إن لم نقل إنها تتَّخِذُ مذاهبهم ومعتقداتهم أساسا لتوجُّهاتها. كذلك يتمُّ فعل الترجمة بالنَّظر إلى ما يحكُم لغة المُترجمين (لغة الانطلاق ولغة الاستقبال) من توجُّهاتٍ. ولا شك أن هذه الأمور مِمَّا يُعَقِّدُ مُهَمِّةَ المترجم، خصوصا حين يجدُ نفسه أمام التَّوجِيه المُزدوج الذي يَحكُم عمله، وينبغي له أن يَعِيَه حتَّى لا يذهب عمله سُدًى. فاللغة التي يعتمدها المُترجم، هي غالبا ما تكُون لغةً مُشْبَعَةً بما هو عقائدي وايديولوجي! وقد يحدث أن يتسرَّب إلى المَتْنِ مفهوم له نَفَسٌ عقائدي أو أيديولوجي، فيتم ترجمته و"فلسفته" كَيْ يصير مُقْنِعًا للقارئ المُفتَرض.  

6- المفاهيم الفلسفية وإشكالية تطابقها مع لغة الترجمة 

يعتبر موضوع اختيار المفاهيم الفلسفية المطابقة للغة الترجمة من القضايا ذات الأهمية القصوى المحددة للتوفيق في ترجمة النصوص الفلسفية. وقد أشار مثلا "شارل أبون"[25] على هامش ترجمته للرسالة اللاهوتية السياسية، في الفقرة الأولى من الفصل السادس عشر، إلى أنه لِكَيْ يتم فهم فكر سبينوزا في هذا الفصل، ينبغي الوعي بأهمية التمييز بين معنى حق طبيعي (Jus naturale) التي يتم ترجمتها خطأ في الفرنسية (Droit naturel). فالحق الطبيعي ليس قوةً أو سلطةً (Pouvoir) شرعيةً يمتلكها الإنسان. ففي الطبيعة لا مجال للحديث عن مشروعيةِ أَيِّ قوة من عدمها. فالحق الطبيعي هو حق السلوك وِفْقَ قوانين الطبيعة ووِفْقًا لقوانين الطبيعة الخاصة للفرد. إنه معنى آخر للحق في حفظ الفرد لوجوده والاستمرار فيه باعتباره ماهيته الحالية، كما نقرأ في إحدى قضايا الجزء الثالث من الإتيقا[26].  

كما أن مترجم كتاب جيل دولوز سبينوزا ومشكلة التعبير[27] (Spinoza et le problème de l’expression) يسقط في مُشكل نَعْتَقِدُ بأنه مرتبط بفهم سبينوزا وفهم قراءة دولوز لسبينوزا. لقد أساء المُترجم فهم الفيلسوفين فوقع في مشاكل أَضَرَّتْ كثيرا بما يقصده دولوز في كتابه السالف الذكر. وإني إذ أكتفي هاهنا بِذِكْرِ مثالٍ واحدٍ هو ترجمته لمفهوم (Mode) بالنمط، فلكي أُبَيِّنَ إلى أَيِّ حَدٍّ تعكِس هذه الترجمة المزعومة نموذجا لما يمكِن أن يكُون عليه الخَلَلُ في ترجمة الفلسفة. فحين يستسهل المترجم التعامل مع المفهوم الفلسفي، ويعتبر ترجمته مُجَرَّدَ عملية تعريب ومسألة تقنية، تكُون النتيجة استحالة فهم غرض النص واستحالة رفع قلق عبارته ومعناه.     

وفضلا عن مشكلاتِ ترجمة المفهوم، نورد مسألة أخرى تتعلق بالتَّصرف في النص الأصلي (الأصل الفرنسي) المُراد ترجمته إلى العربية. فمثلا نجد المرحوم حسن حنفي يتصرف في النص الأصلي بِحَذْفِ بعض العبارات، كما هو الشأن بالنسبة لـعبارة (les déments et les gens sains d’esprit)[28]. بالإضافة إلى هذا المسألة، هناك مشكل اللغة التي يعتمدها المترجم الدكتور حسن حنفي. فسواء في المقدمة أو الحواشي على الترجمة، يعتمد حنفي لغة يَغْلُبُ عليها النفس العقائدي والإيديولوجي.  

لا شك أن هذه المسالة تُحيلنا على ضرورة اعتبار أن الفكر حين يَرُومُ التَّحقُّق الفعلي، إنما يكُون مُجسَّدا من خلال لحظات إبداع أساسية لمفاهيمه. والفلسفة تحديدا هي مجال للاختلاف الفكري وبَحْثٌ في ما هو غير مُنتظر ومحكوم بالتعدد والتنوع، الشيء الذي يجعلنا نقول بأن الفلسفة لا تُفسِّر، وأن مفاهيمها ينبغي أن تكُون ذاتها مَوْضِعَ تفسير[29]. فالفلسفة مُطالبة بإبداع مفاهيم قادرة على التعبير عن عواطفنا وانفعالاتنا. كما أن مهمة الترجمة في اعتقادنا شبيهة بمهمَّة الفلسفة. إنها إبداع المفاهيم، وعمل مُتَفَرِّدٌ، الشيء الذي يجعل من فعل الترجمة -أيضا- فعلا للتفلسف. والتفلسف كما يرى دولوز وكواتاري هو التفكير على الطريقة التي تَرَى بأن المفاهيم إبداع فلسفي محض[30].

وإذا كان هذا الأمر مِمَّا يُمكِنه أن يجعلنا بَعيدِين عن فكرة الأصل والنسخة، المحاكاة ونظرية المحاكاة، فهو يجعل من الترجمة والفلسفة، ومن الكتابة عموما، صياغة وعملا محفوفا بالمخاطر. أي، كما قلنا آنِفًا، كتابة شاقة وعملية فاعلة نتمكَّن من خلالها من عَيْشِ تجربة الإبداع والكشف، والانفتاح على المُمكِن والرَّاجح عبر قُدْرَتِنَا على سَلْكِ دُرِوبٍ نَتَصَفَّح من خلالها ما يبدو لنا ظاهرا حتى نتمكَّن من النَّفاذ عَبْرَ ثُقُوبٍ ممكِنة نحو ما هو مُتَوَارٍ عن أنظارنا المُباشرة. وهكذا يكُون فعل الترجمة تفلسفا يتم من خلاله التركيز على اختيار المفاهيم، والذي يتجسَّد من خلال مخاطرةٍ فكريةٍ. الشيء الذي يكُون معه وَهْمُ البحث في الترجمة عن المفاهيم الفلسفية، باعتبارها محاكاة، خيانة لمنهج الترجمة الذي يلزم في اعتقادنا اتباعه لترجمة النصوص الفلسفية.

ذلك لأن ترجمة المفاهيم عملية إبداعية تدخل ضمن فهمنا للترجمة بوصفها كتابة شاقة. فهي دائماً كتابة مع الآخرين (نصوص وأرشيف وقراءات ومُتون)، ما دامت مثل كلِّ كتابةٍ رحلة فكرية نُقبِل عليها ونحن واعون أشدَّ الوعي برهاناتها التي لم تُكتسَب بعد.

7- المداخل باعتبارها عتبات النص المُترجَم؛ 

تُعتَبَرُ المداخل التي يتم بها التَّصدير للنصوص الفلسفية المُترجَمة، عتبات تروم بلوغ إحدى الغايات الأساسية للترجمة في ثقافتنا الإسلامية العربية، وهي تقريب النصوص المترجمة إلى القارئ العربي. غير أن ما يظهر لنا في الواقع هو أن بعض هذه المداخل، تجعل من فعل الترجمة فعلا عبثيا. فعندما يَتِمُّ تحميل هذه المداخل ما لا تطيق، كأن تَصِيرَ مَسكونة بالهواجس العقائدية والطموحات الأيديولوجية للمُترجم، تكُون النتيجة هي إِفْسَادُ إحدى العناصر الأساسية لتحقيق ترجمة فلسفية جيدة، تَرُومُ بلوغ غرض النص الأصلي. والأمثلة عديدة ولا يتَّسع المقال للتوسع فيها. لذلك نكتفي بالإشارة إلى نماذج من ترجمة ميكيافيللي، وسبينوزا ومنتيسكيو.

ففي ترجمة كتاب ميكيافيللي "فن الحرب" (L’art de la guerre) التي أنجزها صالح صابر زغلول[31]، إقحام لذاتيته وقناعاته. كما أن النص المُترجَم لا يَخْلُو من هفوات طالت المعاني والعبارات. كما أن في ترجمتي "الإتيقا" لسبينوزا، المشار إليهما أعلاه، نلاحظ أهمية المداخل والتقديمات، مادامت هي التي تُبِينُ لنا عن استراتيجية المُترجِم. ويكفي مقارنة ترجمات السيد جلال سعيد لــ"الإتيقا" تحت عنوان ''علم الأخلاق''، و"رسالة في اصلاح الفهم" لسبينوزا، بالترجمة التي أنجزها أحمد العلمي للإتيقا، لِتَتَّضِحَ أهمية التقديمات التي تكُون مُرفقة بالترجمة.

غير أن نموذج الأستاذ عبد الله العروي في ترجمته لكتاب مونتسكيو، "تأملات في تاريخ الرومان"[32]، تَسِيرُ في الإتجاه الذي نعتقده الصواب. فهي، فضلا عن عِنايتها بلغة الترجمة وخاصة مفاهيمها، تُعْلِنُ من خلال التقديم الهام والحواشي المُرفقة بالنص عن الغاية منها وعن أهمية ترجمة مثل هذه النصوص الكلاسيكية. ولا شك أن هذا يعكس أن عبد الله العروي كان قَصْدِيًّا في اختياره، مثلما كان مُجِيدًا لِكُلِّ عَمَلِيَّاتِهِ. ويكفي أن أُشِيرَ إلى أن العروي في كل ذلك يبدو وكأنه يُخاطِبُنا ويوجِّهنا إلى ما ينبغي أن يكُون عليه اختيار النصوص وإنجاز ترجمتها وِفْقَ قواعد احترافية لا يمكِن للقارئِ المُنتبه أن يغفلَ عنها.

لذلك يمكِننا القول بأن قيمة الترجمة تَتحدَّد أيضا بأهمية المدخل إليها. لأن هذه التقديمات الضرورية عتبات تعكس استراتيجية المُترجم ورهاناته، فضلا عن كونِها تُوجِّهنا لنتفادى سوء الفهم أو عدم كِفايته. ولأنها كذلك، فهي تَكشِف عن جِدِّيَةِ المُترجم ومَدَى تَمكُّنِهِ من أدوات العمل ومن المَتن الفلسفي الخاص، مثلما تعكس مستوى استيعابه لرهانات النص الأصلي. غير أن هذه التقديمات قد تكُون مجالا لإسقاط هواجس وانفعالات الذات على النص وتأويله بشكلٍ سيِّئٍ.

8- الحواشي، بين التبرير وإنتاج المعنى داخل النص المترجم

انطلاقا مما سبق، نعتقد أنه لا معنى لأيِّ ترجمةٍ لا تَعتَمِدُ حواشي على النص المُترجَم، ما دامت وظيفتها هي أن تكُون توضيحًا لعملِ المُترجِم ولاختياراته المفهومية. إنها عملية يتمُّ من خلالها إبراز قيمة الأفكار التي نُؤَسِّسُ عَبْرَهَا لعملية الكتابة، التي هي هنا عمليَّةُ ترجمةٍ مُزدوجةٍ: ترجمة لأفكار النص التي لن تتم إلا من خلال ترجمتنا لأفكارنا ومعانينا التي نُطابقها بالنص. لذلك فإن لها ضرورة معرفية وتاريخية، باعتبارها ليست مُجرَّد تَسْوِيدٍ لبياض النص، بل إن الغاية منها هي إضفاء معنى وقيمة ومصداقية معرفية للنص الذي تُلْحَقُ به.

وينتج عن ما سبق، كَوْنُ الحواشي التي يتم اللجوء إليها في الترجمة هي تجعل من هذه الأخيرة شبيهة بعمل الأَرْشَفَةِ. ففي الحاشية يتجلَّى الأرشيف بكل دلالاته ووضوحه وقيمته. فالحاشية أيضا هي التي تُعْطِي للمبدأ القضائي كامِل هِبَتِهِ، كما يذهب إلى ذلك جاك دريدا[33]. من هنا، لا قيمة للأرشيف دون حضور الحواشي التي تُضْفِي عليه تَجَلِّيَهُ القويُّ. والترجمة لا تكُون مُضاءة إلا باعتمادها على الحواشي، التي لا معنى لها إلا إذا كانت تَسْتَوْحِي قيمتها وعملياتها من عمل الأرشفة. فالعمل الذي يقوم به المترجم أشيه في عملياته بعمل الأَرْشِيفِي الذي من مهامِّه حِفْظُ الأشياء من الضَّيَاعِ والتَّدمِيرِ. أي، حِفْظُهَا من الموت، ومدِّهَا بحياةٍ أخرى. إن عمل المُترجِم إذن، هو إعطاء الحياة للنصوص خارج لغتها الأصلية. ولا شك أن هذه الحياة تحتاج إلى عمليات البناء التي تتحقَّق عبر الحواشي.

يهدف المترجم عبر الإعتماد على الحواشي إلى نوعٍ من عمليَّةِ تَرْمِيمِ الفهم وحَثِّ القارئ على التَّذَكُّرِ، وإِشْبَاعِ أَيِّ مفهومٍ بالعديدِ من الإضاءاتِ. بذلك تكُون غاية اعتماد الحواشي هي حَثُّ الأذهانِ على ضرورة الانتباه إلى خصوصية المَقُول بوصفِه خِطَابًا له دلالة أصلية ضمن سياقِ النص والمَتن والبراديكم الخاص بالعصر الثقافي الذي أُنتِج فيه النص.

فالحواشي في اعتقادنا، عملية يتم اللجوء إليها من أجل التَّحكُّم في حركيَّةِ إنتاجِ النص المُتَرجَم داخل اللغة المُستقبِلة. لذلك فوظيفتها أكبر من مُجَرَّدِ كَونِها عملية لتبرير الاختيارات والاستراتيجيات التي يلجأ إليها المُترجِم في عَمَلِهِ، الذي لا ينبغي النَّظَرُ إليه باعتباره مجرَّد عملٍ احْتِرَافِيٍّ. وهذا ما يجعل كل مُترجم جادٍّ، مَسكُونا بِهَوًى وَشَغَفٍ يتحوَّل معه إلى فاعلٍ يتحرَّك تَحْتَ ضغط فكرةٍ هي ما نُسَمِّيهِ الفكرة/المنطلق، التي يَعتقِد بأنها تَمْنَحُهُ إمكانية النجاح في عمله الترجمي. ذلك لأنه غالبا ما يكُون المُترجِم وَاقِعًا تحت تأثير هاجس طموحه لكي يكُون مُنْجَزُهُ على وجهٍ أفضل. وعموما، فالمُترجم يَعتقِد بأنه يستطيع بعقله أن يتغلَّب على أحاسيسه ومشاعره. أي، أن يتغَّلب على عواطفه وانفعالاته سواء كانت انفعالات فاعلة أو كانت انفعالات منفعلة.

خلاصات:

لقد حاولنا في الفقرات السابقة مقاربة مسألة ترجمة النصوص الفلسفية إلى العربية، وبيَّننا من خلال بعض النماذج قيمة وأهمية المداخل والحواشي، مثلما توقفنا عند مشكلة اختيار المفاهيم التي اعتبرناها مرتبطة بأهمية المفهوم في إنتاج الأقوال الفلسفية.

ويبقى أن نؤكد أنه إذا كانت أحوالنا الوجودية، بوصفنا كائنات محكومة بوضعية الارتباك الناجمة عن كَوْنِنَا نعيش تحدي الانفتاح على العالم الذي يسكننا، وكانت هذه الوضعية هي ما يجعل من الترجمة، وترجمة النصوص الفلسفية بخاصة، فعلا للكتابة، يتميز بِكَونِه يقتضي معرفةً بالمَتْنِ والبراديكم الخاص بالعصر، كما يقتضي من المُترجِم وضع تبرير لاختياراته المفاهيمية واللغوية بما يجعل منها، ومن المداخل والحواشي، لحظات للتفلسف ولإنتاج المعنى، بعيدا عن الأهواء القومية والرهانات الايديولوجية، فإن الترجمة، وتحديدا ترجمة نصوص الفلسفة وعلومها إلى لغتنا العربية، ينبغي أن تكُون في نظرنا محكومة دوما برهان أساسي هو أن نفهم هذه النصوص الفلسفية. وهذا الفهم ليس غير تَمكُّنِنا من ترجمتها ترجمةً سليمةً، الشيء الذي يجعل من هذا الرهان رهانا مفتوحا دوما على المستقبل.

لذلك يمكِننا القول بأن ما يُمَيِّزُ البِنية الدائمة لفعل الترجمة هو أن يكُون المُشتغل عليها دوما في وضعية الخطر. فأنْ نَفعل (أن نترجم) يعني أن نَضَعَ قيمة حياتنا الأكاديمية والعلمية في خطرٍ فِعْلِيٍّ. غير أننا لا يمكِننا -مع ذلك- إِلاَّ أن نُترجِم، مادام وجودنا يفرض علينا أن نكُون فاعلين في عملية كونية دائمةٍ ومستمرةٍ، هي عملية التَّثاقُف التي تقع الترجمة منها موقع الصدارة والأولوية.

 

[1] - نعتبر بأن مشكل "رفع قلق العبارة الفلسفية"، يقع في صلب اهتمامات الفلاسفة المسلمين، الذين واجهتهم عند ترجمتهم لنصوص الفلسفة اليونانية، مشكلات المعنى سواء داخل اللغة المُترجَم عنها أو داخل اللغة العربية التي يُترجَم إليها. وقد قدم لنا الفيلسوف الكندي (805 م – 873 م)، مثالا لما يجب أن يكُون عليه الحِرص على "رفع قلق العبارة الفلسفية"، فوضع مفاهيم عربية مقابلة للمفاهيم اليونانية جعلت فلسفته واضحة المبنى والمعنى. لذلك نرى بأن هذا المشكل مرتبط في العمق بالكتابة الفلسفية، وبتبليغ الفلسفة، الذي هو تبليغ لأغراض الفلاسفة الذين نُتَرْجِمُ عنهم. ومعروف أن ابن طفيل (1116 م – 1185 م)، اشتكى من غموض اللغة التي يكتب ابن باجة (1077 م - 1082 م). كما أن الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب (1184 م - 1199 م)، اشتكى بدوره إلى ابن طفيل أمر القلق الملحوظ في عبارة المترجمين المسلمين لأرسطو. وقد اعتبر الخليفة أن أعمال هؤلاء لا تفي بالغرض منها. ولا شك أن المقصود هاهنا هو غرض تقريب عبارات ومعاني الفلاسفة اليونان، وخاصة أرسطو، إلى فهم القارئ العربي.

للتوسع بشأن هذه الملاحظة يمكن الرجوع إلى:

عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تقديم ممدوح حقي، تحقيق محمد سعيد العريان، دار الكتاب البيضاء ط 7. 1978، ص: 353-354.           

[2] - نعتبر الاهتمام بأمر "تقريب" الفلسفة ومعانيها إلى القراء من الهواجس التي كانت حاضرة لدى الفلاسفة المسلمين، سواء من خلال ترجمة مؤلفات اليونان أو من خلال التلاخيص والتفسيرات التي أُنجِزت خلال هذه الحقبة. وقد اضطلع بهذه المهمة فلاسفة من المشرق والمغرب، منذ الكندي رسائله الفلسفية، وابن سينا وموسوعة الشفاء (980 م-1037م)، ومصنفات الفارابي الميتافيزيقية والسياسية، إلى شروح وتلاخيص ومختصرات ابن رشد (1126م- 1198م). ونحن نعتبر في السياق نفسه أن هذه الغاية هي التي دفعت أيضا بابن حزم (ت: 1064 م) إلى تأليف كتاب له بعنوان "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية"، (وقد حققه إحسان عباس، دار مكتبة الحياة – بيروت 1900) . كما أن ابن طفيل (1116 م – 1185 م)، وهو أحد ألمع الفلاسفة المسلمين، كتب رسالته الشهيرة "حي بن يقظان" بدافع "تقريب" وإشاعة الفلسفة، الشيء الذي جعل منها الكتاب الأكثر شُهرة وانتشارا من بعده.

[3] - يعالج جيل دولوز، وفليكس كواتاري وضعية المفاهيم في الفلسفة، في كتابه ما هي الفلسفة؟ ومن أجل مزيد من التوسع في الموضوع، يراجع: الفصل الأول من الكتاب، انظر:

جيل دولوز، وفليكس كواتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة: مطاع صفدي، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء 1997. ص 39.

[4] - المصدر السابق، الفصل الثالث: الشخصيات المفهومية، ص. 77.   

[5] - هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد (الحفيد). عاش بين سنوات، (520 هـ- 595 هـ) الموافق لــ14  إبريل 1126م، بقرطبة وتوفي 10  دجنبر 1198م، بمراكش.

[6] - انظر أعلاه: الهامش رقم 1 و 2.

[7] - هو أبو يعقوب يوسف بن أبى محمد عبد المؤمن بن علي القيسى الكومى ولد في تينمل بالمغرب في شهر رجب سنة 533هـ، وتولى الحكم بعد وفاة أبيه «عبد المؤمن» مؤسس الدولة، في جمادى الآخرة سنة 558هـ. حكم من 1184 حتى وفاته في مراكش عام 1199 الموافق لــ: 595هـ 

[8] - أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي عاش بين سنوات 1100م - 1185م. من أشهر مؤلفاته رسالة حي ين يقظان الشهيرة بعمقها النظري والفلسفي وقدرتها على إثارة العديد من الترجمات والتحقيقات والدراسات من أجل بيان قيمتها الفلسفية والثيولوجية. وقد كتب أيضا الأرجوزة في الطب.

[9] - جمال الدين العلوي، المتن الرشدي، مدخل لقراءة جديدة، الفصل الثالث، دار توبقال للنشر والتوزيع، 1986. 

[10] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ترجمة عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء 1995.

[11] -  A. Laroui, L'Idéologie arabe contemporaine : Essai Critique, éd. Maspero, Paris, 1967, réed. La Découverte, Paris, 1982.

[12] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، تعريب محمد عيتاني، تقديم مكسيم رودنسون، بيروت، دار الحقيقة للطباعة والنشر 1970.

[13] - أحصى عبد الله العروي في مقدمة ترجمته لكتابه الإيديولوجية العربية المعاصرة، الأخطاء التي وقع فيها المُترجم الأول لمؤلفه، فَبَيَّنَ أنها أخطاء تصل في مواضيع كثيرة إلى حدِّ قلب معنى النص. وفضلا عن ذلك، يرى أن في ترجمة محمد عيتاني أخطاء تَهُمُّ الاشتقاقات اللغوية والضمائر والأفعال والنُّعوت. ومثلما شملت هذه الأخطاء فهمه لحروف الربط والاستثناء، شملت أيضا فهمه العادي لعباراتٍ عاديةٍ. لقد امتدَّت أخطاء هذه الترجمة لتجعل منها نَّصًّا فَاقِدًا لغايتهِ، خصوصا وأن المُترجِم -في نظر الأستاذ عبد الله العروي- لم يَقُمْ بِغَيْرِ تعريب النص دون أن يُكَلِّفَ نفسه عناء البحث عن الأصول وإثباتها. انظر:

عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ترجمة عبد الله العروي، (مصدر مذكور)، صص. 8-9-10.

[14]- كتب الجاحظ (ت 868 م)، في كتاب الحيوان عن مشكل الأصل والنسخة في الترجمة، مُعْلِيًا من قيمة الأصل قياسا إلى ما تُمَثِّلُهُ النسخة. ففي نظره يظل عمل الترجمان عملا تقصيريا بالضرورة والطبع. فالمرء في نظر الجاحظ، يَشُقَّ عليه الإحاطة بلغتين فأكثر. انظر:  

الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق محمد عبد السلام هارون، دار الجيل، 1955، الجزء الأول، صص. 75-79؛ والجزء السادس، ص 19.

[15] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة (مصدر مذكور)، المقدمة، ص. 14.

[16] - سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة جورج كتورة، تونس 1996، وأعيد طبعه من طرف المنظمة العربية للترجمة سنة 2009.

[17] - المصدر السابق، الصفحات: 21 -22-23 و27.

[18] - سبينوزا، الإتيقا، ترجمة وتقديم الدكتور أحمد العلمي، ط. 1: إفريقيا الشرق 2010.

[19] - PROPOSITION XI : « Dieu, autrement dit une substance consistant en une infinité d’attributs, dont chacun exprime une essence éternelle et infinie, existe nécessairement ».  Voir :

B. Spinoza, ETHIQUE,  Trad. A. Guérinot, est parue aux Éd. d’art É. Pelletan, Paris, en 1930. Paris, éd. Ivrea, 1993.

- PROPOSITION XI: « Dieu, c'est-à-dire une substance constituée par une infinité d'attributs, dont chacun exprime une essence éternelle et infinie, existe nécessairement ». Voir :

- B. Spinoza, ETHIQUE. Trad. et Introduction générale R. Misrahi, éd. de l'Éclat, Paris-Tel-Aviv, 2005.  

[20] - سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد (مصدر مذكور).  

[21] - يقول الدكتور أحمد العلمي في الهامش: '' استعملنا مفهوم لا متناهي للدلالة على كلمة infini.

[22] - يقول الدكتور أحمد العلمي على هامش هذه القضية: '' موضوع هذه القضية وموضوع براهينها والتعليق التابع لها هو تقديم براهين وجود الله''. 

[23] - يقول بول ريكور في كتابه ''حول الترجمة'' ، المقالة الأولى: ''تحدي الترجمة وسعادتها''، وهو محاضرة ألقاها في 15 أبريل 1997 بالمعهد التاريخي الألماني:

 « Il faut peut-être même dire que c'est dans la retraduction qu'on observe le mieux la pulsion de traduction entretenue par l'insatisfaction à l'égard des traductions existantes. ». P. 15.

- P. Ricoeur, Sur LA TRADUCTION, (Défi et bonheur de la traduction), éd. Bayard, 2004.

[24] - François Dédier, Entendre Heidegger et autres exercices d’écoute, éd. Le grand souffle, 2008.

من المعروف أن فلاديمير فينيامينوفيتش بيبيخين (1938-2004)، تَرْجَمَ لمارتن هايدجر الوجود والزمان إلى اللغة الروسية، وحافظ فيه على نفس عدد الكلمات والأسطر والصفحات. والسؤال هو: هل استطاع فعلا أن ينجح في تحدِّي الترجمة الذي يبدو أنه ينحصر هنا بالنسبة للمُترجِم عند ترجمة ما هو غير قابل للترجمة. أنظر:

محمد صالح يارة، حدود الترجمة، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد المزدوج 37,38. الناشر: مركز الإنماء القومي 2016.

[25] - B. Spinoza ; Traité Théologico-politique, Trad. et notes par Ch. Appuhn, éd. Flammarion 1965. Chap. XVI. Note 1. P. 372. 

[26] - سبينوزا، الإتيقا (مصدر مذكور)، الجزء الثالث، القضية 7. البرهان؛ والقضية 8.

[27] - G. Deleuze, Spinoza et le problème de l’expression, éd. Minuit, 1968.

وقد تمت ترجمته إلى العربية بعنوان: سبينوزا ومشكلة التعبير، ترجمة أنطوان حمصي، دار أطلس للنشر والتوزيع القاهرة 2004.

[28] - يراجع النص المقصود، و معه هامش المترجم، الذي يقارن فيه بين توماس هوبس وسبينوزا بشأن حالة الطبيعة في: - سبينوزا، رسالة اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، ومراجعة د. فؤاد زكريا، الفصل 16. دار التنوير2008. ص. 368.

ولتأكيد ملاحظتنا نوجه القارئ إلى نشرة أبون:

- Spinoza ; Traité Théologico-politique Trad. et notes par Ch. Appuhn. Chap. XVI. Ed. Flammarion 1965. P. 262.

[29] - دولوز، كواتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة: مطاع صفدي، المركز الثقافي العربي 1997، ص. 32.

[30] - (المصدر السابق)، ص 32.

[31] -  ميكيافيللي، فن الحرب، ترجمة وتقديم صالح صابر زغلول، دار الكتاب العربي دمشق-القاهرة، 2015، التقديم، صص. 13-16-17-18.

 [32] - مونتسكيو، تأملات في تاريخ الرومان: أسباب النهوض والانحطاط، نقله من الفرنسية إلى العربية عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء، ط. 1. 2011.

[33] - جاك دريدا، أركيولوجيا التوهم "انطباع فرويدي". ترجمه عن الفرنسية عزيز توما، شارك في الترجمة وقدم للكتاب وعلق عليه إبراهيم محمود، مركز الإنماء الحضاري، ط 1. 2005، ص 27.

العنوان الأصلي:

- Jacques Derrida, Mal d’archive, ''une impression Freudienne'', éd. Galilée, 1995. Paris .

 
رهانات ترجمة النص الفلسفي إلى العربية:  المفاهيم، المداخل والحواشي
Partager cet article
Repost0
30 octobre 2022 7 30 /10 /octobre /2022 15:24
التشغيل والجندر  -مدونة الشغل والأجيرة المغربية من خلال عقد الشغل

التشغيل والجندر

-مدونة الشغل والأجيرة المغربية من خلال عقد الشغل -

دراسة محكمة

 د. ادريس عبد النور

Employment and Gender Approach

-The Moroccan Labor Code and the Moroccan Wage through the Employment Contract -

Dr : driss abdennour

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

الكلمات المفاتيح: مدونة الشغل، المرأة الأجيرة، بطاقة الشغل، عقد الشغل، مقاربة النوع الاجتماعي.

هذه مساهمة بحثية  قاربت فيها صورة المرأة العاملة المغربية ضمن مستجدات مدونة الشغل الجديدة عبر دراسة نقدية استجليت فيها قدر الامكان تعالي النظرة الذكورية للمرأة من خلال التشريع للمجتمع وقد لامست بعض المقاومات لحقوق الانسان من طرف ما يعتبر لدينا كثقافة محلية خاصة بالمواد التالية المشرعنة للخرق القانوني ،173،175،176.

فالمدونة السابقة التي لم تعط لبطاقة الشغل أهميتها الاجبارية والتي نظرا لاحساس العاملة بالانتماء للمقاولة عبر هذه البطاقة من الناحية السيكولوجية ، وجب التفعيل الحقيقي للمادة 15 التي تخول للاجيرة الاحتفاظ بأحد نظيري عقد الشغل.

كما قاربت فيها وضعية الأجيرة وإشكالية العقد وما يترتب عندلك من حقوق واشكالات وما يمكن أن يحققه الانتماء النقابي النوعي من تثبيت مكانة المرأة داخل القطاع العمالي لجدير بان ننوه به داخل مدونة الشغل على الرغم من عدم استجابة المغرب  لتوقيع الاتفاقية الدولية رقم 87 حول الحرية النقابية وحماية الحق النقابي، وعلى الاتفاقية 135 حول حماية ممثلي العمال .

ورغم الإصلاحات التي تضمنتها المدونة في صيغتها الحالية بخصوص المرأة العاملة من أجل صيانة مكتسباتها وضمان حقوقها, فإن هذه الإصلاحات  تعتبر غير كافية من حيث أنها تتضمن مرونة فعلية تساعد على خرق مقتضياتها الحساسة اتجاه الأجيرات، كما أنها  قد أغفلت فئة خادمات البيوت آلائي يتعرضن لاستغلال بشع من طرف مشغليهن  .

ما هي أسباب إنكار وضعية هذه الفئة من الشغالات اللواتي أغفلتهن مدونة الشغل  رغم ذيوع الوضعية المزرية التي يتعرضن لها ؟.

 

Sommaire:

Mots-clés: code du travail, femme salariée, carte de travail, contrat de travail ,genre.

Il s'agit d'une contribution à la recherche dans laquelle j'ai abordé l'image de la femme travailleuse marocaine au sein des évolutions du nouveau code du travail à travers une étude critique dans laquelle il a été révélé autant que possible la transcendance de la vision patriarcale de la femme à travers la législation de la société. ،173،175،176.

Le code précédent, qui ne donnait pas à la carte de travail son importance obligatoire, et qu'en raison du sentiment d'appartenance du travailleur à l'entreprise à travers cette carte d'un point de vue psychologique, l'activation réelle de l'article 15, qui autorise la salariée à conserver un des exemplaires du contrat de travail.

Il a également abordé la situation de la salariée, la problématique du contrat, les droits et les problèmes qui en découlent pour vous, et ce que peut apporter une affiliation syndicale qualitative dans la stabilisation de la position des femmes au sein du syndicat, et la Convention 135 sur la protection des représentants des travailleurs.

Malgré les réformes inscrites dans le Code dans sa forme actuelle concernant les femmes qui travaillent afin de préserver leurs revenus et de garantir leurs droits, ces réformes sont jugées insuffisantes en ce qu'elles incluent une réelle flexibilité qui aide à enfreindre ses exigences sensibles envers les salariées, et elles ont également négligé la catégorie des bonnes qui sont soumises à une horrible exploitation de la part de leurs opérateurs.

Quelles sont les raisons de nier la situation de cette catégorie de travailleuses délaissées par le Code du travail malgré les malheurs généralisés auxquels elles sont exposées ?.

المقدمة

         تشكل مدونة الشغل قفزة نوعية بتاريخ التشريع المغربي  جاءت في وقت كثر فيه الحديث عن عولمة الرساميل وانتقالها عبر القارات  وانخراط المغرب في  هذا  المسار الاقتصادي  الواعد قد عجل بالنظرة الموضوعية  لكل قضايا الشغل المطروحة منذ مدة على الساحة النقابية إن لم يكن ميكانيزم تجنيد العار قد  ساهم في تحريكها ، وقد جاء في تصدير المدونة تلك الرغبة في الانتقال بالمغرب إلى حلبة التنافسية العالمية  والانخراط الجدي في تطوير الاقتصاد الوطني تقول" تأتي مدونة الشغل في وقت يسعى فيه المغرب  إلى   فتح  أوراش  التأهيل  الاقتصادي والاجتماعي ، للاستجابة لرهانات التنمية ورفع تحديات العولمة والتنافسية ، ولفتح المجال أمام الاستثمار الوطني والأجنبي في القطاع الخاص ، لأهمية الدور المنوط به لبناء اقتصاد عصري."([1])

وقد انخرطت المرأة المغربية في ميدان الشغل بعد التطورات التي طرأت على بنية المغرب الاقتصادية والاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية حيث عملت فرنسا على إعادة بناء اقتصادها المنهار انطلاقا من تأسيسها لمؤسسات ضخمة بالمغرب ، وقد خص ظهير 13/07/1926  المرأة العاملة بمقتضيات تنظيمية لتشغيل النساء  حيث نص هذا الظهير على: (منع قيام النساء بأي عمل يتجاوز 10 ساعات في النهار ومنع العمل الليلي ما بين 9 ليلا والخامسة صباحا ،كما نص هذا الظهير على حق العاملة في إجازة الوضع لثمانية أسابيع بدون اعتبار ذلك بمثابة فسخ للعقد ،كما مكنها من التمتع لمدة 6 أشهر التي تلي الوضع بالتوقف عن العمل لمدة نصف ساعة صباحا وأخرى بالمساء قصد الإرضاع ، كما منع هذا الظهير تشغيل الأجيرات في الاشغال الباطنة تحت الأرض في المناجم والمقالع ، كما نص هذا الظهير على إلزامية سهر رؤساء المحلات الصناعية والتجارية على المحافظة على حسن الآداب والأخلاق ومراعاة أمور الحشمة واللياقة العامة.

نلاحظ أن المبدأ التشريعي لهذا الظهير قد استمر في التواجد بجل التشريعات التي طُبقت بالمغرب مع بعض التعديلات التي سنستعرضها خلال هذا العرض.

- إذن ما هي الوضعية القانونية للأجيرة بمدونة الشغل الحالية ؟

-  ما هي مستجدات المدونة فيما يتعلق بالعاملة الأجيرة من خلال عقد الشغل ، إبرامه وسيرورته وإنهاؤه؟

-  هل نستطيع الحكم على المدونة في غياب القوانين التنظيمية ،و أن نصف تعاطيها لمشاكل العاملة الأجيرة بالايجابية أو بالسلبية؟

- هل نجد في مراحل عقد الشغل الإمكانية التي نقرا من خلالها الوضعية الدونية للمرأة؟

لقد طرحنا السؤال النقدي التحليلي على مدونة الشغل(99.65) لتعميق التساؤل حول الوضعية القانونية للعاملة الأجيرة بالاعتماد على أهم مراجع الفقه القانوني وخاصة المرجع الثلاثي التأليف الذي تطرق بالتحليل والنقد لمشروع 1998([2])

وقد انقسم هذا العرض إلى ثلاث محاور رئيسية تطرقت من خلالها لمستجدات مدونة الشغل التي لامست فيها البداية الفعلية لانخراط العاملة الأجيرة بالمقاولة بدء بإبرامها للعقد مرورا بمعرفة آثار صيرورة عقدها وتنفيذه بالموازاة مع ظروف الشغل في إطار التبعية القانونية للمشغل ، حتى مرحلة إنهاء هذا العقد.

كما ذيّلنا هذا العرض ببعض المقاربات النقدية كنتائج نأمل أن يؤدي تفعيل النصوص التنظيمية  إلى تطبيق مواد المدونة في جو تجد فيه العاملة الأجيرة نفسها متساوية مع الأجير داخل نفس المقاولة.

- فإلى أي حد استطاع عقد الشغل تحقيق التوازن في وضعية المرأة الأجيرة  وتبرير تبعيتها لمشغلها وحق هذا الأخير في إصدار التعليمات على اعتبار أن خضوع الأجيرة وتبعيتها لمشغلها انطلاقا من توقيعها لعقد الشغل هي المبرر الواقعي لتطبيق أحكام المدونة الحالية.

لهذا جاءت إشكالية البحث تستهدف إبراز مستجدات المدونة من خلال الروابط القانونية التي تحكم الروابط العقدية الخاصة بالعاملة الأجيرة من حيث مختلف العطل التي تتمتع بها والتغيبات المؤدى وغير المُؤدى عنها وحفظ الصحة والسلامة والأخلاق الحميدة داخل المقاولة ونظام الأجور ومسألة التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية .

المطلب الأول: المرأة الأجيرة من خلال إبرامها عقد الشغل.

الفقرة الأولى : إنشاء العقد وفق مبدأ عدم التمييز.

تشير المدونة لأول مرة في تاريخ تشريع الشغل المغربي صراحة عن فك ذلك التمييز الذي كانت تعاني منه النساء العاملات فيما قبل ، وجاء القسم الثالث من المادة 9 بصيغة منع التمييز فيما يخص إبرام عقد الشغل " يمنع كل تمييز بين الأجراء" وبذلك أصبح حق المرأة في إبرام عقد الشغل من أساسيات تواجدها بالمقاولة ، وقد نصت المادة 15 التي تستوجب حصول رضى أطراف العقد على "تتوقف صحة عقد الشغل على الشروط المتعلقة بتراضي الطرفين".

وقد ركزت المدونة على مبدأ عدم التمييز لتحقيق أساس تكافؤ الفرص في مواد أخري جاءت تحت اسم ، الوساطة في الاستخدام وتشغيل الأجراء وخاصة المادة478 ، لتكرر أحكام المادة9 لاعتبار الدور الريادي الذي تقون به وكالات التشغيل في هذا الباب تقول :" يمنع على وكالات التشغيل الخصوصية كل تمييز يقوم على أساس العرق ، أو اللون، أو الجنس، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي ، من شانه المس بمبدأ تكافؤ الفرص والمعاملة في ميدان التشغيل."

الفقرة الثانية :السياسة الأجرية انعكاس لدونية المرأة داخل العقد.

قبل ظهير18/06/1936،كانت الأجور في ميدان الشغل المغربي تخضع لقانون العقود والالتزامات على أساس مبدأ العرض والطلب حيث أشارت القرارات التي عدّلته (قراري 1937و1938) ،إلى الفرق بين الأجر الممنوح لكل من الرجل والمرأة.

وقد ظلت تصورات الحماية الفرنسية حاضرة في بقاء «مناطق الأجور " إلى غاية 15/01/1972، تاريخ صدور المرسوم الذي وحًّد الحد الأدنى للأجور دون التطرق للميز المُؤسس على الجنس والسن([3])

ورغم سعي المغرب لاحترام الاتفاقية رقم 100 حول المساواة في الأجور والتعويضات، التي صادق عليها المغرب بظهير 17/12/1980 فإن تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة 1995 قد سجل وجود تمييز بالنسبة لأجور العاملات حيث نسبة أجورهن أقل من 50 °/° فقط من أجور الرجال في نفس وضعيتهن المهنية.

ومن مظاهر استفاقة التشريع المغربي لعناصر التمييز الأجرية بين الجنسين انسجامه الأخير بالمدونة مع روح المواثيق الدولية ومقتضيات الاتفاقيات الدولية التي وقعها بالعلاقة مع مبادئ الدستور رغم توقيعه على الاتفاقية رقم  111 بشأن تحريم التمييز في التشغيل والعمل التي ألغت على المستوى القانوني كل مظاهر التمييز الأجرية القائمة على الجنس بين الرجل والمرأة ، مع العلم أنه قد  صادق سنة 1979 على الاتفاقية رقم100 حول المساواة الأجرية بين الجنسين.

وقد تطرقت المدونة  بالمادة 346 صراحة بالمنع لكل تمييز في الأجر بين الرجل والمرأة، تقول  "يمنع كل تمييز في الأجر بين الجنسين ، إذا تساوت قيمة الشغل الذي يؤديانه . " وقد عززتها بمقتضيات زجرية جاءت بالمادة 361 في إطار الزجر بالغرامة وقد  تُضاعف  الغرامة في حالة خرق مقتضيات المادة  السابقة الذكر إمعانا للأولوية التي تعطيها المدونة لصورة المرأة والتعامل معها ايجابيا داخل سوق الشغل، جاء في هذه المادة"...يعاقب عن عدم التقيد بأحكام المادة 346 بغرامة من 25000 إلى 30000 درهم.

وفي حالة العود تضاعف الغرامة المذكورة أعلاه." ([4])

الفقرة الثالثة: شمولية الوضعية التعاقدية للأجيرة: الشغل الليلي والأعمال الخطيرة والشاقة.

منذ تأسيسها أصدرت منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 4  سنة (1919) حول التشغيل الليلي للنساء حيث عملت على تحريمه كما صادق المغرب بالإضافة إلى اتفاقية رقم4 ،على اتفاقية رقم 41المعدلة لها، هذه الاتفاقية المتضمنة لاستثناءات خاصة .

لقد تخلت و تراجعت المدونة الحالية عن صيغة منع تشغيل النساء في أي شغل ليلي  التي جاء بها المشروع نحو إقرار قاعدة الإمكان حيث تقول المادة172 ،" يمكن تشغيل النساء ، مع الأخذ بعين الاعتبار وضعهن الصحي والاجتماعي ،في أي شغل ليلي " .

إذ اكتفت أحكام المدونة باحترام تدابير شروط الصحة والسلامة بالنسبة لتشغيل النساء ليلا . كما حددت نفس المادة الشغل الليلي في :

-  النشاطات غير الفلاحية "كل شغل يؤدى فيما بين الساعة التاسعة ليلا والسادسة صباحا".

-  النشاطات الفلاحية "كل شغل يؤدى فيما بين الساعة الثامنة ليلا والخامسة صباحا".

إن النص التنظيمي المشار إليه في المادة   172، قد أصبح لاغيا استجابة لنشاط المقاولة  المتواصل أو الموسمي ، فالمادة 173 ، التي تقول:" لا تسري أحكام الفقرتين الأولى والثالثة من المادة 172 على المؤسسات التي تحتم الضرورة أن يكون النشاط  فيها متواصلا أو موسميا ، أو أن يكون الشغل فيها منصبا على استعمال مواد أولية ، أو مواد في طور الإعداد ، أو على استخدام محاصيل فلاحية سريعة التلف." تعلن صراحة بعدم سريان أحكام الفقرتين من المادة السابقة على هذه المؤسسات مما يجعل المدونة تعطي بيد من فضة وتأخذ بيد من حديد، خاصة إعطاء صلاحيات  الخرق القانوني فيما يتعلق بتشغيل الأجيرات دون سن السادسة عشر وخاصة استغلال تلك الفئة العمرية في تكسير الإضراب المغلف داخل المدونة بصيغ تمويهية كما جاء في المادة 175" يمكن للمشغل ،  في حالة بطالة ناتجة عن قوة قاهرة أو توقف عارض، لايكتسي طابعا دوريا..." وكما جاء كذلك في المادة 176 "يمكن للمشغل أن يخالف مؤقتا.....عندما يقتضي الأمر اتقاء حوادث وشيكة الوقوع، ..." إن تقنين الخرق فيما يخص تشغيل الأحداث دون 16 سنة يعتبر آلة من آليات تكسير الإضراب تضعه المدونة بيد المشغل وبالتالي تكون قد أجهزت على المكتسبات التي تحققت في إطار المشروعية النقابية.

أما بالنسبة للأحكام الخاصة بتشغيل النساء فقد نصت المادة 179 على التأكيد على استمرارية النظرة لهاته الأشغال منذ ظهير 13 يوليوز 1926،حيث انه بمقتضاها "يمنع تشغيل الأحداث دون الثامنة عشر ، والنساء ، والأجراء المعاقين ، في المقالع ، وفي الأشغال الجوفية التي تؤدى في أغوار المناجم."

إلا أن هزالة الغرامة المنصوص عليها في المادة 183 (من 300 إلى 500درهم ) مدعاة للخرق ما لم يأتي النص التنظيمي للمادة 181 بجديد يعزز إمكانية التضييق على هذا الخرق .

المطلب الثاني: سريان عقد الشغل

الفقرة الاولى: حماية الحق في الشغل للأجيرة في حالة الوضع.

إن مبدأ توفير الحماية للأمومة قد تطرقت له الاتفاقية المراجعة لمنظمة العمل الدولية رقم103والتوصية رقم 95 ، والتي تنص على مجموعة من التدابير لحماية المرأة العاملة قبل وبعد الولادة وخاصة حماية حقها في الشغل، كما  التزمت كل الاتفاقيات الدولية بتقييد وحظر تشغيل النساء خاصة في فترات الحمل والوضع والرضاغة ،وقد نصت مدونة الشغل الحالية على اعتبار وضع المرأة الصحي والاجتماعي بالمادة 152، على مدة إجازة الوضع المحددة في أربعة عشر أسبوعا مع ترك الباب مفتوحا للاستثناءات الأفيد في هذا الباب تقول " تتمتع الأجيرة ، التي ثبت حملها بشهادة طبية ، بإجازة ولادة مدتها أربعة عشر أسبوعا ، ما لم تكن هناك مقتضيات أفيد في عقد الشغل ، أو اتفاقية الشغل الجماعية ، أو النظام الداخلي .

وقد حلل ذ.محمد القري اليوسفي  هذه المادة 154  فوجدها لاتؤدي إلا إلى معنى يحقق  إمكانية تشغيل المرأة  – إن رغبت في ذلك- خلال ستة أسابيع السابقة على الوضع، تنص هذه المادة " حق للمرأة الأجيرة ، إن توقف سريان عقد الشغل فترة تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع بسبعة أسابيع وتنتهي بعد تاريخ الوضع بسبعة أسابيع. "

ثم تساءل لتحقيق الإحالة على إجبارية التوقف قبيل الوضع يقول: " فهل يسمح ذلك بالقول بأن صحة المرأة قبل الوضع أكثر قدرة على تحمل العمل وبالتالي بإمكانها الاشتغال إلى آخر ساعة تضع فيها حملها ؟." ([5])

إن حق الأجيرة ورغبتها في  مواصلة عملها قبل الوضع دون وعيها للمخاطر المحدقة بصحتها وبصحة جنينها،  وسعيا منها " للحصول  على ما قد  يوفر لها موارد  إضافية لمواجهة التكاليف الطبية والاجتماعية للولادة في غياب التغطية الكاملة "([6]) يستدعي ضرورة  المراجعة النصية على فترة توقف إجبارية قُبيل الوضع حماية لصحة المرأة وسلامة وصحة المولود  المرتقب، وهذا ما لم تستجيب له المدونة الجديدة  بشكل قطعي إجباري ، غير أن المدونة وضعت المادة 154 لتحقيق هذا التوقف الاختياري في حدود النص " حق المرأة الأجيرة ، أن توقف سريان عقد الشغل فترة تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع بسبعة أسابيع ، وتنتهي بعد تاريخ الوضع بسبعة أسابيع".

إن الحالة الاستثنائية التي تدعو المشغل للسهر على تخفيف الأشغال التي تُكلف بها الأجيرة أثناء الفترة الأخيرة للحمل حسب المادة 153، تتناقض مع طبيعة عمل المرأة الذي من المفترض إن تكون متخصصة فيه  الشيء  الذي يتعارض كليا مع مسألة التخصص التي استوجبت تشغيلها مسبقا انطلاقا من الكفاءة والخبرة والمهنية، وبالتالي لايلتقي مع أحكام المادة 9 التي تمنع التمييز بين الأجراء أو عدم المعاملة بالمثل في مجال التشغيل أو تعاطي المهنة.

فحماية المرأة الأجيرة في هذا الباب تقتضي إجبارية التوقف عن العمل انطلاقا من شهادة الطبيب، الشيء الذي لم يصرح به نص المدونة الحالي.

الفقرة الثانية : تأثير العناية بالرضيع على سريان عقد الشغل.

نص المشرع  في المادة 156 على إمكانية "الأم الأجيرة باتفاق مع المشغل الاستفادة من عطلة غير مدفوعة الأجر لمدة سنة لتربية مولودها " فإن المدونة قد أوجبت بمقتضى المادة 162 المشغل "تجهيز غرفة خاصة للرضاعة داخل كل مقاولة ، أو على مقربة منها مباشرة ، إذا كان يشتغل فيها ما لايقل عن خمسين أجيرة" .

إن انفتاح هذا النص القانوني على عدد الأجيرات المرضعات (50) ، وإذا أضفنا أن الثقة  في عمل المرأة مهزوز لدى العديد من المشغلين أمكن لنا استخلاص عدم الوصول الواقعي والمتعمد لهذا العدد بالمقاولة المغربية، أما إن كانت إمكانية بلوغ هذا العدد فيمكن لعدد(49) أجيرة أن لا يجعل المرضعات يستفدن من إمكانية مباشرة الإرضاع والاطمئنان على فلذات أكبادهن داخل المقاولة، وإذا اعتبرنا إن اهتزاز الثقة يتلوه غالبا التعامل بسوء النية ، يمكن أن نقوم بعملية حسابية  لعدد الساعات التي يوفرها تجاهل العدد(50) و التي تُذيبها عملية الإرضاع في اليوم بما  أن المادة161 تنص على حق الأجيرة المشروع  في استراحة الرضاعة يوميا ولمدة إثنى عشر شهرا تقول "يحق للأم الأجيرة ، إن تتمتع يوميا ، على مدى اثني عشر شهرا ، من تاريخ استئنافها الشغل إثر الوضع  باستراحة خاصة ، يؤدى عنها الأجر باعتبارها وقتا من أوقات الشغل ، مدتها نصف ساعة صباحا ، ونصف ساعة ظهرا ، لكي ترضع مولودها خلال أوقات الشغل . وتكون هذه الساعة مستقلة عن فترات الراحة المعمول بها في المقاولة ."

إن الفقرة التي تلي الفقرة السابقة توحي بنوع من غموض ظاهر الصياغة تجعل الاستفادة من الرضاعة تهم ساعة يوم واحد في الأسبوع حيث تقول الفقرة الثانية من المادة162" يمكن للأم الأجيرة ، إن تتفق مع المشغل على الاستفادة من هذه الساعة المخصصة للرضاعة في أي وقت من أيام الشغل." وقد كان بالنسبة للصياغة القانونية أن تنهج الوضوح لاعتبار صراحة الفقرة الأولى كأن تقول(في أي وقت من صباح و من مساء يوم الشغل.

أما بالنسبة للمادة 163 والتي تهدف تجميع المرضعات بالمنطقة الصناعية حيث تقول "يمكن إنشاء دار للحضانة بمساهمة عدة مقاولات متجاورة بمنطقة معينة مع تجهيزها وفق الظروف الملائمة" فان هذه المادة تمارس نفس الغموض التعبيري  الذي يترك فراغا كبيرا بالنص من حيث إمكانية استعمال الأجيرة لهذه الدار (الحضانة) قصد الإرضاع ، وإذا كان الأمر كذلك ما هي السبل القانونية لحماية الأجيرة خارج المقاولة وما إذا يعتبرها النص في زمن الشغل فيما إذا تعرضت لحادثة الطريق ، وهل من الممكن تصنيف تلك الحادثة من بين حوادث الشغل ؟ على اعتبار أن المشغل قد رخص لأجيرته  بالاستفادة من نصف ساعة للرضاعة فقط و التي تُستهلك  في الطريق إلى دار الحضانة،" فمكان الشغل هو المكان الذي يباشر فيه الأجير عمله المنوط به،ويأخذ حكمه أيضا كل مكان يتواجد فيه هذا الأجير بناء على أمر   من المشغل أو من ينيبه في ذلك ، أو كان  وجوده فيه  تقتضيه مصلحة العمل ، وبصفة عامة،إن مكان الشغل يمتد إلى جميع الأماكن التي يكون فيها الأجير تحت مراقبة وتوجيه وإشراف المشغل"([7])

ومادامت الأجيرة هنا في إطار التبعية القانونية لمشغلها و مادامت لم تسترد حريتها، فان الحادثة التي تقع لها تعتبر إصابة شغل "فإذا وقعت هذه الأخيرة في وقت كان فيه الأجير تحت هذه المراقبة والإشراف والتوجيه للمشغل ، كانت إصابة شغل ، وذلك بصرف النظر عن الزمان والمكان الذي تقع فيه ، سواء كان ذلك داخل المؤسسة المشغلة، أو ملحقاتها ، أو حتى خارج هذه الأمكنة "([8])

إن هذه التدابير القانونية الحمائية المتعلقة بحماية الأمومة كان على المادة 163 إلا تسكت عنها صراحة تلافيا لأي غموض يمكن إن  يتجاوز هذه الوضعية بعدم خلقها (أي حصر عدد الأجيرات في 49 أجيرة كحد أقصى بالمقاولة

الفقرة الثالثة : التغطية الصحية .

لقد وضع المشرع المغربي استمرار الحالة المرضية الناتجة عن الولادة  في اعتباره حيث أجاز تمديد فترة التوقف ثمانية أسابيع قبل تاريخ توقع الوضع ، وأربعة عشر أسبوعا بعد تاريخ الوضع(المادة 154) ، الشيء الذي يشكل تنافيا مع مقتضيات ظهير 9نونبر 1992 المعدل للفصل 37 من ظهير 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي الذي يحدد مدة الإجازة المغطاة بتعويضاته في اثنى عشر أسبوعا ستة منها على الأقل بعد الوضع.

وبالتالي" فإن تمديدا لهذه الإجازة من طرف العاملة سيكون خارج هذه التغطية ويبقى الأمر بالتالي رهينا برغبة المشغل في منح الأجر أو التعويض وهذا شأن لن يقوم إلا إذا ضمن عقد الشغل أو الاتفاقية ([9]) ولما قررت المدونة تمديد رخصة الحمل إلى  14 الأسبوع أخدا بالاتفاقية رقم 95 التي تتمم الاتفاقية رقم 103/1952 ،يبقى أسبوعان بدون تغطية تستوجب التعديل ورغم أن منظمة العمل الدولية عبر اتفاقية رقم 3/1919،تطلب حماية الأمومة في حدود 12 الأسبوع فإن" CNSS(تتحمل هذه المرحلة (أي الحمل) لمدة 10 أسابيع في حدود 50 في المائة من الراتب الشهري .. ."([10])

والتمديد المقترح من طرف المدونة يستلزم من الأجيرة تمديد رخصة الحمل عبر التوقف المؤقت عن العمل غير المؤدى عنه.la mise en disponibilité هذا مع العلم ان فترات الحمل تُقتطع من راتب التقاعد لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

المطلب الثالث: إنهاء عقد الشغل

الفقرة الأولى : الدفع بالحمل لإنهاء عقد الشغل.

إن الأجيرة الحامل معرضة لفساد عقد عملها بسبب الحمل ولهذا فقد حمى المشرع  هذا العقد كما حماها من الطرد التعسفي بسبب حملها عبر نصوص قانونية منها المادة 159 التي تنص " لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة ، التي ثبت حملها بشهادة طبية ، سواء أثناء الحمل ، أو بعد الوضع بأربعة عشر أسبوعا. كما لا يمكن إنهاء عقد شغل الأجيرة ،أثناء فترة توقفها عن الشغل بسبب نشوء حالة مرضية عن الحمل أو النفاس ،مثبتة بشهادة طبية.".

لقد تحدث المشرع عن المغادرة الطوعية للأجيرة الحامل وتبرئة ذمتها من أدائها التعويض عن إنهاء عقد الشغل عبر ثلات مواد متتالية ، المادة 156 يقول "يحق للام الأجيرة ، إلا تستأنف شغلها بعد مضي سبعة أسابيع على الوضع " والمادة 157 التي جاء فيها "يمكن للام الأجيرة ، العدول عن استئناف شغلها،" وبالمادة 158كذلك " يمكن للأجيرة الحامل ، إذا أثبتت حملها بشهادة طبية ، أن تترك شغلها دون إخطار.." .

إن هذه المواد لا تشعر بحرج دفع الأجيرة إلى إنهاء عقد الشغل بسبب الحمل وكأن الحمل  والأمومة  والشغل لا  يتعايشون  داخل  المقاولة ، وتظهر التدابير التي اتخذت بهذه المواد كتدابير تمييزية تتعامل بشكل مختلف مع الرجل ، ولهذا وجب حماية العاملة من المادة 66 التي تعطي إمكانيات واسعة للمشغل الذي "يعتزم فيها فصل الأجراء كلا أو بعضا لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو اقتصادية".

كما أن المادة 158 رخصت للعاملة إذا أثبتت حملها بشهادة طبية أن تترك شغلها دون إشعار مشغلها بذلك ولا يترتب على تصرفها أي التزام بأداء التعويض. .والملاحظ أن المادة 154 نصت على أن للأجيرة الحق في إيقاف فترة سريان عقد الشغل لمدة سبعة أسابيع تبتدئ قبل تاريخ توقع الوضع, وهذا لا يؤدي إلا للاستمرار في عملها دون وعي منها بالمخاطر التي تهدد صحتها و صحة جنينها ,سعيا منها (للحصول على ما قد يوفر لها موارد إضافية لمواجهة التكاليف الطبية والاجتماعية في غياب التغطية الكاملة ([11]) . لذا كان على المشرع في هذه المادة أن يؤكد على إجبارية التوقف قبل الوضع مثلما فعل في المادة153 التي نص فيها على أنه(لا يمكن تشغيل الأجيرات النفيسات أثناء فترة الأسابيع السبعة المتصلة التي تلي الوضع.

إن حالة الإجهاض المفاجئ تتطلب باعتبارها حالة مرضية نفس فترة التوقف عن العمل في حالة الحمل العادي ولهذا جاءت المادة 159 قصد تصحيح هذه الوضعية حيث تنص على انه " لا يمكن للمشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة أثناء فترة توقفها عن الشغل بسبب نشوء حالة مرضية  عن الحمل أو النفاس ، مثبتة بشهادة طبية".

وقد تخلت المدونة عن العقوبات الحبسية والاستعاضة عنها بغرامة تتراوح بين 3000و 5000 درهم بسبب تسريح العاملة الحامل ، وقد رأى الفقه القانوني " أن تعزز هذه الحماية بمراجعة هذه العقوبات بالرفع من قيمة الغرامة ومضاعفة تعويض المرأة الحامل متى تبث طردها تعسفيا" ([12])

الفقرة الثانية : التحرش الجنسي والفصل التعسفي .

إذا كان عمل المرأة يحررها بفعل استقلالها المادي وبفعل تفتح شخصيتها على العالم الخارجي لتحس بكيانها المستقل  إن على المستوى السوسيو اقتصادي  أوعلى المستوى النفسي، فان التحرش الجنسي يفقدها طعم هذه الحرية ويفقدها كرامتها الشخصية وبالتالي إرجاعها إلى البيت تحت ضغط الزوج أو الأهل انسياقا للمعايير الأخلاقية والقيمية للمجتمع التقليدي المغربي.

وعندما اعتبرت المادة 40 من مدونة الشغل إن التحرش الجنسي، من الأخطاء الجسيمة ، ضد الأجير(والأجير الأنثى من أكثر المعًّرضين للتحرش الجنسي) من طرف المشغل أو رئيس المقاولة أو المؤسسة ، وضعت إمكانية التقاضي بيد المتضرر من هذا الأجراء في حالة إثبات الخطأ ، والمطالبة بالتعويض عن الضرر لاعتبار ذلك الخطأ (التحرش الجنسي ) بمثابة فصل تعسفي  على اعتبار أن المشغل بمقتضى المادة 24 يعتبر مسؤولا وساهرا على حسن السلوك والأخلاق الحميدة وعلى استتباب الآداب العامة داخل المقاولة، وتنص المادة41 من المدونة  انه "في حالة ثبوت فصل الأجير تعسفيا ، إما بإرجاع الأجير إلى شغله أو حصوله على تعويض عن الضرر "  الذي رفعته المدونة إلى سقف 36 شهرا عوض 24 شهرا بالمشروع.

الفقرة الثالثة :قاعدة "حركية الأجير" بين سريان العقد وإنهائه.

                إن من بين الإشكاليات التي تدفع العاملة المتزوجة إلى فقدان عملها في إطار ما نسميه بقاعدة "حركية الأجير" والتي أغفلت المدونة التنصيص عليه هو انتقال نشاط المقاولة المشغلة في إطار المادة 19 ،"على الأخص بسبب الإرث ، أو البيع أو الإدماج ،أو الخوصصة " ،  إلى التمركز بمدينة أخرى  غير تلك التي قام بها عقد الشغل  الشيء الذي  يجعل العمل بعيدا عن بيت الزوجية كمشكل قائم الذات فيما يخص تشغيل النساء( المتزوجات) ، فهل تعتبر وضعية المقاولة الجديدة بالنسبة للأجيرة المتزوجة فصلا من الشغل استوجبت بذلك التعويض عنه.؟

فعقد الشغل في إطار حركية الأجير يبقى ساري المفعول حيث " لايؤثر على العلاقة بين الأجير والمقاولة انتقاله من موقع إلى آخر أو من مدينة إلى أخرى في إطار نفس المقاولة " ([13])

إلا انه بالنسبة للأجيرة الزوجة والأم يشكل تشرذما لوضعيتها الموزّعة بين  دخولها حالة اجتماعية  في حالة استمرارها في الشغل ، أو دخولها حالة فسخ عقد الشغل في حالة ارتباطها ببيت الزوجية .

إن مراعاة سكنى الأجيرة هنا غير واردة رغم إن المدونة لم تغفله بالمادة 37 في إطار العقوبات التأديبية في حق الأجير في "التوبيخ الثالث أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى يُراعى مكان سكنى الأجير".

ثم إن عدم التحاقها بالمؤسسة المنتقلة يُصبح حسب المادة 42 بمثابة "إنهاء عقد الشغل بصفة تعسفية" وتصبح بذلك الأجيرة مهددة ومطالبة بالتعويض عن الضرر بمقتضى المادة 41 التي تنص على أنه "يحق للطرف المتضرر ، في حالة إنهاء الطرف الآخر للعقد تعسفيا ، مطالبته بالتعويض عن الضرر"

بينما يكتفي المُشغل بمقتضى المادة 136 بالتصريح فقط للعون المكلف بالشغل "إذا انتقلت المقاولة إلى مكان آخر وهي تشغل أجراء .

وعندما تضطر العاملة للبحث عن عمل آخر داخل مدينتها تُحمل المدونة للمشغل الجديد "المسؤولية عن الضرر اللاحق بالمشغل السابق "(المادة 42)" إذا استمر في تشغيل أجير بعد أن علم أنه ما زال مرتبطا بمشغل آخر بموجب عقد شغل".

خاتمة:

عند الصياغة النهائية للمدونة تم رفع التقييد لتشغيل النساء ليلا  نحو طرح إمكانية تشغيلهن  في " أي شغل ليلي "  دون تخصيص ، لايمكن إلا أن نستخلص ما رسمته المدونة من دوائر القلق حول المفهوم الذكوري لتواجد المرأة ببيتها ليلا يقول ذ.عبد الرزاق مولاي رشيد "يجب إعادة النظر في أسطورة الفحولة ، صورة التواجد الضروري للمرأة بالبيت ليلا.([14]) وقد نختم هذه المقاربة بالفرضية التي  وضعها عند تطرقه لوضعية المرأة بالمغرب  حيث قال :" التفكير في موضوع  مماثل يرجع للتساؤل  حول المجتمع كله"([15])

لهذا  فالدراسة حول  المرأة كيفما كان اختصاصها تثير إشكالية العلاقة  التصارعية بين الحضور القوي للموروث المجتمعي ومتطلبات الأزمنة الحديثة ، ما بين الخصوصية والعمومية .

المراجع والهوامش:

[1] - مدونة الشغل(تصدير) الجريدة الرسمية عدد 4158، 08/12/2003،ص:3971

[2] - ذ .محمد القري اليوسفي، ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي: دراسة تحليلية ونقدية لمدونة الشغل المرتقبة,مشروع 1998.

[3] - للمزيد من الاطلاع ، انظر المرجع السابق ص:192وما يليها

[4] - المادة 361

[5] - ذ. محمد القري اليوسفي ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي، نفس المرجع السابق ص:124.

[6] - نفس المرجع السابق ص:124.   

[7] - د.عبد اللطيف خالفي ، حوادث الشغل والأمراض المهنية ، دراسة نظرية وتطبيقية في ضوء تعديلات ظهير 23يوليوز 2002،المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات ، مراكش، الطبعة الأولى ،2003،ص:59.

[8] - نفس المرجع السابق ص:103.

[9] - ذ.محمد القري اليوسفي، ذ.محمد الشرقاني، ذ.عبد العزيز العتيقي، دراسة تحليلية نقدية لمدونة الشغل المرتقبة، مشروع 1998، ص:126.

[10] - marocaine et sécurite sociale, fettouma benabdnbi-jerrari, editions le fennec, page : 102.

[11] - ذ . محمد القري اليوسفي و آخرون : دراسة تحليلية ونقدية لمدونة الشغل المرتقبة,مشروع 98 ,ص124

[12] - نفس المرجع السابق ،ص: 128

[13] - ذ.محمد الشرقاني، محاضرات في مدونة الشغل المرتقبة( مشروع 2000) لطلبة السنة الثالثة لشعبتي القانون الخاص والعام ،الجزء الأول ،السنة الجامعية 2000-2001.

[14] - Abderrazak Moulay rchid « la condition de la femme au Maroc, édition de la faculté des sciences Economiques et sociales de rabat, introduction générale p : 477 -

[15] - abderrazak Moulay rchid « la condition de la femme au Maroc , p :3

Partager cet article
Repost0
20 octobre 2022 4 20 /10 /octobre /2022 21:11
الخطاب الإسلامي والتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان

الخطاب الإسلامي والتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان

المصطفى تودي

دراسة محكمة

 أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس

الكلمات المفاتيح: العالم الاسلامي، حقوق الانسان، الخطاب الاسلامي، المجتمع الاسلامي

ملخص

لا يخفى ما يعيشه العالم وبخاصة العالم الإسلامي من تسلط الغرب واستبداده وفرض هيمنته الفكرية والإعلامية مما أدى إلى تغييب المفهوم الإسلامي لقضية حقوق الإنسان، وقد كان للإسلام المنهج المتكامل للحياة لإقامة مجتمع إسلامي حقيقي يتمتع الناس فيه بالحقوق وأداء الواجبات وهذا ما أعطى لحقوق الإنسان في الإسلام صبغة عالمية لم تصل إليها أية محاولة خارج التصور الإسلامي كيفما كانت

  والمتتبع لواقع العالم الإسلامي اليوم يتبين له ما تعيشه المجتمعات الإسلامية من انتهاك لحقوق الإنسان وامتهان لكرامته، نتيجة الاستبداد والضعف والهوان الذي أصاب جسم الأمة المسلمة ، ويرجع هذا الانكماش في مجال تطبيق حقوق الإنسان وتقلص الحريات في واقع المجتمع الإسلامي إلى عدة أسباب مرتبطة بالبعد عن مقتضيات العقيدة الإسلامية السمحة، والبعد عن منهج النبوة وكيد الأعداء، وغيرها من الأسباب والعوامل التي جعلت حقوق الإنسان تغيب عن المجتمعات الإسلامية ثقافة وسلوكا وتطبيقا، رغم غنى القيم الحضارية الإسلامية وتميزها وقدرتها على العطاء.

وسنحاول من خلال  هذا العرض تناول الأوضاع التي تعيشها المجتمعات الإسلامية من تواكل وتخاذل وفقر وانتهاك لحقوق الإنسان بفعل المغلوبية الحضارية للدول الإسلامية،

كما سنعمل على دراسة أثر المنابر الإعلامية والمناهج التعليمية في الدول الإسلامية التي تتحدث عن حقوق الإنسان وتروج لها من المنظور الغربي فقط، وتغفل المنظور الإسلامي عن قصد أو بسبب الجهل بمضمون الحقوق في الإسلام، وانبهار أبناء المسلمين بالثقافة الغربية مما فتح الباب لأبناء المسلمين للانبهار بما وصلت إليه الثقافة الغربية في تنظيرها لمبادئ حقوق الإنسان وتطبيقها في مجتمعاتهم.

كما أن الفراغ الذي تعيشه الأمة الإسلامية على مستوى الممارسة الفعلية لتطبيق حقوق الإنسان جعلها في قفص الاتهام بعد الهزائم الحضارية التي توالت على الأمة الإسلامية،

 كما سنتناول في هذا العرض التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي المعاصر في مجال تفعيل حقوق الإنسان، والمهام المطروحة على الخطاب الإسلامي في مجال حقوق الإنسان والتي تفرض الافتخار والاعتزاز بالتعاليم الإسلامية والتمجيد وإظهار السبق والتفوق للإسلام في مجال حقوق الإنسان .

Mots-clés : monde islamique, droits de l'homme, discours islamique, société islamique

Sommaire

Ce n'est un secret pour personne que le monde, en particulier le monde islamique, subit la domination et la tyrannie de l'Occident et l'imposition de son hégémonie intellectuelle et médiatique, ce qui a conduit à l'absence de la conception islamique de la question des droits de l'homme. n'a été atteint par aucune tentative en dehors de la perception islamique, quelle qu'elle soit

   Quiconque suit la réalité du monde islamique d'aujourd'hui se rendra compte de ce que vivent les sociétés islamiques en termes de violation des droits de l'homme et d'humiliation de leur dignité, en raison de la tyrannie, de la faiblesse et de l'humiliation qui ont affligé le corps de la nation musulmane. , l'éloignement de la méthode de la prophétie et des complots des ennemis, et d'autres raisons et facteurs qui ont rendu les droits de l'homme absents des sociétés islamiques en termes de culture, de comportement et d'application, malgré la richesse, la distinction et la capacité des valeurs civilisationnelles islamiques.

À travers cette présentation, nous essaierons d'aborder les conditions dans lesquelles vivent les sociétés islamiques en termes de dépendance, de négligence, de pauvreté et de violation des droits de l'homme en raison de la domination civilisationnelle des pays islamiques.

Nous étudierons également l'impact des plateformes médiatiques et des programmes d'enseignement dans les pays islamiques qui parlent des droits de l'homme et les promeuvent d'un point de vue occidental uniquement, et ignorent la perspective islamique intentionnellement ou par ignorance du contenu des droits dans l'Islam, et la fascination d'enfants musulmans avec la culture occidentale, ce qui a ouvert la porte aux enfants musulmans pour qu'ils soient éblouis par ce qu'ils ont accompli La culture occidentale dans sa théorie des principes des droits de l'homme et leur application dans leurs sociétés.

De même, le vide que connaît la Oummah islamique au niveau de la pratique effective de l'application des droits de l'homme l'a mise au banc des accusés après les défaites civilisationnelles qui ont balayé la Oummah islamique.

  Dans cette présentation, nous aborderons également les défis auxquels est confronté le discours islamique contemporain dans le domaine de l'activation des droits de l'homme, et les tâches auxquelles est confronté le discours islamique dans le domaine des droits de l'homme, qui imposent la fierté et la fierté des enseignements islamiques, la glorification et la démonstration la préséance et la supériorité de l'islam dans le domaine des droits de l'homme.

 

لقد أخذ موضوع حقوق الإنسان يكتسب أهمية وأولوية على المستوى العالمي والمحلي في وقتنا الحاضر، وهي قضية كبرى جديرة بالبحث والدراسة من وجهة النظر الشرعية لفهم نظرة الإسلام للإنسان وحفظه لحقوقه، وتنظيم شئون حياته، على نحو يكفل له الحياة الكريمة، ولا يخفى ما يعيشه العالم وبخاصة العالم الإسلامي من تسلط الغرب واستبداده وفرض هيمنته الفكرية والإعلامية مما أدى إلى تغييب المفهوم الإسلامي لهذه القضية، وما يزيد من حدة تأثير ذلك ما يمارس داخل البلاد الإسلامية من ممارسات شتى منافية للقيم والمبادئ الإسلامية، وهو الأمر الذي يمثل تحديا ضاريا يفرض تكاثف جهود الباحثين والمختصين للتعريف بحقيقة الإسلام ونظرته إلى حقوق الإنسان وتعميق الوعي بها وبخطورة الادعاءات التي تثار حولها .   

1 - حقوق الإنسان في الإسلام بين كمال النظرية وسوء التنزيل

لقد كان الإسلام المنهج المتكامل للحياة، والمدخل الصحيح لإقامة مجتمع إسلامي حقيقي يتمتع الناس فيه بالحقوق وأداء الواجبات، والتزام العدالة في تطبيقها والسهر على حمايتها في إطار نوع من التوازن والمساواة الحقيقية، التي لا امتياز فيها بين فرد وفرد على أساس لغة أو عنصر أو دين أو لون، فالناس كلهم سواء في القيمة والكرامة الإنسانية،  ذلك أن الإسلام هو دين الفطرة الخالدة الذي يحمي الإنسان ويقيم حياته ويحافظ على حقوقه ويرفع من شأنه ويكرم إنسانيته، وهذا ما أعطى لحقوق الإنسان في الإسلام صبغة عالمية لم تصل إليها أية  محاولة خارج التصور الإسلامي كيفما كانت.

من هنا يظهر تفوق المبادئ الإسلامية وغنى القيم الشرعية الضابطة والموجهة لمسيرة الحياة،  كما يبرز ثراء التجربة التاريخية التي تجسد أحسن تطبيق لحقوق الإنسان في واقع الحياة، وذلك بتعدد النماذج والأمثلة الصالحة للإقتداء بها في الواقع المعاصر.

2 : أسباب التباين بين التنظير والتطبيق

  إن المتتبع لواقع العالم الإسلامي اليوم يتبين له ما تعيشه المجتمعات الإسلامية من انتهاك لحقوق الإنسان وامتهان لكرامته، نتيجة الاستبداد والضعف والهوان الذي أصاب جسم الأمة المسلمة، والتجاوزات المجحفة والأعمال المخالفة للعدل والمساواة، وغلبة الأعداء، مع كل ما يعانيه العالم الإسلامي من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأزمات فكرية وروحية، مما تسبب عنه حجب الإسلام وإخفاء حقيقته

ويمكن إرجاع هذا الانكماش في مجال تطبيق حقوق الإنسان وتقلص الحريات في واقع المجتمع الإسلامي إلى الأسباب التالية:

أ : البعد عن تحكيم الشرع الرباني العادل.

إن البعد عن مقتضيات العقيدة الإسلامية السمحة وتغييب التوجيهات والمبادئ التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله في الحقوق والواجبات، هو السبب الحقيقي في تراجع أمة الإسلام عن الشهود الحضاري في قيم المساواة والعدل والحرية.

ولن يخلص البشرية من أزمتها إلا المنهج الرباني الذي أنزله الله في كتابه الكريم وبينه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، قال تعالى : ﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [1].

ب : البعد عن منهج النبوة

إن المنهج النبوي في معالجة حقوق الإنسان لم يكن منهجا عاطفيا يعتمد على الشعارات والخطابات، وإنما اعتبرها من الثوابت الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، وحرصا على حسن تطبيقها اعتمد صلى الله عليه وسلم على إصلاح الفرد المسلم وتقويم سلوكه وتربيته على احترام حقوقه، حتى تصبح جزءا من مكوناته النفسية والعقلية ويحافظ عليها، فاكتسب بذلك المنهج النبوي عمقا وامتدادا في الزمان والمكان جامعا بين النظرية والتطبيق التي يرتقي بها الإنسان إلى المساواة الكاملة والعدل المطلق.

ج: كيد الأعداء

استغل المجتمع الغربي شعار ثقافة حقوق الانسان كأداة ضاغطة يستخدمها للابتزاز السياسي والضغط على الشعوب والأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي الخارجة عن النظام العالمي الجديد، وكوسيلة لإيذاء المسلمين وخلق الفتن فيما بينهم، لممارسة الهيمنة وفرض السيطرة وبسط النفوذ الثقافي والاقتصادي على الدول الإسلامية، ووضع مجتمعاتها في أخطر ألوان التبعية المطلقة للغرب، مما جعلها تعيش على الهامش لا تتوفر لها مقومات الإلتحاق بركب الحضارة العصرية.

 

هـ: آثار غياب تطبيق حقوق الإنسان على الواقع الإسلامي

تعددت الأسباب والعوامل التي جعلت حقوق الإنسان تغيب عن المجتمعات الإسلامية ثقافة وسلوكا وتطبيقا، رغم غنى القيم الحضارية الإسلامية وتميزها وقدرتها على العطاء، وكثرة النماذج التاريخية التي تبين بجلاء أن هذه القيم قابلة للتطبيق والتنزيل، ودافعا للنهوض، الشيء الذي ترتب عنه النتائج التالية :

-  تردي الواقع الإسلامي في مجال حقوق الإنسان

 تفاقم الأوضاع التي تعيشها المجتمعات الإسلامية من تواكل وتخاذل وفقر وانتهاك لحقوق الإنسان بفعل المغلوبية الحضارية للدول الإسلامية، ووضع العراقيل أمام الواجب الذي تمليه العقيدة الإسلامية على الدول في قيام مجتمع مثالي تحترم فيه حقوق الانسان وواجباته، وإخضاعها لاعتبارات ذاتية دون النظر إلى الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بإقرار الحقوق والواجبات، كل هذا أدى إلى هجوم بعض الكتابات الغربية على الإسلام واتهامه بأنه هو التحدي الحقيقي لحقوق الانسان بمفهومها العالمي، الأمر الذي جعل الحاقدين على الإسلام يعلقون على مشجبه كل التسلط والانتهاك والهضم لكافة الحقوق.

-  انتشار التعصب وغيا ب ثقافة الحوار والتسامح

 إن غياب تطبيق حقوق الإنسان في الدول الإسلامية أدى إلى غياب ثقافة التسامح والحوار التي تعتبر من أهم مقاصد حقوق الإنسان في الإسلام، وحلت محلها ثقافة الانغلاق على الذات والرفض للآخر، التي تعتبر مدخلا لعدم قبول حضارته والإعتراف بحقوقه وتسويغ انتهاكها تحت أي مبرر كيفما كان.

هذا الوضع أدى إلى انتشار ظاهرة التعصب والحزبية وغمط الآخرين حقوقهم وفضائلهم، والحق أن الإسلام مبني على الإنفتاح والمعاملة الحسنة، دون فرض أخلاقه وحضارته بالعنف والإرهاب، والاستفاذة من القيم المثلى الموجودة في الثقافات الأخرى.

          -  إغفال الإعلام ومناهج التعليم للمنظور الإسلامي لحقوق الإنسان

أغلب المنابر الإعلامية والمناهج التعليمية في الدول الإسلامية تتحدث عن حقوق الإنسان وتروج لها من المنظور الغربي فقط، وتغفل المنظور الإسلامي عن قصد أو بسبب  الجهل بمضمون الحقوق في الإسلام، الأمر الذي جعل المفاهيم الغربية عن حقوق الإنسان تترسخ في المجتمعات الإسلامية، بسبب "غياب المفاهيم الإسلامية المنضمة للحقوق الشرعية للأفراد والجماعات، مما أدى إلى بناء تصور للحقوق الإنسانية مستمدة من التجربة الغربية لمعالجة الواقع ومحاولة الارتقاء بحقوق الأفراد والجماعات، فصارت المفاهيم والمبادئ الغربية المرجع الأساسي لبناء قواعد اجتماعية لتنظيم  الحقوق الفردية في العالم أجمع، ونجم عن ذلك سلب الحضارة الإسلامية مقومات وجودها كواقع ممارس في العديد من المجتمعات الإسلامية، وصارت "تراثا"عاجزا عن تنظيم الواقع، ومرجعا " أخلاقيا" محدود الأثر في الواقع التشريعي المعاصر المنظم لحقوق الإنسان"[2]،

-   انبهار أبناء المسلمين بالثقافة الغربية

إن الفراغ الذي تعيشه الأمة الإسلامية على مستوى الممارسة الفعلية لتطبيق حقوق الإنسان فتح الباب لأبناء المسلمين للانبهار بما وصلت إليه الثقافة الغربية في تنظيرها لمبادئ حقوق الإنسان وتطبيقها في مجتمعاتهم.

فوضع الإسلام في قفص الاتهام بعد الهزائم الحضارية التي توالت على الأمة الإسلامية، واعتبر العامل الأول عن تخلف المسلمين، فتعالت دعوات فئات من أبناء المسلمين، منبهرة بالحضارة الغربية وما وصلت إليه من تقدم في مجال تطبيق حقوق الإنسان، منادية بإبعاد الإسلام عن جميع مناحي الحياة، لأنه يمثل من منظورها عائقا أمام التطور المنشود.

 4 : التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي المعاصر في مجال تفعيل حقوق الإنسان.

 أولا: كيفية  توفيق الخطاب الإسلامي بين ما تمتاز به القيم الإسلامية في مجال حقوق الإنسان، من التميز والقدرة على الاستجابة لواقع الحياة الشديد التغير والتطور، وبين الواقع المتردي للمسلمين.

 ثانيا : أن الخطاب الإسلامي المعاصر مدعو إلى تجاوز الموقع الدفاعي عن حقوق الإنسان في الإسلام، بإظهار تفوقها وتكريمها للإنسان وحماية حقوقه، إلى التفكير في إيجاد الوسائل والآليات العملية التي تجعل من هذه القيم مبادئ ميسرة التطبيق في حياتنا، وأحكام سهلة التنزيل على واقعنا، اقتداء بمنهج النبوة والخلافة الراشدة التي تعتبر تجسيدا فعليا للقيم الإسلامية في الواقع.

 ثالثا : إن المسلمين اليوم ملزمين بأن يستقوا منهج حياتهم ومجتمعهم من منطلق القرآن الكريم والسنة النبوية، اللذان هما جماع القيم الإنسانية العليا، التي تمكن المجتمع الإسلامي من التكافل والتضامن، والخروج من التبعية والعودة إلى منابع الإسلام.

 رابعا : إن من واجب كل مسلم أن يتمثل القيم والمبادئ الإسلامية في سلوكه وينزلها في واقعه،  حتى يكون قدوة لغيره، ويحقق بذلك الشهود الحضاري للأمة،

خامسا : إن المطلوب اليوم من المسلمين ليس هو إحياء التراث، وإنما إحلال الشريعة الإسلامية الخالدة في القرآن والسنة في مكانها الصحيح والأصيل قبل أن تحجبها القوانين الغربية.

وإن في إمكان المتخصصين من المسلمين أن يقدموا منهجا مرنا يحقق ثوابت الإسلام ومتغيرات العصر...لنكون قادرين على تقبل معطيات العصر حتى لا نجمد ولا نتوقف أو نتخلف.

5: مهام الخطاب الإسلامي في مجال حقوق الإنسان

وجب على الخطاب الإسلامي اليوم بعد الأحداث الأخيرة التي يعيشها المجتمع الإسلامي إيلاء الأهمية للتصور الإسلامي في موضوع حقوق الإنسان. وهذا لن يتأتى إلا بإبراز الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى: سبق الدين الإسلامي كل الأنظمة الوضعية بتشريعه العالمي لحماية حقوق الإنسان واحترامها وربطها بالحكمة الإلهية وبمقاصد الشريعة وسمو هدفها وغايتها لأنها رسالة موجهة للعالم كله.

الحقيقة الثانية: تفوق التجربة الحضارية الإسلامية التي جعلت من هذه المبادئ والتعاليم أحكاما ملزمة وضرورات مطبقة وتشريعات لا يجوز تعديلها أو انتهاكها، لأن انتهاكها اعتداء على القيم والمثل .

الحقيقة الرابعة : تهافت الكتابات والأبحاث التي تدعي أو تلمح بقصد أو بغير قصد أن حقوق الإنسان لم تتبلور إلا في إطار المنظومة الفكرية الغربية، وأنها نتاج للأبحاث الفلسفية .

 الحقيقة الخامسة : الافتخار والاعتزاز بالتعاليم الإسلامية والتمجيد وإظهار السبق والتفوق للإسلام في مجال حقوق الإنسان لا يجب أن ينفي بأي حال من الأحوال أو يحجب قيمة الحقوق في القوانين الوضعية، أو يمنع من الاستفادة منها، لأن هذه القوانين وإن كانت إنتاجا بشريا إلا أن ذلك لا يحجب عنا النظر إلى قيمتها والتمعن في هذا الإرث الإنساني المشترك، والعمل على إنمائه وتطويره ومقارنته وموازنته بالحقوق في الإسلام.

الحقيقة السادسة: أن المقارنة بين حقوق الإنسان في الإسلام والمواثيق الدولية سوف لا يجدي نفعا ما لم نقم بمقارنة بين تطبيق حقوق الإنسان في المجتمع الإسلامي وتطبيقها في المجتمع الغربي ، وتحديد مواطن الضعف والأسباب التي حالت دون الإرتقاء بها إلى المستوى الذي شرعه الإسلام.

 

المصادر والمراجع

 

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع

صحيح البخاري، تحقيق مصطفى الذهبي، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى 1420هـ - 2000م،.

محمد أحمد مفتي وسامي صالح الوكيل النظرية السياسية في حقوق الإنسان الشرعية دراسة مقارنة. كتاب الأمة العدد 25  السنة 1994 م.

 

 

 -  سورة الحديد الآية 25.[1]

[2]  -  النظرية السياسية في حقوق الإنسان الشرعية دراسة مقارنة،  محمد أحمد مفتي وسامي صالح الوكيلص23. كتاب الأمة العدد 25.  شوال 1410.

Partager cet article
Repost0
15 octobre 2022 6 15 /10 /octobre /2022 11:55

المرأة والرواية: نتوءات الوعي النسائي بين الاستهلاك والانتاج

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

الكلمات المفاتيح: الرواية النسائية، متخيل المرأة ، الجسد الأنثوي، زينب فواز العاملية.

                كانت المرأة دوما مصدر إلهام لجل الأعمال التي أبدعها الرجل منذ القدم شعرا ونثرا، وقد عايشت صورة المرأة مخيال الشعوب قديما وحديثا فكانت أصدق شخصية ساعدت الروائي في نقل عمق تصوراته عن الحياة، وقد احتلت بذلك الصدارة في إقناع القارئ بصدق الحياة المتخيلة القصصية منها والروائية والتي تصور المرأة كذات فردية تعيش ضمن الشرط اللغوي للمؤلف تارة كشخصية محورية تبتدئ في وعي الكتابة متجلية ابتداء من العنوان وتارة كشخصية تحكمها الدونية كما في واقعها اليومي الذي تحياه، " فصورة المرأة في الرواية كانت تتعدى وجودها الفردي لتعبر عن حقائق أبعد من هذا الوجود" ([1]).

Sommaire:

Mots clés : Le roman féminin, L'imaginaire de la femme, Le corps féminin, Zainab Fawaz Al-Amiliah.

La femme a été toujour une source d'inspiration pour la plupart des œuvres que les hommes ont créées depuis l'Antiquité, poésie et prose. L'image de la femme a vécu l'imaginaire des peuples, anciens et modernes. Elle était la personnalité la plus vraie qui a aidé le romancier à transmettre la profondeur de son perceptions de la vie, et a donc pris l'initiative de convaincre le lecteur de la véracité de la vie fictive, y compris des histoires et des romans, qui dépeignent des femmes. En tant qu'individu vivant dans la condition linguistique de l'auteur, parfois en tant que personnage central qui commence dans la conscience de l'écriture, manifestée à partir du titre, et parfois comme un personnage gouverné par l'infériorité, comme dans sa réalité quotidienne qu'elle vit.

1- المرأة والرواية: من الاستهلاك إلى الإنتاج.

1-1-التوظيف الروائي لصورة المرأة.

                لقد ارتبط ظهور الرواية بتحرر الشعوب من الاضطهاد فأصبحت الرواية متصلة عن قرب بنهضة الوطن وتحرر المرأة وقد ذهب د.طه وادي إلى اعتبار أن" الرواية تدين لهذين العاملين قبل غيرهما من أسباب وجودها وازدهارها في مصر" ([2]) على أساس أن ازدهار الرواية العربية الحقيقي في ثلاثينات هذا القرن يرتبط بشكل واضح بتعلم المرأة وتحررها، الشيء الذي يبين عن امكاناتها الواسعة في احتواء ومعالجة الظواهر المختلفة، ولعل الرواية العربية تتميز عن نظيرتها الأوروبية في العناية بهذه الثيمات وبأدواتها التقنية التي تنتشلها توا من الزمن الشعري لتأسيس بدايات لها أسئلة وجودية خاصة بها تحتفل بنهاية الشعري وانتفاء معنى السعادة معه.

                إن الرواية هي فن الشخصية بامتياز وهي  "الفن الذي يقدم تجربة إنسانية من خلال تصويره لمجموعة من الشخصيات في واقع محدد زمنيا ..ومكانيا" ([3])

                - فكيف عبرت الرواية عن طريق تقديمها لصورة المرأة بالعمل الفني عن واقع ما تعيشه المرأة بالمجتمع؟.

                لقد اشتغلت الرواية بمصر وغيرها من البلدان العربية على صورة المرأة باعتبار شخصيتها الرهيفة ولحساسيتها العالية  في التعبير عن الواقع المعيش أكثر من صورة الرجل ذلك أن المرأة تملك شخصيية قصصية من إحدى أدوارها الكبرى، كما عرفنا مع شهرزاد ألف ليلة وليلة ، إقناع القارئ بصدق الحياة السردية التي تصورها تلك الحياة المتخيلة إذ هي تتحرك داخل الفضاء السردي ( القصصي والروائي) كرمز للنوع الأنثوي " من هنا نرى أن قاسم أمين كان على وعي حين أكد أن تحرير المرأة ليس مطلبا إنسانيا فحسب بل إنه ضرورة للتقدم القومي " ([4]).

                فالمرأة بهذا تمثل بحساسيتها واتزانها العاطفي قيم المجتمع فهي أكثر تمثيلا للنوعية في حين أن الرجل يعتبر أكثر تمثيلا للفردية، وصارت المرأة متمركزة في دائرة الرواية بمصر في مرحلة عاش فيها العالم العربي تحت نير الاستعمار.

                وقد احتلت المرأة في الرواية العربية بمصر البطولة لعدة روايات الفترة الأولى بدءا من صفحة العنوان للعديد من العناوين على مدى سبعة وثلاثين سنة (1906-1943) والجدول التالي ([5]) يبين ذلك:

الجدول رقم:1

عنوان الرواية

المؤلف

السنة

عذراء دانجوان

محمود طاهر حقي

1906

زينب

محمد حسين هيكل

1914

إحسان هانم

عيسى عبيد

1921

ثريا

عيسى عبيد

1922

ابنة الملوك

محمد فريد أبوحديد

1926

حواء بلا آدم

محمود طاهر لاشين

1934

سارة

عباس محمود العقاد

1938

زنوبية

محمد فريد أبو حديد

1941

سلوى في مهب الريح

محمود تيمور

1943

                فما نلاحظه في هذا الجدول هو احتواء كل العناوين على أسم مؤنث يأخذ دور البطولة بالرواية في واقع عربي مليء برفض الآخر كأنثى متصدرة لعالم الحكي، فعالم البطولة العربية عالم عرف مروره في الزمن عبر الرجل، وهذا ما خلق التحول في أبوية النظام الاجتماعي  لصورة المرأة التي يخترقها السلب منذ عصور خلت.

                كما أن كل الروائيين المذكورين قد كانوا "واعين بارتباط حركة المرأة بالمجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى بدلالة المرأة كرمز ثري موح للتعبير عن الوطن" ([6]).

 وتجد النساء في الانتحار الأدبي ملاذا للخلاص" فحين يفشلن في إفهام الزوج أو المجتمع يشعرن بأن الطريقة الوحيدة المتاحة لهن هي أن يضعن حدا لحياتهن " ([7]) وقد وجدت الناقدة بثينة شعبان في ظاهرة الانتحار ظاهرة اجتماعية أدبية تستحق الدراسة تقول " لإلقاء الضوء على حقيقة أن النساء يخترن أسوأ بديل ممكن لأنفسهن(..) الخلاص الفردي، إذا كان يمكن للموت أن يسمّى خياراّ ([8]).

لقد كان على المرأة أن تدخل صراعا مزدوجا لتأكيد ذاتها وحربين مركبتين لتحقيق وجودها المادي والمعنوي تختزلهما د. بثينة شعبان في مكونين  اثنين:

" حربا ضد الاستعمار إلى جانب الرجل وحربا ضد عوامل الكبت والقمع التي يفرضها المجتمع على امرأة وفي طليعتها السفور والحجاب، ثم اختيار المرأة لشريكها وأنماط حياتها بأن تتعلم وتشتغل" ([9]).

                لم تكن قضية المرأة فيما أنتجه الروائيون سوى قضية المؤلف، لا تعبر سوى عن زاوية خاصة للنظر لا ترقى إلى كونها قضية مجتمع بكامله، وقد وُظِِّفت المرأة لتعكس أزمة ذلك المجتمع التواق للحرية بما تمتاز به من حساسية مرهفة على تكثيف الإيحاء بحجم الظلم المجتمعي.

ولم تكن لقضية الحب من معنى في هذه المرحلة التي عاشتها الرواية العربية بمصر سوى التعبير الرمزي عن أزمة الحرية وفساد الأوضاع الاجتماعية عبر أزمة طبقية متعفنة وقد خلص د.طه وادي إلى أنه" كانت صورة المرأة في الرواية (فردية) تعبر عن أزمة الفرد في علاقاته بمجتمعه" ([10]).

1-2- ملامح التوظيف الفني للمرأة بالرواية العربية.

                -  من أين استمد الروائيون ملامح الصورة التي قدموها في الرواية؟

                - أين تكمن حدود العلاقة الفنية لصورة المرأة بالمجتمع؟.

لقد استغل الروائي المرأة وقضيتها ووظفها توظيفا فنيا شخصت فيه أزمة الأديب ذاته وجسدت له مشكلة العصر، فيبدأ الروائي عمله الفني بالتطرق للحب ومشكلاته ثم ينتقل إلى مستوى ثان يتطور:" إلى نوع من الاحتجاج الفردي السلبي على بعض أزمات التفاوت الطبقي ومشكلات العصر السياسية والأيديولوجية "([11]).

                شكلت سنة1945 ومع نهاية الحرب العالمية الثانية نهاية فترة المد الرومانسي والبداية القوية للمدرسة الواقعية في الأدب والتي دشنها الروائي نجيب محفوظ برواية " القاهرة الجديدة".

ويعتبر إحسان عبد القدوس عند الناقد طه وادي بمثابة "الحلقة الأخيرة في إفلاس الرومانسية في مجال الرواية" ([12]) نظرا للشكل والمضمون الباهتين برواياته ونظرا لسطحية بعده الفني فيما يتعلق بواقعية الشخصيات والأحداث باستثناء البطولة النسائية التي تستقطب كل تفتقاته الإبداعية في إبراز مظاهرها وإلتباساتها.

لقد وظف إحسان عبد القدوس الجنس في روايته " أنا حرة" وجعله محورا لأزمة الفتاة " أمينة" التي كان كفرها بما يحيط بكينونتها شاملا ما عدا الرجل الذي تأله في نظرتها له كمعبود للجسد،" وضاع منها رأسها كما تعود أن يضيع كلما التقت بشفتيه" ([13]).

لقد اختزل إحسان عبد القدوس عالم المرأة في تابع ومريد لإرادة الرجل المانح للسعادة القصوى في معبد الجنس المقدس " أحست بهذه النار تسري في جسدها كأنها نغمات الحياة، ثم أحست بوجهه فوق وجهها، وعبير عبق من أنفاسه يلفها كأنها رقدت عارية فوق المذبح المقدس، وأعمدة من أبخرة المسك والعنبر تحيط بها، بينما أصابع الساحر المقدس تباركها" ([14]).

                لقد انبثق التعامل مع الجسد الأنثوي للتعبير عن انهيار قيم عجزت عن خلق صيغة لها بالأخلاق والمثل الاجتماعية العربية فقدمت المرأة العربية وحدها في البحث عن حريتها، الحرية التي لم تصبح هدفا في ذاتها وإنما وسيلة لتحقيق المطالب الملحة للجسد كتعبير عن أزمة الحرية التي تحياها الفتاة العربية على المستوى الطبقي.

                إن قضية التحرر الاجتماعي قد فاضت بالرواية العربية، فالبطلة مؤمنة بضرورة استقلال المرأة الاقتصادي لممارسة متكافئة مع الرجل في ممارسة استقلالها العاطفي فأمينة بطلة المتن الروائي " أنا حرة" تقول " لازم يبقى معايا شهادة علشان ما اضطرش اقعد في بيت مش عايزة اقعد فيه. وأبقى حرة وجوزي يفهم أني زيي زيه أقدر أستغني عنه زي ما يقدر يستغني عني" ([15]).

لقد شغلت حرية المرأة عددا كبيرا من المفكرين في العصر الحديث ، فقد وجد هؤلاء وعلى رأسهم قاسم أمين أن العلل التي يشكو منها المجتمع العربي تعود في قسم كبير منها إلى جهل المرأة ومن ذلك جاءت البطولة الشكلية للمرأة بالرواية لتعميق أزمة مجتمعية مطمئنة على كيانها المتعفن الآسن ضمن واقع أصبح يتحرك بسرعة ومن ذلك اعتبر جورج لوكاتش أن" سلبية بطل الرواية ليست ضرورة شكلية، بل إنها تميز علاقة هذا البطل بروحه وبالعالم المحيط به" ([16]).

وقد ضمنت الرواية التي أعطت البطولة للمرأة البدايات الأولى للمغامرة المفترضة للأنثى على المستوى الإبداعي فأصبح محتوى الشكل الفني للرواية يؤرخ لروح ناهضة تسير نحو المعرفة لتدرك نفسها  كما قال لوكاتش " إن الرواية هي شكل المغامرة (..) ومحتوى هذا الشكل هو تاريخ هذه الروح التي تذهب إلى العالم لتتعلم كيف تعرف" ([17]).

وقد كان الشرط الوجودي للمرأة ينزع إلى تحقيق هذا الشرط في ممارستها الكتابة عن ذاتها والذي شكل تحول الارتسامات إلى سلوك أدخل المرأة  المبدعة في صراع مع العالم الخارجي ، وقد أصبحت المرأة من هذا الموقع، موقع الكتابة، منخرطة في ذلك الصراع " ذلك أن روحا قادرة على إخراج جميع مضامين عمقها الخاص، بوسعها أن تكون ممتلئة ومكتملة، حتى وإن عرض لها أن لا تدخل أبدا في علاقة اتصال مع الواقع الخارجي الغريب" ([18]).

1-3 – لَعْـنَـة الجسد الأنثوي.

                لقد ناضل الجيل الثاني من الروائيات (أنظر(ي) الجدول رقم(3) ضد المفاهيم المغلوطة التي تحملها مجتمعاتهم حيال جنس النساء "وبذلك حاولت الروائيات العربيات تحرير صورة المرأة من كونها " جسدا " أو " جنسا"، كما حاولن تثقيف الرجال حول الأبعاد الفنية لحياة النساء" ([19]).

فالمرأة وهي تستشعر ثقل العادات والتقاليد لم تناد بالانفصال عن الرجال ولم تطالب النساء بتاتا بانحلال العائلة بل " كن مصممات على تغيير المواقف، بحيث تتمكن النساء من نيل حريتهن ولعب دورهن على قدم المساواة مع الرجال ضمن البُنى القائمة " ([20]).

كانت المبدعات العربيات يكتبن انطلاقا من نفس الهاجس الذي دفع سيمون دي بوفوار لأن تجعل مشكلة المرأة هي مشكلة الرجل بالأساس، ورغم ذلك فما زال مفهوم الرجل عن المرأة يتشجر بشكل يبدو من الصعب تصحيح أفكاره المحملة بكل ما هو سلبي اتجاه النساء وقد تبين للدكتورة نادية العشيري أن " .. المرأة تجرّ وراءها تاريخا مُثقلا من الصعب الانفلات منه، تاريخ يكاد ينكر عليها أي شيء إيجابي " ([21]).

وقد انخرط الإبداع في ترسيخ هذه الصورة عبر روايات ما يزال النقد الأدبي يضعها في قمة هرم المتخيل العربي من بينها رواية " بداية ونهاية " لنجيب محفوظ  الذي يرتضي بطله ّحسنينّ لنفسه تحويل صراعه من أسباب اضطهاده الطبقي إلى أنثى المضطهد الذي يتخيل أنه حين يمارس الجنس معها " سيقول لي كل جزء من جسدها الحار (سيدي)، وهذا كل ما أتمناه في هذه الحياة، إذا اخترقتها جنسيا فكأنني اخترقت الطبقة كلها " ([22]).

 وفي رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح أحاط "مصطفى سعيد" وهو في بلاد المستعمِر "  نفسه في غرفة نومه بالمرايا كي يتخيل أنه حين يغزو جسد امرأة إنجليزية فهو يغزو أجساد جميع النساء الانجليزيات" ([23]).

                لقد اختُزلت المرأة في وظيفتها البيولوجية وتجنست قضيتها وهاجسها نحو التحرر، وتشيأ جسدها فتفاعل الرجل مع هذا التجنيس حيث أصبح " ينظر إلى الجنس كعملية عدوان وقنص وصيد وغزو وانتصار وإذلال يصدر عن نفسية المقهور" ([24]) وحتى أن هذا الطرح ونظرا لاستثماره بالمتخيل العربي شكَّل منهجا عند جورج طرابيشي الذي صاغ ثنائية ضدية غريبة جعلت الرجل يتحربأ مع المواقف التي تعترضه فهو رجل ضعيف أمام سيده، وهو باعتباره آلة قضيبية رجل قوي أمام أنثى سيده وهذا الموقف " جعل الكثيرين من أبناء المستعمرات المقهورين والمخصِيّْين نفسيا يهتفون بينهم وبين أنفسهم عند مرآهم لامرأة بيضاء نقية البشرة: هذه امرأة إذا ركبتها فقد ركبت أمة بكاملها "([25]).

                أما إحسان عبد القدوس في مجموعته القصصية  "منتهى الحب" فقد قابل ما بين تشبث الرجل بالتقاليد وبين تشبث المرأة بتفتحها، فهو يقول في قصة " الملاءة اللف" " كان يمكن أن تكون سعيدة بزوجها، لولا أنه أصر على أن تضع البرقع وملاءة اللف، كلما خرجت من بيتها في طريقها إلى بيت مخدومها.ورفضت.." ([26]) فبقدر ما يستهزئ القاص هنا من بلادة العادات التي تطلب من المرأة تشديد الحجاب خارج البيت، يضع المرأة في نفس الصورة التي تأسطرت في مجتمع الرجال وهي صورة المرأة التي تستعمل عقلها في الشر فقط ، فهذه القصة تزكي الافتراض الشعبي العام الذي يؤمن بأن كل النساء زانيات محتملات، ف"حميدة" بعد أن خانت زوجها مع الأسطى إبراهيم تستجيب لتصورات زوجها حول المرأة التي تشتغل خارج البيت وتقول" سماح بأه يا خويا .. برضه الواحدة مصيرها تعقل " ([27])

وقد جعل إحسان عبد القدوس مفهوم العقل عند المرأة مرتبط بالخيانة وهي دعوة للمجتمع التقليدي للحيطة  من اشتغال المرأة  باعتبار الحضور القوي لأسطورة الفحولة : صورة التواجد الضروري للمرأة بالبيت، وصورة التدخل الشيطاني بين رجل وامرأة منعزلين تحت سقف واحد، بالرغم من أن صورة المجتمع المصري أنذاك قد تغيرت مما يسمح للمرأة بالعمل، يقول في نفس القصة " وذهبت حميدة إلى بيت مخدومها في الصباح الباكر.. ودخلت إلى غرفة الأسطى إبراهيم السائق ..وخلعت البرقع والملاءة اللف" ([28]).

               لقد عبر الرجال بالمتخيل الروائي عبر الأزمنة السردية على رجولة نسقية تحضر متوهجة أدبيا من خلال امتلاك الجسد الأنثوي، الجسد الذي يثير رغبة الرجل ويقع صريعه وهو الجسد الممتلئ دوما  بالجمال والفتنة  والإغراء حتى أن أروى بنت الخطوب بطلة رواية وداد سكاكيني عندما فكرت في المآسي التي حلت بها وجدت أن جسدها هو الذي أصابها بلعنته من فرط جماله تساءلت  "كيف يمكن لها أن تجعل ملامحها خشنة وتقلل من جاذبيتها الأنثوية " ([29])، وهي إذ تفعل تسحق اديولوجية الغزو "الأنثوية" حيث تتمكن المرأة من عبور نهر الرجال دون أن يصيبها البلل كما هو الحال في روايات حميدة نعنع، " الوطن في العينين" (1979) و " يجرؤ على الشوق" (1989)، التي ضمنتها رؤيتها لعالم الرجال كامرأة غير عادية عندما تقول وحيث الرجال يعرفون جميعهم أن " نادية بطلة حميدة نعنع "،" لا تقصد بصفتها أنثى...بل لم يعد هذا الوجود الأنثوي يثير في أذهانهم تلك الشهوات الساذجة إلى جسد المرأة.. العلاقة معها شيء آخر.. دخول في عالم الرؤى.. والقدر.. والجنون.. والحلم".([30])

وعبر الرواية كلها قدمت الروائية وداد سكاكيني معالم قديسة (كرابعة العدوية) تحاول الوقوف ضد كل القيم التي تعتبر المرأة متاعا جنسيا، وتؤكد المركزية الصوفية للمرأة عندما تقاوم أهواء النفس وتتعالى على صغائر الحياة وكبائرها  محافظة بذلك على طهارتها وعفتها، وتصبح بذلك مستحقة لشاهد قبر جميل كتب عليه " هنا تستلقي الطهارة النسائية التي طالما دنّسها الرجال دائما" ([31]).

                إن النقد الأدبي لم يعط لأدب المرأة الروائية حقها من جانب الموضوعية  فقد تم تقييم إنتاج المرأة الإبداعي  بنفس المنظور الذي يرى منه الرجل أنثاه، وقد سعت العديد من الروائيات إلى صياغة صورة جديدة للمرأة في وعي الرجل وانتشالها من لعنة الجسد الذي كبّل انطلاقتها نحو المساواة والتحرر على مستوى الواقع فكان" الجمهور المستهدف هو الرجال وليس النساء، والهدف هو تغيير المواقف حيال النساء.وفي نهاية هذه الروايات يدرك الرجال أنهم ضحية سوء فهمهم للنساء" ([32]) ، وكان من ضمن أدواتهن لهذا السبيل ممارسة التخييل الأدبي ف" حين كان التخييل مكانا للحرية ، فقد وجدت فيه المرأة الفضاء الأرحب لتجريب حريتها وانعتاقها، ذلك لأن في المتخيل تأخذ المرأة المكانة التي يرفضها الواقع"([33]).

                فإذا كانت بطلات روايات هذه الفترة عاجزات عن الوعي بحدود غنى الجسد الأنثوي في جعله من آليات الصراع والنضال لترسيخ قدم في بالوعة الطين الجارفة بقيمها المجتمعية الصدئة انتقلت بطلات روايات الفترة الثالثة إلى إضفاء طابع الخصوصية في إنتاجاتهن الروائية على صعيد التقنيات من حيث أن التقنيات بدورها تعتبر ذات محتوى كما قال د.عبد الله العروي ، ولا من حيث الموضوع الذي يكتشف معه المتلقي العديد من الجزر الأدبية المهجورة في أدبنا العربي ، فأن ندع البطلة تصرخ فما ذاك حسب الناقدة بثينة شعبان سوى نصف الطريق ف " استجماع الشجاعة للصراخ أو الكلام أو الرفض أو الاعتراض هو نصف الطريق لكسب المعركة" ([34]).

وبذلك صرح د. بدوي طبانة أن الأديبات كنّ مضطرات إلى تجنب التعبير عن الانفعالات الوجدانية والعواطف الجياشة التي تفيض بها شاعرية نفوسهن ولغتهن" ما يزال بين المرأة العربية وبين صدق التعبير عن عواطفها ومشاعرها مراحل طويلة لها صلتها بالحياة الناهضة والنفوس المتجددة" ([35]).

وحيث اعتبرت المرأة باستمرار موضوعا لإغراء الرجل، فقد تعددت القيم التي تُلجم هذه المفاتن من انطلاقها داخل القيم الأخلاقية والتي تقف وراء اللعنة التي تصيب الجسد الأنثوي، باعتباره متواجدا ضمن منظومة المقدس، ساكنا بالمخيال الشعبي كمسئول عن خروج  الرجل من الجنة ، فجسد المرأة بهذا الاعتبار له نفس المكانة بين المقدس والمدنس " فهذا الجسد الذي يعتبر نجسا يتم التعامل معه بقداسة، إنه الرجس والطهر في الوقت ذاته" ([36]) 

2- الرواية النسائية: التأسيس وترتيب فوضى البدايات

زينب فواز العاملية وفجر الرواية العربية

                استطاعت المرأة في سوريا أن تنتزع من المجتمع حقوقا (ولو نسبية باعتبار المرحلة) مكنتها من الدخول في حقول إنتاجية كبرى اقتصادية وفكرية وخاصة ما يتعلق بالحقل الأدبي حيث برزت العديد من الكاتبات والشاعرات والمبدعات فتاريخنا " يتضمن حلقات مشرقة برزت فيها نساء عديدات لا تزال في حاجة إلى من يلقي عليها مزيدا من الضوء حتّى تنكشف الظروف والمناخ العام الذي ساعدهن على الإبداع وعلى البروز ." ([37]) ولهذا ظهر جيل " من الكاتبات اللاتي عمدن في كتاباتهن إلى الدفاع عن المرأة والمناداة بالمزيد من حريتها ، كما أنهن استطعن أن ينجحن في كثير من المجالات التي عملن بها في حقول الأدب " ([38]).

فنبغت من الجيل الأول: زينب فواز العاملية ، عائشة تيمور، لبيبة ماضي هاشم، عفيفة كرم، لبيبة ميخائيل صويا ، باحثة البادية ووردة اليازجي ومن الجيل الثاني: صبرية محمد، هيام نويلاتي ،هند سلامة، فتحية محمود الباتع، كوليت خوري، انعام مسالمة، سعاد زهير، أمينة السعيد، ماجدة العطار، صوفي عبد الله،  كاترين معلوف داغر، عزيزة الأبراشي، سحر خليفة، وداد سكاكيني،إميلي نصر الله وليلى بعلبكي ...

                لقد تم تجاهل الكتابات النسائية التحررية الأولى المشحونة بالاحتجاج والرفض، بالرغم من انخراطها في مضمار تحرر وتقدم المرأة العربية  بشكل واضح جنبا إلى جنب رواد النهضة العربية الحديثة أمثال ، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وخاصة الأديبة السورية زينب فواز العاملية التي طالها النسيان وهي التي كانت وراء تأليف عدة كتب منها " الدر المنثور في طبقات ربات الخدور" و" الرسائل الزينبية " و مسرحية " الهوى والوفا " ورواية" حسن العواقب" وقد يتفاجأ المتتبع لما يعرف أن روايتها هاته  مع رواية" غادة الزهراء" قد صدرتا عام 1899.

                إن زينب فواز بهذه الرواية (حسن العواقب) تعتبر من رائدات الرواية العربية على المستوى الزمني وعلى مستوى طرح المسألة النسائية ضمن كتاباتها، تتلوها المبدعة لبيبة ماضي هاشم بروايتها " قلب الرجل " التي صدرت سنة 1904، وفي نفس السنة نشرت اللبنانية لبيبة ميخائيل صويا روايتها " حسناء سالونيك.." وبذلك نرى أن رواية "زينب" التي صدرت سنة 1914، لمحمد حسين هيكل تبتعد زمنيا وبشكل موضوعي عن أن تكون الرواية المؤسِسَة للرواية العربية كما يؤرخ لذلك العديد من النقاد.

                إن التهميش الذي طال الرائدة زينب فواز وحجبها حقها في تصدر الروائيين والروائيات العرب تأسيسا وإبداعا لم يكن عن حسن نية خاصة وأنه قد أُرخ لمن هم دونها في المكانة إبداعا وفكرا وقد جاء على لسان الشيخ أحمد عارف الزين صاحب " مجلة العرفان" (م8.ج6 آذار 1923):" من لم يسمع بذكر هذه النابغة العاملية في هذا القرن سواء في سوريا أو مصر، أو سائر الأقطار العربية؟.. فزينب لم تكن أبدا مجهولة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.. فمن يطلع على مقدمات كتبها وما كان يأتيها من تقريظ لهذه الكتب يجد فيها دليلا على شهرتها في الأوساط الأدبية والفكرية في ذلك الحين" ([39]).

ويمكن التدليل بهذه القولة على أن زينب فواز قد استيقظت في فجر الرواية العربية لتحتل موقع الصدارة والريادة بروايتها "حسن العواقب" منشورات الدار الهندية، القاهرة  والتي شغلت هاجس النقد أنذاك ، وقد رأت د.بثينة شعبان في هذه الرواية أنها تتوفر على، " معظم عناصر الرواية الحديثة من شخصيات وموضوع وجو روائي "([40]) وقد ضمنت زينب فواز مقدمة إحدى رواياتها رؤيتها النقدية بمنظور روائي حديث في تاريخيته، يجعل من الرواية  صورة للواقع في أشكاله غير الفجة ربطت فيها بين الاجتماعي والسياسي  جسدت فيها العقلية المتحكمة في النخبة السياسية التي حكمت وما تزال في العالم العربي تقول " بما أن الروايات الأدبية هي أهم نوع من الكتابة تعكس فكر المرء وتفيد وتمتع، وبما أن الروايات تعيد إنتاج صورة للواقع وليس الواقع بحالته الفجة، فقد قررت أن أكتب هذه الرواية آملة أن تفيد وتمتع" ([41]) .

وقد حازت رواية "حسن العواقب" حظها الوافر من النقد حيث كتب رئيس تحرير جريدة النيل، حسن حسني باشا عنها كلمة بالمصدر السابق نفسه سنة 1899 يقول " قرأت رواية حسن العواقب للكاتبة الشهيرة التي لا توازي شهرتها شهرة، وذلك لفكرها النيّر وقلمها المبدع ، فوجدت الرواية تتمتع ببنية جيّدة ومواضيع بعيدة المنال ومزايا أدبية جميلة.نأمل أن تستمر كاتبتنا بمنح عصرنا الحاضر مثل هذه الكتابات الأدبية القيّمة".

-   الروائية عفيفة كرم وإشكالية التلقي.

              إضافة للبعد النظري الذي أبدته زينب فواز في مقدمة روايتها نهجت عفيفة كرم ([42]) نفس المنحى، حيث طلبت في مقدمة روايتها " بديعة وفؤاد" من قرائها أن يقرؤوها بحياد تام وبعدم اعتبار ما جاء في الرواية كجزء من حياتها الشخصية " واللافت للنظر هو أن عفيفة كرم تتوسل إلى قرائها كي ينسوا أن المؤلفة هي امرأة سورية وألا يحكموا على روايتها بناء على ذلك. وتطلب منهم أن ينسوا ذلك تماما ولو كان فقط لفترة قراءة الرواية وألا ينتقدوها لأنها كتبت عن الحب والزواج" ([43]). 

                إن عفيفة كرم وهي تدرك بعمق المرحلة التاريخية التي تكتب فيها ومدى المحافظة التي تسيطر على المجتمع التقليدي آنذاك تكتب لتمارس انتقاد العادات والتقاليد البالية التي عفّى عليها الزمن والتي ترهن مجمل الحياة المادية والعقلية لنساء عصرها، وإذا كانت د. نادية العشيري ما تزال تستشعر هذا الحيف في تلقي إبداعات النساء أو الكتابة في موضوع المرأة مع نهاية القرن العشرين حيث تقول: " فكلما تطرقنا إلى هذا الموضوع، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من التخوف من ردود الفعل عند الآخرين"([44])، فكيف نتصور تلقي المجتمع الذكوري وهو في نشوته التاريخية لأدب المرأة التي " تخرج " عن الطوق مع بداية القرن العشرين"  وهكذا تُظهر المقدمة بوضوح أن المؤلفة مدركة بعمق للمعوّقات التي خلقها لها جنسها ولحقيقة أن الرواية التي تكتبها امرأة تُقرأ وتُفسّر بشكل مختلف عن الرواية التي يكتبها الرجل.وتطلب قراءة موضوعية لعملها وحكما محايدا" ([45]) ولو تستمر هذه القراءة في حيادها و لزمن القراءة فقط، إن هذه النظرة للتلقي الأدبي الذي عبرت عنه عفيفة كرم يشكل حاليا إحدى التقنيات الأساسية المعاصرة في نظرية الرواية وهو" وجوب إعطاء القارئ القدر الكافي ليفهم أهم ظواهر القصة وليس القصة كلها ؟ لماذا لأنه مطلوب من القارئ أن يشارك في إبراز المضمون " ([46]).

                إن الروائية عفيفة كرم تعالج في روايتها " بديعة وفؤاد" موضوعا اعتبرته د.بثينة شعبان من بين المواضيع التي ما يزال الوعي الفكري حائرا في إيجاد حل لها وهي العلاقة بين الشرق والغرب، تقول " فقد أكدت عفيفة كرم في روايتها على سبيل المثال ، على أخطار هجرة الشباب ودعت إلى التركيز على تحسين الأحوال في الأوطان كي لا تستنزف البلاد الأجنبية قدراتها المحلية ونبقى منهكين ومستكينين" ([47]).

ودون أن نضيف استشهادا آخر على أسبقية كل من زينب فواز وعفيفة كرم في باب الأسبقية الأدبية في عالم الرواية العربية نحيل جورج طرابيشي على رواية هذه الأخيرة ليجد فيها صيغة لمنظومته ولمنهجه المتجاوز في تجنيس العلاقات الحضارية حول الشرق والغرب، قبل أن يعيد إلحاق هذا التأسيس القضيبي للرواية العربية مع رواية " عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، وبعدما نفى وجود هذه العلاقة الحضارية بالرواية النسائية العربية سابقا عندما قال : " وأنه لمِمَّا يستوقف الانتباه أن موضوع العلاقة الحضارية لم يأخذ طريقه قط إلى الرواية النسائية العربية" ([48]).

                فرواية عفيفة كرم تتحدث عن مفهوم الشرق والغرب بالمعنى الذي يتجنسن فيه هذا المفهوم وبالعلاقة مع التصرفات الجنسية للمرأة " وتصبح السفينة التي تنقل نساء لبنانيات إلى الولايات المتحدة نوعا من الصالون الأدبي، تروي فيها النساء تجاربهن ويتحدثن عن المشاكل التي يواجهنها في البيت والمجتمع" ([49]).

ف" بديعة" بطلة رواية عفيفة كرم بعد عودتها من الولايات المتحدة تنخرط في التصدي لأسطرة نساء الغرب على مستوى التفسخ الجنسي كما تتصدى لإشاعة الانفلات الجنسي للنساء في الغرب  مع تركيزها على وجود متخلقين في الشرق كما في الغرب.

2-3- تهافت النقد أو الوأد الأدبي المزدوج.

                إن ما أجمع عليه النقاد من أن رواية " زينب" لمحمد حسين هيكل ، تعتبر أول رواية في الأدب العربي يجانب الصواب من جهة واحدة فقط، فهي بحق ثاني رواية  يكتبها رجل تكون بطلتها أنثى ،لا غير، بعد رواية "عذراء دونجوان" لمحمود طاهر حقي سنة 1906، يتأسس فيها من منظور ذكوري وعي  تعسفي بقضايا المرأة النفسية والعاطفية والاجتماعية والسياسية ، بحيث أن هذه الرواية قد جاءت بعد ثلاثة عشر رواية كتبتها نساء عربيات. (أنظر الجدول رقم 2).

ومن أهم الاستشكالات المفهومية في تلقي الرواية النسائية هو الحضور المرجعي  الأخلاقي والمجتمعي للقارئ كما للقارئة من حيث القيم المتوارثة التي تجعل النساء " خائنات محتملات دائما لعشاقهن وأزواجهن، حيث تطفو قصة ديزدمونا إلى السطح في أعمال غربية وعربية" ([50]).

لقد كان لعنوان هذا الفصل أن ينطلق من طرح مسألة "الإنتاج قبل استهلاك صورة المرأة بالرواية" باعتبار حتمية الأسبقية الزمنية والفنية التي دلّلنا عليها لمبدعات أسسن لفجر الرواية العربية والنسائية مع نهاية القرن التاسع عشر(1899)، ومن هذا المنظور الذي وضعنا فيه النتاج الأدبي في سياقه التاريخي تبين لنا أن هذا الإبداع بغناه ومتخيله يتجاوز زمنه ساهمت فيه أديبات مبدعات في ولادة الرواية العربية إلى جانب مبدعين رجال أمثال سليم البستاني و جرجي زيدان وفرنسيز مراش و محمد حسين هيكل وغيرهم.

                ولقد وضعت حسب الجدول رقم (2) التالي:

عنوان الرواية

المؤلفة

السنة

عدد رواياتها

حسن العواقب

زينب فواز

1899

واحدة+

غادة الزهراء

زينب فواز

1899

واحدة+

قلب الرجل

لبيبة ماضي هاشم

1904

واحدة

حسناء سالونيك

لبيبة ميخائيل صويا

1904

واحدة

بديعة وفؤاد

عفيفة كرم

1906

ثمانية(أنظر(ي)

الهامش43 من الفصل الثاني)

بين عرشين

فريدة عطايا

1912

واحدة

 التسلسل الزمني للرواية العربية كما يشير إلى ذلك التاريخ الذي يبتدئ بسنة1899  كرواية عربية أولى، من جهة  كما  يشير كذلك إلى جعل زينب فواز رائدة الرواية العربية والرواية النسائية على السواء، فما على النقد العربي الموضوعي مسترشدا بأحدث مناهج البحث المعاصرة – نظرية جمالية التلقي-  سوى أن يعيد النظر في المسلمات التقليدية الكثيرة التي تغزو الأدب والقراءة ومجمل دراساتنا الأدبية والنقدية، و أن يصحح سجل الرواية العربية دون الانقياد إلى تحليلات مُتأرضنة تسعى جاهدة لتبيان عبقرية المدن والأقاليم، القاهرة أو بيروت أو لبنان أو....، خدمة للقضية الأدبية ببلادنا العربية.

                وإذ لا يمكن أن نفصل بين جمالية الخطاب الأدبي النسائي وجوهر قضية المرأة وإذ نعتبر أن قضيتها لوحدها بمثابة وسيلة إبداعية ذات جرأة لغوية تفيض بالسرد (قصة ورواية ) إلى منابع النضج الفني، بما أنها هي البناء الأول لخصوصية أدب المرأة .وفي هذا المسار الأول الذي اتخذته المرأة في عملية الإنتاج الأدبي والذي تطورت فيه واستوعبت التجربة الاجتماعية عبر عالم الهموم الذاتية الصادرة عن وعيها بقضاياه كامرأة.

 لقد أصبح الاشتغال على الجسد الأنثوي والكتابة به من طرف المرأة خصوصية ثابتة وظفته للتعبير عن الذات كجزء من المجتمع.  فما حقيقة رأي دة. ماجدة حمود التي تقول فيه " لم نجد قبل الخمسينات رواية سورية تتسم بالنضج الفني، سواء كانت لروائيين أم لروائيات (..)وهذا طبيعي لأن الرواية ابنة الحياة الحديثة ، أي ابنة المدينة بكل ما تعنيه من تشابك في العلاقات الاجتماعية، ونشوء طبقة وسطى تعنى بالتعليم وتستطيع شراء الكتب لكونها تملك وقتا لمطالعتها، ومن المعروف أن الرجل بدأ الانغماس في هذه الحياة قبل المرأة، فاستطاع الخروج من مستنقع الانحطاط، وبدأ الاحتكاك بالعالم، فاتصل بالغرب مبدع الرواية، عن طريق الدراسة والسفر" ([51]).

                 إن ماجدة حمود تقول بنضوب معين الإبداع قبل الخمسينات وتعزو تقدم الروائي السوري في هذا الباب لانتمائه فقط للمدينة ، فما هذا الانطباع في نظرنا سوى  حكما عاما ينفي خصوصيات واضحة تجلت في وجود الروائيتين زينب فواز الرائدة وعفيفة كرم التي عاشت في قلب حضارة الغرب بنيويورك كصحافية متمرسة.

خلاصات : إن الروائية زينب فواز العاملية من" جبل عامل" في جنوب لبنان كما تعرفه الخريطة اليوم، والتي نعتبرها أول مؤسِّسة للرواية العربية والنسائية على السواء، إنها روائية من مواليد سوريا قبل التقسيم ، ففي عصر زينب فواز لم تكن هناك سوريا ولبنان بلدين منفصلين  بل كانت الخريطة تقول إنها سوريا فقط.

ولا داعي لتذكير صاحبة " الخطاب القصصي النسوي.." بأن عفيفة كرم لها جنسية سـورية وقد كـان اتصالها بالغـرب " مَبدَع الرواية" عن طريق الدراسة والسفر إلى أمريكا وقد شغلت منصب نائب رئيس تحرير جريدة الهدى في نيويورك وهي بالطبع تحوز الوقت كله للمطالعة والكتابة ... ويكفينا تدليلا على ما جاء بالصفحة 15 من هذا المؤلف من إقرارها بالشكل الروائي لكل عمل يعتمد التخييل ويتجاوز حرفية الواقع ، القول بأن أحداث رواية " بديعة وفؤاد" تجري بين لبنان والولايات المتحدة، " واللافت للنظر هو أن عفيفة كرم تتوسل إلى قرائها كي ينسوا أن المؤلفة هي امرأة سورية وألا يحكموا على روايتها بناء على ذلك"([52]) والظاهر أن دة.ماجدة حمود قد اتبعت النصيحة بكل أمانة فنسيت أن المؤلفة تنتمي إلى سوريا.

                لقد كانت منطلقات بحث د.ماجدة حمود في كتابها المذكور خاطئة في التأريخ الأدبي للرواية النسائية السورية وبالتالي العربية. ولهذا فقد وأدت الناقدة و بملامس" أدبية" ناعمة فترة كاملة من تاريخ  الرواية بسوريا(من 1899إلى1950) مستعملة نفس مقاييس الوأد للنقاد العرب كجمال الغيطاني ومحمد دكروب وغيرهم([53]).

                أما الباحثة رشيدة بنمسعود في كتابها " المرأة والكتابة، سؤال الخصوصية/ بلاغة الاختلاف " فقد سبقت د.ماجدة حمود في التأريخ للكتابة النسائية مع مطلع الخمسينات معتبرة أن أساس اهتمام النقاد بهذه الإبداعات يرجع " أيضا لانتسابها إلى الجنس الثاني الذي أخذ الكلمة بدخوله إلى ميدان اقتصر تاريخيا على الرجل" ([54]).

                إن التركيز على اعتبار رواية ليلى بعلبكي وأخريات عند رشيدة بنمسعود التي تقول " ومع مطلع الخمسينات، تعالت صيحات نسوية مشحونة بالاحتجاج والثورة والرفض.."([55]) قد ألغى نصف قرن من زمن النساء العربيات المبدعات وقد جعل رواية ليلى بعلبكي كائنا إبداعيا بدون جذور مما يخلق تساؤلات منهجية حول البدايات الأولى.

المصادر والمراجع

 

 

[1] - د. طه وادي" صورة المرأة في الرواية المعاصرة" دار المعارف،القاهرة،الطبعة الثانية سنة 1980، الصفحة: 5.

[2] - نفس المرجع ، ص:6.

[3] - نفس المرجع السابق ص: 49.

[4]  - نفس المرجع ص:56-57.

[5]  - أخذا عن المرجع السابق ص:58.

[6]  - المرجع السابق ص: 59.

[7] - دة.بثينة شعبان" مئة عام من الرواية النسائية العربية" تقديم محيي الدين صبحي دار الآداب للنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الأولى  1999،ص : 56.

 [8] - نفس المرجع ص : 56-57.

[9] - نفس المرجع السابق، الصفحة5.

[10]  - د.طه وادي ، نفس المرجع السابق ص:120.

[11] - نفس المرجع السابق ص:121.

[12] - نفسه ص:163.

[13] - إحسان عبد القدوس" أنا حرة" دار الهلال سنة 1945، ص:176.

[14] - نفس المرجع ص: 176.

[15] - "أنا حرة" ص: 100.

[16] - جورج لوكاتش" نظرية الرواية " ترجمة الحسين سحبان ، منشورات التلال ،الرباط الطبعة الأولى 1988،ص: 85.

[17]  - نفس المرجع ص: 84-85.

[18]  - نفس المرجع  ص: 106.

[19] - دة.بثينة شعبان ، المرجع السابق ص: 69.

[20]  - نفس المرجع السابق ص: 69.

[21] -أنظر كتابنا " الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية." من تقديم د. نادية العشيري، مطبعة سجلماسة مكناس الطبعة الأولى، شتنبر 2004.

[22]  - نجيب محفوظّ بداية ونهاية" مكتبة مصر، القاهرة، بدون تاريخ، ص: 245.

[23]  - الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال "دار الأضواء، بيروت، الطبعة الرابعة عشر، 1987، ص: 43-48

[24]  - د.لطيفة الزيات" صورة المرأة في القصص والروايات العربية" دار الثقافة الجديدة، القاهرة،سنة 1979، ص: 80.

[25] - د.جورج طرابيشي ،نفس المرجع السابق ص:9-10.

[26] - احسان عبد القدوس،" منتهى الحب" قصة ملاءة اللف، دار القلم، المطبعة الجديدة بيروت-لبنان،ط الأولى غشت 1971 ص:82.

[27] -  إحسان عبد القدوس،" منتهى الحب" نفس المرجع السابق ص:86. التشديد مني.

[28]  - نفس المرجع السابق ص: 86.

[29]  - وداد سكاكيني " أروى بنت الخطوب" دار الفكر العربي ، القاهرة، سنة 1949، ص: 40..

[30] - حميدة نعنع ، " من يجرؤ على الشوق" دار الآداب ، الطبعة الأولى سنة 1989، ص: 109.

 - وداد سكاكيني، المرجع السابق، ص:132.[31]

 - دة.بثينة شعبان نفس المرجع السابق ص: 79.[32]

[33]  - دة. زهور ﮔرام " السرد النسائي العربي، مقاربة في المفهوم والخطاب" شركة النشر والتوزيع- المدارس- الدار البيضاء الطبعة الأولى سنة 2004 ص: 19.

[34]- دة.بثينة شعبان نفس المرجع السابق ص: 88.

 - د. بدوي طبانة " أدب المرأة العراقية في القرن العشرين" دار الثقافة بيروت الطبعة الثانية سنة 1974، ص: 30.[35]

 - ليانة بدر " هل هناك لغة نسائية في القصة " مجلة آفاق ، مجلة اتحاد كتاب المغرب ، أكتوبر 1983، ص: 133.[36]

[37] - أنظر(ي) كتابنا،" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية." نفس المرجع السابق التقديم.

[38]  - د.علي نجيب عطوي " تطور فن القصة اللبنانية العربية ،بعد الحرب العالمية الثانية، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت الطبعة الأولى 1982، ص: 234.

[39]  - للمزيد من الاطلاع انظر (ي) "الرواية العربية أنثى" لجوزيف كورية شاهين.

[40] -" مئة عام من الرواية النسائية العربية" نفس المرجع السابق ص:48.

[41]  - حسن العواقب المطبعة الهندية القاهرة ص: 37. عن المرجع السابق ص: 48

[42]  - اشتغلت عفيفة كرم قبل كتابة روايتها بالصحافة فقد كانت أمينة تحرير جريدة الهدى بنيويورك ،وقد أصدرت ملحقا أسبوعيا سنة1911، تحت عنوان " المرأة السورية في نيويورك"بعد ذلك أصدرت مجلة شهرية تحت عنوان " العام الجديد"، وبعد روايتها " بديعة وفؤاد" كتبت سبعة روايات أخرى..(غادة عمشيت، فاطمة البدوية، ملكة اليوم، ابنة نائب الملك،Nancy styar  ، محمد علي الكبير،كليوباترة) جاء هذا الجرد للروايات بكتاب " نساء من بلادي " تأليف نادية الجردي النويهض،المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت سنة 1986، ص: 217.

[43]  - دة.بثينة شعبان نفس المرجع السابق ص: 54.

 [44] - دة.نادية العشيري – ملامح في صورة المرأة من خلال بعض مصادر الأدب الأندلسي-  أعمال ندوة المرأة والكتابة ، سلسلة ندوات 8 جامعة المولى إسماعيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس ، 1995، ص:81.

[45]  - " مئة عام من الرواية النسائية العربية" نفس المرجع السابق ص:54..

[46] - " الأفق الروائي" د. عبد الله العروي، حوار مع محمد بنيس ،مجلة الكر مل العدد 11، سنة 1984، ص: 171.

[47]  - د.بثينة شعبان" المرأة العربية في القرن العشرين" دار المدى للثقافة والنشر ،سوريا، الطبعة الأولى سنة 2000،الصفحة: 10-11.

[48] - د.جورج طرابيشي " شرق وغرب رجولة وأنوثة ، دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية" دار الطليعة بيروت الطبعة الثالثة 1982  ص: 13.

 - دة.بثينة شعبان ،نفسه ص: 56.[49]

[50] -  دة بثينة شعبان المرجع السابق ص: 57-58

[51] - دة.ماجدة حمود" الخطاب القصصي النسوي ، نماذج من سوريا" دار الفكر ،دمشق الطبعة الاولى سنة 2002، ص: 13. التشديد منّي

[52] - دة.بثينة شعبان ،المرجع السابق نفسه ص: 54.

[53]  - للمزيد من المعلومات أنظر(ي) الصفحة رقم 51 -55  من كتاب " مئة عام من الرواية النسائية العربية"

[54] - رشيدة بنمسعود ، المرأة والكتابة ، سؤال الخصوصية /بلاغة الاختلاف، إفريقيا الشرق الطبعة الأولى سنة 1994 ص:75.

[55] - رشيدة بنمسعود ، نفس المرجع السابق ص: 75.

Partager cet article
Repost0
17 septembre 2022 6 17 /09 /septembre /2022 18:56
المرأة في الإسلام من السياق إلى التأويل -القرآن الكريم والسنة النبوية

المرأة في الإسلام من السياق إلى التأويل

  •  -القرآن الكريم والسنة النبوية-

 

د. ادريس عبد النور

 

دراسة محكمة

 

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس/المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

 

الكلمات المفاتيح: القرآن الكريم، السنة النبوية، التشريع الاسلامي، المرأة المسلمة، مقاربة النوع الاجتماعي.

ملخص:

     يُتَّهم الإسلام بأنه ينتقص من عقل المرأة وقدراتها الفكرية، وأنه يحط من إمكانياتها في استعمال العقل بالمقارنة مع الرجل بمعنى أن الإسلام يخالف العلم واستعمال العقل و أساس هذه الاتهامات هو ما اجتزئ من آيات قرآنية وأحاديث صحيحة وظفت في غير سياقاتها .ومن هذه النصوص التي ولدت جدلا وأشكل على البعض تأويلها وأضرت بصورة المرأة المسلمة في التشريع الإسلامي.

 

Sommaire:

Mots-clés : le Noble Coran, la Sunna du Prophète, la législation islamique, les femmes musulmanes, l'approche genre,

L'islam est accusé de nuire à l'esprit de la femme et à ses capacités intellectuelles, et qu'il dégrade ses capacités à utiliser la raison par rapport aux hommes, ce qui signifie que l'islam contredit la science et l'utilisation de la raison. Certains l'ont interprété et cela a nui à l'image de la femme musulmane. dans la législation islamique.

 

1-  المرأة في القرآن من السياق إلى التأويل

    1. التفريق بين الذكر الأنثى على أساس التفاضل.

     جاء في هذا الموضوع قوله تعالى: ﴿ وليس الذكر كالأنثى﴾ (سورة آل عمران الآية 36.) وقد خضعت هذه الآية إلى عدة تفاسير بحيث فسرها القرطبي في جزئه الرابع الصفحة 68، بأن امرأة عمران إنما قصدت بكلامها أن الأنثى التي ولدتها لا تصلح لما نذرت به ربها ،أي خدمة المسجد، وهو العمل المخصص للذكور بحيث جاء في قصة امرأة عمران (حنة بنت فاقود)* ﴿ إذ قالت امرأة عمران رب إني أنذرتك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم* فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾ ( آل عمران الآية 35-36) . وإن كان بعض المفسرين المحدثين " يأخذ هذه العبارة منفصلة عن سياقها ليؤكد تفوق الذكور، فإن وضعها داخل إطارها الحقيقي يطلعنا على خطأ التصورات التي تؤسس العلاقة بين الجنسين على التفاضل" ([1]).

فالرجل مفضل انطلاقا من إنتاج المعاني التي تنتجها قصة الخلق ومعاني الآيات الآتية :﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ (سورة البقرة الآية 227) . ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ (سورة النساء الآية 34.)

هذا ويقول ابن جوزي : " كان ذلك من تمام اعتذار امرأة عمران ومعناه : لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من خدمته المسجد والإقامة فيه لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس" ([2]) .

وقال الشوكاني في " زبدة التفسير" ص: 68 ، " أي ليس الذكر الذي أردت أن يكون..خادما ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك" .

وفي تفسير ابن كثير الجزء الأول ص: 359، يقول كاتبه مفسرا هذه الآية بأن المقصود هو " ليس الذكر كالأنثى في القوة والجلد والعبادة وخدمة المسجد الأقصى".

لقد أجمعت كل هذه التفاسير لهذه الآية عن قراءتها وفق السياق العام الذي نزلت فيه مع اعتبار كل القراءات التأويلية لم تكن محايدة فيما يتعلق بإنتاجهم لنفس الصورة التي تنتهجا الصياغة التوراتية حول المرأة بالنسبة لمفهوم " الطهارة"  وبذلك فإخراج هذه الآية من سياقها يضر بصورة المسلمة كما يضر بصورة الإسلام من حيث قيام الأفضلية بين الذكر والأنثى على المستوى الإلهي ، وهو موقف يظلم المرأة كما يظلم الإسلام وهو الذي نادى في العديد من الآيات بمبدأ المساواة الذي يشمل الرجل كما المرأة على السواء قال تعالى : ﴿ وأمرت لأعدل بينكم﴾( الشورى الآية: 15). كما قال :﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم

أجرهم بأحسن ما كانوا يعلمون﴾ (النحل الآية 97)،وقال أيضا: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾ (الحديد الآية 18).

      فالمساواة بين الرجل والمرأة  متحققة في الإسلام بطريقة قل نظيرها في باقي الديانات السماوية الأخرى وإن كان هناك أحيانا تباين في الاختصاصات والمسؤوليات،" فإننا لا نجد تفريقا بين الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية وفي الجزاء من ثواب أو عقاب" ([3])

    1. في إلحاق الكيد بجنس النساء.

كثيرا ما تضررت صورة النساء من خروج  الآية التالية عن سياقها ، فأصبح تفسيرها يستدعي فهمها على ضوء سياقها الذي يتعلق بامرأة عزيز مصرمع يوسف عليه السلام يقول تعالى :﴿ فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة الآتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾ ( سورة يوسف الآية 50.)، وقد أرجع المفسرين الكيد بعدد من الخصال متعلقة بالسياق حيث وصف القرطبي الكيد بالمكر والحيلة و "عظيم" لعظم فتنتهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن.

    1. في وجه عداوة الأزواج والأولاد.

قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ () ، إن حيلولة الزوجة أو الأولاد عن طاعة الله واستجابة المؤمن لنداء الله يتحمل مسؤوليتها الزوج وحده ، ويأتي تفسير الآية : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم﴾ (سورة التغابن الآية 14) مركزا على أن "عدوا لكم" بمعنى " احذروهم" ، أما ما يتعلق بإلحاق فحوى الآية بالمرأة فقط ف" من أزواجكم" يدخل فيها كل من الذكر والأنثى باعتبار أن الجمع المذكر الذي يدخل في جميع الآيات كان يشمل كلا منهما، فيصبح بذلك الرجل " عدوا" أي يجب الحذر منه كذلك عندما يقف حائلا بين العدو وبين الطاعة كما جاء على لسان القرطبي  في تفسيره الجزء 18 ص: 141،حيث قال " أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدوا، كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوا بهذا المعنى بعينه .وعموم قوله " من أزواجكم " يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما كل آية" .

    1. في التلبيس بمكان الوطء

في قوله تعالى :﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ( البقرة الآية 223) يقع تفسير الآية أحيانا على أساس إلتباس يجعل معنى "الحرث" - وهو يحيل هنا على معنى رقيق للوطء – يتعلق بالمكان مادام معنى الزمان – وهو وقت المحيض- قد شجبته الآية : 222 من سورة البقرة ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتّى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ " ولما كانت المرأة موضع النسل إذ كان في رحمها نطفة زوجها جاء تشبيهها بالأرض التي هي موضع النبات والإنبات [...] والمراد أن بإمكان الرجل إتيان امرأته من أي جهة شاء، ما دام ذلك في موضع الحرث ، أي القُبُل" ([4]) .

  1. المرأة في السُّنة من السياق إلى التأويل

     الإسلام هو الإسلام والتأويل متعدد فبعد أن اختلف المسلمون في تفسير القرآن الكريم ، وبعد أن جعل المفسرين النص القرآني يقول بدونية المرأة ، كما نادى بذلك أبو الأعلى المودودي الذي جعل الإسلام يوصد الباب في وجه النساء للاندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية لمجتمعاتهن ، هذا القول قد يجعل البعض يعتقد بمصداقيته باعتباره فعلا موقف الإسلام من المرأة  .

لقد سخّر التأويل العقيدة لخدمة وجهة النظر المحكومة بالهاجس الفردي أو الأيديولوجي.. عن الانزلاق في التأويل أو تدعيما لسلطة دنيوية ما على الأرض.

إن نفس الذهنية التجزيئية قد أصابت مقتلا في النص القرآني كما في النص الحديثي أبانت عن تغلغل المنطق الأبوي المتحجر اتجاه كل ما يتعلق بالمرأة، بدءا من :

    1. أحاديث الابتلاء بالبنات:

 فقد روى الترمذي عن عائشة قالت : قال (ص) : " من ابتلي بشيء من البنات فصبر عليهن كن له حجابا من النار".

فالبلاء هنا ليس بالمعنى العامي ولكنه الامتحان والاختبار، فالصبر قيمة مضافة للواجب الذي يجب أن يستمر حتى تتزوج البنات، وهذا التأويل يضع هذه الأحاديث ف باب (فضل الإحسان على البنات).

    1. أحاديث تجعل المرأة عورة:

 فقد روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود بسند صحيح أن النبي (ص) قال " المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان".

فكون المرأة عورة يعني الحذر من إغرائها وفتنتها والاحتياط من جاذبيتها وقوة إيحاء جسدها .

    1. أحاديث تجعل المرأة فتنة:

 رُوي عن البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أسامة قوله (ص):" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" .

لقد علق د.إبراهيم مروان القيسي على هذا الحديث بقوله" ليس في الحديث ما يعيب المرأة ،وإنما فيه أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، والفتنة هنا تعني الاختبار" ([5])

    1. حديث في تشبيه المرأة بالحيوان:

روى مسلم وأبو داود وابن خزيمة أن رسول الله (ص) قال : " يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود " .

وإذ يُطرح التساؤل عن مدى دلالة الجمع بين المرأة والحمار والكلب نجد أن البعض قد فهمه على ظاهره بما يسيء للمرأة ومكانتها في المجتمع ولهذا " فالجمع بين هؤلاء الثلاثة ليس من باب التسوية بينهم بشكل عام ، وإنما التسوية بينهم فقط في حكم معين هو قطع الصلاة" ([6])

وقد سبق للرسول (ص) أن جمع بين المرأة والطيب والصلاة في حديث آخر أخرجه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي بسند صحيح يقول فيه (ص) " حُبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة".

    1. إلحاق الحكم بالخيانة على بنات حواء:

لقد جاء فيما رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص): «...لولا حواء لم تخن أنثى زوجها"  وبذلك يذهب أصحاب التأويل المغرض إلى ما تلحقه الصياغة التوراتية من خطيئة المرأة ومسؤوليتها في خروج آدم من الجنة لما زينت لآدم الأكل من شجرة التفاح، ولو رجع المؤول إلى تفسير النص الحديثي بالنص القرآني لوجد أن القرآن يخص آدم بالعتاب وهذا العتاب سيكون منطقيا لو علمنا أن آدم هو من علمه الله الأسماء كلها والقرآن في قوله تعالى يخصص آدم بمسؤولية الخرق والإشارة له ب" إليه" واضحة،﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى﴾ (سورة طه الآية 120-121.)، بينما نجد في التوراة، سفر التكوين ، بالإصحاح الثالث ،أن آدم ينفي عنه مسؤولية الاقتراب من الشجرة بما أنه متمثل للأوامر التي وجهها له الله في هذا الشأن إذ يقول " فقال آدم المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت".

ويتبين من هذا كله أن حواء في قصة الخلق الإسلامية (ومن بعد ذلك المرأة بشكل عام) ما زالت تستحكمها قصة الخلق اليهودية على مستوى التأويل([7]) بينما لم نجد لها تخصيصا بالعتاب والإشارة بالتثنية التي جاءت بسورة البقرة الآية 36، والتي جاءت تالية بعد أن استحكم الإله إرادته في أن يجعل في الأرض خليفة يقول: ﴿ فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾.

    1. عن نقصان العقل والدين.

  روى أبو داود عن عبد الله بن عمر، أخرجه مسلم، قال، قال رسول الله (ص) :" .. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُبّ منكن، قالت امرأة: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين" ([8]) .

فالمراد من نقصان العقل والدين فالحديث يشرحها بكل وضوح ([9])، وما جعل هذا الحديث يلتبِس على الفهم خروجه عن سياقه الأصلي ليبني به الفقهاء أحكاما شرعية ومواقف ثابتة جعلت المرأة كائنا من الدرجة الثانية له معطيات طبيعية مغايرة وكأن الأمر لأجل ذلك من المسلمات والبديهيات غير خاضعة للنقاش، بالرغم من كون المرأة جاءت في سورة التوبة وصية كالرجل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى بالآية 71: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾.

  - فهل من نقص عقله – رجلا أو امرأة- يكلف بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ .

  إن المساواة الحقيقية أمام الله وقمة الثقة الإلهية في مشروعية استعمال العقل من طرف المرأة هي وضع مسؤولية السهر على شريعة السماء بين يديها لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

  -  فكيف لمن نقص عقله أن يُكلف  بتقويم اعوجاج  الحياة الدينية لعموم المسلمين؟

  - بل كيف لناقصات عقل ودين أن يذهبن بلب الرجل الحازم الوافر العقل ؟ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في كتاب الحيض عن أبي سعيد الخدري : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن."

  وقد كان علي ابن أبي طالب هو أول من أوّل و وجّه هذا الحديث وجهته الخاطئة بل تحامل على ما جاء في الآية 71 من سورة التوبة بدعوته عدم إطاعة النساء في دعوتهن للمعروف وبذلك جعل النساء بعيدات عن النهي عن المنكر، حيث قال في خطبته المشهورة: " معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان  نواقص الحظوظ نواقص العقول.فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن.أما نقصان حظوظهن، فمواريثهن على الأنصاف عن مواريث الرجال.وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد. فاتقوا شرار النساء. وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر" ([10]). بمعنى منع طاعتهن في المعروف كي لا يطمعن في مسألة النهي عن المنكر.

  كما أنتج عمر ابن الخطاب تأويلا لا يختلف كثيرا عن تأويل علي ابن أبي طالب بل أضاف له من القدسية و" البركة" ما يجعله مترسخا في البنية العقلية للمسلم حيث قال " خالفوا النساء فإن خلافهن بركة".

   فالإسلام ساوى بين المرأة والرجل في التكاليف الشرعية في درجة إتقان العبادة  وفي العقوبة على خلاف ذلك، فلو كانت المرأة ناقصة عقل، فكيف تكون عقوبة غير المؤهل عقليا  بنفس مستوى كامل العقل والأهلية، إن هذه الواقعة تتنافى مع  روح الخطاب الإيماني العام فيما جاء به من العدل والمساواة ونحن نعرف رفع الحرج الذي رفعه الإسلام عن القاصر والمجنون ( أي فاقد العقل) على حد تعبير ابن تيمية : "فلا يسمى عاقلاً من عرف الشر فطلبه والخير فتركه".

خاتمة:

إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195(

وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282.(

وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقرار والغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.

أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.

هوامش

  1. زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990 ص: 67. 
  2. ابن جوزي ، " زاد المسير" الجزء الأول ص: 377. 
  3. د.مروان إبراهيم القيسي" المرأة المسلمة بين اجتهادات الفقهاء وممارسة المسلمين" نشر إيسيسكو الرباط الطبعة الأولى سنة 1991 ص: 20. 
  4. د.مروان إبراهيم القيسي" المرأة المسلمة بين اجتهادات الفقهاء وممارسة المسلمين" نفس المرجع ص: 143. 
  5. نفس المرجع السابق ص: 146. 
  6. المرجع السابق نفسه ص: 147. 
  7. أنظر(ي) ما جاء في كتابنا عن قصة آدم وحواء ب" الكتابة النسائية حفرية في الأنساق الدالة ..." المرجع السابق ص: 109-110. 
  8. شرح مسلم للنووي الجزء الثاني الصفحة : 65-66. 
  9. لمزيد من المعلومات في هذا الشأن خاصة فيما يتعلق بالتكوين البيولوجي للمرأة  المصحوب بالعذر الإلهي، بالإضافة إلى غلبة العاطفة عليها وقلة خبرتها وعدم اكتراثها بشؤون المعاملات أنظر، د. وهبة الزحلي " الأسرة المسلمة في العالم المعاصر "، دار الفكر المعاصر ،بيروت الطبعة الأولى سنة 2000، الصفحة 109.
  10. علي ابن أبي طالب " نهج البلاغة"  ،الجزء الأول ص: 129. 

 

Partager cet article
Repost0
3 juillet 2022 7 03 /07 /juillet /2022 17:06
الكتابة على الجسد الأنثوي و بصمة عشتار

الكتابة على الجسد الأنثوي و بصمة عشتار

-قصة "اليد البيضاء" للقاصة زهرة الرميج أنموذجا-

د. عبد النور ادريس

دراسة محكمة

أستاذ التعليم العالي مساعد  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس 

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

إن العالم القصصي والفني لمجموعة "أنين الماء" للقاصة زهرة الرميج في شكله وفي كتابته، يشيع في مفهوم جنس القصة، الإستغراق في التفاصيل التي لا تستطيع إلا الكاتبة أن تلتقطها، وهي تعتبر من مجموع الآليات التي تساعد عالم النساء على التبلور. فبالرغم من خطية المكونات المرجعية التي تحيط بعملية الحكي والتفسير، تفتح نصوص المجموعة آفاقها لعملية التأويل والتفسير، دون استدعائها لقارئ نموذجي يستطيع وحده فك استراتيجية ولذة النص الأنثوي، فتصبح وظيفة اللغة مع الزهرة رميج وظيفة تواصلية يمكن معها تصور واستحضار الفعل السردي.

وبذلك نجد أن تصورات الكاتبة تتلاقى، أحيانا، مع تصورات المتلقي بسبب الأساس الرمزي الذي يتجاوز وظيفة اللغة التواصلية. أما فيما يتعلق بالمرجع النصي، فهو نص تتضح معالمه داخل فضاء القصة، بما يحتوي عليه من فضاء وزمن وأمكنة وشخوص دون التطرق إلى فضاءات مرجعية تهتم بالقاص(ة).

الكلمات المفتاحية: النقد الجندري، كتابة الجسد الأنثوي، الزهرة رميج،  اليد البيضاء قصة قصيرة.

Sommaire

L'univers fictif et artistique de la collection "anine al mae" de la conteuse Zahra Al-Ramij, dans sa forme et dans son écriture, est commun dans le concept du genre de l'histoire, l'immersion dans les détails que seul l'écrivain peut capturer, et il est considéré comme l'un des mécanismes totaux qui aident le monde des femmes à se cristalliser. Malgré la linéarité des composantes de référence qui entourent le processus de narration et d'interprétation, les textes du groupe ouvrent leurs horizons au processus d'interprétation et d'interprétation, sans les appeler à un lecteur typique qui seul peut décrypter la stratégie et le plaisir du texte féminin, de sorte que la fonction du langage chez Vénus devient une fonction communicative avec laquelle il est possible de visualiser et d'évoquer l'acte narratif.

Ainsi, nous constatons que les perceptions de l'écrivain convergent parfois avec les perceptions du destinataire en raison de la base symbolique qui va au-delà de la fonction communicative du langage. Quant à la référence textuelle, c'est un texte dont les traits s'éclairent dans l'espace du récit, avec ses contenus d'espace, de temps, de lieux et de personnes sans aborder les espaces de référence concernés par le ou les récits,

Mots clés : critique de genre, écriture du corps féminin, Zahra Al-Ramij, la main blanche, une nouvelle.

اتصفت الكتابة القصصية للقاصة المغربية الزهرة رميج ونصوصها، بصفات النص الكلاسيكي الذي يتبع سمات نظرية النقد الأدبي وأعرافها النابعة من نظرية المحاكاة  في الإنتاج الأدبي، والتي تعتبر النص مرآة عاكسة للعالم الذي يقوم النص بتصويره ([1]). فلا عجب أن يلتقي عنوان وثيمة قصة " اليد البيضاء" بنفس ثيمة قصة "الأسوار البيضاء" للكاتبة نعم الباز، وقصة " ليلة بيضاء" لليلى بعلبكي التي تطرقت فيها للمرأة وللكيفية التي تُهدر بها آدميتها نظرا لكون المجتمع ينظر إليها كأداة لإشباع نزوات الرجل الجنسية ووعاء طيب لأطفاله.

  1. المرجعية التقليدية ونمط اشتغالها.

لقد جعلت القاصة الزهرة رميج من المتلقي انطلاقا من رؤية السارد(ة) وأشكال العلاقات التي تربط بين الفضاء المكاني للحكي والمتلقي بؤرة لاشتغالها وبذلك حددت لجل قصصها بمجموعة "أنين الماء" انتمائها الواعي بالأدب النسائي، إذن ما الذي يجعلنا نقول عن قصص الزهرة رميج بأنها قصص نسائية؟

إن التحول الذي وقع في وعي كتابة القصة، والذي شكل الوظيفة الأساسية للكتابة القصصية، جعل القصة القصيرة المغربية تنتقل بين أجيال سردية بالمغرب، وتربط أواصر العلاقة مابين القاص والمرجعية الفكرية التي تغذي انتظارات المتلقي يقول محمد برادة: "إن نوعية العلاقة التي يقيمها القاص مع مرجعياته تتحكم أيضا في استراتيجية التشكيل وفي الكتابة، وكذلك في نوعية علاقة المتلقي بالمرجعية وأفق التلقي"([2]).

 ومن المرجعيات القصصية ما اقترن خطابها الإجتماعي بالسياسي قبل الإستقلال، ومنها الكتابة الأدبية الملتزمة، والتي جعلت من الأدب محركا ومغيرا للواقع، كما انتقلت الكتابة القصصية إلى الإهتمام بالشكل وإبراز الذات، الشيء الذي جعل محمد برادة يستخلص عنصر "الفانطاستيك" كعنصر مشترك بين معظم النصوص القصصية في السبعينيات، والتي كان من بين أبرز أسبابها: "النزوع إلى تكسير نوع من الرتابة سيطر على الكتابة القصصية خلال الفترة الواقعية، ولأن أيضا ما يسمى بالواقع أصبح أحيانا متجاوزا التصورات التخييلية القصصية"([3]).

وأنت تقرأ قصة اليد البيضاء ([4]) تقع أسير متعة الحكي التي تعادل متعة القاصّة وهي تنقلنا من حُرقة الوعي الشعري إلى الحكي بأنفاس المتخيل الشعري، مطرِّزة بذلك مقدمة القصة لتعطي القارئ فرصة الولع بالكلمة الحالمة تقول: " شعرت أنا أتخبط في محيط عجين لا لون له ولا حدود. من يسلني ويقذف بي في الفضاء الشاسع حيث أتلاشى في ذرات النور والهواء؟" (أنين الماء، ص: 51).

والساردة إذ تقرأ العالم بعينيها وجسدها تحاول أن تحوز على إعجاب الزوج وتدخل من ضمن اهتماماته الشبقية اللاواعية، ولذلك أشرعت الساردة أبواب الذكريات فرسمت مداراتها لتختبر قوة الكتابة بالجسد المغلق، الجسد الذي جعل البطلة رهينة استيهامات زوجها، وبالتالي ملحقة باللذة الذكورية ومجرد شيء يُفتح ويُغلق حسب  متطلبات تلك اللذة، الشيء الذي يعكس تشبعها بتلك التربية الأسرية التي تستحكم قبضتها على جسد الأنثى، وتجعل "البكارة " من بين آليات الجسد الأنثوي الذي يعشقه النسق الثقافي الموسوم بالعفة والطهارة، نظرا لتركيزه على مسألة الشرف المتمثل في العفاف الجنسي للمرأة والمرتبط سطحيا بغشاء البكارة الذي قد تولد به الأنثى أولا تولد، حيث تشكل العفة إحدى القيم المجتمعية التي تقمع جسد المرأة، كما تشكل العذرية قطب اهتمام المجتمع من حيث أنه يصب الاهتمام على غشاء البكارة باعتباره محور قيم ذكورية خاصة ومصفاة تعبر منها الأنثى نحو المجتمع الفاضل أكثر من كونها حالة من الطهر الداخلي، ويقتصر نقل الصورة المجتمعية في هذه الحالة إلى إحاطة الفتاة المغربية بهوس الصورة المرتبطة بالعذرية التي تؤكد أنوثتها وتمارس بها وجودها، وتعرف بها وبواسطتها الشعور بالسعادة والاطمئنان على مستقبلها في بيت الزوجية، وتتجلى هذه الصورة بالأساس في صيانة العذرية وخاصة تلك القطعة الجلدية التي ينتظر الجميع أن تسيل دما لحظة الافتضاض بليلة "الدخلة".

والبطلة في هذه القصة تعيش "الحياة" على هامش الحياة، وتتحول اعترافاتها في النص لتنتمي إلى دائرة المنفلت الاجتماعي، إنها تمحو بذلك الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر، فبعد أن تم الزواج بين البطلة وابن الجيران بشكل تقليدي تقدمت فيه أم الزوج لخطبتها من بيت العائلة، ولم يكن لهذا العالم الذي نسجته التقاليد والعادات إلا أن ينفتح على ليلة الدخلة التي تشترط وفقا لعادات وتقاليد المجتمع المغربي، "العذرية" الأنثوية التي تدخل من بين خصوصيات التملك الاجتماعي للجسد الأنثوي، وتؤكد رسم معالمها الصفة التشريحية كشرط لازم للزواج، يعكسه هاجس بقاء الفتاة عذراء إلى يوم الدخلة، بينما يشترط اللاعذرية في الزوج والتي إن ثبت عكسها في الذكر يعتبره المجتمع ناقص الرجولة. تقول سمية نعمان جسوس في ذلك :" فالفحولة تظل صفة يقر بلزومها اجتماعيا، ولذلك يكون الزوج البكر عرضة للعار وللسخرية، والعار للزوجة التي لا تستطيع أن تعرض على الأنظار قماشا مبقعا بدم غشاء البكارة المُفترع !" ([5]) وهذا التراتب الاجتماعي للمرأة ظل قابعا في تلافيف العقلية الشعبية المغربية نتج عنها أن دور الرجل يتمثل في فعلية الحضور والاختراق بينما ظلت المرأة محاطة بأسوار هيكل المنزل وجدران الهيكل العظمي، تقول الساردة :" كانت ليلة الدخلة ليلة لا تنسى. غمرته فرحة لا مثيل لها عندما افتض بكارتي. أغرقني بالحب والحنان وبالهدايا المتنوعة. اعترف لي فيما بعد أنه عرف نساء أوربيات كثيرات، لكنه لم يشعر مع أية واحدة منهن بالنشوة التي شعر بها معي وهو يفتض بكارتي. هذا الاعتراف جعلني أشعر بالسعادة والاطمئنان إلى مستقبلي معه." (أنين الماء، ص: 54-55.)

ولذلك ليس غريبا أن تعرف المرأة معنى كرامتها وعقلها بدءا بليلة الدخلة المتمحورة حول العذرية التي تكتب مكانة المرأة وقيمتها وحدود وكيفية تصرفها في جسدها، كما أنها تمنح الفتاة صفة امرأة بمرأى من الجميع، حيث تعتبر العذرية مسألة جماعية تهم المجتمع بكامله، مجتمع يجعل مكانة الأخلاق الاجتماعية متفوقة بكثير على المسألة الدينية. وقد عبرت القصة عن مدى ما تحوزه مسألة البكارة في ليلة الدخلة من قيمة في المجتمع المغربي، والمرتبط أساسا في الثقافة المحلية المغربية بميثاق الدم، حدث يعبر عن طقوس الحرب أكثر من تحوله المعاصر إلى التعبير كرمز للشرف والعفة، وقد تطرق لحسن أيت لفقيه في دراسته الموسومة ب "المرأة المقيدة" إلى العلاقة التي تربط ما بين طقس العرس و ليلة الدخلة، تربط ما بين الافتضاض وطقس الحرب يقول :" إذا نجح العريس في تحقيق الاتصال الجنسي الذي يُوثَّق بمادة الدم، في منديل أبيض يسلم لرفيقات العروس، " تيمسنايين Timsnayine"، فإنه منتصر اجتماعيا، محارب، شجاع، راشد، لان الدم الأحمر مغزاه في الوسط القبلي، يعني أن الرجل ينحدر من أسرة محاربة، ويعني أيضا أن العروس تنحدر من أسرة محاربة إقطاعية ذات قيم محافظة آهلة لتساعد زوجها وتشجعه، وتدافع عنه. إنها من جانب آخر امرأة محصنة، منذ ليلة الزفاف، عفيفة، عالمة بواجباتها اتجاه الأسرة والمجتمع." ([6]).

  1. بصمة عشتار: العذرية والكتابة على الجسد.

لقد عرفت الحضارة الحديثة نفس نقطة التمركز التي عرفتها الحضارات القديمة، فوصفت العذراء بالنبع المختوم بشمع العذرية الأحمر، وشبهت الأنثى بالإناء الفخاري المغلق وهذا هو مدلول الأم الكبرى على المستوى الطبيعي، فهذه إنانا السومرية في أكثر من نص تُخاطَب بالعذراء، أو تتحدث عن نفسها بالعذراء ([7]) كما كانت عشتار عذراء قبل الولادة الشيء الذي يرمز لأسبقية المبدأ الأنثوي على المبدأ الذكوري يقول فراس السواح :" وأختام عشتار لم تفض لزرع بذرة الإله الإبن، ولم تفض لخروجه، ولن تفض بعد ذلك بالممارسة الجنسية. لأن أختامها رمز اكتمالها وغناها واغتنائها، ورمز لسيطرتها على جسدها الذي لا ينقص منه الجماع، ولا يترك فيه ذكر علامة. لذا فقد حملت إلهات الطبيعة لقب العذراء" ([8]).

ولعل القاصة الزهرة رميج في هذه القصة قد احتمت بهدوء البوح لتصرخ أمام تعنت العادات والتقاليد التي تجعل من غشاء البكارة هوية أساسية للمرأة المغربية، وقد أطلعتنا القاصة في قالب قصصي متميز على المجانية الأخلاقية لهذا التصور فأسقطت خرافة العذرية في ابتذاليتها، فجعلت القارئ يستسلم لعبثية ولاجدوى الاهتمام بهذا التقليد مادام الطب الحديث يستطيع تحويل الثيب إلى بكر، تقول سمية نعمان جسوس :"وتوجد على أيامنا طريقة عصرية لاستعادة العذرية الضائعة وتتمثل في رأب غشاء البكارة بعملية جراحية تُخاط فيها اللحيمات، وهي بقايا الغشاء، التي تظل قائمة، لا تذهب بها الاتصالات الجنسية المتواترة. إذا اتصلت الفتاة المستعيدة بكارتها على هذا النحو، اتصالها الجنسي الأول سال من فرجها الدم" ([9])، وتقول الساردة وهي التي رأت هوس زوجها وإخلاصه الفحولي للحظة الأولى التي افتض فيها بكارتها: " كان الصيف الماضي خاتمة عشر سنوات من الزواج. فكرت في تقديم مفاجأة سارة لزوجي لاسترجاع حيويته. كنت أعلم طبيبا أجنبيا متخصصا في أمراض النساء يستطيع تحقيق المعجزات، يحول الرجل إلى امرأة والمرأة إلى رجل كما يحول الثيب إلى بكر. اتصلت به ليعيد الي البكارة. أجريت العملية مباشرة قبل الاحتفال بالذكرى العاشرة لزواجنا" (أنين الماء، ص: 55-56)

ان قصة "اليد البيضاء" هنا لا تنتج إلا معنى الأنوثة الشهرزادية حيث تنتصب العذرية كبطل خرافي تداخلت في بروزه مستويات عدة تعمل القصة بوساطتها استحضار قيم الانعتاق والتحرر من موروث نفسي وقاموس جنساني رَهَنَ حيوات النساء، وجعل المرأة في محاولتها للتحرر تعمل على مجاراة المنطق الذكوري وتسهم في ترسيخ الصورة التي ينتجها الرجل عنها، تقول الساردة:" كان هذا ما أطمح إليه. ولعل دافعي إلى التفوق الدراسي كان هو إثارة اهتمامه، وأن أليق بمستواه. وافقت على الاقتران به، بل وعلى التنازل عن حلمي في متابعة تعليمي العالي. لقد أقنعني بضرورة التزام البيت والتفرغ لأبنائنا المقبلين مادام قادرا على تحمل المسؤولية" (أنين الماء، الصفحة: 54)، وقد أثبتت القصة أن حصول البطلة على عذرية جديدة إنما قد كشفت به عن هذا الميثاق المغشوش والقابل للغش والتدليس الذي يربط بين العريس وعروسه والمتمثل في غشاء البكارة، واعتبرت أن هذه الطريقة العصرية التي تستعيد بها الأنثى العذرية الضائعة بمثابة تصحيح لقيم زائفة وتأسيس لقيم أخلاقية تعاقدية تعمل على إزاحة الأساس الفحولي، وتحرره من الموروث التقليدي، والعودة إلى التفسير الأسطوري الأول لمفهوم العذرية وخاصة العلاقة العذرية بين الإله بعل وعناة الأوغارتية في الحضارة المينوية يقول فراس السواح :" إن آلاف المرات من المضاجعة بين بعل وعناة لا تذهب ببكارة الإلهة المتجددة. لأن بكارتها رمز للدافع الجنسي الكوني الذي يدفع الكائنات الحية بعضها إلى بعض ويساهم في استمرارها وبقائها. ومن أسماء الأم الكريتية الكبرى " بريتوماريتس" اي العذراء  العذبة و هي التي تبدو في معظم رسومها وعلى حضنها أو ذراعها ابنها الصغير الذي لم يبلغ مبلغ الرجولة والاستقلال عن الأم طلية فترة الحضارة المينوية" ([10])

هكذا نجد أن للعذرية عاملا قويا في تحريك القيم المجتمعية التي تحدد الوجود الفعلي للمرأة حتى أن أسطرت مفهوم العذرية لذى العقلية الذكورية، ولّد عدة أنماط للتعامل مع المرأة، وهكذا ما تزال عذرية عشتار حاضرة في المخيال الذكوري متعددة المستويات :" فهي عذراء على المستوى البدئي لأنها الأوروبورس المغلق الذي انحل إلى عالم المادة المتنوع وهي عذراء على المستوى الطبيعي يفيض خصبها على العالم دون مؤثر خارجي، وهي العذراء التي أنجبت لأول مرة دون إخصاب من ذكر وهي عذراء السيدة التي تبقى بكارتها رمزا لسلطانها على نفسها وجسدها ولا يقوم إلى جانبها زوج يساويها أو يعلو عليها، أو ينقص من اكتمالها." ([11])

إننا في قصة " اليد البيضاء" نقف على القناعة الدائمة والشائعة بأن الرجل يَمَلُّ سريعا من الجسد الذي يقدم إليه بيسر وسهولة، ولهذا تبقى العذرية شيء محمود في الفتاة قبل الزواج، ويرتبط تواجدها بحقيقة الاحترام الذي ستجده ببيت الزوجية تقول سمية نعمان جسوس في ذلك:" فللرجل أن يعاني ويكابد في سبيل امتلاك زوجته، وينبغي له أن يكد ويشقى لجمع المال اللازم للصداق وينبغي له أن ينتظر [ويظل ينتظر] قبل أن يضم زوجته بين دراعيه. فالأسرة ترمي إلى الرفع من قيمة الاتصال الجنسي الأول إلى الإعلاء من قيمة الفتاة التي تريد تزويجها، فهي كشيء كلما طال توق المرء إليه، كلما اشتدت رغبته فيه... هذا التصور للأمور يجعل من الطبيعي تماما في نظر الفتيات (وفي نظر أسرهم خاصة) أن يكون للخطيب اتصالات جنسية بنساء أخريات في انتظار الزفاف، فقد صرحت لنا امرأة في الثامنة والعشرين من العمر بقولها :" كان إذا رغب في جسد نسوي، يذهب للبحث عنه عند الأخريات. وأما أنا فأحرص على أن يحترمني. كانت أمي لا تني تردد على مسامعي أنه إذا أراد النساء، فما عليه إلا أن يطلبهن في الشارع ، حتى لا يمس بكرامتي" ([12]).

  1. القيم الذكورية الشهرزادية وقصة اليد البيضاء.

يبقى أن الخطاب الأدبي للزهرة رميج غير متبن لشعارات سياسية، لكنها مباشرة استطاعت عبره اختراق سطوة الخطابات السائدة وتفكيك منطقها حيث وصلت القاصة إلى كُنْه آليات إنتاجها واعتمادها على أوعاء زائفة، فرسمت بريشتها الأدبية خريطة المجتمع الثقافية التي حوّلت الثقافة والقيم إلى سلعة، فاكتشفنا مع قصة " اليد البيضاء" إنزياح هذه القيم عن مرجعيتها التي أنشأتها، ففقدت " البكارة" دلالتها الرمزية وتوقفت عن القول متخلّْية عن وظيفتها الاجتماعية، كما طالعتنا القصة بخطاب  مجتمعي يعمل على تبليد الوعي، فأبانت بذلك عن إفلاس مفهوم البكارة فعرت بذلك علاقات الأخذ والرد للسلطة القائمة في المجتمع، فحققت لفعل المسألة النقدية والمواجهة وضعا مفجرا يشير في النص إلى الصور المضطربة والمتفتتة الملامح، فعبَّرت بوضوح عن الازدواجية والانفصام الذي تعانيه المرأة لتحقيق ذاتها الأنثوية وهويتها، فعملت القاصة على تحرير صورة الذات انطلاقا من نسج صورة جديدة مشروط تحررها من سلطة المنظور التقليدي الذي يسمح في بنيته المنظمة للخطاب بانقسام الذات الأنثوية وازدواجيتها، نهض كذلك على استبعاد المرأة من كل إيجابية على اعتبار أنها حابلة بالطبيعة بكل الخصائص السلبية التي لم تساعد الساردة في انفكاكها من الصورة النمطية والمتحكمة في نظام القيم السائدة :" آه ياعزيزتي، لقد مرَّغ سمعتي في الوحل، فانفض من حولي الأهل والأصدقاء وها أنذا منبوذة وحيدة أجتر صدمتي وخيبة أملي" (أنين الماء، الصفحة : 57).

يتبين هنا أن القاصة تحاول أن تحرر وعي المجتمع، والرجل بشكل خاص، من مفاهيم الأبوية المتغلغلة في القيم العامة وذلك من خلال طرح عدة تساؤلات عميقة على معنى العفة المرتبطة بالبكارة، كما بإثارة جملة تشكيكات في طبيعة المفاهيم التي قامت على رؤية الرجل وحده للعالم، ففجرت المسكوت عنه واستخرجت من الظل المكبوت في الوعي المجتمعي العام المتجلى في رد الفعل الذي قوبلت به الساردة من طرف زوجها، وخاصة عندما بصمت اصطناعيا على جسدها بصمة الإلهة عشتار : "تتجرئين أيتها المومس على أسيادك؟ ولكن الحق ليس عليك وإنما على المغفل الذي سقط فريسة سهلة لأحابيلك ! غذا تغادرين الفيلا، وستصلك ورقتك قريبا. أما الأولاد فلن أسمح لمومس حقيرة مثلك أن تقترب منهم" (أنين الماء، الصفحة :57). ويعتبر رد فعل الزوج طبيعيا في الثقافة المجتمعية المغربية، وذلك ما أكدته الباحثة السوسيولوجية زينب معادي في كتابها الجسد الأنثوي وحلم التنمية تقول:" 95% من النساء المستجوبات تعتبرن أن البكارة ضرورية لكي يستمر الزواج. وأن الزوج من حقه أن يطرد العروسة ويرجعها إلى والديها إذا ما اكتشف ليلة الزفاف أنها ليست بكرا" ([13]).

إن الوعي النسائي الذي صاغته القاصة عبر فعل الكتابة تمثل في أن معرفة خبايا الخطاب الأبوي تمر بالجسد وبما يحياه التجسد على المستوى الجنسي والرمزي، من هنا دلت كلمة " بكارة" -والتي أسميتها ببصمة عشتار- على أنها تنتمي إلى الجنس المذكر والمؤله، فصار الجسد كلمة وأصبحت الكتابة النسائية لغة هامسة تدفع بالمؤنث إلى أن يستمر على شكله الأنثوي.

ولم يأت رد فعل الرجل إلا كفيض من دائرة تبين ذلك في البعد المستشري في المجتمع، وكأن القاصة تبعث من جديد شهرزاد الجديدة التي كتبت الباطن كي تقتل الظاهر، في حين أن المنطق الذكوري يعمل جاهدا وباستمرار على قتل امرأة الباطن كي تنتعش فيه اليقظة العليا للسلطة ، فكانت كتابتها كما جاء على لسان جوليا كريستيفا جوهرا يعمل على إحراق ذاته من أجل إعادة التشكل والإنبعاث كما طائر الفنيكس من رماده تقول ساردة اليد البيضاء:" سأخرج من منفاي الاختياري لأحاول اللحاق بالزمن الضائع علني أعثر على تلك التي كنتها من جديد." (أنين الماء، الصفحة :57)

وتعمل القاصة من خلال قصة "اليد البيضاء" على الدفع بشهرزاد الجديدة نحو تجربة تثقيف شهريار الجديد وبعثه من ظلمات الجهل ومحاولة تحويله وفق معجم جنساني مغاير بدءً من ممارستها الحفر في الجسد المثالي، بينما الساردة تبوح بسرها متلفعة بأسرار الحكي الشفاهي وواضعة المستمعة إليها أمام الأمر الواقع الذي لا ينفر حقها في المعرفة والتأمل، وقد اعتمدت الزهرة رميج على إمكانية التقليد الشفهي فمارست الوعد تلميحا لا تصريحا، وكأننا بشهرزاد الجديدة تعيد الألق لحكي النساء تقول :" من أين أبدأ حكايتي؟ من البداية أم النهاية؟ وأي قالب أختار؟ بل أي قالب يناسبها؟ هل التوفيق بين الأصالة والحداثة أم حكي النساء الضارب في أعماق التاريخ؟ كلاهما مناسب لها لكني أفضل حكي النساء، حكي الجدات على الخصوص" (أنين الماء، الصفحة :57).

وبذلك حاولت الزهرة رميج تحرير صورة المرأة من كونها جسدا مغلقا بلُحَيْمة ضمان الصلاحية (غشاء المهبل) يفتحه الرجل جنسيا، بل يتعدى ذلك إلى التشكيل الرمزي لذلك الفتح، كما حاولت تثقيف الرجال وإثارة انتباههم إلى الأبعاد الفزيولوجية التي تتفاعل معها النساء نفسيا باعتبارهم من وجهة نظرها – أي القاصة- في حاجة إلى تثقيف بطبيعة النساء، فخرجت من مستوى التيمة الأساسية المطروحة في قصة  "اليد البيضاء"، ومن تصوير الجسد كلعنة وموضع شك إلى إنتاج صورة جديدة ينتقل إطار ثوابتها الفحولية إلى متغيرات فقط، وبهذا المعنى أصبح بالإمكان الحديث عن علاقة مرآوية بين الجسد باعتباره فضاءا لاشتغال المنطق الذكوري الذي يحتاج إلى خطة تأويلية تبني فاعليتها من الفعل التأويلي المرجعي للمتلقي، وبين الجسد كنظام رمزي يسكن كوامن اللغة، فيه تتحول الأنساق القيمية إلى نُظُم تعبيرية وتمثيلية، لذا " فإن التلقي الرمزي والاجتماعي للجمال وللعاهة الجسدية يستمد مقوماته من الإرث الرمزي والمتخيل الذي يتم نسجه حول الدلالة التداولية للجسد".([14])، وقد اعتبرت القاصة "البكارة " في ظل هذا الموروث الذي يضُجُّ بالتقليد بكل خطوطه وملامحه من معايير الجسد الأنثوي على المستوى الواقعي والمتخيل، حيث تركزت في الوعي واللاوعي الفردي والجماعي للمجتمع المغربي على أساس أن خلو الجسد الأنثوي من البكارة قبل ليلة الدخلة يُعد نقصانا جسديا تركز منذ القدم بسبب تطعيمه للمادة الأساسية التي ينسج منها المتخيل والقدسي تجلياتهما المتعددة، بحيث حافظ المجتمع على البعد السلبي للحس الأنثوي الخالي من البكارة، وتم تصريف هذا التسليم بدونية الجسد الأنثوي وبشكل كبير في الثقافة الشعبية والمتخيل والذاكرة الجماعية، فالنقص الذي تشعر به الساردة في القصة والذي أدى إلى انهيارها والذي جعلها تقول :" واعلمي أني مدينة لك بإنقاذي من هلاك محقق. منذ الليلة، سأرمي بكل الحبوب المنومة " (أنين الماء، ص :57).

فما تشعر به الساردة إذن هو رفض زوجها لها كذات، لارفض وضعها الجسدي المشكوك في توفره على بكارة طبيعية زمن ارتباطه بها. ويأتي تصرفها هذا على أساس أنها اعتبرت مسألة العذرية مسألة شخصية، في حين أن رد فعل الرجل الذي يدعمه المجتمع والدين والقانون ينحو نحو ما يثبت أن العذرية قضية اجتماعية بالأساس، ومن ثم ظلت جنسانية المرأة معرفة ومحددة بواسطة الرجل وعلى اتصال وثيق به، وبحدود معرفته بالجسد، فترميم العذرية للعازب يعني إعادة بناء شيء تهدم يلتحق بسمعة المرأة، أما في حالة الساردة هنا، فترميم العذرية داخل مؤسسة الزواج، واستعادتها صناعيا وطبيا يعني تعريض الزواج للخطر.

                  خاتمة:

ان الخط السردي في قصة " اليد البيضاء" أكد لنا أن الجسد الأنثوي بتمظهراته حسب الخطاطة النفسية للعالم النفسي فرويد Freud هو لعبة متخفية للاوعي. هذا اللاوعي الذي لايمكن الوصول اليه الا من خلال لغة الحياة الواعية الكلامية، فلغة  اللاوعي صعبة الادراك، لاتصبح موضوع دراسة علمية إلا إذا وجدت من يكتبها باللغة الواعية، كما أن الجسد ليس مجرد أعضاء فيزيولوجية وإنما هو تعبير ذو طبيعة لغوية يحمل ذاكرة وتاريخا أيضا، وقد توفقت القاصة في جعل الجسد الأنثوي من خلال " غشاء البكارة" محملا بعناصر تخييلية باعتبارها كتابة أدبية تأخذ من الجسد مساحة أكبر لفهم إيقاع الأحداث فدبَّجَت بذلك كتابة أدبية تعبُر من الأصالة نحو الحداثة ليتحول النص هنا إلى نص مفتوح تتلامس فيه وتتداخل أصالة الحكي الشفهي وحداثة الحكي المعاصر تجسدت في البكارة كخزان ميثولوجي يتفتّق فيه الخفي والمكبوت والمستحيل، يظهر ذلك من خلال طقس " الثقاف" الذي يؤشر على الاغلاق الرمزي الذي يمارس على جسد الفتاة قبل أن تحيض، وجعله منغلقا أمام أي محاولة من طرف الرجال لفضه- أي فض بكارتها- فالثقاف كتابة اجتماعية ثقافية بيد نساء (الأم، الجدة، الخالة و العمة) على جسد الفتاة، فهو يجدد مكانة المرأة وقيمتها، وحدود تصرفها في جسدها:" الثقاف يمارس بالدرجة الأولى من طرف الأم، ثم تأتي الجدة للأم في الدرجة الثانية ثم الخالة في الدرجة الثالثة. طقس الثقاف يكتب على جسد المرأة أنه يجب أن يكون منغلقا، مما يجسد درجات الرقابة. ويرسم علاقة غريبة بين الأنثى وجسدها رغم بداهتها الظاهرية. فهو جسدها وفي نفس الوقت هو موضوع مراقبة الآخرين" ([15]). وبذلك تمكن النص من إثارة أسئلة جوهرية في عصر الطب التجميلي، وخلق وعيا جديدا استحكم طبيعة علاقة الذات بالآخر والمذكر بالمؤنث في إطار من التعدد التأويلي الذي يتسع لكل الدوائر الرمزية، مع تحويل الظواهر الجسدية إلى ظواهر لغوية كما اتسع تفاعليا بين المكوّن الثقافي الجمعي والمكوّن النصّي اللغوي.

المراجع والهوامش


[1] - د. الرويلي ميجان و. سعد البازغي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، سنة 2002، ص 274.

[2] - برادة محمد "القصة المغربية - التجنيس والمرجعية وفرادة الخطاب" ، سلسلة ملتقى القصة، كتاب جماعي، منشورات الشعلة الدار البيضاء، إعداد وتقديم: محمد فرطسي عبد الواحد أولاد الفقيهي، ط 2، 2006، ص 62.

[3] - برادة محمد "القصة المغربية - التجنيس والمرجعية وفرادة الخطاب" ، نفس المرجع السابق، ص 63.

[4] - انظر نص القصة بالمجموعة، ص:   51.

[5] - جسوس سمية نعمان ، بْلا حْشومة: الجنسانية النسائية في المغرب ، ترجمة عبد الرحيم حُزل ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ، 2003 الصفحة : 177.

[6] - ايت الفقيه لحسن ، المرأة المقيدة ، نفس المرجع السابق، الصفحة: 52.

[7] - في حوارية بين إنانا السومرية وبين أوتو إله الشمس وحول زواج الإلهة المرتقب نجد:" أي أختاه عليك بالراعي الكثير الأنعام، إنانا أيتها العذراء لماذا تعرضين عن الراعي..؟.. أنا العذراء سأتزوج المزارع، الفلاح الذي يزرع النبات ويعطي الغلال الوفيرة" مغامرة العقل الأولى ، فصل قابيل وهابيل، عن فراس السواح، لغز عشتار، نفس المرجع السابق، الصفحة 174-175.

[8] - السواح فراس ، لغز عشتار، ، الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، دار علاء الدين، دمشق سوريا، الطبعة الثامنة سنة 2002 ،الصفحة: 174.

[9] - جسوس سمية نعمان ، بلا حشومة الجنيانية النسائية في المغرب، ترجمة عبد الرحيم حزل، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى ، سنة 2003 ، الصفحة : 213.

 [10] - السواح فراس ، لغز عشتار، المرجع السابق، الصفحة: 175.

[11] - السواح فراس ، لغز عشتار، نفسه، الصفحة: 176.

[12] - جسوس سمية نعمان ، بلا حشومة..، نفس المرجع السابق ، الصفحة: 94

[13] - معادي زينب: الجسد الأنثوي وحلم التنمية، إنها امرأة تذوب، نشر الفنيك، الدار البيضاء، ط 1، مطبعة النجاح الجديدة، دجنبر 2004، ص: 74.

[14] -  الزاهي فريد: النص والجسد والتأويل، افريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الأولى، سنة 2003، الصفحة: 153.

[15] - معادي زينب ، نفس المرجع السابق، ص: 74.

Partager cet article
Repost0
23 juin 2022 4 23 /06 /juin /2022 18:54
أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي
أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي

أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي

-قراءة في كتاب للدكتور عزالدين النملي-

د. ادريس عبد النور

أستاذ باحث  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي والثقافة الرقمية

Abdennour.driss@gmail.com

مقدمة:

هناك آفاق تصورية ومنهجية لدراسة الشعر العربي القديم في تاريخيته، نجح الدكتور الباحث عز الدين النملي في سبر غوره، ولهذا لقد تمت قراءتنا لكتابه الموسوم ب" شعر الهذليين دراسة دلالية تداولية" من خلال مقاربة نقدية تجاوزنا فيها الواقع اليومي المعيش إلى بناء الفعل التخيّلي وخاصة النظرة المتعلقة بشعرية الحلم، كما تم  الاعتماد على الحضور التاريخي لإحاطة القراءة بضرورة التعبير عن الرمزي المنغرس في الطقوس حيث ربط الانفعال الخاص بالجسد المؤنث بالعالم المرئي وتشكيله داخل القبيلة الشعرية كطيف وانطباع عبر الصورة الحلمية وتحقيقها شعرا وبلاغة .

فهل استطاعت اللغة أن تنقل حقيقة ما أحسّه الهذلي من أحاسيس جيّاشة بداخله اتجاه الأنثى التي عشقها؟

الكلمات المفاتيح: الشعر الهذلي، العذرية الشعرية،المرأة المثال، الغزل العذري،عز الدين النملي

introduction:

Il existe des horizons conceptuels et méthodologiques pour l'étude de la poésie arabe ancienne dans son histoire.Le chercheur, le Dr Izz al-Din al-Namli a réussi à la comprendre, et pour cela nous avons lu son livre intitulé "La Poésie des Huddhili : une étude sémantique et pragmatique " à travers une approche critique dans laquelle nous sommes allés au-delà de la réalité vécue quotidiennement à la construction de l'acte imaginaire, en particulier le regard. Lié à la poésie du rêve, car il s'est appuyé sur la présence historique pour informer le lecture de la nécessité d'exprimer la symbolique inscrite dans les rituels, comme liant l'émotion du corps féminin au monde visible et sa formation au sein de la tribu poétique comme spectre et impression à travers l'image du rêve et sa réalisation dans la poésie et l'éloquence.

Le langage était-il capable de traduire la réalité des sentiments intenses qu'Al-Hudhali ressentait en lui envers la femme qu'il aimait ?

Mots-clés : Poésie hypocrite, virginité poétique, la femme idéale, filature virginale, azddine Namli

أولا: الشعر الهذلي بين الواقعي و المتخيل

إن الشاعر الهذلي  كان يقرض الشعر مأخوذا بسحر المرأة" المثال" المتمثلة في المخيال على شاكلة الشعراء الجاهلين حتى استحالت حلما رقيقا مخضبا بالأشواق ولهذا فميكانيزمات اللغة الشعرية الهذلية البيانية والبلاغية أبانت عن سلطتها لما باينت وتخلّصت من ثقل الواقع على شحناتها العاطفية.

  فالشعراء الهذليون لم يستوحوا لغة امرئ القيس وتشبيهاته وصوره وقيمه الجمالية وما استخدموا عباراته وألفاظه المسكوكة، فالمؤنث بالشعر الهذلي لا يمت إلى اتجاه حسّي بصلة ولا يصدر عن تجربة واقعية، وبذاك وجب انتفاء عناصر التمييز والتفارُق بين العصرين على المستوى المتخيّل الفنّي ، وهذا ما تمت ملاحظته مع الناقد الدكتور عز الدين النملي وهو يتجول في المداخل النصية المعجمية والدلالية للشعر الهذلي ليؤشر على الارهاصات الأولى لإنبثاق المنحى العذري بالشعر العربي وذلك من خلال تمفصلات كتابه وخاصة الصفحات الآتية من الكتاب:

الصفحات

الانهمام النقدي

من ص 120 إلى ص 127

 

هنا تساؤل المؤلف عن علاقة الغزل بالرثاء وذلك من خلال اقتران المرأة بالرثاء في قصيدة أبي دؤيب.

من ص 345 إلى ص 354 .

 

حددت هذه الصفحات الصورة الضعنية التي تمثلها الشاعر الهذلي لتوديع الراحلة وهي تحمل زمن فتنته  فأصبح المكان عنده دارس لغياب المعشوقة.

من ص 354 إلى ص 364

 

وتأتي هنا الصورة الطيفية كما حددها المؤلف د. عزالدين النملي شاملة مانعة ، حيث كنت أبحث عن شعر شاعر هذلي مفرد ، فوجدت شعر قبيلة إذ الشعر الهذلي يعبر عن رأي القبيلة وينطق بلسان كل فرد ويخلص لها.

من ض 364 الى 374

الصورة العسلية وما تحتويه من شعر رقيق بعيد عن الغموض الذي يتسم به الشعر الهذلي.

 

أليس في شعر الذؤبان رواسب من حياة القبيلة؟

لو كان شعر هذيل مرتبط بشاعر فرد لجال المؤنث داخله ملموسا متفتقة رياحينه في عز الضوء، لكن شعر قبيلة هذيل ذكر يحلم بما علق في اللاوعي فأنتج الهذليون ديوانا بطعم الجماعة يمتح من المشترك العام ويحفل بتمظهرات ثقافية عدة غطت على عاطفته الجياشة منها : ثقافة الحرب بما هي مؤسسة ثقافية لها أهميتها القصوى في حياة القبيلة ذات أبعاد منها السطو والصعلكة والثأر والجهاد.

يقول الشاعر خديفة بن أنس:

وكنا أناسا أنطقتنا سيوفنا *****لنا في لقاء الموت حدّ وكوكب

فقبيلة هذيل قبيلة الشعر أولا لأنها قبيلة حرب.

ولما عبر الشاعر الهذلي  عن الوجدان  في تجلياته تتحول القصيدة عنده إلى كائن شفاف يعيد صياغة الأسئلة، وهي أجوبة لخصتها بعض القصائد من 300 قصيدة يحفل بها ديوان قبيلة هذيل المتوفر على 4039 صفحة،

فهل تكفي كيمياء الأحاسيس للقول بوضوح ملامح الأنثى داخل القصيدة وخارجها؟

كيف انتشت اللغة الهذلية بقدرتها على التعبير عن نفس تلك الإحساسات ؟

إذا سلَّمنا بفرضية وجود المرأة المثال في المعتقدات الدينية والأسطورية بالبيئة الجاهلية، فإن عودة شعراء بني هذيل إلى نحث نفس الصورة الحُلمية للمرأة  تثبت وجود صورة أقدم للمرأة هي المثال أو الأصل الذي احتداه كل الشعراء، هذه المرأة الأيقونة، التي تضمَّنت كل الصفات الأنثوية المتحركة  بوجدان  ومخيال  الإنسان العربي ،وكانت عناصر الأنموذج كاملة يتجاذبه الحضور والغياب، الواقعي والمتخيل الشيء الذي جعل الشعراء الهذيليين يحتدون الأصل المفقود، عبر مقاطع شعرية تتلاقى فيها الخيالات الفاتنة والأماني العذبة والتطلعات القابضة على الجمر المنفلت.

فجاءت المواضيع التي تحدثت عن المؤنث بالشعر الهذلي كما قبض عليها الناقد د. عز الدين النملي راصدة ل:مفاتن المرأة، وقسوة الهجر، ونار الشوق، واللذة المحاصرة، والشهوة المقموعة.

والصورة النجم التي تطرق لها المؤلف تتحدث باستفاضة عن التعويض الذي لجأ إليه الشاعر الهذلي عن الغزل المباشر حيث أنشد طيف المرأة التي لا تظهر إلا في الليل بعد المنام.

وقد أسست تجربة الطيف أو تجربة الأرق شكل من أشكال التعويض عن الغزل المباشر ، وهي تجربة مشتركة بين العديد من شعراء هذيل المؤرّقين فلان قولهم وشفّ خطابهم وخلت جملهم من الغامض من القول وبذلك ساهمت المرأة في أناقة قولهم الشعري المرتبط بها :

  • ربيعة بن الكودن:

أفي كل ممشى طيف شمّاء طارقي *** وإن شحطتنا دارها فمؤرقي

  • مليح بن الحكم:

ومن يتعلق حب شيماء أو تكن ***    له شجنا يكبر حنينا ويشتق

ويهتج لذكراها إذا خطرت له    ***     وللبين منها والخيال المؤرق

 ويقول أيضا:

يجللها الأحمالَ غيد كأنما ***  جُلين بماء المُذهب المترقرق([1])

  • أمية بن أبي عائد:

وأيقنت حين استبنت الفراق *** أن لن نعود كما قد غنينا

  • ساعدة بن جؤية :

أهاجك مغنى دمنة ورُسوم *** لقَيْلة منها حادث وقديم([2])

لقد عبر هؤلاء في قصائهم بالديوان عن صور " تكشف عن الجنسية المحضورة والليبيدو المقموع، والتعبير عن حالة الاستقرار التي بات يمجُّها الروح الاجتماعي ابتغاء حالة حضارية أرقى"[3]

ثانيا :تأسيس العذرية الجمعية للشعر الهذلي

الحب العذري يحتاج إلى شروط نشأة وتطور منها: مساهمة القبيلة في إقصاء الجسد الأنثوي والحيلولة دون منحه صيغته الطبيعية للتفاعل والتحقُّق، فهذا المنع والتعطيل لفاعلية علاقة العشق وتحققها عبر المسلك الطبيعي، الزواج، هو الذي يجعل اللغة تأخذ دور الفاعلية التعويضية وتستعير لتقوم بتفجير المعجم وتوليد الخيال.

- ما هي دلالة ترعرع الغزل "الإباحي" بحاضرة الحجاز وانتشار العذري منه بباديتها؟

لقد اتخذ هذا البوح معنى المس بعفة القبيلة وشرفها في توجهه إلى امرأة واحدة " في مجتمع لم يكن قد تحلل من نزعات البداوة وخصوصا نزعة الاعتقاد بأن المرأة دون الرجل ومُجلبة للعار، فأحاطها بسوار من الأوهام لا ينبغي لها تجاوزه، ولذلك منعوها من الحب...وبالتالي، أسقطوا من عالمها حب الرجل لها، وبثِّه إيّاها نجواه وشكواه، لأن في ذلك استباحة تُقلق القبيلة كلها، وتنال من كبريائها"([4]) .

فمن خصائص الشعر العذري العفيف عند العرب، التعبير عن مرارة السهر والأرق وعن مشاعر الألم والمعاناة لدى الشاعر وذلك يعود إلى فراقه عن معشوقته والبعد عنها جراء عوامل قصرية فقد قال امرئ القيس (مجنون ليلى)

أظلّ رزيح العقل ما أُطعمُ الكرى***** وللقلب منّي أنّة وخُفوقُ

وقد جاءت صورة المرأة عند الشعراء العذريين تقليدية تمتح من العناصر الفنية لصورة المرأة في الجاهلية فإذا كان  ذي الرمّة وهو الناسك في محراب الحب المسبِّح بآياته في وصفه "ميّ" عن الصورة التي كانت تسكن مخيلة امرئ القيس " فاطمة" والنابغة الذبياني "نعم "وطرفة بن العبد " خولة " حيث شبّه الاقدمون المرأة بالظبية ولم يخرجو من نسق هذا التصور وإن كان قد أضاف ذي الرمة إليها أضواء جديدة من شعاع الضحى فبدت صورتها أحلى وعشقها أمتن،

فجاءت صورة المرأة في الشعر الهذلي حاضرة في المخيال غائبة جسديا وواقعيا.

  • سهم بن أسامة بن الحارث الهذلي" أم نوفل ":

ألا أرقتنا بالسُّرى أم نوفل *** فأهلا بذاك الطارق المتغلغل([5])

  • ربيعة بن الجحدر أم مسافع" :

أنّى تسدى طيف أم مسافع *** وقد نام يا ابن القوم من هو ناعس([6])

  • أبو شهاب المازني" أم عامر" :

ألا يا عناء القلب من أم عامر *** ودينته من حُب من لا يُجاور

  • أمية بن أبي عائد " زينب":

ألا يا لقوم لطيف الخيال *** أرّق من نازح ذي دلال

خيال لزينب قد هاج لي *** نُكاسا من الحُب بعد اندمال

  • ربيعة بن الكودن  ومليح بن الحكم "شمّاء"

أفي كل مُمْسى طيف شمّاء طارقي *** وإن شحطتنا دارها فمؤرقي([7])

  • عبد الله بن مسعود الهذلي" عثمة":

تغلغل حب عثمة في فؤادي *** فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شرابُ *** ولا حُزْن ولم يبلغ سُرور

  • ساعدة بن جؤية " دمنة"" أم معمر"

أهاجك مغنى دمنة ورُسوم *** لقَيْلة منها حادث وقديم

ثالثا: المرأة الهذلية في مضمار الفحولة الشعرية .

إن صورة المرأة المثال في وجدان الهذلي  شعريا قد حملها النسق الثقافي المفتوح على الاستفحال اللغوي المترسخ إلى استكناه صورة النسق المُهيمن، فصورة المرأة المثال قد انغرست في الوجدان العام الثقافي العربي وخلقت لدى الوعي الشعري عدم إمكانية خروجه عن أنموذج الفحولة الشعرية للقبيلة.

فليس في طبع الثقافة الذكورية أن تتحمل أو تقبل (واقعية) الجسد المؤنث، ومن الضروري لهذه الثقافة أن يكون التأنيث قصيا ووهميا وطيفا لكي تظل الأنوثة (مجازا) ومادة للخيال والحلم ،في هذه الحالة-فقط- تكون الأنوثة جذابة ومطلوبة في المخيال الثقافي ،وتنتهي جاذبيتها بمجرد تحوّلها إلى واقع محسوس.

خاتمة

شخصية المرأة في الشعر الهذلي جاءت مضمرة متدثرة بسدول الليل تُعيد الرغبة بالعلاقة مع الرهبة إلى أصل العشق الأصلي بما يتجدر لدى الوعي العام العربي من خصوبة وكمال الصفات لدى أصل النسق الثقافي  تلك العودة التي وإن أثنت العربي عن الاستمرار في شبقيته وأزهدته في تهتك الجواري ، كانت هي التحول الثقافي الذي صنع شعراء النسق كما رسّخ الأعراف الجاهلية الشعرية والقيمية لدى جميع عصور الشعر العربي، حيث استمر هذا الغزل العذري العفيف مع الهذيليين حتى العصر الأموي مع شعراء مثل: مليح القردى وعبد الله بن مسلم بن جندب وأبو صخر الذي روى عنه ابن تمام مقطوعتين غزليتين وأمية بن أبي عائد.

الهوامش

 

[1] - شرح أشعار الهذليين، ج3 ص 999-1000

[2] - شرح أشعار الهذليين، ج3 ص 1157-1158

[3] - يوسف اليوسف ، مقالات في الشعر الجاهلي ، دار الحقائق للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، د.ت.ط، ص 161.

[4] -  د. عبد النور ادريس، الجسد المؤنث في وجدان الشعر العربي، منشورات بيت الأدب المغربي، مطبعة سجلماسة ، مكناس، ط1، يناير 2012، ص 39.

[5] - شرح أشعار الهذليين، ج2 ص 522.

[6] - شرح أشعار الهذليين، ج2 ص 641-642.

[7] - شرح أشعار الهذليين، ج2 ص 655.

أناقة الوجدان الشعري  وتأسيس العذرية الجمعية في الشعر الهذلي
Partager cet article
Repost0
19 mai 2022 4 19 /05 /mai /2022 22:16
الكتابة النسائية من السنن الثقافي إلى النسق النقدي -قراءة في كتاب للدكتور عبد الرحيم وهابي

الكتابة النسائية من السنن الثقافي إلى النسق النقدي
-قراءة في كتاب للدكتور عبد الرحيم وهابي-

 

د. ادريس عبد النور

 

أستاذ باحث  بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب
أستاذ مادة اللغة العربية وعلوم التربية والنقد النسائي
Abdennour.driss@gmail.com

 

ملخص
الكلمات المفاتيح: السرد النسوي- السرد النسائي- النقد الأدبي- السنن الثقافي-عبد الرحيم وهابي
إن دوافعي لقراءة هذا الكتاب الموسوم ب "السرد النسوي العربي من حبكة الحدث إلى حبكة الشخصية" للدكتور عبدالرحيم وهابي، يختلط فيها المعرفي بالشخصي حيث لا تشكل هذه القراءة إحاطة كلية بالوقائع النقدية للكتاب، كما أنها لا تدعي الإحاطة الشاملة لهذا النص المتميز والمرجع المهم في المجال، وقد أقف عند حدود ما هو معرفي لأركز على عناصر بعينها من حيث المساءلة باعتبارها تشكل نسقا فرعيا داخل البناء المعماري للكتاب، وقد يكون طموحنا في هذه القراءة هو تتبع المسار التي تشكلها ذات الناقد في الفعل النقدي


Mots clés : narration féministe - narration féminine - critique littéraire - Sunan culturel - Abderrahim Wahabi


résumé
Mes motivations pour la lecture de ce livre intitulé "Le récit féministe arabe de l'intrigue de l'événement à l'intrigue du personnage" du Dr Abderrahim Wahabi, dans lequel le savoir se mêle au personnel, car cette lecture ne constitue pas un briefing complet des faits critiques du livre, il ne prétend pas non plus couvrir de manière exhaustive ce texte distingué et la référence importante dans le domaine, et je me suis arrêté aux limites de ce qui est cognitif pour me concentrer sur certains éléments en termes de responsabilité car ils constituent un sous-forme au sein de la structure architecturale du livre, et notre ambition dans cette lecture peut être de suivre le cheminement tracé par le même critique dans l'action critique.

 

   أولا السنن الثقافي

من ناحية موضوع هذا الكتاب فهو مخصص  لدراسة السرد النسوي العربي، وهو قوام شائك يعود لكتابة المرأة وما مرت به من مراحل وتطورات متباينة، وبقدر ما لا يعنينا الدخول في تفاصيل هذه المراحل نقف على حافة المفهوم أدب نسوي عند الأستاذ عبدالرحيم وهابي ، حيث تطرق المؤلف لمواضيع متفرقة من كتابه وخاصة الإشارات التي جاءت أساسا كاقتباسات ، وهو يتحدث عن خصائص السرد المؤنث مصورا المغلق ومهتما بالتفاصيل الصغيرة للجسد الأنثوي وغرف النوم، و بهذا يمكن اعتبار الرواية النسوية العربية كما جاءت داخل المتن: " قناعا للسيرة الذاتية، تعتمد على البوح بحميمية الذات وأسرارها ... مع الاعتماد على الاستبطان، والتمثل لموضع الوجع لديها، فكتابتها نبض للقلب، وانفتاح على الداخل" (1).
ومن خلال استقرائنا لجل النصوص السردية التي اعتمدها المؤلف والتي يزخر بها الكتاب بما هي مجهودات جبارة لرصد خريطة الكتابة النسائية على امتداد العالم العربي، يبدو أن هذه الكتابة ما تزال مهووسة بيوميات متشرنقة داخل الجسد ولا تخلو من تكرار هذا المنظور على مستوى المنهج، فخطاب هذه السرود كما جاء على لسان جيرار جينيت يمكن ان يقول مرة واحدة ما وقع مرات لا نهائية حيث يقول: "على سبيل التبسيط يمكن القول أن حكاية أيا كانت يمكنها أن تروى مرة واحدة ما وقع مرة واحد، ومرة واحد ما وقع مرات لا نهائية، ومرات لا نهائية ماوقع مرة واحدة، ومرة واحدة ما وقع مرات لا نهائية"(2 ).
لا بد أن نضع نصب أعيننا واقعة منهجية اعتبرها أصلا في مقاربتي كتابة المرأة وهي تتعلق بكتابة الرجل حيث لا يمكن أن نضعها مقياسا للكتابة المحتذاة وإلا سنقيس كتابة المرأة كهامش بالنسبة لمركزية الرجل.
وإذ نتبنى ونقترح مصطلح "الكتابة النسائية" نعتبر أن هذا المطلح يقوم فقط بدور تصنيفي، فهو يمكننا من رصد خصوصيات هذه الكتابة على اعتبار أن مصطلح الكتابة النسائية يؤكد بالخصوص على أن للمرأة الكاتبة تصورا مختلفا للمسكوت عنه بمقدار الفروق الفردية بين الجنسين، واعتقد أن اللبس الحاصل في رنين المطلح والمفهوم ماهو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتيتن: صيغة (الأنثى والكتابة) وصيغة (المرأة والكتابة).
فالصيغة الأولى (الأنثى والكتابة) تركز على أهم خاصية لدى المرأة وهي الأنوثة وتلخص المرأة في صفتها الجنسية ولاتجعل الدائرة تتجاوز الطرح المقتصر على الأنوثة والذكورة في بعدهما الطبيعي، أما بالنسبة للصيغة الثانية (المرأة والكتابة) فإنها تستند على مخرجات مقاربة النوم الاجتماعي وتعتبر في المرأة الجنس و الكيان و الشخصية القائمة على البناء الثقافي حيث الكتابة واجهة تحررية من التصورات السائدةـ فالقول بكتابة إبداعية نسوية/نسائية تمتلك هويتها وملامحها الخاصة يفضي إلى واحد من حكمين:
أ‌-    إما كتابة ذكورية بقلم مذكر أو مؤنث/قاسم أمين/ تمتلك هذه الهوية والكيان والخصوصية وهو ما يردها بدورها إلى الفئوية النسوية.
ب‌-    وإما كتابة بلا خصوصية جنسية أي كتابة خارج الفئوية مما يسقط الجنس كمعيار للتمييز.
•    هل مصطلح" الكتابة النسائية، داخل الممارسة الاجتماعية، يتمكن من خلاله الناقد معرفة حدود تواجد المخيال الذكوري في المنتوج الإبداعي النسوي على اعتبار أن التنشئة الإبداعية للأنثى كانت من مشملات الثقافة الذكورية؟
•    هل صيغة المؤنث كافية لتحديد التصور النسائي للعالم؟
    ثانيا الناقد النسائي: حدود القراءة
يبدو أن الاهتمام بالكتابة النسائية يتطلب التسلح المعرفي بالقضايا الجندرية واللغوية خاصة أخذ الحيطة والحذر مما تنتجه اللغة من معاني تحجرت في المعجم الذكوري وهذا ما لمسته في ثنايا كتاب الدكتور عبدالرحيم وهابي "السرد النسوي العربي" وهو المختص في قضايا اللغة والتواصل وتحليل الخطاب وهو ينقش في وعينا النقدي ويصور المغلق وفاعلية الحواس وشاعرية الحلم وأزمة ميديا ويصور الجسد الآثم وعقدة البكارة ليحيك للجسد المؤنث قيمة ثقافية فكان المؤلف يصغي إلى الشفرات المؤنثة المبثوثة في النصوص السردية التي اعتمدها مدركا لإيحاءاتها، لا على مستوى البناء التشريحي الفيزيولوجي أو ببنائها الثقافي والاجتماعي.
    ثالثا النسق النقدي: النقد النسائي/النقد النسوي
إن الكتابة التي تكتبها المرأة عند الوهابي مفتوحة على مستوى التجنيس حيث استقطبت وجهات نظر متعددة /أدب نسائي/أدب أنثوي/أدب نسوي من حيث أن كتابة الجسد التي انخرطت فيها المبدعة يمتلك هويتين الأولى ساهمت في تأسيس الثانية وحددت ملامحها، فأصبحت كتابة الجسد  writing bodyكما لمسها المؤلف من خلال استشهاداته والروايات التي قرأها مرتبطة أشد الارتباط بالخرق السوسيو- ثقافي حيث تتمثل الثقافة العربية جسد الأنثى بما هو موضوع ملتبس بسبب ثقل المحظورات التاريخية وطغيان ثقافة التحريم على آليات الإبداع,
 وليس اعتباطا أن يخصص الباحث الفصل الرابع للحديث عن الجسد والجسد الأنثوي خاصة ليقف على حقيقة مفادها أن هذا الجسد قبل تسريده كان يرزح تحت وضعية بدئية لا تحيل إلا على ما هو وظيفي متعي يعود بالجسد إلا حالاته الملآى بالرغبات وأوهام الذات، وهي كلها تمظهرات تقع ضمن دائرة المحظور والممنوع والمحرم من طرف المنتفع (المذكر).
ولهذا كان الجسد الآثم محددا لهذا الفصل الذي حاول عبر صفحاته (127-161) أن يستعيد لهذا الجسد قيمته الثقافية بالرغم من أن الكتابة في الكثير من النصوص القديمة والحديثة كتبت أو حكت بلغة القاموس المذكر وليس بلغة الأنثى، وبالتالي فالنساء الكاتبات رغم تعددهن واحدة أي كلهن شهرزاد وكل الحكايات حكاية واحدة.

    رابعا التلقي وآلية الدفاع الذكورية
وإذ يصرخ الجسد داخل النص منكتبا يتلصص المتلقي ليستمع بنتوءاته داخل الحقل الأدبي حيث تتمتع الكاتبة في جنس السرديات بحس فني مغاير يجترح من الكتابة بناءاته ودلالات نصية تتطلع على مستوى الأشكال والمضامين والاستطيقا إلى الحديث عن الذات بضمير المتكلم حتى تخال أن كتابتها إقرار واعتراف بشبهة النص وتأويلاته وكأن كتابة المرأة اعتراف صامت بما أن جسدها ذو قيمة أيروتيكية قي الثقافة الذكورية، " فضمير الغائب لا يملك سلطان التحكم في مجاهل النفس، وغيابات الروح، على حين أن ضمير المتكلم بما هو ضمير للسرد المناجاتي يستطيع التوغل في أعماق النفس البشرية" ( 3) حيث أن الأشياء الحميمة نكتبها ولا نقولها كما يقول هنري ميشو. ويشكل المجال العشقي أهم تيمة يحفل بها النص النسائي باعتبار أن حديث المرأة في العلاقات العاطفية يعد بمثابة خرق للمسكوت عند اجتماعيا حيث يصنّف الحب داخل الاعراف والعادات والتقاليد المجتمعية جريمة أخلاقية، ولم تهتم المرأة بالحرية في الحب إلا لكونه يحقق لها الاختلاف والتميز بالرغم مما يشكله من خرق وما يمثله من محظور في العرف الاجتماعي والقيم الأخلاقية الدينية.
ولم يكن لنسقية البناء النقدي عند الدكتور عبدالرحيم وهابي إلا أن يصل إلى نتيجة تحفل باستطاعة الكاتبة وعن طريق اللغة أن تستعمل بفنية التقطيع الفيزيولوجي لجسدها وهي تنيبه في الكتابة عن نفسها، حيث انكتب عنها داخل النص نظرا للعلاقة الخاصة والمتشكلة ما بين المرأة الذات والمرأة الكاتبة وما بين جسدها وموضوع الكتابة، وكأن على كل نص نسائي أن يحقق ذات الساردة بما هو ممتلئ بجينات شهرزادية يتم التفاعل معها بصيغة المفردـ قربته اللغة من عقل الرجل حيث نتج عن فعل التلاقي هذا ولادة الأنثى الرمزية بصيغة الجمع تملك فيه الكاتبة القول والفعل.
وإذ يتحدث الفصل الخامس من كتاب (السرد النسوي العربي) عن ما ورائية القص في السرد النسوي العربي يضع المؤلف يده على اشكالية تلقي المسرودة النسائية حيث توضع على المفترق بين الواقعي و المتخيل إذ " تغذو المسألة حساسة، عندما تربط بين ما تكتبه المرأة وبين ما تعيشه في الواقع، فأن تكتب المرأة عن تجربة المرأة وبين ما تعيشه في الواقع، فأن تكتب المرأة عن تجربة الحب، لا يعني أنها تنقل تجربة عاشتها في الواقع" ( 4)ليخرج الأستاذ عبدالرحيم وهابي بخلاصة يؤكد فيها ضرورة تخليص أدب المرأة من هذه المحاكمة الظالمة.
وحيث أن التفسير النقدي يؤكد جدل الانتقال بين ثوابت النص ومتغيراته المتعاقبة والمتزامنة، فالنص النسائي بهذا المعنى يتحرك في اتجاه خلق ردود فعل القارئ التي تكون حسب بيير زيما مستقلة عن سياق نشأة النص وغير مستقلة عن بنيته بمعنى غير مستقلة عن الثوابت الدلالية والأساليب السردية، أو قارئ خارج التخييل كما قالت سوزان لانسر.
فالقارئ هنا يأتي النص من خلال مرجعياته التي تحدد بدورها المعطيات النهائية لتفسير شفرات النص وهي مرجعيات تتمحور حول المركز حيث تلخص الانسانية في الرجل" فالإنسانية في عرف الرجل شيء مذكر، فهو يعتبر نفسه يمثل الجنس الانساني الحقيقي.. أما المرأة فهي تمثل في عرفه الجنس الآخر" (5 ).
وإذ يتطرق المؤلف إلى قضية الحبكة خاصة وهي بين حبكة الحدث وحبكة الشخصية، يركز   مرافعته هاته لصالح هذه الكتابة وكأنني به يريد أن يؤرخ لمرحلة متأخرة من كتابة المرأة حيث قال : "لقد صار جسد المرأة في الكتابة النسوية مثقفا، يعرف حقوقه وواجباته، ويعرف كيف يحترم ذاته، ويستمتع بوجوده، ولم يعد سلعة، أو هدف... ولم نعد نجد في كتابة المرأة وصفا للجسد، بقدر ما صرنا نراه في حالة فعل، يتحرك، ويشعر، ويقرر ويعاني الكثير" (6 ).

    رؤية وبعد نقدي متفرد وكأنه يميز بين

   نص يعيش داخل الجسد كمتغير ثقافي
 
نص التحرر عبر الجسد  النص التحرري
رضوى عاشور في رواية ثلاثية غرناطة
إننا أمام هجنة تؤكد على تحدي التقاليد الذكورية عبر التناصات التاريخية لالتهام الآخر
ليلى بعلبكي
 تم تطعيم الجسد كوسيلة خرق لسلطة الآخر.
خناتة بنونة
إشارة وجود من أجل إثارة انتباه الآخر ومساهمتها في تحرير أخيها العبد.

  

ولهذا تشتغل الساردة بالحكي وفق منطق يجعلها منفصلة عن المؤلفة "فما لا يستطيع البطل أن يقوله لا يستطيع المؤلف أن يخبر به" كما قال مارتن والاس في كتابه نظريات السرد الحديثة،فما على المؤلفة للمسرودة النسائية سوى أن تتشبث بالحضور الواعي للساردة باعتبارها منتجة للنص من الداخل.
ولما يعجز المتلقي الذكر للمسرودة النسائية عن إعادة صياغة فعل الحكي الخاصة وتطعيم واقعيتها بالتخييل تمارس القارئة ما أسماه روبير اسكاربت بمطالعة هروب حيث تنضاف القارئات إلى جانب المتلقين بشكل كبير يقول "إن تصرف القارئات يبدو، في جميع الطبقات الشعبية، متجانسا أكثر من تصرف القارئين " ( 7).
خاتمة
 إن النسق النقدي عند الدكتور عبدالرحيم وهابي في كتابه الموسوم بالسرد النسوي العربي من حبكة الحدث إلى حبكة الشخصية ومن خلال مجموع الفصول داخله، تشكل السند الرئيسي الذي تقارب من خلاله هذه الكتابة حيث تواجد مستويين:
 يحدد الأول للأستاذ وهابي قدرته على الغوص في بنية السرد النسائي العربي من خلال  رصده لسرود نسائية غطت خريطة العالم العربي ومن ذلك فإننا لا نستطيع أن ندرك ما يحتوي عليه الواقع إلا من خلال ما يجود به اللسان.
كما يتشكل الثاني في البناء النمذجي لهذه الكتابة التي تسمح لقارئ هذا الكتاب أن ينتقل من العالم الواقعي إلى عالم الممكنات .
وفي الأخير لا يمكن إلا أن نقول على لسان الشاعر ميشو " في غياب الشمس تعلم أن تنضج داخل نص نسائي"
المراجع

    1. الأخضر بن السائح، سرد المرأة وفعل الكتابة 2012، دراسة نقدية في السرد وآليات البناء ، دار التنوير، الجزائر، ط1، 2012، ص 54..
    2. جيرار جينيت، خطاب الحكاية بحث في المنهج، ترجمة محمد معتصم، عمر حلي، عبدالجليل الأردي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1996 ص 130.
    3. عبد المالك مرتاض، في نظرية الرواية، ص 185.
    4. عبدالرحيم وهابي ، السرد النسوي العربي، ص169.
    5. سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر، ص 6.
    6. نفس المرجع السابق، السرد النسوي العربي،  ص158.
    7. روبير اسكاربت، سوسيولوجيا الأدب، 121

    

د. ادريس عبد النور

د. ادريس عبد النور

Partager cet article
Repost0
13 mai 2022 5 13 /05 /mai /2022 12:34
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

مدونة الأسرة والتشريع المغربي
وضعية المرأة القانونية والسوسيولوجية
بين النفقة والحضانة

د. ادريس عبد النور
دراسة محكمة


تصميم الدراسة
المبحث الأول: الضوابط السوسيولوجية وإستراتيجية البناء
المبحث الثاني: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الموضوعية
المطلب الأول:  التعريف بالنفقة والسند الفقهي
المطلب الثاني- التعريف بالنفقة والسند القانوني
المطلب الثالث- سبب الالتزام بالنفقة
المبحث الثالث: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الإجرائية
المطلب الأول: مشتملات النفقة
المطلب الثاني: إثبات النفقة وتقديرها
المطلب الثالث: سقوط النفقة عن الزوج ووقفها.
المطلب الرابع: دائرة وجوب النفقة بالقرابة
المبحث الرابع: الضوابط القانونية السوسيولوجية للحضانة
المطلب الأول: التعريف بالحضانة والسند الشرعي والقانوني
المطلب الثاني: شروط الحضانة.
المطلب الثالث: أسباب سقوط الحضانة
المبحث الخامس : مواد تدخل النيابة العامة فيما يتعلق بالنفقة والحضانة.
خاتمة

الكلمات المفاتيح: مدونة الاسرة، النفقة، الحضانة، الشريعة، القانون المغربي

ملخص
إن الصورة الأبوية التي عكستها تصورات المذهب المالكي العميقة حول المرأة من جهة واعتبارها كائنا دونيا في خدمة العنصر الذكوري وحول  صورة الرجل من جهة ثانية و بما يحمله مفهوم القوامة من معطيات نفسية ، اجتماعية وثقافية وبالرغم من كل التحولات الماكرو- سوسيولوجية، جعلت بيت الزوجية جحيما بسبب توتر العلاقات وحدّة الخلافات حول مسؤولية الإنفاق وتحديد القائم به في حالة عمل الزوجة هذا بالإضافة إلى ما جاء في دراسة ذة.رحمة بورقية التي تطرقت إلى أن بعض الزوجات يستغللن ذلك الإقرار القانوني للقوامة للزوج للامتناع عن الإنفاق عندما تتوفر لهن الإمكانيات في حالة يسرهن وعسر الأزواج ، وفي حالات كثيرة معروضة على محاكم المملكة استُعملت القوامة في حالة عجز الزوج كذريعة لإذلاله والتشهير به.

سأعتمد في تحليل هذا الموضوع "الضوابط القانونية والسوسيولوجية للنفقة والحضانة" على مقاربة نصية تحليلية شاملة تتجاوز الاهتمام بالمستجدات فقط، على اعتبار إن السياق الذي أُدرجت فيه تلك التغييرات يشكل جزءا من النسق العام للمدونة، و على ضوء معطيات الواقع الاجتماعي دون إغفال التأصيل الفقهي للموضوع والتعاطي القانوني مع مواد المدونة نحو خلق انسجام للمدونة مع نفسها ومحيطها الاجتماعي على أساس أن الإنسان أصبح قطبا مركزيا في تعديلات همّت قضايا الأسرة كان همها الاستراتيجي يتمحور حول: رفع الحيف عن النساء، حماية الأطفال والحفاظ على كرامة الرجل وصيانتها.

Mots-clés : code de la famille, pension , garde, charia, droit marocain

résumé
L'image patriarcale qui se reflétait dans les perceptions profondes de l'école de pensée Maliki sur la femme d'une part, et la considérant comme un être inférieur au service de l'élément masculin, et sur l'image de l'homme d'autre part , et avec les données psychologiques, sociales et culturelles que porte le concept de tutelle, et malgré toutes les transformations macro-sociologiques, ont fait du domicile conjugal un enfer vivant.En raison des relations tendues et de l'acuité des disputes sur la responsabilité des dépenses et déterminer qui en est responsable dans le cas du travail de l'épouse, en plus de ce qui était indiqué dans l'étude Rahma Bourqiah, qui mentionnait que certaines épouses profitent de cette reconnaissance légale de la tutelle du mari pour s'abstenir de dépenser lorsqu'elles ont les moyens en cas de leur bonheur et les difficultés des maris Dans de nombreuses affaires devant les tribunaux du royaume, la tutelle est utilisée en cas d'incapacité du mari comme prétexte pour l'humilier et le diffamer.
.

Dans l'analyse de ce sujet, "Contrôles juridiques et sociologiques de la pension alimentaire et de la garde", je m'appuierai sur une approche analytique textuelle globale qui va au-delà de l'attention aux seuls développements, étant donné que le contexte dans lequel ces changements ont été intégrés fait partie de la schéma général du Code, et à la lumière des données de la réalité sociale sans négliger l'enracinement doctrinal du sujet et l'interaction juridique avec les articles de la Moudawana, vers l'harmonie du Code avec lui-même et son environnement social sur la base que l'être humain est devenu un pôle central des amendements qui concernaient les questions familiales, sa préoccupation stratégique s'articulait autour de : la suppression de l'injustice à l'égard des femmes, la protection des enfants et la préservation et le maintien de la dignité des hommes.

المبحث الأول: الضوابط السوسيولوجية وإستراتيجية البناء
  لم تستطيع اللجنة العلمية التي تشكلت لمراجعة نص المدونة سنة 1993 أن تخرج من هالة التقديس المحيطة بنص مدونة الأحوال الشخصية  باعتباره قانونا وضعيا حيث أنها اختارت التعديل الشكلي " الذي لايحفظ الفلسفة العامة لمدونة 1957 فحسب، بل يضمن استمرارية آثارها العملية والمجتمعية" ( 1)،حيث النص الفقهي يستحكم قبضته على المجتمع عوض أن تتحكم التحولات بعمق البنيات المجتمعية في هذا النص الذي استوطن العقليات فبات المنتوج الفقهي يُنظر له كأنه  من طبيعة ثبات المجتمعات الإسلامية
    إن السوسيولوجية القانونية كمنهجية أكدت وتؤكد أن تغيير القوانين يرتبط أساسا بما يعرفه المجتمع من تغيير في بنياته السوسيو- ثقافية ، بينما نجد إن المجتمعات الإسلامية وعلى مستوى التعاطي مع القضايا المتعلقة بالأسرة كان يستحكم فيها الفقهاء بتكرار نفس الأحكام بمقياس وحدة المضامين الاجتماعية ،" بل وكانت بعض القضايا تتكرر من كتاب فقهي إلى آخر ، تتكرر في بعض الأحيان بتناص يكاد يكرر نصُّ نصا آخر"(2 ).
وقد أعطت ذة. رحمة بورقية مثالا عن ذلك يتعلق بكتاب " معيار الونشريشي" الذي يكرره كتاب آخر من النوازل للمهدي الوزاني بنفس الحجم بل وبنفس المضامين أيضا.
    إن دخول مدونة الأسرة قبة البرلمان باعتبارها نصا قانونيا مؤسسا للمجتمع الديمقراطي الحداثي، مقرونة بالتوجهات العامة لجلالة الملك التي وردت في خطابه الملكي ليوم 10 أكتوبر 2003 بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الثانية من الولاية السابعة والتي يشير فيها إلى إنصاف المرأة وحماية حقوق الطفل وصيانة كرامة الرجل مع الانفتاح على روح العصر ومتطلبات التطور والتقدم  وقد ركز الخطاب الملكي على ما يتعلق بالحضانة والنفقة في النقطة الثامنة من المنطوق الملكي جاء فيه " الحفاظ على حقوق الطفل بإدراج مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب في صلب المدونة، هذا مع اعتبار مصلحة الطفل في الحضانة من خلال تخويلها للام ثم الأب ثم لأم الأم. فإن تعذر ذلك، فإن للقاضي أن يقرر إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية، كما تم جعل توفير السكن اللائق للمحضون واجبا مستقلا عن بقية عناصر النفقة، مع الإسراع بالبث في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد"
     كما حظيت المدونة بدعم مستمر من طرف جلالته الذي واكب مشروع المدونة منذ أول خطاب له في شهر غشت 1999 الذي أوضح فيه أنه  لا يمكن ضمان التقدم والازدهار في الوقت الذي تتعرض حقوق النساء اللواتي يمثلن نصف المجتمع للإهانة   
إن التحسن الذي تعرفه الأسرة المعاصرة في مستوى العيش وانخراط أفرادها في منظومة الاستهلاك، أثر بشكل كبير في توزيع الأدوار بين الزوج والزوجة و الأبناء ولقد تطرقت ذة.رحمة بورقية إلى إنه " بالرغم من هذا التأثير فالتصورات المجتمعية والثقافية ما زالت تنظر إلى الزوج مثلا مصدرا وحيدا للإنفاق على البيت والأطفال" (3 ) .
    إن الصورة الأبوية التي عكستها تصورات المذهب المالكي العميقة حول المرأة من جهة واعتبارها كائنا دونيا في خدمة العنصر الذكوري وحول  صورة الرجل من جهة ثانية و بما يحمله مفهوم القوامة من معطيات نفسية ، اجتماعية وثقافية و بالرغم من كل التحولات الماكرو- سوسيولوجية، جعلت بيت الزوجية جحيما بسبب توتر العلاقات وحدّة الخلافات حول مسؤولية الإنفاق وتحديد القائم به في حالة عمل الزوجة هذا بالإضافة إلى ما جاء في دراسة ذة.رحمة بورقية التي تطرقت إلى أن بعض الزوجات يستغللن " ذلك الإقرار القانوني للقوامة للزوج للامتناع عن الإنفاق عندما تتوفر لهن الإمكانيات في حالة يسرهن وعسر الأزواج" (4 ) .
وفي حالات كثيرة معروضة على محاكم المملكة استُعملت القوامة في حالة عجز الزوج كذريعة لإذلاله والتشهير به.
    لقد حررت مدونة الأسرة عبر المادة 199 المجتمع من المفهوم النفسي والاجتماعي للقوامة والتي كانت مرتبطة بالرجل وتركت آثارا بالغة لدى تمثلات كل من الزوج والزوجة حول مسؤولية بيت الزوجية .إن هذه المادة تحاول بناء الأدوار داخل الأسرة بشكل جديد تتحرر معه المرأة (العاملة) أمام المجتمع من الحرج الاجتماعي والنفسي في حالة قبولها التزوج من عاطل و الإنفاق عليه.
    إن مفهوم القوامة يعكس تصورا بتريركيا يقوم على الاحتباس والاستمتاع ومبدأ الطاعة مقابل الإنفاق ، وهذه التصورات مجتمعة لا تحقق مجتمعا متوازنا يحقق للأسرة تساكنا شرعيا بين جل أطرافها، وقد نصت المادة 51 التي جاءت بالعديد من المصطلحات في هذا الباب على تنشيط مفاهيم أخلاقية ذات مستوى عال بمنظومة القيم الاجتماعية مثل : المساكنة الشرعية، معاشرة زوجية، المعاشرة بالمعروف، تبادل الاحترام، المودة ، التشاور في اتخاذ القرار، حسن المعاملة...) وقد نصت هذه المادة في فصلها الثالث على اقتسام المسؤولية بين الزوج والزوجة في تسيير ورعاية شؤون بيت الزوجية، " تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال".
ولقد حافظت مدونة الأسرة على ما يقارب 90 في المائة من مقترحات "الخطة الوطنية من أجل إدماج المرأة في التنمية" التي توخت النهوض بأوضاع المرأة المغربية بمبادرة من كتابة الدولة في التعاون الوطني سنة 1998 وبدعم من البنك الدولي وبإشراك الجمعيات النسائية التي حرصت على إلغاء مختلف مظاهر التمييز ضد النساء .
وقد اتسمت عملية الإعداد باعتماد مقاربة شمولية: مقاربة النوع /جندر/  (5) كأداة منهجية  شملت مرحلة التصور والصياغة النهائية(6 )،
    إن هاجس مدونة الأسرة الأساسي يهدف إلى جعل المجتمع يتجاوز عقدة التفوق الذكوري نحو إقرار التوازن "الكامل" بين الزوجين الذي تؤطره ثقافة جديدة تنهل من ثقافة المساواة بين الجنسين والعلاقة التشاركية بينهما، بذلك فلم يبق للمبدأ الفقهي القديم الذي يربط مسألة الإنفاق بالاستمتاع قائما على اعتبار أن كل من الزوجين يستمتع بالآخر وهذه الخلاصة تعتبر من ضمن الاستنتاجات الجندرية الرائدة في هذا الباب على أساس أن الاختلاف المُفترض بين الذكر والأنثى على مستوى الجنس هو اختلاف ثقافي واجتماعي تُذكيه أسطورة الرجل الفحل وليس بيولوجيا وفسيولوجيا.
    ومن ذلك حاولت مدونة الأسرة أن تُضعف من التفضيل التقليدي لذكورية قيم المجتمع التي حضرت بقوة بمدونة الأحوال الشخصية والتي أعلنت وفق سياق فقه المالكية عن هوية مُتَعِيَة للمرأة مشمولة بالتصورات  الفقهية للعالم الذي يُشَيِّء جسد المرأة ويجعل عملية الإنفاق بما هي استمتاع من قبل الرجل بالجسد الأنثوي تذوب معه الزوجة في حالة العجز أو المرض أو الشيخوخة.
المبحث الثاني: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الموضوعية
المطلب الأول:  التعريف بالنفقة والسند الفقهي

    □ تجب النفقة على الزوج انطلاقا من الحكم التعبدي المنصوص عليه بالكتاب والسنة والإجماع ، يقول تعالى" ولينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها" (الآية 7 سورة الطلاق)، ويقول أيضا: " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم" (الآية 6 من سورة الطلاق)
    وقد روى أبو داوود عن معاوية القشيري قال" أتيت رسول الله (ص) فقلت ما تقول في نسائنا؟ قال :" أطعموهن مما تأكلون واكسوهُنَّ مما تكتسون.."
وقد عزا الفقهاء سبب إنفاق الزوج على زوجته ما تضعه بين يديْ زوجها من استمتاع ولما له عليها من حقوق الاحتباس والطاعة، وقد جاء بشرح مختصر الخليل قوله في باب النفقة" وسقطت إن أكلت معه أو منعت الوطء أو الاستمتاع أو خرجت من غير إذنه"
ويتحقق الاحتباس المبرر للنفقة حسب التفسير الفقهي بمجرد دعوة الزوجة زوجها إلى نقلها بيته بعد إبرام العقد.
    إن هذا الثلاثي : الاحتباس، الاستمتاع والطاعة أصبح في ظل الظروف المستجدة قابلا للنقد ، ولعله ومما يتنافى مع ميثاق عقد الزوجية أن تُختزل هذه العلاقة في المُتعة الجسدية مقابل الغذاء، فمؤسسة الزواج ولما لها من قدسية بكل الشرائع المنزَّلة تجعلنا نستبعد أن يقوم الزواج على ركن الإمتاع وقد يتداخل مفهوم الطاعة والاحتباس بمفهوم الاستمتاع الشيء الذي جعل طاعة الزوجة مرتبطا بالنفقة ومع مرور الوقت انقلبت الطاعة إلى خضوع حُرِِمت فيه الزوجة من إنسانيتها وحقها في المساكنة الزوجية بالمعروف عملا بقوله تعالى: " ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن" (الآية 6 من سورة الطلاق)، وقوله أيضا :" ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"  (الآية 228 من سورة البقرة).
وإذا كان المذهب المالكي لا مكان فيه للحديث عن إمكانية إلزام الزوجة بالإنفاق عن الزوج كما لا يقول أيضا بسقوط نفقة الزوجة التي تمارس حرفة أو مهنة، يرى الفقه الحنفي الذي استلهمته مدونة الأسرة سقوطها " لأن التسليم – الاحتباس غير تام"(7)
المطلب الثاني:  التعريف بالنفقة والسند القانوني
    فلا جدال مبدئيا في أن نفقة الزوجة لا تعني في مجمل المبادئ الفقهية إلا نفقة الزوج على الزوجة والذي تنص عليه المادة 194" تجب نفقة الزوجة بمجرد البناء، وكذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها".
    قد اتفقت جل المذاهب الفقهية على وجوب نفقة الزوجة على زوجها ومن ذلك جاءت المادة 199 من مدونة الأسرة الباب الثالث فيما يتعلق بالنفقة على الأولاد والتي نصت على أنه " إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده، وكانت الأم موسرة، وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب "، وينتج عن ذلك عدم سماع دعوى الزوجة (التطليق) إذا تزوجت الرجل وهي عالمة بأنه عاجز عن الإنفاق عليها.
وبذلك فقد استجاب المشرع المغربي بشكل فعلي للاتفاقية الدولية التي صادق عليها والمبرمة بنيويورك بتاريخ 16 دجنبر 1966 والتي تنص على المساواة بين الرجال والنساء حسب ما ورد في الفصل 23 منها :" على الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية اتخاذ الخطوات المناسبة لتأمين المساواة في الحقوق – والمسؤوليات- عند الزواج وأثناء قيامه وعند فسخه".
وقد يأتي السند الواقعي ليؤكد " أن المرأة في الواقع (لا القانون) هي صاحبة الولاية على الأولاد بل حتّى على الزوج " (8 )
    إن هذه المادة(199) قد فتحت الباب أمام الزوج المعسر لرفع دعوى ضد زوجته لمطالبتها بالإنفاق إمعانا من المدونة في إقرار المساواة أمام الواجبات بالقدر الذي يتم فيه التساوي في الحقوق، وقد لاحظت ذة. نادية العشيري أن هذه المادة لا توضح المقصود بالعجز ولا مدته واعتبرت أنه وإن كانت قد ضمنت حقوق الأطفال فهي" قد تفتح الباب على مصراعيه أمام أطماع بعض الأزواج ليقع بسببها استغلال النساء أكثر مما هن مستَغَلاّت" (9 )
    ولقد جاء في قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 29 نونبر 1983،أن النفقة مفهوم لا تجب إلا بزواج صحيح شرعا، فإن كان فاسدا فلا نفقة للزوجة لأن الواجب حينئذ الافتراق لا المعاشرة( 10)، ويكون الزواج فاسدا إذا توفرت فيه شروط موانع الزواج التي تنقسم حسب ما جاء في المادة 35 إلى موانع مؤبدة وموانع مؤقتة.
المطلب الثالث- سبب الالتزام بالنفقة
    تنص المادة 194 من مدونة الأسرة على أنه" تجب نفقة الزوجة على زوجها بمجرد البناء، وكذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها".
إن هذه المادة لا تختلف في جوهرها عن مقتضيات الفصل 117 من مدونة الأحوال الشخصية الذي استعمل مفهوم الدخول والمستوحى أصلا من قول الإمام مالك  الذي يقول" لا تجب النفقة على الزوجة حتى يدخل بها أو يُدعى إلى الدخول بها وهي ممن توطأ وهو بالغ " ( 11).هذا المفهوم المالكي( الدخول) الذي يختلف عن المفهوم الحنبلي المستعمل في مدونة الأسرة (البناء) والذي يُقصد منه الوطء  بحيث يفرق مذهب أبي حنيفة ما بين البناء (الوطء والمواقعة) وما بين الدخول والاختلاء بدون وطء.
وبذلك فقد تكررت نفس أحكام الفصل 117 حيث تستحق الزوجة النفقة بالبناء بها أو بالدعوى إليه من طرفها، وتشترط المادة 194 أن يكون قد تم العقد على الزوجة.
ويعتبر رفض الزوج للدخول دافعا لرفع دعوى النفقة وقد اعتبر المجلس الأعلى في الملف الاجتماعي عدد 69 بتاريخ 8ماي 1970أن المطالبة القضائية بحقوق الزوجة عبر الدعوة إلى الدخول موجبة للنفقة ابتداء من تاريخ المطالبة بالدخول (12 ).
وفعلا فقد عرضت على المحاكم بالمغرب عدة قضايا في هذا الشأن قضت بالنفقة بمجرد المطالبة بالدخول، وما يعاب على هذه المادة (194) كما وقع للفصل 177 من مدونة الأحوال الشخصية هو إغفال ما يستفاد من رأي المالكية القائل بأن الزوجة تستحق الصداق كاملا بعد مرور سنة ابتداء من تاريخ العقد وإن لم يمسسها الزوج وبذلك كان لزاما على المادة 194 أن تنص على فترة معينة (سنة حسب الإمام مالك) تحسبا لانحلال الزوجية لمّا تلجأ الزوجة للاستفادة من حقها في دعوة الزوج للبناء أو طلب النفقة بمجرد العقد عليها (يمكن إن يكون اليوم الموالي للعقد هو يوم المطالبة بالبناء أو النفقة) على اعتبار أن اجتهاد المجلس الأعلى قد اعتبر طلب الدعوة للبناء بمثابة طلب النفقة في حين أن الدعوة للبناء يجب أن تكون سابقة على تاريخ المطالبة بالنفقة.
وعند إغفال الأعراف السائدة والتي تقضي بوجود فترة فاصلة بين تاريخ إبرام العقد وتاريخ البناء تكون غالبا مخصصة من طرف الزوج للاستعداد لحفل العرس أو لكراء سكن وتجهيزه، تكون المادة 194 ناقصة وقد تدفع بالعديد من الزيجات إلى الفشل.
إذ كيف سيكون موقف الزوج وعائلته وهم في غمرة استعدادهم لاستقبال الزوجة بين أحضانهم والزوجة ترفع دعوى قضائية على الزوج لطلب النفقة؟.
    لا شك أن العقلية المغربية ستتعامل مع هذا الموقف بحساسية شديدة ينتهي معها مصير هذا الزواج، فيكون جواب الزوج في مرافعته بأن المدعية طالق حسب ما جاء كتابة بمذكرة جوابه الأولى، وبذلك يقع الطلاق وفق المادة 92 التي تنص على أن الطلاق لا يقع إلا مرة واحدة " الطلاق المقترن بعدد لفظا أو إشارة أو كتابة لا يقع إلا مرة واحدة" .
وبذلك تستحق الزوجة نصف الصداق المسمى حيث يقع الطلاق قبل البناء انطلاقا من المادة32 من مدونة الأسرة.
ونظرا لما يمكن أن تثيره دعوة الزوجة من بغضاء وكراهية يُزكيها المخيال الشعبي ببلادنا /المغرب/على مستوى إنتاج المثل الشعبي الذي يقول " ما درنا في الطاجين ما يتحرق"حيث اللجوء إلى القضاء يعتبر كآخر مرحلة تستنفذ فيها كل محاولات الصلح المتعارف عليه، فقد جانب المشرع الصواب عندما جمع في المادة 78 الحكم بإنهاء عقد الزواج بالطلاق في حالة إقراره قبل البناء بنفس المسطرة المتبعة لإنهاء عقد الزواج بالطلاق بعده  تنص هذه المادة على أن "الطلاق حل ميثاق الزوجية، يمارسه الزوج والزوجة، كل بحسب شروطه تحت مراقبة القضاء وطبقا لأحكام هذه المدونة" والإحالة هنا للقسم الثالث( الطلاق) من المادة 78 إلى المادة 93، هذا بالرغم من أن الطلاق قبل البناء يعتبر بائنا جاء ذلك بالفصل 67 من مدونة الأحوال الشخصية كما جاءت به المدونة الجديدة في المادة 122 التي تنص " كل طلاق قضت به المحكمة فهو بائن ، إلا في حالتي التطليق للإيلاء وعدم الإنفاق" و المادة 123 التي تنص " كل طلاق أوقعه الزوج فهو رجعي، إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل البناء والطلاق بالاتفاق والخلع والمملك" و المادة 126 التي تنص كذلك على أن " الطلاق البائن دون الثلاث يزيل الزوجية حالا ولا يمنع من تجديد عقد الزواج " وحيث لا تلزم العدة قبل البناء كذلك حسب ما جاء بالمادة 130 من المدونة.
يظهر من خلال هذه المعطيات أن المدونة لم تتحرر بشكل كامل من أثر مفهوم الاستمتاع الجنسي حيث وُثّقت سابقا العلاقة الزوجية باسم (عقد النكاح).أما وهي حاليا تستعمل عقد الزواج بمعناه التعاقدي فما تزال تحمل أثر العقد الأول.
    - فما معنى ألاّ تُعطى للمطلقة قبل البناء متعة ؟
وقد تطرق ذ.أحمد زوكاغي إلى أن متعة المطلقة قبل البناء هي النصف الآخر من الصداق المسمى يقول: " وما دامت المطلقة قبل الدخول يجب لها نصف الصداق، فإن متعتها في النصف الآخر من الصداق المسمّى"( 13)، ويتم الاستشهاد في ذلك بقوله تعالى" يا أيها الذين آمنوا، إذا نكحتم المومنات، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فمالكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتّعوهن وسرّحوهن سراحا جميلا"( الآية 49 من سورة الأحزاب) وقوله أيضا" لا جناح عليكم إن طلقتم النساء، ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتّعوهن، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعا بالمعروف، حقا على المحسنين" ( الآية 236 من سورة البقرة)، ولهذا أنا مع رأي ذ.أحمد زوكاغي الذي يقول بتمتيع الزوجة قبل البناء حيث يقول " تستحق الزوجة المطلقة المتعة إذا كان زوجها قد طلقها قبل الدخول وقبل أن يحدد صداقا معينا معلوما" (14 ).  
    إن المدونة في المادة 194 ومدونة الأحوال الشخصية في الفصل 177 قد أخذتا بالمذهب الظاهري (ابن حزم) الذي يقول بوجوب النفقة على الزوجة بمجرد العقد عليها بل إن " عقد الزواج عندهم هو سبب النفقة" (15 ).
المبحث الثاني: طبيعة نفقة الزوجة: الضوابط الإجرائية
المطلب الأول: مشتملات النفقة
     نصت المادة 189 من مدونة الأسرة على انه" تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج ، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد مع مراعاة أحكام المادة 168 أعلاه" .
وقد أضافت المادة 168 اعتبار السكن من حق المحضون عندما اعتبرت تكاليف سكنى المحضون مستقلة في تقديرها على النفقة وأجرة الحضانة وغيرهما".
    إن هذه المادة قد نصت صراحة على إخراج تكاليف سكنى المحضون من مشمولات النفقة وأجرة الحضانة وغيرها وأوجبت أن تكون مستقلة في تقديرها عن هذه الالتزامات.فعلى الأب واجب تهيئ محل لسكنى أبنائه أو أدائه مبلغ الكراء حسبما تقرره المحكمة مع مراعاة أحكام المادة 191 التي تنص على " تحدد المحكمة وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة، وتكاليف السكن على أموال المحكوم عليه، أو اقتطاع النفقة من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه، وتقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفيلة باستمرار أداء النفقة.."
المطلب الثاني: إثبات النفقة وتقديرها
ترفع الزوجة دعوى النفقة في حالتين:
الحالة الأولى:
 إذا كانت الزوجة ببيت الزوجية.
الحالة الثانية:
إذا كانت الزوجة بمنزل والديها مع أبنائها في حالة إثبات النفقة.
وقد استقر القضاء المغربي على اعتبار إقرار الزوج باليمين ثابت في حالة قيام الزوجية وقد جاء ذلك في القرار الصادر في 26غشت 1978 بمجلة المجلس الأعلى أنه " في حالة قيام الزوجية، القول قول الزوج الحاضر مدعي الإنفاق بيمينه.."(16)
    أما في الحالة الثانية ومع استحالة إثبات الزوج إدعاءه الإنفاق على زوجته بمنزل والديها فقد اعتبر القضاء القول قول الزوجة مع يمينها، جاء ذلك في القرار الصادر في 14 فبراير 1978 الذي يقول " ما دام أن الزوجة التي تطالب بالنفقة كانت بمنزل والديها مع أبنائها ولم يثبت الزوج إدعاءه الإنفاق فإن القول قولها مع يمينها" (17 ) ، ويقول الإمام التسولي معلقا على ابن عاصم في تحفته :" ..ومفهوم من يغب أن الحاضر يكون القول قوله..وإنما كان القول قوله حيث كان حاضرا أو غائبا ولم ترفع لأنها في حوزه..وإذا كانت في غير داره وحوزه فالقول قولها" (18 ).
وقد مكن المشرع الزوجة في الفرع الثاني من الباب الثاني المعنون بعدم الإنفاق المادة 102 وفي حالة إمساك الزوج عن الإنفاق من تقديم طلب التطليق لعدم الإنفاق لقوله تعالى " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" ( الآية 229 من سورة البقرة)، إلا أن الإمساك بالمعروف يتضمن الإنفاق بخلاف الإمساك مع الامتناع الذي يلحق ضررا بالزوجة والاعتداء على حقوقها الشرعية.
وتتحدث المادة 102 عن ثلاث حالات:
الحالة الأولى:
    لاتستجيب فيها المحكمة لطلب التطليق إذا كان للزوج مال ظاهر حيث أن المحكمة تلقائيا تتولي تحديد طريقة تنفيذ النفقة بدون تقديم طلب في الموضوع كالأمر بالاقتطاع من الراتب (موظف) أو الأمر بتحويل مبلغ النفقة من ريع الزوج أو من حساب بنكي إلى مستحقي النفقة، ويدعم هذه الحالة على المستوى الفقهي الحديث الشريف الذي يؤكد شرعية ووجوب نفقة الزوجة على زوجها ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن هندا زوجة أبي سفيان قالت يا رسول الله : إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال:" خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" .
وتعتمد المحكمة في تقدير النفقة على تصريح كل من الزوج والزوجة المدعم بالحجج والوثائق.
وإذا كانت القاعدة الفقهية تعتمد في تقدير النفقة على الوضعية المادية للزوج انطلاقا من قوله تعالى: " لينفق ذو سعة من سعته" فالمذهب المالك قد راعى حالة الزوجة كذلك يقول الإمام التسولي في ذلك " والنفقة بقدر ُسعه وحالها" ( 19)
وقد جاء في المادة 189 في جانب مشملات النفقة وتقديرها ما يلي " تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد.." مع مراعاة أن يكون السكن مستقلا عن النفقة.
و يراعى في تقدير كل ذلك، التوسط ودخل الملزم بالنفقة، وحال مستحقها، ومستوى الأسعار والأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة".
الحالة الثانية:
    نظرا للطابع المعيشي للنفقة فإن تنفيذها يكون بقوة القانون فحسب المادة 190 من مدونة الأسرة " يتعين البث في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد" ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 179 من قانون المسطرة المدنية على أنه" يبث في طلبات النفقة على شكل استعجالي وتنفذ الأوامر في هذه القضايا رغم كل طعن".
ونظرا للطابع الاستعجالي للنفقة فإذا أثبت الزوج عسره تمهله المحكمة مدة لا تتعدى شهرا واحدا حتّى يتسنى له الحصول على ما ينفق به على زوجته فإن عجز عن الإيفاء بذلك طلقت عليه المحكمة زوجته إلا في وجود ظرف قاهر واستثنائي وهي حالات تدخل في تقدير المحكمة.
إن لجوء المحكمة إلى التطليق في حالة فقد الزوج لعمله خلال شهر واحد تحتاج إلى إعادة نظر.
    - فكيف سيجد الزوج عملا آخر خلال شهر ونحن نعيش أزمة اجتماعية موسومة بندرة مناصب الشغل مع الارتفاع المهول لطالبيه؟.
قد يكون تطبيق القانون في هذه الحالة مضرا بوضعية كافة أفراد الأسرة،     - فهل ستجد الزوجة حلا مباشرا للإنفاق بمجرد حصولها على قرار المحكمة القاضي بتطليقها؟؟.
الحالة الثالثة: (المادة 102)
    تستجيب فيها المحكمة بشكل فوري لدعوى التطليق لعدم الإنفاق دون إعطاء الزوج مهلة كما بالحالة الثانية،إذا كان الزوج موسرا وامتنع عن أداء النفقة أو ادعى أنه معسر ولم يثبت ذلك وأصر على عدم الإنفاق في مرحلة الصلح.
أما المادة 103 فتؤكد تطبيق نفس أحكام المادة 102 على الزوج الغائب في مكان معلوم وتوصل بمقال الدعوى، أما إذا كان محله مجهولا وتأكدت المحكمة من ذلك بواسطة النيابة العامة ومن صحة دعوى الزوجة، تبث في الدعوى على ضوء نتيجة البحث ومستندات الملف.
المطلب الثالث: سقوط النفقة عن الزوج ووقفها.
    تسقط نفقة الزوجة في مدونة الأحوال الشخصية كما ينص الفصل    123في الحالات التالية:
-بوفاة الزوج
- بالإبراء منها.
- بخروج المطلقة رجعيا من بيت عدتها بدون عذر ولا رضى زوجها"، على اعتبار أن نشوز الزوجة لا يسقط نفقتها إلا إذا حُكم عليها بالرجوع لبيت الزوجية وامتنعت حسب ما جاء بالمادة 195.
    فنفقة الزوجة كما يقول ذ.خالد بنيس " واجبة عمليا منذ إبرام عقد النكاح، هذا الوجوب الذي يلازم الزوج إلى أن يموت أحد الزوجين أو تنتهي عدة الطلاق" (20 )
وقد نجد في العديد من تشريعات الدول العربية تنصيصا على سقوط نفقة الزوجة بمجرد النشوز إلا في حالة الحمل لكونها تحمل من زوجها جنينا.
    إن النفقة دين لا يسقط بالتقادم وقد وصفه ذ.محمد الكشبور بكونه " لا يمكن أن يكون موضوعه محلا لعقد صلح" (21 )، وبذلك جاء المشرع بالمادة 119 التي تنص على أنه " لا يجوز الخلع بشئ تعلق بحق الأطفال أو بنفقتهم إذا كانت الأم معسرة  وقد احتوت المادة 119 ما اهتم به المنشور الوزاري عدد 5/61 الصادر بتاريخ 6 يناير 1961 في موضوع " التزام المختلعات المعسرات بنفقة الأولاد" .( المرفق رقم 1).
 وقد جاء في الفصل 1102 من قانون الالتزامات والعقود أنه " لا يجوز الصلح على حق النفقة، وإنما يجوز على طريقة أدائه أو على أداء أقساطه التي استحقت فعلا" بالرغم من أن المجلس الأعلى في الملف الاجتماعي عدد 81413 قد تمسك بتطبيق الفصل 1112 لإبعاد لفيف يثبت صلحا تم بين زوجين بخصوص النفقة ( 22).
وقد تطرق ذ.أحمد الخمليشي إلى أسباب سقوط النفقة فأخلص إلى أنه " إذا كانت النفقة تجب من الدخول أو الدعوة إليه إلى الوفاة أو الطلاق البائن بالنسبة لغير الحامل ، وإلى وضع الحمل أو انتهاء عدة الطلاق الرجعي، فقد تحدث أسباب تسقطها خلال فترة الوجوب السالف الذكر، أو تقف أداءها دون أن تسقط من ذمة الزوج" (23 ).
ويمكن حصر أسباب سقوط النفقة عن الزوج في حالة إعساره، فقد جاء بالمادة 199 ما يفيد وجوب النفقة على الزوجة بمقدار ما عجز عنه الأب حفاظا على مصلحة الأطفال من الضياع، تنص المادة على أنه " إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده ، وكانت الأم موسرة، وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب " .
وتصبح الزوجة إثر هذا النص الجديد معرضة لأن يطبق عليها حكم إهمال الأسرة بموجب ما جاء في المادة 202 التي تنص على أن " كل توقف ممن تجب عليه نفقة الأولاد عن الأداء لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول ، تطبق عليه أحكام إهمال الأسرة".
المطلب الرابع: دائرة وجوب النفقة بالقرابة
    خصص القسم الثالث الموسوم بالنفقة الفرع الثاني مادتين لنفقة الأبوين وهما المادة 203والمادة 204، تنص المادة الأولى على أنه توزع نفقة الآباء على الأبناء عند تعدد الأولاد بحسب يسر الأولاد لا بحسب إرثهم"  إن النفقة من بين الموضوعات التي تثير نقاشات عميقة بالقضاء الأسري نظرا لطابعها المرتبط بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمتقاضين ، وبين اتساع دائرة وجوب النفقة وتوسيعها إلى الأسرة الممتدة تبقى نفقة الأسرة النواة هي المستقطبة لوجهة نظر المشرع الشيء الذي يجعل الملزم بالنفقة بين مطرقة نفقة الزوجة والأولاد وسندان نفقة الأقارب ونفقة نفسه،

 - فكيف يتصرف المُلزم بالنفقة في حالة اجتماع الأطراف المستحقة للنفقة وهو لا يملك إلا نفقة نفسه؟؟
لقد توصل الاجتهاد الفقهي في مسألة ترتيب استحقاق النفقة بين الأقارب ما جاء به الزرقاني يقول " ومن له أب وولد فقيران وقدر على نفقة أحدهما.فقيل يتحاصان وقيل يقدم الأب..وقيل يقدم الابن..وتقدم الأم على الأب والصغير من الولد على الكبير، والأنثى على الذكر عند الضيق، فلو تساوى الولدان صغرا وكبرا وأنوثة تحاصّا" (24 ).
فمفهوم النفقة ونظرا لمرونته وطبيعة دخل المتقاضين تجعل أمر التعامل مع النص أمرا قد يضر بمصالح الملزم بالنفقة من باب عجزه عن نفقة نفسه، تنص المادة 188 على أنه " لا جب على الإنسان نفقة غيره إلا بعد أن يكون له مقدار نفقة نفسه.."
وتطبيقا للمبدأ لمعروف في الشريعة وهو" إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما" فكيف لمن له مقدار نفقة نفسه أن نلزمه بالنفقة على الغير في وجوهها الثلاث: الزوجية والقرابة والالتزام (المادة 187).
وقد افترضت المادة 188 مبدأ افتراض ملاءة ذمة الملزم بها، حتّى يثبت العكس ، أي التسليم بقدرته على أدائها حتّى يثبت ادعاؤه العجز عنها .
-    فكيف السبيل إلى إثبات العجز لمن يتقاضى شهريا الحد الأدنى للأجور وعلى  افتراض أنه موظف ؟
-    كيف يمكن للقضاء أن يبث في ملف اجتماعي ضُم فيه ملفين للمطالبة بالنفقة : واحد من طرف الزوجة والآخر من طرف الأم؟
لمن تُعطى الأسبقية والأم فقيرة عاجزة والزوجة لها نفقة نفسها فقط والنص غير صريح إلا ما يفهم من تقديم المادة 197 وجوب النفقة على الوالدين قبل الأولاد كترتيب ضمني توحي به هذه المادة التي تنص على أن " النفقة على الأقارب تجب على الأولاد للوالدين وعلى الأبوين لأولادهما طبقا لأحكام هذه المدونة."  
أما بالنسبة للملزم بالنفقة فتنص المادة 205 ووفقا لمبدأ " من التزم بشيء لزمه" على أن " من التزم بنفقة الغير صغيرا كان أو كبيرا لمدة محدودة لزمه ما التزم به ولا تسقط عنه إلا بالعجز أو الوفاة".
وقد استفردت مدونة الأسرة عن باقي القوانين التي تطرقت لقضايا الأسرة بالتنصيص على نفقة الأولاد المعاقين والعاجزين عن الكسب حتّى تسقط عن الأب بوفاته تنص المادة 198 على "..ويستمر إنفاق الأب على أولاده المصابين بإعاقة والعاجزين عن الكسب"
المبحث الرابع: الضوابط القانونية السوسيولوجية للحضانة
المطلب الأول: التعريف بالحضانة والسند الشرعي والقانوني

    □ عرفت المادة 163 من مدونة الأسرة الحضانة بقولها " الحضانة حفظ الولد مما قد يضره، والقيام بتربيته ومصالحه"، إن الحضانة تثار كإشكالية عندما تنفصم الرابطة الزوجية وهي باعتبارها نتيجة طبيعية لتلك الرابطة يكون الأبوان ملزمان بها قانونيا واجتماعيا، ولا تظهر المشاكل المرتبطة بالحضانة بقوة إلا مع انحلال تلك الرابطة عن طريق الطلاق حيث يستلزم الأمر تعيين من له الحق في الحضانة وتحديد مشمولاتها  وقد جمع ذ. محمد الكشبور بين أثر الحضانة بما هي من آثار الزواج والطلاق على السواء يقول: " إن الحضانة أثر من آثار الزواج لكنها أثر من آثار الطلاق أيضا" (25 ).
وقد أشارت المادة 163 على الواجبات المتوفرة في الحاضن حيث نصت أنه " على الحاضن، أن يقوم قدر المستطاع بكل الإجراءات اللازمة لحفظ المحضون وسلامته في جسمه ونفسه، والقيام بمصالحه في حالة غيبة النائب الشرعي وفي حالة الضرورة إذا خيف ضياع مصالح المحضون"
وقد روي عن الرسول (ص) أن امرأة جاءته وقالت: يا رسول الله هذا ابني، كان له بطني وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء، وأن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال رسول (ص) أنت أحق به ما لم تتزوجي" أخرجه أحمد وأبو داوود والبيهقي.
وعند الرجوع إلى الكتب الفقهية نجد أن مفهوم الحضانة قد أخذ أشكالا متعددة تبتدئ، أولا: العناية بإعداد طعام الصغير وتنظيف جسمه وثيابه وفراشه، مع السهر على حمايته من تعريض نفسه للأخطار الجسدية والصحية التي يمكن أن يقع فيها، وهذا ما تتطلبه السنوات الأولى من ولادته.
ثانيا: العناية بالصغير في تربيته وإعداده للحياة المستقبلية عن طريق التعليم ومعرفة أسباب الكسب المختلفة.
ثالثا: الحماية الخاصة بالفتاة من الاعتداء عليها جنسيا وصيانتها.
    إن ما يطرحه التعريف الفقهي للحضانة هو مجمل اقتصاره على العناية المادية لما يحتاج إليه الصغير، وقد اتفق عموم الفقهاء عند إسناد الحضانة للام وما يليها من النساء، يقول ابن عاصم الغرناطي:
وصرفها للنساء أليق   *   لأنهن في الأمور أشفق
    وقد أعادت مدونة الأسرة ترتيب مستحقي الحضانة بالمادة 171 التي " تخول الحضانة للام ثم للأب ثم للام الأم" وقد أعطت المدونة لعنصر الولاية الشرعية أهمية جعلتها موازية لعنصر الحضانة بحيث جعلت الأب في المرتبة الثانية كحاضن بدل المرتبة السادسة بمدونة الأحوال الشخصية، وذلك راجع إلى أن الحضانة تفترض قرينة نفسية كالشفقة من الواجب توفرها في الحاضن  يقول ذ.محمد الكشبور" والوصي مقدم على سائر العصبات وهم الحاضنون الذكور باستثناء الأب الذي له الولاية على المحضون وهي نيابة شرعية أقوى من الوصاية" ( 26).
ولهذا نتساءل من جديد عن المقاييس التي جعلت الفصل 99 من م.أ ش.يعتبر" الحضانة من واجبات الأبوين ما دامت الزوجية قائمة بينهما .." وحرمان الأب من الحضانة إذا ما انفكت الزوجية وقد تنفك بالطلاق أو بوفاة الزوجة ليبقى مصير الأطفال مجهولا وهم ينتقلون إلى موطن آخر تنعدم فيه شروط التمدرس .و.. خاصة وأن الحضانة تخرج من بين يدي الأب لتستقر حسب الفصل المذكور إلى «...فإذا انفكت فالأم أولى من حضانة ولدها من غيرها ثم أمها ثم أم أمها ثم أخت أمها الشقيقة ثم التي للام ثم للأب..." .
المطلب الثاني: شروط الحضانة .
    تتحدث المادة 173 من المدونة عن شروط استحقاق الحضانة وأسباب سقوطها في الشروط التالية"1-  الرشد القانوني لغير الأبوين، 2- الاستقامة والأمانة 3- القدرة على تربية المحضون وصيانته ورعايته دينا وصحة وخلقا وعلى مراقبة تمدرسه، 4- عدم زواج طالبة الحضانة إلا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 174 و175 بعده" وبذلك تخلصت المدونة من التصور الذي يجعل الحضانة مُناطة بشخص فاقد الإدراك والتمييز أو بصبي (أخت الأم الشقيقة) يحتاج هو نفسه إلى الرعاية والتربية والصيانة.
وقد جاء في المغني لابن قدامى المقدسي " لا تثبت الحضانة لطفل ولا معتوه لأنه لا يقدر عليها وهو يحتاج إلى من يكفله فكيف يكفل غيره" (27 ).
ويلحق بالشرط الثالث من المادة 173 أن يكون الحاضن متدينا بدين أبي المحضون وبالتالي إذا كان الأب مسلما لا يجوز أن يكون الحاضن غير مسلم وقد قال عن ذلك ابن قدامى المقدسي " ...إنها ولاية فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى لان ضرره أكثر فإنه مجتهد في إخراجه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته له وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحفظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه" (28 ).
وعندما أسقطت المادة 173 الشرط الخامس الذي جاء به الفصل 99 من مدونة أ.ش. " السلامة من كل مرض معدي أو مانع من قيام الحاضن بالواجب "
    - فهل اعتبرت المدونة الأعمى (مثلا) أو المريض بالسرطان قادرا على تربية المحضون وصيانته؟
المطلب الثالث: أسباب سقوط الحضانة
    نصت المدونة  في المادة 175 على سقوط الحضانة عن الأم التي يصعب على مستوى التطبيقي تنفيذه وقد تطرق ذ.محمد الكشبور لذلك عندما قال :" نجد أن المشرع أدخل على مضمون النص تعديلات يصعب معها – إن لم نقل يستحيل- من الناحية القانونية إسقاط الحضانة عن الأم رغم زواجها" ( 29)
تنص هذه المادة على أن زواج الحاضنة الأم، لا يسقط حضانتها إلا في الأحوال الآتية:
    إذا كان المحضون صغيرا لم يتجاوز سبع سنوات ، أو يلحقه ضرر من فراقها .
     إذا كانت بالمحضون علة أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم.
    إذا كان زوجها محرما أو نائبا شرعيا للمحضون.
    إذا كانت نائبا شرعيا للمحضون ".
ومن ضمن المستجدات التي أتت بها المدونة الجديدة هي التنصيص على عدم سقوط الحضانة بانتقال الحاضنة إلى بلدة أخرى داخل المغرب مع مراعاة مصلحة المحضون، بعكس الانتقال خارج المغرب الذي يسقط الحضانة إلا إذا وافق نائبه الشرعي.
ويأتي بمدونة الأسرة عرضا ما يستفاد من عدم تجزيء موضوع الحضانة إذ مع تعدد الأطفال لا يحق لطالب الحضانة أن يطلب حضانة البعض دون الآخر ، وقد تكون - في حالات غير قليلة معروضة على المحاكم- الحاضنة غير قادرة على حضانة كل الأطفال عند تعددهم لسبب من الأسباب المادية أو المعنوية التي تتطلب التوجيه والمراقبة.
وقد أثار ذ.احمد الخمليشي موضوعا مهما جديرا بالمناقشة تتعلق بتوزيع الحضانة بين الأبوين مثلا في حالة تعدد الأولاد يقول " يرضي عاطفتهما الأبوية معا ويحول دون التجاء كل واحد منهما إلى الطعن في سلوك وأخلاق الآخر للوصول إلى حرمانه من الحضانة" (30 ).
وإسناد مدونة الأسرة على قاعدة عدم تجزيء موضوع الحضانة غير مبني على نص في كتاب أو سنة وإنما يستند في ذلك إلى القياس يقول الفقيه الرهوني " أخذ الأئمة مسائل من الحضانة من مسائل من الشفعة" وقال الوانوغي " وشفيع ذلك كله واحد وليس له إلا أن يأخذ الجميع أو يسلم ..أخذ منها أن من له حضانة متعدد انه ليس له اخذ البعض دون البعض" (31 ).
وقد أضم رأيي إلى تساؤل ذ.الخمليشي الذي استفسر فيه عن العلاقة بين حضانة الطفل من احد أبويه وبين رغبة الشريك في ضم الجزء الذي باعه شريكه من المال المشترك.
 المبحث الخامس : مواد تدخل النيابة العامة فيما يتعلق بالنفقة والحضانة لتقوية الطابع الإجرائي لأحكام لمدونة الأسرة.

الاختصاصات المواد
تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في القضايا المتعلقة بمدونة الأسرة المادة 3
إذا قام أحد الزوجين بإخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر تدخلت النيابة العامة من اجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية حالا، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بأمنه وحمايته. 53
تسهر النيابة العامة على تنفيذ الأحكام المتعلقة بحقوق الأطفال 54
عند التطليق لعدم الأنفاق، إذا كان محل غيبة الزوج مجهولا، تأكدت المحكمة بمساعدة النيابة العامة من ذلك، ومن صحة دعوى الزوجة، ثم تبت في الدعوى على ضوء نتيجة البحث ومستندات الملف. 103
إذا لم يوجد بين مستحقي الحضانة من يقبلها، أو وجد ولم تتوفر فيه الشروط، رفع من يعنيه الأمر أو النيابة العامة الآمر إلى المحكمة، لتقرير اختيار من تراه صالحا من أقارب المحضون أو غيرهم، وإلا اختارت إحدى المؤسسات المؤهلة لذلك 165
يجب على الشاب وأم المحضون والأقارب وغيرهم، إخطار النيابة العامة بكل الأضرار التي يتعرض لها المحضون لتقوم بواجبها للحفظ على حقوقه،بما فيها المطالبة بإسقاط الحضانة. 177

يمكن للمحكمة بناء على طلب من النيابة العامة، أو النائب الشرعي للمحضون، أن تضمن في قرار إسناد الحضانة، أو في قرار لاحق، منع السفر بالمحضون إلى خارج المغرب، دون موافقة نائبه الشرعي.
تتولى النيابة العامة تبليغ الجهات المختصة مقرر المنع، قصد اتخاذ الاجراءات اللازمة لضمان تنفيذ ذلك.

179

خاتمة:
    إن ضرورة تغيير مدونة الأحوال الشخصية جاء ليؤكد على دلالة حدة الجدل القائم بين الواقع والقانون وإبراز دور القانون في التأثير على الواقع الاجتماعي باعتباره كذلك يماشي الواقع ، وقد تطرق ذ.إدريس اجويلل لما اتسمت به مدونة الأسرة الجديدة من انفتاح على محيطها العالمي والجهوي والمحلي عندما قال " هكذا إذن جاءت مدونة الأسرة الجديدة في سياقها الواقعي والتاريخي والمجتمعي لتؤسس لثقافة جديدة داخل الأسرة المغربية دون إغفال هويتنا وثقافتنا وخصوصياتنا التاريخية" (32 ).
    كما أن اعتبار قضايا الأسرة قانونا وضعيا بدخولها كنص قانوني قبة البرلمان قد رفع عنها القدسية حيث استلهمت العمق الحضاري للمحيط العالمي والواقع المعيشي الذي يمس كل مكونات الأسرة المغربية بسبب الاحتكام إلى الإطار العالمي الذي أصبح المغرب إثره مُلزما باحترام الاتفاقيات الدولية دون إغفال أن المدونة ما تزال ترفل بتألقها من داخل المرجعية الإسلامية.

 

المرفقات

  1. منشور عدد 5/61
  2. قرارات المجلس الأعلى (مجلة قضاء المجلس الأعلى ) الأعداد رقم: 57-58، 59-60، 61

المراجع

    1. محمد الصغير جنجار، الجمعيات النسائية وقضية تعديل مدونة الأحوال الشخصية، مجلة مقدمات ، عدد رقم 3،مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء سنة 2002 ص: 33.
    2.  منبر الجامعة، ذ.رحمة بورقية، الجوانب الاجتماعية في قانون مدونة الأسرة، " مدونة الأسرة المستجدات والإبعاد" منشورات جامعة المولى إسماعيل ، العدد 5، سنة 2005 ص: 21.
  1. منبر الجامعة ، نفس المرجع السابق ص: 23.
  2. نفس المرجع السابق ص:23.
  3. تعريف  الجندر تعريف  الجندر بالموسوعة البريطانية (موقع الموسوعة البريطانية : Encyclopédie Britannique على شبكة الانترنت)

أصل المصطلح هو الكلمة الانجليزية "Gander"، وتعرف الموسوعة البريطانية الهوية الجندرية "Gander Identité" بأنها: شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى وفي الأعم الأغلب فإن الهوية الجندرية تطابق الخصائص العضوية، لكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية (أي شعوره الشخصي بالذكورة أو الأنوثة)… وتواصل التعريف بقولها: "إن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة - ذكر أو أنثى -بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كُلّما نما الطفل"

أما منظمة "الصحة العالمية" فتعرف الجندر بأنه: "المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية" بمعنى أن كونك ذكراً أو أنثى عضوياً ليس له علاقة باختيارك لأي نشاط جنسي قد تمارسه فالمرأة ليست إمرأة إلا لأن المجتمع أعطاها ذلك الدور، ويمكن حسب هذا التعريف أن يكون الرجل امرأة.. وأن تكون المرأة زوجاً تتزوج امرأة من نفس جنسها وبهذا تكون قد غيرت صفاتها الاجتماعية وهذا الأمر ينطبق على الرجل أيضاً.

  1. انظر محمد الصغير جنجار، المرجع السابق ص: 35.
  2.  حاشية بن عابرين ، الجزء الثاني ص: 647.
  3.  ذ.خالد بنيس " النفقة بين الواقع والتشريع" دار نشر المعرفة ،الرباط الطبعة الأولى،سنة 1992 ص: 29.
  4. منبر الجامعة ،ذة. نادية العشيري، مفهوم المساواة بين الجنسين في مدونة الأسرة" نفس المرجع السابق ص: 88- 89.
  5.  قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 29 نونبر 1983 المنشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 35-36 ص:  105.
  6. ابن رشد القرطبي " بداية المجتهد ص: 41.
  7. الملف الاجتماعي عدد 69 بتاريخ 8 ماي 1970 ، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 21 ص: 18.
  8. د. أحمد زوكاغي " الطلاق حسب الصيغة الحالية لمدونة الأحوال الشخصية" مطبعة الأمنية ، الرباط ، الطبعة الأولى سنة 1994، ص: 109.
  9. د. أحمد زوكاغي ، نفس المرجع السابق ص: 109.
  10. ذ.خالد بنيس " النفقة بين الواقع والتشريع" مرجع سابق ،ص: 11.
  11. قرار عدد 26غشت 1978 عدد 29 ص: 125.وكذا القرار الصادر في 14 دجنبر 1982 بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 31 ص: 83.
  12. قرار صادر في 14 فبراير 1978 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 26 ص: 140.
  13. شعر ابن عاصم:
  14. ومن يغب عن زوجه           *  نفقة لها وبعد أن رجع

         ناكرها في قولها في الحين  *  فالقول قوله مع اليمين

  1. الإمام التسولي ، شرح التحفة، دار الفكر،ص: 390.
  2. ذ.خالد بنيس " النفقة بين الواقع والتشريع" دار نشر المعرفة ، الرباط الطبعة الأولى سنة 1992 ص: 83.
  3. د.محمد الكشبور ط"الوسيط في قانون الأحوال الشخصية" مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء الطبعة الرابعة، سنة 1999 ص: 249-250.
  4. قرار رقم 168 صادر في 28 أبريل 1980 في الملف الاجتماعي عدد 81413، أخذا عن ذ. محمد الكشبور ، مرجع سابق ص: 249.
  5. د.أحمد الخمليشي " التعليق على قانون الأحوال الشخصية " الجزء الثاني ، دار نشر المعرفة، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1994 ص: 223.
  6. شرح الزرقاني عبد الباقي، مطبعة محمد أفندي ،مصر ، الجزء الرابع، الصفحة: 259.
  7. منبر الجامعة ، د.محمد الكشبور، " الحضانة في مشروع مدونة الأسرة" نفس المرجع السابق ص: 52.
  8. د. محمد الكشبور " الوسيط في قانون الأحوال الشخصية" مرجع سابق ص: 468.
  9. المغني لابن قدامى المقدسي، الجزء التاسع الطبعة الثالثة، القاهرة، سنة 1367ه ص: 173
  10. ابن قدامى المقدسي، المرجع السابق، ص: 138.
  11. منبر الجامعة ، ذ.محمد الكشبور ، ص: 54.
  12. ذ.احمد الخمليشي " التعليق على قانون الأحوال الشخصية" مرجع سابق ،ص: 148.
  13. حاشية الرهوني على الزرقاني ، الجزء الرابع ص: 263
  14. منبر الجامعة، ذ.إدريس اجويلل ، مستجدات مدونة الأسرة في مجال مسطرة الشقاق بين الزوجين، نفس المرجع السابق ص: 75.

 

Partager cet article
Repost0
27 avril 2022 3 27 /04 /avril /2022 20:37
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

حقيقة المرأة العربية بين العصر الجاهلي والعصر الاسلامي

د. ادريس عبد النور

دراسة محكمة

أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فرع مكناس /المغرب

أستاذ مادة اللغة العربية و علوم التربية والنقد الأدبي النسائي

Abdennour.driss@gmail.com

الكلمات المفاتيح: المرأة العربية، العصر الجاهلي، العصر الاسلامي، التشريع الاسلامي، الحقوق الانسانية،

ملخص

لقد حازت المرأة على اهتمام التشريع الإسلامي، فقد تطرق القرآن الكريم للكثير من شؤونها وبالعديد من السور التي بلغت عشر سور هي : سورة النساء ، الطلاق، البقرة ، المائدة ، النور، الأحزاب، المجادلة ، الممتحنة والتحريم.
إن هذه العناية تدل بقوة على المكانة التي تحظى بها المرأة في التشريع الإسلامي ، فقد أعلى الإسلام من قدرها في مجتمع كان يستعبدها ويئدها فرد لها الحق في الحياة وأقر لها حقوقا لم يكن يستسيغها المجتمع الجاهلي قبلا.


Mots-clés : femmes arabes, ère préislamique, ère islamique, législation islamique, droits de l'homme,

résumé

Les femmes ont attiré l'attention de la législation islamique, car le Saint Coran aborde bon nombre de ses affaires et dans bon nombre des dix chapitres : Sourate al-Nisa, Divorce, Al-Baqarah, Al-Ma'idah, Al-Noor, Al-Ahzab, Al-mojadala, Al-Mumthahina et Al-Tahrim.

Cette attention indique fortement la position dont jouissent les femmes dans la législation islamique, car l'islam a élevé son statut dans une société qui avait l'habitude d'asservir et de perpétuer un individu qui a le droit à la vie et qui lui a reconnu des droits qui n'étaient pas acceptables pour l'ancien.

société islamique.


1- المرأة و العصر الجاهلي.
1-1-
وأد الجاهلية.
إن المرأة في العصر الجاهلي كانت مسلوبة الحقوق الأساسية ، كحقها في الحياة كأنثى ، فقد كان الأب أنداك يئد ابنته عقب ولادتها مباشرة اقتداء بالأعراف القبلية السائدة وخاصة تغلغل المنظور اليهودي للمرأة وخاصة الجاهلي الذي دأب على وأد البنات الشيء الذي يجعل هذا المجتمع ومن خلال انغلاق تفتحه الحضاري يعبر عن هذا التغلغل للإسرائيليات كخلفية ثقافية سائدة تتناسل في وعينا الفقهي والتي جعلت من المرأة حريما مرتبطا بالدنَس والعار وفضاء الاحتشام وقد أجازت اليهودية كديانة انتشار هذا المعطى محملا بقيم محلية جاهلية حيث ذاعت المعتقدات التي خضعت لعملية التأثر والتأثير بين الإسلام والديانات السابقة" فمن المعروف أن اليهود الذين اعتنقوا الإسلام مزجوا بين التراث اللاهوتي اليهودي، وبين العقيدة الإسلامية، واتضح هذا المزج في لجوء المسلمين لإخوانهم المسلمين – الذين كانوا يهودا منهم- في تفسير كثير من القصص القرآني" (1) ، ومن المرجعيات الدينية لظاهرة الوأد الجاهلية ما جاء في سفر التكوين أن اليهودي، «يملك على أولاده حق الموت والحياة، يقتلهم إذا شاء أو يقدمهم قربانا للرب"(2).
وصف القرآن الوضعية الكارثية التي كانت تعيشها المرأة قبل نزول الوحي، وخاصة منذ تلقي عائلتها نبأ ولادتها كما جاء ذلك بسورة النحل حيث قال تعالى:﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ (النحل الآية 58-59.).
إن هذه التلاوين التي تُصبغ بها عواطف الأب الجاهلي من هذه "البُشرى" تعكس وظيفة الأنثى داخل الهرم القبلي الجاهلي وبالتالي تجسيدها لتدهور القيم الخاصة لقبيلتها(3) يقول د.محمد بلتاجي " كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقتل عن القبيلة، ويراها مصدرا لجلب العار له حين تُؤسر من العدو فيفترشها آسرها عنوة واقتدارا أو طواعية واختيارا، فيعير الأب وقبيلته بها" (4) .
، وقد انقسم الوأد إلى :
- 1-
وأد الفقر:
ويشكل رغبة الجاهلي في التخلص من عبء تربية أبنائه ذكورا وإناثا بدون تخصيص جنس الموؤود.
- 2-
وأد العار:
وكان يقتصر على وأد البنات الذي كانت تمارسه القبائل البارزة بالجزيرة العربية، كربيعة وكندة وطيء وتميم.
- 3-
الوأد الميثولوجي:
وهو مرتبط باعتقادهم أن البنت رجس من خلق الشيطان ، فالأنثى مخلوق مدنس وهو باعتباره منظومة خرق يصنف في العقلية الجاهلية ضمن المبعدات حيث يرى الجاهلي أن واجبه الديني يدفعه للتخلص من الأنثى وتقديمها للآلهة كقربان حتى يُمنح ديمومة بقاء واستمرار النظام الثقافي الآمن.
نلاحظ أنه في حالات الوأد الثلاث تكون الأنثى هي الضحية وبذلك فقد حرك القرآن الكريم الشعور بالذنب لدى المسلم عندما قال : ﴿وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قتلت ﴾ (سور التكوير الآية 8-9)، وبذلك حرك الإسلام القيم الايجابية في المجتمع اتجاه الأنثى فمنحها الحق في الحياة باعتبارها مخلوقا يتساوى مع الذكر من حيث قدسية الجنس البشري حيث يتكفل الله خالق الأنثى برزق مخلوقاته يقول ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .إن قتلهم كان خطأ كبيرا ﴾ ( سورة الإسراء الآية 31.)، كما جاء في سورة الأنعام الآية 151، ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ﴾
1-2- أنكحة الجاهلية:
وقد تعيش الأنثى نفس الوأد على المستوى المعنوي فتصبح مخلوقا للمتعة والخدمة وإنجاب الأطفال ، فقد كان عرب الجاهلية يشيئون المرأة في نظام أنكحتهم المتعدد والذي جاء على الشكل التالي:
- 1-
نكاح الاستبضاع : فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت " كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه .ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه .فإذا تبين حملها أًصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد".
- 2-
نكاح المشاع أو ما يسمى بنكاح الرهط:
لقد كان من عادة بعض القبائل العربية أن يشترك رهط من الرجال في زوجة واحدة ، ولقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها قولها :" كان يجتمع الرهط دون العشرة ، فيدخلون على المرأة فيصيبونها. فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم ، فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع .فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل" .
- 3-
نكاح البُعولة: وفيه يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
- 4-
نكاح البغي ونكاح المتعة: وهو نكاح مؤقت بالنقود أو شيء ما يدفع للمرأة ويحدد زمن نهايته.
- 5-
نكاح البدل: ويتبادل فيه رجلان امرأتيهما فيقول الواحد لآخر، انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي.
- 6-
نكاح الضغينة: ويتعلق بالسبايا من النساء فالرجل إن سبى امرأة له أن يتزوجها إن شاء.
- 7-
نكاح المقت ويسمى كذلك نكاح الضيزن : وهو أن يرث الابن زوجة أبيه فيتزوجها أو يجمع بين الأختين في آن واحد.
- 8-
نكاح الخذان : وهو معاشرة المرأة لغير زوجها سرا ، وقد تحدث الإسلام عن متخذات الأخذان ونهى عنه بإقراره لعقوبة الرجم للمحصنة كما نادت به اليهودية القديمة.
- 9-
نكاح الشغار:
وهو أن يتزوج رجل أخت رجل آخر مقابل أن يتزوج الثاني أخت الأول.
لقد عالج الإسلام هذه الأنكحة بإلغائها عبر آيات كثيرة ، ولما جاء بمفهوم يصف فيه الرجل بكونه بعلا فقد أبقى على نكاح البعولة الذي يجسد مطلقية الطاعة التي تكنها المرأة لرب بيتها حتى أن الكون الرباني يستاء من خروجها عن طاعته من ذلك " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح " ( بخاري ج 7 ص: 39(
إن نظام الأنكحة الجاهلي يشيِّء المرأة ويجعلها جسدا للمتعة والإخصاب بدون كرامة من جهة ، ويضيع معه صفاء الأنساب من جهة أخرى، فالمرأة لم تلق تكريما يتعلق بانتمائها إلى جنس النساء ، فالوضع الاجتماعي والاعتباري للمرأة في العصر الجاهلي كان سيئا للغاية " فهي محرومة من كثير من حقوقها الأساسية ، ولا تلقى أي نوع من أنواع الإكبار أو التكريم ..وإذا حدث ولقيت شيئا من التكريم عند زوجها ، فإن ذلك لا يحدث إلا لأنها أم لابنه الذي يحبه، أو لأنها ابنة واحد من علِّية القوم " (5(
أما الحماية التي كانت تتمتع بها من قبل الذكور المحيطين بها (الأب، الزوج ، الأخ والابن) فهي تتساوى مع الحماية التي تلقاها فرسته وبئره ومرعاه.
وقد يتبين لنا مستوى المكانة التي وضع فيها الإسلام المرأة من خلال استقصاء وضعيتها الاجتماعية قبل مجيء الوحي.
-
فما هو جديد وضعية المرأة في الإسلام؟
2- جديد وضعية المرأة مع مجيء الإسلام.
مع حلول الإسلام بالجزيرة العربية حازت المرأة جملة من الحقوق المادية والمعنوية : منها الحقوق الإنسانية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية كما تلقت واجباتها التي تتناسب مع الحقوق المعطاة، ولهذا " فالمؤسسات التي هدمها الإسلام ، لم تكن تنسجم مع المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية كالوأد والعضل والقسامة والظهار والإيلاء وحرمان المرأة من الإرث " (6(
2ـ1ـ الحقوق الإنسانية .
لقد جعل الإسلام المرأة شريكة للرجل ، فأقر سبحانه بوحدة المصدر المشترك بين الرجال والنساء وبذلك دخلت المرأة دائرة المقدس الرباني وخرجت من دائرة المدنس الاجتماعي يقول تعالى ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء﴾ (سورة النساء الآية 1) ويقول كذلك ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾
)سورة الحجرات الآية: 13(
إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195(
وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282(
وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقرار والغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.
أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.
2-2-
الحقوق المادية .
ينكر البعض على الإسلام في مادة الميراث جعل حظ الرجل يساوي حظ الأنثيين وهذا تحد كبير في مجتمع جاهلي تقتضي تقاليده وأعرافه حرمان المرأة من الميراث واقتصار ذلك على المحاربين من الرجال ، بل وتصل المرأة في هذا المجتمع إلى حد أن تصبح إرثا بحد ذاتها، فجاء الإسلام ليقر هذا الحق في قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (سورة النساء الآية 7.) ، وقد فصل القرآن في سورة النساء الآية :11،واجب الأنثى من الإرث بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ، فعندما أقر الإسلام نفقة الزوجة وجعلها من واجبات الرجل الذي يرث حقا كاملا يعتبر بذلك حظ المرأة مضاعفا بهذا الإنفاق المفروض من جهة الزوج ومن جهة الأب أو الأخ أو العم إذا لم تتزوج وبذلك تكون هذه الوضعية غير مرتبطة بالنقص في إنسانية المرأة ولا يجعل المرأة بتاتا في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل وهو الذي أحاط المرأة بالرعاية فضمن لها حياة اقتصادية مستقرة حيث أخلى ذمتها من أي عبء من الأعباء الاقتصادية لمعيشتها هي أو لغيرها ، فجعل نفقتها على أصولها أوزوجها أو فروعها أو أقربائها في جميع ما تحتاج إليه بالمعروف ﴿ لينفق ذو سعة من سعته﴾ (سورة الطلاق الآية 7.)، وكذلك الآية ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تُضاروهن لتضيِّقوا عليهن ﴾ (سورة الطلاق الآية 6.)وفي سورة البقرة الآية 233، يقول : ﴿ وعلى المولودِ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ كما لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من مما أعطاه لزوجته كصداق أو مهر كما منعه الإسلام من أخد كلا أو بعضا من مالها الأصيل عملا بقوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاته نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا﴾(سورة النساء الآية 4.)
لقد قرر الإسلام قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الأحكام، في الحقوق والواجبات في قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾( سورة البقرة، الآية 228)
2-3- الحق في التعبير والرأي.
حازت المرأة على الحق في طلب العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ، واستمع إلى رأيها لسداده وقرره كمبدأ تشريعي عام، وبذلك تلقت المرأة العلم وأصبحت من المفتيات فيه كما جاء في الآية 34 من سورة الأحزاب ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وتتجلى قمة تساوي الرجل والمرأة في تكليفهم بالوصاية على الدين من حيث وضعه تعالى بيدهما مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في الآية 71 من سورة التوبة ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾ ويُروى عن السيدة عائشة أنها قامت بدور كبير في مجال تلقين الأحكام ومكارم الأخلاق حيث كانت تقضي بين المسلمين في أمور الفقه والحياة. وكان من جراء ذلك أن احترم الإسلام رأي المرأة وأحسن الاستماع إليها كما وقع من رأي الخنساء بنت خذام الأنصارية في حوارها مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي أقر فيه الرسول بأن جعله جزءا من التشريع العام وخاصة وجوب أخذ رأي المخطوبة في شريك حياتها وأخذ رأيها في مسألة زواجها ، فأجابته عليه السلام وقد استخلصت حكما عدّل من تطرف الوصاية في نكاح البعولة عندما قالت ولم ينكر الرسول عليها مقالها " لقد أجزت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء" (7)
كما كان رأي المرأة واضح المعالم في تأويل الآيات حيث اعترضت امرأة خطبة عمر رضي الله عنه حول المغالاة في المهور بأن أرجعته إلى فحوى الآية 20 من سورة النساء : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ فما كان من عمر وإمعانا في احترام رأي المرأة والاقتضاء بمعطياته إلا أن عدل عن رأيه في تحديد المهر وقال " أصابت امرأة، وأخطأ عمر" .
ومما يدل على المكانة المتميزة للمرأة في الإسلام واحترام رأيها ووجهة نظرها ما جرى لهند بنت أبي طالب المكناة بأم هانئ، عندما أجارت عدوا من أعداء المسلمين واحتكامها إلى الرسول (ص) عندما امتنعت من تسليمه لعلي ابن أبي طالب فقال لها الرسول : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" .
إن الإسلام قد جعل المرأة تعبر عن رأيها بكل حرية ومسؤولية وما كان من تدخلاتها إلا أن تمت الاستجابة لها مما يدل على معرفتها بأصول التشريع من معرفة دقيقة بتفسير النصوص الدينية وأحكامها، الشيء الذي جعلها تدافع عن حقوقها وحقوق بنات جنسها ، ويكفي دليلا على ذلك حسّها النقدي الذي نظرت فيه أسماء بنت يزيد الأنصارية إقصاء المرأة من جملة الإثابات الإلهية عكس الرجل الذي يتحدث الإسلام عن جزاءاته الكثيرة وفقا لمشاركته العديدة في الحياة العامة ، فقد جاءت ممثلة عن النساء فعرضت وضعية المرأة على أنظار الرسول بكل دقة وبلاغة اندهش لها جميع حضور مجلس الرسول (ص) عندما قالت " ... أنا وافدة النساء إليك، إن الله قد بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، حاملات أولادكم، وأنتم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا حفضنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في الأجر والثواب.." .
لقد كانت إجابة الرسول الكريم تجعل طاعة المرأة لزوجها في مقابل كل أنشطة الرجل التعبدية حيث قال " افهمي أيتها المرأة ، واعلمي من خلفك، أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته، يعدُل كل ذلك".
يظهر من هذا الرد أن التشريع الإسلامي يضع للمسلمة وضعيتين من حيث الأجر والثواب ، الوضعية الأولى تشمل الأنثى بكامل البراءة وهي ما تزال في حضن أبيها ، بينما تنتقل بها الوضعية الثانية إلى بيت الزوجية وهي الوضعية التي تحوز فيها الزوجة على مرضاة الله وثوابه ، فطاعة الزوج هنا من طاعة الله وقد جاء في صحيح البخاري ج7 ص: 39. " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" و " إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (رواه الترمذي والنسائي) إن إباحة خرق التعاليم الدينية في سبيل طاعة الزوجة لا يوازيه إلا رغبة الشريعة في إقرار ربوبية أرضية للرجل
ثم إن المسلمات بعد ذلك لم ترضخن لهذا الحكم فقد طالبن الرسول بإلحاح بعد ذلك بالخروج إلى الجهاد مع أزواجهن للتمريض وسقي الظمأى ثم طالبن بالخروج إلى المساجد حيث قال النبي ردا على طلبهن " لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله".
كما طالبت النساء بالمشاركة في الحياة العامة بحضور الأعياد فاستجاب الرسول (ص) يقوله" دعوا العواتق وذوات الخدور يشهدن الأعياد " وتأتي طلبات النساء تباعا في حياة الرسول في إطار سعيهم للتحرر من عبودية الرجل واستغلالهن حيث كان الأسياد يكرهون الإماء على البغاء إلى أن جاءت (سورة النور الآية: 33) لتصحيح الوضع بقوله تعالى" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء"، وما حدث مع زوجة سعد بن الربيع وأم كحة في مطالبتهن بحقهن في الميراث ، فما تحيلنا عليه زوجة سعد يدل بعمق على معرفة متفحصة لأحوال مجتمعها وبرغبة الرجل العربي ومرغِّباته في الزواج وتركيزه على يسرها حيث قالت " هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال " تفسير الجلالين ص: 198.
لقد كان هاجس الثواب هو المحرك الأساسي لتحرك المرأة في اتجاه تحررها من عبودية العبد باعتبار أن الله عز وجل لا يجعل واسطة في التقرب إليه وعبادته ، فغيَّرت من الصورة التي وسمها بها العصر الجاهلي ، ويكفي للتدليل على استحكام هذا الهاجس في معركتها ضد معنى قوامة الرجل والوضعية الدونية لها في قول إحداهن للرسول " يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إذا عملت المرأة حسنة كُتبت لها نصف حسنة؟" .
الهوامش
1- د.نصر حامد أبو زيد" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة" ص: 18.
2-
سفر التكوين الإصحاح 42 الآية 37.
3 -
أنظر(ي) كتابنا" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."مطبعة وراقة سجلماسة ،مكناس الطبعة الأولى شتنبر 2004، ص:115
4-  مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة"- حقوق السياسية والاجتماعية والشخصية للمرأة في المجتمع الإسلامي-، د.محمد بلتاجي ،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة مصر،الطبعة الأولى 2000.
5 -
د.عبد الباسط محمد حسن ، مجلة عالم الفكر ،المجلد السابع، العدد الأول أبريل 1976.
6-
زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990
7 - المبسوط في الفقه" للسرخسي ،مطبعة السعادة، القاهرة، سنة 1324ه- 1903م الجزء الخامس

Partager cet article
Repost0
14 avril 2022 4 14 /04 /avril /2022 22:15
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف


                                      شعرية اللغة العربية و التجلي المثالي للمرأة      
                                   - العصر الأموي أنموذجا      -
                                                                            
                                                                        د. ادريس عبد النور 

  دراسة محكمة

                               أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس/المغرب
Abdennour.driss@gmail.com             
الكلمات المفاتيح: الأدب الأموي، المرأة العربية، الشعر العربي، المرأة المثال، النقد النسائي.

مداخل العرض               
 إن حقيقة الشعر العربي كنسق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الإطار السياسي والاجتماعي الذي أنشأه وبلور احتفاليته الثقافية بالوعي العربي.              
إن العمل الأدبي في تحركه نحو إنتاج العالم المعيش لا يستطيع السقوط في المباشرية كإعادة الإنتاج المادي لواقعه وإنما ينزع نحو تكثيف المثال الفني لينسج مكانه عالم آخر لا يتماثل مع الصورة الفنية للمعيش الشيء الذي يضع بين أيدينا افتراض حضور الطابع المثالي لامرأة النسيب كمثل أعلى للجمال الأنثوي وعودة الشعر الأموي إلى الصورة الفنية للشعر الجاهلي الذي كان يمتح من صورة المرأة المثال الوثيقة الصلة بالمعتقدات الدينية والأسطورية وتنحدر منها لتعشش في المخيال العربي مند القدم          .
لهذا كان طرحنا لعدة أسئلة من شأنه أن يثير تلك العلاقة الجدلية بين الإنتاج الفني واستهلاكه الاجتماعي
- ما هي أسباب تواجد وحدة الصورة للمرأة في الشعر العربي ؟              
- ما هي الدوافع التي حركت وساعدت الشعراء لمدح الجمال الأنثوي بالعصر الأموي؟
- ما هي الطرق التي عبّر بها شعراء "الحجاز" عن مكنونات قلوبهم وخوالجهم وعاطفة الحب لديهم ؟ 
- هل تعكس مقاييس الجمال المُنشَد الذوق العربي في تجلياته الواقعية أم إنها تعبر عن مثل أعلى للجمال طافح مترسب عن معتقد ديني أو أُسطوري سابق؟   
- كـيف يـكون الإبـداع الشعـري شخصيا ويعـبر عـن ذات الـشاعـر وجماعيا ويعبر عن جسد القبيلة في نفس الوقت؟    
- ما هي مقاييس تصنيف الشعر عند الأمويين انطلاقا من مظاهر تشطير البيت العربي إلى واجهة للحرائر وأخرى للجواري؟               
- ما هي صورة المرأة المثال في شعر الغزل الأموي بملامحها الجسدية والمعنوية؟             
- ألا يساعد الحفر اللغوي على فهم الإسطير الفهم الأمثل؟       
- هل الاستفحال الشعري تعبير عن فحولة المجتمع أم فحولة ممكنة للغة؟ .  
لاشك أن محاولة الإجابة على هذه الأسئلة يعطي لهذا البحث تصميما خاصا قد يجيب على تساؤلات النقد الأدبي، حيث أن الدراسات التي تطرقت لشعر الغزل لم تكن ترسم بشكل واضح صورة للمرأة العربية ف "قلما حفلت الدراسات التي تتناول شعر الغزل على امتداد العصور الأدبية العربية بشأن المرأة " (1)       
وقد اعتمدت في هذا البحث المنهجية التي تعتبر العملية الفنية نفي مستمر لذاتها ومحيطها نحو خلق وحدة نسقية منسجمة للشكل بمضمونه، كما نضع في اعتبارنا العلاقة السوسيولوجية بين مرسل ومتلقي الصورة الشعرية.       
إذن ما هي أهم المؤشرات التي تفاعلت بالسلب والإيجاب في وجدان الشعر الأموي ؟.

Mots clés : Littérature omeyyade, femmes arabes, poésie arabe, la femme idéale, critique féministe.

Afficher les entrées

 La réalité de la poésie arabe en tant que système ne peut être considérée isolément du cadre politique et social qui l'a établie et a cristallisé sa célébration culturelle de la conscience arabe.

L'œuvre littéraire, dans son mouvement vers la production du monde vécu, ne peut tomber dans la directivité comme reproduction matérielle de sa réalité, mais tend plutôt à intensifier l'idéal artistique pour tisser à sa place un autre monde qui ne correspond pas à l'image artistique. du vivant, qui met entre nos mains l'hypothèse de la présence du caractère idéal de la femme du parent comme idéal de beauté féminine et un retour de la poésie omeyyade à l'image artistique de la poésie préislamique, qui fournissait à partir de l'image de la femme l'idéal étroitement lié aux croyances religieuses et mythologiques et qui en est issu pour se nicher dans l'imaginaire arabe depuis l'Antiquité.

C'est pourquoi nous avons posé plusieurs questions qui soulèveraient la relation dialectique entre la production artistique et sa consommation sociale.

- Quelles sont les raisons de la présence de l'unité de l'image de la femme dans la poésie arabe ?

- Quels sont les motifs qui ont motivé et aidé les poètes à louer la beauté féminine de l'ère omeyyade ?


المؤشرات البارزة في حركية الشعر العربي         
 يرتبط تطور الشعر بمدى إمكانية تطور حياة المجتمع ولعل من أهم الأسباب التي أثرت في الاتجاهات الأدبية للعصر الأموي وخاصة من حيث حضور هاجس المجتمع في موضوعات الشعر وصوره وألفاظه وأساليبه، والتي أثرت بالسلب والإيجاب في تمظهرات الإشكال السياسي والاجتماعي والثقافي بالإبداع الفني ومدى الحضور القوي لهذه التجليات في تطور مفهوم الممارسة الشعرية كحقيقة واقعية متجانسة تستبدل تشكيلها الواقعي باللفظ والصورة الشعرية.    
-1- المؤشر السياسي     
إن هذا المؤشر من أبرز المؤشرات التي طبعت العصر الأموي و"لئن كان للأمويين الغلبة في الوصول إلى الحكم ، فإنهم لم يستطيعوا غلبة المعارضة نهائيا فأدركوا أن حكمهم يحتاج إلى الاستقرار، وأن هذا الاستقرار بحاجة إلى دهاء سياسي" (2)               
ومن آثار هذا الدهاء أن حرك بنو أمية النعرة القبلية بين العنصر العربي وعداهم من المسلمين، فكان طبيعيا أن تشب نارها في الشعر وبذلك ساهموا في أن يفتح "سوق عكاظ" بابه من جديد في وجه التراشق الشعري بين المكونات المختلفة لمعارضيهم بالحجاز والعراق والشام.      
كما أحدثوا شرخا بمشاعر الذاكرة والنفس العربيتين لما حوّلوا مركز الخلافة من بلد الحجاز إلى الشام.         
وقد ساهم هذا المؤشر في الظهور القوي للمؤشر الاجتماعي.    

-2- المؤشر الاجتماعي     
بعد انتهاج بني أمية لسياسة الفتوحات وانفتاح البلاد العربية على حضارة الترف البيزنطية والفارسية، كان لتدفق الأموال كبير الأثر في تميُّز دهائهم السياسي لإسكات المعارضين وخاصة أصحاب الحق الشرعي في الخلافة بالحجاز، حيث عالج بنوأمية هذه المعارضة "بالمال الوفير أغدقوه عليهم بلا حساب، وأبعدوهم عن المشاركة في السياسة والحكم "(3).     
وقد أنجب حجاز الترف شعراء كالعرجي والاحوص والحارث بن خالد المخزومي الذين رسموا في شعرهم الملامح الأولى للمرأة التي سنجدها كاملة عند الشاعر عمر بن أبي ربيعة.
ولقد أصبح الانغماس في الملذات شيئا مباحا ومظهرا تتسم به هذه الحقبة وخاصة بالحجاز الذي ازدهر فيه الغناء والإيقاع وفنون اللهو في الغفلة المتعمدة للرقيب الذي غض الطرف "عمّا انهمك فيه الناس من لهو وترف وغناء وحرية التمتع بملك اليمين من سبايا الهند وفارس والروم وسواها من البلدان " (4)             
هكذا استمتع المجتمع الحجازي باسترخائه حيث أنه خلع ثوب الجهاد ومضى يتمتع بجني الفتوحات، جمالا ومالا، فكان الغزل "أشبه موضوعات الشعر بالغناء، ومطلب النفوس من هذا مطلبها من ذاك، ومن هنا كان التجاوب بين حالتيهما: فمن آثار الموسيقى في الحجاز توجيهها موضوع الشعر إلى الغزل"(5)     
2-1الوضعية المجتمعية للمرأة بين ظاهرتي الحجاب و"ملك اليمين". 
يتحدد الأسر كواحد من الأسباب المباشرة لظاهرة الرق باعتباره أهم مصادرها الرئيسية وقد تعمقت العلاقة بين الرجل والمرأة المسترَقَّة من الناحية الجنسية بحكم ورودها في النص القرآني كملك اليمين تقول الآية: ﴿ وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ﴾ سورة النساء الآية 3.               
- ما هي انعكاسات ظاهرة "ملك اليمين" على نفسية المرأة العربية؟     
- ما هي القاعدة الواقعية التي جعلت عمر بن أبي ربيعة ناطقا رسميا باسم المرأة الحرة ؟
إن التفتح الواسع على عدد النساء "الجواري"اللواتي أضفن التنوع في الجمال الأنثوي وحسن الصوت والغناء بالبيت الأموي حيث كان منهن الروميات والفارسيات والسنديات والهنديات...               
وقد أدى الاستغراق في المجون والخلاعة إلى الابتعاد عن فحوى النص القرآني الذي أسس هذه الإجازة الشرعية "ملك اليمين" كتدبير مؤقت، فأخذ المجتمع الأموي ينهل من الحضارة التي وفدت عليه الشيء الذي "أقحم على الحرائر عوامل القلق والتمزق النفسي حين فهم الرجل خطأ حرية التمتع "بملك اليمين"فانقاد إلى قيانه وجواريه، وذا الميل الفطري المنجذب بمادية أحاسيسه إلى اللذة الجسدية " (6)   
إن هذا التفسخ والاستغراق في التمتع بالجسد الأنثوي المتنوعة مصادر جماله وفتنته قاد البحث إلى أن نفترض وجود أزمة للزواج بالمجتمع الأموي وبالتالي إعراض الرجال عن زوجاتهم، الشيء الذي أضر بالحرائر من النساء العربيات كما أضر بهن الحجاب الذي عزلهن عن المجتمع "ذلك أن المرأة الحرة لا تباع ولا تشترى فلا ينبغي لها أن تبرز محاسنها إلا على حَليلها، بينما تبرز الجارية محاسنها لأنها مادة تجارية في سوق الرقيق تباع وتُشترى"(7)          
إن الحجاب قد ألحق الحرة العربية بالظل وقد انشطر البيت الإسلامي إلى شطرين : شطر للحرائر وشطر للجواري.
فالحرائر قد فرض عليهم منطق الحجاب لزوم بيوتهن، يقول تعالى: ﴿يا أيها النبئ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن﴾ سورة الأحزاب الآية 59
وكان من الانعكاسات المباشرة للحجاب، عدم خروج الحرائر بأية زينة أو طيب، ويمكن القول بأن هذه الوضعية جعلت المرأة الحرة تحاول صياغة وعي خاص بها لشد الذكر العربي إلى مفاتنها الشيء الذي دفع بها إلى منافسة الجواري في إبراز محاسنها ، وهي معركة شاملة ذات بعد انفلاتي من بعض أحكام الشرع الإسلامي، تحمل في جوهرها سمات معركة تستبد بالمضمون لكي تستحكم الاستبداد بالشكل.     
فالمرأة الحرة " ربَّما سعت بجسدها الأنثوي لأن تكون "خليلة " لزوجها بعد أن كانت حليلة مما يسَّر للشعراء إثر هذه المنافسة سبيلا لاقتناص الصور التي تلائم ميولهم في غفلة الرقيب " (8)       
لقد أُعجب الحجازيون بالأسيرات فأصبحوا أسرى لجمالهن وفتنتهن ودلالهن فكان الإعراض عن الزوجات بالجسد المستورد الوافد من الأمصار.  
-2-2- معركة الحرائر لاستعادة المكانة المفقودة               
- كيف عبًّرت المرأة الأموية الحرة عن رغبتها في خرق الطابوهات وتكريس استمرارها أحيانا؟
أثار حكم بني أمية النعرة القبلية ودعوة الجاهلية فعاد الشعر للتداول باعتبار ان الشعر هو ديوان العرب، فعمدت المرأة المحصنة إلى إحياء ذكرى الجاهلية في النفوس وإغراء الشعراء للتشبيب بمفاتنها واستعراض خباياها النفسية والجسدية " إذا ما كانت عزباء، فيقبل عليها الخطاب، أما المتزوجات فلِثَني الرجل عن أفعاله واستعادته إلى بيته" (9)              
- كيف عبّرت العبقرية الشعرية العربية عن ذاتها؟      
- ما هي تلك الخصوصية التعبيرية؟     
فبعدما رقَّقَ الغناء وتعاطي الجواري من طبع البداوة بالحجاز كان لشعر الغزل في الحرائر مفعول الرقيب على الأخلاق المتشعبة المسالك في جغرافيا تضاريس وعي المجتمع العربي الجاهلي حيث لم يكن الشاعر الجاهلي بوقا للقبيلة فقط وإنما لسانها والمعبر عنها إذ ضَمُّن شعره مُلتقى عواطف القبيلة ومحامدها وسجل أيامها ووقائعها كصدى لها بالإضافة إلى كونه أنشد الشعر كقيتارة للتعبير عن نفسه ،فالغزل في رأي ابن قتيبة "غرض بذاته ولكنه غرض لغيره"،الشعر والشعراء، بتحقيق أحمد شاكر.            
"فهذه النكسة الجاهلية كان لها أثرها في الحياة الأدبية في هذه الفترة (العصر الأموي) من ناحية الكم والكيف جميعا، فقد أتاحت لتيار النشاط الأدبي الجاهلي أن يمضي في سبيله، وان يغمر الحياة بأمواجه المندفعة في صخب وعنف ، بعد أن تهاوت السدود التي تمنعه أو تحاول تلطيفه وتهذيبه"(10)
وقد وُصف العصر الشعري الأموي بعصر الرجعة"إذ جعلت الحياة الأدبية تُراجع فيه نشاطها الذي عرفته في العصر الجاهلي ، كما أرادت أن تجعل من نشاطها فيه صورة من ذلك النشاط الجاهلي وامتدادا له " (11)             
ولعـل ما يثبت فرضية كون عمر بن أبي ربيعة ناطق رسمي باسم المرأة العربية الحجازية هو كونه" رسم لها طريق الخلاص حين أنطقها، في شعره، بكل ما تريد البوح به وأعلى من شأنها، وناصرها في صراعها مع الجواري والـقيان بُـغـية إثبات وجـودها كائـنا لـه حــق الـحـرية والـحـياة "(12). وعندما جعلها عاشقة لا معشوقة حرّك غيرة الرجال على نسائهم المُهمَلات.               
- هل هناك شروطا نظرية يمكن من خلالها تحديد الشعر الأموي في حدود الإباحية والعذرية؟
- بأي معنى يمكن أن ندعو قصيدة النسيب الأموية إباحية ؟ 
فشعر الغزل بما هو صحافة العصر الأموي قد سجَّل أخبار النساء لتحريك غيرة الذكر العربي على أُنثاه وإعادة تمكينه من اكتشافها في مداها الأخلاقي الواسع وقد استعملته بنات الخلفاء ، فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وشريفات آل البيت كسكينة بنت الحسين التي كانت تستقبل الشعراء في دارها، وعائشة بنت طلحة بنت الصحابي ، ومما يزكي الدور الترويجي المؤثر في نفسية العربي واستجابته له قصة الدارمي الشاعر الذي ترك الشعر وكانت عودته لشعر الغزل وسيلة لذر الربح على تاجر خُمُر العراق ، حيث تعَشَّقَ صاحبة الخمار الأسود يقول صاحب الأغاني في ذلك " فلم تبق مليحة في المدينة إلا اشترت خمارا أسودا وباع التاجر ما كان معه "(13)              
يقول الشاعر الدارمي: 
قل للمليحة في الخمار الأسود*
ماذا فعلت بزاهد متعبّــد           
قد كان شمّر للصلاة ثيابه*       
حتى خطرت له بباب المسجد   
رُدي علية صلاته وصيامه*       
لا تقتليه بحَــقّ دين محمد          
لقد صارت المرأة العربية الشريفة أُغنية في قصيدة .. والقصيدة أُغنية على أوتار المغنيات فكان أن تحولت عقلية العربي بفعل سحر شعر الغزل الذي يسعر القلوب ويستفزُّ العقول ويستخفُّ الحليم، من عشق الجواري إلى التهافت على الحرائر ، شارك في هذه الصيرورة مغنيات حادقات، صار لهن مكانة وموكب ودار ، أمثال جميلة وعزة الميلاء وسلاَّمة القس وقد كان تأثيرهن في الشعر والشعراء واضحا جليا    .
الخاتمة:
هل استطاعت اللغة أن تنقل حقيقة ما أحسّه العربي من أحاسيس جيّاشة بداخله اتجاه الأنثى التي عشقها؟         
إن الشاعر العربي كان يقرض الشعر مأخوذا بسحر المرأة"المثال" إذ أن ميكانيزمات اللغة الشعرية لا تبين عن سلطتها إلا إذا باينت وتخلّصت من ثقل الواقع على شحناتها العاطفية.
إن شعراء العصر الأموي قد استوحوا لغة امرئ القيس وتشبيهاته وصوره وقيمه الجمالية واستخدموا عباراته وألفاظه بعينها فهذا الوصف لا يمت إلى اتجاه حسّي ولا يصدر عن تجربة واقعية، وبذاك وجب انتفاء عناصر التمييز والتفارُق بين العصرين على المستوى المتخيّل الفنّي .
- لماذا كان الشعر ديوانا للعرب؟ تساؤل يُلخص جوابه كل تاريخ القصيدة العربية في صراعها مع القوافي.      
فلما يوصف الكلام الشعري كهجاء وفخر ومدح يعيد الشعر إنتاج سلطة البلاطات وأُمرائها، ولما يعبّر عن الوجدان العربي في تجلياته تتحول القصيدة إلى كائن شفاف يعيد صياغة الأسئلة، لمن هذا الشعر؟ وما هي حدود علاقاته مع الآخر،متلقّي ومتلقية؟ وهل تكفي كيمياء الأحاسيس للقول باستمرار القريض الشعري حاضرا في جل العصور الأدبية؟     
كيف انتشت اللغة بقدرتها على التعبير عن نفس تلك الاحاساسات ؟ وما مدى محدوديتها لمّا استعملها امرئ القيس ومزجها عمر بن أبي ربيعة بكيانه ووجدانه وأنطقها جميل بن معمر من فيض روحه ؟ مستلهمين جميعهم المرجعية الأسطورية والدينية في رسم الصورة المثالية الحاضرة دوما وأبدا في المخيال العربي. 

هوامش ومراجع              

1- د. رفيق خليل عطوي ،"صورة المرأة في شعر الغزل الأموي"، دار العلم للملايين بيروت لبنان ، الطبعة الأولى ، أكتوبر سنة 1986، ص:7         
2- نفس المرجع السابق ص:40
3- نفس المرجع السابق ص:28
4- نفس المرجع السابق ص: 28              
5- نجيب محمد البهبيتي "تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري " دار الثقافة ،الدار البيضاء سنة 1982 الصفحة:129  
6- د.رفيق خليل عطوي ص:11              
7- د.رفيق خليل عطوي ، نفس المرجع السابق الصفحة :52  
8- نفس المرجع السابق ص:11.              
9- صورة المرأة في شعر الغزل الأموي ص:54.  
10- د.محمد طه الحاجري ، في تاريخ النقد والمذاهب الأدبية ،دار النهضة العربية،       بيروت 1982،الصفحة :70.    
11- نفس المرجع السابق ص:148.        
12- صورة المرأة في شعر الغزل الأموي ص:12.               
13- الأغاني، بولاق ،الجزء الثاني، ص:179 .

Partager cet article
Repost0
13 avril 2022 3 13 /04 /avril /2022 23:25
مجلة دفاتر الاختلاف

مجلة دفاتر الاختلاف

بناء الكفاية اللغوية بين الإضمار والتصريح بالقواعد الضابطة

بمرحلة التعليم الابتدائي

د.الحسان الحسناوي

دراسة محكمة

                             أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، فاس مكناس

elhasnaouihas@hotmail.fr 

مقدمة:

   تروم هذه الورقة الكشف عن أهمية بناء الكفاية اللغوية بالمدرسة الابتدائية والسيرورة التي تسلكها عملية البناء هذه، حيث يبدأ اكتساب اللغة في سياقها الطبيعي من الاستعمال الشفهي " مما يقتضي إيلاء الأهمية اللازمة للاستماع والتحدث باللغة العربية الفصيحة" باعتباره أداة لاستضمار البنيات اللغوية الضابطة للغة العربية في السنوات الثلاث الأولى من التعليم الابتدائي، وكفاية عرضانية تتيح للمتعلمات والمتعلمين تعلم موارد المواد الأخرى، واكتساب المفاهيم والمهارات والقيم. ويتخذ تمرير القواعد اللغوية بطريقة ضمنية في السنوات المذكورة مسارا متدرجا يتخذ من الحكاية دعامة لغوية تنطوي على مرتكزات وموجهات أدب الطفل، وتراعي خصائص مرحلته النمائية (العقلية، والوجدانية، والحس حركية)، ويتبلور هذا المسار في الحصص الديداكتيكية التي يتنامي فيها التشرب اللغوي للمتعلم على امتداد عشر حصص، تخصص الحصص الخمس الأولى للاستماع،  حيث يتداول المتعلم كل ما يتضمنه النص الحكائي من مفردات وجمل تستضمر البنيات اللغوية الأسلوبية والتركيبية والصرفية المستهدفة عبر حوارات أفقية وعمودية متتالية، وتروج لجملة قيم يتشربها ويطلب منه ترجمتها وتشخيصها عبر محطات السرد لمقاطع الحكاية.

    وتأتي الحصص الخمس التي تقدم في الأسبوع الثاني متناغمة ومكملة لحصص الأسبوع الأول، وذلك لخدمة هدف أساسي وهو: استعمال المتعلم للغة في نسقيتها وشموليتها وإقداره على الإبداع والإنتاج انطلاقا من حكاية استضمر بنياتها العميقة.  ولا يتحقق شرط البناء للكفاية اللغوية دون الخدمة المتكاملة للمبدأين معا ( مبدأ الإضمار، مبدأ التصريح)؛ فإذا كان مبدأ الإضمار يمثل الوجه الاستعمالي لبنيات اللغة في شموليتها دون تجزيئها وتعرف عناصرها، لأن اللغة هنا أسبق من القواعد، وهي تكتسب أولا بتداول بنياتها الأسلوبية والتركيبية والصرفية؛  فإن مبدأ التصريح يمثل الجانب الواعي للغة، لذلك يطلب من مستعمل اللغة أن يتعرف متحكماتها ويدرك العلائق التي تنتظم عناصرها، مثل علاقة الفعل والفاعل، علاقة الفعل والمفعول به، علاقة الفعل والمفعول معه، علاقة الفعل والحال، علاقة الفعل والتمييز...الخ. ولتثبيت وعي مستعمل اللغة (المتعلم) بهذه العلائق والمتحكمات، يسخر المدرس ما توفره الديداكتيك والبيداغوجيا من أدوات وطرائق لتيسير إنماء الكفاية اللغوية.

Introduction:

   Cet article vise à révéler l'importance de la construction de la compétence linguistique à l'école primaire et le processus suivi par ce processus de construction, où l'acquisition de la langue commence dans son contexte naturel à partir de l'usage oral, « qui nécessite de donner l'importance nécessaire à l'écoute et à la parole dans le langage classique ». langue arabe » comme outil d'ancrage des structures linguistiques de contrôle de la langue arabe dans les années Les trois premières de l'enseignement primaire, et la suffisance transversale qui permet aux apprenants et apprenantes d'apprendre les ressources d'autres matières, et d'acquérir des concepts, des compétences et des valeurs . Le passage des règles linguistiques implicitement dans les années mentionnées prend un chemin progressif qui prend le conte comme un support linguistique qui comprend les fondements et les directives de la littérature pour enfants, et prend en compte les caractéristiques de son stade de développement (mental, émotionnel et kinesthésique). ), et ce parcours se cristallise dans les séances didactiques où l'imbibition linguistique de l'apprenant se développe tout au long des dix séances, les cinq premières séances sont consacrées à l'écoute, où l'apprenant échange tout le vocabulaire et les phrases contenues dans le texte narratif qui intègrent la stylistique visée, structures structurelles et morphologiques à travers des dialogues horizontaux et verticaux successifs, et promeut un ensemble de valeurs qu'il absorbe et lui demande de traduire et de diagnostiquer à travers les stations de narration des passages de l'histoire.

    Les cinq leçons qui sont proposées en deuxième semaine sont harmonieuses et complémentaires aux leçons de la première semaine, afin de servir un objectif fondamental : l'utilisation de la langue par l'apprenant dans sa cohérence et sa globalité, et sa capacité à être créatif et productif , basé sur une histoire qui a ancré ses structures profondes. L'exigence de construction de la compétence linguistique n'est pas atteinte sans le service intégré des deux principes ensemble (le principe d'implication, le principe déclaratif) ; Si le principe d'implication représente l'utilisation des structures de la langue dans leur globalité sans les fragmenter et sans en connaître les éléments, car la langue est ici antérieure aux règles, et elle s'acquiert d'abord en échangeant ses structures stylistiques, synthétiques et morphologiques ; Le principe de déclaration représente le côté conscient de la langue, il demande donc à l'utilisateur de la langue d'identifier ses contrôleurs et de réaliser les relations qui organisent ses éléments, telles que la relation du verbe et du sujet, la relation du verbe et l'objet avec lui, le rapport du verbe et de l'objet avec lui, le rapport du verbe et de la situation, le rapport du verbe et la distinction...etc. Afin d'établir la prise de conscience de l'utilisateur de la langue (l'apprenant) avec ces relations et contrôles, l'enseignant mobilise les outils et méthodes fournis par la didactique et la pédagogie pour faciliter le développement de la compétence linguistique.

أولا. الكفاية اللغوية: تحديد المفهوم

في مفهوم الكفاية والكفاية اللغوية

عن مفهوم الكفاية

      ورد في معجم اللغة العربية المعاصرة: كفى/ كفى ب/ كفى ل/ يكفي، اكف، كفاية، فهو كاف وكفي، والمفعول مكفي للمتعدي. وكفى الشيء/ كفى به/ كفى له: اكتفى وغني؛ حصل به الاستغناء عن سواه، وكثيرا ما تزاد الباء على فاعله؛ " وكفى بالله حسيبا" - " وكفى بالله شهيدا" شهادة الله تغني عن غيرها[1].وفي  لسان العرب لابن منظور، الكفاية من " كفي يكفي كفاية إذا قام بالأمر، والكفاة الخدم الذين يقومون بالخدمة، وكافيك من رجل وناهيك من رجل وجازيك من رجل، أي حسبك، وكفاه الأمر: إذا قام في مقامه، والكفية القوت"[2].  " ومنها الكفء: نظير له وهو أي الكفاءة في الأصل مصدر، ومن الكفء الكفاءة في النكاح، وهو أن يكون الزوج مساويا للمرأة في حسبها ونسبها وبيتها وغير ذلك. وهكذا فإن المعنى الذي تنصرف إليه هذه المادة وهو المساواة حاصل في كثير من المشتقات، غير أن عربيتنا الحاضرة قد عدلت عن هذا المعنى وصار الكفء فيها هو الكافي القدير. فيقولون هو كفء في عمله أي قادر في عمله. وكان الصحيح أن يقال كاف في عمله. وعلى هذا، فإن الكفاية أخذت هذا المعنى المولد الجديد وهو القدرة على القيام بالشيء. وفلان ذو كفاءة يراد به ذو كفاية تفرض استعمال كفاية من كفى يكفي وليس كفاءة"[3]

ومن هنا نلحظ أن المعاني الواردة في المعاجم العربية «تنعقد حول مفهومين:

الأول: القيام بالأمر ولم تحدد المعاجم مستوى القيام به، إذا ما كانت مرتفعة أو منخفضة، ونسبة الارتفاع والانخفاض.

الثاني: الوصول إلى درجة من المبتغى سواء أكان المبتغى ماديا أم معنويا"[4].

  ويتداخل مفهوم الكفاية مع مفاهيم أخرى تستعمل لنفس المعنى، وهي القدرة والاستعداد والمهارة والمعارف المعمقة " المعترف بها reconnues التي تعطي الحق لصاحبها سلطة الحكم والتقرير في بعض المواد، مثال ذلك: له الكفاية Avoir de la compétence أو التمكن من الكفاية أو الكفايات، أو الاهتمام بقضية ما لكفايته، أو تنقصه الكفاية"[5]. غير أن ثمة فروقا تميز هذه المفاهيم جميعها، فإذا كانت (القدرة: capacité) «تدل على إمكانية أداء نشاط معين...وتشير إلى القوة على أداء فعل ما، جسديا كان أو عقليا"؛ فإن (الاستعداد: Aptitude) قدرة ممكنة " أي وجود بالقوة أو أداء متوقع سيتمكن الفرد من إنجازه فيما بعد، عندما يسمح بذلك عامل النمو والنضج أو عامل التعلم، أو عندما تتوفر لذلك الشروط الضرورية له"[6]. أما (الإنجاز: Performance) " فهو النتائج التي يبلغها المتعلم حسب معايير محددة للإنجاز، التي تكون محددة في شكل سلوكات وأداءات قابلة للملاحظة"[7]. ويتحدد (السلوك: comportement) في كونه يشمل نشاط الإنسان، وحتى الكائن الحي، في تفاعله مع بيئته من أجل تحقيق أكبر قدر من التكيف معها.[8]

       وقد تعددت التعاريف التربوية للكفاية، ففي تعريف عبد الكريم غريب تتحدد الكفاية في كونها " سلوكا مركبا، يتوقف تكوينها على مستوى عال من المهارة والنجاعة في التدريس، الأمر الذي يتطلب الإلمام بمختلف مكونات الفعل التعليمي التعلمي، وعلى مختلف المستويات السيكولوجية والبيداغوجية والديداكتيكية..."[9]. غير أن مفهوم الكفاية على الرغم من التوضيحات الكثيرة التي شملته، بقي-على امتداد فترة ليست بالقصيرة مشوبا بالالتباس والغموض فرضتهما صعوبة التنزيل والتطبيق. إذ يكفي الممارس للفعل التربوي (المدرس) أن يقدم شروحا وافية لمفهوم الكفاية، ولكن حين يطلب منه كيفية تنزيل الكفاية وأجرأتها في تدبير الوضعيات والأنشطة التربوية تعوزه القدرة على ذلك. ولتجاوز هذه الوضعية الشاذة التي أربكت عمل المدرسين بالمدرسة المغربية على امتداد ما يقارب عقدا من الزمن، عملت وزارة التربية الوطنية على اعتماد بيداغوجيا الإدماج -التي أجهضت في مهدها-باعتبارها تطبيقا فعليا للكفايات في نظام التربية والتكوين.... وهكذا، أصبح المدرس أمام مفهوم واضح ودقيق للكفاية، وأضحى باستطاعته تنزيله وتطبيقه بكل يسر وسهولة في الوضعيات التعليمية التعلمية. وتبعا لذلك، صرنا نعرف الكفاية كالآتي: " هي أن يتمكن فرد ما أن من تعبئة مجموعة من الموارد (معارف، معارف الفعل، معارف الكينونة) وإدماجها من أجل حل وضعية مشكلة تنتمي إلى فئة الوضعيات"[10]. فلكي تتحقق الكفاية لدى مدرس ما أو تلميذ أو طبيب أو مهندس أو غير ذلك، ونحكم عليه بأنه كفء، لابد من تضافر الموارد الثلاثة المذكورة؛ لأن غياب مورد واحد يعني عدم التحكم في الكفاية. وللتوضيح أكثر، يرتكز التحكم في الكفاية من لدن مدرس اللغة العربية في السلك الابتدائي مثلا على تعبئته وتجنيده ل:

المعارف كدرايات ومعلومات ومعطيات معرفية مرتبطة باللغة العربية (قواعد اللغة العربية، أنواع النصوص: سردية، وصفية، حوارية، إخبارية، حجاجية، معارف مرتبطة بعلوم التربية والديداكتيك ...)؛

معارف الفعل: باعتبارها مهارات تحول المعارف إلى إنجازات وأداءات تترجم في الفعل المهني داخل الفصل الدراسي؛

معارف الكينونة: بوصفها مواقف واتجاهات وقيما مرتبطة بحسن التصرف. فالمدرس، تبعا لهذا، مطالب بأن يقبل الاختلاف وأن يحتوي فضول متعلميه وأن يستوعب مواقفهم المختلفة، وأن يحسن التصرف في إزاء كل ذلك.

في مفهوم الكفاية اللغوية

      يرجع ظهور مفهوم الكفاية اللغوية إلى العالم اللغوي الأمريكي (نعوم تشو مسكي Noam Chomsky) الذي يحددها بكونها " قدرة المتكلم – المستمع المثالي على أن ينتج انطلاقا من قواعد ضمنية عددا غير متناه من الجمل تقود عملية التكلم"[11]. وقد ميز تشو مسكي بين الكفاية والإنجاز أو الأداء   Performance الذي يفيد استعمال اللغة، " فالكفاية اللغوية compétence هي القدرة التي تمكن الإنسان من فهم ما يقال، وتمكنه من صوغ الجمل اللغوية الصحيحة وتركيبها تركيبا نحويا سليما، في حين أن الأداء أو الكلام هو القدرة التي تتيح حركة صوتية في الفم، تجعل العضلات الموجودة داخل الفم وخارجه تتحرك على نحو يجعل الإنسان ينطق الأصوات المتعارفة في كل لغات العالم"[12]. وهذا التفريق يذكرنا بالتمييز الذي وضعه (فيرديناد دي سوسير Ferdinand de Saussure (   بين اللغة والكلام "باعتبارهما ظاهرتين منفصلتين؛ فاللغة -عنده -هي الانطباعات المركوزة في عقل كل فرد من أفراد المجتمع"[13]، وتتمثل هذه الانطباعات في تقيد المتكلم بقواعد اللغة والمناويل اللغوية المتعارف عليها في لغته، والمفردات المعجمية المصطلح عليها[14]؛ أما الكلام فهو حدث فردي إرادي " وهو تركيبة لقولة معينة على نحو يحكمه عادة قصده الإبلاغي، واختياره لمفردات معجمية ومناويل قاعدية بعينها، واستثمار السياق لبيان مقصده"[15]. ضمن هذا المنحى، يؤكد التوليديون على الطابع الإبداعي للغة، وهو محصلة انتقال الإنسان من القدرة الفطرية إلى الحدس اللغوي الذي يتمثل فيها (الإنسان) قواعد لغته، ويستطيع أن ينتج مالا حصر له من الجمل التي لم يسبق له أن أنتجها أو فهمها من قبل. وإذا كانت الكفاية من وجهة نظر التوليديين تشمل قدرة نحوية وأخرى تداولية، " فإن الوظيفيين يذهبون إلى أن الكفاية اللغوية كفاية واحدة تجمع بين النحو والتداول ويسمونها بالكفاية التواصلية: compétence communicative ...وتعني التمكن والقدرة على استعمال السنن اللغوي من أجل التعبير والفهم والتواصل...فلكي نتواصل لا يكفي أن تكون لدينا معرفة باللغة والنظام اللغوي، ولكن يتعين علينا أيضا أن نعرف كيف نستعملها حسب السياق الاجتماعي"[16]

قياس الكفاية اللغوية:   

     إذا كان المنطق الذي يتأسس عليه بناء الكفاية اللغوية يقوم على كمية اللغة التي تعلمها شخص ما وتحديد مستوى توظيفها في مقامات تواصلية مختلفة، فإن ذلك يقتضي أيضا قياس هذه الكمية ومعيرة استثمارها. " ولقد وضعت شروط لحصول الكفاية اللغوية في استعمال اللغة الثانية، فيقال عن شخص ما إنه يعرف هذه اللغة إذا كان قد حقق واحدا من المعايير أو الشروط الآتية:

اكتساب المهارات اللغوية معرفة وأسسا؛

الوقوف على ما يقاس وما لا يقاس؛

الأداء على المستويات المختلفة (الحقيقة والمجاز)؛

سلامة الإنتاج اللغوي أصواتا وقواعد واستعمالا...الخ؛

إنتاج لغوي بأساليب متنوعة؛

أداء المهارات اللغوية الوظيفية؛

إنجاز أهداف لغوية محددة؛

الإنتاج اللغوي بكفاية عامة وشاملة؛

القدرة على الإرسال والاستقبال؛

الإنتاج بدرجة محددة من الطلاقة؛

الإنتاج بأشكال وأنواع لغوية متنوعة"[17].

الكفاية اللغوية سيرورة بناء

      ترتكز سيرورة بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلم على أساس أن المعارف اللغوية " وإن كانت تتدرج من حيث ظهورها واكتسابها وانتقالها مما هو محسوس خاص عملي إجرائي إلى ما هو مجرد عام مفهومي تصريحي، فإنها تتكامل وتتفاعل فيما بينها سواء على مستوى الانبناء والنمو أو على مستوى التطور والتعلم أو على مستوى الانتقال والتحول من حالة إلى أخرى"[18]. وترتكز هذه السيرورة على ثلاثة مستويات، تتلخص فيما يلي:

سيرورة البناء كنشاط ذهني تحكمه محددات أهمها:

الاستناد إلى عمليات الفهم والتذكر والاستنباط؛

الجمع بين المعارف السابقة والمعارف الجديدة؛

الأخذ بسيرورة التفاعل بين المتعلم والمحيط؛

كل اكتساب عبارة عن سيرورة ذهنية داخلية مراقبة من لدن المتعلم نفسه، بحيث يشارك بنشاط وحيوية في كل ما يكتسبه من معارف وكفاءات"[19]

سيرورة البناء كنظام من المعارف المتفاعلة التي تتمظهر على مستوى:

 أنواع المعارف التي تتدرج من المحسوس الضمني إلى المجرد التصريحي؛

أشكال المعارف التي تتضمن المعارف الطبيعية العفوية الساذجة والمعارف العلمية الممأسسة المرتبطة بالسياق المدرسي؛

من حيث استراتيجيات الاكتساب التي تفترض أن مهمة المتعلم لا تنحصر فقط في مجرد تعلم معارف خاصة بمجال محدد، بل يتعين أن تتجاوز ذلك إلى تعلم " قواعد عامة للتفكير واستراتيجيات لاكتساب المعارف واستعماها". يتعلق الأمر –هنا-بتعلم التعلم أو الميتا تعلم، حيث يصبح «التعلم سيرورة لتحويل فكر المتعلم من فكر معيش منغرس في السياق الطبيعي إلى فكر مجرد يعقل ذاته ولغته بمعزل عن أي سياق"[20]

سيرورة البناء كتحويل للمعارف التي تتحول بفعل التمدرس من معارف ساذجة إلى معارف منظمة ومبنينة، "وتتحدد إشكالية تحويل المعارف، حسب السيكولوجيين والديداكتيكيين في مناسبة وملاءمة المعارف المدرسة والوضعيات الجديدة في أفق تفعيلها بشكل جيد. أي بمدى المطابقة والمماثلة بين الشكل ومحتوى المعارف المدرسة من جهة، وبين مختلف الميادين حيث إمكانية تطبيقها من جهة أخرى"[21]

    تبعا لذلك، إذا كان بناء الكفاية يأخذ هذا الوجه السيروراتي التكاملي (البناء كنشاط ذهني، البناء كنظام من المعارف، البناء كتحويل للمعارف)، فكيف يتأجرأ على مستوى المعارف اللغوية بالمرحلتين الأساسيتين للتعليم الابتدائي بشكل يضمن التدرج والاستمرارية والانسجام والنسقية بين المرحلة الأولى التي تضم السنوات الثلاث الأولى، ومرحلة السنوات العليا؟  

ثانيا. مرحلة استضمار البنيات اللغوية واستثمار المهارات الشفهية في السنوات الثلاث الأولى

 عن مفهوم الإضمار/الاستضمار 

     يتخذ بناء الكفاية اللغوية في منهاج اللغة العربية بالتعليم الابتدائي سيرورة بناء متنامية كما وكيفا، وذلك عبر" المحافظة على مرحلتين أساسيتين للتعليم الابتدائي، لضمان الاستمرارية والنسقية والانسجام والتدرج داخل كل مرحلة على حدة، قصد ترصيد المكتسبات وتطوير القدرات والمهارات وإنماء الكفايات المقررة في المنهاج"[22]. فما معنى الإضمار في تمرير القواعد اللغوية بالمرحلة الأولى؟

     الإضمار: مصدر أضمر وهو تكوين فكرة في الذهن تكون متضمنة وغير معبر عنها صراحة، وفي علم العروض إسكان الحرف الثاني كالتاء في متفاعلن فتصير متفاعلن، وفي علم النحو هو الإتيان بالضمير بدلا من الاسم الظاهر[23]. وفي مجال الديالكتيك يقتضي هذا المبدأ " تمرير الظواهر الأسلوبية والصرفية والتركيبية والإملائية بطريقة ضمنية في السنوات الأولى والثانية والثالثة من السلك الابتدائي"[24]. ولعل المسوغات التي تقتضي تمريرها ضمنيا تعزى إلى كون القواعد اللغوية ذات طبيعة مجردة يتعذر على الطفل في هذه المرحلة العمرية استيعابها، ف" تفكير الطفل في هذه المرحلة مادي صرف، فهو لا يفهم المجردات على الرغم من أن الإبداعية تكون في ذروتها ...وبالمقارنة مع تفكير الراشد، فإن تفكير الطفل ليس من الدرجات العليا، فلا توجد لديه مفاهيم حقيقية في هذه المرحلة..."[25].

تدرج بناء الكفاية اللغوية عبر سيرورة تبدأ ب: 

اعتماد الحكاية منطلقا لاستضمار البنيات اللغوية

      تبعا لطبيعة إدراك المتعلم (إدراك حسي) في هذه المرحلة، عملت المجموعة التربوية التي سهرت على صياغة منهاج اللغة العربية بالتعليم الابتدائي على ضرورة مراعاة واحترام العمر الزمني والإدراك العقلي للمتعلم. لذلك كان اختيار نصوص الحكاية والقراءة والكتابة منطلقات أساسية لاستضمار البنيات اللغوية المذكورة في السنوات الثلاث الأولى، يستجيب للشرطين الديداكتيكي والسيكولوجي. من هنا، كانت الحكاية "كدعامة لغوية كتبت باستحضار أسس ومرتكزات وموجهات أدب الطفل وثقافته من جهة، والخصائص العقلية والوجدانية والنفس حركية المميزة للمرحلة النمائية التي ينتمي إليها أطفال السنة الأولى من التعليم الابتدائي. أما الدعامة السيميائية فتتمثل في المشهد التعبيري الخاص بالحكاية، والرسوم والصور الخاصة بالوضعية التواصلية،  وذلك بهدف إنماء الكفاية اللغوية وفق سيرورة يشكل فيها تدريب المتعلمين على الاستماع في الحصص الخمس الأولى مرتكزا أساسيا لاستضمار المتحكمات اللغوية والبنيات العميقة للحكاية، وتشربها عبر فهم مضمونها العام ورصد عناصرها الأساسية: الأحداث، الشخصيات، الزمان، المكان، واستثمار بنيتها: البداية، تنامي الأحداث، عقدة الحكاية، تهاوي الأحداث إلى الحل. وقد اعتمد منهاج اللغة العربية جملة من الاستراتيجيات لخدمة البعد الأول من أجل تملك الكفاية اللغوية: بعد تمرير الظواهر اللغوية عبر الإضمار.

تطوير الرصيد الوظيفي:

    ينطوي استثمار المعجم الوظيفي في الحكاية المقدمة للمتعلمين في السنتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي على أهمية خاصة في إنماء كفايتهم اللغوية، فكلما زاد تحكم المتعلمين في طائفة كبيرة من المفردات والوحدات المعجمية، سهل عليهم نسج خطابات وتأليف حوارات، وكلما ضعف تحكمهم في المعجم، أثر ذلك في مهارات الفهم والإنتاج. حيث تشير الأبحاث إلى أن «التحكم في المعجم لا يقل أهمية عن التمكن من النحو في تنمية الكفاية التواصلية.... فالكفاية المعجمية كفاية مركبة وشاملة لمجموعة من الخصائص التأليفية التي تمكن المتكلم من التعرف على دلالة مفردات اللغة وكيفية استعمالها في جمل ونصوص معينة"[26]. لهذا يرتبط الجزء الأكبر من تعلم لغة ما بتعلم مفرداتها الجديدة. لذلك فإن " متعلم اللغة لا يعود إلى كتب النحو أثناء مواجهته لصعوبات تواصلية سواء على مستوى التواصل الشفهي أو الكتابي، بل يعود إلى القواميس لمعرفة معاني بعض المفردات الصعبة"[27]. وينبني التحكم في الكفاية المعجمية من لدن المتعلمين على ضرورة تملك هذه الوحدات وتعرف بنياتها والعلائق القائمة بين المعاني المختلفة وإدراك العلائق الصرفية بين الكلمات والوحدات والمفاهيم، ثم استثمارها في صيغ وجمل مختلفة ومتعددة استعدادا لتوظيفها في وضعيات تواصلية دالة.  

تمرير البنيات التركيبية والصرفية والأسلوبية بطريقة ضمنية

    تحتل الظواهر التركيبية والصرفية والأسلوبية أهمية خاصة في بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلمات المتعلمين في برنامج اللغة العربية الخاص بالمستويات الثلاثة من التعليم الابتدائي، ويقتصر مصطلح الظواهر التركيبية على الظواهر المتعلقة بطرق تركيب الكلام في الجمل... وهي في المستويات الثلاثة الأولى:(1-2-3) تمرر بطريقة مضمرة لاعتبارات سيكولوجية يقتضيها العمر الزمني، ويستدعيها مستوى الإدراك لدى المتعلمين في هذه المرحلة. لذلك، فإن استضمار المتعلم لبنية الجملة السابقة (فعل+ فاعل + حال) يتيح له أن يصوغ -على مستوى الإنجاز (البنية السطحية) الذي يتمثل فزيائيا في شكل مجموعة من الأصوات والرموز-ما لا حصر له من الجمل النظيرة أو الشبيهة، وتقتضي هذه الصياغة ألا تدرج باعتبارها مواد منفصلة، بل باعتبارها نظاما متكاملا، والتحكم في هذا النظام هو الذي يؤهله لإنتاج ما لا حصر له من الجمل والصيغ والتراكيب اللغوية.

من الاستضمار إلى الإنتاج وتطوير القدرة على التواصل

      يمثل إنتاج  النص الموازي – هنا- إبداعا لغويا عن طريق الإبدال أو الإضافة أو الحذف أو ملء الفراغ، ويستطيع المتعلم بيسر أن ينسج مقطعا من الحكاية أو نصا حكائيا كاملا، يساعده في ذلك الحكاية نفسها التي أصبحت مركوزة في ذاكرة المتعلم بسبب ترددها على مسمعه على امتداد خمس حصص متوالية مدرجة في الأسبوع الأول (الحصص:1،2،3،4،5)؛ وخلال عملية الاستماع يتداول المتعلم كل ما يتضمنه النص الحكائي من مفردات وجمل يستضمر بنياتها اللغوية الأسلوبية والتركيبية والصرفية المستهدفة عبر حوارات أفقية وعمودية متتالية، وتروج لجملة قيم يتشربها ويطلب منه ترجمتها وتشخيصها عبر محطات السرد لمقاطع الحكاية. وتأتي الحصص الخمس التي تقدم في الأسبوع الثاني متناغمة ومكملة لحصص الأسبوع الأول، وذلك لخدمة هدف أساسي وهو: إقدار المتعلم على الإبداع والإنتاج انطلاقا من حكاية استضمر بنياتها العميقة؛ فإنتاج المتعلم للنص الموازي-إذن-يأتي حصادا لمجموع ما اكتسبه عن طريق الاستماع.

      وتعتبر الوضعية التواصلية مكونا مكملا لمكون الاستماع والتحدث، " تروم توفير مواقف تواصلية مقصودة في حد ذاتها تسمح للمتعلم(ة) بالتحدث والتعبير واستعمال اللغة وتوظيفها في سياقات دالة، وهي بذلك مكملة لما يمكن استثماره في الحكاية من مواقف تعبيرية وتواصلية؛ وهذا ما ييسر تغطية الأهداف التواصلية والأفعال الكلامية المحددة في المنهاج وتحقيقها"[28]. وتفيد الأفعال الكلامية أن " الاستعمال اللغوي ليس إبراز منطوق لغوي فقط، بل إنجاز حدث اجتماعي معين في الوقت نفسه، فنحن نريد أن يعرف السامع ما نعرف (نقدم له معلومات)، بل إننا نريد -بناء على ذلك -أن يفعل ما نقول. " فنحن نطلب ونأمر ونوصي، وحين نعبر عن ذلك في نص، فإننا نقيم حدثا اجتماعيا"[29]، ويتجلى هذا الإنجاز في كون الأفعال الكلامية تتضمن ثلاثة أفعال لفعل كلامي واحد، وهذه الأفعال هي: الفعل اللفظي والفعل الإنجازي والفعل التأثيري؛ فالفعل اللفظي هو التركيب النحوي الصحيح الذي ينطوي على معنى أصلي، والفعل الإنجازي هو المعنى الإضافي الذي يؤديه الفعل اللفظي كالأمر أو الحث على إنجاز فعل ما. أما الفعل التأثيري فهو ما يحدثه الفعل الإنجازي من أثر في السامع، فيقبل بذلك إما على إنجاز الفعل أو رفضه. ويمكننا أن نسوق مثالا من الوضعيات التواصلية المقدمة لفائدة متعلمي المستوى الأول[30].

     ففي إطار استرجاع الحوار -الذي دار بين "ديدي ونميرة-المتعلق بالأمر والنصيحة. يوجه ديدي النصيحة لنميرة قائلا لها:   

ديدي: احملي معك معطفك. أنصحك بارتدائه في المساء حتى لا تصابي بنزلة برد.

نميرة: سأعمل بنصيحتك يا صديقتي.

فديدي-هنا-ينجز فعلا لفظيا قوليا، يكمن وراءه فعل إنجازي هو النصح المقدم لنميرة، وحين عملت نميرة بهذه النصيحة كان ذلك هو الأثر أو الفعل التـأثيري... وهكذا فالقدرة التواصلية تنبني حسب دوجلاس براون على أربع سمات متداخلة، هي كالتالي:

" لا تقتصر قاعة الدرس على القدرة النحوية أو اللغوية، وإنما تركز على مكونات القدرة الاتصالية؛

لا تمثل الأشكال اللغوية أساسا لتنظيم الدروس وترتيبها، وإنما تقدم من خلال تعليم الوظائف؛

الدقة اللغوية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي أمر ثانوي في التعبير. ومن ثم، فإن الطلاقة أهم من الدقة، والمعيار النهائي في نجاح الاتصال هو التعبير عن المعنى المراد، وفهم المعنى المراد على وجهه الحقيقي؛

 ينبغي أن يكون استعمال اللغة هو الهدف الأساسي للدارسين في قاعة الدرس، سواء في إنتاجها (الحديث) أو في استقبالها (الفهم) في سياقات لم يسبق التدريب عليها"[31]

ثالثا. مرحلة التصريح بالقواعد الضابطة في السنوات الثلاث العليا

       إذا كانت المرحلة الأولى تتميز بكونها محطة يغلب عليها طابع " التحسيس والإعداد القبلي لاكتساب المعارف والمهارات والمواقف (السنة الأولى والثانية) ودعمها وتثبيتها في السنة الثالثة؛ فإن المرحلة الثانية  التي تضم السنوات الرابعة والخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي، يغلب عليها طابع البناء والتركيز والتثبيت والتوسع التدريجي الأفقي للمكتسبات اللغوية المستهدفة، وتطوير الكفايات اللغوية والتواصلية المنشودة من محاور برامج المرحلة الأولى( السنة الرابعة)، في حين يغلب على السنة الخامسة والسادسة طابع الترسيخ والتعميق العمودي وترصيد المكتسبات السابقة واستثمارها وتثبيتها"[32]. وتتميز هذه المرحلة بكونها محطة للتصريح بالقواعد الضابطة للغة، حيث يحضر الوعي بالمتحكمات اللغوية وإدراك القواعد المجردة (النحوية والصرفية والأسلوبية والإملائية) التي سبق للمتعلم أن استضمر بنياتها في المحطة الأولى؛ لأن تفكيره (المتعلم) في هذه المرحلة " يتدرج من التفكير الحسي إلى المجرد وتتضح تدريجيا القدرة على الابتكار والعمل المبدع ويستمر التفكير المجرد في النمو"[33]. فالتصريح-إذن-بالقواعد الضابطة في مكونات الصرف والتحويل والتراكيب والإملاء في المستويات العليا يتم وفق غلاف زمني حدده المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي الصادر سنة 2021 في ستين دقيقة موزعة على حصتين، خصصت ثلاثون دقيقة للحصة الأولى التي تقدم في الأسبوع الأول، فيما خصصت الثلاثون الأخرى للحصة الثانية في الأسبوع الثاني. ويأخذ التصريح بالقواعد اللغوية سيرورة متنامية ديداكتيكيا تفضي بالمتعلم – عبر انخراطه في بناء التعلم-ليس فقط إلى تملك القاعدة اللغوية وتطبيقها في تمارين وأنشطة مقترحة، ولكن – أيضا-تتيح له إمكانية توظيف القاعدة في سياقات ومقامات تواصلية دالة متعددة ومختلفة.  فكيف يتم التصريح بالقواعد الضابطة إذن؟ وما السبيل إلى إنماء الكفاية اللغوية عبر القواعد المصرح بها؟

الوضعيات التعليمية التعلمية وبناء الكفاية اللغوية

     يرتكز تحقيق الكفاية على ضرورة استحضار المكتسبات السابقة من معارف وقدرات ومهارات، ويبقى "هذا الاستحضار غير كاف مالم يتم إدراجه في وضعيات تعلمية... وتعرف الوضعية التعلمية بأنها السياق الذي يتم فيه نشاط أو يقع فيه حدث تعلمي ... وتستند الوضعية التعلمية إلى ثلاث مكونات أساسية، هي:

الدعامات: أي مجموع العناصر المادية التي يتم تقديمها للمتعلم، ومنها الصورة والرسم والنصوص والخبرات وكذلك المجال والمحيط اللذان يحيا فيهما المتعلم؛

المرتقبات: وهي النتائج المؤمل الحصول عليها بعد الإنجاز؛

الإرشادات: وهي مختلف التوضيحات وشروط العمل التي تقدم للمتعلم بصورة واضحة."[34] 

     ولتحقيق الكفاية المذكورة عبر الوضعيات الديداكتيكية، يمكن اعتماد تقسيم كزافيي روجرز لهذه الوضعيات في تدبير الدروس، وهي: (الوضعية الاستكشافية، الوضعية الديداكتيكية، الوضعية المهيكلة، الوضعية التقويمية)[35]

     وللتوضيح أكثر، نقترح تدبير ظاهرة لغوية لكشف تمشيات البناء الذي يتخذه مبدأ التصريح بالقواعد الضابطة، مستثمرين في ذلك مبدأ التفاعل الذي تنادي به النظرية البنائية (جون بياجي Jean Piaget) بين الذات المتعلمة وموضوع التعلم. فالظاهرة اللغوية المقترحة –إذن-هي: الحال والجملة الحالية التي تقدم لفائدة متعلمي المستوى السادس، مدة غلافها الزمني ستون دقيقة.  وتتحدد أهداف الحصة كما يلي:

 أن يتعرف الحال والجملة الحالية؛

أن يميز بين أنواع الحال (مفرد، جملة، شبه جملة)؛

أن يستعمل الحال والجملة الحالية في جمل مفيدة؛

أن يوظف الحال والجملة الحالية في وضعيات تواصلية دالة ومختلفة.

                   

    فاصطفاف الأهداف التعلمية بهذه الترتيب يوازيه ترتيب بناء الوضعيات والأنشطة التي تتضمنها.  وتبعا لذلك، فإذا كانت الوضعية الاستكشافية Situation d’ exploration تستهدف التمهيد لإرساء الموارد الجديدة عبر خلخلة المكتسبات القبلية للمتعلم، من خلال أنشطة لا يصرح فيها بالموارد أو بالمفهوم الجديد (الحال والجملة الحالية)؛ فإن الوضعية الديداكتيكية: Situation didactique(البنائية) تستهدف بناء التعلمات الجديدة عبر التصريح بالموارد بكيفية نسقية. فكيف يتدرج بناء هذا التصريح عبر الوضعيات الثلاث التالية (الديالكتيكية والمهيكلة والتقويمية)، وكيف يتم إنماء الكفاية انطلاقا من درس في علاقته بالدروس الأخرى التي تليه؟  بكلمة أخرى، كيف تتفاعل الذات المتعلمة (المتعلم) مع موضوع التعلم (الحال والجملة الحالية) لبناء المعرفة الجديدة؟ لا سيما أن " من أهم مبادئ التعلم في هذه النظرية (النظرية البنائية) أنه لا ينفصل عن التطور النمائي للعلاقة بين الذات والموضوع، فالتعلم يقترن باشتغال الذات على الموضوع، وليس باقتناء معارفه عنه"[36]

الوضعية الديداكتيكية (وضعية البناء)

     لمعرفة كيفية تفاعل المتعلم مع موضوع التعلم، يسلك المدرس -باعتباره ميسرا لعملية التعلم لا ملقنا للمعرفة -مسارا يستدرج فيه المتعلمين – بعد قراءتهم للنص القاعدي وفهم مضمونه-إلى عزل الجمل المتضمنة للظاهرة وتسجيلها على السبورة، ثم يطلب منهم ملاحظة الظاهرة مستدرجا إياهم إلى تحليلها من خلال أسئلة دقيقة، تفضي بهم إلى تعرف الحال (اسم نكرة منصوب يأتي لبيان هيئة الاسم الذي قبله) ثم ينتقل بالمتعلمين إلى تعرف أنواع (الحال مفرد، الحال جملة، الحال شبه جملة).

    الجدير بالذكر هنا أن الأسئلة التي يطرحها المدرس تؤشكل المتعلم وتخلخل توازنه المعرفي (اللاتوازن عند جون بياجي)، وتضعه أمام تحد عليه أن يجد له حلا؛ فيبدأ في البحث عن ملاءمة (الاستيعاب والتلاؤم لدى بياجي) لمعارفه السابقة مع المعرفة الجديدة، وفي سياق ذلك، يفسر ما يستقبله ويبني المعنى بناء على ما لديه من معلومات إلى أن يصل إلى الحل أو إلى التوازن الجديد. فالذات –هنا-تمارس تأثيرها على موضوع التعلم عبر مجموعة من العمليات الذهنية: (الفهم، التفسير، التأويل، التجريب، المقارنة، الاستدلال...). بفعل هذا التأثير، يتحول موضوع التعلم إلى موضوع طيع يسير الفهم من قبل المتعلم؛ الأمر الذي يسهل لديه عملية التجريد (تجريد الموضوع) أو مفهمة الموضوع = القاعدة.

الوضعية المهيكلة: Situation Structuration

    في هذه الوضعية يبنين المتعلم -بمساعدة المدرس-الموارد المكتسبة عبر شبكة مفاهيمية وتثبيتها تثبيتا منظما، يتم ذلك عبر مجموعة من الأسئلة المتسلسلة والمتدرجة التي تفضي إلى المفهمة، وذلك من قبيل:

ما نوع كلمة مبتسما في جملة: دخل الأب إلى البيت مبتسما؟

يجيب المتعلم: اسم.

هل هو مرفوع أم منصوب أم مجرور؟

يجيب المتعلم: منصوب. هل هو نكرة أم معرفة؟ يجيب المتعلم: اسم نكرة وما قبله معرفة. ماذا يبين هذا الاسم النكرة المنصوب؟

يجيب المتعلم: يبين هيئة الاسم الذي قبله.

إذن كيف نسمي الاسم النكرة المنصوب الذي يبين حالة الاسم الذي قبله؟

يجيب المتعلم: نسميه حالا. إذن ما هو الحال؟

هنا يعطي المتعلم للظاهرة مفهوما صريحا، وهو: الحال اسم نكرة منصوب يبين هيئة الاسم الذي قبله. وقس على ذلك بقية الظاهرة.

الوضعية التقويمية: Situation d’évaluation

    في علاقة هذه الوضعية بالوضعية السابقة يتم الانتقال إلى التعميم الذي تجسده محطة أستعمل وأوظف. حيث يدرك المتعلم ويتعرف أن كل الأسماء المنصوبة النكرة التي تبين هيئة الأسماء التي قبلها تسمى حالا. وهو ما يسوغ له إمكانية الاستعمال، ويتيح له القدرة على التطبيق والتوظيف في المواقف التواصلية.

محطة الاستعمال: يكون فيها المتعلم قادرا على تطبيق القاعدة واستعمالها، بعد تعرفه على الحال وإعطائه مفهوما، وتملكه للقدرة على الاستعمال في ضوء عملية التعميم التي توصل إليها، فالاستعمال يقتصر فقط على التطبيق، كأن يركب المتعلم جملا مفيدة تتضمن الحال والجملة الحالية، أو أن يستخرجهما من نص.  

محطة التوظيف:

    تختلف عملية التوظيف عن الاستعمال من حيث كونها تستهدف تعبئة الموارد المتعلقة بالحال والجملة الحالية وتجنيدها لاستثمارها في وضعيات تواصلية متعددة ومختلفة، تدريبا وإقدارا له على الإدماج ولو في شكله البسيط. هذه المحطة أساسية في إطار المقاربة بالكفايات، لأنها تعد المتعلم وتهيئه لأن يتعامل مع المركب. ومن الأمثلة على ذلك: نطلب من المتعلم أن يصف رحلة قام إلى إحدى القرى يوظف فيها الحال والجملة الحالية.

خاتمة

      حاولنا في هذه المساهمة إبراز المسار الذي يتخذه بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلم بالمدرسة الابتدائية -مسار يتكامل فيه مبدآن أساسيان هما مبدأ الإضمار ومبدأ التصريح، فالأول الذي يرى إلى اللغة على أنها أسبق -من حيث الاستعمال والتداول -من القاعدة التي تضبطها، يبقى وفيا – من جهة-لخصائص المرحلة النمائية التي ينتمي إليها أطفال السنوات الأولى والثانية والثالثة؛ ومن جهة أخرى يراعي المسار الذي اتخذته البشرية في تعلم اللغة، فالإنسان تداول اللغة شفهيا قبل أن يعي القواعد المتحكمة فيها. أما المبدأ الآخر(التصريح)، فهو ينسجم مع المراحل العمرية التي يكون المتعلم قادرا على التجريد والتمثل الصوري للمفاهيم اللغوية، ولكنه مع ذلك، يبقى في حاجة إلى ما تقدمة البيداغوجيا والديداكتيك للمدرس قصد إنزال المفاهيم اللغوية من عليائها إلى مستوى المتعلم في المراحل الثلاث العليا من التعليم الابتدائي.

المراجع

  1. [1] - أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، المجلد الأول، الطبعة الأولى، القاهرة، 2008، ص: 1948
  2. [1] - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، ج15، ط4 بيروت، مادة (ك.ف.ي)
  3. [1] - إبراهيم السامرائي، التطور اللغوي التاريخي، دار الأندلس، ط2، القاهرة، ،1966، ص: 134
  4. [1] - خاد بسندي، مصطلح الكفاية وتداخل المفهوم في اللسانيات الحديثة، المجلة الأردنية في اللغة العربية وآدابها، المجلد 5، العدد2، نيسان 2009، ص: 36-37
  5. [1] - عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الجزء الأول، البيضاء، 2006، ص: 162
  6. [1] - عبد الكريم غريب، استراتيجيات الكفايات وأساليب تقويم جودة تكوينها، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط3، 2003، ص: 54-55
  7. [1] - عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، م. م. ص: 737
  8. [1] -  عبد الكريم غريب، استراتيجيات الكفايات وأساليب تقويم جودة تكوينها، م. م. ص: 57
  9. [1] - المرجع نفسه، ص: 7
  10. [1] - كزافيي روجرز، نقلا عن وزارة التربية الوطنية، مجزوءة التخطيط لفائدة الأساتذة الموظفين بموجب عقود، 2016، ص: 72
  11. [1] - نعوم تشو مسكي، جوانب من نظرية النحو، ترجمة مرتضى جواد باقر، البصرة، 1985، ص: 28
  12. 12-محمود السيد، الكفاية اللغوية مفهوما ومعيارا ومقياسا، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد 89، الجزء4، ص: 870-871
  13. المرجع نفسه، ص: 45[1]
  14. [1]- يونس علي محمد، أصول اتجاهات المدارس اللسانية الحديثة، عالم المعرفة، المجلد 32، العدد1، الكويت، 2003، ص: 134
  15. -المرجع نفسه، ص: 134[1]
  16. [1] - العربي اسليماني، التواصل التربوي مدخل لجودة التربية والتعليم، منشورات مجلة علوم التربية5، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، البيضاء، 2005، ص: 76-77
  17. محمود السيد، الكفاية اللغوية مفهوما ومعيارا وقياسا، م. م. ص: 881 [1]
  18. [1] - الغالي أحرشاو، الطفل بين الأسرة والمدرسة، منشورات علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، البيضاء، 2009، ص: 54
  19. المرجع نفسه، ص: 54[1]
  20. المرجع نفسه، ص: 56[1]
  21. [1]- عمر بيشو، ديداكتيك الكفايات والإدماج، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، البيضاء، 2010، ص: 33
  22. [1] - وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 71

 

  1. [1] - أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، المجلد الأول، الطبعة الأولى، القاهرة، 2008، ص: 1369
  2. [1] - وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 57
  3. [1]- أديب محمد عبد الله النوايسة، إيمان طه طايع القطاونة، النمو اللغوي والمعرفي للطفل، دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، ط1، 2015عمان، ص: 153
  4. [1]- فاطمة الخلوفي، أثر الكفاية المعجمية في التمكن من اللغة، تطور معايير التمكن من تخزين مفردات اللغة إلى بناء الكفاية التواصلية، التدريس، مجلة كلية علوم التربية، العدد 6، السلسلة الجديدة، يونيو. 2014، ص: 3
  5. الحسن عبد النوري، دور المفردات في بناء الكفاية اللغوية لدى المتعلم، مجلة العربية، عدد2، المجلد6. ص: 36[1]
  6. [1]- وزارة التربية الوطنية والتعليم العلي والتكوين المهني والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 28
  7. [1]- فان ديك تون.أ، علم النص: مدخل متداخل الاختصاصات، ترجمة وتعليق سعيد حسن بحيري، دار القاهرة للكتاب، ط1، القاهرة، 2001، ص: 26
  8. [1] - وزارة التربية الوطنية والتعليم العلي والتكوين المهني والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز. 2021، ص: 152
  9. [1]- دوغلاس براون ه، أسس تعلم اللغة وتعليمها، ترجمة: د. عبده الراجحي، د. علي أحمد شعبان، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1994، ص: 261
  10. [1]- وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج، يوليوز، 2021، ص: 71
  11. [1]-  أديب محمد عبد الله النوايسة، إيمان طه طايع القطاونة، النمو اللغوي والمعرفي للطفل، دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، ط1، 2015عمان، ص: 156
  12. [1] - وزارة التربية الوطنية، مديرية تكوين الأطر (قسم استراتيجيات التكوين)، المقاربات البيداغوجية الحديثة، 2005، ص: 24
  13. [1]- نقلا عن وزارة التربية الوطنية، مديرية تكوين الأطر، مجزوءة التخطيط لفائدة الأساتذة الموظفين بموجب عقود، 2016، ص: 72 
  14. [1]- شاه خالد ناسوتيون، تطوير نموذج تدريس النحو في ضوء نظرية التعلم البنائية (رسالة دكتوراه)، قسم تعليم اللغة العربية، جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية، مالانج ، اندونيسيا، مايو: 2016، ص: 107

 

Partager cet article
Repost0
21 janvier 2022 5 21 /01 /janvier /2022 23:20

الادارة التربوية واقع الممارسة بين النظرية والتطبيق

د. عبد النور ادريس

أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة فاس- مكناس ،فرع مكناس/ المغرب.

Abdennour.driss@gmail.com

الكلمات المفاتيح: الإدارة التربوية، المنظمة المدرسية، النظرية الإدارية،علم النفس التنظيمي

 

 

  1. تشخيص واقع الادارة التربوية والطموحات المرتقبة

تتسم المنظمة المدرسية الحالية بالترهل على جميع الأصعدة والمستويات، ظهرت واضحة في عدد من التمظهرات في الزمان والمكان، ساهم في التشخيص الذي قادنا إلى مقاربة الهفوات التي تشملها، من ذلك:


ـ طغيان النمط الإداري البيروقراطي، والأسلوب التسلطي.

ـ هشاشة  الموارد البشرية.
ـ إهمال العلاقات الإنسانية داخل المنظمة المدرسية.    
ـ ضعف النمو المهني للفاعلين التربويين.
ـ ضعف المشاركة في اتخاذ القرارات.    
ـ ضعف أساليب الاتصال بين أطراف العملية التعليمية. 
ـ عدم القدرة على استثمار البحوث في المجال التربوي.
ـ اتصاف المناهج التعليمية بالجمود وهي تركز على حجم المعلومات دون الاهتمام بنوعيتها.     
ـ الاعتماد على الحفظ والإقتصار على ما هو موجود في المناهج الدراسية.

ـ اقتصار الادارة التربوية على تنفيذ المذكرات والتعليمات.

ـ اعتماد الاختبارات التقويمية على الإسترجاع.

ـ ضعف العلاقات بين الإدارة المدرسية والبيئة المحلية.
ـ استخدام أساليب ديداكتيكية تقليدية تعتمد على المحاضرة والتلقين.

ـ ضعف برامج التكوين المستمر أثناء الخدمة .

ـ ضعف إعداد وتدريب القيادات التربوية تدريبا علميا تطبيقيا من حيث ما يتميز به التدريب من أسس وبرامج وفلسفات.

Diagnosing the reality of educational administration and future aspirations

The current school organization is characterized by slackness at all levels and levels, evident in a number of manifestations in time and place, which contributed to the diagnosis that led us to approach the lapses that it includes, including:
The tyranny of the bureaucratic administrative style, and the authoritarian style.

The fragility of human resources.
Neglecting human relations within the school organization.
Weak professional growth of educators.
Weak participation in decision-making.
Poor communication methods between the parties to the educational process.
Inability to invest research in the educational field.
The educational curricula are characterized by rigidity, and they focus on the volume of information without paying attention to its quality.
Rely on memorizing and limiting what is in the curriculum.

The educational administration is limited to executing notes and instructions.

Adoption of evaluation exams on recall.

Weak relations between the school administration and the local environment.
The use of traditional didactic methods based on lecture and memorization.

Weakness of continuous training programs during the service.

Weakness in preparing and training educational leaders in a practical and scientific way in terms of the foundations, programs and philosophies of the training.

  1. ـ أهمية النظرية الادارية

   من هذا المنطلق بدأ التركيز على القيادة وفق المعايير الجديدة فى المنظمة المعاصرة ووظائفها، في إطار بناء سلطة مبنية على المعرفة العلمية، والإهتمام بالظروف والمتغيرات العالمية المعاصرة وتأثيراتها فى المنظمة، وقد تم كذلك التأكيد على دور الإدارة التنفيذية فى مواجهة تحديات الحاضر وطموح المستقبل، خاصة وأننا اليوم أمام إدارة تنحاز إلى كونها علما تطبيقيا أكثر من كونها نظرية بالرغم من أن كل الحركة الموجهة نحو الوصول إلى نظرية مناسبة للإدارة هي في نفس الوقت حركة للوصول إلى أسلوب علمي في الإدارة، الشيء الذي يتأكد معه أن تسلح الإداري بالمهارات الأساسية لفهم المشاكل الإدارية وتمكنه من النظريات الإدارية التربوية والتدرب على توظيفاتها الميدانية يمنحه القدرة على تطوير ممارسة واعية ضابطة للمواقف الإدارية المختلفة التي تواجهه في الميدان، بالشكل الذي يجعله أكثر مرونة مع عمليات التغيير في السلوك والاتجاهات لسد الفجوة بين الأداء الفعلي ومستوى الأداء المرجو تحقيقه.

إذن النظرية الإدارية التربوية هي العلم الذي يعتمد في نحث مفاهيمه الخاصة على العلوم الأخرى، كعلم النفس وعلم الإجتماع والعلوم الرياضية والاقتصادية... كما تعتمد في أحيان كثيرة على الظروف المحلية والموقف السائد.

   إن التدريب على قيادة التغيير لذلك يرتكز على النظرية التي تقول بإمكانية صناعة القائد من خلال التدريب، حيث يكتسب معها المتدرب صفات ذات طابع علمي يبعده مسافة عن الارتجالية التي تعتمد أسلوب المحاولة والخطأ، فيضيف بالتدريب صفات جديدة على الصفات المتوفرة لديه، على أساس أن يأخذ التدريب بعين الإعتبار: أولا أهمية الجانب الأخلاقي، وأهمية البرنامج التدريبي لقيادة التغيير المتضمن لخطوات عملية إجرائية يستطيع القائد بوساطتها أن يستجيب للتجديد والتطوير أثناء قيادته للمنظمة، وثانيا أهمية التدريب على الجوانب المتعلقة بالذكاء العاطفي، واختلاف القدرة على قيادة التغيير باختلاف المستوى التنظيمي، في حين تشتمل آلية تدريب القادة على نموذج إعدادي يتكون من جانبين:

الأول: يجعل من القيادة علما وفنا، إذ العلم هو الجانب الإداري، والفني هو الجانب القيادي المتعلق بالجانب المهاري والإلهامي.

الثاني: تقني ومعرفي خاصة وأننا نرصد تداخل نظريات القيادة مع نظريات الادارة التربوية مع نظريات الادارة بشكل عام ، ويتعلق بمواكبة المستجدات المعاصرة في عالم التدبير الإداري، وخاصة الإتجاه نحو الأسلوب العلمي أي الإدارة التربوية العلمية التي تبني تدخلاتها على تقنيات متسلسلة ومتكاملة مثل التخطيط، والتنظيم، والتنسيق، والقيادة، والمراقبة. كما ترتكز على معارف اخرى مثل(علم النفس،علم الإجتماع،علم التدبير والإقتصاد والتواصل الإستراتيجي..)، وخاصة التعرف على نمط القيادة الفعالة لمواجهة تحديات العصر، بما في ذلك أسلوب العلاقات الانسانية وأسلوب الإدارة السلوكية. وكذا الإتجاه نحو الإدارة الموقفية أوالقيادة الظرفية، والإدارة بالأهداف والنتائج. وبذلك تكون القيادة للجميع باعتبارها حيزا معرفيا للجميع وليست امتيازا للنخبة فقط.

 

  وتمنح النظريات الادارية الإطار الاداري معرفة متميزة ب:

  • المقاربات الحديثة للتدبير Management           
  • التمييز بين المدير والقائد.
  • تحديد مصادر قوة وتأثير القائد.
  • تحديد أهم الصفات التي تتوفر في القائد الفعال.
  • التعرف على النظريات القيادية النظرية والتطبيقية.
  • التعرف على نماذج النظريات السلوكية في القيادة.
  • التعرف على المتغيرات والعوامل التي تحدد فعالية القائد والقائدة.
  • التعرف على نموذج القيادة المشاركة والقيادة التبادلية والتحويلية.

إن التغيير يخلخل البنية الثقافية للمنظمة، إذ هي عملية تمس بالأساس التفاعل بين الفرد والمنظمة، وفق مقاربات عدة أهمها المقاربة النسقية التي تتضمن من ضمن مكوناتها الأساسية : المقاربة التشاركية ومقاربة التنمية ومقاربة النوع الاجتماعي.

إن رهاب التغيير ظاهرة نفسية تنتاب المكون الإنساني الذي لا يستسيغ التغيير، نظرا لتحكم التنشئة الإجتماعية بالفاعل الإنساني الذي يستجيب بحكم العادة لنمط حياة موروثة وروتينية، في حين أن المنظمة والتربوية على الخصوص لا تهادن هذا النمط، إذ من وظيفتها الأساس تربية الأجيال لكي تعيش زمنها في مستقبل له قيمه ومعتقداته وبديهياته الخاصة، كما تهدف عملية التغيير إلى رسم خريطة للتفاعلات والعمليات منها: عملية صنع القرار التربوي على مستوى الوحدة الإدارية التربوية، وعملية التعرف على االمقاومات التي تكبح تنزيل وتنفيذ عملية التغيير، وبحسب هذا المنظور يكون لدينا نوعين من التغيير:

1. التغيير الوظيفي:

يشكل التغيير الوظيفي في التكنولوجيا الإدارية حلقة أساسية ضمن التغيير الإستراتيجي، ويتميز بكونه جزء من آليات اشتغال بنية التغيير، ويعمل على استدامة خدماتها، بشكل يسمح بتعديلات جديدة في بنية التغيير.

2. التغيير الإستراتيجي:

يعتبر التغيير الاستراتيجي من أدبيات الإدارة التي تمس بالتحديد البنية الخارجية وموارد المنظمة الداخلية منها والخارجية والمحتملة، بالإضافة إلى تحليل النظم systemesالتي أدت إلى الرغبة في التغيير، ويهتم هذا النوع من التغيير بالقضايا المفصلية التي تحدث قطيعة مع الماضي، ويشتغل على آليات اشتغال المنظمة ذاتهافي اتجاه تغيير هويتها، بما في ذلك مجمل الحوامل والدعامات التقنية المستخدمة

 

  1. ـ قائد تربوي للتغيير .

تتفق جل النظريات الإدارية حول قائمة المهارات الفنية والإنسانية والسلوكية والتنظيمية اللازمة للقيادة الإدارية، ومن أهمها ما يلي :

  •  إدارة الذات.
  • إدارة الوقت.
  • إدارة الاجتماعات.
  • إدارة ضغوط العمل.
  • إدارة الصراع.
  • إدارة المقاومة.
  • إدارة الإخفاق.
  • إدارة التغيير.
  • إدارة الجودة.

ولهذا فاكتساب صفة القائد الحقيقي دقيقة جدا وصعبة المنال وتحتاج إلى ملكات فيزيزلوجية بارزة تولد مع المرء. بالإضافة إلى ملكات مكتسبة يحصل عليها الإنسان من الدراسة العلمية وخبرة الحياة والمجتمع، وهذا يعني أن داخل بنية مفهوم القيادة يتعين وجود أركان أساسية للقيادة وهي:

  • القيادة هي خلاصة سمات وسلوكيات تميز القائد عن المرؤوسين من حيث القدرة على التأثير.
  • القيادة من خلال علاقات الفاعلين، وذلك من خلال الإلتزام بقرارات القائد صاحب السلطة التي يستمدها من القوة التنظيمية الرسمية والكاريزمية.
  • القيادة تجسيد لعلاقة تسلسلية تهيكل مكانة القائد بالنسبة للفاعلين.
  • القيادة استخدام مهارات علمية بقصد تنزيل هدف مشترك تسعى الجماعة لتحقيقه.

فعملية القيادة يجب أن:"يتم التوافق بين أركانها حتى يتم التفاعل، فالموقف يساعد على تهيئة الفرصة للقيادة ويظهر الإحتياج إليها، والقائد هو فرد من جماعة يشعر بشعورها ولديه القدرة على استغلال قدرات أفرادها والتأكيد فيما بينهم ليجابهوا الموقف الذي يتفاعلون فيه. والأفراد بالتالي يجب أن يكون لديهم شعور بالحاجة إلى القيادة والاستعداد للتعاون مع القائد في الموقف الذي يتفاعلون فيه.

ولتجلية الغموض المفاهيمي الذي يثيره مفهوما المدير والقائد، ندرج هنا ما أوردته مجلة فورتشن، التي أكدت على وجود اختلاف جوهري بين المدير التقليدي والقائد المبدع.

المدير التقليدي

القائد المبدع

  • يدير العمل المكلف به.
  • يعمل على استمرار عجلة العمل.
  • يدير فريقه معتمدا على قوته وسيطرته الوظيفية.
  • يؤدي ما يتوجب عليه بالطريقة الصحيحة.
  • يبدع ويجدد ويتميز في أي عمل يقوم به.
  • ينمي ويطور ويبحث دائما عما يفيد العمل.
  • يعتمد في إدارته لفريقه على ثقته بنفسه وبقراراته.
  • يفعل الأشياء الصحيحة.

 

إن المدير هو الشخص الذي تعهد إليه مهمة الإشراف على وحدة أو جماعة عمل، وهو مطالب بالقيام بالوظائف الإدارية اليومية والروتينية، متبعا في ذلك تعاليم إدارته الإقليمية أو الجهوية أو المركزية. فهو معني بالحاضر إذ يحافض على الوضع الراهن، ومسؤول عن الجوانب التنفيذية وليس له دور في تغير المنظمة لأنه يستخدم الوسائل والأساليب القائمة من أجل تحقيق الأهداف المقررة بالفعل، فهو بذلك يعتبر عنصرا من عناصر الإتزان والإستقرار، بالرغم من إتقانه للعبة العلاقات الانسانية من حيث التزامه بنمط القيادة المباشرة التي تتميز بأسلوب المناورة والضبط المحكم وبالإشراف المغلق حيث يستخدم المدير أسلوب المناورة لمحاولة الحصول على طاعة الفاعلين بالمنظمة التربوية من خلال التظاهر بممارسة علاقات إنسانية معهم كغطاء لدوره القيادي المباشر.

أما القائد فهو داعية للتغيير ومطلوب منه أن يحدث تغييرات في البناء والتنظيم. ويرى الغايات في ارتباطها بالوسائل، والأهداف في ارتباطها بالطرق وأساليب التنفيذ، كما أنه يقوم بدور رئيسي في رسم السياسة وتنفيذها. ومن هنا يمكن أن ينظر إليه على أنه عامل مقلق للأوضاع الراهنة في عمله، كما قال بذلك ماكليري وهانسلي[1].

المدير

القائد

  • عمله إداري.
  • يحافظ على ما هو موجود
  • يميل إلى السيطرة.
  • تفكيره قصير المدى.
  • مقلد.
  • قوة رسمية.
  • عمله إبداعي.
  • يغير ما هو موجود.
  • يميل إلى الإثارة.
  • تفكيره طويل الأمد.
  • مجدد.
  • قوة شخصية.

يتع

 

[1]-McCleary ,L. E. and Hencley, S.P. : Secondary School Administration. Theoritical Bases for Professional Practice. Dodd, mead company inc. N.Y. 1965 .P 103 .

Partager cet article
Repost0
28 décembre 2021 2 28 /12 /décembre /2021 18:35
الإنتاج السلوكي بين الحركة واللغة في مجال الرياضة والمدرسة

الإنتاج السلوكي بين الحركة واللغة

في مجال الرياضة والمدرسة

دراسة محكمة

                                       د. حميد مرواني

أستاذ التعليم العالي مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس/  المغرب

تقديم

لعل الدراسات والأبحاث التعليمية في الربع الأخير من القرن العشرين، أدت الى إجراء تغيرات ملحوظة على الدراسات المتعلقة بالتعلم والتعليم. فبعد أن كانت عملية التعليم تركز على كيفية تنظيم مثيرات البيئة التعليمية الخارجية بصورة تؤدي بالمتعلم تدريجيا الى الاستجابات المطلوبة، حيث يتم دعمها وترسيخها عن طريق أشكال التعزيز--المدرسة السلوكية—أصبحت هده العملية تهتم بتهيئة المواقف التعليمية تحت وطأة هندسة بيداغوجية محكمة تفضي بالمتعلم  القيام بفك لغز وضعيات مشكلة تتطلب منه التفكير واستقصاء الحلول المواكبة لدلك، بنوع من التنظيم والتنسيق والتبويب المعرفي، رغم هده المحاولات الجريئة ورغم الجهود المبذولة على مستوى التطبيق، والتأثير ،فإن المدرسة المغربية لازالت لم ترق إلى المستوى المرغوب والرامي الى تجويد العمل البيداغوجي، ودلك لعدم استفادتها وعدم استيعابها للمستجدات العلمية - النظري والتطبيقي – لعلم النفس المعرفي واستثمار معطياته الحقيقية. إن الأمر راجع إلى أن هده المدرسة لم تستطيع تجاوز العراقيل والاختلالات البيداغوجية التي تواجه المتعلمين والمدرسين على السواء مما يزيد ويكرس ظاهرة الهذر والفشل المدرسيين.

 إن قدرة واضعي المناهج والبرامج التربوية ببلادنا ، لم تتمكن من استحضار واستثمار مكونات الخطاب المعرفي بكل معطياته ومفاهيمه الأساسية خلال تدبير الشأن البيداغوجي بصورة عامة.

من معالم هدا الخطاب البيداغوجي المعرفي، الانتقال بالمتعلم من مستوى أدنى إلى مستوى أكثر تطورا وتقدما، فالتعلم من خلال هده المنظومة المعرفية هو تعلم فعال حقيقي دو معنى، تعلم دال، يكون فيه المتعلم بمثابة الفاعل الرئيسي في تعلماته، واع بأدواته التعليميه، كما أن له القدرة على ضبط وتوجيه طرائق بحثه ومراقبة أدائه وإنجازاته.

إن تحقيق هده الغاية التربوية، تقتضي من أصحاب القرار والشأن البيداغوجي: خبراء، مدرسين، مكونين، الانفتاح على علم النفس المعرفي، العلوم النورولوجية، علم النفس التطوري،...وهو رهان سيكو- بيداغوجي صعب التحقق    من جهة أخرى المجازفة بمحاولة تفعيل الأداء البيداغوجي والديداكتيكي تحت وطأة المقاربة السيكو- معرفية ، محاولة ترمي إلى تطوير وتحسين شأن التدبير الذهني في تفاعله مع مواقف تعليمية غرضها تجويد آليات التفكير من فهم وتذكر وتفكير  وإبداع.

  علاوة على ما ذكر يمكن القول أن التأكيد على التربية المعرفية هو انتقال من التربية Education   إلى القابلية للتربيةEducabilité   مجال بمثابة براديݣم معرفي Paradigme Cognitif همه العناية بكيفية الاشتغال الذهني وكيفية استحضار الآليات الفكرية والوعي بها خلال الاشتغال المعرفي. 

إن الأمر هنا يقتضي من خلال هدا الانتقال البيداغوجي العمل على إمكانية خلق نماذج إنسانية ذكية ، فعالة واعية بقدراتها وإمكاناتها الفكرية، وهدا معناه الانتقال بالمتعلم إلى مستوى أكثر تطورا وتقدما، وهو تعلم دال ودو معنى لدى المتعلم يكون فيه هدا الأخير واع بأدوات تعلمه.

إن تحقيق هده الغاية التربوية تمكن  المتعلم، من  التعامل مع جميع الوضعيات مهما اختلفت حالتها سواء في حياة المدرسة أو مدرسة الحياة. فتطوير القدرة على التعلم لا تنتهي فقط بقدرة المتعلم على حل المشكلات المدرسية،  وبناء معارف جديدة، ولكن القدرة على التطوير والاغناء الدائمين  لهده المعارف وتقويمها.

إن الوضعيات على اختلاف معطياتها تكون مصدر تعلمنا سواء أكان تعلما حركيا  أم لغويا. فالمنتوج السلوكي الإنساني، تحدده اللغة أو الحركة، أمران بمثابة إفراز عمل دهني ناتج عن اشتغال معرفي يكون أساسا لاستنفار الوظائف المعرفية والتنفيدية.

  إن اهتمامنا بالتعلم تجاوز حدود المدارس التقليدية والنظريات الكلاسيكية ليقع على المعرفية، نظرية من النظريات المعاصرة التي تناولت التعلم بشكل أكثر تقدما، لكونها ركزت على الدهن وعلى طرق معالجة المعلومات، وبتأكيدها على أن النسق المعرفي للفرد  عبارة عن نظام لمعالجة المعلومات، إذ عادة ما يقوم بتحويل المعلومات الفيزيقية الى معلومات ذهنية أو تمثيلية هذا النسق "عبارة عن نظام صوري يشتغل حول التمثلات الرمزية"ANDLER.D(1992) .

فما موقع التعلم في إطار المنظور المعرفي؟

2. الاهتمام بوضعيات التعلم من منظور المعرفية.

أصبحت التربية تتأسس حاليا على مخططات وبرامج وكذا على نظريات سيكولوجية، حيث أن الفعل التربوي لا يمكن أن يحقق مقاصده وأهدافه، إلا إذا كان قائما على تصورات سيكولوجية معينة وفق ما تقتضيه الظروف والتطورات.وعلى خلفية هذه العلاقة المتينة بين البيداغوجيا وعلم النفس، فإن التجديد البيداغوجي المتمثل في بيداغوجيا الكفايات يجد مرجعيته السيكولوجية في علم النفس المعرفي، بحيث إن تأثيرات هذا الأخير في التعلم تظل واضحة وذلك من خلال انشغاله (بالإنتباه) ، (وبالذاكرة) ،وبالاستراتيجيات المعرفية والتمثلات وكذا بالبناء التدريجي للمعومات والمعارف.

في سياق اهتمام علم النفس المعرفي بمعالجة المعلومات التي يحصل عليها الفرد منً بيئته،(بلحاج عبد الكريم 2005. ص121)،  يصبح التعلم تبعا للمنظور المعرفي نوعا من البناء التدريجي للمعارف. فالذاكرة تشتغل وفقا لآليات وقواعد معينة وكلما كانت المعلومات والمعارف الوافدة على الذاكرة منظمة ومفيئة، كلما ترسخت فيها أكثر وبالتالي كلما سهل استرجاعها وتذكرها عند الحاجة ( HAROUCHI )، بل واستثمارها في وضعيات جديدة. ذلك أن معالجة المعلومات يقتضي بالأساس العمل على بنينتهاStructuration   وتنظيمها الذي يتم من خلال سيرورة التحليل والتركيب والربط مع المعارف السابقة. فهذه الإجراءات التنظيمية للمعلومات تبقى هي السبيل الوحيد للحفاظ على المعارف في الذاكرة. وهذه الاعتبارات تلزم المدرس على مساعدة المتعلم على تحليل المعارف وتفكيكها وإعادة تنظيمها بالشكل الذي يسهل عملية دمجها مع المعارف السابقة. إذ أصبح معلوما أن المعلومات والمعارف المتناثرة التي لا تربطها علاقات منطقية، والمنتزعة من سياقات مختلقة لا تعمل إلا على تأثيث الذاكرة مما ينمي لدى المتعلم الحفظ الأصم والترديد الميكانيكي، كما تقتل فيه روح الإبداع والمبادرة وحب الاستطلاع العلمي.لهذا، فإن موقف المنظور المعرفي في التعلم هو موقف التجاوز والمواجهة، فمن جهة فقد تجاوز اختلالات سيكولوجية السلوك التي قاربت الموضوع انطلاقا من ثنائية المثير والاستجابة ومن جهة أخرى عمل على إلقاء الضوء على العمليات الدينامية الداخلية التي يقوم بها الذهن أثناء التعلم والاكتساب.

ومجمل القول إنه إذا كان الاتجاه السلوكي قد هيمن على البيداغوجيا لعقود طويلة انطلاقا من بداية القرن العشرين مما جعله يشكل نموذجا تفسيريا، فإن الاختلالات والعيوب التي بدأت تظهر عليه مع التطور العلمي وخاصة البحث السيكولوجي جعلته يتراجع إلى الوراء ويفقد بالتالي الكثير من مصداقيته مما تطلب معه البحث عن براديݣم سيكولوجي جديد قادر على استيعاب كل التحولات والتطورات التي عرفتها السيكولوجيا. وقد تمثل هذا البراديغم في علم النفس المعرفي كمنظور جعل من الأنشطة الذهنية والعمليات المعرفية أهم اهتماماته وانشغالاته على اعتبار أنها تشكل مركز الثقل في كل إنتاجات الفرد سواء الداخلية أو الخارجية.وفيما يخص عملية التعلم، فإن علم النفس المعرفي اهتم بالبحث في طبيعة ونوع الاستراتيجيات المعرفية التي يلجأ إليها الفرد في مواجهته لمختلف الوضعيات-المشكلات التي تنتج طبيعيا من خلال تفاعله مع المحيط الذي يتواجد فيه. أكيد أن هذه الاستراتيجيات تروم الوصول إلى حلول مناسبة لهذه الوضعيات، لكن لا بد من مساءلتها وإلقاء الضوء عليها قصد تبني أحسنها. غير أن هذه الاستراتيجيات المستعملة من قبل الفرد لا تأتي من فراغ، وإنما تتحدد أساسا من خلال تمثلاته القبلية ونوع المعارف التي يتوفر عليها وكيفية إدراكه للموضوع.كثيرا ما تشكل هذه التمثلات القبلية عائقا معرفيا وذلك حينما تكون بعيدة عن العلمية والموضوعية، لهذا يجب استخراجها والتعرف عليها وتصحيحها حتى تصبح عملية التعلم عملية ممكنة. إن المعلومات الجديدة الوافدة على الذاكرة يجب أن تنتظم بشكل منطقي في الذاكرة حتى تسهل عملية استرجاعها عند الحاجة. طبعا هذا التنظيم للمعلومات لا يحصل إلا من خلال بنائها تدريجيا، أي إخضاعها لعملية التحليل والتركيب والبحث في علاقتها المنطقية الداخلية.

يعد علم النفس المعرفي ذلك المجال العلمي، الذي ينطلق من فرضية أن التفكير هو سيرورة في معالجة المعلومات. ويعود أصل تسمية هذا المجال من السيكولوجيا إلى مفهوم المعرفية  cognitionالذي يحيل على آليات النشاط الذهني.

 ويهتم المنظور المعرفي بدراسة وظيفة الذكاء وأصل المعارف والاستراتيجيات المعرفية المستعملة في الاستيعاب والتذكر واستثمار المعارف ومعالجة المعلومات في الذاكرة واللغة، وذلك من خلال وظيفة الدماغ. وقد نشأ هذا الاتجاه في سيكولوجيا في ظل الثورة المعرفية، التي انطلقت في منتصف القرن العشرين، بحيث تمخض عنها ظهور مجموعة من الحقول المعرفية التي أصبحت تتخذ  المعرفة (cognition) موضوعا لها، وقد تحددت هذه  الحقول المعرفية في الذكاء الاصطناعي واللسانيات والعلوم العصبية والفلسفة بالإضافة إلى علم النفس المعرفي. في هذا السياق إذن، برز علم النفس المعرفي كمسعى جديد يهتم "بدراسة النشاطات العقلية الداخلية للفرد بالأساس، وذلك في تقابل مع النشاطات الخارجية الخاضعة للملاحظة المباشرة، وهي النشاطات التي شكلت كلاسيكيا معنى السلوك" بلحاج عبد الكريم 2005 ص56.

لقد دشن علم النفس المعرفي إذن، نوعا من القطيعة الابستمولوجية، على الأقل على مستوى الموضوع، مع سيكولوجيا السلوك التي سادت عقودا من الزمن، بحيث انتقلت السيكولوجيا مع المنظور المعرفي من دراسة السلوك القابل للملاحظة والقياس إلى الاهتمام بمشكلات سيكولوجية مختلفة تتعلق أساسا بالأنشطة العقلية وآليات الاشتغال الذهني، أي تلك الأنشطة الداخلية للفرد والتي أقصيت من الدراسة والتحليل ضمن الاتجاه السلوكي بدعوى عدم إمكانية إخضاعها لصرامة المنهج التجريبي وأن منتوجها السلوكي غير ملاحظ وغير قابل للقياس.

 وعموما كان لظهور هذا المنظور المعرفي، كنموذج تفسيري للسلوك، شروطه ومبرراته الموضوعية التي اقتضته من أجل تجاوز نقائص وعيوب السلوكية وملء تلك الفراغات التي تركتها في مقاربتها للموضوع.

3-الاهتمام  بالوضعيات في مجال الرياضة من منظور المعرفية.

لم يعد ينظر إلى الرياضة على أنها ذلك النشاط الخالي من أي معان أوقيم ،ذلك النشاط الذي تتم ممارسته بطريقة اعتباطية دون استراتيجيات أو إجراءات تضمن المردودية والإنتاجية على مستوى التنفيذ .فالرياضة لم تعد ذلك المجال القائم فقط على القيمة البدنية ،التي تعد  من أهم مقوماتها والتي لازمت رحلتها الطويلة عبر حضارات الإنسان، بل أصبحت بأنشطتها جزءا عضويا من المنظومة الشاملة لأي مجتمع. فهي جزء متكامل من مجموع النظم الاجتماعية والسلوكية،  حيث إن العلاقة بين الرياضة وهذه النظم هي علاقة تنموية في المقام الأول.

و يمكن حصر دواعي اعتمادنا المعرفية في القطاع الرياضي في ثلاث نقط هي كالتالي:

*تنحصر الأولى في الفراغ الملموس على مستوى البحث العلمي الموضوعي القائم على مقاربة سيكولوجية قائمة على التيار المعرفي. فمن المؤكد أنه بعد القيام بعملية رصد لمجمل الدراسات والأعمال التي أنجزت في هذا الصدد، لم أقف إلا على تلك التي اهتمت بالبعد الفيزيولوجي للممارس، من حيث اللياقة البدنية وطرق اكتسابها ومن حيث التحكم الخططي وأساليب تنفيذها وكذا من حيث الكفاءة المهارية وإشكاليات صقلها وتطويرها.   كما وقفت على تلك التي اهتمت بالشأن الرياضي من حيث التسويق والاستشهار. هذه  الأعمال في مجملها، تغافلت الاهتمام بالبعد المعرفي للرياضي الممارس، الأمر الذي دفع بنا إلى تبني مقاربة تقوم على أسس اشتغال الذهن الإنساني أثناء أداء مهامه.  هذا الذهن الذي كان يعتبر حتى الأمس القريب  "علبة سوداء" ممنوعة من الصرف يتمنع الكشف عن مكوناتها وآليات اشتغالها.

*تنحصر الثانية في العمل على الرفع من كفاءات اللاعب وتحسين مستوى إنجازاته، وذلك من خلال مساعدته على التركيز على كيفية تمثل المهام وانتقاء الاستراتيجيات والإجراءات الملائمة للحل بعد التخطيط القائم على أساس التجسيد والتوقع، ثم القيام بعد ذلك بالتنفيذ. هذه المساعدة تتحدد في مدى وعي الممارس الرياضي بالآليات الفكرية والإجراءات الذهنية المسخرة .وهو ما فرض علينا الانتقال من الاهتمام بالمعارف إلى الاهتمام بالميتا-معارف Métacognition عن طريق إرساء قواعد للحوار البيداغوجي الرياضي بيننا وبين الممارس الرياضي منطلقين من القناعة التي تؤكد على" أن ما وراء المعرفة عنصر ضروري وحيوي في مواقف التعلم الناجحة"Pugalee.D 2001 p 101. يتضح أن علماء النفس لم يكتفوا بالتنويه على أهمية توظيف الإنسان لاستراتيجياته المعرفية بغية الفهم والمعرفة، بل نادوا أيضا بضرورة يقظته ووعيه لما يوظف من استراتيجيات والتحكم بها وتوجيهها الوجهة الصحيحة وعليه فالحوار البيداعوجي المذكور "يساهم في حل المشكلات والتعامل مع المواقف الحقيقية الأصيلة من خلال قيام الفرد بالتعرف على الاستراتيجيات المناسبة ذهنيا، والعمل بطريقة إستراتيجية"Davidson.Jet Strenberg.1998 فما وراء المعارف، أي التفكير في التفكير، يعتبر" منشأ فكريا يبين التبصر حول ماذا وكيف ولماذا ندرك"Gaing.M etYore.L . بمعنى آخر "معرفة الفرد بعملياته الإدراكية ونواتجهاFlavell.J 1976 . إن هذه الوقفة التأملية التي يقوم بها اللاعب ويتعود عليها عادة ما تساعد على التحصيل وعلى مراقبة سيرورته الذهنية أثناء اشتغالها وقيادتها صوب المردودية والإنتاجية من خلال إنجاز دقيق ومضبوط.

*أما النقطة الثالثة فتنحصر في كيفية تفسير الخطأ الرياضي. لقد لمسنا أن كل الشروحات والتفسيرات التي تؤخذ كمرجعيات للخطأ، غالبا ما يتفق فيها المختص وغير المختص.  فالرأي أو التعليق الذي يبديه التقني  (المدرب) أو الصحفي المختص، وما يبديه رجل الشارع العادي الهاوي رأي واحد، حيث اختلطت المفاهيم، وامتزجت المعرفة العامية بالمعرفة العلمية، فأصبحت معرفة غير موحدة، ذلك أن عالم الرياضة عالم مفتوح اقتحمه الجميع حيث تبسطت مفاهيمه فأصبحت في متناول أي كان، وهو ما انعكس على خطابته واستنتاجاته.  إن جل التعليلات الخاصة بالخطأ تبقى حبيسة ما هو مرئي قابل للملاحظة والقياس الاعتباطيين، مرتبطة بالعوامل البدنية عوض النفاذ إلى ما هو داخلي مرتبط بالعوامل الذهنية. إن الممارس الذي خبر الميدان، والذي يتمتع بمرومنة معرفيةFlexibilite Cognitive على مستوى المعالجة المعلوماتية.  يتميز بمايلي :

× يكون عنده نطاق ومجال الانتباه جد واسعplus diffus بحيث يتمكن من التقاط عدد كبير من المعلومات البادية في مجاله المرئي المكاني.

× يتمز بمرونة وسلاسة كبيرتين في التركيز خاصة عند تحويل الانتباه الذي يتمثل في ارتباطه بمعلومة غير صالحة،إلى المعلومة الامثل، حيث ينتج عن ذلك اقتصاد في الجهد والوقت، وكذا التمتع بفرصة السبق في مجموع العمليات الرياضية من تسجيل أوقذف أو مراوغة  أو تمريرة.

×يتميز كذلك بالتركيز المحكم للانتباه  Focalisation de L’attention بحكم ارتباطه الوثيق بالمهام الواجب القيام بها معرفيا وحركيا.

إن نظام المعالجة المعلوماتية البشرية، هو نظام محدود القدرات، وعليه لا يمكن معالجة عدد كبير من المعلومات، ونحن مستمرين في الوقت ذاته على دوام الانتباه. إن الفرد الإنساني وبشكل تلقائي يستوجب عليه تصفية وغربلة المعلومات الزائدة المشتتة للانتباه. اللاعب المتمرس يؤشر على كفاءات عالية أثناء المعالجة المعلوماتية التي يقوم بها، وذلك بفضل تغيير الانتباه بصورة سلسة، مع القدرة على التكيف وبسرعة مع مجرى الأحداث الدينامية ذات الإيقاع السريع والتغير البنيوي المفاجئ، هذا ونحن نعلم أن الممارس الرياضي لا يقف عند الحل المعرفي ولكن يتجاوزه إلى الأداء الحركي، فوظيفة الانتباه لديه تتدخل على المستوى الإدراكي وعلى المستوى الحركي. فاليقظة التي يتمتع بها والآلية التي تطبع أداءه الحركي دون ضبط أو مراقبة، كل هذا يفيده في التوقع وقراءة الأحداث قبل وقوعها ما يكسبه فرصة السبق في تناول العمليات وربحه الرهان، بخلاف اللاعب العادي المشدود الحركة والتفكير بفعل المراقبة والضبط، غالبا ما يكون عرضة لضياع الوقت، والإرهاق بفعل الجهد المبذول، والشعور بالتوتر والانفعال بفعل هدر الفرص.

"إن التدريب الرياضي القائم على ضوابط ديداكتيكية صارمة يساهم في التخفيف من وطأة الضغط أثناء القيام بالمعالجة من جهة، ومن التطبيع الحركي المنضبط من جهة أخرى، الشيء الذي يسمح بشكل ايجابي في تحرير كمية مهمة من موارد الانتباه التي يمكن استخدامها لتنفيذ مهام أخرى حين المعالجة "Shiffrin .R et Schneider. W, 1977, p250.

اعتمادنا على الجانب المعرفي كخلفية نظرية، قد استلزم منا الاهتمام بالوظيفة التنفيذية الذهنية للاعب باعتبارها حاسمة في الانجاز. فمجال علم النفس المعرفي الرياضي ومنذ عقود وهو يسترعي انتباه العديد من المهتمين والباحثين نظرا لما يقدمه من خدمة للرفع من مستوى الأداء وتطوير المهارات الذهنية وتحسين الانجاز والرفع من الإنتاجية والمردودية.

إن دراسة محتويات الذهن فرضت علينا استخدام مفاهيم معرفية والاطلاع على أخرى من قبيل الانتباه، والذاكرة والمعالجة المعلوماتية والوظائف الذهنية والصورة الذهنية من جهة تم محاولة الكشف عن طريقة اشتغالها من جهة اخرى.  فقائمة وترتيب هذه المكونات يشكل ما يسميه علماء النفس ب " الهندسة المعرفية"Architecture Cognitive وتشمل هذه الخصائص الوظيفية على كل المعطيات المتعلقة بالعملية التنفيذية المرتبطة بالسرعة والدقة والليونة الفكرية في تناول تنفيذ جميع العمليات على اختلافها، ما يستدعي من الممارس الرياضي التحلي بالقدرة على اتخاذ القرار المناسب والحل الحركي المضبوط عند تنفيذ الأداء الحركي بسرعة وفعالية عالية. إن إمكانية ممارسة الرقابة على العملية الذهنية تعتبر من الخصائص الوظيفية المعرفية التي تعتمد على "تنظيم المعلومة في الذاكرة"Organisation de L’information en Mémoire  . وفي هذا السياق

يتجلى دور النشاط المعرفي في القدرة على ايجاد الحلول الملائمة والمناسبة للوضعيات الرياضية وذلك باستعمال المنطق، التمثل، الانتباه، التخطيط، الكف، التوقع، التدبير، والاختيار، معالجة المعلومات العملية الاكثر تطورا في علم النفس المعرفي"   Famose.J.P 1993, p120

إن الأداء الرياضي هو خلاصة عمليات فكرية وبدنية، قيمته تحددها نجاعة الاشتغال الذهني، من حيث إدراك وفهم المواقف والوضعيات والاستدلال عليها والقيام بتقويمها، قبل التنفيذ، وكذا نجاعة الأداء الحركي على مستوى التنفيذ من حيث اللياقة البدنية والحس المهاري والمرهف والتحكم الخططي الذكي وكذا ظروف أخرى لا مجال لذكرها هنا. فانسجام  البعدين) الذهني والبدني( يضمن إنجازا فعالا  ومبدعا، وأن أي خلل أو فشل، لا يمكن إرجاعه إلا إلى البعدين الذهني والبدني: الذهني كهندسة معرفية وآليات فكرية (التمثل،التخطيط، الاستراتيجيات،التنفيذ، المراقبة، التعميم والآلية) ثم البدني بعوامله الأساسية (اللياقة البدنية وقوتها، الكفاءة المهارية وفنيتها، التحكم الخططي وفعاليته). ونظن أنه انطلاقا من ارتكازنا على هذين البعديين سنساهم في الكشف عن العناصر الأساسية التي ستمكننا من الوقوف على السبب أو الأسباب الكامنة وراء الخطأ.

وقدعرف Matveyev   الرياضة بأنها" نشاط ذو شكل خاص، جوهره المنافسة المنظمة من أجل قياس القدرات وضمان أقصى تحديد لها" Matveyev.L : 1981, p210.، وبذلك فإن ما يميز الرياضة هو قيامها على فكرة النشاط التنافسي الذي يقوم على قواعد دقيقة لتنظيم المنافسة بعدالة ونزاهة. إنها نشاط يعتمد بشكل أساسي على الطاقة البدنية وبشكل ثانوي على عناصر مثل الخطط والمهارات التقنية الفنية.

إن التركيز الكلي على التعليمات والتوجيهات وعلى مختلف الوضعيات كما أن اليقظة والمثابرة خلال طول زمن المباريات وكذا سرعة ردود الأفعال المشروطة بالدقة والإتقان... كلها عمليات ذهنية تعكس لنا الطبيعة المعقدة للاشتغال المعرفي للاعب أمام وضعيات حل المشكلات المختلفة في عالم الرياضات جماعية كانت أو فردية. فإذا كان  الأمر في حياة المدرسة يتطلب جهدا فكريا  لفك لغز مواقف ووضعيات حل المشكلات من خلال تمظهرات  لغوية شفهية أو كتابية، فان الأمر يختلف عنه خلالا لممارسة الرياضية الكروية، حيث إن وضعيات حل المشكلات تقتضي جهدا فكريا وآخر بدنيا لتجاوز الصعوبات والاكراهات التي تفرضها تلك الوضعيات.

إن المتتبع لطرق واستراتيجيات الرياضة الجماعية يدرك بأن الأوضاع لا تستقر على حال داخل رقعة الميدان، ذلك أن اللاعبين والكرة في حركة دينامية دائمة،  مما يتولد عنه وضعيات ومواقف هي نفسها في تغير مستمر ودائم.  فالحالة الحركية التي يتواجد عليها اللاعب مركبة معقدة لتداخل الذهني بالبدني في مواجهة حل المشكلات وتجاوزها تجاوزا محكوما بالدقة والإتقان. فتعاقب الوضعيات وتعددها يستلزم إيجاد حلول لها بشكل آني ومتتالي باعتبار الوضعيات) شلالا متدفقا من الحواجز والصعوبات يستوجب تعديلا فوريا وملائما لكل المبادرات والعمليات) .وما يزيد الأمر تعقيدا، هو أنه لايكفي إيجاد الحل الذهني لتجاوز المشكلة، بل إن تنفيذ المهمة يستدعي تدخل عوامل ثلاثة هي : اللياقة البدنية  (الجسمية) والكفاءة المهارية (التقنية) والتحكم الخططي (التكتيكية)، في ترجمة الحمولة المعرفية على أرض الواقع ، على شكل أداء حركي مثير و مبهر. غير أن هذا الأخير – أي الأداء – غالبا ما يضع الممارس في مواجهة صريحة لمجموعة من الإشكاليات والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:

uتتلخص الأولى في مواجهة لاعب كرة القدم لوضعيات مشكلة أثناء تواجده على الملعب، وهي مواجهة تختلف إلى حد كبير عن تلك التي يقوم بها الفرد حينما يكون أمام مشكلة لغوية أو حسابية... فالوضعية في كرة القدم لا تستدعي تدخل الجانب المعرفي فقط، بل تستدعي أيضا تدخل ما هو بدني ومهاري وخططي، ناهيك عن الحالة النفسية للاعب أثناء أداء واجبه والقيام بمهامه داخل الملعب.

وبذلك يمكننا القول بأن الوضعية المشكلة التي يحاول اللاعب حلها وضعية مركبة يستخدم فيها جسمه ككل بحمولته المختلفة.

uتتعلق الوقفة الثانية بالمتغيرات المتدخلة في أداء اللاعب أثناء مواجهاته للمشكلات. فبجانب اللاعبين الذين ينتمون للفريق الخصم، هناك المدرب الذي يسجل ملاحظاته أو يتدخل مباشرة لتقديم توجيهاته للاعبيه، كما أن هناك حالة الملعب والحكم والمسيرين والجمهور. واعتقد أن هذا الأخير يمارس ضغطا كبيرا على اللاعب، فإن أصاب، أي نجح في حل ا لمشكلة، اعتبر لاعبا كبيرا ذو موهبة ومكانة عاليتين يتميز بحس فني راق، وإن أخطأ نهل عليه الجمهور بالملاحظات وأحيانا بوابل من السب والشتم... مما يؤثر مباشرة على نفسية اللاعب وعلى أدائه أثناء مواجهته للمشكلات المماثلة.

خاتمة

وفي الختام، يمكننا أن ندرك بأن  المتمدرس  واللاعب أيضا يواجهان مهام كثيرة تتطلب منهما الاعتماد على مجموعة من الوظائف التنفيذية التي لا يمكنها أن تشتغل إلا بتدخل الانتباه بأنواعه المختلفة والذاكرة سواء كانت عاملة او بعيدة الأمد. فحينما يكون التلميذ أمام مسألة رياضية فهو يقرأها من أجل التعرف على دلالتها وتعليماتها والأعداد الواردة فيها وذلك من أجل بناء تمثل لها. والحقيقة أن ذلك كله يتطلب تدخل الانتباه المستمر والانتقائي وكذا المرونة الذهنية والكبح والتخطيط والتدبير والمراقبة والاختيار. فالإنجاز يقوم على هذه المكونات كلها. وبالمثل فلاعب كرة القدم يعتمد على تلك المكونات سواء في استقباله... للكرة بالرجل أو الرأس أو قذفها أو المراوغة أو غير ذلك من الحركات الرياضة

 

الإشكالات الممكن طرحها مستقبلا ترمي في أفق مفهوم الانتباه على اختلاف أنواعه واختلاف الوضعيات المصادفة، وهي كالتالي :

                                                                      

ما دور التركيز والانتباه الانتقائي Attention sélectiveفي حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟

ما دور الانتباه الموزعAttention partagée في حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟

ما دور الانتباه المستمرAttention soutenue في حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟...

 فهذه كلها إشكاليات تحتاج للدراسة والتحليل المستفيض

 السؤالان اللذان يتوجب أن نطرحهما في نهاية هذا التقرير هما: هل الأساتذة وكذا المدربين على دراية بالميكانيزمات والوظائف التي أتينا على ذكرها؟ هل لهم القدرة على تشخيص أخطاء التلاميذ

وكذا اللاعبين،  لكي يرفعوا من أدائهم وفعالية إنجازاتهم؟

 

BIBLIOGRAPHIEالمـــــــــــــراجـــع

Alain, L., 1993, La mémoire du cerveau à l’école, Flammarion, France.

Alain, L., 2013, Le livre de la mémoire, Dunod, France.

Baddeley, A.D. 1986. Working memory.Oxford: Oxford University Press.

Baddeley, A.D., 1993, La mémoire humaine, Théorie et pratique

Baddeley, A.D., 2003, Working memory : Looking back and  looking forwad, Nature Reviewes Neuroscience.

Davidson. J et Strenberg. R, 1998, Smart problem solving : Ed. Métacognition.

Famose.J.P. 1993, la performance motrice Un essai de definition  ed cognition et performance ; Paris INSEP publication

Flavell .J : 1976, Les aspects cognitifs de résolution de problèmes ; In : L. Resnick (ed).

GASTON MIALARET, 1979, P U F, Vocabulaire de l’éducation.

Graing.M et Yore.L :1992, Middle Selwol student metacognitive knowledge. Ed : ERIC

Harouchi, A. La Pédagogie des Compétences, Editions Le Fennec.

Matveyev.L : 1981, Aspects fondamentaux de l’entrainement, Vigot édition, Paris.

MICHELE MAZEAU et ALAIN POUHET. 2014. Neuropsychologie et troubles des apprentissages chez l’enfant. Du développement typique au « Dyspraxie ». 2ème Edition. EL SEVIER MASSON

Nicolas, S., et Pascale, P., 2010, Anthologie de psychologie cognitive de la mémoire, Bruxelles, De Boeck.

PugaleeD., 2001, La métacognition et l’apprentissage des mathématiques.

Rossi, J.P., 2006, Psychologie de la mémoire, Bruxelles, De Boeck.Pascal

StephenK.R., 2006, Cognition : théories et applications, Tra. Teresa, B. et Pascal, C.T., Bruxelles, De Boeck.

Shiffrin .R et Schneider. W, 1977, controlled and automatic human information processing. Psychological review.

Tulving, E., Schacter, L.D., Challis, B.H., 1994, Qu’en est-il de la notion de systèmes mnésique ? Tra. Serge Nicolas et Pascale Piolino, dans Anthologie de psycholigie cognitive de la mémoire (2010), Bruxelles : de Boeck.

 

أوزي أحمد، 2006 : المعجم الموسوعي لعلوم التربية ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

بلحاج عبد الكريم، 2005، علم النفس بالمغرب بين المعرفة والممارسة، الطبعة الأولى ، دار أبي رقراق للطباعة والنشر.

بلحاج عبد الكريم، 2005 ، علم النفس المعرفي، قضايا النشأة والمفهوم، مجلة فكر ونقد، عدد68.

تعوينات، 2009 اظطرابات الانتباه وعلاجها

السيد علي، محمد بدر، 1999، اضطرابات الانتباه لدى الأطفال، أسبابه وتشخيص، القاهرة، مكتبة النهضة العربية.

فتحي مصطفى الزيات، 1998. "مدخل معرفي مقترح لتفسير صعوبات التعلم " القاهرة المؤتمر الدولي الخامس، مركز الارشاد النفسي.كلية التربية بجامعة عين شمس.

زغبوش، بنعيسى. 2013، نماذج البحث المعرفي ونمذجة العمليات المعرفية

رافع زغلول وآخرون ، 2003. علم النفس المعرفي، دار المشرق عمان ، الاردن.

 

Partager cet article
Repost0
26 décembre 2021 7 26 /12 /décembre /2021 21:29
أثر التجربة الصوفية في الشعر العربي

أثر التجربة الصوفية في الشعر العربي

دراسة محكمة

د.محمد زيدان،

أستاذ التعليم العالي مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس المغرب

د.عزالدين النملي،

أستاذ التعليم العالي مساعد، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس المغرب

 

    مفدمة: لقد كان بين الشعر والتصوف علاقة قديمة توجد تحققاتها النصية في أشعار الحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية والشريف الرضي وابن عربي وسواهم، قبل أن تتخذ في الشعر العربي الحديث طورًا آخر جديدًا من الصوغ والبناء في الممارسة والنظرية، كما عند شعراء مؤسسين من أمثال: عبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، ومحمد عفيفي مطر. وفي الشعر المعاصر، كثر الحديث عن التصوف في الشعر أو الشعر الصوفي؛ فالأول يُنظر إليه باعتباره مكونًا بنائيا يتجلى في العبارة الشعرية بإشاراتها وومضاتها الإشراقية، والثاني باعتباره تجربةً باطنية تتصل بجميع الرؤى والاتجاهات المنحازة إلى المطلق واكتشاف المجهول واللامرئي.

Introduction: Il y avait une relation ancienne entre la poésie et le soufisme dont les vérifications textuelles se trouvent dans la poésie d'al-Hallaj, Ibn al-Faridh, Rabia al-Adawiya, Sharif al-Radi, Ibn Arabi et d'autres, avant qu'elle ne prenne une autre nouvelle phase dans la poésie arabe moderne dans la formulation et la construction dans la pratique et la théorie, comme chez les poètes fondateurs tels que : Abd Al-Wahhab Al-Bayati, Salah Abdel-Sabour, Adonis et Muhammad Afifi Matar. Dans la poésie contemporaine, on a beaucoup parlé de soufisme dans la poésie ou la poésie soufie. Le premier est considéré comme une composante constructive qui se manifeste dans la phrase poétique avec ses signes et ses éclairs lumineux, et le second comme une expérience intérieure liée à toutes les visions et tendances orientées vers l'absolu et la découverte de l'inconnu et de l'invisible.

     1- معنى التصوف وعلاقته بالأدب الحديث
    ذهبت التأويلات في أصل الاشتقاق لكلمة (تصوّ ف) مذاهب شتّى، وظهرت العديد من الآراء التي أعادت التسمية إلى عدّة أصول، منها ما يوافق القواعد الصرفية، ومنها ما يخالفها، وقد رُشّحت، ألفاظ عديدة لتكون أصلا لكلمة (صوفي) منها: الصفاء، الصفوة، الصف، الصفّة
الصفا، الصوفة، بنو صوفة، أو كلمة سوفيا اليونانية، التي تعني الحكمة[1]
وقد اعتمد المفكرون والباحثون الصوفيون في اشتقاقاتهم لاسم الصوفية على مرتكز أساسي،
وهو مدى ارتباط هذا الاسم بفكرهم، ولو كان هذا الاشتقاق لا يتفق وقواعد الاشتقاق اللغوي في أكثر الألفاظ المرشحة، "ولكنهم اتفقوا على أن أقرب الاشتقاقات هي المشتقة من كلمة (صوف)؛ لأنها الأصح لغويا من جهة، والأكثر ارتباطا بمظهر الصوفية من جهة أخر.

    فالتصوف في الشعر يعني التصوف بمعناه العام، من حيث هو تجربة روحية، تخص جميع الديانات، وتحدد موقف البشر من الوجود والحياة، "وهو بهذه الصورة ظاهرة إنسانية عامة،  ليست محدودة بدين، أو حدود مادية زمانية أو مكانية، ومن ثم يمكن القول: بأن التجربة الصوفية قد تنشأ بعيدًا عن الدين"[2].
   لا يعني ذلك نفي وجود أثر التصوف الإسلامي الخاص في الشعر العربي الحديث، فللتصوف الإسلامي أثره حتى في شعر غير العرب، فهيجل-مثلايرى: " أن ظاهرة فقدان الشعور بالأنا، نابعة من التصوف الإسلامي. فهو يقول: إن الشاعر المسلم الصوفي إذ يسعى إلى استشفاف الله في الكائنات يتخلى عن أناه الخاصة، وهذا ما يعود عليه بالبهجة والسعادة الروحية، فهو يعزف عن  ذاته، ليستغرق في الأزل والمطلق"[3].  
   وعن أثر الصوفية في الأدب الحديث بصفة عامة يقول أحد الباحثين: "لا أحد ينكر أن
التيار الصوفي يشكل مكونا أساسيا من مكونات الفكر العربي المعاصر... وبخاصة أن النتاجات الصوفية المختلفة قد شكلت مادة ثرية خصبة لعديد النتاجات الأدبية الحديثة والمعاصرة...وقادت بالنتيجة إلى أن تصبح المكونات الصوفية جزءا مهما في لحمة النص الأدبي الحديث، وقد ترقى في بعض الأعمال إلى المكوّن الأساس الذي يتماهى معه المبدع، ويوظفه بكيفية ما"[4].      
  إذن فبين التصوف والأدب بعامة، والشعر بخاصة، وشائج قربى تتمثل في أن كلا منها يحيل
على العاطفة والوجدان والغموض؛ والشعور الكامل بالتحرر من كافة القيود التي تشعر الإنسان
بعبوديته، وحين يصل الصوفي إلى درجة الفناء، فهو كالشاعر في حالة الإلهام.

2- الشعر العربي والتصوف:

   مع انطلاق الشعر العربي المعاصر أو ما يُسمَّى بشعر التفعيلة منذ منتصف القرن العشرين، بدأ الشعراء يشغلون التراث في شعرهم على غرار تجربة (إليوت) في ديوانه «أرض اليباب»، حينما اتكأ على الموروث الأسطوري لنعي الحضارة الغربية وإعلان إفلاسها. واقتداءً بـ إليوت غدا الشعراء العرب المعاصرون يوظفون التراث الأسطوري والتاريخي واستخدام الأقنعة الدينية والفنية والأدبية والصوفية، وتشغيل الرموز المكانية والطبيعية واللغوية من أجل خلق قصيدة الرؤيا والانزياح التي تتجاوز طرائق الاجترار والامتصاص والاستنساخ في التعامل مع التراث إلى طريقة الحوار والتناص قصد خلق تعددية صوتية تحيل على المعرفة الخلفية للكاتب ومرجعياته الثقافية وسمو حسه الشعري، وجمعه بين المتعة والفائدة في شعره.

    وقلما نجد شاعرًا عربيًا معاصرًا يكتب شعر التفعيلة أو الشعر المنثور بدون أن يوظف التراث أو يشغل الكتابة الصوفية أو يستلهم الشخصيات الصوفية أو يستعمل تعابير المعرفة اللدنيّة أو يستحضر مقتبسات المتصوفة والوعّاظ أو ينحو منحاهم في التخييل والتجريد واستعمال الرموز و الاستعانة برشاقة الأسلوب وتلوين النصوص الشعرية بنفحات الدين والعرفان الباطني.    
هذا، وإن استعارة الشخصيات الصوفية مثلت ظاهرة واضحة في الشعر المعاصر، وقد اختار شعراؤنا المعاصرون شخصيات عديدة من أهل التصوف واجهوا بها قارئ قصائدهم، واتخذوا منها قناعًا يتحدثون به ومن ورائه عن مشاغلهم ومعاناتهم ومواقفهم. وليس ذلك فحسب، بل نجد الشاعر المعاصر أحيانًا يندمج في الشخصية الصوفية ويحل فيها حلولًا صوفيًا. ويتحد بأبعادها بفعل تشابه أحواله بأحوالها.   
   ومن الشعراء الذي وظفوا الخطاب الصوفي نذكر: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، ومحمد الفيتوري، وخليل حاوي، ومحمد عفيفي مطر، ومحمد محمد الشهاوي، «أحمد الطريبق أحمد، ومحمد السرغيني، وحسن الأمراني، ومحمد بنعمارة، وعبد الكريم الطبال، وأحمد بلحاج آية، وارهام، ومحمد علي الرباوي.. وآخرين[5]

  ويتضح لنا مما سبق، أن المتصوِّفة والشعراء على حدٍ سواء استعملوا الكتابة الشعرية للتعبير عن تجاربهم العرفانية، وأحوالهم الذوقية، ومجاهداتهم النفسية، ومقاماتهم الباطنية. والشعر "أول الفنون المؤهلة للتعبير الصوفي الملغز، حتى لكأن الشعر-أو هو كذلك-
معاناة صوفية، فكلاهما منذور لثنائية الظاهر والباطن... وكلاهما نابع من الوعي السحيق...وهو وعي متعال إلى الجميل والجليل، في رحلة فردية عامرة باللذات والنشوات، ومستغرقة بالكشف الذوقي المحض"[6].

3- الشعراء العرب والتصوف:

   استمد الشعراء العرب من التصوف قصائدهم، واستعاروا ذلك الجو الصوفي الشفاف، الذي يفيض بالصفاء، واستعاروا من المعجم الصوفي في حوار مع شخصياتهم الصوفية التي اختاروها؛ وليس غريبا أن يعبر الشاعر المعاصر في تجربته الشعرية من خلال أصوات صوفية؛ فالصلة بين التجربتين جد وثيقة، وقد أشار كثير من الشعراء والنقاد إلى هذه الصلة، يقول صلاح عبد الصبور: "التجربة الصوفية والتجربة الفنيّة، تنبعان من منبع واحد وتلتقيان عند غاية واحدة هي العودة بالكون الى صفاته وانسجامه "[7].

   4- خصائص البعد الصوفي في الشعر الحديث:

من بين هذه الخصائص نجد:

  1. الانسحاب من الحياة، ومعناه: إقصاء العقل بصورة متعمدة عن الأشياء التي يمكن أن تتجاوز حقائقها الظاهرة، والشعور الكامل بالتحرر من كافة القيود التي تشعر الإنسان بعبوديته، وهو يفعل ذلك لأنه يحس بانهزامه وتفاهته، وفكرة الانسحاب هذه نجدها عند شعرائنا المعاصرين.
  2. فقدان الشعور بالأنا: حيث ينسحب من الحياة، ويفقد الوعي والشعور الكامل بـــ(الأنا)، وقد تعمق الشاعر العربي المعاصر في البعد عن أناه، ويظهر ذلك كثير في شعر أدونيس، وخاصة في ديوانه (مفرد بصيغة الجمع)، وهو عنوان مقتبس من اصطلاح صوفي قديم.
  3.  التبصّر، رؤية الأشياء الكائنة في صورة مختلفة عن حقيقتها الظاهرة هو ما يسميه هدارة التبصر، فالإنسان الذي يخوض التجربة الصوفية يرى هذه الأشياء من داخل نفسه.
  4. الإحساس العنيف بالقلق والغربة، يبدو الشاعر المعاصر ذو النزعة الصوفية كالصوفي، في سعي دائم للوصول إلى الحقيقة التي ينشدها، وفي معاناة مستمرة من أجل الخالص من سجن المادة والزمن.
  5. الرفض: إن الإحساس بالضياع في هذا العالم الحقيقي من حيث ظاهره، حيث عم الفساد والقيم الزائفة، فقام الشعراء بالثورة على ذلك بطريقة فنية متسربلة بالرؤية الصوفية.
  6. الغموض، بسبب وسائل الصوفية الغامضة في إدراك الأشياء والتعبير عنها، وقد تسرب هذا الغموض إلى الشعر المعاصر، من حيث علاقته بالصوفية وما يتعلق بلغتها من رموز وايحاءات، و(أدونيس) في مقدمة الشعراء العرب المعاصرين ذوي الاتجاه الغامض، الذي تمتزج فيه السريالية بالصوفية امتزاجا قويا.[8]

  5- علاقة الشعر العربي بالتراث الصوفي

   إن التجربتين الصوفية والشعرية تلتقيان في كونهما تجربتين إنسانيتين لا يحدهما زمان أو مكان تسعيان كلاهما إلى الغوص في الذات والبحث عن الحقيقة وجوهر الأشياء بعيدا عن الماديات والدنيويات. فكلتاهما تنتقلان بالشخص المعني من الأليف المعتاد إلى الحقيقة الغامضة، وتمكنهما من الوعي العميق بجوهر الأشياء. فالتجربة الصوفية تكتمل بالتعبير الشعري والتعبير الشعري يكتمل بالتجربة الصوفية، بمعنى أن هنالك علاقة تكاملية بين التجربة الصوفية وترجمتها الشعرية.

  فكثير من الشعراء العرب إذن ظهر في أشعارهم المنحى الصوفي سواء باستخدام المعجم الصوفي، أو اللجوء إلى الترميز والعمق الدلالي أو الارتقاء إلى عالم المثل والروحانيات هروبا من عوالم مادية متلاطمة متصادمة تصيب المتأمل بالإحباط والانكسار.[9]

    إن الشاعر العربي يجد في الشخصية الصوفية معادلا موضوعيا لواقعه وآلامه، فتجربته تتسم بالمعاناة والغربة عن الوطن، والمطاردة، ومواجهة الموت بشجاعة، وخير مثال على ذلك: نجد شخصية الحلاج نموذجا للتضحية، ونبل المواقف وصلابتها، والصمود بعنفوان في وجه الموت والبلاهة، وذلك في قصيدة (مرثية الحلاج) لأدونيس، و(مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور(مسرحية شعرية)، وقصيدة(عذاب الحلاج) لعبد الوهاب البياتي.[10]

 6- الشعر الحديث والرمز الصوفي:

يسعى الشعر العربي الحديث إلى اتخاذ الرمز الصوفي إطارا فنيا يجلب المتعة الفنية، ويهدف إلى التعبير عن فكر يعجز الأسلوب المباشر عن تضمينه، ويعد الغموض والإبهام المرتبط به خاصية مميزة تفصح عن غنى الاحتمالات التي ترقد خلف الرموز، وتكشف عن كتابة شعرية تفلتت من قبضة العقل الذي يسعى إلى الوضوح الجامع المانع، وارتمت في أحضان التجربة الشعورية التي يعانيها الشاعر والتي تمنح الأشياء مغزى خاص غير ذلك الذي يوظف في لغة التخاطب العادي، لأنه (الرمز) وجود في ذاته وقيمته في وجوده ولا يشير إلى وجود آخر، فمن خصائصه أنه سيميوزيس ديناميكي ومتجدد مع كل عصر؛ إن توظيف الرمز الصوفي (المرآة والمرأة والصحو والسكر.....)، هو قناع لتمرير الشاعر لخطابه وموقفه، ووسيلة لمحاكاة نقائص العصر الحديث، أو القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية في الحياة المعاصرة.

      يقول البياتي على لسان الحلاج:

سقطت في العتمة والفراغ

تلطخت روحك بالأصباغ

شربت من آبارهم

أصابك الدوار

تلوثت يداك بالحبر والغبار

...........................

ما أوحش الليل إذا انطفأ المصباح

وأكلت خبز الجياع زمر الذئاب

وصائدو الذباب[11]

    فتوظيف رمز(الحلاج) هو تعبير من الشاعر عن رفضه للواقع العربي المرير، ودعوة للتبصر لما تحمله شخصية الحلاج من دلالات متوهجة وشحنات عاطفية ملتهبة، مشبعة بالتضحية من أجل الحقيقة، والوطن.... فيغدو الرمز الصوفي- المتمثل في الصمود(الحلاج)- مصباحا للنفوس المظلمة، ونبراسا لجيل الغد.

   إن استعارة" الشخصيات الصوفية مثلت ظاهرة واضحة في الشعر المعاصر، وقد اختار شعراؤنا المعاصرون شخصيات عديدة من أهل التصوف واجهوا بها قارئ قصائدهم، واتخذوا منها قناعا يتحدثون به ومن ورائه عن مشاغلهم ومعاناتهم ومواقفهم. وليس ذلك فحسب، بل نجد الشاعر المعاصر أحيانا يندمج في الشخصية الصوفية ويحل فيها حلولا صوفيا. ويتحد بأبعادها بفعل تشابه أحواله بأحوالها[12].

خاتمة

    إن الشعر الصوفي في العصر الحديث والمعاصر من نسج الشعراء المبدعين الذين صاغوا قصائد صوفية في إطار تجارب كلية أو جزئية أو في شكل استشهادات تناصية موحية أو في شكل مستنسخات تناصية. وقد استعار هؤلاء الشعراء مجموعة من الشخصيات الصوفية كشخصية النفري عند أدونيس، وشخصية السهروردي وفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي عند عبد الوهاب البياتي، وشخصية الحلاج عند صلاح عبد الصبور في قصيدته الدرامية" مأساة الحلاج"، وعبد الوهاب البياتي في قصيدة بعنوان" عذابات الحلاج"، وأدونيس في قصيدة تحت عنوان" مرثية الحلاج"، وشخصية إبراهيم بن أدهم عند الشاعر التونسي محيي الدين خريف، وشخصية رابعة العدوية عند نازك الملائكة في قصيدتها" الهجرة إلى الله".

   ويمتاز الشعر الصوفي المعاصر باستعمال التناص بكثرة فضلا عن الاستشهاد بالمستنسخات والمقتبسات والشذرات العرفانية. كما يوظف الشعراء المعاصرون في قصائدهم ودواوينهم الشعرية خطاب الانزياح الصوفي والرموز الإحالية، والعبارات الموحية الرشيقة. وهناك من الشعراء من سقط في خاصية الإبهام والغموض خاصة الشاعر الحداثي أدونيس الذي حول كتاباته الشعرية إلى طلاسم من الصعب تفكيكها وفهمها وتأويلها. وهناك من أحسن توظيف التناص الصوفي في سياقه الشعري الملائم إبداعيا، وهناك من وظف العبارات العرفانية والمفاهيم الصوفية دون أن يعيش التجربة أو يستكنهها بشكل جيد؛ مما أوقع نصوص الكثير منهم في التصنع الزائد والتمحل الشعري.

 

لائحة المصادر والمراجع

      المصادر:

  • عبد الوهاب البياتي، ديوان "الفقر والثورة"، دار الآداب بيروت، ط2، مايو 1969م.

المراجع العربية:

  • بنعمارة محمد، الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار

     البيضاء، ط 1، 2001م.

  -  علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، الشركة العامة للنشر

     والتوزيع، طرابلس ليبيا، ط1، 1987م.

  - صلاح عبد الصبور، حياتي في الشعر، دار العودة، (بيروت)، 1969.

  -  أبو العلا عفيفي، التصوف الثورة الروحية في الإسلام، دار المعارف، الطبعة الأولى 1963م.

  -  راشد عيسى، الخطاب الصوفي في الشعر المعاصر، وزارة الثقافة عمّان الأردن، 2006م.

  - محمد علي كندي، في لغة القصيدة الشعرية، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى،2010م.

  - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1،

    عدد4،1981م.

  المجلات العلمية:

  - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1، عدد4  

    ،1981م.

 

[1] - أبو العلا عفيفي، التصوف الثورة الروحية في الإسلام، دار المعارف، الطبعة الأولى 1963م، ص27وما بعدها

[2] - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1، عدد4،1981م، ص107.

[3] - المرجع نفسه، ص 114.

[4] - محمد علي كندي، في لغة القصيدة الشعرية، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى،2010م، ص43

[5] - بنعمارة محمد: الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار البيضاء، ط 1، 2001م، ص: 266.

[6] - راشد عيسى، الخطاب الصوفي في الشعر المعاصر، وزارة الثقافة عمّان الأردن، 2006م، ص 40.

[8] - محمد مصطفى هدارة، النزعة الصوفية في الشعر العربي الحديث، مجلة فصول، مجلد1 ،عدد4 ،1981م، ص 112 وما بعدها

[9] - استخدم الشعراء المعاصرون شخصيات صوفية، ولكنها قليلة إذا ما قورنت باستخدامهم لشخصيات التراث الأخرى، كالتراث التاريخي - مثال - ومن هذه الشخصيات: الحلاج، والنفري، وابن عربي، والسهروردي، والغزالي، وجلال الدين الرومي، والعطار، والجنيد، وبشر الحافي، وغير هم. واستخدموا رموز الصوفية ومصطلحاتها، مثل: السفر، السكر والرقص، والموت، والكشف، والتوحد، والمريد، والفقر... ومن ذلك استخدامهم لعبارات الصوفيين المشهورة، مثل: عبارة الحلاج: يا من أسكرني بحبه، وحيرني في ميادين قربه، وعبارة محيي الدين بن عربي: فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني.

[10]  - انظر للمزيد من المعلومات، علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، الشركة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس ليبيا، الطبعة الأولى 1987م

[11] - عبد الوهاب البياتي، ديوان "الفقر والثورة"، دار الآداب بيروت، الطبعة الثانية مايو 1969م، ص 10 وما بعدها.

[12] - محمد بنعمارة: الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار

      البيضاء، ط 1، 2001م، ص: 266

Partager cet article
Repost0
1 octobre 2020 4 01 /10 /octobre /2020 18:34
التغذية الراجعة من المفهوم إلى التشكل

التغذية الراجعة من المفهوم إلى التشكل

د.محمد زيدان

أستاذ التعليم العالي مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس المغرب

      مقدمة: يعتبر مفهوم التغذية الراجعة من المفاهيم التربوية الحديثة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين ، غير أنها لاقت اهتماما كبيرا من التربويين وعلماء النفس على حد سواء . وكان أول من وضع هذا المصطلح هو : " نوبرت واينر " عام 1948 م . وقد تركزت في بدايات الاهتمام بها في مجال معرفة النتائج ، وانصبت في جوهرها على التأكد فيما إذا تحققت الأهداف التربوية والسلوكية خلال عملية التعلم ، أم لا. ومما لا شك فيه أن التغذية الراجعة ومعرفة النتائج مفهومان يعبران عن ظاهرة واحدة .

Préface:

        Le concept de rétroaction est l'un des concepts éducatifs modernes apparus dans la seconde moitié du XXe siècle, mais il a reçu une grande attention de la part des éducateurs et des psychologues. Le premier à mettre ce terme était: "Nobert Weiner" en 1948 après JC. Au début, l'intérêt pour elle portait sur la connaissance des résultats, et portait essentiellement sur la vérification de l'atteinte ou non des objectifs éducatifs et comportementaux au cours du processus d'apprentissage. Il ne fait aucun doute que la rétroaction et la connaissance des résultats sont deux concepts qui expriment un même phénomène.

يتركب مفهوم التغذية الراجعة من كلمتين:

التغذية لغة:

جاء في لسان العرب: "غذا: الغذاء: ما يُتغذى به، وقيل: ما يكون به نَماء الجسم وقِوامه من الطعام والشراب واللبن (...) والتغذية أيضا: التربية"[1].

فالتغذية إذن كلمة تحيل على كل شيء منتفعٍ به مستفادٍ منه من طعام وشراب ونحوه، وقد ترد في سياقات أخرى غير سياق المطعم والمشرب، فقد جعلها ابن منظور مرادفا للتربية.

الراجعة لغة:

قال صاحب اللسان في مادة رجع: "رجع يرجع رجعا ورجوعا ورجعى ورجعانا ومرجعا ومرجعة: انصرف. وفي التنزيل: إن إلى ربك الرجعى، أي الرجوع والمرجع، مصدر على فعلى، وفيه: إلى الله مرجعكم جميعا، أي رحوعكم"[2].

وقال أيضا: "رجَّع الرجل وترجَّع: ردد صوته في قراءة أو أذان أو غناء أو زمْر أو غير ذلك مما يترنم به"[3].

فالمادة التي استقى منها وصف الراجعة يفيد – فيما يفيد – شيئين، أولهما العودة إلى الأصل، وثانيهما تكرار الفعل وإعادته بنحو مطرد ومستمر.

التغذية الراجعة اصطلاحا:

يورد الباحثون تعريفات عديدة للتغذية الراجعة منها:

"أداة تعليمية يمكن من خلالها تحقيق نتائج تربوية مرغوب فيها"[4].
"عملية تزويد المتعلم بمعلومات إضافية عن سير أدائه التعليمي"[5].
"إعلام المتعلم نتيجة تعلمه من خلال تزويده بمعلومات عن سير أدائه بشكل مستمر لمساعدته في تثبيت ذلك الأداء إذا كان يسير في الاتجاه الصحيح، أو تعديله إذا كان بحاجة إلى تعديل"[6].
يتبين من خلال التعريفات السابقة أن التغذية الراجعة استراتيجية ينهجها المدرس داخل الفصل الدراسي، وتقوم هذه الممارسة على إيلاء أجوبة المتعلمين عناية شديدة من خلال ما يقدمه المدرس من معلومات حول هذه الأجوبة رغبة منه في تصحيح مسار التعلم الخاطئ وتعزيز أداء المتعلم الصحيح.
1- أنواع التغذية الراجعة:
للتغذية الراجعة أشكال وأنواع وصور متعددة، فمنها ما يكون من النوع السهل الذي يتمثل في إعطاء جواب يتمثل في نعم أو لا، ومنها ما يكون بتقديم معلومات تصحيحية للاستجابات، ومنها ما يكون بإضافة معلومات ومهارات جديدة للاستجابات، وها هنا تصنيف لأنواع التغذية الراجعة وذلك على النحو الآتي:

تغذية راجعة حسب المصدر:

تنقسم التغذية الراجعة حسب مصدر المعلومات إلى تغذية راجعة داخلية وتغذية راجعة خارجية، حيث تشير التغذية الراجعة الداخلية إلى المعلومات التي يكتسبها المتعلم من خبراته وأفعاله على نحو مباشر. فمصدرها ذات المتعلم. أما التغذية الراجعة الخارجية فتشير إلى المعلومات التي يقوم بها المدرس، كإعلامه بالاستجابة الخطأ أو غير الضرورية التي يجب تجنيبها أو تعديلها وغالبا ما يتزود بها المتعلم في بداية التعلم.

التغذية الراجعة حسب زمن تقديمها:

تنقسم التغذية الراجعة حسب زمن تقديمها إلى تغذية راجعة فورية تقدم مباشرة بعد السلوك الملاحظ وتكون على شكل معلومات أو توجيهات أو إرشادات قصد تعزيز السلوك أو تطويره أو تصحيحه في مقابل، التغذية الراجعة المؤجلة التي تعطى للمتعلم بعد مرور فترة زمنية على إنجاز المهمة أو الأداء وقد تطول هذه الفترة أو تقصر حسب ظروف التعلم.

التغذية الراجعة حسب شكل معلوماتها:

يتخذ تقديم التغذية الراجعة أشكالا متنوعة فقد تكون على شكل معلومات لفظية، أو معلومات مكتوبة أو مهارات.

التغذية الراجعة حسب التزامن مع الاستجابة:

يمكن تقسيم التغذية الراجعة حسب التزامن مع الاستجابة إلى: التغذية الراجعة التلازمية وتكون فيها المعلومات التي يقدمها المدرس للمتعلم مقترنة بالعمل، في مقابل التغذية الراجعة النهائية وتقدم بعد اكتساب المهارة كليا.

التغذية الراجعة المعتمدة على المحاولات المتعددة": (صريحة، غير صريحة)

التغذية الراجعة الصريحة: هي التي يخبر فيها المدرس المتعلم بأن إجابته عن السؤال المطروح صحيحة، أو خاطئة سواء في المعارف أو المهارات، ثم يزوده بالجواب الصحيح في حالة الإجابة الخطأ، ويطلب منه أن يعدّل أخطائه مباشرة بعد رؤيته له.

أما في التغذية الراجعة غير الصريحة فيخبر المدرس المتعلم بأن إجابته على السؤال المطروح صحيحة أو خاطئة، ولكن قبل أن يزوده بالجواب الصحيح في حالة الإجابة الخاطئة، يعرض عليه السؤال مرة أخرى، ويطلب منه أن يفكر في الجواب الصحيح، ويتخيله في ذهنه، مع إعطائه مهلة محددة لذلك، وبعد انقضاء الوقت المحدد، يزوده بالجواب الصحيح، إن لم يتمكن من معرفته[9].

أما إذا استحضرنا التغذية الراجعة في بعدها الوظيفي يمكن تصنيفها إلى أربعة أشكال هي:

التغذية الراجعة الإعلامية: وهي التغذية الراجعة التي يتم بها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجاباته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) إذا كانت خاطئة.

التغذية الراجعة التصحيحية: وهي التغذية الراجعة التي يتم فيها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجاباته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) إذا كانت الإجابة خاطئة مع تصحيح الاستجابة الخاطئة.

التغذية الراجعة التفسيرية: وهي التغذية الراجعة التي يتم فيها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجابته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) أذا كانت خاطئة كما يشار إلى تصحيح الاستجابة الخاطئة وبيان سبب الإجابة الخاطئة.

التغذية الراجعة التعزيزية: وهي التغذية الراجعة التي يتم فيها تزويد المتعلم بمعلومات حول استجابته بوضع (صحيح) إذا كانت صحيحة ووضع (خطأ) إذا كانت خاطئة كما يشار إلى تصحيح الاستجابة الخاطئة وبيان سبب الإجابة الخاطئة وتزويد المتعلم بعبارات تعزيزية مثل: أحسنت، ممتاز[10].

2- مصادر التغذية الراجعة:

يقوم المدرس غالبا بدور تقديم التغذية الراجعة، فيقيم إجابة الطالب بالتعزيز الإيجابي في حال صوابها، أو التوجيه والإرشاد في حال عدم صحتها، لذا فإن مصدر التغذية الراجعة في هذه الحالة هو المدرس، وقد يكون شخصا آخر كأن يقوم المدرس بتوجيه السؤال لأحد الطلاب لإبداء رأيه في إجابة زميله، وهنا يتغير مصدر التغذية الراجعة إلى أحد الأقران. من هنا يمكننا القول إن مصادر التغذية الراجعة تنقسم إلى قسمين:

خاتمة

للتغذية الراجعة أهمية عظيمة في عملية التعلم ، ولا سيما في المواقف الصفية . إذ أنها ضرورية ومهمة في عمليات الرقابة والضبط والتحكم والتعديل التي ترافق وتعقب عمليات التفاعل والعلم الصفي . وأهميتها هذه تنبثق من توظيفها في تعديل السلوك وتطويره إلى الأفضل . إضافة إلى دورها المهم في استثارة دافعية التعلم ، من خلال مساعدة المعلم لتلميذه على اكتشاف الاستجابات الصحيحة فيثبتها ، وحذف الاستجابات الخاطئة أو إلغاؤها.

تعمل التغذية الراجعة على تحسين عملية التعلم ولذلك.

فعالية التغذية الراجعة لا تعتمد على شكلها، إنما تعتمد على مدى توافقها وتفاعلها مع الخصائص الشخصية للمتعلمين.
تأثير التغذية الراجعة يكون محدودا إذا كانت المعلومات المقدمة جديدة على المتعلم.
فعالية التغذية الراجعة تعتمد على ثلاث محاور رئيسة:
التوقيت.
طبيعة المعلومات المقدمة.
الانسجام مع الخصائص الشخصية للمتعلم.
وقد أفضت الدراسة إلى عدة نتائج تستحق التأمل، وهذه بعضها:

فعالية التغذية الراجعة في المدونات الإلكترونية.
التغذية الراجعة من المعلم أفضل من التغذية الراجعة المقدمة من الأقران.
يفضل المتعلمون التغذية الراجعة المقدمة من المعلم لثقتهم بتغذيته وصحة معلوماته التي يدلي بها.

المراجع والهوامش

[1] - أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، المجلد الخامس عشر، دار صادر، بيروت، ص 119.

[2] - أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، مرجع سابق، المجلد الثامن، ص 114.

[3] - المرجع السابق، ص 115.

[4] - د. مرزوق عبد المجيد أحمد مرزوق، مستوى أداء التعلم في ضوء استخدام التغذية الراجعة ووضوح الأهداف (دراسة تجريبية في التعلم الإنساني)، ص 32.

[5] - محمد مرشد المطيري، أثر اختلاف نمط التغذية الراجعة (تقويم المعلم / تقويم الأقران) في المدونات الإلكترونية على تنمية التحصيل الدراسي لدى طلاب الثانوية لمنهج الحاسب وتقنية المعلومات بمحافظة الدوادمي، مجلة العلوم التربوية والنفسية، العدد12، المجلد3، يونيو2019، ص173.

[6] - التغذية الراجعة، نشرة تنمية المراحل، العدد98، ماي2017.

[7] - محمد الصدوقي، المفيد في التربية، ص71.

[8] - الإطار المرجعي للجودة في منظومة التربية والتكوين والتعليم، ص 13.

[9] - التغذية الراجعة، تنمية المراحل، مجلة دورية تصدرها إدارة البرامج وتنمية المراحل، العدد98، ماي2017.

[10] - ميسر خليل الحباشنة، التغذية الراجعة وأثرها في التحصيل الدراسي، ص25.

 
 
Partager cet article
Repost0
30 novembre 2019 6 30 /11 /novembre /2019 21:44
اللغــة العـربيــة والهوية

 

اللغــة العـربيــة والهوية

محمد العلمي أستاذ بالمركز الجهوي  لمهن التربية والتكوين فرع مكناس.   المغرب

 

-عالمية اللغة العربية :

 اللغة العربية  لغة القرآن ،  لغة وجود ، ورمز هوية ، وعامل توحيد،  ولغة تخاطب عالمي. ولغة أي قوم هي عنوان أصالتهم ، ومرآة تقدمهم ، ولغتنا العربية هي فوق ذلك شعار ديننا إذ تنزل بها القرآن الكريم  مما أعطاها قوة وتميزا على مر العصور وحسبها محفوظة بحفظ الله حتى قيام الساعة لقوله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )[1]

وقد تميزت هذه اللغة بثروة لغوية كبرى فضلا عما أضاف  إليها القرآن الكريم من آفاق لغوية واسعة ، والمطالع لمعاجمها وقواميسها يلمس ذلك الثراء المنقطع النظير .

وألفاظ اللغة هاجرت مع أهلها الذين تنقلوا في مختلف البقاع والبلدان واستطاعت العربية أن تهضم كثيرا من اللغات واللهجات حتى أصبحت لغة عالمية استوعبت معطيات الحضارة في عصور الإسلام الزاهرة ، والذين يشككون في مقدرتها وحيويتها نقول لهم ما قاله حافظ إبراهيم [2]:

وسعت كتاب الله لفظا وغاية         وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف      آله وتنسيق أسماء لمخترعات .

 وهذا يستلزم أن تكون العربية  لغة عالمية .والتراجع الذي حصل للغتنا في عصورنا الأخيرة ، نتج عن الانهزامية التي حلت بالأمة يوم دخل المستعمر كثيرا من بلدانها محاولا محوها وبالتالي محو هويتها .

واللغة العربية ، لغة الدين الطاهر ، والأدب الباهر ، وديوان الفضائل والمفاخر ...وهي لغة التنزيل ووعاء الفكر الإسلامي ، والشريان الذي يربط بين أواصر الأمة ، بل هي احد أسس الوحدة العربية ودعامتها ، والأداة الحية للأدب والثقافة العربية ، وعامل من أكبر العوامل على تجميع المسلمين ، وتوحيد صفوفهم ، وقيام الروابط القوية بينهم .

 فمثلاً سورة ( الفاتحة ) المؤلفة في القرآن من 31 كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنكليزية 70 كلمة .

      في عام 1897 خاطب وزير  المستعمرات البريطاني(غلادستون)[3]  في مجلس العموم البريطاني،  مخاطبا  النّواب بقوله : (  ما دام هذا الكتاب ــ ورفع القرآن في مجلس العموم ــ بيد المسلمين والعرب لن تقوم لنا بينهم قائمة. وأظهر أن سر قوة المسلمين هو القرآن الذي لا سبيل إلى تحريفه، وأن الطريق القصير إلى تحقيق هدف إبعاد المسلمين عن القرآن ـ هو الكيد للعربية التي هي لغة القرآن، وبالتالي يصبح القرآن سلاحا في يد مشلولة لا يقدر حامله على فعل أي شيء، وهذا أثر مكرهم يتجلى في مجتمعاتنا المسلمة التي تقرأ في الصلوات الخمس آيات وسورا لا تعرف لها معنى؛ لجهلهم باللغة العربية التي لا يستخدمونها في حياتهم اليومية، مع العلم أن الحق سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ("كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ[4]") .

  وفي حوار [5]مع الدكتور حسن الصميلي ذهب فيه إلى أن الفرنسية هي اللغة الأولى في المغرب؛ معقبا "والحمد لله أن العربية غير خاصة بالمغرب، وإلا ضاعت، وثانيا القرآن، وهما الضمانتان الحاميتان للغة العربية. في فرنسا مثلا إذا تحدث المسؤول في الحكومة بغير الفرنسية في مؤسسات الدولة يجبر على الاستقالة". 

ولا جرم أن اللغة العربية  لها مكانة بارزة بين اللغات ، فهي واحدة من أقدم اللغات العالمية ، ومن أعظم تلك اللغات أدبا ، وأعرقها ثقافة ، وأغزرها علما ، وأغناها تراثا ،فقد ظهرت شابة مكتملة دون أن تمر بمرحلة طفولة ، ولم تتعثر في سيرها على امتداد تاريخها ...وحسبك أن تعلم أنه قد أمكن حصر مئة ألف مادة من كلامها , وقد سجل الخليل بن احمد الفراهيدي في كتاب ( العين ) أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل ( 12304321 ) اثنا عشر مليونا من الأبنية وثلاث مئة ألف . وأن عدد الألفاظ العربية ( ستة ملايين وست مئة وتسعة وتسعون ألفا )  لايستعمل فيها سوى (5620) لفظا ، والباقي مهمل .

هذا ، وقد يرجع تاريخ أقدم نصوص مسجلة بهذه اللغة إلى نحو ستة عشر قرنا ، منها قرنان قبل الإسلام ، وأربعة عشر قرنا في الإسلام ...

 وقد ظل ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم قائما، وكان الهدف الأساس من دراسة اللغة العربية هو فهم الدين فهما كاملا ، والوقوف على معانيه باعتباره وسيلة إلى فهم الأحكام الشرعية ، وقد  أكسب هذا الارتباط تلك اللغة نوعا من القداسة التي للقرآن ، وأصبح الحفاظ عليها حفاظا على القرآن الكريم ـ والتفريط فيها تفريطا في القرآن الكريم .. وكان من نتيجة هذا الارتباط ظهور كثير من الدراسات النحوية واللغوية  المتعلقة بالقرآن الكريم منها :

       _ إعراب القرآن للنحاس ت 338 ه.

         -معاني القرآن للفراء 707 ه

  • معاني القرآن وإعرابه للزجاج 311ه
  • ووضع أبو الأسود الدؤلي أسس النحو العربي  .
  • وألف الثعالبي فقه اللغة .
  • وكتب الخليل بن أحمد ، أقدم تصنيف للأصوات اللغوية عند العرب في معجمه الشهير ( العين )
  • وألف ابن جني كتابه : سر صناعة الإعراب . [6]

وبهذا فهي ليست لغة العرب فقط ، ولكن لغة المسلمين ، وإذا كان العالم لم يعرف إسلاما بلا قرآن ، فإنه لم يعرف قرآنا بغير العربية ، باعتبارها المظهر اللغوي  لمعجزة القرآن الكريم .

والحق أن الإسلام كان من أهم عوامل حفظها وانتشارها ـ فعلى الرغم من أنها خرجت من الجزيرة ، واتجهت إلى فارس والهند والشام ومصر ، وعبرت البحار إلى افريقية فالأندلس ، فإنها استطاعت أن تحتفظ بفصاحتها ورونقها ووحدتها وكيانها  ، بالرغم من اختلاطها بلغات أخرى ..بل إنها استطاعت أن تزيح هذه اللغات واللهجات وأن تملي سيطرتها على هذه الأمم .[7]

 

واقع تعليم اللغة العربية في بعض  مؤسسات التعليم :

       تتعالى  بين الحين والآخر أصوات  هيئة التدريس  لمادة اللغة العربية في مختلف المستويات الدراسية ( ابتدائي ، إعدادي ، ثانوي ، جامعي ....) من الوضع المؤلم التي وصل إليها مستوى أبنائها ومتوجِّسة الخوف الشّديد من خطر هذا الضّعف الّذي يزداد مع الأيّام سوءًا، ويتفاقم بإهمال شأنه صعوبة وتعقيداً. وسادت الفوضى والعبث في قواعد الإملاء العربيّ في الكتب والصّحافة والرّسائل والتّقارير وفي كلّ مكتوب.

   ثم إن واقع اللغـة العربيـة فـي المؤسسـات التعليميـة بالمغـرب مأساوي، ولا يرضي أحدا، فالتلميذ لا يكاد يستوعب لغته في المدرسة؛ فضلا عن أن ينتج فيها ويبدع مـن خلالهـا، أما الطالب في الجامعة، فلا يستطيع مع الأسف أن يسترسل في حديثه، وفي تعبيره بلغة فصيحة سليمة دقائق قليلة، وهو واقع مؤلم، يستدعي وقفة جدية وحاسمة؛ من أجل بناء الـذوق المادي واللغوي للغة العربية في نفوس التلاميذ والطلاب.

إننا نقتل العربية قتلا في جامعاتنا بسياسة مدروسة، لقد أقصيت اللغة العربية من الجامعات كلغة علم، وحلت محلها لغة أجنبية، إنجليزية بالدرجة الأولى أو فرنسية.عندما لا يتوطن العلم في اللغة، ولا يتوطن الفكر في اللغة، فإننا عمليا نقتل اللغة.

إن اهتمام  المؤسسات التعليمية باللغة  العربية هو اهتمام بقضية الوجود نفسه وقضية الهوية أيضا، كما تعلمنا من فلاسفة كبار اهتموا بقضية الهوية حتى شاعت عبارات من بينها أن اللغة مسكن الوجود، لأننا في الحقيقة نفكر ونحيا من خلالها كمسلمين وعرب.

فمن الصعوبات التي يواجهها المتعلم (ة) في المدرسة العمومية والخصوصية تعدد اللغات والألسن، مما  يدفع التلميذ إلى الحيرة والتيه؛ إلى درجة أنه لا يستطيع الإمساك بخيوط أية لغة[8]

 ورغم أن اللجان التي أنيطت بها مسؤولية التهيىء للميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ لاحظت خلال زياراتها العديدة لمجموعة من الدول الرائدة في التعليم؛ للاطلاع على برامجها ومناهجها: ككندا، والتشيلي ، وفرنسا، ودول أخرى، تعتمد في مدرستها العمومية على اللغة الأصلية للبلد خلال سنوات التعليم الأولي على الأقل؛ قبل أن تنفتح بعد ذلك على لغات أساسية ورئيسية، تفيد التلميذ والطالب.[9]

          إن التركيز على اللغة العربية في مناهج التعليم أمر مهم، ودراسة مناهجها وطرق تدريسها وتأثير اللغات الأجنبية في تعليم اللغة العربية، كل ذلك ينبغي التركيز عليه مع توجيه المعلمين إلى الحرص على تقويم ألسنة طلابهم، وشرح دروسهم باللغة العربية، وعدم التحدث بالعامية.

 

وقد صدق شاعرنا في قصيدته الرائعة أقتطف منها هذا البيت  :

أنا البحر في أحشائه الدر كامن        فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فاقول فهل سأل الخط التحريري للجريدة وللإشهار عن رقيب وخبير  لغوي يقوم الاعوجاج " ؟ وهل يستقيم الظل والعود أعوج ؟

" فكل ما هو براق ليس ذهبا tout ce qui brille n est pas or "

ملأى السنابل تنحني تواضعا            والفارغات رؤوسهن شوامخ

_ وفي جريدة المساء عبارات  مكتوب فيها ما يلي : [13]

اكتشفوا  علاش الإبتسامة ( بهمزة القطع )مستمرة على وجوه 12 مليون من زبنائنا ؟

حيت تيستستافدوا من هدية بدون مقابل كل أربعاء على club .inui .ma 

زوروا club .inui .ma  عبر كيف بغيتي

 حتى تنوما التحقوا ب 12  مليون زبون باش تستمر الإبتسامة  . [14]

_ استعمال المقابل العربيّ لكلمات أجنبيّة متفشّية لا ضرورة لها، مثل:  مِرْسِي، وبونجور،وبنسوار، ومدام، … إلخ. وفي لغة الهاتف روشارج و " أوتوماتيك .( اللغة المتداولة بين الشبات والشباب ) 

" أليس هناك رقيب لغوي خاص باللوحات ؟

 

·  فالرجاء  التّقليل بقدر الإمكان من البرامج المذاعة باللّهجات العامّيّة المحلّيّة، وتشجيع البرامج المذاعة بالفصحى الميسّرة الّتي لا يستعصي فهمها على أحد.

 

 مثلا عند قولهم في   مشاهدة مباراة كرة القدم: " نتفرج في الماتش"  "،وقولهم في أمور العمل الصحفيّ: "ربورتاج" ولغة اجزم تسلم : وقولهم في شؤون السّفر:"باسبور" و"فيزا" و"ترانزيت"، وقولهم في شؤون التّسويق :" شريت طوموبيل أوكازيون" و قولهم للأطفال " سوبرمان "… وفي وسائل النقل : " راكب في  طوموبيل ،  راكب في  كار، جاي في كاميو ،  مسافر في   تران .  وقضيت ليلة في أوطيل كذا وكذا عوض فندق .ومشيت لافاك عوض الكلية أو الجامعة . وفاليدي  valider  عوض مستوفي[15] ....

وقولهم : الشنطة،وصحتها الحقيبة
 وقولهم: القشطة،وصحتها القِشْدة.
وقولهم:الراديو،وصحته:المذياع.
 وقولهم:التلفزيون،وصحته الرائي.
وقولهم:التليفون،وصحته:الهاتف.

وقولهم : الكوزينا عوض المطبخ

والصباط وسوق الصباط عوض الحذاء وجمعه أحذية  بالذال المعجمة
 وقولهم:كمبيوتر،وصحته:الحاسوب.وغير ذلك كثير..

إن لغة الضاد بالمغرب لا زالت تعيـش وضعـا مزريـا ومترديا؛ بسبب الهجمات المتتالية التي تستهدفها من الخارج، ولمـا تتعـرض لـه فـي الداخل من التيار "المفرنس" من جهة، ومن بعض التيارات  المتعصبة من جهة أخرى التي تعتبر اللغة العربية أجنبية على المغرب.

" فمثلاً تسمية الدراجة في العربية تشير إلى وظيفتها وعملها وحركتها. أما في الفرنسية فإن bicyclette (ذات الدولابين) تشير إلى أجزائها وتركيبها وحالتها الساكنة. ومثل ذلك السيارة التي تشير تسميتها إلى عملها بينما في الفرنسية كلمة automobile تعني المتحرك بنفسه.

_ ومن أشهر العبارات الدخيلة التي تكثر في كتاباتنا وكلامنا ما يعرف ب " الكاف  الدخيلة الاحتلالية " "كقول صحفيينا وباحثينا ، بل وبعض علمائنا " : هل تعمل كوزير للصناعة عل إنشاء مصانع  لتنمية التشغيل ..؟ أو أنا كأستاذ أهتم بتنمية الجانب الأخلاقي عند التلاميذ . وفي هذا الكاف الاحتلالية قال الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله : " أما تسميتها دخيلة فلا إشكال فيه : لأنها  لاتوجد في الإنشاء العربي الذي قبل هذا الزمان ، وأما تسميتها احتلالية فلأنها دخلت على في الإنشاء العربي مع دخول الاحتلال البلدان العربية ، فإن جهلة المترجمين تحيروا في ترجمة كلمة تجيء في هذه اللغات قبل الحال ، وهي في الإنجليزية((as  وفي الفرنسية (comme) وفي الألمانية (als) مثال ذلك : فلان مشهور ككاتب . وهذا الاستعمال  دخيل  لا تعرفه العرب ، ولا يستسيغه ذوق سليم ، وليس له في قواعد اللغة العربية موضع .[16]

ثم سار الهلالي رحمه الله تعالى يوضح الحالات الصحيحة التي يجئ عليها حرف الكاف في اللغة العربية بكلام طويل  نلخصه كالآتي :

تجيء الكاف في اللغة العربية لأربعة أمور:

  1.  التشبيه : كقول الشاعر  في ممدوحه :

كالبحر يقذف للقريب جواهرا             جودا ويبعث للبعيد سحائبا

كاشمس في كبد السماء وضوؤها          يغشي البلاد مشارقا ومغاربا[17]

 وقد تحقق في البيتين أركان التشبيه الأربعة ، والكاف هنا أداة تشبيه ، وبهذا تعلم أن الكاف الاحتلالية لايجوز ان تكون للتشبيه البتة ، لعدم وجود أركانه .

2 -  التعليل : ودليله قوله تعالى " ( واذكروه كما هداكم وإن كنتم  من قبل لمن المرسلين ) [18]أي : واذكروا الله لأنه هداكم .

"3- أن تكون زائدة : وذلك إذا دخلت على كلمة بمعناها ، كما في قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وه السميع البصير ) [19] . والحرف الزائدة في القرآن الكريم لها دلالة التوكيد وتقوية الكلام ، وليس المقصود أنها زائدة لا معنى لها ، فقد زيدت هنا لتوكيد النفي ( ليس ) ، ولو حذفت لكان الكلام تاما .

  1. أن تكون اسما بمعنى ( مثل ) ، كقول الشاعر :

أتنهون ولن ينهى ذوي شطط      كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل

فالشاعر ينكر عن أعدائه عدم انتهائهم عن ظلمهم وبغيهم بالاستفهام في بداية البيت ، ويؤكد على أنهم  لن ينتهوا إلا بأن يقاتلوا ويطعنوا بالسيوف والرماح حتى يذهب زيتهم، وهو كناية عن الهلاك التام ، فالكاف جاءت بمعنى  (مثل ) وهي فاعل مؤخر مؤخر تقديره : لن ينهى  ذوي شطط مثل طعن ....

 يقول الدكتور الهلالي رحمه الله في الأخير: فهذه معاني الكاف عند العرب ، وما سواها شاذ لم يجيء  في الكلام البليغ .

 وصواب مثل هذه الجمل _ والله أعلم _ هو : ( انا بصفتي أو بوصفي أو باعتباري أستاذا أحب لغتي العربية ) أو ( هو لكونه عالما متبحرا بحق له أن يفتي في النوازل ) وهلم جرا في كل عبارة من هذا القبيل .

وقد شاع في عصرنا الحاضر استعمال كلمة ( ساهم ) التي تعني ( اقترع ) في محل ( أسهم ) التي تعني ( شارك ) ، ولا يكاد يسلم من هذا  الخطأ إلا النزر اليسير من محبي لغة الضاد ، فتسمع على سبيل المثال : ( ساهم فلان في بناء مسجد ) والصواب ( أسهم )  لا ( ساهم ) . وامتد الخطأ إلى كل تصاريف هذا الفعل ، فتسمع ( ساهم ، يساهم ، مساهمة ) في مكان ( أسهم ، يسهم ، إسهام ) .

ونحن نقرأ في كتاب الله تعالى : ( وإن يونس لمن المرسلين ، إذ أبق إلى الفلك المشحون ، فساهم فكان من المدحضين ، فالتقمه الحوت وهو مليم ) [20]، أي فاقترع .

يقول الطاهر بن عاشور : وساهم : قارع ، وأصله مشتق من اسم السهم ، لأنهم كانوا يقترعون بالسهام ، وهي أعواد النبال ، وتسمى الأزلام ... وسنة الاقتراع في أسفار البحر كانت متبعة عند الأقدمين إذا ثقلت السفينة بوفرة الراكبين أو كثرة المتاع )  [21],

 ومن العبارات الشائعة غير الفصيحة قولنا : شكرتك ونصحتك ، يقول علي بن حمزة الكسائي : " وتقول : شكرت لك ، ونصحت لك ، ولا يقال شكرتك ونصحتك . وقد نصح فلان لفلان ، وشكر له ، هذا كلام العرب . قال الله تعالى : ( ان اشكر لي ولوالديك ) [22]وقوله تعالى : ( واشكروا لي ولا تكفرون[23] ) وقوله تعالى : ( ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم  ) [24]

وبعد ،

فإذا ما جئنا إلى علاقة المجتمع العربي باللغة من الناحية الثقافية، هالنا ما تسجله الإحصاءات من نسب الأمية المنتشرة في كل الأوطان العربية بلا استثناء، وهي نسب مخيفة تقضي على كل أمل في الإصلاح.

إن متوسط انتشار الأمية لا يقل عن 50 % من مجموع الشعوب العربية. رغم وجود مؤسسات تعليمية كثيرة، أساسية وجامعية، وهي كلها لا فاعلية لها، بل ربما كانت عبئاً على المستوى المعيشي العام، فمجموع الدخل العام ينفق على هذه المؤسسات التي تحمل رسالة التعليم، وهي عاجزة عن حملها.

فماذا تفعل العربية وهي محاصرة من كل اتجاه ؟

1 .    محاصرة بطردها من المؤسسات العلمية !

2 .    محاصرة بتأخير دورها في استقبال الصغار !

3 .    محاصرة بعجزها عن المنافسة الحضارية !

4 .    محاصرة بما يحوطها من اللهجات واللغات !

5 .    محاصرة بدور المؤسسات الوطنية في عزلها وهزيمتها !

 

 


 
Partager cet article
Repost0
24 avril 2012 2 24 /04 /avril /2012 17:42
دراسة في وعي الثقافة الأمازيغية بقلم د. عبد النور ادريس

دراسة في وعي الثقافة الأمازيغية+

بقلم د. عبد النور ادريس

أكد تلاقح الحضارات منذ الأزل أن الأبعاد الثقافية وإن لم تنصهر بحكم احتكاكها وتقاربها في قالب واحد. فإنها بالتالي لا تتعارض بل يكمل بعضها البعض وهذا ما جعل أيادي سكان المغرب "البربر" مفتوحة لاحتضان الحضارة الإسلامية قبل وبعد وصول المولى إدريس الأول للمغرب رغم أنه لم يتول سلطة البلاد لقرابته من نسب النبي صلى الله عليه وسلم بل لمكانته العلمية التي حظي بها، مكانة علمية أهلته لسلطانهم كما وقع لمهدي الموحدين إذ يقول ابن خلدون في هذا الإطار: «... ولا نجعل من هذا الباب إلحاق مهدي الموحدين بنسب العلوية فإن المهدي لم يكن من منبت الرئاسة في هرتمة قومه وإنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم والدين ودخول قبائل المصامدة في دعوته وكان مع ذلك من أهل المنابت المتوسطة فيهم»1.

فإدريس الأول إذن لم يأت غازيا ولا محاربا بدليل أن القبائل المتواجدة بالمغرب آنذاك كانت في قمة قوتها وأوج عصبيتها يقول ابن خلدون عن هذه الوضعية في مقدمته ص 133 الطبعة الأولى 1978 مؤكدا أن قوتهم هاته لم تكن مدعومة من قبل عصبية دينية وأنهم غير محتاجين لنسب ما حتى ينالوا الملك يقول: «... وهم غير محتاجين لذلك فإن منالهم للملك والعزة إنما كان بعصبيتهم ولم يكن بادعاء علوية ولا عباسية ولا شيء من الأنساب... ولقد بلغني عن يغمراسن بن زيان مؤتل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره وقال بلغته الزناتية ما معناه أما الدنيا والملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النسب وأما نفعهما في الآخرة لمردود إلى الله وأعرض عن التقرب إليهما بذلك»2 فكل شيء يؤكد على أن الأمازيغيين كانت لديهم حضارة متميزة وقفت صامدة في وجه الحضارات المترادفة على المنطقة، هذه الحضارة التي أطلق عليها المؤرخون الحضارة "الليبيكية" تملك من قوة السلاح والسلطان ما حافظت به على استقرارها السياسي دون إغفال ما يترتب عن هذا الاستقرار من ترك الفرصة للثقافة المميزة أن تظهر وتتجدر، يقول «فرجليوس» - القرن الأول قبل الميلاد – في ملحمته الشعرية "الاليادة" التي أشار فيها إلى بعض المدن الليبية: «أن الليبيين من جنس لا يقهر في الحروب والمعارك» - نسبة للحضارة الليبيكية بشمال افريقيا – كما أن وصف "ز.روجيي" لسكان الأطلس يوحي بنبوغ هذا الشعب الذي لا يتصف بأوصاف الشعوب المنحطة المتوحشة يقول: «... قد كان الأهالي يعتقدون أنه يوصل إلى السماء، وقد كان هؤلاء الأهالي يستمدون اسمهم من هذا الجبل إذ أطلق عليهم فعلا اسم "الأطلسيين" وقد قيل أنهم لا يتغذون على الكائنات الحيوانية وليست لديهم أوهام». هذه القولة تحيلنا للقول بأن أهالي شمال افريقيا – أهالي الأطلس – قد اكتشفوا الدورة الزراعية التي تفرض استقرارا حياتيا يقول كلمته بالنسبة للاستقرار الحضاري.

كما أن تسمية "بربر" بالنسبة لمعناها في قاموس الحضارات السابقة لم تكن قدحية تعني التخلف والتوحش كما نعتت به من طرف الاستعمار الكولونيالي بل إن كلمة "بربر" أطلقتها الحضارة الإغريقية للإشارة إلى سكان شمال افريقيا وذلك للدلالة على غير المنتمين لحضارتها وهي تؤكد بذلك وجود الفوارق اللغوية والثقافية والتنظيم السياسي وهذا يدل على أن ساكنة شمال افريقيا كانت متميزة بلغتها الخاصة وبتنظيمها السياسي وبثقافتها.

كما أن الحضارة الرومانية أطلقت اسم "بربر" على كل الشعوب وخاصة التي رفضت الاحتلال الروماني واستعصت عليه وحاربته وعلى الخصوص سكان الأراضي الإفريقية.

كل هذه الطروحات التاريخية تشخص بعمق أزمة الثقافة الأمازيغية المطروحة حاليا – وبشكل فلكلوري – على الواجهة إذ أصبح الوتر شديد التوتر، فبعد التهميش المفتعل للبادية المغربية نجد أن اللغة الأمازيغية وقفت صامدة أمام الهزات التاريخية منذ القدم كما أمام الحضارات والثقافات الكبرى التي توالت على حوض البحر الأبيض المتوسط، وسوف لا نذكر فضل تمازجها بهذه الحضارات والتفاعل معها والتأثر بها منذ أن تربى بوغرطة في أحضان الحضارة الرومانية ونهل من ثقافتها متأثرا بها ومؤثرا فيها وهذا ما تؤكده رسالة إلى هيسيبيا من شيبون الإيميلي (185-189 ق.م) قنصل روماني كان مسؤولا عن هدم قرطاجة سنة 146 ق.م يقول فيها «إن ملك يوغرطة قد أبان البرهان على شجاعة فائقة في حرب نومنسا وأنا متأكد من أن هذا سيدخل عليك السرور، أن لك رجلا ينبغي أن تفخر به وأن تفخر بجده ماسينيسا3.

فالثقافة الأمازيغية إذ تعلى حضورها المتجدر بالثقافة المغربية ككل. تؤكد على تفردها، هذه السمة التي تشكل الفن الأمازيغي كتعبير دينامي متحرك لواقع تطور وواكب الحياة المغربية منذ عصور واكتوى بنار التغيير وتفوق على سلطة الزمن.

إن اللغة الأمازيغية هي حقا ما تحفظ به تلك الزمرة الاجتماعية "إمازيغن" سلوكها وتقاليدها على المدى الطويل، حقيقة أن الثقافة الأمازيغية لها خصوصيات ساعدتها على البقاء صامدة في وجه التاريخ حتى أن قوة حضورها خلقت بواعث عدة لدراستها، غير أن دورها في بناء الحضارة المغربية الحديثة لازال مهمشا ويمكن إرجاع هذا الابعاد إلى أن المساهمة التي بذلتها في الجسم الثقافي المغربي لم ترق إلى حدود التدوين – دون إغفال المجهودات الأخيرة في هذا الميدان – فعائق الشفاهية هذا هو الذي جعل الكثير من الباحثين في الثقافة الأمازيغية يقف مشلولا لا لندرة وقلة النصوص كمراجع بل لضرورة أخذ هذه النصوص في منابعها الأصيلة "الرواة" فيصبح البحث ميدانيا وتلتحق هذه الدراسات والقراءات بالدراسات التنقيبية الأنتروبولوجية، مما يشكل الحاجز الأول للخروج من هذه الأزمة الثقافية.

إلا أن بعض الجهات الثقافية بالمغرب تعمل جادة على إحياء وتدوين الشعر الأمازيغي وتقريب البحث على الدارسين باعتبار أن الشاعر في عرف الحضارات منذ "هوميروس" هو لسان حال القبيلة وصانع مجدها التليذ وسنقول مع "هيكل" أن الشاعر لا يملك غير الكلمات لكنه يملك أن يغير العالم بهذه الكلمات، فسيطرة الواقع على الشعر الأمازيغي تنشحن بها القصيدة الأمازيغية "تمدياست" فالشعر كان وما يزال ديوان الثقافة الأمازيغية.

بذلك اقترح بعض الخطوات التي لابد منها للنهوض بالثقافة الأمازيغية على الوجه الصحيح وهي:

أ- جمع وتصنيف النصوص الأدبية الأمازيغية من: شعر، حكايات، ومطارحات شعرية الأمثال، الأحاجي، الأسطورة والخرافة... الخ.

ب- فك وإخراج الثقافة الأمازيغية: العادات والتقاليد، النقوش، الآثار.. من وجهة النظر المتحفية والفولكلورية التي تنعت بها.

ج- فلك سراح الدراسات والبحوث التي تملأ رفوف الجامعات والمعاهد وتبني طبعها ونشرها من قبل الجهات المسؤولة.

فبالإضافة إلى مشكل التراكم النصي الذي يعرقل البحث في هذا الميدان هناك مشكل آخر مطروح بإلحاح في وعي المثقف الأمازيغي.

هو إشكالية الشكل اللغوي من حيث الرسم التي سيعيد بها كتابة هذا الناتج الشعري وتلك الأدبيات هل سيعود إلى محبرة "تيفيناغ" أم الحرف اللاتيني أو الحرف العربي؟.

سأناقش على التوالي بموضوعة كبيرة هذه الإشكالية ولو أن خوض غمار هذا الموضوع يجرف البحث نحو فواصل بعيدة عن البحث العلمي خاصة إذا مورس تحويل النتائج العلمية لتهييج فئة الانتماء الثقافي.

أولا تيفينـاغ:

«على غرار الفنيقيين اخترعت الشعوب الليبيكية بالمغرب الكبير عددا من الرموز الهجائية لكتابة لغتهم الأم، إلا أن ذلك تم في تاريخ لم يتم بعد تحديده وهذه الكتابة تميل إلى الحروف الصوامت وتدعي بالليبيكية ولا تتعدى الأربعة والعشرين رمزا ويمكن قراءتها عموديا من أعلى إلى أسفل كما أنها تقرأ أفقيا من اليمين إلى الشمال وهي أصل الكتابة الحالية للغة الطوارق المسماة تيفيناغ TIFINAGH  4، من هنا يتبين لنا أن تواجد هذه اللغة يدل عليه رسم الحروف بالإضافة إلى الصوت ويرتبط إحياء الثقافة الأمازيغية بمدى القدرة على رسم هذه الثقافة بالحرف المخلوق لها "تيفيناغ" فسوف لا يكون هناك استغراب إذا اقترحنا أن يواكب هذا الحماس حماسا آخر من نوع التضحية في هذا السبيل من طرف الغيورين على الثقافة الأمازيغية لفتح مدارس حرة لتعليم اللغة الأمازيغية بالمغرب، بذلك سيكون لتيفيناغ قوة تضفي على الشعر الجمال وبلاغة الرسم حتى يتسنى لدراسي الحضارات وضع النصوص في إطارها التاريخي، إذ أن أي باحث موضوعي لا يفكر في معالجته موضوع ما منفصلا عن الشكل المكتوب به يقول "جان فريفيل" في هذا الشأن "الجميل هو التظاهر المحسوس للفكرة التي تشع عبر الشكل5.

وقد أثبت البحث التاريخي أن ظهور "تيفيناغ" ينطلق من فجر التاريخ حتى أواخر القرن القرن التاسع عشر مع التوارك.

ثانيا: الحرف اللاتيني

أما بالنسبة للحرف اللاتيني فإنك تشم رائحة الكولونيالية تضع حدا لطموح كتابة الأدب الأمازيغي باللاتينية، فالتوجه الاستعماري انتهك حرمة الثقافة الأمازيعية وسلبها مقوماتها على الحضور بشكل مشرف، وخاصة عندما جعل من بعض الجوانب المشرقة من هذه الثقافة "فلكلورا" وهو مصطلح قدحي لا يرقى إلى المصطلحات العلمية التي ينبغي أن ينعت بها هذا اللون الشعبي، فوجهة النظر الاستشراقية تنظر للثقافة الأمازيغية كشكل من أشكال الكينونة السياحية لا الحضارية، وبذلك فلا نستغرب من سيادة موقف الاحتواء والتغريب الذي يفرضه الاتجاه القائل بكتابة الناتج الثقافي الأمازيغي بالحرف اللاتيني.

ثالثا: الحرف العربي

أن وجود لغة ما مقرون بشدة العصبية، وما يزكي ذلك أن قوة "البربر" جعلت حمايتهم للغتهم "تيفيناغ" تفرض احترامها على اللغات المتساكنة معها وخاصة اللغة العربية، فالخط العربي عند نقله للغة الأمازيغية كان مهتما بمخارج حروفها وبنسقها اللساني الشيء الذي يدل على أن اهتمام العربية باللغة الأمازيغية لم يقف عند حدود التدوين بل أكثر فقد تعداه إلى البحث فيها والعناية الدقيقة بمخارج الحروف، فحرف الكاف، مثلا له أربعة أشكال بالعربية توازي حروف تيفيناغ مما يدل على غنى اللغة الأمازيغية وقدرتها التعبيرية التوليدية.

يقول ابن خلدون ص 34 مثبتا لهذا التنوع اللغوي في مقدمته شاهدا على عظمة اللغة الأمازيغية وكثرة مخارج الحروف فيها يقول:

- كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقطها الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجيئ في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا كذلك فنكون قد دللنا عليه، ولو وضعناه برسم الحرف الواحد على جانبه لكنا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا وغيرنا لغة القوم6.

إن وراء كل تحمس للكتابة بإحدى هذه الحلول الثلاثة ايديولوجية معينة ومعيقات عدة ولكن سنسجل مع كولن ولسن أن "الأدب الذي لا يتصل بتقاليده لا يستطيع أن يحقق أي تقدم هام7.

إلا أن اللحظة التاريخية الراهنة تضع الثقافة الأمازيغية أمام رهان تاريخي كن أو لا تكون، فالمهم هو تجاوز هذا الطرح اللساني والخروج بكل موضوعية من درجة الصفر هاته حتى يتقدم البحث العلمي إلى الأمام.

الهوامش

+- نشرت بجريدة التكتل الوطني و بجريدة  بيان اليوم، عدد 767 بتاريخ 28-07-1993.

1- مقدمة ابن خلدون – الطبعة الأولى – دار القلم بيروت – لبنان، سنة 1987 ، ص :133.

2-  نفس المرجع السابق ص 133.

3- عن مذكرات من التراث المغربي، المجلد الأول ص: 176 ،سنة 1984 Nord Organisation

4- مذكرات من التراث المغربي، نعيمة الخطيب بوجيبار، المجلد الأول، ص: 137

5- جورج بينيخانوف: الفن والتصور المادي للتاريخ، تأليف جان لريفيل، ترجمة جورج طرابيشي، الصفحة: 177-178.

6- مقدمة ابن خلدون، نفس المرجع، ص: 34

7- المعقول واللامعقول في الأدب الحديث، تأليف كولن ولسن – ترجمة أنيس زكي حسن – دار الآداب بيروت، الصفحة: 19.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.عبد النور ادريس

Abdennour.driss@gmai.com

 

 

 

Partager cet article
Repost0
25 décembre 2011 7 25 /12 /décembre /2011 21:48

أُفق التجريب القصصي في المغرب:

نزق اللغة عند القاص أنيس   الرافعي

بقلم د. عبد النور ادريس

                  

   

أُفق التجريب القصصي في المغرب:

 نزق اللغة عند القاص أنيس الرافعي

بقلم د. عبد النور ادريس

 

■ تعتبر القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، شكلان من الأشكال الأدبية التي تثير الانتباه من حيث الثراء الكيفي والتنوع على المستوى الكمي، وبفضل انخراطهما المستمر في التجريب وعكسهما للحالة النفسية لكُتابها، وخلقهما لمستويات عالية على صعيد الرؤية والتقنية، حتى باتا من أكثر الأنواع الأدبية التي تستقطب اهتمام المبدعين والمتلقين على حد سواء، فكون القصة القصيرة المغربية في طور التجريب يعني أنها ما تزال في طور التأسيس.

إن القصة القصيرة تتميز على الرواية بما يخلقه التكثيف والترميز من إشباعات دلالية لدى المتلقي، وهي تشاكس المعاني عبر فضاءات سردية متعددة كالأمكنة والأزمنة والأحداث والأشخاص، وما تنطوي عليه من أبعاد درامية مشحونة بالتوتر والقلق. ولم تحز القصة القصيرة هذه المكانة إلا عندما اقترن حكيها بالوعي الحاد الذي ينخرط فيه الإنسان احتجاجا على واقع سريع التغير، تخترقه أزمات حادة في شكله ومضمونه، كما يعود الاهتمام بها لما تتميز به من إيقاع يتماشى وسرعة الإيقاع في الحياة العادية والذي نعتبره من أكثر الإيقاعات انسجاما مع طبيعة العصر السريعة، وتمثيل شخصياتها للواقع المعيش كما المتخيل، فالشخصيات الإنسانية عليها أن تتحرك على صفحات القصة سواء استمد القاص موضوعه من التجارب الحياتية المعيشة، أو تعدى نطاق العادي إلى عوالم المتخيل.

وقد اشتهر من القصاصين العرب على سبيل المثال كل من يوسف الشاروني، يوسف إدريس، يحيى حقي، زكريا تامر، إبراهيم عبد المجيد، جمال الغيطاني، يوسف القعيد ونجيب محفوظ، وغيرهم. ومن القصاصين المغاربة وحسب مرجعياتهم في الكتابة القصصية هناك:

1- كتابة الهامش، ومن مبدعي هذه المرجعية، محمد زفزاف في مجموعته \' بيوت واطئة\' و إدريس الخوري في مجموعته\' ظلال\'(  [1]   ) وابراهيم بوعلو في مجموعته \'السقف\'، ومحمد شكري في مجموعتيه \' مجنون الورد\' و\'الخيمة\' ...

2-كتابة الذات الاجتماعية التي احتلت فيها المرأة الكاتبة دورا مهما من حيث سيطرة نزعة التمرد والحنين والمناجاة والبوح، نظرا لمحاولتها الاندماج النهائي في المجتمع والبحث عن مكان في الوجود. ومن قصص هذه المرجعية نذكر القاصة خناتة بنونة في نصّيها السرديين \'ليسقط الصمت\' و\'النار والاختيار\'. وأحمد المديني في مجموعته \'المظاهرة\'، ومحمد عز الدين التازي في مجموعته\'أوصال الشجر المقطوعة\'...

3- كتابة الذات والإحساس بالكتابة كأزمة، وتمتح هذه المرجعية من العوالم التي تنتمي للذات والعاطفة والبوح، وهي تغترف من الذاكرة والوعي الثقافيين، وتنحو نحو تقديم الكتابة القصصية كصنعة من أجل تكسير نمطية القص، ونذكر من بين قصاصي هذه المرجعية، محمد الغرناط في مجموعته القصصية \' الصابة والجراد\'،وحسن برما في مجموعته\'ضمير الخائب\')  [2]   (...

4- تبئير الواقع وكتابة الوعي الثقافي: هذه الكتابة تهدف إلى تبئير اليومي، وهي تُشعرنا بحضور الواقع المتعفن، وترصده وهو في نزعه الأخير يحتضر بفعل هشاشة مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن كتاب هذه المرجعية، محمد برادة في مجموعته \'سلخ الجلد\'، وأحمد بوزفور في مجموعته \' النظر في الوجه العزيز\'، الذي ضمنها القاص كتابة تسعى إلى خلق أنساق فنية تفوق انخراط كتابته في حل المشاكل الاجتماعية. فبدلا من  أن توظف هذه المرجعية السردية الكتابة من أجل تغيير الواقع، حاولت أن تجعل الواقع منخرطا في عملية تغيير الكتابة.

5- الكتابة المُغايرة:– ولتمثيل ذلك على سبيل المثال لا الحصر- نجد أنها كتابة مُجدِّدة تستند على نزق اللغة، (علبة الباندورا لأنيس الرافعي) وشعرية الحكي،(ورثة الإنتظار لعبدالنور ادريس) والكتابة بالتيمة بدل النص المفرد، ( في انتظار الصباح لمحمد سعيد الريحاني)، والكتابة القصصية ذات الرؤية الروائية، (الليل العاري لعبد الرحيم العطري) وكتـابة الحالة الاجتماعية للنساء، (أنين الماء للزهرة رميج).

إن هذه الكتابة تلتحق بالمـرجعية المنفتحة على اللغة والمعنى، وهي مرجعية منفتحة أساسا على التجريب وتفترض إمكانية انصهار الأنواع والأجناس لتوليد نوع جديد.

ففي هذه المرجعية عبّر الجيل الجديد من القصاصين والقصاصات المغاربة، عن توجه نحو التجريب وكتابة القصة من الداخل، متجاوزين بذلك ماضي القصة القصيرة، راسمين بذلك خصوصياتها الفنية والجمالية المتشظية والمتفجِّرة على مستوى المعنى والمبنى، وأثبت تجارب هذه المرجعية أن القصة القصيرة المغربية فن، من خلال اهتمامها الواضح بالأداء الفني للقصة القصيرة، فجعلت من اللغة ورشة نشيطة لصقل اللغة، والحفر في مكوناتها الدلالية انطلاقا من الحرف ثم الكلمة فالجملة، ومن ثم خرجت اللغة من المختبر اللغوي إلى فضاء يحقق فيه النص توافقه مع ذاته في تجانس تام مع إمكانية تحقق النص بوجود متلقي يعمل على تخمين معاني النص بشكل فردي، يجعل عملية التفسير فردية غير متكررة، الشيء الذي يجعل تفسير نص ما محاطا بالتفسير المنفرد (  [3]   )، بينما كانت القصة التقليدية تكتب المعاني الملقاة على الطريق انطلاقا من معيارية النموذج المكرس، وقد أكد التجريب القصصي أنه من الممكن كتابة اللاّمعنى غير المرتبط بالأحداث والشخصيات.

إن القصة القصيرة المعاصرة (بما فيها القصة القصيرة جدا) والتي يمثلها قصاصو المغرب المعاصر أمثال:( حسن برطال- أبراج وقوس قزح، حسن البقالي- الرقص تحت المطر و مثل فيل يبدو عن بعد، حميد ركاطة – دموع فراشة ، عبد الله المتقي - قليل من الملائكة و الكرسي الأزرق وآخرون..) .

بهذا المعنى لم تعد القصة القصيرة تتقمص دور المنتقد والكاشف عن عيوب المجتمع كما أنها لم تعد تهتم بالتحولات الإجتماعية المتسارعة الإيقاع، لذا فقد تجاوزت مفهوم الذيلية للخطابات السياسية والإيديولوجية تماشيا مع الإضطراب الإيديولوجي الحاصل لدى المتلقي المعاصر، والذي جعل القاص يكتب أساسا لذاته مركزا ومكثفا كل أشكاله الذاتية في حكي لا يهادن المعيش، ولا يضع في اعتباره أي مقوم من مقومات قارئ نموذجي محتمل.

6- \'علبة البّانْدورا \'وكتابة نزق اللغة،(أنيس الرافعي نموذجا)

 تنخرط هذه المرجعية مع القاص أنيس الرافعي في تحميل اللغة سياقات لسنية حادة في خرق المرجع اللسني المتعارف عليه مع تفصيح للغة الدارجة وإكسابها سياقات فوق- محلية، ففي مجموعاته القصصية \'أشياء تقع دون أن تحدث فعلا\' و\'السيد ريباخا\' و\'البرشمان\' ثم \'علبة البَّانْدورا\' وهي مجموعة تجميعية حيث لم يعد للبطل أو الحدث من معنى، تكلمت اللغة واجتاحت الحكي بكامله، فتم الرهان على اللغة وإمكاناتها التدليلية وانشحانها بالتعدد في السياقات، معبّرة عن الأكليشيهات الإبداعية التي تربط اللحظة الإبداعية باللغة، وهي نصوص مُتْرعة بحمى التجريب القصصي على مستوى التقنيات السردية، وهي إذ تسعى ضمنيا إلى تدمير البناء القصصي التقليدي، تحاول أن تدمر في نفس الوقت ذلك التآلف الحاصل بين المتلقي وهذا النمط من الحكي، وتعمل على فتح آفاق سردية مغايرة لإنتاج نص مفارق تقنيا تكون فيه ذات القاص محورا للمعاني وموضع تشريح.

إن الجملة السردية عند أنيس الرافعي امتداد لنفسيته المتشظية ما بين الواقع كما يعاش على المستوى الوجودي، والمتخيل كما يوحي بذلك ذوبان لغة القاص في ذاته، وهو ما يمكن تسميته ب\' شعرية الموقف اللغوي\' الذي يؤسس له القاص مرجعا ينطلق ويعود إليه، حيث نجد أن عماء المعنى يتجاوز داخل النص إلى خارجه بسبب لجوء القاص إلى عدة تركيبات لغوية تضع أمامها كل امكانيات اللغة على المجاز والاستعارة والشعرية الطوباوية، حيث يجعل القاص عالمه ضمن قابليته القصوى لاحتلال دلالات مغايرة وعميقة في تجانسها الداخلي.

 إن شخصيات قصص أنيس الرافعي نعرفها ونعلم بوجودها من خلال الوجود اللغوي الذي يحيل عليها، ويتميز بطابعه المزدوج في البناء القصصي، ويتحدد من خلال بنيتيه الشكلية والدلالية، وفيما استطاع القاص أن ينسجه أنموذجا تتصف به كل أعماله السردية، انتقلت اللغة من إطار البنية الشكلية إلى فضاء بنية الدلالة، فرغم أن اللغة هي أصل فعل الحكي فهي في سرد الرافعي استمرت في الوجود وتلاقحت من خلال قوة الشكل الغوي، وأشَّرَت على قص مفارق يتحدد في ما وراء فعل الحكي، هذا إن هذا التطور يُرغم المتلقي على القيام بعملية فك شفرة النص، واستحضار المعطى الغائب في النص عبر تمثيله المخيالي أيضا حتى يلامس حلم اللغة بأبعادها الجديدة التي تحتفل بالنص السردي، يقول القاص معبرا عن الإمكانية التأويلية التي يضعها بين يد القارئ منذ الجملة السردية الأولى متجاوزا بذلك الحكي التقليدي الذي ينتظر نهاية الزمن التأويلي كي يبوح بمساراته الدلالية، يقول في قصة \'ملاحظات حول الصور الفوتوغرافية\': \'كأني نحيت إلى أبعد مسافة ممكنة يقظتي التي أخفقت مسدسات القهوة السوداء في إطفاء أنفاسها الأخيرة وتدهورت صوب نوم مضمون فوق القميص الداخلي للسرير، إلا أنني في حقيقة \' الوصف\' كنت فحسب أغفو بعينين مفتوحتين داخل محبرة عيني المغلقتين\' (  [4]   ).

وإن كان الجسد وخاصة المرتبط بالشخصيات النسائية هو المحفل السردي الذي يطبع التحققات السردية، وتُقرأ وتُؤول التجربة الفنية لكل قاص من خلال إمكانية توظيفه، وإن كانت الشخصيات حسب يانيك رايش yannick Resch   :\' تكشف العالم والآخرين عبر جسدها\' (  [5]   )، فالجسد في \'علبة الباندورا\' يشكل لحمة منسجمة مع اللغة التي تظهر كشخصية محورية في النص، يعشقها الكاتب ويقودنا بوساطتها إلى اكتناه لذة النص وسلطته من خلال جعل اللغة تتمرد على ذاتها، وجعلها بكل ما في السرد من جهد قليلة الحياء المعجمي، لا تستجيب للسياق المتداول، لغة ترفع إيقاع التوزع الذهني، وتنخرط ببطء في مجتمعها اللغوي، فتصبح قراءة النص لمسا للجسد،  وتستحضر الكيفية التي تجعل الرغبة منبثقة من مختلف التفاصيل والأجزاء وتعبر في نفس الوقت عن الكل، ولهذا قال جان بودريار jean   Baudrillard   \' يجب القول أن الأنثوي يغري لأنه ليس أبدا في المكان الذي يُفترض وجوده فيه\' (  [6]).

فالجسد الأنثوي في قصص الرافعي لا يُقَدََّم في نصوصه إلا عبر ما يثير المساءلة عن هويته الحقيقية كجسد مملوء بالشر، ولايشير إلى نهد أو صدر أو خصر، فهو إما جسد مُشاع لا يقدم لإغراء المؤنث أي توصيف جديد كما يشهد بذلك نص \' انشطارات(1)\' الذي تحضر فيه المرأة كمومس محترفة أو امرأة تبلغ سن الأربعين:\' ومن هنا، وضع النادل-مرة أخرى- افتراضا مؤداه أن المرأة الأربعينية قد سلمت للمومس المحترفة السوار الذهبي المتفق عليه\'([7]) ويمكن تلمس ذلك فيما فتحه أمام المتلقي من دلالة العنوان محذرا المتلقي من جموح التأويلات يقول:\' بّاندورا(pandore)، حسب الأسطورة الإغريقية، هي أول امرأة خلقها هيفيسْتوس (Héphaïstos). أهداها ثيوس(Zeus) مملوءة بمزايا وسيئات الإنسانية، ثم أرسلها إلى الأرض مع أول رجل، إييميثيو(Epiméthe) . فتح هذا الأخير العلبة فتناثر محتواها عبر العالم، ووقعت الكارثة !أيها القارئ حذارٍ أن تفتح عُلبة هذه القصة حتى لا يقع\'مابعد السرد\' ! \'(علبة البّانْدورا، ص: 5)، إن وظيفة المرأة في \'علبة الباندورا\' قائمة على أشكال تلقيها في \'ما بعد السرد\'، وقد تصبح فعلا جنسيا لا يُعطينا أوصافه العادية لتمظهره بشكل طبيعي، ولهذا فكل جسد في نصوص الرافعي هو كجسد دونكيشوطي.

 وقد جعل القاص فضاء النص مكانا لالتقاط تحولات السرد بادراك العين التي تشاهد حكيا واصفا باللغة، فأعار أدواته من السرد الفني لعالم الكرتون carton التي يصنع بها \'والت ديزني\' عالما سرديا واسع التخييل، يقول القاص في قصة \'التحولات غير المعقولة للسيد ريباخا\' ما يمكن أن يتمثله فقط المنطق الذي تصاغ به أفلام الكارتون: \' فجأة وعلى نحو يتجاوز المعقول، يخرج منك شخص آخر يشبهك ويواصل الركض أمامك بخفة عداء .. تتوقف أنت، فتتجاوز المرأة بذات الخفة وتركض خلفه بلا هوادة.\' (علبة البّانْدورا، ص: 76) ولهذا ممكن أن تتحول قصص المجموعة \'علبة الباندورا \' إلى قصص كارتونية من حيث يصعب إدراكها لغويا على القارئ العادي، ولكن يسهل تمثلها كحكي بصري يشهد للقاص أنيس الرافعي بالتفوق في بلورة جديدة لسينارية السرد المشهدي.

وما دمنا نردد مع أرسطو قولته الشهيرة بأن التقنية وحدها تولد الأفراد في حين تمسك المعرفة بالأنواع، نجد القاص في قصة \' ملاحظات حول الأحصنة المعدنية \' يستشعر بعده عن جمهور القراء الذي لا يني بول ريكور يلح على أن استجابة الجمهور هي التي تجعل النص مهما ودالا ([8]) عندما يقول \' على الرغم من كوني أعلمُ الصعوبات الناجمة عن محاولة ارتكاب مقترح سردي من هذا الطراز المعقد، لكني أريدك – بداية-أن تنجح في تخيل نافذة وكرسي ورجل\'(علبة البّانْدورا، ص: 131)، فالتقنية التي يستعملها القاص في مجموعته التجميعية \' علبة البَّانْدورا\' بعد أن يخترق القاعدة الذهبية للأدب والتي تقول بأننا يجب أن نكتب عمّا نعرفه، تحتوي على أمل ترويض القارئ الكلاسيكي للتماهي مع الإمكانات المفتوحة للمرحلة السردية الجديدة دون أن ننسى المتعة الكبيرة التي تلفحنا بها نصوص الرافعي ذات الرصد الحالم لزمن اللغة الأخرق باعتباره يسكن خارج سيطرة المعاني المتداولة، الشيء الذي يضع أعمال القاص في خانة \' السرد الأطروحي\' للحكي البصري نظرا لنسقها الدلالي الخاص المشتمل على صيغ خطابية تنتعش بفضلها التحولات في اللغة والخطاب


الهوامش

[1] - معتصم محمد، \'القصة المغربية\'، تعدد المرجعيات في الكتابة القصصية المغربية\'، سلسلة ملتقى القصة، منشورات الشعلة، الطبعة الثانية ، سنة 2006 ، الصفحة : 73.

[2] - \'ضمير الخائب\' عنوان المجموعة القصصية لحسن برما التي صدرت سنة 1993.

[3] - ريكور بول: نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2003، ص: 125.

[4] - الرافعي أنيس ، علبة البّانْدورا، متتاليات ما بعد سردية، الطبعة الثانية تجميعية، الشاطئ الثالث (4) ، مطبعة دار القرويين، البيضاء، سنة 2007، الصفحة 117.

[5]-yannick Resch ,« corps féminin, corps textuel Essai sur le personnage féminin dans l’œuvre de colette », librairie c.klincksieck, paris ,1973,p : 15.

[6]- Jean Boudrillard ,« De la séduction », Ed ,Galilée , Paris ,1979, P: 17.

[7] - علبة البّانْدورا، قصة ، انشطارات (1) نفس المرجع السابق،الصفحة:41.

[8] - ريكور بول: نظرية التأويل، نفس المرجع السابق ، الصفحة : 63.

 

Partager cet article
Repost0
22 juillet 2011 5 22 /07 /juillet /2011 23:05

 

عن النثر والشعر ..والشعر
بقلم : رابح التيجاني 
                              ​                
          أجهل الشعر  أجهل النثر
 أجهل الشعر ، أجهل النثر ، وأعرف الكتابة ،صبية عذراء أغشاها وتغشاني قبل أن تصبح مدام قصيدة أو السيدة مقالة، أعرف الكتابة قبل أن تذبح ق...ربانا أمام أوثان الإستطيقا ، وإن كان مشروطا أل تعتبروا الشعر إلا إذا أرقصكم فثمة في الصدر أنغام الحزن الجنائزية دندنات الفرح، ثمة ما يكفي مقامات وإيقاعات تركبها النفس وتموج حدوا ، وإن كنتم تستلزمون القوافي هاكم لهاثي وأنفاسي تواترا وتقطعا ، محطات أشمخ جذبا وحرارة من تكرار الروي أو السبب الخفيف أو الوتد المجموع أو المفروق ، سألتني عن رأيي في قصيدة النثر ، رأيي الموضوعي ، وأدخل ذاتي وأخرج منها وأسألني وأسألكم كيف أكون موضوعيا ؟ أأتحدث عن مجلة " شعر " وما أتيح لي الإطلاع عليها ! أأستعرض ما علق بذاكرتي عن تثوير اللغة وزمن الشعر والشعراء أدونيس إنسي الحاج يوسف الخال ، طليعة شعراء لبنان ، أأتناول شهادات الماغوط تجاه زمن الرداءة وعلاقتها بالشعر ؟ أأتموقف إزاء إفرازات الشعر بتونس وأتناول ظاهرة إبداع " غير العمودي   والحر "، أأخوض غمرة الشعر المغربي فأفاجئكم بأن مصطفى المسناوي في كتاباته القصصية شاعر وعبد الكريم برشيد في كتاباته المسرحية شاعر وأن عددا من الشعراء لاارتباط لهم بالشعر عموديا ومنثورا وحرا ؟ أأنطلق ابتداء من انتفاضات الشعر المعاصر وأعلج نازك من " الكوليرا " وصولا بها إلى الموت أو الحياة التي تكتنه قصيدة اليوم ؟ أأخرج بالسياب من تساؤله " هل كان حبا " وأنساب تدريجيا عبر متطلبات الواقع إبداعيا ؟ أأستند في جوابي تراثيا وأعانق ثورات الماضي وأستفسر ابن المعتز وأبا تمام والمتني والحمداني ونظراءهم ،أم أستفسر ابن الخطيب وكل وشاحي الأندلس والمغرب والتروبادور ؟ ؟ لن أفعل ولكني أسأل ما السر في كل هذه الضربات التي يتلقاها الخليل ، ولن أجيب فالخليل قد سقط فعلا أو لابد أن يسقط بشكل أو بآخر أو تسقط صنمية النظرة إليه ، وسيحتفظ له الشعر بفضل التأطير الإيقاعي لديوان العرب ، ذلكم التأطير الذي إن كان فيصلا بين فنون القول فإنه ليس معيارا للشعر ولا ضابطا لحدوده ومستوعبا لتطوره ،، وأنتقل عبر تساؤلي وأساير أراغون في سان ميشيل أو سان جيرمان ونجالس بعضنا في مقهى المنبع ونختلس الشعر من عيون إلزا فلا يكون إلا كما شاءت الكتابة ، كتابة أوتوماتيكية، تحتفي مقطعية اللغة الفرنسية وقوافيها ويكون الشعر ، كيف يكون ؟ كذلك يكون، وأتابع سارتر في تفريقه بين الشعر والنثر ، الفشل والنجاح ،الرقص والمشي ،وبالرغم من كل التنظير يظل الشعر خارج القمقم دائما ، وأسأل ت س إليوت  فيجيبني :" لم أستطع أبدا أن أحفظ أسماء التفعيلات والأوزان أو أن أقدم فروض الطاعة لقوانين العروض المعتمدة وليس معنى ذلك أنني أعتبر الدراسة التحليلية للأوزان والأشكال المجردة التي تختلف اختلافا بينا عندما يتناولها الشعراء المختلفون مضيعة للوقت ، وكل ما في الأمر أن دراسة تشريح أعضاء الجسم لايمكن أن تعلمنا كيف نجعل دجاجة تبيض "(1) ولو أن إليوت يستدرك بأن :" وراء أشد الشعر تحررا يجب أن يكمن شبح وزن بسيط إذا غفونا برز نحونا متوعدا وإذا صحونا اختفى حيث ان الحرية الحقيقية لاتظهر إلا إزاء قيود مصطنعة " (2)فإن أشعار إليوت نفسه وأرضه الخراب مترجمة حملت كل الشاعرية وهي خالية من الوزن والقافية ونبرية اللغة الإنجليزية.
      لا أريد أن أستطرد وأستنطق إزراباوند أو كولردج أو بليك فإن بعض أشعارهم لم نقرأها إلا مترجمة منثورة ولقد ظلت في مجملها شعرا ، إن الشاعرية الحقة لاتعتمد موسيقاها العروضية اعتمادا ولعل هذا ما سمح بالعرف على شعر حقيقي يوناني أو تركي أو إسباني وعداه مترجما ومنثورا ، غير أن شعرنا العربي بطقوسه يحمل من الإيقاع والبيان والبديع أكثر مما يحمل شعرا ، وتلك سقطته التاريخية التي لابد أن يبدع المبدعون في إطار تجاوزها ، ولا أنفي ضرورة الإفادة منها إلى حد ما ، ولنتأمل إلى أية درجة يمسخ الفهم الموسيقي حقيقة الشعر بالمقارنة فقط بين بعض الترجمات العيدة لرباعيات الحيام ، لا أطيل وأساند تقريرا أورده غالي شكري في كتابه " شعرنا الحديث  إلى أين " يقول :" إن إحلال كلمة النثر مكان الوزن لا تعبر إلا عن رد الفعل الذي يصنعه الشعراء ، فقصيدة النثر تقف في الطرف المقابل لما يدعونه بقصيدة النظم ، ولكن دعاة هذه القصيدة يلتقون في الواقع عند حدود المفهوم الكلاسيكي للشعر ، بمعنى آخر المفهوم الشكلي ، فليس النثر في قصيدة النثر هو الذي يمنحها قيمتها الفنية الجديدة ، وليس النظم  في قصيدة النظم هو الذي منحها قيمتها الكلاسيكية القديمة ، وإنما هناك شيء آخر لا علاقة له بطريقة تركيب الكلمات نثرا ونظما هو الذي يخلق ما ندعوه بالشعر " (3) ولو أن غالي شكري يستطرد في هذا المقام ليشيد بالشعر العامي فإنه حقا أصاب المفصل وحدد مواصفات الشعر الجديد معمارية وأبعادا ، وإن كان الإبداع العامي باعتبار ثرائه وباعتبار العامة المقصود الأول بالإبداع ، ولضرورات الوحدة والقومية ، فإن القصيدة البديل تشمله عنصرا محققا للواقعية والجماهيرية ، إن المنظور الشعبي للأدب عامة يستلزم أصلا تحديد الشعب أولا ، أهو الشعب اللبناني ، الشعب المصري ، الشعب المغربي أو الشعب العربي ؟ أشك ولا أشك في انحرافية أدب العرب وسقوطه في الشوفينية ، ولكن هذا التنوع وبأصوله العامية بالإمكان استيعابه في إطار البناء الجديد للقصيدة الجديدة ومن أشكالها قصيدة النثر ، وبذلك يصبح مصدر إثراء وليس حدودا حاجزة .
 
 
البحث عن القصيدة الجديدة 
      دائما في إطار البحث عن القصيدة الجديدة قد يعتبر ما قيل عن إبداع العامة موقفا رجعيا ،، حقا إن ثقافة الطلائع المتنورة كانت عبر العصور رأسمال ممنوع على الآخرين ، رصيدا في الأدمغة ، رصيدا يتم استعراضه بأبهة وتقسيط وبرمجة على الدونيين ، تحاول فرضه مدعية الإرتباط بالجماهير المسحوقة ومعاداة الكبار في الوسائل والمضامين ، هذا في أحسن الأحوال إذ أن أغلب ما وصلنا عن مثقفي العصور العربية لايعكس إلا المدح على أعتاب السلاطين جهارا ، طبقيا يمنع المتنورون شيوع ثقافة الجماهير ، تلك الثقافة التي تعني إقصاءهم أنتلحنسيا وبورجوازية صغرى عامة ، كما نصطلح على التسمية حاليا ،وتحطيمهم في إحدى مدعمات أشكال الممارسة ، إن البورجوازية صغيرة وكبيرة ، ونترك الكبيرة لله ، أقول إنها تعتبر أشكال الثقافة الشعبية ومضامينها سطحية مسطحة مبتذلة وبالمقابل تعتبر الفئات الشعبية ثقافة المتنورين ثقافة قصور ومجالس وصالونات وعوالم خاصة ولو تناولت شؤون الشعب وقضاياه ومشاغله ، إذ هي ثقافة تتوسل في كل مناحيها وأدواتها لغتها الخصوصية وقيمها الخصوصية نظرتها الخصوصية ، إن مسألة شيوع الأدب محكومة باعتبارات استراتيجية لكل فئة أو صنف أو طبقة ، والبرجوازية تجد مجالها في الوسائل السلطوية للتبليغ وتفرض بذلك قيمها الإبداعية والجمالية ، وتظل الثقافة الشعبية دائما مسارحها الشوارع الدور الحوانيت في كل مكان ، خارج سوق عكاظ أو على هامش قصور العباسيين ، بطبيعة الحال هي ثقافة مرفوضة رسميا ولكنها ثقافة الأغلبية التي كان يجب أن تصلنا وما وصلت أو أنها وصلت إلى حد ما متنكرة في غمرة ضحكات جحا أو حدائق كليلة ودمنة وليالي ألف ليلة وليلة والمقامات وزجليات المجذوب وسير الخوارق والأساطير والتحليقات التصوفية ،  ولو أننا فهمنا الشيء من ضده فإننا حقا ما نزال نعاني مشكلة التعرف على الثقافة الحقيقية من خلال الثقافات المزيفة وما يعتور ذلك من ملابسات ، ترفض الشعوب دائما أستاذية المسيطرين والموالين للمسيطرين وتصنع ثقافتها ، وبحكم السيطرة فالمعتقد أن تاريخ الأدب الذي قرأناه في المدرسة ما وصلنا إلا بحكم السيطرة ونحن لانملك إلا أن نقبله تاريخا ولكننا نرفضه إبداع الشعب العربي والأجيال ،من هذا المنطلق نتساءل ماذا حمل إلينا الشعر العربي ؟ وبطرح  أدق ماذا حمل إلينا الرقص العربي ؟ إنه باستثناء الشعر الذي تضمن تجارب انسانية ومعاناة حقيقية لا نعثر إلا على البحور طويلة ومتداركة ومساحيق الجناس الطباق التورية التضمين الكناية الإستعارة وما يؤكد البراعة اللغوية ، تجربة المتنبي وطرفة بن العبد وعروة بن الورد وأبي فراس الحمداني أوصلت أصالتها وغيرهم قليل ، ولكن أمام الخضم الهائل للشعر العربي نخجل حقا إذ لا يكون رصيد العرب شعريا إلا أسماء معدودة من خلال ملايين الأبيات ، وماذا أجدتنا علوم بيانهم وبديعهم وإني لا أدعو إلى تركها بقدر ما أتلمس مشارف القصيدة الجديدة مستغلة البيان والبديع والعروض في الظرف المناسب بحيث لا يستمر إبداعنا إلى الأبد توشية وزخرفة وموسيقى ، إسقاطا لطموح ترفي لا غير ، يتمثل من داخل الخيام نقوش القصور ويسير على رمال الصحراء العائقة راقصا ، جماليات الشعر  ،  هذا الوثن الضال والمضلل ،كيف تحدد قاعدة وتم شيوعها ؟ أتساءل كيف تسمح الكلمات لنفسها بأن تغرق في الجماليات والموسيقى الراقصة لتعرض للمتلقي قمم الحزن مثلا ؟ إنها الخيانة ، خيانة المظاهر على مر العصور ، خيانة الطبقات الظاهرة الطافية على السطح الطبقات المستفيدة أو السائل لعابها ، إنني بكل ملتقى أكون أو أريد أن أكون مكتنها للكتابة وتكون ألغازا ، أحاورها وعندما تملكني أو أملكها أمسك زمامها ، تنطق بي وتتبعني منقادة كظلي ونمشي حيث نشاء معا ،ةأنا وهي ، ننثر الخطو إذ تجرنا متاهة ، نرقص إذ تدغدغنا ريح مرحة ،نقف انبهارا أو احتقارا أمام حائط حيطان نختفي نظهر ،وإذ ينتهي المطاف أراها وأرى فيها نفسي وغيري ، أرى كل المخلصين مثلي أرى  الشعراء فيها .
        متحفية اللغة لا تستهويني بقدر ما يستهويني تسكعها بالحالة التي شاءت أنيقة أو مهلهلة بين الدروب وفي أصقاع الوجدان والفكر والواقع ، وأنحني لها إذ تكون متناسبة مع المقام ، قبيحة إذ تعببر عن القبح ، جميلة إذ تعبر عن الجمال ، أميرة وصعلوكة ، لامعنى إطلاقا لأن يكتسي التعبير دائما قناعا تجميليا يقتات بهموم الجماهير ويجعل من مشاكلها فنا جميلا لا غير ،إن أكذوبة إثارة المشاعر والتأثير فيها بالكلام العذب المموسق لا يهضمها إلا الذوق الأرستقراطي الذي يحنط هذه الأعمال ويدرجها في إطار التحف الفنية ، أتساءل كيف يأتيك الناعي وهو شاعر يخبرك بموت فلان يقول لك ماااات فلان مااااات  كان موته عظيما عظمة البحر موكب جنازته تظاهرة حاشدة غرق جثمانه بين الناس وذااابانتهى ،إنه تصوير يراعي أن يبلغ أمرا بوائل خائنة ، إن المحسنات البلاغية أفسدت علينا اللغة وما تحمله اللغة ، وماذا يهمني أنا من كل هذه الطقوس ؟ لو دعيت كإنسان يعاني حقا من موت هذا الفلان لصمتت أو بكيت أو قلت شيئا لست أدريه ، ولكنه هو ، إنه الشعر وهذا ما يجب أن نبحث عنه ، وليكن كيفما شاء  موزونا أو منثورا ولكن إنه سيكون بكل إطلاقية الكلمة ، الشعر الشعر المفقود .
 
 
الفوارق والقواسم
     لعلنا نتجاوز في حديثنا هذا فارق الشكل بين قديم الشعر وحديثه ، وأكيد ان الفارق ليس شكليا فحسب ، وقد أشار إلى ذلك غالي شكري ،إن المعيار التفريقي بين القديم والأنماط التجريبية الحديثة لا يمس الشكل دون المضمون وهذا ما يجعل الحديث عن قصيدة النثر متجاوزا للفوارق الشكلية وممتدا إلى جوهر الشعر عامة ، وإذا كان سارتر يقر بأن " اللغة الشعرية تنبجس فوق أنقاض النثر ، وان في كل شعر شكلا من أشكال النثر أي من أشكال النجاح ، فبالمقابل فإن النثر الأكثر جفافا يحتوي دوما على شيء من الشعر ، أي على شكل ما من أشكال الفشل " ويضيف سارتر :" إن أي ناثر مهما كان صاحيا لا يصل إلى الإفهام لما يريد أن يقوله فهو يقول أكثر أو أقل مما ينبغي وكل جملة هي رهان مجازفة أخذها على عاتقه وكلما تلمس طريقه ازدادت الكلمة تفردا "(4).
        أقول إذا كان سارتر يقر بهذا فواضح أن المسألة وفق هذا النسق من التحليل ليست مسألة كتابة شعرية أو مسألة كتابة نثرية ، ولكنها قضية تعبير بالدرجة الأولى، ونستمر مع سارترفي معرض مقارنته يقول :"إن التزام الشاعر الحديث هو التزام الانسان بأن يخسر وهذا هو المعنى العميق لذلك النحس لتلك اللعنة يعزوها إلى نفسه دوما والتي ينسبها دوما إلى تدخل من الخارج في حين أنها أعمق اختيار له ومنبع شعره لا نتيجته ،إنه متأكد من الفشل الكلي للمشروع الانساني وهو يعد نفسه للفشل في حياته الخاصة حتى يكون شاهدا بهزيمته المتفردة على الهزيمة الانسانية عامة ،  إنه ينقض إذن وهذا ما يفعله الناثر أيضا ، لكن نقض النثر يتم باسم نجاح أكبر في حين أن نقض الشعر يتم باسم الهزيمة المستترة التي يخفيها كل نصر "(5).
     وسارتر يقيم هذه التوازنات ليخلص إلى الشعر المحض أو النر المحض ونحن هنا لسنا بصدد عرض للوجودية المتجاوزة بقدر ما نريد استخلاص رأي وارد بخصوص معضلة التعبير باعتبار :" أن الإيصال مستحيل وأن الكلمة أداة لهزيمتنا ومخبأ لما لا يمكن إيصاله وصولا إلى القضية ، قضية البنى المعقدة غير الصافية والواضحة الحدود "(6).
      أعتقد أن الصيغ النثرية إلى حد ما جاهزة دائما أما الصيغ الشعرية فإنها تستحضر من خلال طفوس معينة شكلية ومضمونية ، ولكن مع ذلك قد يكون استحضارنا للغة الشعرية سقوطا في صيغ جاهزة باعتبار أن اللغة معين  يغرف منه الشعر والنثر ، ثم إن هناك صيغ شعرية جاهزة نجدها في الأمثال وفي بعض التعابير لدى العامة تكونت منذ قديم وصارت تعبيرا عاديا يستعمل استعمالا نثريا ، وهذا وإن كان يقود إلى حصوصية الشعر وأن النثر عمومي  فهو ليس فارقا ، وإن التعبير كان جاهزا أو غير جاهز محتاج إلى روح ما تجعله شعريا ،تلك الروح التي يمكن أن تمس اللغة العادية أو اللغة المصنوعة ، ثم إنه ليس مشروطا دائما في الصيغ الشعرية ن تكون مقفاة موزونة كما أنه لا يعيب الصيغ النثرية خلوها من الوزن والقافية وإنما فضل الشعر هو الإفادة من إمكانات العبير شعرية ونثرية إلى الحد الذي يجعل فعلا العمل المنتج إبداعا وخلقا .
 
 
موسيقى الشعر
     فيما يتعلق بالموسيقى في الشعر فإنها لا تخلقها رتابة الإيقاع وتكراره بل يمكن أن تنتج الموسيقى من تنوع الإيقاع أو التفعيلة ، وإن لكل كلمة بناء إيقاعيا يتحدد من خلال صوائتها وصوامتها ، فإذا أضفنا إلى كل ذلك ما تلبسه اللغة من دلالات وما تنتجه تقنية الكتابة من صور وأوضاع وتراكيب خاصة تبين لنا كيف يمكن أن يكون الشعر ولو في إطار تركيب نثري لايعتمد البيت أو السطر أو التفعيلة المحددة ، أتساءل كيف لا يمكن للمتلقي إدراك موسيقية الكتابة إلا إذا كانت متكررة حسب تفعيلة معينة ؟ فإذا كانت لكل كلمة بنية إيقاعية وإذا كانت ارتباطاتها بكلمات أخريات يقود إلى خلق سلسلة من الإيقاعات قد تكون متجانسة أو متنافرة فكيف لا يكون الإعداد لتصورها وتلقيها كذلك ؟ هناك في الموسيقى المغناة أو المعزوفة جمل موسيقية لا تعتمد إيقاعا واحدا متكررا ، ثم أليس في الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم ن تقسيم على مقام الصبا مثلا أو الحجاز أو النهاوند أو البياتي ؟ إن هذه التقاسيم نثرية بحيث إن أداءها يتم دون إدخال الإيقاع في الاعتبار ، لماذا الشعر وحده نريد منه أن يكون موزونا ؟إننا نسمح للنثر بأن يخرج من نثريته ويتأطر في بناء موزون مقفى كما هو الحال في سجع  المقامات وفي بعض الأمثال ولكننا لانقبل العكس ، لا نقبل أن يسترسل الشعر ويتخلص من قيده .
       إن النظرة الأرثوذوكسية إلى الشعر قد تؤدي به إلى الإنقراض كما هو الحال في العلوم المحتكرة سابقا والتي أحيطت بهالات من التعجيز والحصوصية كعلم السحر مثلا . ولنعد إلى الإيقاع وعلاقة بنية الكلمة به في الموسيقى المعزوفة ، نجد مثلا إيقاعات موسيقية ثنائية ثلاثية رباعية إيقاعات بلدي مصمودي صحراوي وهذه الإيقاعات يؤشر لها ب"دم"و"تك"وترتيب هذه الدم والتك وفق تشكيل معين يعطي الإيقاع مثلا  :دم تك دم دم تك ، هذا إيقاع موسيقى يعتمد دم ويمكن تشبيها بمتحرك في تفعيلة فاعلن وتك ساكن ودم دم تك وتد مجموع التفعيلة ، ونقيس على ذلك سائر الكلمات أو التفعيلات ونرى أن أساسها إيقاعي حقا ، ولكن لا تتجلى بصورة واضحة خصائص هذا الإيقاع مثلما تتجلى في الموسيقى ، ولكن ما يهم قوله هو أن أخذنا لإيقاعات متعددة في آن لاينفي أننا لانستعمل إيقاعا ن مثلا ن فاعلاتن مستفعلن فاعلن فعولن مفاعيلن فعلن ، إن بناء الكلمات هكذا أو وفق أسلوب مشابه لايعتمد تكرار تفعيلة أو تفعيلتين لم تألفه الأذم في الشعر ، ولعلنا بحاجة إلى التأكيد على صرورة توافر الأذن لدينا على قدرة تستطيع أن تنتزع الموسيقى من خلال تعدد الموسيقى والإيقاع من إيقاعات ، لا أن تظل حبيسة الرتابة المعهودة ، دم دم تك دم تك ، فعولن ، وكفى. إنك وأنت تستمع إلى الدقة المراكشية تماما وكأنك تستمع إلى أرجوزة أو معلقة ، بناء محكم وإيقاع محسوب ، كل خروج عليه يستوجب تكسير التعريجة على رأس من أخل بالميزان ، ومع ذلك يستطيع الإيقاعي البارع تقسيم الزمن الواحد إلى أزمنة ويسميه "الزواق"إلا أنك وأنت تكتب الكلمة تستطيع أن تحذف ولكنك لا تزيد ساكنا  أو متحركا في صلب البنية عدا الترفيل والتذييل  ولو بدعوى الزواق  مع أنه من الممكن ذلك بشرط إدماج الزيادات في زمن معين عند القراءة أو الإلقاء وتخصيص زمن معين صامت للمحذوفات عند القراءة أو الإلقاء أيضا ، ونتناول إيقاعات الحيدوس أو الهيت ، إن هناك تصريفا للوزن بشكل غريب أحيانا يجعلك تعتقد أن الوزن مختل أو أنه لا وزن هناك ، نقرات متتالية على البندير بدون نظام هو النظام نفسه ،حقا إن هناك وزنا محددا لا يقبل التمازج مع وزن مغاير ولكنه وزن متفتح على الإضافة والتحرك وهذا ما نعدمه في الإيقاع الشعري ، إنه الوزن الخفي الذي تحدث عنه إليوت إلى حد ما .
      إن الفرق بين إيقاع الكلمات وتراكيبها التي تخلقها بنفسها وبين القصيدة التي تريد أن تحبس كلماتها في إيقاع معين مسألة لا تحتاج إلا لمزيد من المراس والقدرة على فهم واستيعاب التعدد ، ولست بحاجة إلى القول بأننا مدعوون إلى إبعاد ونفي ما بصم به إرنست رينان وأتباعه من الأعاجم عقلياتنا بأنها عقليات توحيدية لا تستطيع النفاذ للمركبات والمعقدات ، ومجال الموسيقى أيضا يحكمه ما يحكم الإبداع إذ لا نجد قدرة على فهم وتطبيق الموسيقى من خلال تنزع في النظرة بحيث تكون العقلية المبدعة والمتلقية جامعة للأقانيم وممتدة في نفس الموضوع الإطار ، إن عدم وصولنا في الموسيقى إلى ما يسمى بالتناغم يقابله حقا قصورنا في مجال الإبداع الشعري وعدم تمكننا من استخلاص الشيء من اثنين وإدراك الشعر سواء في الشعر أو النثر ، إننا أقرب إلى  الخيل التي تحاذي عيونها بقطعتي جلد   لترى طريقا واحدا أمامها فقط : الشعر يعادل التفعيلة والنثر انسياب وما عدا ذلك فلا شيء هماك.
       إن الشعر يكون قبل أن تكون اللغة وحدودها ، ولكنه باللغة يكون ، فباستحضار اللغة باعتبارها المميز للكائن الإنساني ووسيلة تعبيره الأولى بها نقول الشعر أو نقول عداه ، قد تحتوي هذه اللغة على الشاعرية المسكوبة وقد تظل بعيدة حاملة كل كلمة فيها مدلولها الخاص مضافا إلى المدلول الخاص لكلمة أخرى ومدلول خاص لكلمة أخرى ونكون أمام حالة مثيرة فعلا قد تقترب من الشعر بمبهماتها ، ولعله كان من باب التحديد إضافة قيود إلى الشعر أو أن الشعر تميز بالأشكال التي نراها عليه من وزن وقافية ، ولكننا بالنظر المتأمل نتأكد من أن الوزن مستوعب للنثر أيضا ثم إن عددا من القصائد العمودية لا تختلف في شيء عن النثر ،وإنه لمن الأكيد ما دامت نقاط الائتلاف بين الشعر  والنثر أكثر من نقاط الاختلاف أن يتحدد الشعر بمعياره الحقيقي ، معيار تضمنه لحقائق  وتجليات وحمولة وخلق شعري ،لا كونه مقيدا أو غير مقيد.
        إن الكلمات وموسيقاها الداخلية وتراكيبها أحيانا وتجانس الكلمات ودلالاتها أمر بيد هذا الشاعر والناثر لا فرق إلا في استعمال هذه المواد ، بل إن النثر بتراكيبه المعتادة والأكثر تحررا تتضمن غالبا من الشعر  ما تعجز دونه الوسائل المعقدة التي أرادوها لتحديد الشعر في حين أنها تعمل على نفيه في الغالب الأعم ، ومالنا ولهذا الشعر الذي عزلناه بأقانيمنا ثم ها نحن نتحدث عن "علاقة الشعر بالفنون الجميلة بالرسم ، علاقة الشعر بالموسيقى " (7)علاقة الشعر بالرياضة  الفكرية .
       لا أشك في أن الشعر هو كل الفنون وأن التعبير عنه دائما تعبير جديد له مكوناته التي تنشأ بوجوده ، قد تكون البنى الموسيقية الناتجة عن تناغم الكلمات ، قد تكون الإيقاعات المتكررة ،قد تكون الصورة أو الكاريكاتور ، قد تكون الحوار الداخلي أو الحوار مع الأشياء ، قد تكون اللقطة ، قد تكون البنيات الدرامية الملحمية ، قد تكون الغنائيات البسيطة و قد تكون اللوحات التركيبية ، قد تكون الخاطرة ، إن كل هذه الإشكال لا يتحدد مدى استعمالها إلا من خلال المضمون وبأسلوب جدلي لا أولية فيه للمضمون دون الشكل ولكن لهما معا . تبقى مسألة بنية الكلام الشعري وهذه في نظري مضاف إليها طريقة الفهم الشعري والتناول هي المميز الفصل للشعر ن إن موقف الشاعر الانسان تجاه الأسئلة الكبرى هو ما يحدد الشعر ، وليس الوقوف أمام الأسئلة يستدعي دائما أجوبة ، إن الشعر وهو متناول للميتافيزيقا أو كاشف لملكوت النفس وارتطامات الانسان بالأشياء بالكون ، بعلاقة الانسان بنفسه علاقاته مع غيره مع معطيات الوجود وغيبياته يظل شعرا بمعنى إنه مستوعب لخلاصات التجارب الانسانية ومحرك لها ، ومن ثم فإن استيعاب التجربة الانسانية في الكون وتحريكها ليس بالضرورة استيعابا متحفيا ، وأقول بالضرورة ، فكلما كانت متحفية الإبداع عائقا دون الإبداع أو شيوع الإبداع كان من الأولى إعطاء الأولوية للإبداع بتلقائيته واعتماده لشروطه الخاصة التي تأتي مع الخلق ومن ذاته لا إسقاطات جمالية محددة يتم إلباسها لكل التجارب دون مقاسات اللهم كونها موضة العصر موضة الكتابة .
      وأتصور القصيدة عملا مفاجئا ، فالقارئ أو المتلقي تعود على الشعر ، شعر الأبيات ن شعر كلمة في سطر أو كلمتين ،ومن الناس من يقلب الصفحات كلما تأكد له من خلال هندسية الكتابة أن الكلام شعر ، لهذا تأتي القصيدة الجديدة وفي ركابها قصيدة النثر شراكا يستدرج القارئ أو المستمع ضمن أشكال معتادة لا تدعي التميز عن الكلام العادي المنثور ، وتربح القصيدة قارئا كان يعتقد أنه يقرأ مقالة ينهيها ليعود متسائلا أي شكل من أشكال النثر هذه الكتابة ليتيقن من أنها شعر ،إن طقوس الكتابات الشعرية القديمة عزلت الشعر ولا نخفي أن من بين القراء من يتجاوز صفحات الشعر هربا من وجع الدماغ ومن الخواء في حين أنه ما من أحد لا يقرأ النثر ، كلنا قارئون للنثر ومتحدثون به ، ولكن من الشعراء من يريد أن يجعل من الشعر مملكة لا يغشاها إلا المقربون ، ومن هنا فالعودة إلى الأشكال العادية ضرورية لتحرير الإبداع كلما كانت التجربة انسيابا لا يستدعي هذه الوقفات والأسطر ، أفرأ قصائد وأكتبها أحيانا تضم في  كل سطر منها كلمة أو كلمتين ، هكذا ، وألمس نوعا من السلطوية ممنوحا لكلمة في سطر واحد أرادها الشاعر مفتاحا للقصيدة أو معلمة بارزة من معالمها  ، غير أن عددا من هذه التجزيئات اللغوية تجعل الكلمة تلعب لعبتها الخاصة ، لعبة حمل دلالتها أكثر من اشتراكها لتأدية معنى مخلوق ، وبذلك يكون اندراج الكلمات ضمن جيش تعبيري متماسك أكثر ايحاء وأداء ، بمعنى أن اختفاء الدلالات المفردة للكلمات في السياق نسبيا وتضافرها لتأدية معنى ينتج التحاما بين دلالات متعددة هو ما يجعلنا نتلقى ما نتلقى من معان مقصودة ناسين الوسيلة وكل المتاهات الشكلية ، وأمثل لذلك بكتابات بعض المتصوفين وأبرزهم النفري ، لا أعتقد أن مواقف النفري نثرية ولا كتابته أيضا وإلا بماذا نفسر هذه القوة التي تجري في كلمات معتادة ومعتادة جدا
 
 
 
الغموض والوضوح 
      قضية أخرى: غموض الشعر ووضوح النثر  ، قضية مردودة لأن الوضوح والغموض مرتبطان بالموضوع المعبر عنه وليس بالنثر أو الشعر ، قد يكون النثر غامضا إذا كان ما يراد التعبير عنه غامضا وقد يكون واضحا في الأغلب الأعم باعتبار أن المرامي التي يستهدف التعبير عنها عادية بعكس الشعر الذي يتلبس الغموض اعتبارا لتعقد التجربة أو استعصاء المجال المتناول أو حتى جدة التركيبات اللغوية ، تلك التركيبات غير المألوفة إلى حد ما ، وهذا لا ينفي أن يكون هناك شعر واضح وضوح النثر العادي ترتكز حرارته في نقل موضوع أو موضوعات معينة ، إلا أن أغلب الشعراء يخيفهم هذا الوضوح وكأنه نفي للشاعرية فيلجأون إلى تغليف هذا الوضوح بأصباغ ومحسنات بلاغية وتفنن عروضي وكأنهم بذلك يضيفون إلى شعرهم من الطقوس ما يكفي لتمييزه عن النثر، والواقع ان غموض الشعر أو وضوحه في القصيدة العمودية أو قصيدة النثر لا يتحدد إراديا أبدا ، أما حال المعاجميين المتعاملين مع الكلمات وإفرازاتهم فشيء آخر سواء في الشعر أو النثر.
 
 
 
خلاصات
 أعتقد أن تشتت الأشكال الفنية الأدبية هو ما يجعل كل الفنون مفتقرة ، ولعل مقولة إن الشعر ديوان العرب ما كانت لتكون لو طفت فنون أخرى أو ساعدت طبيعة العرب على تواجد فنون أخرى وآداب بنفس مستوى القصيدة ، وحقا لقد وصل الشعر ذروته خلقا وشيوعا وفاعلية ، ولكن ومرجلتنا الحضارية مختلفة تماما عن العصر الجاهلي والحالة ان الفنون وجدت مجالاتها وتمسك كل فن من فنون القول أو التعبير بمقاييسه وأثرى في حدوده الخاصة ها نجن نجد كل الفنون متطاولة ولا نجد فنا واحدا يعبر عن الانسان تعبيرا جامعا مانعا كاملا شافيا ، إن الاجتزائية في مجال التعبير الانساني دعت الكلمة إلى جمع مقاييس ومعايير حولها وانفردت عن أخواتها لتكون هذه قصيدة وهذه قصة مع أن المفروض أن جل الخلق الانساني في ميدان التعبير عن الذات والواقع وما وراءه هي شعر ، الرسم شعر والموسيقى شعر ،وهكذا ، وإني لا أرى الشعر إلا شاملا لكل الفنون الأخرى وأنواع التعبير بما فيها النثرية.
        إن كل الأشكال التعبيرية تضم بين ثناياها شيئا من الشاعرية ، لكن الشعر بشموليته واعتماده على أبدع ما تميز به الانسان وهو اللغة المنطوقة قادر على ضم مختلف جزئيات أشكال التعبير المختلفة بمعنى أن الشعر قد يستوعب الموسيقى كما هي وموسيقى العروض أو الموسيقى المقطعية أو الإلقائية ، قد يستوعب الرسم وقد أكد هذا الإتجاه الدادائي ، قد يستوعب الكاريكاتور وقد يستوعب جماليات النثر من سجع وخطابية كما أسلفت ، لماذا نريد حصر الشعر في نطاق معين ، أعتقد أن الراسم وهو يرسم أو الموسيقي وهو يلحن يقوم بعملية إبداع شعري ،قد تختلف وسائل التبليغ ولكن يظل العمل شعريا ، لماذا لا يسعى الشعر إلى توحيد شتلته فيشمل كل أنواع التعبير حسب الإقتضاء . فكرت مرة في قراءة قصيدة نثرية بشكل غنائي وكنت قد كتبتها مدندنا بنغمات مسترسلة ولكن الإقدام على المغامرة راعني ويشهد الله أن كتابتها بدون تصنع جاءت مصاحبة للموسيقى ،  ليس العروضية ولكن الموسيقى ، مقطع على الصبا أشد النغمات جزنا ومقطع على الحجاز أشد النغمات تجسيدا للتيه والغربة والحنين ، وقد يتحداني قارئ للقصيدة أين هي الموسيقى ؟ إنه يسأل عن  العروض وقد تجاوزتهلأخفي ما يسميه منثورا إلى الموسيقى الخالصة . لماذا نفرض على الشعر شكليات مستقاة من عنده مع أن كل المظاهر التعبيرية الأخرى هي جزء منه ،  قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا بقراءة معينة مغناة أو ممسرحة ، قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا طبق رسم معين ، إن الشعر سائر إلى الإنقراض بانفراديته وابتعاده عن طبيعته التي هي شاملة لكل الوسائل.
       أتصور سوق عكاظ وشاعرا من إياهم يقرأ شعره ، لاشك أنه وإضافة إلى العروض كان الشاعر خطيبا وممثلا ومهرجا ومغنيا وراسم حركات على الهواء وغلا ما كانت له كل هذه القوة في حفر قصائده في الأدمغة .
     إن الشاعر بالضرورة لا بد أن يكون كل الأدب والفن ، ولا أعتقد أن الرسام مطالب بأكثر من فهمه للغة الألوان  ، الرسام في حدود تعامله خصوصي ويتحرك في مجال معين ولكن الشعر قاسم مشترك في كل المجالات ، لذلك لا يستغرب أحد إذا رأى قصيدة على شكل نثر قصيدة خطية قصيدة لوحة قصيدة أغنية قصيدة رواية . إن الشعر هو كل الأشكال والمضامين وليس الكلام الموزون المقفى ، ومن ثم كان سؤال " العلم " محرجا لي أيما إحراج إذ أطالب بالحديث عن قصيدة النثر بدل الشعر عامة .
     ولأننا نعيش عصر الثورات والإيديولوجيا ، لأننا نعيش كل العصور التي مضت والعصور التي لم تأت بعد فأنا لا أسقط التناولات التحليلية التفسيرية للواقع الداعية إلى استشراف آفاق أخرى ، فالشعر بطبيعته تجاوز غير أن التناول أيضا لا يمكن أن يكون كما أرى إلا اختزانا وتخميرا لكل العناصر التي تفرز العمل الإبداعي عن أصالة ، وأعتقد أن هذه الإفرازات لا يمكن أن تكون إلا تجاوزا للحدود المرسومة. الشعر موقف مختزل إزاء الوجود انطلاقا من الذات عبورا بالأشياء بالكون  بما يعتمل الآخرين ووجود الآخرين وقوفا بالأسئلة الكبرى ، ارتطاما بها ، خنوعا أمامها أو تجاوزا ، وبذلك لن يكون الطرح الحقيقي للإبداع إلا ذلكم الطرح الذي يصدر عن انسان مختزن كل عناصر الحياة والموت وليس مختزنا لحدود الشعر وحدود النثر ، ولن تكون أشكال هذا التعبير إلا أصيلة أصالة الإنسان نفسه لم تكسرها العصي التي ورثناها . إنها عودة بالكتابة ليس إلى النثر وحسب ولكن إلى ما أراه أصلا قبل التشتت ، فلا شك أن الناس لا زالوا يتساءلون أيهم الأسبق الشعر أم النثر ولا شك أنهم أدلوا بما شاؤوا من نظريات ، ولكن انطلاقا من تجربتي حالة الكتابة أجدني أقرب إلى الإنسان الأول الذي اعتقد أنه عندما كان يقف أمام بحر أو جبل تختلط معاناته لتبرز همهمات إشارات تغيرات فيزيولوجية كلاما رقصا أو تلاشيا ، نوعية هذا التعبير لا أستطيع أن أحدد مواصفاتها ولكن أسعى إلى استخراجها كلما حاولت الكتابة مستفيدا مما يغشاني من ترسبات ورصيد مستجمع لخبراتي تواجدا واطلاعا ومعايشة ، مستفيدا وغير مستفيد إذ أريد ألا تحصرني التصنيفات والأقانيم والتخوم الموضوعة : هذا شعر هذا نثر هذا كلام مسرحي . لا أشك أن هذا التخصيص للنوعيات كان ضرورة اقتضتها ضرورات ، ولكن أومن إيمانا عميقا بأن الشاعر لا بد أن يكون الانسان الأول على حد ما في سذاجته وبراءته وانفعاله بالكون والأشياء، ولأن انفعال الانسان المعاصر ليس انفعال سيدنا آدم والله أعلم فلا شك أن إفرازات المتأخرين ستكون أشد حرارة وقوة وما هي كذلك . 
   إن استهلالية المتنبي " واحر قلباه ممن قلبه شبم " تبز عديدا من التوعكات والتأوهات المعاصرة ، لا يعني طرح هذا الحديث تكريما لمن سبقوا وللبدائية وليس مثالية أو عوما فكريا ، إني ملتزم ولدي قناعاتي كما كان الانسان دائما ، كان الانسان يؤله الشمس أو القمر يعظم الشجرة أو قرون بقرة ، كانت تلك قناعات واليوم الانسان يؤله شيوعية أو رأسمالية ، قصيدة شعر أو قصيدة نثر أو يرفض الكل . إن ما يؤكد دعواي اننا نجد أكثر الكلام شاعرية كلاما أقرب إلى الخرافية واكتساء ما يمكن أن أسميه الجهل أو التجاهل للأشياء واختلاط المفاهيم في الذهن ، إنها عودة إلى موقف شعري ، قبل الشعر وقبل النثر ، موقف بدائي ولا شك . إن الشعر يرتضي أن يكون أكثر العلوم جهلا وتجاهلا للأشياء ، خلقا لها بشكل آخر ، فالشاعر إذ يقف أمام دمعة حزن في العين ويراها بلورا ودرا منثورا إنه ليس سخيفا إلى هذا الحد بقدر ما هو رؤية استقبالية تختزن أملا مفقودا أمل لو كانت دمعة الحزن شيئا آخر ، لذلك أعود إلى نظرتي إلى الكتابة ومضمون الكتابة مؤكدا على أننا استنفذنا الأشكال الموروثة متحفية مستوردة ، طبقنا في كتاباتنا حدود كل المدارس وقد نكون بلغنا شعرا ولكنه شعر تبعي إلى الخليل في طرق تفجيره تبعي للعالم المتقدم في أبعاده وأشكاله أيضا ، خصائص اللغة الفرنسية مثلا ليست خصائص اللغة العربية ، رصيد هذه اللغة الحضاري التاريخي ليس رصيد العربية ، قد يكون أقل أو أكثر ، هذا ليس مهما ولكنها ليست نفس الخصائص ، نعم إن التجربة الانسانية تظل واحدة بالرغم من تنوعاتها ولكن التعبير عن التجربة إذا افتقد خصوصياته الحضارية التاريخية اللغوية فقد مسخ ، وقد يواجهني مواجه إذن لماذا نقبل قصيدة النثر فأقول بأن كل الحيوانات تصدر أصواتا وإنها مشتركة في صفة الحيوانية ولكن بعضها يموء وبعضها يزأر وبعضها ينبح وبعضها لايمكن أن ينبح إلا وهو يعض أو يتراجع وإنها الخصوصيات التي افتقدناها .
       إن مقولة أن الأدب عالمي قد تصح ولكن من يروجونها يروجون أيضا للقوالب والأشكال التي وضعوها هم. ماذا وضعنا نحن عدا ما وضع الخليل ؟ وصلنا إلى تثوير اللغة وصلنا إلى نثرية القصيدة، إلى الكتابة الأوتوماتيكية ، إلى تطبيق مختلف المدارس النفسية والأدبية عموما على أدبنا العربي ؟ وكنا مستوردين وظل أدبنا غير ممثل كل التمثيل لحقيقة تحولات العالم العربي ، لا زالت القصيدة إطرابا للأذن إنشادا ولا زالت المضامين عبدة لا يمكن  أن تكون إلا تابعة ، المواصفات اختلطت ، ومعنى هذا أن البحث عن أشكال تفجيرية للشعر العربي أمر مطروح ، ولا أعتقد أن الشعر العمودي يمثله اللهم في خلق غنائيات محدودة نفسا وموضوعا وهي مرتبطة بالمترفين ومطربيهم ، إني لا أرى الشعر العمودي الآن حيا إلا على الأعتاب ، ولا أعتقد أن النثرية بانطلاقاتها تجسد البديل لتحطيمها للعروض والفواصل بين كتابة وكتابة ن لعلهم في القديم اختاروا إيقاعاتهم وحدوهم وعاء لحفظ إبداعهم وقد حفظ الإيقاع ووعى وظل في الصدور ونحن لا نكتب وننتظر من الرواة تناقل قصائدنا فنسهل عليهم مهمة استرجاعها بالمجالس . إن الشعر لم يعد بضاعة يخرجها الساحر من قبه ليدهش  المجالس ، ثم هذا التكثيف الشكلي هذا الحبس للتجربة في نطاق محطات وقوف تذكر بما مضى وتعد بما سيأتي تطرح صائتا لينذر بأن صامتا بعده أصبح متجاوزا. أن تحفظ القصيدة أمر لم يعد مطلوبا باعتبار أن ما يعمله حماد الراوية طوال عام قد تقوم به الصحيفة في دقائق وبذيوع أكبر.
       إنهم يريدون جعل الشعر علم الخاصة ، يحتكرون الثقافة مع أنها رأسمال شائع بقدر أو بآخر لدى الجميع ويمكن التأكيد لذلك بإبداعات الشعب في أمثاله وحكمه وممارساته الخلقية عامة .
       إن القضية ليست قضية شعر أو  نثر ، إنها قضية تعبير بالدرجة الأولى وإن أغلب الكتاب تدرجوا شعراء ثم قصاصين أو العكس أو اختلط عليهم الأمر وهم يبحثون عن التعبير الشامل ، ولعل احتفالية برشيد في المسرح اقتراب حقيقي من أصالة الانسان وأصالة تعبيره وشموليته ، وأعتقد أن الشعر أيضا يجب أن يرتد إلى أصوله التي افتقدت وما تبقى منها عبر عمليات النحت والتعرية على مر التاريخ إلا الشظايا والأشلاء والأشباه . سألتني العلم عن قصيدة النثر وقد حددت موقفي وإن لم يتجل ممارسة واعتقادي راسخ في أن المشكلة ليست قضية أو ظاهرة قصيدة النثر أو غيرها من الظواهر بقدر ما هي قضية قصيدة الشعر نفسها ، وهذا ما يجعلني في الوقت الراهن أقف بمحطة من خلالها أصرح بأنني أجهل الشعر أجهل النثر وأعرف الكتابة .
 
 
                              
​         رابح التيجاني .الرباط
                         (مساهمة في ملف عن قصيدة النثر سبق
                        ان احتضنها الملحق الثقافي لجريدة العلم )
    الهوامش :
-       (1) من كتاب " الشعر كيف نفهمه ونتذوقه " إليزابيت درو ترجمة الكتور محمد ابراهيم الشوش ص 49.
-       (2) عن كتاب " شعرنا الحديث إلى أين "غالي شكري ص82.
-       (3)" الأدب الملتزم " لجان بول سارتر ترجمة جورج طرابيشي ص 78و79.
-       (4)إشارة إلى كتيب الدكتور نعيم حسن الباقي " الشعر بين الفنون الجميلة " سلسلة إقرأ العدد 192.
-       (5)في موضوع نبرية اللغة الانجليزية ومقطعية اللغة الفرنسية والشعر غير العمودي وغير الحر اعتمدت
Partager cet article
Repost0
19 juillet 2011 2 19 /07 /juillet /2011 13:04
نظرية الأجناس الأدبية theory of literary genres


عمار الجنابي
الحوار المتمدن - العدد: 3430 - 2011 / 7 / 18
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 

نظرية تشير إلى مبدأ تنظيمي يصنف الأعمال الأدبية تبعاً لأنماط أدبية خاصة من التنظيم أو البنية الداخلية لهذه الأعمال، وتستمد غالب هذه الأنماط من الأعمال الأدبية الرفيعة التي تتحول تقنياتها وقواعدها ومبادئ تنظيمها وطرائق بنائها، بفعل جملة من العوامل الاجتماعية، إلى معايير يأخذها الكتاب بالحسبان عندما ينشئون نصوصهم، ويجعل النقاد من هذه المعايير كذلك منطلقاً في تقويمهم للنصوص التي يواجهونها، كما يحدد بها القراء آفاق توقعاتهم من النصوص عند قراءتها وتقديرها. وتكوّن الأجناس الأدبية ساحة مغنطيسية ذات تأثير فعال جداً في عملية إنتاج الأعمال الأدبية ونقدها واستهلاكها في أي تقليد أدبي قومي. وهي - أي الأجناس الأدبية - مؤسسة مهمة من مؤسسات أي مجتمع وتؤدي جملة من الوظائف تتصل بالكاتب والقارئ العام والقارئ الخبير معاً.
فأما الكاتب فإنه باستخدامه مؤسسة الجنس الأدبي، من جهة اختياره لها شكلاً فنياً يجسد رؤيته للعالم، يدلي ببيانات مهمة عن أسلافه في الجنس الأدبي المختار، وفي الفن عامة وفي الحياة جملة، مثلما يفصح عن آرائه فيهم وفيها. وهو كذلك يستخدم الجنس الأدبي لنقل رؤيته الفنية والاجتماعية والسياسية، ونشرها في مجتمعه بوساطة العمل الأدبي الذي يجسدها. وفضلاً عن ذلك فإنه يحدد النظام الترميزي code الذي يحكم رسالته الفنية التي يود أن تبلغ قارئه عندما يحسن تفسيرها تبعاً لهذا النظام الترميزي، مثلما يحدد آفاق توقعات قارئه ليرضيها أو يحبطها، فيما بعد، بحسب الغرض الذي يريده من عمله.
وأما القارئ العام فإن مؤسسة الجنس الأدبي تكوّن لديه نظام ترميز يتعامل به مع العمل الأدبي ويرسم آفاق توقعاته تبعاً له، ويحكم في النهاية استجابته له القريبة والبعيدة، مثلما يكوّن ذوقه النوعي الخاص بهذا الجنس الأدبي، هذا الذوق الذي يكون حصيلة تراكم قراءاته في أطوار حياته المختلفة.
وأما القارئ الخبير، أو ما يعرف عادة بالناقد الأدبي، فإن مؤسسة الجنس الأدبي غالباً ما تكون الإطار المرجعي frame of reference الذي يحكم قراءته النقدية للعمل الأدبي: أي اختياره إياه وشرحه لغوامضه وتحليله لبناه الكبرى والصغرى وتفسيره لدلالاته، وتبينه لصلاته الأدبية وفوق الأدبية، وتحديده المصادر الأدبية القومية والعالمية، ثم الحكم عليه في النهاية وذلك عن طريق وضعه في عدة سياقات contexts من الجنس الأدبي المحلي، والجنس الأدبي القومي، والجنس الأدبي العالمي آنياً وتاريخياً.
إن الجنس الأدبي بهذا المعنى هو المحرق الذي تلتقي فيه القوى الفاعلة في عملية الإنتاج الأدبي في أي مجتمع من المجتمعات: من كاتب وقارئ وجملة عوامل وشروط ومحددات تسهم جميعاً في تشكيله.
ترجع نظرية الأجناس الأدبية في أصولها الغربية إلى تمييز أفلاطون بين نمطين من أنماط إعادة إنتاج موضوع، أو شيء أو شخص ما، هما نمط الوصف أو التصوير بالكلمات ونمط المحاكاة mimesis. ولما كان الشعر، أداة الأدب الأقدم، في إعادة إنتاجه للموضوعات الخارجية، فقد قسمه أفلاطون إلى شعر محاكاة مباشرة للأشخاص هو الشعر المسرحي، وشعر وصف وتصوير للأعمال الإنسانية هو الشعر السردي. وتقسيم كهذا يترك الكثير من الشعر خارج دائرة التصنيف، الأمر الذي اضطر أفلاطون إلى إدخال قسم ثالث ذي نمط مختلف يتناوب فيه الحوار والسرد كما هو الشأن في الملحمة حيث يندر استخدام السرد الصرف. ومع ذلك فقد بقي الشعر الغنائي الذي يعبر فيه الشاعر عن أفكاره ومشاعره خارج دائرة أفلاطون ومخططه.
وإذ تبنى أرسطو في كتابه «فن الشعر» poetics قسمة أستاذه الأساسية، فإنه لم يلتفت إلى الشعر الغنائي بوصفه جنساً أدبياً رئيساً. والتقسيم الثلاثي الشائع للشعر إلى مسرحي وملحمي وغنائي، الذي ينسب عادة إلى العبقرية اليونانية، لايعود في حقيقة الأمر إلى عصر أرسطو ولا إليه، وإنما إلى عملية طويلة من الجمع والتعديل والإعادة مع التغيير الطفيف لقوائم تقليدية معينة من الأجناس الأدبية، ولم يأخذ هذا التقسيم صيغته الثلاثية هذه إلا في القرن السادس عشر الميلادي.والحقيقة أن فن الشعر عند أرسطو ينصرف في معظمه لدراسة جنس المأساة بوصفه جنساً أدبياً يسمو على ما سواه من الملهاة والملحمة وغيرهما. وأما إشاراته العابرة أو المتأنية للملهاة والملحمة فقد جاءت في معرض مقارنتهما بالماساة بهدف توضيح جوانب مهمة من هذا الجنس الرفيع الذي بلغ أوجه ما قبل عصر أرسطو، وكان من الطبيعي أن يتناوله بهذا الاهتمام والتفصيل الشديدين، وأن يعير اهتماماً أقل لكل من الملحمة والملهاة لأنهما دون المأساة وظيفةً (في التطهير) وأسلوباً (في اعتمادها الأسلوب النبيل كما أسماه اليونانيون).
وفي العصر الأثيني Attic Age لايجد المرء تقسيماً واضحاً وبسيطاً للأجناس الأدبية، وإنما يصادف تشكيلة واسعة من المصطلحات المستخدمة في الإشارة إلى أجناس محددة مثل الملحمة (أو الشعر المنشد) والمسرحية ( أو الشعر الممثل)، بنوعيها المأساة والملهاة، والشعر الهجائي المعروف باسم الإيامبي iambic لأنه منظوم على البحر الإيامبي، والشعر (الرثائي)الإليجي elegiac المنظوم على الدوبيت الإليجي، والشعر الإنشادي melic أي الشعر المغنى من الجوقة والمصاحب بالناي أو القيثارة أو بهما معاً، وهو الأقرب إلى مفهوم الشعر الغنائي اليوم، وغير ذلك مثل النشيد أو الترنيمة hymn والديثرامب (أو أمدوحة باخوس) dithyrambos وأغاني الجوقة وأغاني النصر والاحتفالات.
وقد قامت مدرسة الاسكندرية فيما بعد بتمثل الإنتاج الأدبي اليوناني وتصنيف القصائد ووضعها في مجموعات وطبقات تيسر تحديد القوانين والقواعد التي تحكم أعمال أفضل الشعراء، مما عزز الوعي بالأجناس الأدبية. وأثمر هذا عملاً متميزاً قام به ديونيسيوس تراكس Dionysios Thrax في القرن الثاني ق.م عندما وضع قائمة بعدد من الأجناس الأدبية تضم المأساة، والملهاة، والمرثية، والملحمة، والشعر الغنائي وغيرها. وقصد بالشعر الغنائي lyric ما توحي به التسمية ذاتها، أي الشعر المغنى المصاحب بالعزف على القيثارة lyre. كما أضيفت إلى هذه الأجناس أجناس أخرى مثل أنشودة الرعاةidyll والشعر الرعوي pastoral والنثر القصصي prose fiction. ومع ذلك فقد ظل تقسيم أفلاطون يلقي بظله على تصنيفالأعمال الأدبية قروناً طويلة، وهو التقسيم الذي يجده الباحث لدى النحوي ديوميدس Diomedes في القرن الرابع الميلادي ممثلاً بجنس التمثيل genus activum وجنس السرد genus enarrativum والجنس المزيج .genus mixtum ولكن هذا الظل ما لبث أن انحسر تماماً في العصور الوسطى إذ ضاعت كل فكرة المسرحية مثلما نسيت المعاني الدقيقة لمصطلحات الأجناس الأدبية بعد إغلاق المسارح، وجُعل الأدب مجرد خادم مطيع للاهوت، فالمسرحية drama على سبيل المثال كانت تستخدم في الكتابات البيزنطية لتشير إلى الرواية وكانت تعني في الغرب الأوربي الحوار الفلسفي. ومع مجيء دانتي أليغيري تبددت فكرة المسرحية تماماً، فقصيدته، التي تعد بحق رائعة عصرها، غدت عنده ملهاة لأنها حكاية ينتهي المطاف فيها بالفردوس، ولأنها منظومة بأسلوب وسط لانبيل ولا وضيع، و«الإليادة» ملحمة فرجيل الخالدة غدت مأساة. وهذا خلط واضح لكل ما أنجزته العصور السابقة من تقدم في نظرية الأجناس الأدبية. ولكن هذا لايعني بحال من الأحوال أن العصور الوسطى لم يكن لها أجناسها الأدبية الخاصة بها. وكل ما في الأمر أنه لم يكن ثمة من أرسطو يصنفها ويؤطرها ويقيم دعائمها النظرية على أسس فلسفية واضحة.
من هنا قامت مجهودات عصر النهضة في نظرية الأجناس الأدبية على أساس من عودتها إلى كتاب «فن الشعر» لأرسطو الذي أهمله كتاب العصور الوسطى باستثناء الفلاسفة العرب المسلمين من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. وهكذا ترجم الكتاب في القرن الثالث عشر. وتزامن ذلك مع عودة، قوامها الخبرة والمعرفة الدقيقة، إلى الآداب القديمة وإحياء للمسرح في شكله الكلاسيكي. والحقيقة أن عودة النقاد ومنظري الأدب من جديد إلى النص الأصلي لكتاب أرسطو في القرن السادس عشر جاءت كشفاً جديداً واستدعت الكثير من التعليقات والمعارك غدت معها نظرية الأجناس الأدبية أساساً للنظام النقدي السائد. وشرع نقاد العصر في وضع قوانين وقواعد متطورة للمسرحية والملحمة استنبطت افتراضاً من أرسطو, وقاد هذا إلى خلافات حادة حول «الملهاة الإلهية» لدانتي وأعمال أريوستو Ariosto وسبنسر Spenser التي لم تتفق على أي نحو، مع المخططات الكلاسيكية. وفضلاً عن ذلك فقد غدت قصائد بتراركا Petrarca في الغزل والحب نموذجاً يحتذى في مختلف الآداب الأوربية الوليدة، الأمر الذي اضطر النقاد إلى مواجهة مشكلة إغفال الشعر الغنائي هذا الإغفال الذي لم يعد مقبولاً منذ ذلك الحين. وحاول بعضهم حل المشكلة بإخضاع الشعر الغنائي لنظرية المحاكاة الأرسطية زاعماً أن الشاعر الغنائي إنما يحاكي نفسه، في حين رفضه بعضهم الآخر جملة بحجة أنه ليس شعراً. ومع ذلك لم يعدم الشعر الغنائي من يدافع عنه، فقد أثبته مينترنو Minturno عام 1559 في قائمة أنواع الشعر الثلاثة الرئيسة واصفاً إياه على نحو يذكر بتقسيم أفلاطون الآنف الذكر. فهو شعر إنشادي يحاكي الأعمال الإنسانية حيناً، ويسردها حيناً آخر، ويدخل متحدثين آخرين حيناً ثالثاً.
والحقيقة أن سيادة الإيمان بنظرية الأجناس الأدبية لم تكن كاملة في القرن السادس عشر، فقد كان هناك من يشكك فيها. وها هو برونو Bruno يردد أن ثمة أجناساً للشعر بعدد الشعراء. وكذلك فإن ازدهار المسرحية الإليزابيثية والإسبانية اللتين خرجتا على القواعد الكلاسيكية، ولاسيما الوحدات الثلاث: الزمان والمكان والموضوع، زعزع من سيادة النظرية، وشهد القرنان السابع عشر والثامن عشر خلافات حادة حول أجناس أخرى من مثل الشعر الرعوي ومسرحية البورلسكburlesque والملحمة الساخرة mock epic . وامتد هذا الخلاف إلى الحركة الرومنتية (الإبداعية) التي كانت وراء الثورة على الفواصل والحدود بين الأجناس الأدبية كالفصل بين المأساة والملهاة. وقد تفاوت الرومنتيون في مواقفهم تجاه هذه القضية: ففضل فريق منهم المزج بين جنسين أو أكثر داعياً إلى شكل شعري شامل، وحاجّ فريق آخر من أجل جنس جديد كالرواية التاريخية والمسرحية التاريخية، ومجد فريق ثالث الشعر الغنائي لأنه جوهر كل الشعر وروح الإحياء فيه، وتصور فريق رابع إلغاء كل التعريفات والتصنيفات المتصلة بالأجناس الأدبية كما فعل فردريش شليغل F. Schlegel في كتابه «حوار عن الشعر 1800» في حين ألمح أخوه أوغُست فيلهلم شليغل A.W.Schlegel إلى نوع من التوازي بين ثالوثالأجناس الأدبية الشعر الغنائي، الملحمة، المسرحية، من جهة، والثالوث الجدلي الأطروحة thesis، والنقيض antithesis، والتركيب synthesis من جهة أخرى: فالملحمة موضوعية، والشعر الغنائي ذاتي، والمسرحية مزيج متداخل منهما معاً. وقد غدا هذا التوازي شائعاً وراج بين مختلف منظري القرن التاسع عشر الذين استلهموه بطرق مختلفة، ولاسيما علماء الجمال الميتافيزيقيين الذين اتخذوا منه حافزاً لإقامة نظمهم الخاصة بالفنون الجميلة والأجناس الأدبية.
وشهد القرن التاسع عشر مؤثراً قديماً - جديداً في نظرية الأجناس الأدبية هو مفهوم التطور الذي تعود جذوره الأولى إلى أرسطو. ويبدو أن التطور وجد في أفكار داروين وسبنسر حافزاً قوياً على معاودة دوره، فغدت أفكار التطورية الجديدة تطبق بشغف على تاريخ الأدب في أقطار عدة وهكذا طبق جون أدنغتن سِمندز John Addington Symonds في إنكلترا التشبيه البيولوجي (1884) بصراحة لاترحم، وقال: «إن الدراما الإليزابيثية خط واضح المعالم قوامه الولادة، فالتوسع، فالازدهار، فالذبول» ووصف هذا التطور فعدّه تفتحاً لعناصر جنينية لايمكن إضافة شيء لها، تسير مسيرتها بحتمية حديدية إلى مرحلة الذبول المحتومة. وتبعه رتشارد غرين مولين الإنكليزي، وبوزْنتْ النيوزيلندي وغمير ومكنزي الأمريكيان وغيرهم. ويظل الفرنسي برونتيير Brunetiére في كتابه «تطور الأجناس في تاريخ الأدب» من أبرز مستلهمي هذا المفهوم. فقد حاول أن ينقل بعض المفاهيم البيولوجية الصرفة من الداروينية إلى الأدب، واعتقد أن الأجناس الأدبية لها وجود في الواقع كوجود الأجناس البيولوجية. وكان يقارن باستمرار بين تاريخ الأجناس الأدبية وتاريخ الكائنات البشرية، وقال: «إن التراجيديا الفرنسية ولدت مع جوديل، ونضجت مع كورني، وشاخت مع فولتير، ثم ماتت قبل هوغو». وأكثر من هذا فقد استخدم برونتيير في تأريخه للأجناس الأدبية تشبيه الصراع من أجل البقاء، لكي يصف تنازع هذه الأجناس فيما بينها، وقال إن بعض الأجناس تتحول إلى أجناس أخرى.
وقد حاول بعض أتباع برونتيير أن يمضوا إلى أبعد مما مضى هو من دون أن يكون عملهم أكثر إقناعاً من عمله. وسرعان ما واجه مفهوم التطور الكثير من النقد والرفض باسم العبقرية حيناً، والتقويم الانطباعي في بعض نواحيه حيناً آخر، ولاسيما من جانب كروتشه Croce الذي كان هجومه على مفهوم الجنس الأدبي بالذات مقنعاً من جميع النواحي. وقد عملت أفكاره المتعلقة بتفرد كل عمل أدبي عما سواه، ورفضه الوسائل والطرائق والأساليب الفنية ولو كانت موضوعات للتاريخ، على تقويض أساس التطورية برمتها في نظر الكثيرين. انطلق كروتشه في هجومه هذا على مفهوم الجنس الأدبي من نظريته في المعرفة التي تتخذ لديه وجهين رئيسين: الحدسي الذي يتم من خلال الخيال، ويتألف من معرفة الظواهر الفردية، وينتج الصور، والمنطقي الذي يتحقق من خلال الذهن، ويركز على الظواهر العامة الشاملة، وينتج المفاهيم. ولما كان إبداع الفن والاستجابة له فعلين يمثلان المعرفة الحدسية في عرفه، فإن مقولات الأجناس الأدبية، تشوه، كما يرى، استجابات القارئ الذي يسعى إلى تطبيقها على العمل الفني، لأنها تقوده إلى أن ينتقل من الاستجابة الحدسية إلى الاستجابة المنطقية لذلك العمل، ولايمكن للاستجابتين أن تجتمعا معاً. وفضلاً عن ذلك فإن تصنيف الأدب إلى أجناسه المختلفة إنكار لطبيعة الأدب ذاتها، ولاسيما أن كل عمل أدبي جدير بهذه التسمية يعمل على تحطيم قوانين الأجناس الأدبية في مسعاه لتحقيق تفرده.
وقد وجدت تحفظات كروتشه أصداء مختلفة لدى عدد كبير من نقاد القرن العشرين، فرأى بعضهم أن العمل الفني الجدير باسمه يكون فريداً، وقال بعضهم الآخر بعدم «تحديدية» النص indeterminacy ومن هؤلاء جاك ديريدا Jacques Derrida ورولان بارت Roland Barthes الذي بيَّن في كتاباته الأخيرة أن القارئ إذ يواجه بسلسلة غير محدودة من الإشارات ونظم الترميز المتصارعة، يكاد يكون من المستحيل عليه تفسير عمل أدبي بدقة وموضوعية. وأقر بعضهم، من ناحية أخرى، أهمية نظرية الأجناس الأدبية في الآداب القديمة، وزعم أنها لا تقوم بالدور نفسه في الأدب الحديث.
ومع ذلك فإن نظرية الأجناس الأدبية لم تعدم من يدافع عنها في هذا القرن، وربما كان من أبرز هؤلاء ريناتوبوتجولي Renato poggioli الذي أكد في دفاعه عنها أن «الشعرية الحديثة» مثلها مثل نظيرتها القديمة، ما هي إلا نظام من الأجناس الأدبية، وطرح فكرة الشعرية غير المكتوبة unwritten poetics (أو الافتراضات التي تتناقل عن الأدب والتي لم تقنن في بيانات رسمية مكتوبة) التي تتولى عادة نقل المعايير والأعراف الأدبية إلى جانب «الشعرية الرسمية المكتوبة»، ومنهم كذلك الباحث الفرنسي المشهور بول فان تيغم P.V.Tieghem الذي بين في مقالته المعنونة بـ «مسألة الأجناس الأدبية» التي نشرتها له مجلة هليكون Helicon (مع مقالات أخرى لغيره تناصر جميعها فكرة الأجناس الأدبية) أن «فكرة الأجناس ليست ميتة، ولايمكن أن تكون كذلك، لأنها مؤسسة بثبات في النفس الإنسانية»، «فكل ذوق عاطفي، وكل حاجة اجتماعية أو دينية، يؤلف أو تؤلف جذراً لجنس مختلف يزهر على نحو أكثر أو أقل إرضاء».
ويبقى نقاد شيكاغو أو الأرسطيون المحدثون Neo - Aristotelians من أهم المنافحين عن مبدأ الجنس الأدبي في هذا القرن، وأكثرهم تقليدية ومحافظة في مناهجهم وافتراضاتهم. فقد سعوا، على سبيل المثال، إلى التوسع في النظام الأدبي الذي ينطوي عليه كتاب أرسطو «فن الشعر» وإلى تطويره، وذلك «بتصنيف أشكال أدبية لم يقدم أرسطو ذاته تعليقاً مطولاً عنها، أو بإضافة تمييزات أخرى لمقولات لايقيمها هو نفسه». يتحدث إلدر أولسون Elder Olson في مقالته «مخطط لنظرية شعرية» An Outline of poetic Theory عن أربعة أنماط أساسية للعمل: الأعمال التي تقدم شخصية واحدة في وضع مغلق أي في وضع لاتعقد أعمالها أعمال أي فاعل آخر، مثل معظم الشعر الغنائي، والأعمال التي تظهر شخصيتين أو أكثر في وضع مغلق، والأعمال المؤلفة من مجموعة من المشاهد، والأعمال المؤلفة من مجموعة من الحلقات episodes. ويقدم ر.س.كرين R.S.Crane في مقالته «مفهوم الحبكة وحبكة توم جونز» سلسلة من المبادئ لدراسة السرد، يمكن للمرء أن يلاحظ ما وراءها من أشكال النظر لأرسطو في موضوع المحاكاة.
وبمقدار ما كان الأرسطيون المحدثون - الذين صدروا عن فن الشعر لأرسطو - محافظين في موقفهم من نظرية الأجناس الأدبية، كان الشكليون الروس والبنيويون التشيكيون والفرنسيون مجددين في هذا الموقف منطلقين من اللغويات الحديثة لفرديناند دي سوسير وسواه. وقد برز من بينهم خاصة يوري تينيانوف Juri Tynyanov الذي عني بمشكلة تطور الأجناس الأدبية، واقترح «قانون الأضداد» Law of Contrast ناظماً لهذا التطور، ويان موكاروفسكي Jan Mukarjovsky الذي تناول الأجناس الأدبية من وجهة تمييز أقامه بين الحواري dialogic والمناجاتي monologic، ودرس مشكلة التطور الذي تخضع له هذه الأجناس دراسة خاصة، وتزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov الذي قدم دفاعاً مجيداً عن نظرية الأجناس الأدبية من منطلق بنيوي مؤكداً فكرة الصراع في تطور الأجناس الأدبية، ولاسيما عندما يثور العمل الأدبي الجاد على المعايير القائمة للأجناس الأدبية ويعدلها في ثورته هذه على نحو يطول الأجناس ذاتها.
وعلى الرغم من أهمية من تقدم ذكرهم في تاريخ الأجناس في القرن العشرين فإن نورثروب فراي Northrop Frayeوحده الذي ينهض قمة شامخة تطمح إلى هدف لايقل عن متابعة ما بدأه أرسطو نفسه. ذلك أن فراي يعتقد، كما يشير إلى ذلك صراحة في كتابه «تشريح النقد» Anatomy of Criticisim (1957)، أن نظرية الأجناس الأدبية لم تبارح النقطة التي بلغها أرسطو. ومن هنا كان إسهامه في تطوير هذه النظرية أصيلاً وخلافياً إلى درجة لم يبلغها مُنظر آخر منذ أرسطو. وربما كان ذلك أمراً طبيعياً بعد أن أسند إلى الناقد مهمة استكشاف النظام الأدبي وشرحه. فعلى سبيل المثال اقترح فراي تصنيف الأدب تبعاً لأنماطه أو صيغه modes وهذه فكرة مطورة عن فكرة موضوع المحاكاة لدى أرسطو، كما اقترح مقولة أخرى لتصنيف الأدب استعارها من اليونانية، وهي الكلمة نفسها التي استخدمها أرسطو للإشارة إلى العقدة من النمط الأولي وهذه هي الـ «mythos». ورأى أن العقدة من النمط الأولي أوسع وأسبق من الأشكال الأدبية العادية، وميز أربعاً منها يتطابق كل منها مع فصل من فصول السنة. أما ما يعرف بطريقة المحاكاة، فقد عمد فراي إلى إعادة تعريفها وسماها بالجنس genre وبيَّن أن الأجناس بهذا المعنى داخلية intrinsic وأساسية في الأعمال المعنية، فالمسرحية وإن طبعت ولم تمثل، تظل تخلص للجنس ذاته، وكذا الشأن في الملحمة التي تحتفظ بأعراف الإلقاء وإن لم يتم إلقاؤها. والقصة التي تتبع جنس الصفحة المطبوعة. والحقيقة أن عمل فراي، الذي امتد ما يقرب من أربعة عقود، على درجة من التعقيد والدقة والأهمية والتأثير الواسع والغني يصعب معها اختزاله في حيّز محدود، ولاسيما أنه لايزال يشارك على نحو فعال في ميدان النقد ونظرية الأدب حتى اليوم.
والخلاصة أن المنظور التاريخي لنظرية الأجناس الأدبية قد بيّن أنها مقولة باقية بقاء الأدب نفسه، ذلك الفيض المستمر، وإن أي عمل أدبي، مهما كان موقفه من الأجناس القائمة في التقليد الذي ينتمي إليه، لايستطيع أن يقطع صلته بها. ذلك أن الأجناس، على حد تعبير تزفيتان تودوروف، هي بالتحديد نقاط الأبدال relay - points التي يُعاود فيها العمل [الأدبي] الصلة بعالم الأدب.
المصادر
________
1-فن الشعر –ارسطو-185
2- تشريح النقد –نورثروب فراي- محمد عصفور-ص43
3- الادب والدلالة- تزفيتان تودوروف- محمد نديم خشفة-ص54
4- حوار عن الشعر-فريدريش شيلغل-سعيد محمود-ص26
4-الشكلانية الروسية - يوري تينيانوف – ص14





Partager cet article
Repost0
6 juillet 2011 3 06 /07 /juillet /2011 16:29
الأسس الجمالية في الرواية .. الكليّة الموضوعيّة والنمط
 

بقلم: صباح علي الشاهر

كلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما اتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. الكليّة في العمل الفني عالم وهمي، المقصود بالوهمي هنا مُتخيّل، قائم بذاته، إنها صيرورة مُستحدثة، ومبتدعه، تتميز بكونها ذات خاصية جمالية، إنها ليست كليّة بغنى الواقع، ولن تكون، كذب وادعاء الزعم بأن الكلية الفنية ذات الخصوصيّة، يمكن أن تكون أغنى وأعمق وأشمل من الواقع . القول بهذا ليس سوى هراء، إذ يظل الواقع أغنى وأعمق وأشمل من أي إبتداع، ولا يُطلب من الكلية ذات الخصوصيّة الفنيّة عكس الشمول والغنى المتنوع في الواقع، لأن هذا مستحيل، لكنها ينبغي أن تدل عليه وتُوحي به، وتستلهِمه، وإلا أصبحت مُجرد عبث ومضيّعة للجهد والوقت. ترتبط

الكلية مع النمط الذي هو الوحدة الجدليّة للخاص والعام، الفردي والشامل، الزائل والأزلي، بحيث يشكل هذا الإرتباط وحدة لا تنفصم في جماليّات كلاسيكيّات الماركسيّة، والمجال الخاص الذي يخلق النمطي هو الجوهر البنائي في هذه الجماليّات، إن النمطيّة التي هي مجال الفن الخاص ليست فقط مُتعلقة بالشخصيّات النمطيّة، وإنما بالظروف النمطيّة والأحوال النمطيّة أيضاً، ومن هنا يمكننا القول أن التعريف الذي قدمه إنجلز للواقعية من كونها (التصوير الصادق لشخصيات نمطيّة في ظروف نمطيّة) إنما هو تعريف للعمل الفني برمته من وجهة الماديّة الديالكتيكيّة، ولا يقتصر على العمل الروائي ، ولا على الأدب حتى. في تعريف إنجلز السالف يتحول الواقع الموضوعي من واقع ملموس (الكليّة التأريخيّة الإجتماعيّة)، وهي مادة العمل الفني الخام، إلى تجريد، (إلى شخصيّات وأوضاع) نمطيّة، إلى الوجود الفني الذي هو بمعنى من المعاني عرض تمثيلي ومجازي رمزي. وبمعنى آخر فإن المضمون، الذي هو الواقع، قد انتقل من المستوى الحياتي، الإجتماعي التأريخي، إلى مستوى الفن. لا يؤخذ الفرد في الظاهرة الإجتماعيّة كما هو في الواقع دونما ربط بالماهيّة الإنسانيّة الكليّة، التي هي في أحسن الأحوال مجرد تعميم. هذا الربط العضوي، البالغ الرهافة والشفافيّة، وهذا التناغم الفريد، والتماهي العذب بين الظاهرة والماهيّة هو الذي يمنح العمل الفني المنجز الخلود، بحيث يتخطّى الزمان والمكان، وهو بالذات ما يمنح العمل الفني خصوصيته وتجاوزه. يتحقق النمطي في العمل الفني من خلال العمل في مجال الخاص، والمقصود بالمجال الخاص، المجال الذي يتوسط الفردي من ناحية والكلي من ناحية أخرى، ففي كل إنسان مثلما في كل شيء، ماهو خاص وما هو عام، ماهو كلي وما هو فردي، وعبر التمازج العذب الصعب بين ما هو خاص وعام، فردي وكلي يخلق النمط الذي يتجاوز زمانه ومكانه، ويمنح العمل الفني ما يُسمى بالخلود، ذلك لأن النمطي يصور الكلي والفردي، الثابت والمتحوّل، الذي يبقى ما بقي الإنسان والزائل. إن الشخصيّة على مستوى الواقع شخصية فردية، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، تتحرك في ظروف نمطيّة، وتتعايش وتتصارع مع شخصيات أخرى، هي أيضاً ليست شخصيات فرديّة وإنما نمطيّة. وهكذا فإن الشكل الذي ينبع من المضمون هو في نهاية المطاف الذي يخلق العمل الفني كعالم وهمي مستقل، يثير المتعة الجماليّة ويقدم معرفة فريدة، ويتيح للمنجز الفني أن يتجاوز زمانه ومكانه، أي أنه يتجاوز الكليّة الإجتماعيّة التأريخيّة التي عمل في ظلها ومن خلالها. الشخصيّة على مستوى الواقع شخصيّة فرديّة، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، والظروف على مستوى الواقع تأريخيّة وإجتماعيّة، لكنها على مستوى الشكل الفني ظروف نمطيّة، لا يمكن تفسيرها كلياً في ظروف إجتماعيّة تأريخيّة خاصة ومحددة تماماً، دون النظر إلى الخصوصيةّ التي يتمتع بها الفن، ودون الإنتباه إلى أننا أمام عالم فني، وهمي، ومستقل. إن الواقع الإجتماعي والشخصيّة الفرديّة هما المضمون، لكن الشكل الذي يكون المضمون موضوعه هو الذي يخلق العالم الفني في نهاية المطاف. ما يثير المتعة الجماليّة هو بالتحديد هذا الترابط السحري بين الشكل والمضمون، ومن هنا عناية الروائي فائقة الحد بالشكل وتقنياته، والذي لا يمكن بأية حال من الأحوال فصله عن إهتمامه بالمضمون بكل عمقه وتنوعه. إهتمام الروائي بالشكل والتكنيك الروائي لا يمكن فصله عن اهتمامه بالمضمون الغني، بالحياة الثرّة المعقدة، وكلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما إتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. يقول جان فريفيل: « إن لغة الأثر الأدبي وأسلوبه وتركيبه وطابعه الجمالي تتحدد بمضونه أي بالتصور الذي يكونه الفنان عن الواقع، وبالتجربة التي يمتلكها، وبالأيدلوجيا التي يعبر عنها. وفي الحقب التي يدرك فيها التطور أوجه، ويصل الفن إلى ذروة إمتلائه، يؤلف الشكل والمضمون كلا متناغماً لا فصام فيه، ومتى ما رجحت كفة المضمون على الشكل، ومتى ما أنفصل الشكل عن المضمون، يسعنا الجزم بدون أن نجازف بالخطأ بأن المجتمع يمر بفترة ولادة أو إنحلال ». وبعيداً عن أية محاولة مبتسرة للفصل بين الشكل والمضمون، يمكن القول إن الشكل محافظ، والمضمون ثوري، باعتبار أن الأشكال تميل إلى الثبات والمحافظة، إلا أنه عندما تطرأ مضامين جديدة فإنها تُفجّر الأشكال القديمة وتصل بها إلى أشكال جديدة تلتحم معها فتشكل كلا لاينفصل، ولكن إلى حين، حيث يستمر المضمون المتغير بتفجير الأشكال وفق عمليّة إرتقائيّة متواصلة، لذا فإن البحث بتطوير وتجديد الأشكال وتقنياتها أمر لا مناص منه بالنسبة للمبدع الذي يتلبسه هاجس عكس العالم والتعبير عنه فنيّاً. من الصعب جدا، لا بل من المتعذر تجاهل العلاقة المتينة بين الشكل الروائي والبيئة الإجتماعية التي إنبثق هذا الشكل وتطور من داخلها محاولاً تمثلها والتعبير عنها. إن العلاقة بين الرواية كجنس أدبي والمجتمع الذي طغت فيه الفردانيّة علاقة متينة لايمكن إغفالها أو التقليل من شأنها، فتعقد المجتمع وتعقد علاقاته ينعكس على الشكل الروائي الذي أصبح بالغ التعقيد أيضاً. إن الناس في ظل الرأسمالية يعيشون حياة معقدة بما فيه الكفاية، ويمكن القول أن هذا التعقيد في الحياة الإجتماعيّة لا يقتصر على البلدان الرأسماليّة المتطوّرة، التي مدّت نمط حياتها إلى العالم كله مشيعة عبر مختلف الوسائل قيمها، ولعل تأثيرات هذا على البلدان الأقل تطوراً ستكون أكثر هولاً وتدميراً للإنسان. في المجتمعات المبنيّة على الربح المادي الملموس والمنظور يكون الناس مرغمين على البحث عن قيمة حقيقيّة، حيث إن هناك العديد من الأمور التشويشيّة المبتدعة بكل حذق تؤثر تأثيراً أخذ يتصاعد بإستمرارعلى ذوق المستهلك، ويخلق حاجات واقعيّة ووهميّة غالباً، إن تأثير الدعاية والإعلان والمودة، ومايسمى بالبضاعة الديزاينر، وأجهزة الإعلام المتطورة بشكل مذهل بالغ الأهميّة في خلق الوهم والخديعة واللهاث وراء مالا يشبع حاجة روحيّة، إنسانيّة حقيقيّة، الحاجات تُبتدع وتخلّق، لا من حيث تلبيتها لرغبة إنسانيّة محددة، وإنما بسبب شطارة المعلن وتكثيف الكذب والخديعة والنصب والإستغفال، هذه جرائم حقيقية ترتكب بحق الشعوب، تحت بصر القانون وحمايته. لم يعد العمل محبوباً لذاته، ولم يعد كما كان يقول ماركس خالق الإنسان. لقد تغرّب الإنسان عن عمله، وبات العمل قيد وعبوديّة. لم يعد العمل مكرساً لتلبيّة حاجات إنسانيّة ماديّة وروحيّة، وإنما أصبح مكرساً من أجل السوق، الذي لم تعد الحاجات الإنسانيّة الفعليّة تتحكم به، وإنما التشويش وبيع الوهم عبر أساليب بالغة التعقيد والحداثة. يمكن فهم أبعاد ما نرمي إليه من معرفة أن بعض الشركات والمؤسسات تنفق ثلث إنفاقها العام على الدعاية والإعلان. إن الدعاية والإعلان تغتال الخيار الإنساني الحر، عبر خلق خيارات مخادعة يبتدعها دهاقنة فن الإعلان. إن التشويش يطرد الفن، وبالتالي يطرد الإنسان. إن المجتمع الرأسمالي يخلق أفراداً إشكاليين، ومن هنا يأتي الشكل الشديد التعقيد الذي عليه الرواية. ذلك لأن التعقيد هذا هو الواقع الذي يحيا فيه الناس كل يوم، عندما يكونون مرغمين على البحث عن كل قيمة إستعمال وفق نموذج منحط يتوسط الكميّة وقيمة التبادل في مجتمع لا يمكن لكل جهد من أجل أن يتجه نحو قيمة الإستعمال إلا أن ينتج أفرادا إشكاليين.

ميدل ايست أونلاين

 

Partager cet article
Repost0
7 décembre 2010 2 07 /12 /décembre /2010 13:10

خرائط التجريب الروائي

 

د.محمد أمنصور

القســـــم الأول:

(قضايا نظـرية  )

مفاهيــم التجريب الروائي في المغـرب

رصد ومسـاءلـة

 

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم صورة عن سيرورة تكون وعي الكتاب المغاربة لمفهوم وإشكالية التجريب، وهو المصطلح الذي سيعرف الشيوع في عقد الثمانينات بشكل مميز. وحيث يهمنا التركيز - بصفة خاصة - على محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو بصفة أدق؛ سيرورة تطور مفاهيم التجريب في الحقل الروائي، فإننا سنعمل على ربط نشأة المفهوم وتبلور دلالته الاصطلاحية بمسيرة نمو المشروع الروائي المغربي، وهي العلاقة الجدلية التي تجعل من مستويات الوعي بالتجريب عبارة عن تجليات لما يحققه التراكم الروائي على صعيد التحقق النصي.

  (1-1) إن الإرهاصات الأولية لظهور النزوع التجريبي في الرواية المغربية المعاصرة، ستسجل في منتصف السبعينات، أي مع صدور روايتي «حاجز الثلج» لسعيد علوش عام 1974، و«زمن بين الولادة والحلم» لأحمد المديني عام 1976. وإذا استحضرنا بعض محددات تلك المرحلة السوسيو-تاريخية فإننا نستطيع أن نوجزها في:

- بوادر الإخفاق السياسي لما سمي بالقوى التقدمية (اليسار الماركسي اللينيني).

- زمن المسيرة الخضراء وبداية المسلسل الديموقراطي وما سيواكبهما من شعارات الإجماع الوطني والوحدة الترابية والمغرب الجديد. وهي المرحلة التي نوجز ملامحها مع الناقد عبد الحميد عقار في قوله:

«إنها مرحلة تثبيت مشروعية المؤسسات بنزع الطابع الصوري عنها، بما أنها، أو هكذا يراد لها أن تكون، المجال الرئيسي والمشروع لممارسة الصراع والاختلاف»[1].

ستظهر إذن رواية المديني الأولى في فترة تحول ومرور أو عبور من زمن المواجهات الخفية والمعلنة إلى زمن تقنين أشكال المواجهة وإعادة النظر في أساليبها. وفي البداية سيواجه النص بالصمت والتجاهل، إلى أن يفتض ذلك الصمت أحد أبرز فرسان حلبة النقد في تلك المرحلة (إبراهيم) الخطيب الذي سيقول عن «زمن بين الولادة والحلم»:

«في الوقت الذي يظهر الروائي المغربي ارتباطه بشكل الرواية الواقعية القائمة على قواعد التخييل الممكنة، يتجه أحمد المديني بعمله الروائي إلى إرباك تلك الخطى التي لم يكتمل بناؤها بعد، وهكذا وظف كتابته لخدمة تأملات نظرية في صياغة الرواية لا تزال في طور التجريب حتى بالنسبة للبلدان الأوروبية الأكثر تقدما. ويمكن القول إن المديني يعبر عن تلك العلاقة المتوترة فيما بين المثقف الجامعي والمبدع الذي لازالت كتابته مجرد مشروع، لكنه، مع ذلك، يتوفر على دلالة الرغبة في تجاوز الأبنية المتخيلة القارة، وربما كان يعتقد أن استبدال صفة التخييل، بخلق معادل كلامي أمر ضروري في الوقت الراهن. لكن، يبدو أنه من البديهي التساؤل: كيف يمكن التعبير عن ''نظام الأشياء'' بواسطة ''فوضى الكتابة''. وإنه لأمر دال الصمت المطبق الذي ثصادفه ظهور الرواية. غير أن الروائي يستطيع أن يعتبر ذلك ظاهرة مشجعة: أليست تلك

وضعية كل ''كتابة جديدة''»[2].

لقد كتب إبراهيم الخطيب هذا الكلام في ضوء النقود السلبية - أيضا - التي حاولت التصدي لهذا المولود الغريب والطارئ على أفق انتظار الساحة الأدبية (نجيب العوفي / إدريس الناقوري / أحمد الحلو... إلخ.) أما الجديد في ملاحظات الخطيب، فيتمثل في انتباهه إلى القلب الاستراتيجي الذي حمله معه النص لسؤال الأدب والوعي به في الخمسينات والستينات والسبعينات، وهو قلب يعدل من صيغة: كيف يمكن السيطرة على فوضى الأشياء (أو الصراع الطبقي بمعنى آخر) بواسطة نظام الكتابة، إلى صيغة: كيف يمكن التعبير عن «نظام الأشياء» بواسطة فوضى الكتابة؟ فهذا النص الذي حمل معه قضايا جديدة مثل: مسألة الميثاق الروائي المبرم، وسؤال التقليد أو الاستيلاب، وسؤال اللغة الروائية، ومسألة الغموض في الكتابة... إلخ.، سيعيد تحديد قضية الكتابة الروائية، أو على الأقل، سيقلب موقع وزاوية النظر إليها، بحيث سيرغم التلقي على الالتفات إلى ما يمكن أن يطرأ على النص - قبل الواقع - من تغيير وخلخلة على صعيد ما يسمى بقواعد الجنس الروائي والتي حاولت النصوص السابقة لروايتي علوش والمديني تمثلها ومحاكاتها لتأصيل قالب روائي عربي. لقد كانت مرحلة السبعينات مهووسة بالبحث في إشكالية العلاقة بين الأدب والواقع، وإشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون، وإشكالية العلاقة بين الذات والموضوع... إلخ. وكان لابد من انتظار تحولات كثيرة على صعيد التاريخ والواقع وسيرورة المثاقفة، لكي تبزغ مع الثمانينات موجة البنيويات والشعريات التي يتم فيها تحجيم أو تغييب المرجع الخارج - نصي لصالح مكونات النص الروائي والأدبي عموما. وهو العقد الذي ستتراكم فيه عدة نصوص من طراز «زمن بين الولادة والحلم».

(2-1) وللوقوف على مستويات تقبل التجريب مفهوما وممارسة أدبية، نستعرض نماذج من آراء بعض رموز الحقل الثقافي السبعيني لتأمل كيفية أو طبيعة تعامل هؤلاء النقاد والمبدعين مع هذه الظاهرة الجديدة المسماة التجريب.

يقول عبد الكريم غلاب في شهادة سابقة له حول أزمة الرواية المغربية، وهي مثبتة في أحد أعداد مجلة آفاق التي يصدرها اتحاد كتاب المغرب:

«إن الرواية المغربية تجتاز ''أزمة نمو'' وليست أزمة إحباط. تتلخص الأزمة في أن معظم روادها (من ورد الحوض وليس من الرائد) يعيشون تحت الرعب. هناك شيء إسمه ''الإرهاب النقدي'' - معذرة للمبالغة في استعمال الكلمة - ولذلك فهم يلجأون إلى التستر، علهم لا يغضبون ''الإرهاب'' ومن هنا جاءت موضة ''التجريب''. من المهم أن يجرب المحاول. ولكننا نحن القراء لا نريد أن نعيش تحت طائلة التجريب، فكل من جرب يقدم لنا تجربة لنقرأها على أنها تجربة «وتعلموا يالحجامة في رؤوس اليتامى». أفهم طبعا البعد الفني للتجريب ولكنني مع ذلك أحب أن يثق الكاتب في نفسه (...) قد تكون مرحلة التجريب طبيعية أيضا في فن ما يزال في عمر الورد، ولكن حينما يصبح التجريب هو الهدف، سننتظر طويلا حتى يتحرر الكتاب الشباب من ''الإرهاب'' لينطلقوا في الإبداع بقوة الواثق في نفسه وفنه»[3].

من خلال هذا النص الذي لا نعزله عن سياقه والمرحلة التي أنتجه فيها صاحبه، يتضح أن فهم غلاب للتجريب لم يكن يخرج عن حدود الفهم القاموسي - اللفظي لمفردة التجريب. فالتجريب عنده مصدر مشتق من فعل جرَّب يجرب تجريبا، أي حاول فعل أو إنجاز فعل ما، وهو حد قاموسي مبسط، يمكن أن نقول عنه الآن إنه يسقط مفهوم التجريب في التعويم والميوعة. وهنا، لا يمكن تجاهل ما لدور الموقع الحزبي والإيديولوجي لغلاب من تأثير في تحديد مفهومه (أو فهمه) الخاص للتجريب. لذلك فإن الخلفية الإيديولوجية، والسقف السلفي - الوطني لتلك الخلفية، والانتماء الجيلي، كلها عوامل تجعل من رجل مثل غلاب لا يجد حرجا في الحكم على نقاد «الواقعية» الماركسيين بالإرهابيين! بحيث يغدو التجريب في هذا الطرح مجرد رد فعل تجاه الرعب الناتج عن (الإرهاب النقدي)، ومجرد (موضة) طارئة ستزول بزوال أسبابها. بل مجرد (مرحلة) وصيغة للتستر. وبالنسبة لنا، فإننا نضع هذا المفهوم الكلاسي للتجريب ضمن خانة الموقف السلفي المفتقر إلى أية خلفية فنية - معرفية، والوفي - بالدرجة الأولى- لسلط المتعاليات (السلفية والوطنية) التي تسنده.

(3-1) المفهوم الثاني الذي نورده، يندرج ضمن خانة الموقف الماركسي من التجريب، ونستخلصه من كتاب «جدل القراءة» للناقد نجيب العوفي، حيث يقول:

«ونحن نعتقد بأن الإيديولوجية الضمنية الكامنة في صلب التجريب الحداثوي في المغرب كما في بعض الأقطار العربية، هي إيديولوجية القلق واليأس والميلانخوليا، نتيجة العجز عن المواجهة والجلد والصمود، نتيجة ضيق النفس وعدم السيطرة على الواقع سيطرة معرفية وإيديولوجية ووجدانية ونضالية عميقة، بعد تجربة النهضة والسقوط الطويلة، ومن ثم يكون الخروج من الحلقة المفرغة ومن عنق الزجاجة، كما يبدو خروجا وهميا ونرجسيا يكرس لنا، في التحليل النهائي ظاهرة الثقافقراطية (كذا) على أنقاض الثقافة العضوية، ويقدم لأعدائنا الطبقيين والتاريخيين خدمة مجانية مغلفة بحسن النوايا»[4].

ورغم أن هذا الفهم ''الماركسي'' للتجريب يصدر عن منظومة مرجعية مختلفة نوعيا عن منظومة عبد الكريم غلاب، إلا أنه لا يختلف في الجوهر عن موقف غلاب من التجريب في الجوهر، فهو ينطوي على فهم سلبي لا يخفي رفضه للظاهرة ككل، بل إنه ينطوي على منظور متناقض يرفض خطاب الحداثة الميتافيزيقي باعتباره ضربا من الاستلاب وتكريس ما يسميه بـ «ظاهرة الثقافة البيروقراطية على أنقاض الثقافة العضوية» في الوقت الذي يستمد من الغرب ما تتيحه المنظومة المرجعية للماركسية من جهاز مفاهيمي يفكر به ويعتمده أساسا في الحكم والرفض والتصدي لخطاب »التجريب الحداثوي»!

ومن وجهة نظرنا، فإن الموقف الثاني من التجريب يطابق الموقف السلفي من حيث الاستيعاب النظري للظاهرة. فوهم الطليعية لا يحرره من أسر النظرة التقليدية المناهضة لما هو منفلت عن التنميط والقولبة. لذلك يمكن القول إن التعريف الماركسي للتجريب من خلال نموذج العوفي، للتجريب هو تعريف مضموني أيضا، لا يعير اهتماما لسؤال الشكل الروائي، وذلك راجع من جهة، لشروط المرحلة، ومن جهة أخرى للحدود التي كان قد بلغها الاستيعاب النقدي لنظرية الأدب. ولو شئنا أن نقارن بين الموقف السلفي والموقف الماركسي من التجريب، لأمكننا القول بأن الموقف الأول، ربما كان أكثر انسجاما مع نفسه من هذا الموقف الذي يأخذ من الغرب الماركسية ويرفض في الآن نفسه خطابه في الحداثة خوفا من الاستيلاب، وكأن الماركسية تحمل في أحشائها كثقافة ونظرية ومنهج مناعة للمستلبين من عدواها!؟

(4-1) والموقف الثالث من التجريب، نرصده من خلال نموذج مستقى من رسالة جامعية للباحث حميد لحميداني، وهو الموقف الذي يقودنا إلى ما نصطلح على تسميته بـ: المفهوم السوسيولوجي للتجريب. يقول لحميداني عن «زمن بين الولادة والحلم»، إنها رواية تعبر:

«عن معاناة الجيل الجديد وعن أزمة البورجوازية الصغيرة المولعة بالتجريب، والباحثة عن قيم بديلة في عالم مهترئ، تتخلص بدورها من التقنيات القديمة، وترتاد عالما روائيا بديلا أيضا يخلق مقاييسه التي تتلاءم مع التعبير عن المضامين المتولدة في الظروف الجديدة»[5].

وفي سياق آخر من الدراسة يذهب إلى أن:

«العلاقات الاجتماعية الشائكة تخلق بالضرورة أشكالا أدبية مطابقة لها. ففي الوقت الذي يفقد فيه الإنسان أي مجال للتصالح مع واقعه تختل كل القيم بما فيها قيم الزمان والمكان. ورواية «زمن بين الولادة والحلم» تعبر بشكل واضح عن هذا الاختلال. فمن حيث التحديد المكاني نرى أن الرواية، وقد خلت من الحدث بالمفهوم الروائي الكلاسيكي، تخلصت من ضرورة وصف الإطار المكاني المحدد»[6].

وأول ملاحظة يمكن تسجيلها على هذا التعاطي لنص تجريبي فوضوي، هي محاولة صاحبه إخضاع «زمن بين الولادة والحلم» لمنهج (البنيوية التكوينية)، مما يعني، التعامل مع جوانب «الاختلال» فيه من منظور إيجابي. وهي نقلة نوعية على صعيد الوعي النقدي بالتحقق النصي لمشروع التجريب، حيث ينتقل البحث من مستوى التلقي السلبي الرافض أو المستهجن لخروقات هذا اللون من الكتابة إلى مستوى الإقرار بقابليتها للفهم والتفسير في ضوء منطلقات منهج يتعاطى للنص بما هو موضوع علمي قابل للبناء المنهجي. ففوضى الكتابة - كما يقول إبراهيم الخطيب - تفهم وتفسر كبنية دالة متماسكة تندرج ضمن بنية إيديولوجية تدخل في علاقات وظيفية مع طبقة أو فئة اجتماعية تبحث عن وظيفة داخل المجتمع.

إن مقاربة (التجريب) ضمن هذا المنظور المنهجي «الغولدماني» تقفز على ثغرات القراءة الإيديولوجية البحتة التي حصرت اختياراتها وأحكامها في حدود النظرة الضيقة لـ «نظرية الانعكاس»، فاكتفت بالتركيز على العلاقة بين مضمون الوعي الجمعي ومضمون العمل الأدبي على أساس الانعكاس الآلي؛ بينما ينقل مبدأ التماثل البنائي (L’homologie structurale  ) تلك العلاقة إلى مستوى التماثل بين البنى الذهنية التي تشكل الوعي الجمعي والبنى الشكلية والجمالية التي تشكل العمل الأدبي، وهذا ما يميز «السوسيولوجيا الجدلية» عن «سوسيولوجيا المضمون» كما تم تمثلها لدى نقاد السبعينات.

(1-2) وبانتقالنا إلى عقد الثمانينات، سيكون مفهوم وإشكالية التجريب قد عرفا انتشارا وتبلورا واضحين على صعيد التراكم الروائي والوعي النقدي الموازي له. هذا رغم محدودية الإنتاج الروائي - بصفة عامة - بل إن الحقل الثقافي الوطني سيكرس التجريب كمشترك بنيوي بين عدة أجناس وحقول فنية من تشكيل ومسرح وقصة قصيرة ورواية... إلخ. ومن هذه الزاوية، فنحن نعتبر صدور كتاب سعيد يقطين المعنون بـ «القراءة والتجربة» عام 1985 علامة فارقة في تاريخ تشكل الوعي بالتجريب، وهو الكتاب الذي حاول فيه صاحبه أن يحلل نصوصا تجريبية بمرونة منهجية تنم عن تقدير لخصوصية النصوص موضوع التحليل. وعن مفهوم التجريب، يقول يقطين:

«إن "الإفراط'' في ممارسة التجاوز هو ما تتم تسميته عادة بـ ''التجريب''، وهي التسمية التي تكرر الحديث عنها في أواسط السبعينات في مناقشات قصص التازي والمديني وفي الندوات التي كانت تقام على هامش بعض المعارض التشكيلية، أو بعض العروض المسرحية كالتي كان ينجزها مسرح الهواة وبالأخص مع تجربة محمد تيمد»[7].

(2-2) وللوقوف على المناخ الجديد الذي صار مفهوم / إشكالية التجريب عنوانا له، نستعرض عدة تعريفات يقدمها بعض رموز الحقل الثقافي الفني والأدبي في المغرب للتجريب. وهي تعريفات تَطَالُ المسرح والشعر والقصة القصيرة والنقد الروائي، ومن خلالها سيتبين لنا النضج والتبلور الذي بلغه الوعي بالتجريب مفهوما وممارسة. ونبدأ بتعريف الأستاذ محمد الكغاط، الذي يتحدث عن مستويين من التجريب:

أ - تجريب عام.

ب - تجريب خاص.

يقول الكغاط:

«وأقصد بالتجريب العام لتلك المحاولات التي تمت عبر التاريخ المسرحي من اسخيلوس إلى بداية هذا القرن. وهو تجريب كان يتم بطريقة تلقائية، إذ أن كل مبدع يحاول في عمله اللاحق أن يضيف جديدا إلى عمله السابق (...) أما التجريب الخاص، فهو العمل الذي تقوم به مجموعة معينة، وهي تسعى نحو البحث عن صيغ جديدة في تعاملها مع النص الدرامي ومع النص السينوغرافي ومع الممثل ومع الجمهور، بل ومع مكان العرض (قاعة المسرح) ومع كل مكونات العرض المسرحي (...) وتتواصل خطوات التجريب في أعمالها اللاحقة دون أن يكون لها هدف يتوخى الوصول إلى صيغة قارة أو شبه قارة. إن التجريب بهذا المعنى كالسؤال الفلسفي لا يتولد عنه إلا سؤال جديد. إن التجريب، في الفن بصفة عامة، وفي المسرح بصفة خاصة، عبارة عن اقتراحات في مجالات الإبداع المختلفة، اقتراحات يقصد بها خلخلة ما هو سائد من أجل فتح آفاق جديدة، وإثارة أسئلة جديدة،والبحث عن صيغ جديدة للخطاب والتواصل»[8].

أما في مجال الشعر، فنقرأ التعريف الذي يقدمه الشاعر محمد السرغيني للتجريب حيث يرى أن:

«التجريب أساسا هو أن يخرج المجرب عن حدود القاعدة المشاعة انطلاقا منها (...) هو أن ينطلق الشاعر من القاعدة العامة المألوفة. التجريب هو محاولة تجاوز القواعد السائدة انطلاقا من هذه القواعد نفسها (...) التجريب هو محاولة للخروج من الدوران في الفراغ، خاصة بعد أن أحس الشعراء بأن العصر هو عصر الرواية وليس عصر الشعر. لذلك يجب أن تضبط مواصفاته على كل المستويات (...) والتجريب الذي يمكن أن يصبح قاعدة هو الذي يكون مصحوبا بقناعة ذاتية»[9].

وفي مجال القصة القصيرة، نستشهد بتعريف للروائي والقاص والناقد محمد براة، حيث يقول:

«إن التجريب» لا يعني الخروج على المألوف بطريقة اعتباطية. ولا اقتباس وصفات وأشكال جربها آخرون في سياق مغاير. إن التجريب يقتضي الوعي بالتجريب أي توفر الكاتب على معرفة الأسس النظرية لتجارب الآخرين وتوفره على أسئلته الخاصة التي يسعى إلى صياغتها صوغا فنيا يستجيب لسياقه الثقافي ورؤيته للعالم. هذا الوعي بالتجريب يضمن للكاتب أن يتعامل تعاملا خلاقا مع حصيلة الإنتاجات القصصية سواء انتمت إلى التراث إو إلى الذخيرة العالمية الحديثة. ومن ثم، فإن محاورة النصوص الأخرى والتفاعل معها بل والاستفادة من منجزاتها الفنية تصبح مختصبة ومولدة لأشكال جديدة أو قديمة أو حديثة، في صوغ مضامين ورؤيات مغايرة»[10].

ونصل إلى محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو مفهوم التجريب في الوعـي النقدي الروائي. ولعلنا لن نجد تعريفا أنضـج من ذلك الذي قدمه الناقد عبد الحميد عقار الذي يذهب إلى أن:

«قانون التجريب، باعتباره سلسلة من التقنيات ووجهات النظر عن العالم، تسعى إلى تجاوز الفهم القائم وإلى وضعه موضع تشكيك وتساؤل. وهكذا تتحدد الرواية بكونها إجابة معطاة من الذات على وضعها في المجتمع، هذه الإجابة يجسدها عادة المتكلم داخل الرواية ساردا كان أو شخصا، من خلال ما يحكيه أو يعيشه، ومن خلال طرائق تقديمه لذلك المحكي أو المعيش»[11].

محاولة في التركيـــب:

(1-3) من خلال التعريفات السابقة، الممتدة في الزمن بين عقدين، يتضح كيف أن مفاهيم التجريب الروائي قد عرفت سيرورة تكون وتطور على صعيد وعي الكتاب المغاربة. فمن النشأة المتعثرة على صعيد التحقق النصي والوعي النقدي الموازي له، إلى الانتشار، فالتشارك البنيوي على صعيد مكونات الحقل الأدبي-الفني الوطني. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن عشرية الثمانينات هي حقل التجريب بامتياز، وعلى صعيد الرواية والخطاب النقدي الموازي لها يمكن القول بأن الثمانينات سجلت مرحلة التحول من التجريب التلقائي مع «حاجز الثلج» و«زمن بين الولادة والحلم» إلى التجريب الواعي باستراتيجياته مع أعمال كل من عز الدين التازي وأحمد المديني ومبارك ربيع وعبد الله العروي والميلودي شغموم ومحمد برادة ومحمد الهرادي وغيرهم. فمع هذه الكوكبة من الروائيين المغاربة، ستنتقل الرواية إلى مرحلة البحث عن إمكانيات جديدة في مستويات التقنية والرؤية، وهو بحث معرفي وفني وإيديولوجي يستهدف الخلخلة وتجاوز القواعد السائدة المترسبة عن التقاليد وقيم الثقافة التقليدية.

إذن؛ مع تراكم النصوص الروائية التجريبية، سينهض التجريب الروائي في المغرب كمشروع له منطقه الخاص وأسسه الجمالية واحتمالاته اللانهائية، ومن تلك الأسس: رهان السؤال والمساءلة، وخيار الانفتاح والحوارية وفقَ مبدأ القناعة الذاتية التي تؤهل الرغبة للتلاؤم مع الحاجة الثقافية والشرط السوسيوتاريخي. إنه «المجرى المتحول» كما يقول الناقد سعيد يقطين في كتابه الرائد، وهو مجرى ينقل الحقل الثقافي الوطني:

«- من الفيلولوجيا الأدبية إلى أركيولوجيا المعرفة.

- من الثابت والجاهز إلى المتحول والممكن.

- من المطلق إلى النسبي.

- من الجواب العارف بكل شيء إلى السؤال المطروح بصدد كل شيء»[12].

غير أن انطلاق هذا المجرى المتحول في اتجاه إيجابي لا يحول دون طرح مجموعة من الأسئلة بصدد التجريب الروائي في إنجاز تراكماته النظرية والإبداعية متجاوزا مرحلة الوعي الجنيني، وأهم الأسئلة يمكن طرحها على الشكل التالي:

أ) كيف يتجنب التجريب الروائي - على صعيد الممارسة التخييلية - مأزق السقوط في الاختبارية التي تجعل من النص مجرد تنفيذ لأفكار مسبقة بدعوى المثاقفة أو المعاصرة أو غيرهما من الشعارات؟

ب) كيف يتم تأصيل المشروع الروائي المغربي مع معانقة أفق التجريب في الوقت نفسه، ودون التفريط في الحدود الدنيا من الثوابت الروائية الكلاسية؟

ج) ما هي حدود التجريب، وهل يكفي خرق قواعد الجنس الأدبي أو التمرد على كل أوفاق الكتابة الروائية لامتلاك شرعية الانتساب إلى مشروع التجريب؟ ألا يحتكم التجريب الروائي إلى رؤية فنية وفكرية، جمالية ومعرفية، تدعم التحقق النصي والتشكيلات التقنية في سياق الوعي النظري للمارسة الروائية؟

د) ما هو الموقف المتوازن الذي يجعل من التجريب الروائي يتجاوز دائرته التواصلية الضيقة ولا يقف عائقا أمام القارئ غير المتخصص؟ وماذا عن مسألة التواصل - بصفة عامة - ألا يعتبر المتلقي طرفا أساسيا في معادلة الكتابة التجريبية حتى يتم تهميشه فعليا؟ وهل ستظل رهانات الغموض والتعتيم والحرص على خلخلة كل الثوابت شروطا ضرورية لولوج بوابة التجريب؟ ألا يمكن مد الجسور بين التجريب الروائي ومبادئ الانسجام والوضوح والتماسك وغيرها من العناصر التشكيلية التي تحتكم في النهاية لطبيعة الرؤية التي تسند التحقق النصي؟

هـ) هل مجرد رفع شعار التجريب، أو تبني أسئلته، يؤهلان النص الروائي أو النقد الموازي له، لامتلاك القدرة على التجديد والتحديث؟ هل كل تجريب تجديد؟ وهل كل تجديد تحديث؟

و) ما مصير التجريب الروائي بعد أن يتحول إلى مجرد وصفات قابلة للاتباع والمحاكاة من طرف أي كان؟ وكيف يتم التمييز بين التجريب الكلاسي والتجريب المستقبلي؟

ز) أي أفق للتجريب في الحقل الروائي بعد انتقال أفق انتظار المتلقي إلى مراحل تجاوز المكتوب، ومعانقة مستويات أعقد على صعيد الحقلين السمعي والبصري: التجريب السينمائي مثلا؟


 

[1] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد 512، يوم 30/12/1990، ص. 17.

[2] - إبراهيم الخطيب: (الرغبة والتاريخ)، مجلة أقــلام، العدد 4، يناير 1977، السلسلة الجديدة، ص. 23.

[3] - عبد الكريم غلاب: (الرواية حياة متكاملة وهي تجتاز - بالمغرب - أزمة نمو)، مجلـة آفــاق، العدد (3-4)، 1984، ص. 104/108.

[4] - نجيب العوفي، جدل القراءة، دار النشر المغربية، البيضاء، ص. 149.

[5] - حميد لحميداني: الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، دار الثقافة، 1985، ص. 418.

[6] - المرجـع نفسـه، ص. 419.

[7] - سعيد يقطين: القـراءة والتجـربة، مطبعة النجاح الجديدة، ط. أولى، 1985، ص. 287-288.

[8] - محمد الكغاط: (التجريب ونصوص المسرح)، مجلة آفاق، العدد 3، 1989، ص. 21-22.

[9] - حوار مع محمد السرغيني: (الشعر المغربي الحديث والمعاصر: تاريخ وقضايا في ضوء الشهادة والنقد)، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، العدد: 4، 1990، ص. 17/18.

[10] - محمد برادة: (القصة القصيرة: الهوية - التجريب - الصيرورة)، دورية الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد 7 أكتوبر 1988.

[11] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد: 512-1989.

[12] - سعيد يقطيـن: مرجـع سابـق، ص. 287-288

Partager cet article
Repost0
2 décembre 2010 4 02 /12 /décembre /2010 22:34
أنخابُ كائنٍ في العزلة ومدونة العشق
 قراءة في أشعار نور الدين محقق


 

بقلم:عبد النور إدريس
الحوار المتمدن - العدد: 1528 - 2006 / 4 / 22
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

( تصدير:
"أحرقت لوني ولغاتي
وابتدعت من عصيّ المجيء
أحجيتي"
الشاعرة وفاء العمراني)



الابداع الذي لا يترك أثرا لا يحقق تساؤلات حول الوجود، لايعيش حداثة ما من حيث كونه لا يعمق وشيجة المعاني بين النص والقارئ.
إن النص الابداعي يخفي آليات تفكيكه عن المتلقي ويبحث باستمرار عن قارئه خارج منظومة التمثلات الواضحة التي قد تحدث انزياحات في المعنى الذي ينتجه النص لذاته.
ولا شك أن الوحدة العضوية على المستوى الدرامي للعشق والتي تنتجها الملحمة العشقية للشاعر نور الدين محقق تتجلى في دواوينه الالكترونية الثلاث المنشورة بموقع اتحاد كتاب الأنترنت العرب:
http://www.arab-ewriters.com/?action=writers&&id=137&&content=lib

1- أوراق العشق
2- كتاب الحب
3- ترجمان الأشواق
إن الانغراس في الفضاء الشعري لنور الدين محقق يفرض على القارئ نوعا من الاندماج في البنية المفهومية للصورة الشعرية ووصلة الخيال وأيقوناته داخل النص ، فلا حياة للأيقون الأخرس بهذه المدونة العشقية.
هل يمكن اعتبار أن كل واحد من الدواوين الثلاثة يبني عالمه في عزلة عن الآخر؟
هل يكتفي كل ديوان بذاته ويعمل على تجميد الوحدات الدلالية التي تربطه بالديوان الآخر؟
هل تنفتح معاني المدونة على المعاني المُحتضنة من طرف اللغة التي تفكر وتحس إحساساتها الخاصة بالموازاة مع الشاعر؟
هل يمكن اعتبار نمط الانتاج الشعري عند نور الدين محقق يتأسس على وجود خطاطة أو خلفية مُفترضة ينتجها القارئ للمدونة العشقية؟
هي الأسئلة منفتحة والقراءة هاهنا عاشقة تشتهي الأثر الأدبي وتتجاوز في هذا العشق الفرضيات الخاصة بالقراءة وتدفع بالنقد نحو " مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية" امبرطو إيكو.
يعيش "المذكر" على هامش انتشائه ب "أنت" المؤنثة .. على مشارف لغة حالمة بالواحد ضمن تعددية الآخر التي تقطن "الأنا" التي تعبر عن مركزيتها التواقة إلى تسريد المشهد الانساني شعريا.
الاهداءات أو فتح الممكنات:
ـــــــــــــــــــــــــ
يشكل الاهداء عند نور الدين محقق فتح الذات على الانسجام الداخلي للنص، حيث الإنصات إلى نفس الذات التي تحاول من أفق التخييل الخضوع لاحتمالات النص.
في ديوان ترجمان الأشواق يتم الاهداء على شكل تقديم يجمع كل الممكنات الدلالية في "مدح النساء" وينير بذلك الحقل الثقافي لكوامنه الشعرية وحصر السياقات في التصور العام لامرأة "مثال" تتداخل في انتاجها عناصر كثيرة تعلن عن وظيفتها في ذات الشاعر.
إن المتن الشعري عند نور الدين محقق يؤسس لجغرافيا عشق تستنفذه الجزئيات ويستبيحه التعميم وفق استراتيجية الشاعر العشقية حينما تستدرجه نكهة الاهداء لينسج منها أشرعة تتبدى في أثونها معالم العرض الثقافي للإهداء " لكل بنات حواء من لندن إلى صنعاء" أو عندما يقول " ولكل جميلات العالم من الدار البيضاء إلى هارلم".

أوراق العشق أو عندما يأتي الاسم جريحا :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن أسماء النساء داخل هذا الديوان تتآلف بشكل عضوي وتسرج أحصنة النداء على الأنثى لتدل على اختلاف المصدر الثقافي بين الاسم العربي (آمال، حادة ، جميلة ، عائشة ، وحيدة ، ليلى، هالة ، فريدة ، كوثر ، قطر الندى، نوار، فيروز ، يسرا) والاسم الغربي (لوليتا ، سوزان، كريستي، فرانسواز، فيرجينيا، )، بالرغم من الجذع العشقي المشترك والذي يعمل على تحريك مجال البوح ويغذي الامتلاء الشعري عند الشاعر.
يقول في قصيدة آمال:
"هل أحببتك
اليوم...
عن طريق الوهم
و تموجات الخيالْ
أم أحببت فيك
فقط.....
ثورة الأنثى
و هي تتحدى
مثل أحلى القطط"

تتعمق هنا مع الشاعر انجراحية الوحدات الكامنة في لاشعور الاسم العربي الذي لا يخون استيعابه للجهاز الأديولوجي الذي تمخضت عنه الحياة الثقافية للنساء، ففي قصيدة "حادة" يتم اسف الشاعر على أفق التوقعات الحالمة التي تنخرط فيها الأنثى لإنتاج نفس الحقول المعرفية التي ساهمت في تحميل العشق اهتراءه الدائم في اتجاه نشوة مستعصية تخرج من دائرة جسد أنثوي معتق بالصور الجاهزة عن الأنوثة وخاصة عن امرأة تتجمل على حافة السرير.
يقول الشاعر (قصيدة حادة)
"حين تجلس
في بيتها
ترتدي أجمل لبس
و تفتح صندوق
الموسيقى
و على نغمات
أحواش
ترقص في ارتعاش
يذيب الجسد
و يشعل الرغبة
في المرآة
حيث لا أحد
يوجد في داخلها
فيا للأسف !"

يلف الأنثى تحت الاسم العربي فضاء متوتر كمحور يغطي بياضات المعنى في سجل النساء،
فحتى المرآة لا تعكس عشق هذه الأنثى لذاتها وكأن ذلك التحقق يستدعي الامتلاك المزدوج للأنت المؤنثة من طرف الذات المذكرة ، بعكس ما يطرحه التوازن الداخلي للإسم الغربي الذي يتحكم ثقافيا في انتاج محور توتر مغاير حيث الأنثى تحت الاسم الغربي متحكمة في المضامين التي تخرجها من المفعولية إلى " الفاعلية" ،يقول الشاعر في قصيدة "لوليتا" وهو يستوحي صورة الأنثى من امتدادها العميق في ثقافة غربية تبني وظيفة الأنثى ضمن البناء العام للديموقراطية كأفق محدّد لكل مسار تأويلي، يقول:
" و تقول الشعر
أيضا.
تمتطي الفرس
وتركب السيارة
و تمشي راجلة
أيضا.
تغمز بعينيها
و تقبل بفمها
و تضحك بأسنان
بيضاء
أيضا."

ثم يقول في قصيدة " سوزان"
"هي مثلي
من برج الميزان
تكتب الشعر
و ترسم في الليل
أعشاشا لعصافير
زاهية الألوان"

تتحدد في ديوان أوراق العشق لنور الدين محقق صور ثقافية متعددة للمرأة العربية التي يتحدث عنها النسق الثقافي كجسد مغر يحمل طاقته الاغوائية باعتباره كائن في عزلته الوجودية لا يعيش لذاته بل يتحقق وجوده من خلال الآخر "الذكر"، يقول الشاعر في قصيدة عائشة:
"لا تعيش
أبدا إلا لنفسها
قد تضحي
إن هي أحبت
بليلة عرسها
و تمضي هاربة
صحبة الحبيبْ"

وقد لا تختلف صورة "جميلة" في المخيال الجمعي العربي وإن وصفها الشاعر بخصوصية انفرادها بولادة خارج النسق الثقافي، فهي لم تولد مثل غيرها من النساء باكية إلا انها لم تفلت من دائرة الأنثى التي تحمل نفس التجربة الغزلية التي تنمطت في الشعر العربي قديمه وحديثه يقول :
"و حين رايتها وحيدة
تمشي
ارتعش رمشي
امام عينيها
فضحكت مني
و اتهمت عيني
بقلة الحياءْ
و مضت تجري
صوب الساقية
يالها من أنثى
عذبة المذاق "

هذه الصورة تختلف كليا عن صورة "لوليتا" التي يستحضرها الشاعر كمشهد جنسي متحرر تحمل جسدا عاما لا يحلم بعذرية ما، مستسلمة لغزل يتضمن زمنا مفتوحا على شهوة كاملة تشدها اللغة واللحظة الشعرية المتنوعة نحو إغراء مستدام للآخر.

" تغمز بعينيها
و تقبل بفمها
و تضحك بأسنان
بيضاء
أيضا."
يحمٍّل نور الدين محقق في ديوان "أوراق العشق" مسرح أحداث عشقية موروثة لا تقبل بالتعهر الأنثوي ويرفض الحب وفق ماهية خارج المعالم المرسومة في ذاكرة العشق العذري المندفن عميقا في المرجعية الثقافية اللاواعية للحب المنبهر بالآخر ، وقد سبق للشاعر أن صرح في بيانه الشعري أنه على الشعر " أن يمارس إبهارا للذات أولا وللآخر ثانيا، حتى وهو يتدثر بالاوعي" .
فعند استحضار الأنثى ذات الاسم الغربي بالديوان نجد نفس خضوعها للتمثلات التي سكنت وتسكن المخيال العربي ولو خارج الوجود المادي للأنثى ذاتها ، ولذلك يبوح الشاعر في طي الورقة المضمرة لعشق ينتشي باحتلاله الحيز المفاهيمي للغرام خارج الأسماء ، وذلك ما جعله يفكك اسم " لو..لي.. تا " وكأن القضية العشقية عنده تختصر المسافة التاريخية للعشق في أنثى "مثال" تحس بكينونتها كذات متعددة في المعنى الواحد والذي يرهن سيكولوجية الذكر العربي .
يقول :
" لكنها حين تكون
في بيتها
تستحضر صورتي
و تبكي...
مثل جميع النساء
تلك هي حبيبتي
في الزمن الأول
لو..لي..تا "
أخيرا : يرتكز البعد العاطفي في ديوان "أوراق العشق" على بعد الأمكنة كمحطة تُمَرْكِز زمن العشق عند نور الدين محقق لتبدأ من مسقط رأسه " الدار البيضاء" كما في إهدائه الذي يقول فيه " إلى كل جميلات العالم ...من الدار البيضاء إلى هارلم" ولتعود إلى نفس نقطة الانطلاق كما في إهداء ديوان "ترجمان الأشواق" حيث يقول " سجل في مدح النساء ..من نيويورك إلى الدار البيضاء" .

Partager cet article
Repost0
23 novembre 2010 2 23 /11 /novembre /2010 23:06
أنثى موزعة الحقيقة بين الجاهلية والإسلام

عبد النور إدريس

 

□لقد حازت المرأة على اهتمام التشريع الإسلامي، فقد تطرق القرآن الكريم للكثير من شؤونها وبالعديد من السور التي بلغت عشر سور هي : سورة النساء ، الطلاق، البقرة ، المائدة ، النور، الأحزاب، المجادلة ، الممتحنة والتحريم.
إن هذه العناية تدل بقوة على المكانة التي تحظى بها المرأة في التشريع الإسلامي ، فقد أعلى الإسلام من قدرها في مجتمع كان يستعبدها ويئدها فرد لها الحق في الحياة وأقر لها حقوقا لم يكن يستسيغها المجتمع الجاهلي قبلا.

1-1- المرأة و العصر الجاهلي.
1-1- وأد الجاهلية.
إن المرأة في العصر الجاهلي كانت مسلوبة الحقوق الأساسية ، كحقها في الحياة كأنثى ، فقد كان الأب أنداك يئد ابنته عقب ولادتها مباشرة اقتداء بالأعراف القبلية السائدة وخاصة تغلغل المنظور اليهودي للمرأة وخاصة الجاهلي الذي دأب على وأد البنات الشيء الذي يجعل هذا المجتمع ومن خلال انغلاق تفتحه الحضاري يعبر عن هذا التغلغل للإسرائيليات كخلفية ثقافية سائدة تتناسل في وعينا الفقهي والتي جعلت من المرأة حريما مرتبطا بالدنَس والعار وفضاء الاحتشام وقد أجازت اليهودية كديانة انتشار هذا المعطى محملا بقيم محلية جاهلية حيث ذاعت المعتقدات التي خضعت لعملية التأثر والتأثير بين الإسلام والديانات السابقة" فمن المعروف أن اليهود الذين اعتنقوا الإسلام مزجوا بين التراث اللاهوتي اليهودي، وبين العقيدة الإسلامية، واتضح هذا المزج في لجوء المسلمين لإخوانهم المسلمين – الذين كانوا يهودا منهم- في تفسير كثير من القصص القرآني" (1) ، ومن المرجعيات الدينية لظاهرة الوأد الجاهلية ما جاء في سفر التكوين أن اليهودي، «يملك على أولاده حق الموت والحياة، يقتلهم إذا شاء أو يقدمهم قربانا للرب"(2).
وصف القرآن الوضعية الكارثية التي كانت تعيشها المرأة قبل نزول الوحي، وخاصة منذ تلقي عائلتها نبأ ولادتها كما جاء ذلك بسورة النحل حيث قال تعالى:﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ (النحل الآية 58-59.).
إن هذه التلاوين التي تُصبغ بها عواطف الأب الجاهلي من هذه "البُشرى" تعكس وظيفة الأنثى داخل الهرم القبلي الجاهلي وبالتالي تجسيدها لتدهور القيم الخاصة لقبيلتها(3) يقول د.محمد بلتاجي " كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقتل عن القبيلة، ويراها مصدرا لجلب العار له حين تُؤسر من العدو فيفترشها آسرها عنوة واقتدارا أو طواعية واختيارا، فيعير الأب وقبيلته بها" (4) .
، وقد انقسم الوأد إلى :
- 1- وأد الفقر:
ويشكل رغبة الجاهلي في التخلص من عبء تربية أبنائه ذكورا وإناثا بدون تخصيص جنس الموؤود.
- 2- وأد العار:
وكان يقتصر على وأد البنات الذي كانت تمارسه القبائل البارزة بالجزيرة العربية، كربيعة وكندة وطيء وتميم.
- 3- الوأد الميثولوجي:
وهو مرتبط باعتقادهم أن البنت رجس من خلق الشيطان ، فالأنثى مخلوق مدنس وهو باعتباره منظومة خرق يصنف في العقلية الجاهلية ضمن المبعدات حيث يرى الجاهلي أن واجبه الديني يدفعه للتخلص من الأنثى وتقديمها للآلهة كقربان حتى يُمنح ديمومة بقاء واستمرار النظام الثقافي الآمن.
نلاحظ أنه في حالات الوأد الثلاث تكون الأنثى هي الضحية وبذلك فقد حرك القرآن الكريم الشعور بالذنب لدى المسلم عندما قال : ﴿وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قتلت ﴾ (سور التكوير الآية 8-9)، وبذلك حرك الإسلام القيم الايجابية في المجتمع اتجاه الأنثى فمنحها الحق في الحياة باعتبارها مخلوقا يتساوى مع الذكر من حيث قدسية الجنس البشري حيث يتكفل الله خالق الأنثى برزق مخلوقاته يقول ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .إن قتلهم كان خطأ كبيرا ﴾ ( سورة الإسراء الآية 31.)، كما جاء في سورة الأنعام الآية 151، ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ﴾ .
1-2- أنكحة الجاهلية:
وقد تعيش الأنثى نفس الوأد على المستوى المعنوي فتصبح مخلوقا للمتعة والخدمة وإنجاب الأطفال ، فقد كان عرب الجاهلية يشيئون المرأة في نظام أنكحتهم المتعدد والذي جاء على الشكل التالي:
- 1- نكاح الاستبضاع : فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت " كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه .ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه .فإذا تبين حملها أًصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد".
- 2- نكاح المشاع أو ما يسمى بنكاح الرهط:
لقد كان من عادة بعض القبائل العربية أن يشترك رهط من الرجال في زوجة واحدة ، ولقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها قولها :" كان يجتمع الرهط دون العشرة ، فيدخلون على المرأة فيصيبونها.فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم ، فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع .فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل" .
- 3- نكاح البُعولة: وفيه يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
- 4- نكاح البغي ونكاح المتعة: وهو نكاح مؤقت بالنقود أو شيء ما يدفع للمرأة ويحدد زمن نهايته.
- 5- نكاح البدل: ويتبادل فيه رجلان امرأتيهما فيقول الواحد لآخر، انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي.
- 6- نكاح الضغينة: ويتعلق بالسبايا من النساء فالرجل إن سبى امرأة له أن يتزوجها إن شاء.
- 7- نكاح المقت ويسمى كذلك نكاح الضيزن : وهو أن يرث الابن زوجة أبيه فيتزوجها أو يجمع بين الأختين في آن واحد.
- 8- نكاح الخذان : وهو معاشرة المرأة لغير زوجها سرا ، وقد تحدث الإسلام عن متخذات الأخذان ونهى عنه بإقراره لعقوبة الرجم للمحصنة كما نادت به اليهودية القديمة.
- 9- نكاح الشغار:
وهو أن يتزوج رجل أخت رجل آخر مقابل أن يتزوج الثاني أخت الأول.
لقد عالج الإسلام هذه الأنكحة بإلغائها عبر آيات كثيرة ، ولما جاء بمفهوم يصف فيه الرجل بكونه بعلا فقد أبقى على نكاح البعولة الذي يجسد مطلقية الطاعة التي تكنها المرأة لرب بيتها حتى أن الكون الرباني يستاء من خروجها عن طاعته من ذلك " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح " ( بخاري ج 7 ص: 39).
إن نظام الأنكحة الجاهلي يشيِّء المرأة ويجعلها جسدا للمتعة والإخصاب بدون كرامة من جهة ، ويضيع معه صفاء الأنساب من جهة أخرى، فالمرأة لم تلق تكريما يتعلق بانتمائها إلى جنس النساء ، فالوضع الاجتماعي والاعتباري للمرأة في العصر الجاهلي كان سيئا للغاية " فهي محرومة من كثير من حقوقها الأساسية ، ولا تلقى أي نوع من أنواع الإكبار أو التكريم ..وإذا حدث ولقيت شيئا من التكريم عند زوجها ، فإن ذلك لا يحدث إلا لأنها أم لابنه الذي يحبه، أو لأنها ابنة واحد من علِّية القوم " (5).
أما الحماية التي كانت تتمتع بها من قبل الذكور المحيطين بها (الأب، الزوج ، الأخ و الابن) فهي تتساوى مع الحماية التي تلقاها فرسته وبئره ومرعاه.
وقد يتبين لنا مستوى المكانة التي وضع فيها الإسلام المرأة من خلال استقصاء وضعيتها الاجتماعية قبل مجيء الوحي.
- فما هو جديد وضعية المرأة في الإسلام؟
2- جديد وضعية المرأة مع مجيء الإسلام.
مع حلول الإسلام بالجزيرة العربية حازت المرأة جملة من الحقوق المادية والمعنوية : منها الحقوق الإنسانية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية كما تلقت واجباتها التي تتناسب مع الحقوق المعطاة، ولهذا " فالمؤسسات التي هدمها الإسلام ، لم تكن تنسجم مع المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية كالوأد والعضل والقسامة والظهار والإيلاء وحرمان المرأة من الإرث " (6)
2-1- الحقوق الإنسانية .
لقد جعل الإسلام المرأة شريكة للرجل ، فأقر سبحانه بوحدة المصدر المشترك بين الرجال والنساء وبذلك دخلت المرأة دائرة المقدس الرباني وخرجت من دائرة المدنس الاجتماعي يقول تعالى ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء﴾ (سورة النساء الآية 1) ويقول كذلك ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾
(سورة الحجرات الآية: 13).
إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195)
وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282.)
وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقراروالغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.
أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.
2-2- الحقوق المادية .
ينكر البعض على الإسلام في مادة الميراث جعل حظ الرجل يساوي حظ الأنثيين وهذا تحد كبير في مجتمع جاهلي تقتضي تقاليده وأعرافه حرمان المرأة من الميراث واقتصار ذلك على المحاربين من الرجال ، بل وتصل المرأة في هذا المجتمع إلى حد أن تصبح إرثا بحد ذاتها، فجاء الإسلام ليقر هذا الحق في قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (سورة النساء الآية 7.) ، وقد فصل القرآن في سورة النساء الآية :11،واجب الأنثى من الإرث بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ، فعندما أقر الإسلام نفقة الزوجة وجعلها من واجبات الرجل الذي يرث حقا كاملا يعتبر بذلك حظ المرأة مضاعفا بهذا الإنفاق المفروض من جهة الزوج ومن جهة الأب أو الأخ أو العم إذا لم تتزوج وبذلك تكون هذه الوضعية غير مرتبطة بالنقص في إنسانية المرأة ولا يجعل المرأة بتاتا في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل وهو الذي أحاط المرأة بالرعاية فضمن لها حياة اقتصادية مستقرة حيث أخلى ذمتها من أي عبء من الأعباء الاقتصادية لمعيشتها هي أو لغيرها ، فجعل نفقتها على أصولها أوزوجها أو فروعها أو أقربائها في جميع ما تحتاج إليه بالمعروف ﴿ لينفق ذو سعة من سعته﴾ (سورة الطلاق الآية 7.)، وكذلك الآية ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تُضاروهن لتضيِّقوا عليهن ﴾ (سورة الطلاق الآية 6.)وفي سورة البقرة الآية 233، يقول : ﴿ وعلى المولودِ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ كما لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من مما أعطاه لزوجته كصداق أو مهر كما منعه الإسلام من أخد كلا أو بعضا من مالها الأصيل عملا بقوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاته نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا﴾
(سورة النساء الآية 4.)
لقد قرر الإسلام قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الأحكام، في الحقوق والواجبات في قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾( سورة البقرة، الآية 228.).
2-3- الحق في التعبير والرأي.
حازت المرأة على الحق في طلب العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ، واستمع إلى رأيها لسداده وقرره كمبدأ تشريعي عام، وبذلك تلقت المرأة العلم وأصبحت من المفتيات فيه كما جاء في الآية 34 من سورة الأحزاب ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وتتجلى قمة تساوي الرجل والمرأة في تكليفهم بالوصاية على الدين من حيث وضعه تعالى بيدهما مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في الآية 71 من سورة التوبة ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾ ويُروى عن السيدة عائشة أنها قامت بدور كبير في مجال تلقين الأحكام ومكارم الأخلاق حيث كانت تقضي بين المسلمين في أمور الفقه والحياة. وكان من جراء ذلك أن احترم الإسلام رأي المرأة وأحسن الاستماع إليها كما وقع من رأي الخنساء بنت خذام الأنصارية في حوارها مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي أقر فيه الرسول بأن جعله جزءا من التشريع العام وخاصة وجوب أخذ رأي المخطوبة في شريك حياتها وأخذ رأيها في مسألة زواجها ، فأجابته عليه السلام وقد استخلصت حكما عدّل من تطرف الوصاية في نكاح البعولة عندما قالت ولم ينكر الرسول عليها مقالها " لقد أجزت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء" (7).
كما كان رأي المرأة واضح المعالم في تأويل الآيات حيث اعترضت امرأة خطبة عمر رضي الله عنه حول المغالاة في المهور بأن أرجعته إلى فحوى الآية 20 من سورة النساء : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ فما كان من عمر وإمعانا في احترام رأي المرأة والاقتضاء بمعطياته إلا أن عدل عن رأيه في تحديد المهر وقال " أصابت امرأة، وأخطأ عمر" .
ومما يدل على المكانة المتميزة للمرأة في الإسلام واحترام رأيها ووجهة نظرها ما جرى لهند بنت أبي طالب المكناة بأم هانئ، عندما أجارت عدوا من أعداء المسلمين واحتكامها إلى الرسول (ص) عندما امتنعت من تسليمه لعلي ابن أبي طالب فقال لها الرسول : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" .
إن الإسلام قد جعل المرأة تعبر عن رأيها بكل حرية ومسؤولية وما كان من تدخلاتها إلا أن تمت الاستجابة لها مما يدل على معرفتها بأصول التشريع من معرفة دقيقة بتفسير النصوص الدينية وأحكامها، الشيء الذي جعلها تدافع عن حقوقها وحقوق بنات جنسها ، ويكفي دليلا على ذلك حسّها النقدي الذي نظرت فيه أسماء بنت يزيد الأنصارية إقصاء المرأة من جملة الإثابات الإلهية عكس الرجل الذي يتحدث الإسلام عن جزاءاته الكثيرة وفقا لمشاركته العديدة في الحياة العامة ، فقد جاءت ممثلة عن النساء فعرضت وضعية المرأة على أنظار الرسول بكل دقة وبلاغة اندهش لها جميع حضور مجلس الرسول (ص) عندما قالت " ... أنا وافدة النساء إليك، إن الله قد بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، حاملات أولادكم، وأنتم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا حفضنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في الأجر والثواب.." .
لقد كانت إجابة الرسول الكريم تجعل طاعة المرأة لزوجها في مقابل كل أنشطة الرجل التعبدية حيث قال " افهمي أيتها المرأة ، واعلمي من خلفك، أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته، يعدُل كل ذلك".
يظهر من هذا الرد أن التشريع الإسلامي يضع للمسلمة وضعيتين من حيث الأجر والثواب ، الوضعية الأولى تشمل الأنثى بكامل البراءة وهي ما تزال في حضن أبيها ، بينما تنتقل بها الوضعية الثانية إلى بيت الزوجية وهي الوضعية التي تحوز فيها الزوجة على مرضاة الله وثوابه ، فطاعة الزوج هنا من طاعة الله وقد جاء في صحيح البخاري ج7 ص: 39. " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" و " إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (رواه الترمذي والنسائي) إن إباحة خرق التعاليم الدينية في سبيل طاعة الزوجة لا يوازيه إلا رغبة الشريعة في إقرار ربوبية أرضية للرجل .
ثم إن المسلمات بعد ذلك لم ترضخن لهذا الحكم فقد طالبن الرسول بإلحاح بعد ذلك بالخروج إلى الجهاد مع أزواجهن للتمريض وسقي الظمأى ثم طالبن بالخروج إلى المساجد حيث قال النبي ردا على طلبهن " لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله".
كما طالبت النساء بالمشاركة في الحياة العامة بحضور الأعياد فاستجاب الرسول (ص) يقوله" دعوا العواتق وذوات الخدور يشهدن الأعياد " وتأتي طلبات النساء تباعا في حياة الرسول في إطار سعيهم للتحرر من عبودية الرجل واستغلالهن حيث كان الأسياد يكرهون الإماء على البغاء إلى أن جاءت (سورة النور الآية: 33) لتصحيح الوضع بقوله تعالى" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء"، وما حدث مع زوجة سعد بن الربيع وأم كحة في مطالبتهن بحقهن في الميراث ، فما تحيلنا عليه زوجة سعد يدل بعمق على معرفة متفحصة لأحوال مجتمعها وبرغبة الرجل العربي ومرغِّباته في الزواج وتركيزه على يسرها حيث قالت " هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ول تنكحان إلا ولهما مال " تفسير الجلالين ص: 198.
لقد كان هاجس الثواب هو المحرك الأساسي لتحرك المرأة في اتجاه تحررها من عبودية العبد باعتبار أن الله عز وجل لا يجعل واسطة في التقرب إليه وعبادته ، فغيَّرت من الصورة التي وسمها بها العصر الجاهلي ، ويكفي للتدليل على استحكام هذا الهاجس في معركتها ضد معنى قوامة الرجل والوضعية الدونية لها في قول إحداهن للرسول " يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إذا عملت المرأة حسنة كُتبت لها نصف حسنة؟" .

الهوامش


1- د.نصر حامد أبو زيد" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة" ص: 18.
2- سفر التكوين الإصحاح 42 الآية 37.
3 - أنظر(ي) كتابنا" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."مطبعة وراقة سجلماسة ،مكناس الطبعة الأولى شتنبر 2004، ص:115
4- -" مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة"- حقوق السياسية والاجتماعية والشخصية للمرأة في المجتمع الإسلامي-، د.محمد بلتاجي ،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة مصر،الطبعة الأولى 2000.
5 - د.عبد الباسط محمد حسن ، مجلة عالم الفكر ،المجلد السابع، العدد الأول أبريل 1976.
6- زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990
7 - "المبسوط في الفقه" للسرخسي ،مطبعة السعادة، القاهرة،سنة 1324ه- 1903م الجزء الخامس

 

Partager cet article
Repost0
23 novembre 2010 2 23 /11 /novembre /2010 22:10

الجسد بين فينومينولوجيا ميرلوبونتي وسيميولوجيا رولان بارت

بقلم الباحث عبد النور إدريس

تطرق ميرلو بونتي في آخر كتاب له "العين والروح" – 1960- إلى العديد من الأسئلة التي كانت حاضرة في كتابه فينومينولوجيا الإدراك" 1945- phénoménologie de la perception، وهي نفس النظرة التي تتطرق إلى الرؤية والعلاقة التضادية بين الموضوع والشيء المتواجهيْن كمكونين مختلفين، مع استحضار بعدهما من خلال الرؤية التي تحدد هوية كل من الجسد والعالم في تمازجهما ليصبحا واحدا مركبا : جسد- عالم، وبذلك يصبح الجسد غير مستغني عن العالم وبدوره يصبح العالم منصهرا كليا في الجسد،يقول: " وتجربة الجسد تصبح هنا تجربة اللاقطيعة بين الأشياء والأنا". فاللغز الذي يتمحور حوله فكر ميرلو بونتي يجعل الجسد من جهة ناظرا، ومن جهة أخرى منظورا إليه، فهو الجسد الذي يتطلع إلى كل الأشياء ومن خلال النظر إليها يتعرف على الجهة الأخرى في قوتها الناظرة. اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي-

فكيف يمكن للروح أن تدرك معنى العلامة ؟
- كيف للآخر بكل الاختلاف الذي يشكله أن يكون مرآة للأنا ؟
إن الآخر عندما يُختزل في نظرة الآخر إليه ترتسم إذاك العلاقة الفينومينولوجية بين الآخر كجزء من كل والكل كجسد خارجي، فتعدد النظر إلى الجسد من الآخر (آخرين) تحدده في استمراره كجسد سوسيولوجي ومن ذلك يبتعد الفضاء عن حدود كونه واقعا منطقيا لمناولة الأشياء وإدراكها بل يبقى الوسيلة التي تتحقق بها تموضعات الأشياء.
ولقد تطرق لوكر يسLucrèce (99-55 av.jc) في كتابه De la nature إلى العلاقة بين الجسد والروح التي تلعب بدورها دور الحارس والحامي للجسد ولا يمكن التفريق بينهما بدون تدميرهما. قد تكونا منصهرتين منذ لحظة نشأتهما ليعيشا قدرا واحدا وإدراكا مشتركا، ففي اتحادهما عند لوكريس وحركتهما يشتعل بداخل الإنسان توهج الحياة. فالجسد يُحرم من الإحساسات إذا تعطلت الروح. وانتهى Lucrèce بوضع فرضية لا تخلو من إدانة للجسد باعتباره قاصرا عن إدراك جوهر الشيء في ذاته عندما صرح بأن الجسد هو وسيلة فقط لعبور الأحاسيس فالروح تجد صعوبة في نقل تلك الأحاسيس ومن ثم افترض "أن الروح ممكن أن ترى جيدا لو تخلصت من العينين وتلك المنافذ التي تشوش عليها.
وقد عاد ميرلو بونتي في كتابه فينومينولوجيا الإدراك إلى طرح السؤال على وجودنا وقد قسمه إلى الشيء والوعي فاعتبر أن هناك معنيين فقط لكلمة وجود " exister " فقال بتواجده كشيء أو كوعي وجعل من تجربة الجسد الخالص هي من يبوح لنا بشكل الوجود المتعدد في معناه. والجسد الخالص بالنسبة لميرلو بونتي في كتابه الأخير الظاهر والمختفي (le visible et l’invisible) 1964- ليس فكرة لوعي دائم وليس شيئا ماديا ولكنه منبع إحساسات دائمة، ويعتبر الظاهر والمختفي فلسفة للكائن الخام، كثافة المادة الجسدية التي تجعله يرى الأشياء ويقترب منها ولكنه لا يتماهى معها وهذه المادة la chaire عند ميرلو بونتي ليست ذات الطابع المادي بل هي " تقوقع المنظور على الجسد الرائي، هي ما نلمسه فوق الجسد الملموس (...) la chaire ( التي للعالم أو لي ) ليست اعتباطية، عمياء لكن نسيجية ترجع لذاتها وتدعو لنفسها "
وبحسب ما طرح ميرلو بونتي من خلاصات حول التصور الفينومينولوجي، هناك قوله بجسد للروح وهناك روح للجسد وهناك " الشيازم" le chiasme التي تعني عنده " تحديد الروح بمثابة الجهة الأخرى للجسد " والجهة الأخرى تعني لديه أن الجسد غير قابل للوصف وهو جهة أخرى حقيقية التي يختبئ فيها. فبما أن للجسد جهة أخرى غير قابلة للوصف بالمعنى الموضوعي فهذه الجهة هي الجهة الأخرى للجسد.
بينما ميز رولان بارت ما بين العلاقة الحقيقية للجسد وما بين الشكل الذاتي له حيث قال " العلاقة البشرية هي أن جسد الآخر عندي ودوما صورة لأجلي، وجسدي دوما صورة من أجل الآخر، لكن ماهو أكثر وضوحا وأكثر أهمية هو أن جسدي بالنسبة لي شخصيا الصورة التي اعتقد أنها بحوزة الآخر عن هذا الجسد" (1).
إن الصور الشيطانية التي تحيد بالأجساد وتشوه مظهرها عن طريق الحب أو الغضب جعلت رولان بارت يمركز الإشكالية حول خصائص تلك الصور التي تصبح من المعطيات المباشرة بمجرد وضع السؤال حول الجسد. فالصورة تضع نفسها في رحاب النظر أو في تظاهرة جسدية لفكرة ما، فحيث هناك جسد هناك دائما استعراض ممكن للجسد الذي يحتوي على جانب فيزيائي ذو فضاء محدود.
هذا الفضاء قد يتعلق بالأساس بكل ماهو سيميولوجي من حيث أنه لا توجد هناك مثالية في الجسد يمكن أن تعادل مثالية الأعداد أو القيم. فالجسـد من خلال هذا المعطى يحيلنا مباشرة إلى المعطى الامبريقي ومن هنا " فالجسد المثال ليس دائما هو الجسد الحقيقي" (2 ).
رغم ذلك يبقى الإنسان متشبثا بالبعد المتأصل للجسد الخالص لكل واحد منا، ومن ثم يبقى قبل كل شيء جسدا حقيقيا مع الصور الحقيقية التي يعطيها عن نفسه والتي يعطيها لنفسه أمام الآخرين.
فحيث لا أحد يدرك جسده بشكل موضوعي فكل جسد هو بالضرورة عجائبي Fantasmé، ويبقى الخطاب النفسي- التحليلي هو الكفيل بتشخيص الأبعاد المعرفية التي تجعل الإنسان يختلف جسديا ضد طبيعة الأشياء الواقعية الممنوحة من طرف الطبيعة. فالجسد بذلك أصبح لعبة سوسيولوجية ذات وظيفة متخيلة، لمضاعفة أوجه مستنسخة من الصورة الاجتماعية المتجددة في جسد المجتمع، وهي سلسلة الصور التي كان من المفروض أن تبقى في الملكية الخاصة لكل جسد، ومن هنا نستخلص أن النموذج المثالي للجسد هو الذي يعزل باستمرار كل الاختلافات حول طبيعته إلى حدود التحييد الشامل للإخلاف الجنسي. وإذ تُعدِّد الحضارة من صورها حول الجسد ترسخ جسدا معينا مملوءا بالصحة والشباب وهي استيهامات تأبيد صورة جسد تصنع منه فخا للمتلقي في رغبة ليست له، ولهذا نعرف مع رولان بارت أننا عبر صورة الجسد لا نملك سوى ضعفنا.


الهوامش
1- Bruno Huisman/ Francois Ribes « les philosophes et le corps,Dunod, paris, 1992, p, 311

2 - Ibid, p :312.



عبد النور إدريس
عن موقع إيلاف>> ثقافات>> عالم الأدب

الإثنين 31 أكتوبر GMT 17:00:00 2005



Partager cet article
Repost0
5 juillet 2009 7 05 /07 /juillet /2009 11:43

من ملف العدد الثاني:

 

المرأة في بواكير الرواية العربية

 

                                                          بقلم: د السيد نجم

 

مع طلائع القرن الماضي (القرن العشرين) ومع بواكير الاتصال الثقافي مع الغرب، أصبحت المرأة قضية/مجموعة قضايا مصاحبة ومعبرة عن قضايا الوطن كله.. والمتابع لما كتب حول تحرير المرأة من مقالات وغيرها تتجلى له "المرأة" وكأنها تعبير عن قضايا الأمة كلها فى سعيها الى التحرر والبناء الجديد.

لقد طالب "رفاعة الطهطاوي" بتعليم المرأة ووجد السند والتأييد من الشيخ "محمد عبده" وغيره من المتنورين. كما طالب "قاسم أمين" وآخرون بالسفور حتى نجحت "هدى شعراوي" بتشكيل اتحاد نسائي اتجه الى العمل الاجتماعي العام.. ثم كانت المرأة فى التعليم العام والجامعة والمشاركة فى الحياة العامة، وحتى عملت فى قطاعات الحياة العملية المختلفة.

وفى الإبداع الأدبي (خصوصا الرواية) حظيت "المرأة" على اهتمام الروائيين, إلا أن التوقف أمام أشكال تلك التناولات لم يلق الاهتمام الواجب, إلا من خلال الفحص العام للعمل الروائي نفسه, وليس بالنظر البانورامي المكثف عليها وحدها. ذلك من خلال سؤالين:

"كيف تعامل الروائي مع فكرة توظيف "المرأة" في أعماله؟"

ثم "كيف بدت المرأة في بواكير الأعمال الروائية العربية؟"

.. يبدو أن الروائي العربي وجد في "المرأة" قناعا يتخفى خلفه لعرض أفكاره تارة، ولجذب القراء تارة، وللتمثل بالرواية الغربية تارة ثالثة، وفى كل الأحوال لم تكن "المرأة" فاعلة في غالبية تلك الروايات المبكرة من هذا الجنس الجديد الوافد من بلاد الغرب.. (مع قناعة بوجود بذور سردية للرواية بالنثر العربي، إلا أنه لم يكن على مواصفات وخصائص "الفورم" أو الشكل الروائي الوافد بعنفوان وفتوة)

لقد تبدت "المرأة في تلك الروايات المبكرة على عدة أشكال:

أولا.. من خلال العنوان.

*هناك كثر من كتاب الرواية يعد مغرما بإطلاق اسم امرأة على أغلب أعماله الروائية, مثل الكاتب "سليم بطرس البستاني"..الذي كتب: "زنوبيا", " أسماء", " بدور", "سلمى", " سامية".

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة , منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

الطريف أنه بالإحصاء إذا ما ضممنا الاسم الصريح لامرأة أو تلك الأوصاف الدالة عليها بعناوين الروايات التي كتبت في بدايات نشأة جنس الرواية وحتى عام 1949م.. لن تقل نسبة تلك الروايات عن النصف من المجموع الكلى للروايات المنتجة خلال تلك الفترة (تم الإحصاء عن ببليوجرافي الرواية العربية –د.حمدي السكوت 1995م).

*شغلت الرواية بالمرأة على أشكال ودرجات مختلفة, فلما نضجت الرواية في بعض الأعمال الفردية لبعض الروائيين, وكذلك بدت أكثر نضوجا على يد جماعة منهم حتى رسخت كجنس أدبي جديد على العربية (بالنظر إلى الشكل والمفهوم الغربي للرواية).

هناك بعض الروايات في الفترات الأولى للرواية, وربما حتى رواية "زينب", لم تكن أكثر من ترجمات لروايات أجنبية, وخصوصا من الأدب الفرنسي, وبدلا من كتابة ترجمة.. يكتب تأليف وهو المترجم في الحقيقة. تلك الروايات في الغالب يكون عنوانها نسائي. منها باسم أجنبي أو عربي.. باستثناء القليل ومنها "غابة الحق" للكاتب "فرانسيس المراشى".

*كما نالت الشخصيات النسائية التاريخية حيزا من اهتمام الروائيين, فكانت بعض الروايات التاريخية باسمها, منها ما يعتبر اختيارا مناسبا ومنها بهدف جذب القارئ.

بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*يلاحظ الدارس لموضوعات الروايات التي كتبت في البدايات الأولى والى مرحلة طويلة من بعد, غلبة الفكر الأخلاقي, مع إقحام أحكام الوعظ والإرشاد. إذن والموضوع أخلاقي فلابد أن تكون المرأة في حضورها المشوه والمتهمة دائما بأنها لعبة الشيطان.. كما في رواية "مديحة" أو "الشيطان لعبته المرأة".

لا يخلو الأمر من وجود بعض الأعمال (القليلة) التي تجد في المرأة رمزا للوفاء.. كما في روايتين تحديدا, إلا وهما "بثينة" أو "شهيدة الوفاء".. و"دولت" أو "الوفاء الأبدي".

 

*بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة, منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

 

..ثانيا توظيف المرأة من خلال المضمون الروائي

وقد مرت المعالجة الفنية للرواية بتوظيف المرأة على مرحلتين.. توظيف للمرأة (عن وعى وقصدية أو عن غير قصد) هو جعلها رمزا للوطن, فباتت المرأة في العديد من الأعمال الراسخة تعبيرا عن قهر ما أو الرغبة في التحرر من عدو ما, وأحيانا هدفا يلتف حوله الجميع, وتتعدد التناولات الرامزة.

ربما هذا الربط له مبرراته الموضوعية, حيث القرن العشرين هو قرن الاحتلال والتحرر للوطن العربي, ومع تصاعد صيحات الكفاح ضد المحتل, يتبلور التوظيف الرمزي أكثر للمرأة مع اتساق نضوج الكاتب والرواية نفسها كفن جديد. كما جاءت المرأة الرمز مع الوطن حتى بعد التحرر من الأجنبي. وكانت مرحلة الصراعات من أجل حياة أفضل من خلال الصراع الأيديولوجي والتغييرات الاجتماعية الطموحة هنا أو هناك.

لقد عبر الناقد السوري "شاكر مصطفى" في كتابه "القصة في سوريا حتى الحرب العالمية الثانية" عن هذا المدخل ص61 قائلا: "فمع تقدم الطبقة البورجوازية إلى زمام القيادة في المجتمع, تقدمت أيضا مثلها, ومبادئها الاجتماعية, فتطور تكوين الأسرة من الطراز الأبوي ... وظهرت المرأة بعض الظهور... لقد كان الحب خطيئة, فوجد من يدافع عنه, وكانت الحرية فكرة من الأفكار فوجدت السدنة أو الضحايا".

*نماذج روائية:

: رواية "عودة الروح" للكاتب "توفيق الحكيم" عام 1933م من أنضج الأعمال الروائية في حينه.. وكانت "سنية" رمزا شفيفا فنيا لمصر."سنية" فتاة رائعة الجمال.. أحبها الجميع, كل من حولها أحبها, وأعلن عن حبة, كل بطريقته وأفكاره وحيله. و....وفشل الجميع في الوصول إلى قلبها؟! الجميع اكتشف خيبة الأمل في تحقيق مراده, أعلنوا ذلك صراحة لبعضهم البعض .  فتجمعوا من أجل عمل مشترك يتجاوز أزمتهم و يعلون به هم حب سنية.. فاشتركوا معا في أحداث ثورة عام 1919م ضد المحتل الإنجليزي.

بعد الثورة تحرك قلب سنية, اتجه نحو "مصطفى" ممثل الطبقة الوسطى الجديدة, وهو التاجر في مدينة "المحلة".. ونجحت سنية في أن يعدل مصطفى عن فكرة بيع الدكان الذي يملكه لأحد الأجانب (وهو ما حدث و شاع بعد ثورة 1919م), ثم واصل عمله التجاري برضاء الحبيبة.

واضح التوازي والإسقاط معا بين قصص الحب والأحداث اليومية مع كون "سنية" هي مصر,  أو الوطن .

: رواية "زقاق المدق" للكاتب "نجيب محفوظ" عام 1947م, والتي وضعت "محفوظ" بقدم راسخة بين أقرانه ومن سبقوه."حميدة" من حواري القاهرة الفقيرة, فيها من القبح والرذائل ما كان في الحياة الاجتماعية بمصر بعد الحرب العالمية الثانية التي اكتوت البلاد بنارها. بها وفيها سقطت كل الثوابت والقيم بسبب الحرب.

ارتبط بها الحلاق "عباس", وبقيت كل الشخصيات تأكيدا لاكتمال الصورة (ربما صورة المجتمع المصري من خلال مجتمع الحارة), بينما لم تتعلق حميدة بعباس, كان تعلقها  بالسياسي القواد صاحب الملهى الليلي, لم تخرج من الحارة إلا للدخول في عالم فاسد (الملهى). فكان موت عباس العاشق من طرفه فقط مع بقاء حميدة, دليلا على عجز المحاولات الفردية لتخليص الوطن (حميدة). (ربما يكون الكاتب بعرضه هذا يتنبأ بثورة جماعية ويرفض الحلول الفردية, وهو ما قال به الناقد رجاء النقاش في كتابه "أدباء معاصرون" ص71.)   

: رواية "زينب والعرش" للكاتب "فتحي غانم", تعبر عن عدو مختلف, ورمز المرأة الوطن مختلف. كيف لا وقد خرج المحتل , المواجهة أيديولوجية فكرية إذن ؟! "زينب" المرأة الجميلة الطموح, خطط لها الأب قبل وفاته بأن تتزوج أميرا يقدر جمالها. تابعت الأم المهمة, زوجتها من الدبلوماسي بفرنسا, وهو ضعيف الشخصية فحققت معه الثروة ولم تحقق الحب و الاستقرار. على كثرة نزواتها لم تجد الحب والاستقرار إلا مع الصحفي الشاب "يوسف" بكل دلالات البراءة و الشباب المخلص لوطنه.

كما لعبت بقية شخصيات الرواية دورها البارز في تأكيد الجوانب الاجتماعية والسياسية لمصر, من خلال علاقتهم مع "زينب".. هي المحور الرئيسي إذن حتى بالنسبة لعم صالح (غير المثقف).

مع ذلك للكاتب رأي آخر في موضوع رمزية "زينب", يقول في حواره مع الناقد "حسين عيد" المسجل في كتاب" فتحي غانم الحياة والإبداع": " لقد قرأت للأستاذ الطرابيش, حين كتب عن شخصية زينب أنها تمثل مصر... فكما قلت أن العمل الفنى يكتمل بالمتلقي أيضا, ويقول رأيه ويفسره. ولكنى, عندما أكتب الرواية أقصد امرأة من لحم و دم, أما أنها تحولت إلى رمز عند المتلقي.. فهذا أنا لا أقصده مباشرة".

: روايات "ريح الجنوب" و"نهاية الأمس" و"بان الصبح" للروائي "بن هدوقة" الجزائري. ترجع أهميتها في أنها تمثل ثلاث مراحل من كفاح شعب الجزائر من أجل التحرر من المستعمر الفرنسي.. كما تعرض لمراحل التطور الاجتماعي هناك. ماذا عن المرأة إذن وكيف دللت بالرمز؟

"نفيسة" ترفض الزواج من "مالك", لكنها لا تستطيع التعبير أو التصريح بهذا الرفض, ذلك بسبب البناء القيمى في المجتمع والأسرة, فالأب هو السلطة التي تأمر فتطاع مهما كانت النتائج أو الآراء المخالفة.. (في رواية ريح الجنوب)

"نعيمة" تقابل القرار نفسه , من الأب المسيطر , لكنه هذه المرة قرارا بالقتل! يظن الأب أن ابنته حملت سفاحا, بلا أية رغبة أو محاولة للتأكد مما يعتقد قرر قراره. يسحبها من القرية وفى اللحظة الأخيرة تتضح الحقيقة ببراءتها. أما وقد قرر الأب أخيرا أن يعدل من فكرة القتل , قرر قرارا مستبدا آخر, إلا وهو حرمانها من متابعة دراستها بالجامعة. لتبقى المرأة رمزا للاضطهاد والظلم ..( في رواية بان الصبح)

"رقية" تواجه العالم كله, وتشعر بالمقت من الحياة نفسها.. وكيف لا وقد عصفت الحرب بحبها الحقيقي, بزوجها وراعى أسرتها, وعليها أن تتحقق حتى يتحقق لأولادها الحياة الكريمة .. المرأة رمز للمقاومة والصمود أمام الحروب والقسوة بكل أشكالها مع الحفاظ على أبناء الوطن والأجيال الجديدة أو المستقبل.. (في رواية نهاية الأمس )

تلك النماذج المحدودة من الرواية العربية جعلت من المرأة رمزا.. إن عمدا كما هو واضح في البعد الفكري في رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم, وأصبح غير مباشر في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ وذلك لغلبة البعد الاجتماعي على الرواية, أما فتحي غانم فقد رفض تعمد الرمزية في روايته زينب و العرش, ثم جعل بن هدوقة المرأة الضحية وسيلته لاقناع القارئ والوصول إلى أهدافه. وفى كل رمزية الوطن مباشرا كان أو غير مباشر.

*أما المرحلة الثانية لتضمين المرأة فنيا في الرواية العربية، فقد جاءت مع نضح العمل الروائي ورسوخه، مع تعقد المعطيات الفكرية والأيدلوجية وتوظيفها. نلتقط منها علاقة الإنسان العربي مع "الآخر"، وهو ما تجلى بعد الممارسات الواقعية، والاحتكاك العملي بين العربي/ والغربي.. وجل تلك الأعمال الروائي، كتبها روائي عاش في بلاد الغرب طالبا للعلم، أو للعمل الوظيفي بها.

فمنذ بداية انفتاح الإنسان العربي على الحضارة الغربية, و "الآخر" محل البحث والسؤال. فبدا الروائي وكأنه المنوط بالبحث أكثر من غيره مع نضج جنس الرواية بالقرن العشرين. لم يهمل "الآخر" والصراع معه , من حيث هو المستعمر العسكري و السياسي و الثقافي, بل من حيث هو داخلنا يعبث فى عقولنا.. فكانت جملة الأعمال الروائية التي تتصف بالنضج الفني و الفكري معا.

سوف نتخير بعض الأعمال الروائية التي يبدو وكأن كاتبها وضع الآخر أمامه , بعدا فنيا لصياغة روايته. هذا لا يعنى وجود العديد من الروايات غيرها, سواء من الناحية الزمنية وما نشر قبلها..أو بعدها, خصوصا مع أعمال جيل أدباء الستينيات من القرن العشرين, حيث أصبح للآخر دلالة البحث فى الواقع المعاش القريب , ليس ذاك القاطن خلف البحار. بل ومن الناحية التقنية التي سعى البعض فى التمرد على الآخر صاحب الشكل الروائي المميز لذاك الجنس بالبحث عن شكل و تناول بديل كما فى الروايات التي اتخذت من التراث النثري العربي إطارا لبث الأفكار المختارة الجديدة.. وغير ذلك من الجوانب.

.. وعلى الجانب الأكثر بعدا عن التناول المباشر للعمل الروائي، ترى كيف بدت "المرأة" في تلك الأعمال، من خلال تناول بعد فكرى/أيديولوجي/وربما نقدي ما؟

لتكن الرؤية المختارة هنا "دور المرأة مع الرؤية للآخر في الرواية العربية"..

أولا: الآخر.. في عقولنا. (رواية قنديل أم هاشم/ يحيى حقي)

تعد تلك الرواية من أولى الروايات الناضجة فنيا, التي جعلت من الآخر هما يجب البحث فى حقيقته. وقد أصبحت مصر والعالم العربي على أعتاب معطيات ومفاهيم جديدة, نظرا للتوجه العام والخاص بالتعرف على الحضارة والثقافة الغربية عمدا.

انقسم المثقفون خلال العقود الأولى من القرن العشرين الى فريقين.. مجموعة ترى أن الأخذ بمفاهيم وقيم وسلوكيات أصحاب الحضارة الغالبة(الأوروبيون) هو الخلاص الفردي و الجمعي.. بينما ترى مجموعة أخرى بضرورة التمسك بكل ما هو سلفى قديم إسلامي أو عربي.. فيما رأت مجموعة ثالثة (الأقل عددا) الأخذ بما فى الجانبين من فاضل وصالح.وكانت تلك الرواية التي تعبر عن رأى العامة و الخاصة .

عندما عاد "إسماعيل" من أوروبا متعاليا بعلمه (فى الطب) على بيئته البسيطة الفقيرة.. أعلن تمرده, وزاد من غضبته حتى أنه ذهب الى مسجد "السيدة زينب" وكسر قنديل المقام.. بينما العامة تأخذ من زيت القنديل وتستخدمه فى علاج مرضاهم.. منهم "فاطمة" قريبته والتي تربت فى بيت أبيه. فتولت الجيران مهمة الانتقام بعدم الذهاب الى عيادته. فلجأ الطبيب الى "العلاج الشعبي" وينجح فيما فشل العلاج الأوروبي فيه, شفيت فاطمة.

يبدو أن الروائي يتبنى فكرة..لا خلاص بدون البحث فى أنفسنا وعقولنا نحن أولا وليس أخيرا على كل حال, فقد كتب الروائي فى سيرته الذاتية يقول:".. واسم إسماعيل أخذته من اسم صديق لي, كان يمثل فى نظري محاولة المزاوجة بين الشرق والغرب".

ثانيا: الآخر..المستعمر بكل أشكاله (رواية عصفور من الشرق/ توفيق الحكيم)

كتبت تلك الرواية عام1938م, وهى قريبة من زمن كتابة الرواية السابقة , مما يشير الى سخونة وحيوية القضية فى تلك الفترة. عالج الحكيم أفكاره برومانسية بسيطة, وقد عرض فيها كذلك العديد من المذاهب السياسية والاقتصادية حتى ظهور التيارات الفاشية والنازية الجديدة هناك.. فكانت دعوته الرافضة للغرب بكل أشكاله..أما البديل فهو الإنساني الروحي والمتمثل في التراث الشرقي بديلا.

من الطريف أن يكون "الإهداء" ( الى حامينى الطاهرة السيدة زينب), وهو نفس "المكان" بالرواية السابقة. وان كانت الرؤية الدينية هي الأساس, فلا يعنى ذلك الاعتراف الصريح من الروائي بجملة الطقوس التي تمارسها العامة..أي أن الكاتب يتبنى الجانب الفكري فى التناول بالأخذ بجوهر الروح و الجوهر دون الشكل البسيط المباشر.

صحيح كان "محسن" حائرا (حيرة الشرقي فى تلك الفترة), وتأكيد ذلك الجانب, عرض الروائي العديد من الآراء والأفكار من خلال الصديق الروسي "ايفانوفتش" الذي وجده يقرأ فى التوراة والإنجيل والقرآن. وقد اعترف الروسي له قائلا: "أريد أن أعرف.. كيف استطاعت هذه الكتب الثلاثة أن تعطى للبشرية راحة النفس".

بالرغم من المعطيات الأوروبية الثقافية والحضارية في الآداب والموسيقى والعمارة و غيرها, بقى الحكيم (أو محسن بطل الرواية) رافضا له لأنه المستعمر.

ثالثا: الآخر.. والعودة إلى الأنا/الواقع (رواية موسم الهجرة الى الشمال/الطيب صالح)

أبرزت تلك الرواية المواجهة مع "الآخر" على محورين: الشرق الأفريقي في مقابل الغرب الأوروبي, وكذلك الإنسان الأسود فى مقابل الإنسان الأبيض بكل الدلالات الإنسانية والثقافية.

فلم يكن الشكل الدائري للتقنية الفنية للرواية إلا البحث عن هدف فكرى ممزوج بطريقة التناول

سافر "مصطفى" للحصول على الدكتوراه من بلاد الغرب, ويعيش الحياة هناك بكل أبعادها الإنسانية.. وكان "الجنس" هو الشكل الغالب على علاقات البطل, حيث تزوج من أربع فتيات, انتحر ثلاث منهن و قتلت الرابعة! لم يكن الجنس سويا كما علاقة الأزواج, ولم يكن البطل يمارسه إلا من أجل تأكيد دلالة السيطرة والمقدرة, فأصبح لاستخدام الجنس توظيف فني عالي.

لم تنته الرواية بعد تنفيذ حكم السجن على القاتل "مصطفى", لم يغضب, بل اتجه الى قريته تحديدا كي يلتقط أنفاسه و يبدأ من جديد بالزواج من ابنة القرية "حسنة بنت محمود". فلما مات البطل غريقا وحمله النهر(رمز إيزيس الأسطوري), رفضت الزوجة الزواج من العجوز "ود الريس" بل قتلته, وقتلت فيه كل القديم من عادات و تقاليد. 

تشارك تلك الرواية الروايتين السابقتين فى مسألة العودة الى الوطن, وأضافت الرفض الواضح و الصريح للآخر..وللقديم البالي أيضا.

رابعا: الآخر..  سؤال متجدد (رواية نيويورك 80/ يوسف إدريس)

وهى رواية حوارية, نشرت بجريدة الأهرام عام 1980م, وقد غلب الحوار عليها بحيث عبرت عن قدر التساؤل والحيرة التي لم يحسمها الروائي فى النصف الثاني من القرن العشرين.

الحوار بين "هي" التي تعمل معالجة نفسية, و"هو" العربي الذي يزور المدينة الأمريكية للسياحة. كلاهما مجهول الاسم, لا يهم الاسم, المهم أنه يعبر عن رفضه لاقتحام "هي"له ومطاردتها له فى المطعم و الفندق كي تمارس الجنس معه..هكذا . ومن خلال رفضه حيث يقول: "خلاص انتهت عندكم القيمة تماما فى نيويورك حتى لم يبق إلا الدولار قيمة, والمتعة الأنانية الذاتية هدف...".

"هي" ترفض المنطق الشرقي, ليبدأ الحوار, وتقدم الأسعار التي تناسبها, تماما كما تفعل :"اللاتي يحملن السم فى حقيبتهن لابتلاعه إذا ما تعرضن لهجمة من شرطة الآداب".

تتهمه بأنه معقد نفسيا ولا تفقد الأمل فى تحقيق هدفها, لأنها تعتقد أن السبب الحقيقي لرفضه المال المطلوب, فيعلق "هو" قائلا: "متى يا إلهي تعطى بعض الرجال شجاعة البغايا".

تبدو وجهة نظر الروائي للغرب (الآخر) وكأنه لا يرفضه تماما, فيبدو متعاطفا مع قباحة ما تقدمه بقدر أطلق عليه صفة الموضوعية والعقلانية.. وليبقى الآخر عنده محل متابعة وقابل للقبول على درجة ما. الرواية إذن قدمت توجها آخر ليبق "الآخر" محل السؤال متجددا!!

وبعد..

هل استكملنا صورة "المرأة" في الرواية ؟ لم نستكملها. وما أحوجنا الآن الى الوعي بعدو خفي/ ظاهر يستهدف ركائز ثقافتنا العربية/ الإسلامية تحت مفاهيم العولمة وقد كشفت عن وجهها القبيح خصوصا فى توجهها نحو افتراس ثقافة الشعوب. حان وقت العمل الثقافي والمثقفين للمواجهة وكشف الأدوار الخفية هنا أو هناك. والمرأة كأداة فاعله بذاتها، ومفعول بها بأقلام المبدعين، لها دورها المحوري الهام.

 

 

Partager cet article
Repost0
3 juillet 2009 5 03 /07 /juillet /2009 22:28

Wa%2520fa%2520El%2520Omrani.jpgمن ملف العدد الثاني:

 

اللغة الشعرية من الإبداع إلى التلقي 

    قراءة في إبداع الشاعرة وفاء العمراني

 

دة.سميرة مسعودي

 

         إن قدر الشاعر أو الشاعرة هو الانصهار باللغة و الذوبان فيها، إذ لا إبداع شعريا بدون لغة  تسجل تمايزها و فرادتها. و الشاعرة وفاء العمراني تنتمي إلى جيل شعري راهن في تأسيس حداثته على تجديد اللغة و تفجيرها، لاسيما و أن اللغة أصبحت العنصر الأساسي المطالب بتأمين شعرية الجنس الشعري في تجربة هذا الجيل الذي سعى إلى محو الحدود بين الشعر  و النثر في إطار إقراره لقصيدة النثر كتابة شعرية جديدة.

         و من ثم فالشاعرة وفاء العمراني كانت و لاتزال معنية بهذا الرهان اللغوي، بل هي شاعرة مسكونة بهاجس الإبداع و التجديد، الذي مداره تفجير لغة شعرية تخييلية  لها بصمتها الخاصة.

       و قراءتي لإبداعها تتوخى-في مرحلة أولى- استجلاء فرادة و خصوصية هذه اللغة التي تخلق كونا شعريا متميزا. و في مرحلة ثانية، تنظر إلى كيفية تلقي هذه الخصوصية عند القراءة .

          و لهذا سأنطلق من سؤال محوري هو :كيف تؤسس الشاعرة حداثتها اللغوية؟

لقد تناول النقاد بالدراسة لغة الشاعرة فأشار معظمهم إلى تميزها بحضور نفس صوفي يجليه تردد واضح لمعجم الصوفية تمتاحه الشاعرة من شعر التصوف الإسلامي. وهذا صحيح إلى حد بعيد، و لن أتوقف عنده هنا. لأن الحضور الصوفي في تجربة الشاعرة لا يتوقف عند الاستفادة من معجم التصوف و التناص معه فحسب، بل علاقة الشاعرة بالتصوف أعمق من ذلك ، فهي تعتبر التجربة الشعرية تجربة صوفية بامتياز ، فإذا كان الصوفي يسلك طريق التصوف الوجداني من أجل الوصول إلى المعرفة الصوفية، فإن الشاعرة تسلك ذلك الطريق أيضا من أجل تحقيق المعرفة الشعرية التي هي قطعا معرفة لغوية. و بتعبير آخر، فكما ينشد الصوفي التوحد بالذات الإلهية و الفناء فيها مستمتعا بلحظة الإشراق القصوى، كذلك تطمح الشاعرة إلى التوحد باللغة و الفناء فيها من أجل تحقيق الخلق الشعري البكر.و بهذا تؤسس الشاعرة تصورا خاصا للتجربة الشعرية والخلق الشعري، عماده عنصران أساسيان هما الذات و اللغة بحيث تسافر الذات الشاعرة إلى دواخلها سفرا صوفيا من أجل التوحد باللغة في خلق شعري لا مثيل له. فتصير التجربة الشعرية كشفية رؤياوية تنغلق فيها الذات على نفسها لتكشف ما هو مخبوء مختف وراء مظاهر و سطح الأشياء،فتتأسس علاقة جديدة بين الشاعرة و الأشياء من حولها. تقول الشاعرة:

                بيني و بين الأشياء

               تقيم الصداقة عرسها:

               شطح، مكاشفات

              شناشيل تزهو

               و خواصر من نار.(1)

       لكي تتجدد اللغة لابد من أن تتجدد العلاقة التي يقيمها الشاعر بالعالم من حوله،  و الشاعرة هنا تفصح عن هذه العلاقة الخاصة التي أساسها النفاذ إلى عمق الأشياء من أجل كشفها كشفا صوفيا ملؤه الشطح الصوفي القادر على  تخييلها و توليد نسغها فتصبح متوهجة جديدة. فالشاعرة لا تريد أن ترى العالم كما رآه غيرها، بل تطمح إلى تغييره بواسطة منحه ولادة جديدة. و في القصيدة نفسها تقول الشاعرة:

 

              لكل الصباحات المقبلة غيرنا وجهينا-الأشياء و أنا-

               محونا تجاعيدنا

            و دعونا عشقنا ليفقس بيضه

             "سبحاني، إذ يضيق عني زمني"

             قالها الشعر و انفلت يجتث أعشاب الظن

             من غابة الموت.....(2)

       إن الشاعرة تريد أن تؤسس شعرا يقاوم الموت و الفناء، و كي لا يموت الشعر لابد من منحه سمة الإبداع، و من ثم كان عليها أن تتغير هي و الأشياء معا، و التغيير كما تقدمه الصورة الشعرية يقوم على دعامتين: أولاهما محو التجاعيد التي تحيل إلى شيخوخة اللغة القديمة التي قالت أشياء العالم بطريقة معينة إلى أن أصابها التعب و الغَضَن، و ثانيهما دعوة إلى الفناء عشقا في أشياء هذا العالم إلى درجة تمكن الذات من رؤية ما لم ير سابقا حتى تستطيع تسميتها بلغة جديدة . و هذا ما يتيحه السفر الصوفي للشاعرة. ففي إبداعها افتتان لا حد له بالرحيل إلى الأقاصي و الأعماق و المجاهل، باعتبارها مكانا تفجر فيه الذات لغتها الفريدة.تقول الشاعرة:

            منحلة في هذا الغمر البدائي المخضر

            تخاصرني البرية الليلية

             وبعذوبة مجنحة

             فجأة

             تضيئني قدماي

            تتخمر البذرة عند مياه أحاسيس نادرة

                انبجاس، وروف،خصوبة

            هي ذي وردة الأقاصي

            تستنفر اتقادي

            توشوش خلوتي

            فيما تضرمها جماري الغافية المتبقية

            لي الشفوف، النسغ،الوهج

            الأكوان كلها....لي

            بنفسج هاجع ماء، خفق

           وصباحات تنهمر على العمر

                                     بلا استئذان.(3)

 

      إن الأعماق تمثل لحظة الصفر التي تلوذ بها الذات من أجل الخلق، لحظة غمر بدائي واعد بالحياة و الاخضرار، لحظة استثنائية خاصة، حيث تتخمر بذرة الخلق الشعري بواسطة أحاسيس نادرة يفجرها الحدس و الخيال، فتتكاثر و تتكاثر حتى تتوحد في كائن لغوي.إن الأقاصي وردة تغري الذات بالسفر إليها،و تؤجج فيها نار المعرفة، و تستدرجها إلى الدخول في خلوتها الصوفية لتتحرر من خصائصها البشرية و تكتسب خصائص جديدة لا حدود لتحولاتها، فهي تشف و تشتعل و تتحول إلى نسغ للأشياء،و ترحب حتى تسع الأكوان كلها، وهي ماء و خفق وصباحات منهمرة على العمر، إنها  تشهد تحولات متسارعة تمنحها هوية جديدة بواسطة خيال جامح يصهر كل المتناقضات في وحدة لا مثيل لها . إنها تحولات تملأ فضاء الدواخل بصور خيالية لا نهاية لتناسلها تجسد منعرجات الذات و هي تصعد نحو التوحد باللغة، تتلقاها في حيرة و دهشة:

 

                     أتشرنق

           كثيرا شهوتي المحال

          عالم مدهش ينمو في حياضي

          للآتي أن يرسم مغامرته القدسية

                        أصغي

         أرقب البعيد المتجول في دمائي

                        أصغي

        طواحين الروح تنشد سرها الأبدي

        دافقة شجرة الأعماق

                     لا أوصد

       غابة من فجر تقذفني بنظرتها الغورية الشفيفة

       إزهار مفاجئ

      خيول الماء تتراكض في اللحظة البعيدة

      و الجسد يكتمل بحواراته

       أمنحك صداقتي أيها الحبر.(4)

 

       ما أن ترتد الذات إلى أعماقها حتى تتدفق بخيالات و حدوس مدهشة غريبة،تحياها الذات الشاعرة إزهارا مفاجئا، فتكاثر الصور التخييلية في الدواخل و حضورها في لحظة واحدة تشبه حقلا فارغا يزهر في طرفة عين. فتنغمر هذه الذات في رؤى متداخلة، أنوار شفافة، مياه متراكضة، أصوات منشدة... و الذات  تصغي و ترخي سمعها  منفتحة على هذا الغمر الذي سيتجسد في كتابة شعرية . و إذا كانت الشاعرة تتحدث عن اكتمال للجسد بالحوار، فإن هذا الاكتمال لن يتحقق إلا ببلوغ درجة التوحد القصوى باللغة، ففي هذا التوحد فقط يحدث الميلاد الحقيقي، الميلاد الذي يمنح الذات هوية جديدة. فلنصغ إلى الشاعرة و هي تنتشي بهذه اللحظة الفريدة:

                تقولني الرؤيا

                  تسامق

                  إشارة

     عجبا لهذي الروح إذ تلاقي فتنتها

     عجبا لهذا الميلاد

    حضورات كريستالية أتنورها

    وجهه عذوبة مشتعلة ...(5)

           إن الميلاد يُحدَس حضورا نورانيا يخترق الذات، و لنلاحظ الدلالة التي يوقعها فعل"أتنورها" بحيث تتلقى الذات نور الميلاد فتمتصه لتشع به، و لا عجب في ذلك، فكما يكون العارف الصوفي محوا في معروفه ،فإن الذات الشاعرة فانية في معروفها اللغةِ متوحدة به، لقد أصبحت هي إياه، و من ثم يتضح قول الشاعرة "تقولني الرؤيا"  إذ لم يعد هناك حجاب بين الذات و اللغة لقد أصبحا شيئا واحدا، فالشاعرة تقول الرؤيا و الرؤيا تقول الشاعرة. إن الخلق الشعري إذن، يولد من هذا الفناء الصوفي للذات في اللغة ، حيث تتلون اللغة بالرؤى التخييلية للذات،وتلبس الذات فيض اللغة. فتغدوان معا علوا و إشارة ورموزا بفعل الوحدة التي خلقت كيانا جديدا: تقول الشاعرة:

 

         اليومَ أولُ بعثي

         مطر الصبيحة نشوة لا تقاوم

             لون دمي أخضر

         السماء من تحتي لا شكل لها

                       أبدأ

            أقول لكوكب أسمائي:

           لا صيغ لكَ عدا السطوع.(6)

 

         إن ما ينشأ عن هذا التوحد ذات جديدة لا مثيل لها دمها أخضر على غير العادة، و مكانها الفضاء حيث تعلو و تتسامى حتى تتجاوز السماء التي تصبح  تحتها لا فوقها. و بالتالي فإن الأسماء التي تقولها هذه الذات لن تكون حتما عادية، إنها ستكون إشارات ساطعة ترمز إلى هذه الجدة التي اكتسبتها، فهي لن تقول مظاهر الأشياء بل تقول كنهها  و أعماقها كما حَدَستها أثناء رحلتها إلى الأعماق.

      إن الكون الشعري في إبداع الشاعرة وفاء العمراني يسوده انسجام و وئام لا متناهيين،  فالذات أثناء رحلتها إلى الأعماق  تتحرر من كل ما يقيدها إلى الواقع فتنطلق متخففة من ثقله مستسلمة إلى الحدس و الخيال اللذين يفجران آلاف الصور في زمن قياسي، فتتسارع في تحولاتها لتمتص هذه الصور فتحتفظ بها إشارات، و حينما تصل إلى لحظة الإشراق و التوحد باللغة فإن هذه الأخيرة تمتص منها طبيعتها الإشارية ، فلا تقول الأشياء إلا رمزا.

و هنا أتوقف قليلا لأشير إلى ما يميز تجربة الشاعرة عن التجربة الصوفية في علاقتها باللغة:

       تلخص مقولة النفري "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" علاقة الصوفي بلغته،فهو يراها عاجزة عن الإحاطة برحابة الرؤى التي تنتجها الذات الصوفية و هي مسافرة نحو الفناء في الذات الإلهية، و نجد معظم الشعراء الحداثيين الذين ارتبطوا بالنص الصوفي، بطريقة أو بأخرى، يكررون هذه المقولة بتعابير مختلفة لكنها تلتقي عند الإقرار بعجز اللغة عن التعبير عن كثافة ما يحدث في الدواخل و الأعماق.غير أننا لا نجد لدى الشاعرة وفاء العمراني أية شكوى من عجز اللغة عن نقل رؤاها (أتحدث هنا عن دواوينها التالية: الأنخاب، فتنة الأقاصي، هيأت لك) بل على العكس من ذلك تماما، نجدها تمجد اللغة و طاقتها على الخلق حين تتوحد بها الذات، و منشأ هذا التميز في علاقة الشاعرة باللغة يكمن في أن الشاعرة لا ترى في اللغة وسيلة للتعبير عن الرؤى، كما يراها المتصوفة، و كما رأتها كذلك كثير من النظريات الشعرية، إن اللغة تخلق الرؤيا في لحظة مشاهدة  الذات لها (من الشهود الصوفي)

و إن صح التعبير تخلق الرؤيا و تنخلق بها، فالرؤى نفسها تنفجر لغة . فاللغة عند الشاعرة هي الرؤيا ذاتها. أما ما نراه في شعرها من تمنع اللغة عليها أحيانا فإنه يفسر بلحظات القبض و البسط التي تشهدها الذات وهي تعرج نحو اللقاء باللغة، فأحيانا تتعصى اللغة و تنأى و تضن بالوصل، فتقول الشاعرة

 

              ما لهذي الأبجدية أصونها

               و أبقاها

              فتنقلب علي(7)

أو تقول:

         جذوري ضوء يفترش السحاب

         لكن، ها هو الليل يلج عظم السريرة

        و يفيء لمراثي الزبد...

         أيتها الشمس الواهبة

         عديني بغمرك

        كلما قضمني فحيح المرارة الأولى(8)

حين تتمنع اللغة إذن تتلون السريرة بالحلكة التي تعوق انسياب الضوء القادم من الأعماق    و الجذور و تحس الذات المرارة و اليأس، فتبتهل إلى الشمس كي تغمرها بنور اللقاء.أو تلجأ إلى مناجاة اللغة كما يناجي الصوفي ربه راجية لحظات الفيض:

 أوِّلني ضمِّخني  حُفَّني

 يا الحرف الذي عز كما مطر العام

يا السمي الصفي

الطراوة الجذوة

الفرح المُرجأ

يا الذهول.   (9)

 

أما حين تستشرف الذات قرب الوصل، و تأتيها بروقه و إشاراته، فإن الذات تنبسط و تزدهي:

الأمواج الاحتفالية تعلن عودتها

يا لغبطتي الأكثر روعة،

يا لهذا الصوت، بداخلي، المجدول

                                      بجذل الفراشات

يالفجر الحرف في دمائي.(10)

إن اللغة لدى الشاعرة رديف للخلق والإبداع، لذلك تشرق الذات و تنتشي باللغة و لا ترى فيها عجزا بل تفجر الجديد غير المألوف،إنها تستكشف أعماق الأشياء ، و لا تعبر عنها كما هي في العالم الواقعي، و لهذا  فإن الذات تظفر في كل رحلة بخلق شعري بكر:

 

        بحرٌ من الصفاء هو ندائي       

       ولغتي برق الأمداء

       سلاما لصحراء الأبجدية روضتها

       بنعل من جمر (11)

 

إن لغة الشاعرة ليست سوى بروق و إشارات لما زخمت به الذات أثناء رحلتها، و هي إشارات  فقط، ليست لأنها عاجزة عن نقل كثافة الحالة الشعرية ، بل لأن الخلق الجديد لا يمكنه أن يكون إلا متلونا بما حدسته الذات نفسها إشارة و رمزا. و هنا تتحول صحراء الأبجدية إلى نار مشتعلة ما دامت قد روضت بواسطة نعل من جمر. و لارتباط اللغة بالنار عند الشاعرة دلالة خاصة، تقول الشاعرة:

تفيض شرايين الحرف

نطفح بالحضور

   صدى

أنا ناي الأبجديات

و سنبلة شراري……(12)

إن قول الشاعرة" نطفح بالحضور صدى" يشير إلى اتحاد الشاعرة باللغة بحيث تفيضان بالحضور الصوفي في شكل صدى، فتصير الذات صدى للغة و تصبح اللغة صدى للذات. 

و تأكيدا لهذه العلاقة الخاصة تفصح الذات عن تحولها إلى ناي "للأبجديات" متعددة متكثرة.

واللغة هنا ترتبط بالنار من جهتين، من جهة ورود كلمة الشرار  التي تحيل على الاشتعال،  و من جهة تناص الصورة مع ناي جلال الدين الرومي الذي كان  ينفث نارا بدل الهواء.  غير أن اشتعال لغة الشاعرة لا يحيل على الرماد و الفناء و لا حتى على المعاناة اللغوية التي ترتبط بالاحتراق، بل ترتبط بالحياة و الولادة الجديدة بدليل أن الشرار تنازل في التعبير عن طبيعة الاشتعال ليتحول إلى سنبلة. إن للنار هنا قوة التحويل و التغيير، و الشاعرة هي من تقول (النار تقعر كل تسطيح)(13). و ذلك هو أمر اللغة الشعرية عند وفاء العمراني، إنها تقعر كل تسطيح لأنها تنفذ إلى كنه الأشياء باختراق سطحها و الدفع به نحو الأعماق.

 و لغة كهذه تنشد الخلق الذي لم يسبق ،لا بد من أن تكون غامضة و غريبة. و هنا أصل إلى الشق الثاني من هذه المداخلة:

 فإذا كانت الشاعرة تحيا تجربة الخلق الشعري- بالرغم من غرابتها- في انسجام و صفاء روحيين، و ترى أن لغتها قد حققت حداثتها، و من ثم تميزها و فرادتها و إبداعها ،فإن متلقي هذه اللغة لا يستطيع التفاعل معها إلا إذا استطاع أن يحيا التجربة كما عاشتها الشاعرة،و إلا فإنه لا يرى إلا لغة تنغمر في الفوضى و التشتت، و هذا التعارض بين المتلقي و المبدعة يجد تفسيره في اختلاف المواقع التي ينظر منها كل منهما إلى اللغة، فالشاعرة تعيش حالة انسجام قصوى أثناء الحالة الشعرية،تتماهى الذات باللغة فتصبحان شيئا واحدا منسجما، و في هذه اللحظة، تذهل الشاعرة عما حولها و تستسلم لنشوة اللحظة و سحرها، فلا تملك الذات أن تبحث عن المنطق و المعقول، لأن للعالم الداخلي قواعده الخاصة التي لا تراها الشاعرة خارجة عن حدود العقل و المنطق كما سيراها القارئ لحظة القراءة، فالشاعرة ككل مبدع لا ترى الأشياء إلا بإحساسها و وجدانها، و حدسها، و خيالها .في حين أن القارئ العادي لن يرى في هذه اللغة إلا تشتتا و غموضا لأنه يقرأ بعين المنطق و العقل اللذين ينتفيان من لغة شعر الشاعرة ، فيلاحظ خروجها عن كل الأنساق اللغوية التي يعرفها، سواء تعلق الأمر باللغة العادية أو باللغة الشعرية، فتتعطل لديه عملية الفهم التي هي غاية كل قراءة. و بدل البحث عن مدخل جديد للقراءة ينزل بلعنته على هذه اللغة التي لم تعد تقول شيئا فيسمها أحيانا بالغموض و أحيانا بالهذيان و اللامعقول. و للقارئ في هذا الموقف عذره فاللغة كما تنتهي إلى التلقي تبدو في أول أمرها مفتقدة إلى كل الروابط العقلية التي تجعل اللغة مفهومة.

    والأمور التي تربك عملية التلقي و تنتصب حجابا يحول دون وصول القارئ إلى الانسجام الذي يختفي وراء ما يبدو من فوضى اللغة كثيرة أتوقف عند اثنين منها.

فأما الأول فيتجلى في التلاعب بنظام التركيب تقديما و تأخيرا في غياب عنصري الفصل    و الوصل كما هو الحال في قول الشاعرة:

 

بعيدا،

في منتزهات الروح

شبت خبايا جسدي/

تسارعت باتجاه هيآت جديدة

                 وردة

صخرة الماء يانعة وباردة

العين فتنة

حين الروح حديقة (14)

 اهتمت الشاعرة بإثبات فاصلة بعد كلمة" بعيدا" لتنظيم تركيبها النحوي، ولكنها لن تعيد الكرة مرة أخرى بالنسبة الباقي التراكيب، مما يربك سياق القراءة. و إذا كنا نستطيع قراءة الأسطر الشعرية الأولى دون صعوبة، فإننا سنتوقف عند السطر الخامس الذي انفرد بكلمة واحدة هي "وردة" جاءت بعد فراغ واضح بين السطرين الرابع والخامس، ووجودها معزولة في بداية السطر، يدفعنا إلى قراءتها باعتبارها مبتدأ، لكننا لن نعثر لهذا المبتدإ عن خبر. فمباشرة في السطر الموالي نفاجأ بمبتدإ آخر هو "صخرة" المضاف إلى الماء،يمكن  اعتبار (يانعة) خبرا له، "وباردة" معطوف عليه. ونكتشف إمكانية أخرى للقراءة حين تنبهنا لفظ "يانعة" إلى ارتباطها  بالوردة بعلاقة ما، بما أن اليناعة صفة من صفاتها. مما يدفعنا إلى اعتبار "وردة" في هذه القراءة الثانية، خبرا مقدما للمبتدإ المؤخر (صخرة الماء). وبذلك تصبح "يانعة" و"باردة" صفتين للوردة، فاليناعة خاصية من خاصياتها، والبرودة صفة تكتسبها بفعل ارتباطها بصخرة الماء التي أصبحت هي إياها. إذ البرودة إحدى خاصيات الماء، فنظفر حينذاك بالتعبير المنطقي التالي:"صخرة الماء وردة يانعة و باردة"، تعبير منطقي صحيح، لكنه خال من الشعرية التي يفيض بها قول الشاعرة .  

وقد كان بالإمكان أن يُتجاوز هذا الإرباك الذي يحدثه هذا التقديم والتأخير لو أن الشاعرة تدخلت بوضع الفواصل والنقط لتعيين حدود الجمل والتراكيب، لكن اللغة هنا تتحرر من رقابة العقل المنظِّم، فتنقل صور اللحظة الشعرية خامة بكل تناقضاتها وفوضاها وتشابكها، وهذا ما يجعل بعض العناصر اللغوية تبرز في التركيب شاذة ومعزولة يسبق بعضها بعضا دون روابط منطقية أو دون أدنى إشارة إلى وجود هذا التقديم والتأخير، الأمر

الذي يعمق غموض هذه اللغة ويشوش عملية القراءة حين تنعزل بعض الكلمات عن التراكيب التي أدرجت فيها، إلى درجة يصعب فيها على القارئ التأكد من موقعها الصحيح في الجملة كما هو الحال في هذا النموذج :

                   لطفا أيتها الشمس

                   جسدي منشغل بالتوهج

                                      جديدةً

                   كل ضياء أنبجس

                   إليه أرفو أبعادي

                   أهجر الذاكرة / أولد في الإشارة

                   ثوبي جلد هواء

                   الجسد قبلة الرياح

                   يخلط بالنجم الوقت الذي نسجناه

                            أينا المدى ؟

                            أينا السنى ؟ (15)

  فكلمة "جديدةً" في هذا المقطع وضعت منعزلة في سطر شعري، وعبثا نحاول ربطها بما قبلها وبما بعدها من جمل، ولكننا لا نظفر بما يلائم وضع هذه الكلمة المنصوبة، فنضطر إلى افتراض فعل محذوف يلائم السياق والكلمة معا، كأن نقول مثلا (أصبحت جديدة)، ليلائم دلالة الجمل المحيطة بالكلمة. ولكن هذه القراءة التي تتوخى السهولة والوضوح، تحرم هذه اللغة جماليتها وتوهجها وتعيدها إلى منطق الأشياء وألفتها. ومن ثم نبحث عن تخريج آخر لهذه الكلمة، وهو ما يجد إمكانية له في اعتبار "جديدة" حالا مقدما لفعل يوجد في مسافة بعيدة نوعا ما من التركيب. وهو فعل "أولد" من قول الشاعرة (أولد في الإشارة)، فيكون المعنى أن الشاعرة تولد في الإشارة ولادة جديدة، أما جمل (كل ضياء انبجس إليه، أرفو أبعادي، أهجر الذاكرة) فتصبح جملا اعتراضية في هذه القراءة، تفصل بين الحال (جديدة) وبين الفعل (أولد). و انتفاء أدوات الربط والفصل هنا أسلم التركيب إلى الفوضى والاضطراب، الذي يضاعفه استعمال الشاعرة للقاطعة بين قولها أهجر الذاكرة/ أولد في الإشارة، فهي وإن كانت تشير إلى القطيعة بين حالين، فإننا لن ندرك ما إذا كانت القطيعة تتم فقط بين جملتي السطر أم أن القاطعة تشير إلى أبعد من ذلك، إلى القطيعة بين الولادة القديمة والأخرى الجديدة.

 و هذا الاضطراب في هذه التراكيب اللغوية راجع إلى حال الذات الشاعرة التي تخضع لتحولات مستمرة لا تتوقف، وبالتالي فإن التعبير بمنطق عن هذه الحالة مستحيل، لأن اللغة المنطقية بطيئة في نقل كل ما تحس به الذات، فسرعة التحولات التي لا تستغرق سوى ثوان معدودة بفعل الخيال الخلاق الذي يستطيع أن يكثف الزمن كما يشاء يوجد في وضعية متقدمة عن التعبير اللغوي الذي يستغرق مدة زمنية أطول، فكأن اللغة في هذا المقطع تحاول أن تجسد لنا سرعة التحولات في للحظة نفسها التي تحدث فيها. فتبدو الأشياء متناقضة متداخلة.

فبالنظر إلى الجمل التي افترضناها اعتراضية في قراءتنا سنجد أنها تنشئ دلالة تتعلق بماهية الولادة الجديدة، وإن شئنا الدقة، تصور مخاض هذه الولادة. فالشاعرة في هذه التراكيب التي تبدو مضطربة تحاول أن تنقل إلينا الحالة كما حدستها بخيالها في لحظتها. فقد أدركت في لحظة انشغال جسدها بالتوهج أنها بصدد ولادة جديدة، ولكنها لم تستطع أن تعبر سوى عن جدة الحدث فأرجأت نقل  الحدث الذي هو فعل الولادة إلى ما بعد، واكتفت بكلمة "جديدة" لأنها في اللحظة نفسها ستنشغل بمعاينة مخاض هذه الولادة وهو ما عبرت عنه في التراكيب اللغوية – كل ضياء انبجس إليه – أرفو أبعادي- أهجر الذاكرة. وحين تكتمل الولادة الجديدة، تعبر عنها بقولها (أولد في الإشارة)، فتصبح الجمل بعد هذا مصورة لمظاهر هذه الولادة الجديدة. إن اللغة هنا تحاول ملاحقة سرعة الانفعالات وتحولات الذات لتنقلها في لحظتها الآنية، ولهذا تتسم بالاضطراب والغرابة والشذوذ عن المنطق، فيتقدم ما حقه التأخير، ويتأخر ما حقه التقديم.  فتغيب العناصر المنظمة لهذه التراكيب و تنبهم العلاقات النحوية وتضطرب.

 وإذا كانت اللغة- من زاوية الإبداع- في هذه النماذج تعلن بواسطة هذين العنصرين انتفاء الحدود والمقاييس المنطقية المبنية على العقل داخل تجربة شعرية مرتبطة بحالة إبداعية خاصة ومتميزة، فإن ذلك لا يشكل بالنسبة للقارئ سوى عنصر إرباك وقلق يقحم اللغة في الغموض واللامعنى، ويمنعه من التواصل مع هذه التجربة الإبداعية،  حين يجد نفسه عاجزا عن استيعاب الصور المخيلة بواسطة هذه اللغة التي تنزع إلى محو العلاقات المنطقية بين عناصرها، مجسدة نصا شعريا موسوما بالتشتت و الفوضى فيبدو و كأنه ركام من الصور المتناثرة التي لا رابط بينها.

 و هذا ما يضاعف الغموض عند القارئ و يجلي الأمر الثاني الذي أراه يحجب انسجام اللغة الشعرية في إبداع الشاعرة، إذ يبدو النص للقارئ المتسرع الذي يتوخى الفهم   و اقتناص المعنى و كأنه تجميع لصور متنافرة في فضاء واحد، و في إبداع الشاعرة نماذج كثيرة أكتفي بالتمثيل لها بقولها:

 

                  للغريب الضارب في أغوار نذري

                   لمزاميره الطالعة من ضراوة الخفق

                   لأرضه المجلوة بفتنة القتل

                   لجرحه          لأعراسه

                   للغة أشيائه

                   لياسمينة أودعتها عزلة غاباته

                                               ذات قصيدة

                   لملح شهواته في دمي

                   لحلمي النبيذيِّ القديم

                   لليلتنا التي لم تكن،

 

                                      حفي نبضي           (16)

                                             

       تنفرط العلاقات المنطقية بين مجموع الصور التي سعت إلى تحديد الغريب الذي يهدى له حفي النبض. فالمزامير والأرض والجرح والأعراس واللغة والياسمينة، وملح الشهوات، والحلم النبيذي، كلها عناصر متضاربة متنافرة لا تجانس بينها. زادتها الصورة التي أدرجت فيها غموضا، إذ إن الجمع بينها يبدو وكأنه تم بطريقة اعتباطية آلية، هذا ما يجعل الصور تبدو مشتتة ومتشظية، تفتقد اللاحم الذي يوحدها في دلالة معينة، وإن كانت جميعها تشترك في الانتساب إلى الغريب الذي ذكر في بداية الصورة الذي يعلن بنفسه مسبقا على غرابة الأشياء التي يمكن أن يحتضنها باعتباره شيئا غريبا موغلا في الأغوار.

      إن الشعر بفعل التجربة الخاصة التي يتولد بها مرغم على تأسيس لغة جديدة و بالتالي جمالية شعرية جديدة فإذا كانت اللغة في السابق قد أسست جماليتها على الاستعارة الجامعة بين عناصر الصورة بواسطة علاقة المشابهة، فإن الصورة الشعرية هنا تجمع بين ما لا يجتمع لصدورها عن ذات غريبة لم تعد العلاقات المنطقية شغلها و لا في إطار اهتمامها.

 فكما انفرطت العلاقات المنطقية في التركيب اللغوي كذلك تشتتت الصور في النص الشعري في فوضى عارمة مفتقدة المنطق و العقل، معانقة الهذيان و الهلوسة . هكذا ينظر القارئ إلى هذا الخلق الشعري الجديد، و هذه نظرة تسير في الاتجاه المعاكس لنظرة المبدعة إلى شعرها. فما تحياه الشاعرة نشوة و ظفرا بالوصل و إشراقا بكيان جديد نسغه ولادة لغة بكر، يحياه القارئ معاناة مضنية و لهاثا وراء القبض على المعنى المتواري في تضاعيف الكلام. والحال، أن المعنى في هذه التجربة الإبداعية لا وجود له، لأن الشاعرة لا تعبر عن شيء له وجود واقعي، فهي تخلق اللغة من جديد سلاحها الحدس و الخيال. و هذا يعني أنه لم تعد هناك مرجعية مشتركة بين الشاعرة و القارئ، لأن كل ما تخلقه نابع من الدواخل،  من تحرر الأنا الشعرية من قيود الواقع، و بالتالي فمن البديهي أن تصطدم القراءة العادية بكثافة اللغة الشعرية التي أصبحت رموزا و إشارات إلى أحوال الذات في رحيلها نحو الأعماق كما تؤكد الشاعرة حين تقول:

              عميقا

              ينزف عقيق أبجديتي (17)       

  نزيف الأبجدية في الأعماق انهمار لصور لا حد لها تتناسل دون توقف، و أظن أن هذا القول يرمز إلى هذا الانفراط الذي يحدث للغة  فتتشتت في كل اتجاه غير أن الشاعرة لا ترى هذا الانفراط مخلا بالخلق الشعري بل هو نتيجة طبيعية لفرادة هذا الخلق.

          لا أفهم /لا أفهم

          ماسية متشظية

            مثل قصيدتي العصية

                             الآتية(18)

        إن المبدعة  لن تحس إلا بالانسجام التام بين ذاتها و لغتها،انسجام يبلغها درجة النشوة الكاملة، وبطبيعة الحال فإن هذا لن يتم إلا إذا توحدت الذات مع الحالة الشعرية الخاصة. وإذن، من أين يأتي التشتت الذي نلمسه بوضوح في  النص الشعري ؟  

       إن التشتت لن يبرز إلا حين تنفتح الذات لتنقل الحالة الشعرية الوجدانية إلى عالم اللغة،ذلك بأن اللغة التي  توجد داخل الحالة، لابد من أن تخرج إلى الوجود كتابة ، و هذا الخروج يشكل تهديدا وخطرا على الحالة لأنه ينهي الاستمتاع واللذة  التي كان تحدسها الذات، ولذلك فإنها مرغمة على سرعة تسجيل هذه الحالة قبل أن تتلاشى وتضمحل قوتها، وهذا ما تفعله الشاعرة حين تنقل الحالة إلى اللغة المكتوبة، وحينذاك يحدث الخلل، فأثناء معاناة الحالة تتفجر طاقة التخييل بسيل من الصور التي تنبثق دفعة واحدة، في تشابك مذهل ومثير، وفي انسجام لا نظير له، وهذا ما تعجز اللغة عن تحقيقه، فهي بمنطقيتها لا تقول الأشياء إلا في مراحل وعلى دفعات. وانفجار الصور التي حققت انسجاما وتكاملا داخل الحالة كما أحستها الشاعرة في لحظة مكثفة لا تتحقق لغويا إلا إذا فككت، فتسجل عبر دفعات متتالية في جمل لغوية تشكل صورا متقطعة.

        وكان بالإمكان أن يكون لهذه الصور المتقطعة انسجام لغوي لولا أن الشاعرة وهي تنقل الحالة إلى اللغة تكون متلهفة على ألا تضيع منها فرادة الحالة وحرارتها، فتسارع إلى تسجيل الصور كما ترد عليها دون توخي الربط، ففي مرحلة النقل هذه تكون ما تزال تحت تأثير الحالة، ومن ثم لا تعي بأن ما تنقله لا منطقي ولا مترابط . فالتشتت إذا لا يظهر في اللغة من وجهة النظر الإبداعية لأن اللغة تلاحق غرابة الحالة الشعرية التي تتنامى في الدواخل  منتشرة في كل الاتجاهات. إن التشتت يظهر في اللغة من وجهة نظر القارئ الذي لم يعاين حال الذات و لم يضع تميزها في اعتباره فهو يقرأ خلقا جديدا لا سابق له بقياسه إلى مخلوقات سابقة. و هذا لا يستقيم ،لأن الذات كفت عن إعادة خلق العالم كما هو الحال في تجربة الشعر المعاصر و أصبحت تخلقه.

فلنفترض أن الذات الشاعرة عبارة عن صندوق مغلق له فتحة صغيرة. وبداخله حالة شعرية متميزة، ولتكن عقدا فريدا مثلا، حباته من مختلف الأحجار الكريمة، لؤلؤ، زمرد، ياقوت، مرجان، فيروز... الخ، وتميز هذا العقد يكمن في نظام خاص لم الحبات بعضها إلى بعض، ولنفترض أن الشاعرة عز عليها الاحتفاظ بهذا العقد مهملا في الصندوق وأرادت أن تخرجه ليرى الناس فرادته وجماله، لكنها تجد أن الفتحة لا تسع إخراج العقد بكامله في النظام الذي صيغ به داخل الصندوق، بل تسع حبة وراء حبة، فماذا تفعل ؟ إما أن تتركه هناك قابعا في الذات، وإما أن تسحب الخيط الذي يلم حبات العقد، وإذ تختار الخيار الثاني، فإن الحبات تنفرط، فتخرج حبة وراء أخرى، وبهذه الطريقة لن نرى أبدا العقد كاملا في نظامه الأصلي، بل كل ما نحصل عليه هو حبات منفرطة جمعت في شكل فوضاوي، و كما أن الجمال هنا ينشأ عن الحبات الثمينة في حد ذاتها باعتبارها تحمل جمالا فنيا في ذاتها، فإن ذلك لن يغنيها عن جمال مفترض في عقد منظم بطريقة فريدة. ونحن في هذه الحالة لا نملك أي تصور حقيقي عن جمال العقد كما كان في صندوق الشاعرة، لكننا نملك في المقابل الحبات – التي لم تمتلكها الشاعر في بداية صنعها للعقد- بل شكلتها ونحتتها عن طريق الحدس و الخيال ، مما ييسر علينا عملية إعادة تجميعها بطريقة ما ، وهنا ما يهم القراءة هو محاولة إعادة  صياغة عقد شبيه بذلك الذي كان في الصندوق. و- أقول شبيها به -لأنها لن تستطيع أبدا إعادة صياغة العقد الأصلي كما كان في الداخل، بل كل ما تفعله هو أن تتصور وتفترض شكله، ومن ثم تتعدد إمكانيات تجميع الحبات في شكل جمالي جديد.

وقريب من هذا ما يحدث في نقل تجربة الذات إلى اللغة، فقصور هذه الأخيرة عن احتواء الحالة الشعرية بتعددها المنسجم في الأصل هو ما يدفع الشاعرة إلى نقلها في أجزاء وصور متقطعة، ولأنها مصرة على الحفاظ على خصوصية التجربة باعتبارها حالة تتجاوز كل وصف، فإنها لن تحفل بأدائية اللغة ولا بمنطقها، بل تحرص بدل ذلك أن تقترب اللغة من العوالم التي أسستها الحالة الشعرية في لحظة لا تتكرر.  فاللغة رموز لحالات فريدة ، و من طبيعة الرمز الإيحاء و الومض ، و لهذا مهما ادعت القراءة أنها قد توصلت إلى ما يريد الشاعرة البوح به فإن  ادعاءها لا يعدو أن يكون رجما بالغيب ، لأن هذه اللغة حصنت نفسها  من واحدية المعنى التي تقتل الشعر بانغلاقها في محارة الذات التي تجاوزت كل ما هو مشترك بينها و المتلقي  لتنتج معرفتها الخاصة،و بالتالي لغتها الفريدة  التي  تنفلت من أي امتلاء . و يمنحها سمة التعدد الدلالي الذي لا نهاية لمداه.

و أختم كلامي بمحاولة ربط تجربة الشاعرة وفاء العمراني بموضوع هذا اليوم الدراسي  الذي هو " الأدب النسائي بين البعد المرجعي و البعد الأدبي"، فأقول إن الشاعرة وفاء العمراني تخلق اللغة، و من الأجدر من أنثى خبرت مخاض الولادة  لتجسد مخاض الخلق الإبداعي،إنها تحمل اللغة في أحشائها كما تحمل أي أنثى جنينها:

على باب شهوة السؤال

أشرعتني غابات السفر عليك

و أدناني، طوعا، فجر الحرف

         إليك

أنا حاملةَ ثمارك

و الريحَ فاتحةً ذراعيها

لخصوبات مدارك.(19)

و ككل خلق فإن خلقها فريد لا شبيه له، كما تقول الشاعرة

كلماتي غير الكلمات,(20)

و تقول أيضا،

تشرد عن اللغات لغتي,(21)

إن هاجس الشاعرة من وراء هذا الخلق اللغوي هوتحديد هويتها الأنثوية،برسمها لمعالم أنوثة تخلق إبداعها متحررة من قهر تاريخ لغوي جائر موسوم بالفحولة اللغوية التي طبعت إنتاج الشعر العربي ، لذلك تسافر إلى أعماق ذاتها لا يرافقها سوى خيالها و حدسها، لتفجر لغتها الخاصة التي تخلق كونا شعريا  يسوده صفاء وانسجام ، ففي أدب الشاعرة إذن يتراجع البعد المرجعي لصالح البعد الأدبي التخييلي حيث ينبثق عالم لغوي لا يحيل إلا على  نفسه ،عالم تتصالح فيه كل الثنائيات المتضادة،  ، فلا صراع و لا ضغينة ، لا ذكورة و لا أنوثة، و حتى على مستوى تجسيد الكتابة يذوب الشعر في النثر. لا حضور إلا لذات تبدع  لغة خاصة      و بهذه  اللغة تتحدد هوية الشاعرة . إنها مبدعة و كفى.

 

       

الهوامش

 

1-   وفاء العمراني، ديوان "الأنخاب" ق:"المكاشفات"ص58

2-   وفاء العمراني، ديوان"فتنة الأقاصي" قصيدة فتنة الأقاصي ص44

3-   م.ن ،ق.ن،ص 37-38

4-   وفاء العمراني،د:"هيأت لك"ق:"أريج باذخ"ص 45-46

5-   وفاء العمراني، د:فتنة الأقاصي،ق: عدم صديق و آخر لا.ص 115-116

6-   وفاء العمراني،د:فتنة الأقاصي.ق:رذاذ السريرة.ص:97-98

7-   م.ن ،ق:صلاة الغائم ص83

8-   د. هيأت لك،ق:أشبهك أيتها الريح،ص:57-58      

9-   د: فتنة الأقاصي ق: للآتي أنا منذورة، 72-73

10- د:هيأت لك،ق: أشبهك أيتها الريح،ص 55-56

11- م.ن، ق: نعل من جمر،ص:96

12-م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص36

13-د:فتنة الأقاصي، ق: فتنة الأقاصي،ص48

14-د: هيأت لك،ق:أريج باذخ،ص 39-40

15- م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص23-24

16- م.ن،ق: أريج  باذخ،ص9-10

17-  د:فتنة الأقاصي،ق: فتنة الأقاصي:ص 40

18- م.ن، ق:ضاج بي أيها الحب ضاجة بك أيتها المسافة،ص60

19-د:هيأت لك،ق: نشيد الوفاء،ص:83-84

20 د: فتنة الأقاصي، ق: عدم صديق و آخر لا،ص 106

21-م.ن،ق.ن ص111

 

 

Partager cet article
Repost0

مجلة العلوم الإنسانية و الاجتماعية،مغربية ثقافية شاملة مصنفة ومحكمة

  • : Revue Cahiersdifference مجلة دفاتر الإختلاف
  • : مجلة دفاتر الإختلاف Revue Cahiersdifference مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية مغربية-دولية ثقافية مصنفة ومحكمة رخصة النشر رقم:07\2005 الايداع القانوني:2005/0165 تصدر عن مركز دراسات MLM وتحمل الرقم الدولي المعياري/ p-2028-4659 e-2028-4667 المجلة حائزة على معامل التأثير العربي Arab Impact Factor لسنة 2023 بمعامل 1.22 وسنة 2024 بعامل التأثير 1.83 كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH
  • Contact

الهيئة الاستشارية العلمية

i أعضاء الهيئة الاستشارية العلمية

د.محمد زرو أستاذ التعليم العالي ( اللغة العربية عميد كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.مولاي عبد الملك الداودي أستاذ التعليم العالي ، رئيس شعبة اللغة العربية بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.عبد المجيد بنجلالي أستاذ التعليم العالي (أدب ونقد)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د.الطيب الوزاني (ادب ونقد)،  كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د.محمد التاقي أستاذ التعليم العالي (لسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

دة.سعاد اليوسفي أستاذة التعليم العالي (أدب) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د. ادريس الذهبي أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. رضوان الخياطي، أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. فريد أمعضشو أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية، مركز تكوين مفتشي التعليم ، الرباط.

د. محمد بنلحسن  أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها،المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ، فاس.

د. عبد الرحيم أخ العرب، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

 الأستاذة الدكتورة/ عائشة الخضر/ رئيسة الاتحاد العربي للثقافة/ تركيا

بحث

الهيئة العلمية والتحكيم

أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم

د.عبد المنعم حرفان، أستاذ التعليم العالي، تخصص اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب

.والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس المغرب

د. خالد قدروز، تخصص أدب  ونقد ، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

د. عبد الواحد المرابط، أستاذ التعليم العالي،  تخصص السيميائيات ومناهج النقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق الدار البيضاء.

د.عبد الكامل أوزال، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/.المغرب

د.الشرقي نصراوي أستاذ التعليم العالي  تخصص (السيميائيات والتأويليات) جامعة السلطان مولاي سليمان - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة.

د.الحسني عبد الكبير أستاذ مؤهل تخصص (اللسانيات) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال.

دة.الزهرة براهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (مسرح وأنثروبولوجيا وديدكتيك) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط- سلا- القنيطرة.

د.الغالي بنهشوم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب)، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل مكناس

د. لخلافة كريم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي 

إسماعيل مكناس

د.أحمد دكار، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علم النفس وعلوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

.فاس/المغرب

دة.لطيفة بلخير ،التخصص: أدب حديث ، أستاذة التعليم العالي ،كلية الٱداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ـ فاس ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

دة.جناة سفضار، تخصص تدبير الموارد البشرية، جامعة لافال، كيبيك كندا

د. عبد الله الروملي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الأدب العام والمقارن، التمثلات الثقافية والاجتماعية والإعلامية، مدير مركز دراسات الدكتوراه بكلية اللغات والآداب والفنون ، جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب.

د. عبد الرحمان إكيدر،  أستاذ محاضر مؤهل،  تخصص: (النقد الأدبي والبلاغة)، كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض مراكش.

د. عادل ضرغام ، أستاذ الأدب والنقد كلية دار العلوم جامعة الفيوم، مصر.

دة. سهام حسن جواد السامرائي،  أستاذة مساعدة تخصص: (النقد الأدبي الحديث)، كلية الآداب، جامعة سامراء، العراق.

دة. بشرى سعيدي. أستاذة محاضرة مؤهلة، تخصص (المسرح وفنون الفرجة) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية جامعة مولاي إسماعيل - مكناس.

دة. سعاد مسكين أستاذة التعليم العالي. تخصص: (السرد العربي) المدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د. هشام بُحَيْري، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص: (النحو واللسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان.

دة. سلوى السعداوي، تخصص: (السرديات والنقد الأدبي، مهتمّة بتحوّلات كتابات الأنا)، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس.

دة. نوال بنبراهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (الدراماترجيا والنقد)، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط.

د. محمد تنفو، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص ديدكتيك اللغة العربية والسرديات ،  المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش آسفي/المغرب

د.محمد أبحير، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال/المغرب

د.محمد الأزمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

د. عبد الرحمن علمي إدريسي، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

محمد زيدان، أستاذ التعليم العالي ، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز  الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد العلمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الدراسات الاسلامية والديدكتيك، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد سوسي، أستاذ مبرز ، دكتور في الفلسفة، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.سميحة بن فارس، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الديدكتيك علوم الحياة والارض ، المدرسة العليا للأساتذة فاس / المغرب

د.عزالدين النملي، أستاذ محاضر ، تخصص اللغة العربية والديدكتيك ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم/المغرب

دة.صليحة أرزاز ، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص لغة فرنسية، ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.المصطفى العناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الاجتماعيات ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.حسان الحسناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فنيطرة/المغرب

د.عمرأكراصي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.حنان الغوات، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش/المغرب

د.حميد مرواني، أستاذ محاضر مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس المغرب

.مكناس المغرب

د.محمد تمي،أستاذ باحث في مجال المعلوميات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم (TICE) وتحليل البيانات لتعزيز ودعم التعلم الرقمي، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس. 

هيئة التحرير وشروط النشر

 

أعضاء هيئة التحرير

اسم مدير التحرير

د.ادريس عبد النور

اسم رئيس التحرير

د.خالد قدروز

هيئة التحرير​​

د.طريق زينون-د.نورالدين محقق-ذ.هواري الأمين
ذ.محسن لوميكي-دة.نجاة سفضار-دة.مهدية بنعبيد
د.أيوببن مسعود-د.محسن الطوصي-
د.مراد بلمودن-د.عبدالرحيم بلكاني

المسؤول التقني والفني

ذ.ياسين مفتاح

ذة.فاطمة نافل

الشروط العامة لنشر البحوث بالمجلة ومنشوراتها:

  • مجلة دفاتر الاختلاف للنشر العلمي مجلة علمية مصنفة ومحكمة ورقية وإلكترونية تعنى بنشر البحوث العلمية في الحقول التالية: العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم التربوية، علوم الشريعة والقانون.
  • تنشر مجلة دفاتر الاختلاف البحوث العلمية الأصيلة للباحثين في هذه التخصصات كافة، من داخل المغرب  وخارجه، مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية. ويشترط في البحث ألا يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر، وعلى الباحث أن يتعهد بذلك خطياً عند تقديم البحث للنشر، وتخضع جميع البحوث للتقويم حسب الأصول العلمية المتبعة.

قواعد النشر:

  • يقدم البحث المقترح للنشر مكتوب بصيغة word بخط Sakkal Majalla حجم 15 دون تضخيم وبالخط نفسه بحجم 12 في الهوامش، شريطة ألا يزيد عدد صفحاته على 20 صفحة (وبواقع 5000 كلمة) بما في ذلك الجداول والصور والرسومات ويستثنى في هذا العدد الملاحق والاستبيانات.
  • تكتب العناوين الرئيسية بحجم 15 والفرعية للفقرات بحجم 14 مع التضخيم (Gras
  • يرفق مع البحث ملخص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية، على ألا تزيد عدد كلمات الملخص على 205 كلمة.
  • تكتب بعد الملخص الكلمات الدالة للبحث (Keywords) في حدود 5 كلمات.
  • تطبع الجداول والأشكال داخل المتن و ترقم حسب ورودها في المخطوط، وتزود بعناوين، ويشار إلى كل منها بالتسلسل، وتستخدم الأرقام التالية: (1,2,3…) في كل أجزاء البحث.
  • كل بحث يجب أن يشمل على مانسبته 20% من المراجع الأجنبية
  • يعطى الباحث مدة أقصاها أسبوعا لإجراء التعديلات على بحثه إن وجدت، وللمجلة بعد ذلك إلغاء الملف البحثي تلقائيا في حال تجاوز المدة المذكورة أعلاه.
  • لا تجيز المجلة بأي حال من الأحوال سحب الأبحاث بعد قبولها للنشر ومهما كانت الأسباب.
  • تكتب الهوامش والإحالات أسفل كل صفحة، وتكون حسب النموذج التالي:

- الكتب: لقب واسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، البلد، الطبعة، السنة، الصفحة.

- الدوريات: لقب واسم المؤلف، عنوان المقال، عنوان الدورية،  دار النشر، العدد، السنة، الصفحة.

  • ضبط لائحة المصادر والمراجع وفق ما يلي: اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، المطبعة، مكان النشر، رقم الطبعة. السنة.

توجيهات عامة:

  • لهيئة التحرير الحق بإجراء أي تعديلات من حيث نوع الحرف ونمط الكتابة، وبناء الجملة لغوياً بما يتناسب مع نموذج المجلة المعتمد لدينا.
  • قرار  هيئة التحرير بالقبول أو الرفض قرار نهائي مع الإحتفاظ بحقها بعدم إبداء الأسباب.
  • ترسل البحوث وجميع المراسلات المتعلقة بالمجلة إلى:

cahiers.difference@gmail.com

cahiersdifference1@gmail.com

مواضيع العدد

من نحن؟

من نحن؟

مجلة دفاتر الإختلاف

Revue Cahiersdifference

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مغربية- دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

رخصة الصحافة رقم:2005/07

الايداع القانوني:2005/0165

 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ISSN

 P-2028-4659

 E-2028-4667

المجلة حائزة على معامل التأثير العربي

 Arab Impact Factor

لسنة 2023 بمعامل  التأثير 1.22

وسنة 2024 بمعامل التأثير 1.83

وسنة 2025 لمعامل التأثير 1,88

كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH

دعوة للنشر بالعدد 23

📢 دعوة للنشر في العدد رقم 23 ) 📢

يسر مجلة دفاتر الاختلاف   REVUE CAHIERS DIFFERENCE  المغربية-الدولية للنشر العلمي والأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغوية والتربوية والقانونية والشرعية، أن تدعو الباحثين والأكاديميين إلى إرسال أبحاثهم للنشر في العدد رقم 23 /يوليوز 2026

📌 مجالات النشر:

العلوم الإنسانية والاجتماعية (الدراسات اللغوية، الأدبية، التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، وغيرها).

جميع التخصصات التربوية (المناهج، طرق التدريس، الإدارة التعليمية، التقويم، التكنولوجيا التعليمية، علم النفس التربوي، وغيرها).

⚡ ما يمتاز به النشر في المجلة:

✔ نشر ورفي وإلكتروني واسع الانتشار

✔نشر وفق معايير علمية و أكاديمية رصينة.

✔ تحكيم علمي بمعايير دولية من قبل خبراء متخصصين.

✔ رسوم رمزية.