Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
8 novembre 2024 5 08 /11 /novembre /2024 12:41
تتمة// في مهارات التفكير النقدي في الممارسة الصفية

تتمة// في مهارات التفكير النقدي في الممارسة الصفية

د.طريق زينون 

دة.غزلان شهبون 

دراسة محكمة

تتمة

رابعا: استراتيجيات تدريس التفكير النقدي:

يتفق المهتمون بالحقل التربوي أن فعل التدريس هو عملية تفاعل داخل الفصول الدراسية بين المعلم والمتعلم والمادة الدراسية في عمليات منظمة تبادلية تكاملية. ومن ثمة فالممارسة الصفية وسيلة لحفز المتعلم على التفكير وتغيير السلوك نحو الأفضل، وآلة لاكتساب مهارات جديدة تنفع المتعلم في حياته، وتنفع مجتمعه عامة. والجدير بالذكر أن الممارسة التربوية السليمة يجب أن تؤمن أن المتعلم له قدرات واستعدادات هائلة، والقابلية لتنمية نمط تفكيره وتطوير خبراته، مما يساعد على النشأة العلمية والتأملية لديه واستقرارها. فالمنطلق في الممارسة الصفية هو جعل المتعلم يعمل فكره في البحث والتنقيب والإبداع. فلا مناص من تأهيل المتعلم وحفزه على التفكير العلمي والنقدي والإبداعي، وغرس مبادئ العقلانية والسلوك المدني الإيجابي فيه. فهذا هو دور الممارسة الصفية التي تسهر على تعليم المتعلم كيفية إعادة هيكلة معارفه ومهاراته وخبراته، واستخدامها في سياقات أخرى. فإذا عدنا إلى الخطابات الرسمية والمرجعيات الموجهة والمؤطرة في هذا الشأن، نجدها تدعو بقوة إلى إعمال الفكر النقدي، فقد دعا الميثاق الوطني للتربية والتكوين المربين إلى أن يقفوا تجاه متعلميهم "موقفا قوامه التفهم والإرشاد والمساعدة على التقوية التدريجية لسيرورتهم الفكرية والعملية وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي، واستيعاب القيم الدينية والوطنية والمجتمعية". (المملكة المغربية، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 1999، ص 10).

إن اعتماد التدريس وفق المقاربة بالكفايات يمهد الطريق ويؤسس لبناء قدرات المتعلم المفكر والناقد. ولهذا تقوم هذه المقاربة وتنبني بالأساس على إعطاء الأهمية اللازمة للمهارات والأنشطة الصفية والتعلم الذاتي. وتستهدف تنمية القدرات والميولات الإيجابية وتطوير شخصية المتعلم. ومن ثمة ينبغي وضع كل الوسائل والخطط من أجل جعل المتعلم ينخرط في عملية البحث عن حقيقة القضايا، والتزود بوسائل التفكير وتطوير المفاهيم. لهذا نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على جعل المتعلمين في مركز الاهتمام والتفكير، حتى يطوروا ملكاتهم الفكرية والإبداعية والحياتية. فمن اللازم أن نوفر للمتعلم كل السبل والأدوات التي تؤهله إلى أن يكون إنسانا منفتحا وقادرا على اختيار أفضل القرارات ونشيطا متجاوزا التلقي السلبي للمعرفة، معتمدا على ذاته وقدراته.

وهكذا أكد المنهاج الدراسي الجديد للتعليم الابتدائي في نسخته النهائية الكاملة، أن من مهام المدرسة الجديدة المنفتحة، "جعل المتعلم بوجه عام، والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية والتكوينية؛ وذلك لأجل صقل ملكات الأطفال المغاربة ليكونوا منفتحين ومؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة. والانتقال بالتربية والتكوين والبحث العلمي من منطق التلقين والشحن إلى منطق التعلم والتعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة، والتفاعل الخلاق بين المتعلم والمدرس والمتعلمين في ما بينهم، في إطار عملية تربوية قوامها التشبع بالمواطنة واكتساب المعارف والمهارات والقيم، وتنمية الحس النقدي وروح المبادرة، ورفع تحدي الفجوة الرقمية، واعتماد هندسة لغوية منسجمة في مختلف مستويات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ومكوناتها؛ وذلك بهدف تنمية قدرات المتعلم على التواصل، وانفتاحه على مختلف الثقافات، وتحقيق النجاح الدراسي". (وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي الصيغة النهائية الكاملة، مديرية المناهج يوليوز 2021، ص 24).

1.4. التعلم التعاوني:

إن الوصول إلى تحقيق هذه الغايات يتطلب التجديد في استراتيجيات التعليم والتدريس، كاعتماد التعليم التعاوني الذي يهدف إلى تنشيط أفكار المتعلمين "الذين يعملون في مجموعات، ويعلم بعضهم بعضا، ويتحاورون فيما بينهم؛ بحيث يشعر كل فرد من أفراد المجموعة بمسؤوليته تجاه مجموعته، كما أنها تؤدي إلى تنمية روح الفريق مختلفي القدرات، وتنمية المهارات الاجتماعية والاتجاه السليم نحو المواد الدراسية".( محمود هلال عبد الباسط، استراتيجيات حديثة وتطبيقاتها التربوية في تعليم اللغة العربية، ص 75)، فمع استراتيجية التعلم التعاوني يحس المتعلم أنه عنصر فاعل وشريك في بناء قدراته وتطوير خبراته؛ حيث تفوض له مسؤولية اتخاذ القرار، ويتعهد إليه أمر إصدار الأحكام المميزة على أنشطته وأنشطة زملائه، أضف إلى ذلك توفير مواقف ووضعيات تسمح له بممارسة مهارات التفكير العلمي والاكتشاف والاستقصاء، فتنمى لديه مهارات تواصلية واجتماعية، تفيده في تجاوز كل ما من شأنه أن يعرقل مساره الدراسي والحياتي، (المرجع السابق، ص75).

ولذلك؛ فإن للتعلم التعاوني مجموعة من الفوائد والمزايا. فهو يؤدي إلى تنمية المهارات المعرفية والاجتماعية لدى المتعلم، ويؤدي إلى تنمية مهارات التفكير العليا، وينمي مفهوم الذات وثقة طالب العلم بنفسه، كما يحد من الإحساس بالخوف والقلق، وينمي المسؤولية الفردية، ويسهم في دمج الفئة المتعثرة بطيئة التعلم، ويحسن المهارات اللغوية والقدرة على التعبير، علاوة على تعلم الفرد كيف يتعامل ويتفاعل مع الآخر، والمهم أيضا اكتساب المتعلم الرغبة في العمل والتفوق، كما يزيد الدافعية في التعلم، ويتشبع المتعلم بقيم الانضباط والتسامح واحترام وجهة نظر الآخر، فتنمو قدراته العقلية والوجدانية والاجتماعية،(محمود هلال عبد الباسط، إستراتيجيات حديثة، ص 75-76). فالغرض من هذه الاستراتيجية جعل المتعلم أن يكتسب المتعلم مهارات معرفية، تتمثل في العمليات الذهنية التي توظف في التعلم؛ مثل معالجة المعلومات وإيجاد الروابط والاستدلال المنطقي، أما المهارات الاجتماعية فتتحدد في القدرة على الاتصاف بالسلوك الإيجابي اللائق في سياق مخصوص. (كارول رابي وسيلفي فيولا، نماذج التعليم ونظريات التعلم، ص 36).

وتعد الموضعة أو التحليل الذاتي للسيرورات أهم ما يميز هذه الاستراتيجية، وهي "أمر أساسي لضمان حسن سير الفرق، والعلاقات المتجانسة، وفعالية العمل التعاوني. ينبغي السماح للمتعلم بالتأمل والمناقشة من خلال مجموعات صغيرة وفي مجموعة كبيرة حول العمل الجاري إنجازه، وحول مساهمة كل عضو في العمل، والدور الذي يؤديه كل عضو، والمهارات الاجتماعية والمعرفية التي يجري تطويرها. يمكن للمتعلمين تحديد نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى تحسين في فريقهم ثم تحديد هدف الفريق للمهمة التالية"،      ( كارول رابي وسيلفي فيولا، نماذج التعليم ونظريات التعلم، ص 36-37).

إن استراتيجية التعلم التعاوني يغلب عليها المنزع العملي والتطبيقي، وهكذا يستطيع المتعلم إزالة كل العقبات التي تقف أمام نجاحه الدراسي، فيوفق في أنشطته بين المهارات الفكرية والعملية والتأملية. ومن ثم؛ يقتصر دور المدرس على تصحيح المعرفة في جانبها التقريري، بإبراز النماذج والأمثلة والمعطيات، ويترك للمتعلم مساحة واسعة للعمل، وتحقيق الارتياض العقلي والنقدي المطلوب، وعلى هذا الأساس يجب استثمار ما أمكن من الوسائل لغرس الفكر العلمي والنقدي وروح الموضوعية في الممارسة الصفية، من خلال أنشطة عملية تجريبية؛ لأن اكتساب العمليات العقلية يرتبط بالأداء المباشر؛ كالقدرة مثلا على الإدراك المباشر للعلاقات المكانية أو الكمية بين الأشياء، أو العلاقة بين فقرات نص ما، أو تعرف موقف الكاتب من قضية ما أو استخراج مختلف الحجج الموظفة في نص من النصوص. و"يتضح من ذلك أن بناء الشخصية والذكاءات أو القدرات العقلية والوظائف العقلية العليا هي انعكاس للواقع الثقافي بدرجة كبيرة، وأن القدرات لا تتوفر للطفل منذ ميلاده في شكل معطيات وراثية، أو في شكل قدرات ومقدرات قدرية جاهزة". (طلعت منصور، تنمية لغة العقل، استراتيجيات تنمية التفكير ما وراء المعرفي، ص 43).

2.4. خرائط التفكير القائمة على الدمج

 ويمكن الاعتماد لتطوير الممارسة الصفة على استراتيجيات أخرى تخدم تنمية مهارات التفكير النقدي؛ كاستراتيجية خرائط التفكير القائمة على الدمج والملاءمة. فلتدريس مهارة التفكير الإبداعي، يمكن الاتكاء على استراتيجية التخييل وتوليد الأفكار، ولتقييم مضامين مختلف الخطابات وأفكارها، يلزم هنا الاعتماد على مهارة التفكير النقدي. "وتعد استراتيجية خرائط التفكير القائمة على الدمج إحدى استراتيجيات التدريس الحديثة، والتي تسعى إلى دمج مهارات التفكير مع المحتوى التعليمي، وتعليمها للمتعلمين مع المحتوى في الوقت نفسه؛ فهي تؤيد الاتجاه الذي يسعى إلى تنمية مهارات التفكير من خلال المنهج، ودمجها مع المحتوى؛ لتعليمها للمتعلمين في نفس الوقت الذي يتعلمون فيه المحتوى". ( محمود هلال عبد الباسط، استراتيجيات حديثة وتطبيقاتها التربوية في تعليم اللغة العربية، ص 104)، ومع هذه الاستراتيجية تصبح المعارف والمضامين والمعلومات ليست غاية في حد ذاتها، فتصبح مثلا القراءة المنهجية وسيلة لتنمية الفكر النقدي؛ حيث تستهدف مجموعة من المهارات تبدأ بمهارة التذكر ثم مهارة الفهم والتطبيق والتحليل والتقويم والابتكار. وهذه المهارات تستدعي التقيد بمجموعة من الخطوات المنهجية؛ تبدأ بالتقديم للدرس، ثم عرض المهارة، والتدبر في عملية التفكير، وتطبيقه، وتقويمه. (المرجع السابق،104-105).

وتناسب استراتيجية خرائط التفكير أثناء تحليل النصوص الأدبية والنقدية، حيث يكون المتعلم مطالبا بالتعرف على نوعية النصوص وقراءتها قراءة منهجية، حيث منظورات قرائية خاصة تؤطرها خطوات مضبوطة، تتمثل في القراءة التوجيهية والقراءة التحليلية والقراءة التركيبية، وفي أثناء التحليل يتعرف المتعلم على الاتجاهات النقدية والأدبية، ويتشبع بالقيم التي تنمي التفتح على الثقافات الأخرى، أضف إلى اكتساب مهارات التعليق والحكم والتقويم والمقارنة واستخراج الأساليب الفنية واللغوية والحجاجية الموظفة حسب طبيعة كل نص.

وتتجلى قيمة هذه الاستراتيجية في حفز المتعلم على "ممارسة عمليات التفكير داخل المدرسة وخارجها بشكل مستمر، والتعبير عن الرأي ومشاركة المعلم أثناء شرح الدروس، والتعاون مع الزملاء والاهتمام بالتفكير الجماعي والتعاوني، وتقليل الحفظ والاستظهار للمواد الدراسية، والاهتمام بالفهم والتفكير والإبداع وحل الأنشطة التي تنمي مهارات التفكير المختلفة من نقد وإبداع، وربط المعلومات السابقة بالمعلومات الجديدة أثناء تعلم الموضوع، والإيمان بأهمية الدمج بين المحتوى ومهارات التفكير، مع تطبيق ما تم اكتسابه في مواقف جديدة". (المرجع السابق، ص 109).

3.4. التعلم بالاكتشاف:

التعلم بالاكتشاف هو استراتيجية عملية، تقتضي من المتعلم أن يعيد تنظيم المعلومات المكتسبة والمختزنة ذهنيا، ويكيفها تكييفا يؤدي به إلى اكتشاف علاقات جديدة لم تكن لديه من قبل. فهذه الاستراتيجية توفر للمتعلم مساحة مهمة ومناسبة ليستخدم الاستدلال المنطقي؛ أكان استقرائيا أم استنباطيا، كما يشجع التعلم بالاكتشاف التفكير النقدي؛ لأنه يعمل على المستويات العليا كالتحليل والمقارنة والتركيب والتقويم، ويُكسِب المتعلمَ التحرر من التبعية وتقبل الأفكار دون نقد أو تمحيص، مما يزيد من فرص تنمية الإبداع والابتكار ومن الدافعية للتعلم، (نصر الله محمد محمود معوض، المدخل إلى استراتيجيات التدريس، ص 338).

ويقسم الخبراء التربويون الاكتشاف إلى ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه الموجه والاكتشاف شبه الموجه، والاكتشاف الحر الذي يعد أرقى أنواع الاكتشاف، وهو مرحلة تأتي بعد التحكم في مهارات النوعين السابقين، وهذه الاستراتيجية تتبع جملة من الخطوات الإجرائية والمنهجية التي تتحدد في تقديم المشكل المراد دراسته إلى المتعلم، ثم يقوم المتعلم بجمع المعلومات من خلال تقنية سؤال وجواب أو البحث عنها في وثائق ومصادر خاصة أو استخدام أسلوب التجريب، ثم تأتي مرحلة التحقق من صحة المعلومات؛ حيث يتم فحصها ومقترنتها والتأكد من خلوها من التناقض والتضارب، ليصل المتعلم إلى مرحلة التنظيم والترتيب والتفسير بعد التأكد من صحة المعلومات، من أجل التوصل إلى حل مقنع، وفي نهاية المطاف يتم  تحليل عملية الاستكشاف وتقويمها، حيث ينظر المتعلم في جميع خطوات الاستقصاء التي اتبعها من أجل حل المشكل. (المرجع السابق، 341).

ومن مميزات هذه الاستراتيجية أنها تنمي القدرات العقلية، وتعلي من شأن الأسلوب العلمي في العملية التعليمية التعلمية، كما أن خبرات الاكتشاف والاستقصاء ترافق المتعلمين طوال حياتهم، كما أنها تجعل الأفكار والمعلومات المكتسبة أكثر قابلية للفهم؛ لأنها تصبح ذات معنى للمتعلم، ويستطيع المتعلم من خلالها أن يربط ربطا صحيحا بين المعلومات المكتشفة والمعلومات المكتسبة في بنيته المعرفية، فتترسخ في الذهن، إضافة إلى ذلك فإن هذه الاستراتيجية تنمي لدى المتعلم مهارات التفكير العليا من تحليل وتركيب وتصنيف وتقويم وتحليل عقلاني وإبداع وتوقع، وتشجع على التعلم التشاركي التعاوني، وتزيد الرغبة في التعلم، ومن ثم ينحو المتعلم في اتجاه الانتقال من الاعتماد على الجزاء أو التعزيز الخارجي إلى الاعتماد على التعزيز الداخلي، فتنمو دافعيته للتعلم والاكتساب، (المرجع السابق، ص 343).

الخاتمة:

نصل في الأخير إلى القول إن بناء مدرسة وطنية جديدة مفعمة بالحياة، ومنفتحة على محيطها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، يقتضي إيلاء أهمية بالغة لمهارات التفكير النقدي والموضوعي التي تسعف في النظر في المعارف والقناعات والأفكار الجاهزة، والتعامل معها بفكر نقدي موضوعي واع. كما أن بناء معارف جديدة نافعة ومهارات نقدية وإبداعية من شأنه أن يخدم المجتمع، ويدفع به نحو التأهيل والتقدم والإبداع والسعادة. ويتوقف كل هذا على تجديد الممارسة التربوية الصفية واحتضان نمط تعليمي جديد، يقطع مع الممارسة التقليدية المتكلسة التي ترسخ الأفكار الميتة، ويؤسس لإصلاح فكري شامل يناهض خطاب التجزيء والاختزال والفصل، وينهض على ربط المعارف ووصل بعضها ببعض، ويجعلها معارف ترابطية وتكاملية ومتعددة الأبعاد. ولن ينهض بهذه المهمة إلا ذلك الأسلوب التدريسي والتربوي الذي يتسلح ويتوسل بمهارات التفكير النقدي من تحليل واستقراء واستدلال واستنتاج ومقارنة وتقويم. ولا شك أن هناك اتفاقا وإجماعا لدى المهتمين في الحقل التربوي على أهمية تنمية مهارات التفكير النقدي في العملية التعليمية التعليمية. ولا يمكن أن نبخس الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، فهناك خطاب تربوي يدعو إلى تفعيل الفكر النقدي والموضوعي إلا أن هناك صعوبات في التنفيذ. ويترتب عن هذا تنزيل أو تطبيق بعض الخطوات والإجراءات العملية التي يمكن التركيز عليها لتثبيت هذه مهارات الفكر النقدي في الفصول الدراسية، لمساعدة المتعلمين على تنمية مهاراتهم في التفكير النقدي؛ كالعناية ببعض الاستراتيجيات التربوية الحديثة وتثبيتها في الممارسة الصفية؛ مثل التعلم التعاوني وحل المشكلات والاكتشاف وخرائط التفكير القائمة على الدمج والتعلم النشط.

المصادر والمراجع:

  1. إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، دار الساقي بيروت، ط1، 2012.
  2. أبو البقاء الكفوي، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، راجعه وعلق عليه محمد محمد تامر وأنس الشامي، دار الحديث القاهرة، ط1، 2014.
  3. إدغار موران، السبيل لأجل مستقبل البشرية، ترجمة وتقديم وتعليق بشير البعزاوي، منشورات الجمل، بيروت، ط1، 2019.
  4. إدغار موران، المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، إعداد خالد فارس، سلسلة المعرفة التربوية، العدد السادس، دار نشر المعرفة، ط1، 2019.
  5. خالد حسن الشريف، مهارات التفكير العليا "مفاهيم تصنيفات تطبيقات"، دار النابغة للنشر والتوزيع مصر، ط1، 2023.
  6. طلعت منصور، تنمية لغة العقل، استراتيجيات تنمية التفكير ما وراء المعرفي، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1، 2019.
  7. عبد الرحمان طعمة، التعليم والتواصل مقدمات نقدية في الثقافة واللسان، ترجمة ودراسة، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان الأردن، ط1، 2024.
  8. عبد الرزاق بلعقروز، الاتصاف بالتفلسف التربية الفكرية ومسالك المنهج، مركز نهوض للدراسات والبحوث، بيروت، ط1، 2022.
  9. عبد الكريم بكار، التعليم من أجل الريادة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة القاهرة، ط1، 2020.
  10. عصام جمال، التفكير الناقد منطق للحياة اليومية، ترجمة ودراسة وعرض، نيوبوك للنشر والتوزيع القاهرة، ط1، 2019.
  11. كارول رابي وسيلفي فيولا، نماذج التعليم ونظريات التعلم، إعداد خالد فارس، سلسلة المعرفة التربوية، العدد السابع، دار نشر المعرفة، ط1، 2021.
  12. محمود هلال عبد الباسط، استراتيجيات حديثة وتطبيقاتها التربوية في تعليم اللغة العربية، عالم الكتب القاهرة، ط1، 2023.
  13. مصطفى النشار وحسنى هاشم، التفكير العلمي وتنمية البشر، روابط للنشر وتقنية المعلومات مصر الجديدة، ط1، 2017.
  14. المملكة المغربية، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 1999.
  15. نصر الله محمد محمود معوض، المدخل إلى استراتيجيات التدريس، عالم الكتب القاهرة، ط1، 2016.
  16. وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي الصيغة النهائية الكاملة، مديرية المناهج يوليوز 2021.
تتمة// في مهارات التفكير النقدي في الممارسة الصفية
Partager cet article
Repost0
6 novembre 2024 3 06 /11 /novembre /2024 16:55
التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات

التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات

الدكتور محمد دحماني*

دراسة محكمة

*أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية لمهن التربية والتكوين سوس ماسة

الملخص:

يتناول هذا المقال تطور التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب، بدءًا من فترة الحماية الفرنسية وصولًا إلى مراحل الاستقلال وما بعدها. يسلط الضوء على كيفية استخدام السلطات الاستعمارية للتخطيط العمراني كأداة للسيطرة، مع تفضيل المناطق الساحلية وتهميش المناطق الداخلية، وما تبع ذلك من تفاوتات اجتماعية ومجالية. بعد الاستقلال، حاولت الدولة مواجهة أزمة السكن والهجرة القروية عبر سياسات مركزية ثم لامركزية، شملت برامج الإسكان وإعادة الهيكلة، لكنها واجهت تحديات مثل التوسع العشوائي وضعف التنسيق. يعرض المقال محاولات المغرب لتحقيق توازن بين التنمية الحضرية والقروية، بهدف تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

الكلمات المفتاحية: التخطيط الحضري، التنمية الترابية، السياسات التعميرية، الفوارق السوسيو-مجالية، التوازن القروي-الحضري.

Abstract:
This article examines the historical and ongoing evolution of urban planning and territorial development in Morocco, spanning from the colonial era to contemporary times. It explores how French colonial policies prioritized economic and administrative control, leading to urban planning strategies that favored coastal cities and marginalized rural and inland areas. The consequences of these colonial policies created lasting socio-spatial imbalances. Post-independence efforts by the Moroccan government aimed to address housing shortages and rapid urbanization through various strategies, transitioning from centralized governance to decentralized planning. Despite significant efforts, challenges such as informal urban expansion and insufficient strategic coordination remain. The article emphasizes the importance of integrating urban and rural planning frameworks to promote balanced, sustainable, and inclusive territorial development in the future.
Keywords: Urban Planning, Territorial Development, Urban Policies, Socio-Spatial Disparities, Rural-Urban Balance.
تمهيد:

لقد مر التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب بمراحل متعددة، تعكس كل منها الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بها. بدءا من فترة الحماية الفرنسية، التي كان الهدف الأساسي فيها هو خدمة المصالح الاستعمارية من خلال إقامة بنية تحتية ملائمة للأنشطة الاقتصادية الأوروبية، إلى مرحلة الاستقلال التي حملت تحديات جديدة للدولة المغربية الفتية. ومع مرور الزمن، أصبح من الضروري وضع رؤية واضحة للتنمية المستدامة تراعي التوازن بين المجالين الحضري والقروي.

لقد فرضت الفجوة بين المدن الساحلية والمناطق الداخلية تحديات كبيرة، إذ تركزت الاستثمارات والبنية التحتية على المحور الساحلي الممتد من الدار البيضاء إلى القنيطرة، مما عمق التفاوتات السوسيو-اقتصادية بين المناطق. على الرغم من المحاولات العديدة للحد من هذه الفوارق، مثل إطلاق مشاريع الإسكان الاجتماعي وإدماج التجهيزات الأساسية تدريجيًا في الأحياء الناشئة، إلا أن الأزمة الحضرية ظلت قائمة. ومع التوسع العمراني السريع والهجرة القروية نحو المدن، أصبح التحدي الأكبر هو كيفية وضع سياسات تعميرية فعالة، تجمع بين التوقع والاستشراف وتحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع فئات المجتمع.

وفي إطار السعي لتحقيق ذلك، اتخذت الدولة المغربية خطوات نحو لامركزية التخطيط، مما أتاح للجهات المحلية المشاركة في إعداد البرامج وتسيير الموارد. ورغم هذه التحولات، ما زالت السياسات الحضرية تواجه معوقات عديدة، تتعلق بنقص التنسيق بين المتدخلين وغياب رؤية شمولية مستدامة. إن فهم تطور التخطيط الحضري في المغرب يتطلب تحليلا عميقا للسياسات المتبعة عبر الزمن، وتأثيرها على التوزيع المجالي والعمراني، وكذلك استشراف السبل الممكنة لتحقيق تنمية شاملة وعادلة.

وعلى العموم فقد هيمن على سياسة التعمير وإعداد التراب بعد معالجة المشاكل القائمة ولم تعر الاهتمام اللازم للبرامج المستقبلية التي يقتضيها توسع العمران في الآجال المتوسطة والطويلة، فقد تم الإكتفاء بأدوات التعمير الموروثة عن عهد الحماية التي كانت بدورها تهتم بالواقع القائم ولم تعر الاهتمام اللازم للتعمير التوقعي. إن طرق التعمير المستعملة خلال فترة الاستقلال لم ترتكز على سياسة للتنمية الحضرية محددة بشكل دقيق بقدر ما كانت تسعى الى التخفيف من أزمة السكن أكثر من ادماج ابعاد التخطيط الحضري والجودة المعمارية. هذا الواقع كان أصلا في اضطراب توجهات وثائق التعمير، وجعلها كوسائل غير اجرائية او غير فعالة.

أولا: التطور التاريخي للتخطيط الحضري بالمغرب في عهد الحماية:

إن الفهم الصحيح لسياسة أي دولة في مجال التخطيط الحضري يتوقف على فهم التطور التاريخي لهذه السياسة عبر المحطات التي مرت منها، سواء في إطار سياق دولي، من خلال استكشاف المراحل الأولى لبداية الاهتمام بالتخطيط الحضري والتجارب التي مرت منها، أوفي إطار سياق وطني عبر الوقوف عند أهم التشريعات والمؤسسات التي تعنى بالتخطيط الحضري.

  •  أ التخطيط الحضري في مرحلة الحماية وقواعد التهيئة الحضرية في خدمة الهيمنة الاستعمارية 1913-1926.:

عرف المغرب تطبيق مجموعة من الأدوات والإجراءات في مجال التخطيط والتعمير شكلت دعائم لإقامة بعض الأشغال العمومية ولتأطير وتوجيه وتنظيم التوجهات العمرانية، ولقد طغى على هذه الأدوات هاجس تنظيم المجال الترابي بشكل يؤمن تمركز الرأسمال الاستعماري ويوفر شروط سيطرته، ولأجل ذلك عمل نظام الحماية على تجميع عناصر المجتمع العصري الصناعية والتجارية داخل ما يسمى "المغرب النافع" أي داخل فضاء محور ساحلي ما بين الدار البيضاء والقنيطرة على مسافة مائة وثلاثون كيلومترا.1

كان الهدف من هذه الأدوات هو السعي الى تحقيق الأهداف التي رسمها اليوطي بموجب جملة من القرارات الحاسمة، ويمكن حصرها في النقط الأساسية التالية، التمركز المجالي، تهيئة المدن، والتشريع العمراني:

- التمركز

تجلى ذلك في تأسيس ميناء على بعد 90 كلم جنوب الرباط، وتطور الدار البيضاء لتصبح عاصمة اقتصادية. وتأسيس مدينة جديدة على بعد 45 كلم شمال الرباط، ميناء ليوطي التي اصبحت تسمى من بعد القنيطرة، كما اصبحت الرباط عاصمة ادارية.

أدى هذا التحول المجالي، سواء المرتبط بالعاصمتين الإدارية والاقتصادية، أو إنشاء مدينتي القنيطرة والمحمدية، الى وضع هيكلة حضرية جديدة تمتد من البيضاء الى قنيطرة، عوضت الهيكلة الحضرية السابقة على الاستعمار، حيث انفكت العديد من المدن الداخلية عن الدورة الاقتصادية (دمنات، صفرو، الصويرة...)، الشيء الذي خلق تفاوتات سوسيو مجالية واقتصادية بين هذه المدن والمدن الساحلية، أدى قرار التمركز لفائدة المحور الساحلي الدار البيضاء قنيطرة وتهميش الوسط القروي، الى زحف الموارد البشرية والطبيعية نحو المدن الساحلية، الشيء الذي افرز نتائج منها: تسريع التحضر او التمدن وتعميق اللانوازن الحضري.

- تهيئة المدن:

لقد تجلى القرار الثاني والمهم للمقيم العام اليوطي في تهيئة المدن قصد استقبال الاوربيين وخاصة الفرنسيين منهم.2

  • عزل المدن العصرية عن المدن العتيقة التي ستبقى محاصرة داخل أسوار كوسيلة للحفاظ على هذه المدن ولكن في نفس الوقت لمراقبة هذه المدن والتحكم في التحركات والتمردات التي تقع فيها.
  • إنشاء المدن العصرية وفق نمط عصري تستعمل فيه أدوات ومناهج تعمير عصرية من أجل استقطاب الأوربيين. حيث وصل بروست الى المغرب سنة (1913)، وصمم مخططات التهيئة لعشر مدن جديدة وقديمة (الرباط، فاس، مكناس، مراكش، وزان، أكادير، تازة، قنيطرة).

- التشريع:

  • عزل المدن العصرية عن المدن العتيقة التي ستبقى محاصرة داخل أسوار كوسيلة للحفاظ على هذه المدن ولكن في نفس الوقت لمراقبة هذه المدن والتحكم في التحركات والتمردات التي تقع فيها.
  • إنشاء المدن العصرية وفق نمط عصري تستعمل فيه أدوات ومناهج تعمير عصرية من أجل استقطاب الأوربيين. حيث وصل بروست الى المغرب سنة (1913)، وصمم مخططات التهيئة لعشر مدن جديدة وقديمة (الرباط، فاس، مكناس، مراكش، وزان، أكادير، تازة، قنيطرة).

- التشريع:

بالإضافة إلى قرار التمركز والتهيئة، لقد وضع ليوطي منذ (1914)، أول قانون للتعمير في المغرب انطلاقا من هذا القانون لم يعد من الممكن بناء اي شكل معماري دون الحصول على رخصة مسبقة من طرف الإدارة، سعى من خلاله الى إضفاء الشرعية على تدخلاته في المجال بالإضافة الى مجموعة من الآليات القانونية المصاحبة له كقانون نزع الملكية وغيره. وألزم ظهير 14 يونيو (1933) التجزئات بضرورة احترام محتويات وثائق التعمير وأصبحت التجزئات بموجب هذا الظهير من عمليات العمران التي تؤثر في تحديد معالم المدينة، لتقنين اعمال التهيئة والتصرف بسرعة أكثر لتوطين الساكنة الأوروبية. في الواقع، هذه الاجراءات استجابت لضروريات الحاجيات السياسية في المراقبة والدفاع قبل ان نستجيب للضرورات الحضرية الصرفة والتهيئة. فقد أصبحت هذه القوانين والأدوات وسائل بيد السلطة العمومية لمراقبة وتطور العمران ولتهيئة وإعداد المجال المغربي حيث وضعت بين يديها إطارات لتصفيف الأبنية وتصاميم لتهيئة المدن وتوسيعها ومنحت الإدارة الإطار القانوني للتدخل في عمليات البناء ولمراقبة التجزئات السكنية ولفرض تطبيق تصاميم التهييء وقد ساعدت هذه التشريعات سلطات الحماية على بناء أحياء أوربية لاستيعاب الأوربيين الوافدين على المغرب أخذت شكل مدن جديدة الى جانب المدن العتيقة التي ظل يسكنها المغاربة.3

فرغم الجهود المبذولة عن طريق التشريعات، فان توقعات مخططات التعمير ستكون متجاوزة من طرف الوقائع، مادامت الادارة لازالت في مرحلة التنظيم، لا تستطيع المتابعة والمراقبة والتوجيه الفعال لتنمية المدن العشوائية غالبا. كما ان التنظيم المتوقع سرعان ما يتجاوز حدوده بتيار غير مراقب مكونا نسيجا غير متجانس.

  • ب -التهميش وظهور أحياء الصفيح (1926-1946):

ثم انشاء المكتب الشريف للسكنى للأوربيين في سنة 1942، وكما تدل على ذلك تسميته، أحدث هذا المكتب لتلبية حاجيات الجالية الأوربية الهاربة من ويلات الحرب العالمية الثانية، وقد أخذت هذه المؤسسة في بناء عدد كثير من المدن (الدار البيضاء، الرباط...) ومدينة جديدة هي المحمدية. وقد اعترف ميشال ايكوشار نفسه بأن المدن الجديدة تم إحداثها أساسا لفائدة الأوروبيين دون اهتمام بحاجيات المواطنين المغاربة. في المقابل نجد أن المتضرر، من السياسة الاستعمارية، كان هو المواطن المغربي بحيث لم تقم السلطات الاستعمارية بأي عملية لإسكان المغاربة، اللهم تجميعهم، خصوصا منهم المقاومين، في أحياء قصديرية ضخمة أو في بعض التجزئات غير قانونية.

انطلاقا من هذه الحقبة أصبحت توقعات وثائق التعمير متجاوزة في علاقة مع أهمية وعمق التفاوتات بين الاحداث والتوقعات. لأنها لم تعط اية حلول بالنسبة للمشاكل الناجمة عن الانتشار الواسع للأحياء السرية وأحياء الصفيح، فنهجت الإدارة الاستعمارية سياسة التخطيط الحضري التي تبناها المقيم العام "إيريك لابون " تحت اشراف المهندس المعماري " ايكوشار " الذي وضع برنامجا سنة (1946) لإصلاح الأوضاع يتضمن:

- إعادة تنظيم مصلحة التعمير،

- وضع استراتيجية حضرية جديدة تقوم على تحديد عناصر إعداد التراب،

- تخطيط لتصاميم المدن.

فلتخفيف الضغط على المحور الساحلي (البيضاء - القنيطرة )، وبهدف خلق محاور جديدة للنمو، عمل البرنامج على لامركزية المناطق الصناعية لفائدة المدن الصغيرة والمتوسطة كمكناس واسفي ومراكش.. عن طريق توقعها في تصاميم التهيئة الجديدة لهذه المدن.انطلاقا من هذه الفترة ظهرت ثلاث ظواهر بشكل عميق في مجال السكن: أحياء الصفيح، التجزئات السرية، الضغط السكاني الكبير على المدن القديمة.4

وأمام هذه الوضعية، أصبح للسلطات تدخل محدود أو منحصر في اعادة اسكان  دور الصفيح داخل المجالات البلدية.

ج- تجاوز اللاتوازن المجالي قروي- حضري (1946-1956):

انطلاقا من سنة 1948 تضمنت كل التصاميم التهيئة منطقة صناعية واسعة لتجسيد مفهوم اللامركزية الصناعية، كما كان هناك اقتراح يتعلق بتأسيس مخطط التهيئة للمحور الساحلي للتحكم في التنمية للميتروبول الساحلي الممتد من الدار البيضاء الى القنيطرة، قادر على استقبال الساكنة الحضرية المستقبلية. وفيما يتعلق بالوسط القروي فقد تم انشاء سلسلة من تصاميم النمو لبعض المراكز لخلق بنية تحتية للربط بين المدن وهذه المراكز، الشيء الذي يعطي لهذه الأخيرة حظوظا في التنمية المستقبلية.

وقد تميز التدخل خلال هذه الفترة بإدخال القطاع الصناعي، والوسط القروي في التعمير، هذا بهدف التفكير والتوجه نحو تنمية المدن الداخلية مثل (فاس، مكناس، بني ملال، مراكش...) قصد خلق التوازن او اعادته بين اقطاب النمو لخلق التوازن بين الوسط الحضري والوسط القروي. أما بالنسبة للقوانين الجديدة في مجال التعمير والذي عملت المصلحة الخاصة بقطاع السكنى والتعمير بتعاون مع إيكوشار على صياغتها نجد ثلاثة قوانين أساسية ثم بمقتضاها إلغاء مقتضيات قوانين التعمير التي عرفتها فترة مارشال ليوطي، ففي سنة (1951) تم وضع قانون جديد لنزع الملكية من أجل المنفعة العامة (ظهير 13 أبريل 1953). وجاء هذا القانون لتخفيف مسطرة نزع الملكية حيث حددت فترة نزع الملكية في سنتين بدل ترك هذه الفترة مفتوحة لسنوات طويلة في حالة عدم إقدام الإدارة على نزع ملكية الأراضي التي يعلن بخصوصها عن المنفعة العامة. وأصبحت مسألة تحديد قيمة التعويض لفائدة أصحاب الأراضي المنزوعة ملكيتها تتم وقت نشر مقرر التخلي بدل الإعلان عن المنفعة العامة كما كان ينص على ذلك ظهير 31 غشت (1914)5 .

وبعد مضي سنة على إصدار هذا القانون، جاء ظهير 30 يونيو (1953) المتعلق بالتعمير ليحل محل ظهير 16 أبريل (1914). وتضمن القانون الجديد مجموعة من المقتضيات والأدوات الجديدة، حيث تم إدخال ولأول مرة تصميم التنطيق ضمن وثائق التعمير وذلك بهدف ملئ الفراغ الذي كانت تعرفه بعض المناطق أثناء غياب تصميم التهيئة. لذلك أدخل المشرع مفهوم الوقاية في مثل هذه الحالة، حيث أجاز للإدارة الامتناع عن تسليم رخص البناء والتجزيء في حالة وجود فراغ قانوني، وذلك بغية تفادي السقوط في بعض الأخطاء التي تعرقل عمل المخططين في المستقبل.

رغم أن سياسة التخطيط الحضري لهذه المرحلة وصلت الى تكوين مدن جديدة بجودة معمارية عالية، فإنها تركت من ورائها مشاكل هامة والتي هي حاليا أساس اللاتنظيم العمراني للمجال، والتعمير الفوضوي. إنها السياسة التي لم تنصب الا على المدن الكبرى، باعتبارها مجال حضري معزول، ولم تضع أي تصور لإدماج الوسط القروي في نسقه.

إلا أن فشل سياسة الحماية في مجال التعمير قد ظل جليا حتى بداية الخمسينات، فلم تعر هذه السياسة الاهتمام اللازم لكل المغاربة حيث بقيت المدن العتيقة الخاصة بهم حبيسة أسوارها وبعيدة عن كل تطور حضاري يقع خارج هذه الجدران فأدت كثافة الهجرة القروية نحو هذه المدن الى استفحال المشاكل داخلها، صارت مجالا لتكدس عدد كبير من السكان في غياب أبسط البنيات الأساسية الكفيلة باستيعاب الوافدين الجدد فنشأ عن ذلك انتشار قوي لمدن الصفيح في الضواحي واتسعت دائرة المضاربين العقاريين الذين بادروا الى الاستثمار في ضواحي هذه المدن بشراء الأراضي وتحزئتها دون أن تتوفر على التجهيزات الضرورية للسكن.6 ومجمل القول فإن أدوات التعمير وسياسة إعداد التراب التي طبقت حتى بداية الخمسينات كان لها بعد تنظيمي صرف وغابت عنها أبعاد التوقع والتصور التي تعد اساس كل تعمير عقلاني.

 

تابع

التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات
Partager cet article
Repost0
6 novembre 2024 3 06 /11 /novembre /2024 15:54
تتمة // التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات

تتمة // التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات

الدكتور محمد دحماني*

دراسة محكمة

*أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية لمهن التربية والتكوين سوس ماسة

الملخص:

يتناول هذا المقال تطور التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب، بدءًا من فترة الحماية الفرنسية وصولًا إلى مراحل الاستقلال وما بعدها. يسلط الضوء على كيفية استخدام السلطات الاستعمارية للتخطيط العمراني كأداة للسيطرة، مع تفضيل المناطق الساحلية وتهميش المناطق الداخلية، وما تبع ذلك من تفاوتات اجتماعية ومجالية. بعد الاستقلال، حاولت الدولة مواجهة أزمة السكن والهجرة القروية عبر سياسات مركزية ثم لامركزية، شملت برامج الإسكان وإعادة الهيكلة، لكنها واجهت تحديات مثل التوسع العشوائي وضعف التنسيق. يعرض المقال محاولات المغرب لتحقيق توازن بين التنمية الحضرية والقروية، بهدف تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

الكلمات المفتاحية: التخطيط الحضري، التنمية الترابية، السياسات التعميرية، الفوارق السوسيو-مجالية، التوازن القروي-الحضري.

تتمة

ثانيا: كرونولوجيا التخطيط الحضري بالمغرب في عهد الاستقلال: 

  • تعدد مقاربات التخفيف من أزمة السكن للفئات الاجتماعية (1957-1967):

عرفت نهاية الخمسينات حكومة تقدمية حملت شعار مواجهة المصالح الاستعمارية الاقتصادية، ما يهمنا فيها هو قطاع السكنى والتعمير الذي تبنى شعار السكن الشعبي والدولة وهي المشيد الأول. النتيجة أن ما شيدته الدولة كان هزيلا، لذلك عملت على تشجيع القطاع الخاص من أجل الاستثمار في هذا القطاع. إلا أن تطلعات السلطات العمومية لم تستطع أن تواجه التضخم اليومي لحاجيات السكان الحضريين فكانت سياسة التعمير في مجملها يغلب عليها هاجس معالجة المشاكل الآنية المترتبة عن العجز الحاصل بدل الانشغال ببرمجة الحاجيات على المدى المتوسط والبعيد.

خلال هذه الفترة، استهدفت الدولة بالعمليات الجديدة للتعمير في اطار المخطط الثنائي (1958-1959) مبدأ السكن للغالبية العظمى و كذلك المخطط الخماسي (1960-1964) الذي أعطى انطلاقة برامج السكن للفئات الاجتماعية الضعيفة، وحل مشكل السكن، كما كان يهدف الى التحكم في التنمية الحضرية و تجهيز الانسجة الحديثة البناء، عن طريق ما يسمى بالتجزئات الاقتصادية وإعادة الإيواء.7

- التجزئات الاقتصادية:

عن طريق عمليات التعمير هذه، بادرت الدولة الى ادماج المبادرات الخاصة في اطار المخطط الثلاثي (1956-1967) الذي كان يهدف الى ادخال المبادرات الخاصة في مجال السكن. حيث تكلفت الدولة بتهيئة المجال وتمويل البناء عن طريق قروض مسترجعة داخل مدة تتراوح ما بين 15و 20 سنة مع معدل ربح يتراوح ما بين 3% و4% فالمساهمة الشخصية المفروضة تقدر قيمتها ب 10 الى 20% من معدل الانتاج الكلي او الاجمالي. ويسمح هذا النوع من التعمير بإدماج التجهيزات العمومية للسكن (مدارس، مساجد...) بشكل تدريجي.

إعادة الإيواء: اللحم الصحية (TSA):

تشمل اعادة ايواء مدن الصفيح تهيئة بعض المرافق في مجال فارغ: مؤسسات، طرق ثانوية، الإنارة العمومية، الساكنة. والفضاء المتبقي يجزئ الى قطع صغيرة بمساحة 35م² لإعادة إسكان دور الصفيح. حيث تم تسويق قرابة 9000 سكن خلال الفترة الممتدة ما بين 1962- 1965 بسبع مدن مغربية.8

- المقاربة الجهوية للتخطيط الحضري ( 1968-1972):

على ضوء هذه الخلاصات كان ضروريا، على الدولة، اعادة النظر في السياسة المتبعة فيما يتعلق بالتنمية الحضرية. ففي فترة السبعينات حاولت الدولة من خلال القانون الإطار التوجه في سياسة حضرية جديدة تهدف وتعتمد تخطيط مجموع التراب الوطني وذلك باستعمال الأدوات الملائمة في كل المستويات، مثل التصاميم المديرية للمدن وتصاميم الهيكلة الريفية وتصاميم استعمال الأرض للأحياء...إضافة إلى سلسلة قوانين تتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة والضريبة على الأراضي العارية...9.

ولقد صحب القانون الإطار ظهور مؤسسة جديدة هي مركز الدراسات والأبحاث والتكوين CERF لدراسة وتحضير مبادئ الاستراتيجية الجديدة بحيث يتوفر هذا المركز على فرق متعددة الاختصاص وآخرون تحت إشراف قسم التعمير والسكنى لتفعيل هذا القانون الإطار، ومن بين الاهداف الاساسية لهذا المركز ادماج المدينة في اطار رؤية شمولية للتهيئة وايجاد الحلول الواقعية المتوافقة مع خصوصياتنا المحلية. أما أهم وسائل التدخل فتمثلت في تصاميم الهيكلة والتوجيه S.S.O على المستوى الجهوي، والتصاميم المديرية على مستوى المدن وتصاميم استعمال الأرض على مستوى الأحياء. كما تم إحداث المؤسسات الجهوية للبناء من أجل تنفيذ مشاريع الدولة. قام مركز التجريب والبحث والتكوين باقتراح وضع تشريع جديد يتضمن وثائق التعمير جديدة تسعى الى ربط المدينة بمحيطها الجهوي من خلال:

- مخطط الهيكلة والتوجيه الذي يقترح برنامج اجرائي للعمل، لتجهيز وحدة جهوية من التراب الوطني،

- خطط توجيهي يتعلق بكل التجمعات والذي يحدد بشكل دقيق العمليات الاساسية للتهيئة الحضرية وتجهيز المراكز،

- تصميم استعمال التربة: معد على مستوى حي معين الذي يحدد قواعد استعمال التربة، المصالح الضرورية، البنايات العمومية.

 

كما ارتكزت الاستراتيجية الجديدة للتحكم في صيرورة التعمير خلال هذه الفترة على:

- تشجيع البناء الذاتي،

- ادخال التجهيزات بالتجزئات السرية بطريقة تدريجية،

- إعادة هيكلة احياء الصفيح،

- تبني التعمير العملياتي،

- الاهتمام بالتهيئة المجالية (حضرية، قروية)،

- اعتبار العقار في التهيئة.10

- البناء الذاتي:

لقد تقلصت ميزانية السكنى خلال المخطط الخماسي (1972) و(1968) الذي أعطى الأولوية للتنمية الفلاحية والسياحية وتكوين الأطر، فرغم ذلك استمرت الدولة في تهيئة المجالات بتجزيئ القطع الارضية حيث سيتكلف السكان ببنائها أو تتكلف بذلك المقاولات الصغرى، تحت تأطير وتوجيه الدولة.

- ادخال التجهيزات بالتجزئات السرية بطريقة تدريجية

رغم أن التشريعات كانت تمنع بيع الاراضي الغير المجهزة الا ان الدولة وأمام تفاقم أزمة السكن، فإنها التجأت الى اعتماد مبدأ مناطق للتجهيز التدريجي ZED يهدف هذا المبدأ الى تجهيز هذه المناطق عبر مراحل، يعني سنسمح للسكان بالاستقرار في مجالات معينة ومناطق معينة أولا، ثم تجهيزها عبر مراحلثانيا أسبقية السكن على التجهيز.

- اعادة هيكلة أحياء الصفيح:

سعت السلطات العمومية الى الحد من انتشار دور الصفيح عن طريق اعطاء سكان هذه الدواوير الملكية المباشرة لقطعة أرضية، والتي من أجلها سيدفعون قدر مالي وشهري، وبذلك تحولت أحياء الصفيح الى سكن صلب عبر مختلف مدن المملكة، وبذلك أصبح للدولة دورا كبيرا في ميدان السكن.

  • اللامركزية والتوازن المجالي الجهوي ( 1973-1985):

أعطى المخطط الخماسي (1973-1977) - أهمية للتنمية بالوسط الحضري كما بالوسط القروي، فانطلاقا من سنة 1973 تضمنت كل تصاميم التهيئة منطقة صناعية واسعة لتجسيد مفهوم اللامركزية الصناعية، كما كان هناك اقتراح يتعلق بتأسيس مخطط التهيئة للمحور الساحلي للتحكم في التنمية للميتروبول الممتد من الدار البيضاء الى القنيطرة، قادر على استقبال الساكنة الحضرية المستقبلية. وفيما يتعلق بالوسط القروي فقد تم انشاء سلسلة من تصاميم النمو لبعض المراكز لخلق بنية تحتية للربط بين المدن وهذه المراكز، الشيء الذي يعطي لهذه الأخيرة حظوظا في التنمية المستقبلية.

- التهيئة بالوسط القروي: تركزت جهود الدولة على التهيئة الهيدرو فلاحية للسهول الفلاحية الكبرى مثل سهل الغرب سنة (1974)، وجاء المخطط الخماسي( 73-77) ليحاول الربط بين التخطيط الوطني وضرورات النمو الجهوي وبالضبط البحث عن أحسن موضعة للسكان والأنشطة والتجهيزات فعمل على توزيع الأراضي على صغار الفلاحين ودعم تدخل الدولة لضمان القروض الفلاحية وأحدثت لجنة وطنية بمقتضى مرسوم 24 يناير 1974 من أجل المساعدة التقنية والإدارية للمجالس الجهوية من أجل تحديد العناصر الرئيسية لسياسة النمو الجهوي،11 وسعت الدولة خلال هذه المرحلة الى خلق توافق وانسجام بين برنامج السكن القروي وتجهيز المراكز القروية مع برنامج توطين مشاريع التنمية الفلاحية والصناعية والسياحية، بهدف خلق أقطاب أخرى للتنمية، وهذا كله من أجل تثبيت الساكنة القروية في مكانها. وهكذا فقد ركزت السلطات العامة في مخططاتها التنموية الاقتصادية والاجتماعية على الحد من أزمة السكن حيث رصدت اعتمادات هامة من المصالح الوصية على هذا القطاع كما برز أيضا الاهتمام بمجابهة الاختلالات الجهوية حيث تم تركيز الجهد من أجل تجهيز المراكز القروية وصدر ظهير 25 يونيو (1960) ليعنى بتهيئة التجمعات القروية وليسد الفراغ الذي نجم عن قصور قانون التعمير، وظهير (1952) الذي لم يكن قابلا للتطبيق سوى في المناطق الحضرية وضواحيها.12

- التهيئة بالوسط الحضري: تميزت هذه المرحلة بتعمير مهم حيث أن وزير السكنى آنذاك أطلق برنامجا عاما للتجزئات على مستوى المدن الكبرى والمتوسطة، كما نسجل أن هذه التجزئات لم تكن متوافقة مع تصاميم التهيئة الموضوعة للمناطق الموجودة بها، كما أنه وفي إطار المخطط الثلاثي 1978-1980 تم تشجيع مشاريع اعادة الهيكلة وإعادة الإيواء بدور الصفيح، بينما المخطط الخماسي 1981-1985 عرف خلق مجموعة من المؤسسات كالوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق ANHI.

كما أنه ركز (المخطط الخماسي (81-85) على الجهوية وسياسة إعداد التراب وعمل على إحداث مناصب للشغل من أجل تقليص الفوارق الاجتماعية (الجفاف الهجرة ازدياد البناء العشوائي). أما مخطط مسار التنمية (88-92) فقد اهتم بالمسائل الآتية:

- العناية بالعالم القروي (الكهرباء – الماء- الطرق)،

- تعزيز التخطيط الجهوي،

- اعتماد الخوصصة لتشجيع الاستثمار في مجال السكنى.

أخيرا بالنسبة لمخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2000-2004) فقد أعطى بدوره أولوية للعالم القروي وعمل كذلك على خلق توازن بين المدن والقرى وكذا خلق برنامج اجتماعي لفائدة الفئات المتوسطة والمحدودة الدخل مع بذل الجهود في محاربة السكن غير اللائق والحد من البناء العشوائي.13

خاتمة:

في ختام المقال، يتضح أن التخطيط الحضري والتنمية الترابية في المغرب قد شهد تطورًا معقدًا، عكس التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر العقود. ورغم أن المغرب قطع خطوات هامة في سبيل تحقيق التنمية الحضرية المتوازنة، فإن العديد من التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالتوسع العشوائي، التفاوتات المجالية، وتداخل الصلاحيات بين الجهات المركزية واللامركزية.

تؤكد هذه الدراسة على الحاجة الملحة لتطوير رؤية شاملة واستراتيجية متكاملة للتخطيط الحضري ترتكز على مبادئ الاستدامة والعدالة الاجتماعية. ينبغي أن تستند هذه الاستراتيجية إلى التنسيق الوثيق بين مختلف الفاعلين المحليين والوطنيين، مع مراعاة الخصوصيات المحلية في إعداد السياسات وتنفيذها. إن تحقيق تنمية ترابية مستدامة وشاملة يتطلب توظيف أدوات تخطيط مبتكرة، تعزز من قدرة المجالات الريفية على النمو، وتحسن من تكاملها مع المحاور الحضرية الكبرى، وذلك في إطار رؤية متكاملة تستشرف المستقبل.

لذلك، يُعد بناء منظومة تخطيط حضري تفاعلية وقابلة للتكيف مع المتغيرات السريعة من أولويات المغرب في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية العالمية. يتطلب هذا التحول إعادة النظر في الأطر القانونية والتنظيمية، وتفعيل مبدأ المشاركة المجتمعية، مما يسهم في تعزيز توازن حقيقي بين المجالات الحضرية والقروية ويضمن تحقيق العدالة المجالية والتنمية المستدامة لكافة المجالات المغربية.

هوامش الدراسة:

 -[1]  محمد معمر وأحمد أجعون، إعداد التراب الوطني والتعمير، كلية الحقوق بمكناس، ط1، 2005، ص:13.

2- Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », 1992, p:18.

3- محمد معمر وأحمد أجعون، إعداد التراب الوطني والتعمير، م، س، ص:14.

4-  نفسه، ص:15.

5- نفسه، ص:17.

6- نفسه، ص:19.

7 - Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », Op.cité, p:18.

8Ibid, P:18.

-9  محمد معمر و أحمد أجعون" إعداد التراب الوطني والتعمير"، م، س، ص:21.

10- Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », Op.cité, P:18.

-11  محمد معمر وأحمد أجعون، إعداد التراب الوطني والتعمير، م، س، ص:19.

12- Aarab H Et Ait Hadj Sliman A. « situation du processus de maitrise de l’urbanisation », Op.cité, P: 30.

13- Ibid, P:32.

تتمة // التخطيط الحضري والتنمية الترابية بالمغرب: الكرونولوجيا والتحديات
Partager cet article
Repost0
3 novembre 2024 7 03 /11 /novembre /2024 10:20
الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري

الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري

الدكتورة سعيدة نخوي*

دراسة محكمة

*أستاذة التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس مكناس

الملخص:

من خلال احتكاكه المبكر بالآخر الإسباني، وبحكم تكوينه في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وزياراته المتكررة لإسبانيا، استطاع محمد العربي المساري بناء تمثله  كأديب مغربي عن الآخر الإسباني من خلال:

- رصد القواسم المشتركة والجوانب الإيجابية التي تجمع المغرب وإسبانيا.

- الانتقال الديمقراطي بإسبانيا بين الإشادة والمخاوف الأمنية.

- التوتر بين البلدين ومسألة التجاوز.

الكلمات المفاتحية: إسبانيا- محمد العربي المساري –  المغرب - ديمقراطية – تاريخ مشترك – صور نمطية.

Summary:

Through his early interactions with the Spanish “other,” his background in political science and international relations, and his frequent visits to Spain, Mohamed El-Arabi Al-Massari was able to shape his perspective as a Moroccan writer on the Spanish “other” by:

- Observing the commonalities and positive aspects that connect Morocco and Spain.

- Examining Spain’s democratic transition, balancing between admiration and security concerns.

- Addressing the tension between the two countries and the issue of reconciliation.

Keywords: Spain – Mohamed Larbi Messari - Morocco - Democracy - Shared History - Stereotypes.

تمهيد:

على الرغم من أن الموضوع الإسباني في الأدب المغربي ظل ضئيلا، مقارنة بكمية الأعمال الأدبية الإسبانية حول المغرب - نظرا لكونه لم يعرف اهتماما كبيرا من طرف الأدباء المغاربة -، إلا أنه اليوم يعد موضوعا مثمرا؛ إذ أصبح الأدباء المغاربة، وخصوصا المعاصرين منهم، يستحضرون إسبانيا في أعمالهم سواء النثرية منها أو الشعرية، وأصبحوا يولون اهتماما أوسع بالشأن الداخلي الإسباني، والعلاقات الثنائية بين البلدين.

من بين المفكرين والأدباء المغاربة الذين اهتموا بالقضايا الفكرية والسياسية المرتبطة بالعلاقات العربية الأوروبية، والذي عرف بمجهوداته الحثيثة في العمل على إنجاح الحوار بين الثقافات، وبسعيه الدؤوب إلى نسج روابط الصداقة بين المغرب وإسبانيا، نجد محمد العربي المساري، الصحفي والكاتب والمؤرخ والسياسي والدبلوماسي، الذي يعد موسوعة فكرية، كونه ترك بصماته في مختلف حقول الإبداع، الشيء الذي أكسبه حضورا بارزا في كل المحافل الثقافية والفكرية التي شارك فيها، بفضل ثرائه الفكري والمعرفي. فكيف ينظر هذا الأخير للآخر الإسباني، وللتحولات التي عرفتها إسبانيا؟ وما هو تصوره للتاريخ المشترك والقضايا الثنائية العالقة بين المغرب وإسبانيا؟ وكيف يرى السبيل لتجاوز عقبات الماضي؟ هذه الأسئلة وغيرها تتعلق بمجموعة من المواضيع والقضايا التي شكلت محور تفكير محمد العربي المساري في تحليلاته وتمثله للجار الشمالي.

أولا: السياسة الإسبانية في مركز اهتمام العربي المساري:

من خلال مؤلفه "إسبانيا الأخرى"، تابع محمد العربي المساري تطورات النظام السياسي في مرحلة ما بعد فرانكو، ومسار الانتقال الديمقراطي الإسباني، وتدبير العلاقة مع الجار المغربي. فبعد تقديم لحسن أوريد استهل مؤلفه بمقال تحت عنوان: "رحيل أضولفو صواريث واحدا من آخر العمالقة(محمد العربي المساري، إسبانيا الأخرى، منشورات دار الأمان، ط1، 2015م، ص:13.) وهو عبارة عن مجموعة مقالات نشرها المساري في الصحافة، إثر وفاة السياسي الإسباني أضولفو صواريث، أحد رجالات الانتقال الديمقراطي بعد وفاة فرانكو، واصفا إياه ب " صانع الانتقال الديمقراطي، الذي يُعتبر الثورة الجذرية الوحيدة التي عرفها القرن العشرين بدون سفك دماء." فبعد وفاة فرانكو واستلام خوان كارلوس الحكم وبعد أقل من عامين "كان الضغط من أجل التغيير ملحا في الداخل والخارج، واضطر الملك الشاب أن يُدخل تعديلا على حكومة أرياس نافارو ( Arias Navarr) التي ورثها عن فرانكو، بإدخال عناصر تبعث إشارات اطمئنان إلى المجتمع الدولي"(نفسه، ص:13.) ويرجع محمد العربي المساري نجاح الانتقال الديمقراطي في إسبانيا إلى "أضولفو صواريث الذي صنع معجزة  حقيقية، هي فك النسق الفرانكوي وإقامة نظام جديد بكامله. وتوج ذلك باتفاق مونكلوا بين القوى السياسية المتباينة التي قررت أن تمضي بالتوافق إلى آخر مداه. وطيلة أربعة أعوام وسبعة شهور، هي المدة التي قضاها صواريث في الحكم، كانت الثقة الكاملة في كلمة الشرف التي أعطاها رجل مقتنع بالتغيير وبمستقبل إسبانيا هي البوصلة التي تهتدي بها الطبقة السياسية الإسبانية"(نفسه، ص:17-18.)

وفي سياق حديثه عن الانتقال الديمقراطي بإسبانيا، أشاد الكاتب بالدور الفعال الذي لعبه كل من:  "الملك خوان كارلوس"،  الذي كان يتمتع بصلاحية  " سن "قوانين الموفيميينتو" وهو الذي كان يمكن أن يتخذ هذا الاتجاه أو ذاك، ولكنه اختار الطريق السيار الذي يقود نحو الديمقراطية مباشرة" (نفسه، ص: 19.) ، و"فيليبي غونثالث" (Felipe Gonzalez) الذي كان من بين أهم رجالات الانتقال الديمقراطي - على حد تعبير "محمد العربي المساوي"-، لأنه كرس حياته من أجل خدمة الديمقراطية في واجهتين؛ الأولى: العمل ضد الديكتاتوريا بصفته محام مختص في قضايا الشغل. والثانية: العمل لبناء اشتراكية ديمقراطية حديثة على أنقاض الدوغمائية العتيقة، التي كانت تتهاوى في أوربا بكاملها وكانت تجد صداها في الشبيبة الاشتراكية بإسبانيا" (نفسه، ص: 19.)

في المقابل، تحدث "العربي المساري" عما تخلل فترة تنزيل الدستور من اضطرابات منذ (1975) إلى غاية (1978)، إذ "لم يكن هناك ما يبعث على الاطمئنان. ولهذا حدث ارتباك وصل إلى حد التشكيك أحيانا. وكانت أبرز مظاهر التعثر هي الاضطرابات الأمنية الخطيرة الناجمة عن إرهاب التنظيمات السرية، والتجاذب بين مختلف التيارات التي كان كل منها يتفرع عنه تيار منافس. نتحدث هنا عن حوالي 120 "تنظيما" لا يمكن إعطاؤها اعتبارا متساويا من زاوية امتلاك المصداقية" (نفسه، ص:26.)

 وقد حاول "العربي المساوي" مقارنة ذلك بالأحداث التي وقعت في المغرب سابقا، أيام عبد اللطيف الخطيب سنة (1956)، وما رافق ذلك من تنوع في الإبداع الفكري وتغير على المستوى الاجتماعي، والسياسي، ومجال الحريات التي أصبحت تتسع رقعتها أكثر فأكثر في مختلف مجالات الحياة. وكذا ما حدث من تغير في السياسة الخارجية للبلاد، فيما يتعلق بالجانب الأوروبي، وبالعلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، خاصة إذا ما تعلق الأمر بقضية الصحراء، "حيث آل للملك خوان كارلوس، بوصفه رئيس الدولة، أن يتولى تدبير الملف، حيث تابع عن كثب الأحداث التي تلت المسيرة الخضراء، والمفاوضات التي أجرتها حكومة الجهاز المذكور الذي له (1500) عميل في إسبانيا ساهم في ترتيب الأوضاع في فترة الانتقال هذه، حيث كان مهتما بألا يترك لليسار الشيوعي مكان الصدارة فيما بعد وفاة فرانكو"(نفسه، ص:30-31.)

كما نجده ينظر إلى إسبانيا من زاوية أخرى تخص المشاكل العالقة بين البلدين خاصة ملف الصحراء. حيث خصص فالقسم الثاني من مؤلفه لقضية الصحراء منذ عهد "فرانكو"، مرورا بفترة الانتقال الديمقراطي وما بعدها، مفصلا موقف فرانكو من القضية الذي تميز حسب رأيه بالتكتم، و"قصور فكر الديكتاتور عن فهم دينامكية تصفية الاستعمار التي كان العالم قد انخرط فيها بالتصريح العالمي المتضمن في التوصية الأممية (1514). وقبيل فتح ملف الصحراء بكيفية حاسمة في صيف (1974)... فبمقتضى القانون 9/68 بتاريخ 5 أبريل (1968) الخاص بما سمي بـ"الأسرار الرسمية" كان محرما الحديث عن علانية الصحراء وغينيا الاستوائية. ولم يرفع الحظر عن المسألتين إلا في سبتمبر (1974)". (نفسه، ص:54.) هذه السرية التي عرفتها القضية في عهد "فرانكو" ستعرف منحى آخر مع الانتقال الديمقراطي وتوسيع دائرة الحريات، إذ أصبحت محط مزايدات سياسية داخلية. "وفي محافل القرار كان التردد الذي شاب الموقف الإسباني يرجع إلى التجاذب بين اتجاهين، أحدهما يحدوه التصلب بدافع من مشاعر حاقدة ومنغلقة، والثاني يميل بواقعية إلى التفاهم مع المغرب. وكان هناك جزء صغير من العائلة الفرانكوية يؤمن بأن أسلم طريق يمكن أن تسلكه إسبانيا هو الوصول إلى تسوية مع المغرب"(نفسه، ص: 56.)

علاوة على قضية الصحراء، أظهر الكاتب محمد العربي المساري أيضا قلقه إزاء الوضع الذي أصبحت تعيشه فئة المهاجرين، المسلمين عامة، والمغاربة بالتحديد، إذ نجده يخصص في كتابه " إسبانيا الأخرى" مقالا تحت عنوان " تحفظ إزاء المسلمين المقيمين"، تطرق من خلاله لدور الإعلام في تشويه صورة المسلمين بإسبانيا، إذ "نشرت الصحف في سياق أحداث 11/9 معطيات عن النشرات التي يصدرها المسلمون الإسبان، وأبرزت بوجه خاص محتوياتها ذات الحمولة السلبية. ولم تخْلُ بعض المقالات من توجيه الاتهام إلى المسلمين، إسبان وغيرهم، بالتورط الجماعي في الإرهاب..." (نفسه، ص:86)

وبصفة عامة، نجد الكاتب ينظر إلى الهجرة من منطلقين: منطلق إسباني في تعامله مع المهاجرين المغاربة، حيث يعمل الإعلام على تجييش مشاعر العداء ضد المهاجرين، ومنطلق آخر، يظهر فيه حقيقة الوضع بالمغرب، والتي تتجلى في غياب فرص الشغل أمام الجيوش الهائلة من المعطلين. مما جعله يدق ناقوس الخطر بخصوص موضوع الهجرة الذي سيصبح كما يتوقع الكاتب من " أكثر أسباب التوتر بين البلدين في العشرية القادمة، ذلك أن الهجرة ناتجة عن انسداد الآفاق أمام مئات الآلاف من الشباب العاطلين، الذين تمثل الهجرة إلى الخارج المخرج الوحيد من وضع الإحباط الذي يعيشونه..." (نفسه، ص: 134.)

من هذا المنطلق، يدعو محمد المساري للعمل سويا على إيجاد حلول لظاهرة الهجرة، " وفي هذا السياق سيكون على صانعي الرأي العام من الجانبين العمل على تطويق التوتر، وعلى معالجة عقلانية لظاهرة الهجرة بصفة عامة، وللهجرة غير القانونية بوجه خاص. إنها المشكلة المرشحة لاحتلال الصدارة في أفق العلاقات الثنائية بسبب ما ينتج عن الهجرة غير المنظمة من أوضاع مزرية لا يرغب فيها أي من الجانبين..." (نفسه، ص: 134.)

وفي نفس السياق، ينظر محمد العربي المساري إلى كون هذه العلاقات المتشابكة، والمشاكل العالقة بين البلدين، والتصادم بين الفينة والأخرى  أمر عادي بين بلدين يجمعهما جوار جغرافي وتعایش تاريخي كان فيه دائما أخذ ورد بین ضفتي البوغاز. نحن ليس بنينا وبين أستراليا أي تصادم بل أي احتكاك. الجوار يولد فرص الاحتكاك. وهذا هو الحال بيننا وبين إسبانيا طيلة التاريخ.  منذ القرن السابع تحرك التاريخ في اتجاه جنوب شمال، ومنذ القرن الخامس عشر تحرك التاريخ في اتجاه شمال جنوب"(نفسه، ص: 127.)

 

تابع

الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري
Partager cet article
Repost0
3 novembre 2024 7 03 /11 /novembre /2024 10:09
تتمة // الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري

تتمة // الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري

الدكتورة سعيدة نخوي*

دراسة محكمة

*أستاذة التعليم الثانوي التأهيلي بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس مكناس

الملخص:

من خلال احتكاكه المبكر بالآخر الإسباني، وبحكم تكوينه في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وزياراته المتكررة لإسبانيا، استطاع محمد العربي المساري بناء تمثله  كأديب مغربي عن الآخر الإسباني من خلال:

- رصد القواسم المشتركة والجوانب الإيجابية التي تجمع المغرب وإسبانيا.

- الانتقال الديمقراطي بإسبانيا بين الإشادة والمخاوف الأمنية.

- التوتر بين البلدين ومسألة التجاوز.

الكلمات المفاتحية: إسبانيا- محمد العربي المساري –  المغرب - ديمقراطية – تاريخ مشترك – صور نمطية.

تتمة

ثانيا: أبعاد الإرث التاريخي المشترك بين المغرب وإسبانيا وفق رؤية العربي المساري:

تعود روابط "محمد العربي المساري" بإسبانيا لطفولته الأولى، كما أعرب عن ذلك بقوله: "تعود روابطي مع إسبانيا إلى يوم ولادتي. لقد جئت إلى العالم قبل عشرة أيام من الانقلاب الذي نفذه فرانكو، على وجه التحديد من خلال اتخاذ تطوان نقطة انطلاقه. أثناء قصف الطيران الجمهوري، سقطت قنبلة على المدينة وحولت حفل عقيقتي إلى مراسم حزينة للغاية"1.

هذا الحضور، ظل موجودا في فترة شباب الكاتب، بحيث حاول إظهار القواسم المشتركة بين الشعبين المغربي والإسباني، من خلال بعض القيم التي يتحلى بها كلاهما، كالكرم، التقاسم، التعايش... محاولا الكشف عن تلك الجوانب الإيجابية التي يشترك فيها الإسباني والمغربي، من خلال سرد أحداث عاشها: "كانت إسبانيا حاضرة فيّ طوال شبابي، كان لدينا جيران إسبان عندما كنا نعيش في شقة في باب سعيدة، كانوا معتادين على تقديم حلوى النوغة لنا في يوم رأس السنة الجديدة، مقابل كعكة الشباكية التي قدمناها لهم خلال شهر رمضان..."2.

نفس هذه القيم التي تحلى بها كل من المغربي والإسباني على أرض المغرب، وجدها محمد المساري حاضرة بإسبانيا، كما يوضح ذلك من خلال أول زيارة له للعاصمة الإسبانية: "في وقت لاحق، عندما كان عمري 20 عامًا، زرت مدريد. ركبت القطار من الجزيرة الخضراء… عندما حان وقت الغداء، وضع كل واحد من المسافرين يده في حقيبة السفر التي كان يحملها، وبإيماءة عفوية قدم للشخص الجالس أمامه جزءًا من وجبته، بينما أعاد هذا الأخير، نفس المجاملة إلى الشخص الذي أمامه. كان كل هذا مألوفًا جدًا" 3. هذا ما يؤكده عبد الله جبيلو في قوله " بالنظر إلى سهولة تعايش الإسبان والمغاربة واستيعابهم، يبدو أنه لا توجد بيننا اختلافات أكثر من اختلافات -الزي- وفي بعض الأحيان لا يوجد أي منهما، لأنه علاوة على الاختلافات الاجتماعية والدينية والسياسية، المصطنعة، هناك التقارب بين الطبيعة والعرقية والأنثروبولوجية، التي تخلق تيارات تعاطف لا تقاوم، والتي لا مفر منها لأنها قاتلة. هذا ما يقال عادة قوة الدم، وبما أن الإسبان والمغاربة هم، بالطبع، نفس العرق، فإنهم يتمتعون أيضًا بنفس العقلية الموازية والشخصية النفسية"4

إن عمق الصلات والترابط الكبير بين المغرب وإسبانيا، ساهم فيه التاريخ المشترك بين البلدين، خاصة الفترة الأندلسية، التي كان لهما دور أساسي في جلب الثقافة الغربية في اتجاه الجنوب، والعكس صحيح، حتى أضحى لا يمكن فصل تاريخ المغرب عن تاريخ الأندلس وبالعكس، كما يؤكد ذلك "أميريكو كاسترو" (Américo Castro) في قوله: "عندما أتحدث الآن عما هو "إسباني" أدركه في وعيي، كما أنه ذو ملامح وشكل لا يمكن لي البحث عن جذوره قبل عام (711م)" 5.

وقد أسهمت هذه الفترة من تاريخ البلدين بشكل كبير في رسم معالم الثقافتين المغربية والإسبانية، وهو  ما عبر الباحث محمد بن شريفة بقوله: "وقد ظهر أثر ذلك كله في النواحي الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، سواء في الأندلس، أو في المغرب، وما زلنا في المغرب إلى يومنا هذا نلحظ مظاهر ذلك التواصل، رغم مرور قرون على نهاية الأندلس، وما تزال آثار مادية ومعنوية مغربية في إسبانيا إلى اليوم شاهدة على الوجود المغربي الذي كان هناك" 6.

هذا الوجود، والحنين إلى الماضي الأندلسي المجيد، هو ما جعل "محمد العربي المساري" أثناء تواجده بغرناطة يجد نفسه تحت تأثير الشعور بالقوة والامتلاك حينا، والحزن والتحسر على ضياع الأندلس حينا آخر، فخلال مكوثه في غرناطة لمدة عامين لم يشعر بالغربة، فقد وجد نفسه يعرف المدينة أكثر مما يعرف مدينته تطوان " شعرت أن الحمراء وجنة العريف وحي البيازين كانت مألوفة بالنسبة لي أكثر من سكان المدينة. أنا القادم من تطوان، ابنة غرناطة إذا جاز التعبير، كان بإمكاني قراءة الآيات المخطوطة على الجدران ونقل معناها إلى أصدقائي الغرناطيين، الذين لم يتمكنوا من قراءتها. أعطتني هذه المهمة إحساسًا بالامتلاك. اعتقدت أنه منذ أن عرفت كيفية فك رموزها، فإن ما كتب على الجدران كان من حقي. حتى يومنا هذا، لم تتوقف كلمة الأندلس عن إثارة مشاعر الحزن وجرعة كبيرة من الغموض في داخلي" 7.

ثالثا: الصور النمطية للموروث في المخيال الاجتماعي الإسباني:

على الرغم من التثاقف  الكبير بين المغرب وإسبانيا، والإرث التاريخي المشترك بينهما، إلا أن "محمد العربي المساري" لازال يحس بالحاجز الكبير الذي يحول دون تحقيق الاندماج الكلي في الأوساط الإسبانية؛ حاجز امتد لقرون طويلة، وما يزال حاضرا إلى يومنا هذا، وفي هذا السياق يحكي العربي المساري واقعة تركت فيه جرحا، ظل يبحث له عن دواء حتى آخر أيامه. " عشت مع عائلة في غرناطة؛ أتذكر يومًا باردًا جدًا كنا نجلس حول وقح. كانت فتاة تبلغ من العمر 6 سنوات تجلس في حضني. في وقت من الأوقات، جاء صديقنا الراحل "حسن الرحموني" واستقبلني باللغة العربية. وفجأة صرخت الفتاة وركضت خائفة إلى والدتها التي كانت في المطبخ قائلة: «هناك مورو مع عمي العربي!» أجابت والدتها: «عمي العربي هو أيضًا مورو، لا تخافي من أي شيء». كان من الصعب طمأنة الفتاة. خمسة قرون قبل ذلك، كان الإسبان يميلون إلى استخدام كلمة «مورو» لإخافة أطفالهم، والكبار يصرخون في وجوه أقرانهم لإخافتهم: «هناك مورو على الساحل»، أي أن هناك مغاربة على الساحل" 8. هذا المشهد جعل "محمد العربي المساري" يدرك بجلاء أن المتخيل الإسباني لا يزال يتغذى على رواسب الماضي، ولا يزال يشكل في جوهره عائقا نفسيا، اجتماعيا، وسياسيا، يحتاج إلى معالجة نقدية من أجل تعزيز مسارات جديدة للتعاون والتعايش في الحاضر والمستقبل.

فالصور النمطية، وعلى الخصوص صورة "المورو"، التي ظلت مترسخة في المخيال الجمعي الإسباني، جعلت الإسبان يبنون على إثرها هواجس تحول دون تحقيق حوار فعال بين البلدين، يعمل على إيجاد حلول للقضايا الثنائية، كمشكل سبتة ومليلية مثلا، لذلك نجد العربي المساري يوجه خطابه إلى الجانب الإسباني، يلخص فيه رؤية المغرب الواضحة اتجاه إسبانيا، داعيا إياها إلى تجاوز رواسب الماضي قائلا: " في الجانب الإسباني هناك حاجة قوية لتصحيح الرؤية نحو المغرب والمغاربة. فالمغرب لا يمكن أن يشكل خطرا على إسبانيا. نحن نعيش في عصر آخر غير عصر التربصات المتبادلة والحروب "الوطنية". إن المغرب لا يريد أن تكون له مع إسبانيا إلا علاقات صحية متخلصة من رواسب الماضي الاستعماري. وليس صحيحا ما يتردد بسهولة في إسبانيا من أن المغرب يريد استرجاع الأندلس. هذه دورة تاريخية أقفلت. لكن أقلاما إسبانية تنبري كل مرة لترديد أن المغرب التوسعي يريد الاستيلاء على كانارياس. والتاريخ يسجل أن المغرب هو الذي محا من جدول منظمة الوحدة الإفريقية المطالبة باستقلال كانارياس. إن فكرة المغرب التوسعي تتردد دائما لتبرير رفض إعادة سبتة ومليلية والصخور المتوسطية"9. هذه الصور ليست حبيسة المخيال الإسباني وحده، بل في الجانب الآخر من المتوسط، نجد أن المخيال الجمعي المغربي لا يزال يحمل بعض الصور النمطية اتجاه الإسبان كـ "بورقعة" التي تشير إلى الفقر والتخلف مثلا.

لتجاوز ذلك، نجد "محمد العربي المساري" باعتباره واحدا من المثقفين المغاربة، يسخر قلمه لمحاولة تصحيح الصور النمطية العالقة بمتخيل البلدين، من خلال عرضها على الواقع، لإظهار زيفها وعدم صحتها، يقول معبرا عما وصلت إليه إسبانيا من تقدم: "اليوم في وسعنا القول إن التاريخ الحديث لإسبانيا أحدث مفارقة: نبتة من مزرعة فرانكو أثمرت كل ما نراه اليوم، أي دولة متقدمة اقتصاديا، وقوية سياسيا، وتجربتها في الانتقال الديمقراطي مضرب الأمثال"10.

كما أشاد في هذا الصدد بأعمال أعلام الفكر الإسباني اللذين يسعون من خلال أعمالهم إلى تصحيح الصور النمطية عن المغرب والمغاربة، ويدعون إلى ضرورة فتح قنوات الحوار بين إسبانيا والجار الجنوبي، من أجل التعاون وتحقيق أمن وتنمية البلدين، من هؤلاء نجده نوه في العديد من المناسبات بدور خيما مرتين  Gema Martinالتي "أنجزت منذ ما يزيد على سبع سنوات دراسة عن صورة الإسلام والعرب في مناهج التعليم المقررة في المدارس الإسبانية، بلوغا إلى تهذيب تلك المناهج وتخليصها من الصور النمطية الخاطئة التي تتسرب من خلال مناهج التعليم فيما يخص الإسلام والعرب". كما يشيد أيضا بكتابات ثلة من المفكرين الإسبان المهتمين بالشأن المغربي، مما يدل على " أن كمية ونوعية المعلومات المتوفرة للجانب الإسباني عن الشأن المغربي أصبحت غزيرة. يكفي التذكير بما نشره بيرنابي لوبيث غرثية (Bernabe Lopez Garcia)، وخيما مارتين مونيوث (Gemma Martin Muñoz)، ومغيل لاراميندي (Miguel Larramendi)، وأنا بلانيت (Ana Planet)، وضومينغو ديل بينو (Domingo del Pino)، وماري أنغوستياس باريخو (Mari Angustias Parejo)، وفيكتور ليثكانو (Victor Morales)، والعديد من الباحثين في التاريخ والوضع السياسي الراهن في المغرب، وفي التطور الاجتماعي" 11.

خاتمة:

إن الكاتب "محمد العربي المساوي"، ومن خلال سعيه الدؤوب إلى تحقيق التعايش، والتعاون، والتقارب بين المغرب وإسبانيا، استطاع من خلال كتابته أن يقدم صورا عن الجار الأوروبي ومؤسساته، صورا يجد أن ملامحها تغيرت، وأصبحت أكثر تطورا وديمقراطية من ذي قبل، كما نجده يدعو إلى ضرورة تجاوز الخصومات التاريخية، ويؤكد في ذلك على دور كل من سياسيي ومثقفي البلدين، لتكثيف الجهود، بغية تجاوز مخلفات الماضي، واحتواء خلافات الحاضر، وتوطيد الصلات بين المغرب وإسبانيا.

هوامش الدراسة

  1. Larbi Messari (Mohammed), La España que está en mi pensamiento, La imagen de Espana en Marruecos, Nourddine AFFAYA y Driss GUERRAOUI, Fundació CIDOB, 2005, p: 181.
  2.  Ibid., p: 181
  3.  Ibid., p: 181-182.
  4. djbilou (Abdellah), Miradas desde la otra orilla, Una visión de España (Antología de textos literarios marroquíes actuales), Agencia Española de Cooperación Internacional Instituto de cooperación con el mundo Árabe, Madrid,  1992, P: 56.
  5. أميريكو كاسترو، إسبانيا في تاريخها المسيحيون والمسلمون واليهود، ترجمة: علي إبراهيم منوفي، مراجعة: حامد أبو أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، ط3، 2003، ص:21. 
  6. بن شريفة محمد، العناية بتراث الأندلس في المغرب وإسبانيا، دورة التراث الحضاري المشترك بين إسبانيا والمغرب، غرناطة، 21-23 أبريل 1992 معلمة المغرب، المجلد الثالث، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، ص:820.
  7.  نفسه، ص: 820.
  8. Larbi Messari (Mohammed), La España que está en mi pensamiento, Ob. cit., p: 18
  9. محمد العربي المساري، إسبانيا الأخرى، ص:132.
  10. نفسه، ص:144.
  11.  نفسه، ص:150.

 

تتمة // الحضور الإسباني في كتابات المغربي محمد العربي المساري
Partager cet article
Repost0
2 novembre 2024 6 02 /11 /novembre /2024 21:03
جهود الدكتور محمد احميدة في تطور النادي الجراري

جهود الدكتور محمد احميدة في تطور النادي الجراري

الباحث وليد علا

طالب باحث، مختبر الديداكتيك واللغات والوسائط والدراماتورجيا،

بإشراف الدكتورة نورة لغزاري.

كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة

(دراسة محكمة)

 

الملخص:

تتناول الدراسة جهود الدكتور "محمد احميدة" في تطور النادي الجراري من خلال التأسيس مع العلامة عبد الله الجراري ومرحلة الامتداد مع ابنه عميد الأدب المغربي عباس الجراري، ودور الدكتور محمد احميدة في التأريخ لجيلين من الأدباء الذين أرخوا للأدب المغربي الحديث والمعاصر من خلال منتخباتهم الشعرية والنثرية، كما تروم الدراسة رصد المنهجية المعتمدة في التأريخ وقيمة الجلسات الأدبية في تطور العملية النقدية.

الكلمات المفتاحية: النادي الجراري-  محمد احميدة -  الأدب المغربي – الجهود -  التطور.

Abstract:

The study looks at Dr. Mohamed Ahmida’s role in the development of the Jarari Club, starting with its founding by the scholar Abdullah al-Jarari and continuing with its growth under his son, the well-known Moroccan writer Abbas al-Jarari. It also focuses on Dr. Ahmida's work in documenting two generations of writers who have contributed to modern and contemporary Moroccan literature through their selected poems and prose. The study also examines the approach used to document this history and the importance of literary meetings in shaping the development of literary criticism.

Keywords:. Mohamed Ahmida- Jarari Club- Moroccan literature- role in the development.

 

 

يعد "محمد احميدة " 1من أبرز الأدباء الذين أرخوا للأدب المغربي في فترتيه الحديثة والمعاصرة  لكونه عاصر مجموعة من الأدباء المخضرمين كل حسب مجال اهتمامه شعرا ونثرا، كما أسس مشروعا نقديا يتمثل في تأريخه للنادي الجراري"2 بذكر أعلامه وأهم الموضوعات التي أثيرت داخل أمسياته الجُمعية، ودور الجلسات في إغناء  الثقافة المغربية بالمؤلفات وتطوير الحس النقدي، حيث أرخ "محمد احميدة" لجيلين" متعاقبين من المثقفين المغاربة: جيل السلفيين المتنورين الذين عاصروا المؤسس وارتادوا النادي كأحمد سكيرج، وأحمد الصبيحي، ومحمد المختار السوسي، ومحمد بنتاويت الطنجي، ومحمد بن عبد الهادي المنوني.. وجيل الجامعيين الذين احتضنهم العميد كأحمد الطريسي، وعلال الغازي، وعبد العالي الودغيري، وأحمد شوقي بنين، وأحمد شحلان وقاسم الحسيني" 3وعلى غرار ترجمته للأعلام استعرض "محمد احميدة" أهم القضايا التي شغلت الرأي العام الوطني والعربي ويتمثل ذلك في كتابه المعنون "بـ حركية النادي الجراري خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين"4، حيث استحضر فيه مجموعة من القضايا الأساس، مثل قضية السرقات الأدبية وقضية الشعر الحر وقضية اللغة العربية وحماية التراث الأدبي، ولم يقتصر الحديث عن القضايا الأدبية، بل تعدى ذلك إلى تناول القضايا السياسية ومنها القضية العراقية، حيث كانت الشاغل الأساس عند أعضاء النادي الجراري، يقول "محمد احميدة": "منذ أن بدأت المشكلة العراقية، ومجلس النادي الجراري يتحدث في هذا الموضوع، قد يأخذ ذلك جزءا من الجلسة برمتها حوله"5. لقد حركت هذه القضية أقلام العديد ممن ارتادوا النادي فعبروا عن مواقفهم بالقريض "بما يحدث في العراق الشقيق وإذا كان أحد شعراء النادي وهو الدكتور مصطفى الشليح قد أصدر سنة (1999) ديوانا شعريا بعنوان وماء العراق يشربه القصف مهدى إلى شعب العراق المحاصر، فإن بغداد استمرت حاضرة في وجدان هؤلاء الشعراء، بل في جدان كل أعضاء النادي وتعمق هذا الحضور حينما تكالبت عليها جيوش الغرب المعتدية"6.

 وعلى غرار القضية العراقية حضرت داخل الجلسات القضية الفلسطينية يقول "محمد احميدة": " ففي جلسة يوم الجمعة 23 أبريل (2004)، ألقى الشاعر محمد بن الراضي جزءا من قصيدة طويلة حول القضية الفلسطينية واستشهاد المناضل الفلسطيني الكبير الشيخ أحمد ياسين زعيم منظمة حماس متحدثا عن مآسي الأمة العربية في حاضرها"7، وقد دار النقاش كذلك حول قضية لبنان وما شهده من صراعات طائفية وحزبية، وقد عرف النادي الجراري حضور الدكتور علي القاسمي باحث وأديب عراقي تحدث عن دور رئيس الوزراء رفيق الحريري في إعادة إعمار لبنان بعد الحرب.

أما القضية المهمة التي ظلت موضوعا يثار داخل جلسات النادي الجراري هي قضية الصحراء المغربية، إذ يقول محمد احميدة: "إن قضية الصحراء المغربية ظلت موضوعا حاضرا داخل مجالس النادي الجراري واستمر مع بداية القرن الحادي والعشرين، وشكلت أولوية سياسية سواء في القرن العشرين على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، أم في بداية القرن الحادي والعشرين على عهد الملك محمد السادس"8.

والجدير بالذكر أن "محمد احميدة" يسعف القارئ في معرفة عناوين العروض التي تلقى في النادي وتتمحور حول قراءات في دواوين شعرية أو كتب أو موضوعات معينة... بذكر موضوع العرض وصاحب العرض ثم تاريخ تقديم العرض.

كلها قضايا حركت أقلام العديد من الأدباء والشعراء في النادي الجراري، فسجلوا مشاعرهم ومواقفهم من خلال قصائد شعرية وكتابات نثرية أدبية، كما عرف النادي حضور رجال السياسة بمواقفهم تجاه عدة قضايا، فكان "محمد احميدة" يوثق بدقة تاريخ "الجلسات"9، ومن حضر فيها والموضوعات التي شارك بها أعضاء النادي، ليؤسس بذلك المشروع الذي أراده أرشيفا منيرا للباحثين ونبراسا يضيء طريق القراء بغية التعرف على أدبائهم واهتماماتهم الفكرية والأدبية ومراكزهم الإدارية والتعليمية وتاريخ التحاقهم بالنادي الجراري، وذلك  لطمر ما قيل كون الباحثين قصروا في التعريف بأعلامهم وفي الاطلاع على منتخباتهم التي أرخت للأدب المغربي حيث نبه لذلك الشيخ" أبو حامد محمد بن العربي بن يوسف الفاسي الفهري" بقوله: "ووسموا المغاربة بالإهمال، ودفنهم فضلاءهم في قبري تراب وإخمال، فكم من فاضل نبيه طوى ذكره عدم التنبيه فصار اسمه مهجورا كأن لم يكن شيئا مذكورا"10 هذه القولة ورًّت زند الوعي بضرورة التأريخ للأدب المغربي باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأدب العربي.

وقد زاوج "محمد احميدة" بين الكتابة والتأريخ بمنهجية متسلسلة دقيقة، فمن خلال مؤلفاته نستنج أنه ركز على تطور النادي الجراري من التأسيس إلى الامتداد والتطور، ونقصد بالتطور ترجمته لشعراء النادي الجراري في تركيز على جنس الشعر خاصة في مؤلفه "شعراء النادي الجراري الشاعر والنص"الذي صدر سنة (2015)، وقد توجت مسيرته الأدبية والنقدية بإعداد وتقديم لديوان "عباس الجراري،" إنه الجديد الذي اكتشفه "محمد احميدة" في مراحل تأريخه للنادي الجراري كون العميد عباس الجراري ينظم القريض وهو أمر دفعنا للقول إن "عباس الجراري" ماعرفناه شاعرا ينظم القريض ولا معبرا بشعر تفعيلة وإنما كاتبا أديبا ناقدا خطيبا منظرا لاتجاهات الشعر المغربي الحديث من محافظ وكلاسيكي وجديد، فما هي الموضوعات التي نظمها الشاعر في ديوانه؟ وكيف قدمها الدكتور"محمد احميدة"؟ وما المنهجية التوثيقية التي سلكها؟ وما السر وراء إخراج عباس الجراري قصائده؟

رفع "محمد احميدة" في تقديمه لديوان الشاعر "عباس الجراري" الستار عن الحياة الشخصية للشاعر، والذي عرفناه في كتاباته ناقدا مثقفا ومشرفا على الأطاريح الجامعية، كما قربنا من الدوافع التي جعلت العميد ينشر قصائده بين دفتي كتاب، والتي يرجع كتابة إحداها إلى ستينيات القرن الماضي، وبذلك فالشاعر كان يواكب بقريضه الأحداث والوقائع التي شهدتها الأمة العربية والإسلامية دون أن ينشر تلك الكتابات أو يفصح عنها.

وقد اعتمد "محمد احميدة" في جمعه وتقديمه للقصائد على طرحه للسؤال وانفتاحه على المقالات الإلكترونية وخير دليل نجده قد ضمن في تقديمه لديوان الشاعر موقعا إلكترونيا يضم بعض الكتابات والقصائد الشعرية التي وجهها الشاعر لأولاده وأحفاده، وهذا ملمح إجرائي انفتح عليه الأديب المؤرخ "محمد احميدة" في جمع المادة والاطلاع عليها، كما ظل "محمد احميدة" معتمدا على طريقته التأريخية في سرد السنوات والوقائع الدقيقة، يقول في هذا الصدد:" وتأتي سنة (2016) وبالضبط في شهر يونيو ليخبرني أستاذي عباس الجراري بعزمه على نشر أشعاره"11، علاوة على هذا نستنتج من خلال تقديم الجزء الأول من الديوان أن "محمد احميدة" وظف تقنية طرح الأسئلة ليجيب عنها بالدلائل القاطعة ومن مصدر أصلي ألا وهو الشاعر "عباس الجراري،" وهي التقنية نفسها التي سلكها "محمد احميدة" في كتابه "شعراء النادي الجراري الشاعر والنص"12، حيث كان يبعث للشعراء المترجم لهم بطاقات تحتوي على مجموعة من الأسئلة تروم معرفة إنتاجاتهم الأدبية ومعلوماتهم الشخصية، الأمر الذي انتهجه شخصيا مع الشاعر"عباس الجراري" ليكتشف الدافع الأساس وراء نشره للقصائد.

إن الدافع وراء نشر الشاعر "عباس الجراري" مقتطفات من ديوانه هي حرمه الأستاذة "حميدة الصائغ" التي ألحت على زوجها نشر كتاباته والتي تمثل جزءا من هويته، فكان هذا دافعا جعل المؤرخ "محمد احميدة" يخرج هذا الإنتاج لأنه يشكل سيرورة لمشروعه النقدي الخاص بالنادي الجراري تأسيسا وتطورا وإنتاجا في جنس أدبي محدد يتمثل في الشعر، فنظم القريض عند "عباس الجراري" ليس وليد اللحظة بل إن جذوره تصل إلى ستينيات القرن الماضي، إضافة إلى اهتمام "محمد احميدة" بالكتابات الأدبية للعميد كونه من الذين جالسوه وواكبوا أعماله الأدبية والنقدية، وأرخوا للنادي الجراري من خلال مجموعة من الكتب بدءا من تاريخ الأندية الأدبية مرورا بحركية النادي الجراري ثم شعراء النادي الجراري الذي قدم فيه ترجمة خاصة بشعراء الرباط، كلها دوافع جعلت الشاعر يسعى جاهدا إلى تحقيق أمنية الأستاذة "حميدة الصائغ". ونظرا للعلاقة الوطيدة التي تربط العميد بالمؤرخ حاول "محمد احميدة"  أن يقدم للقارئ والباحث جانبا من الحياة الأدبية شعرا ونثرا، فقد اختار الشاعر الوقت المناسب لإخراج إبداعه، وقد نجح "محمد احميدة" في الجمع والتقديم مكملا بذلك مشروعه النقدي المتمثل في رصد تطور النادي الجراري من التأسيس إلى الإنتاج وهو إنتاج ينحصر في المجموع الشعري الذي نظمه الشاعر عباس الجراري، وفي هذا السياق يتبين أن "محمد احميدة" يتساءل مرارا وتكرارا عن المجموع الشعري الكامل بقوله:"إن الفترة الزمنية التي تمتد ما بين سنوات الستين من القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، والتي تؤطر الإنتاج الشعري الذي وقفنا عليه، لا تشكل سلسلة متماسكة من البداية إلى النهاية تسهم في رسم خط واضح للتطور الشعري عند عباس الجراري"13.

 وفي إشارة لأقدم نص شعري كتبه الشاعر الجراري، يشير "محمد احميدة" إلى أن المحاولات الأولى للعميد في نظم القريض تفتقت منذ أن كان تلميذا بثانوية "مولاي يوسف" بالرباط، معلومات ما كنا سنطلع عليها لولا حنكة "محمد احميدة"  وقربه من الشاعر أفضت في النهاية إلى معرفة تطوره الشعري، كما أن دراسة الشاعر في مصر جعلته يحتك بالمثقفين وبالمدارس الشعرية والنقدية يقول "محمد احميدة:" وأطلعني الأستاذ على أمر آخر، يثبث ممارسته لكتابة الشعر قبل سنوات الستين، ففي سنوات الخمسين، رحل إلى مصر لاستكمال دراسته.وكان ذلك صيف (1956)"14.

لقد واكب الشاعر "عباس الجراري" الحداثة الشعرية بنظمه وفق النمط التقليدي وإيقاع شعر التفعيلة مواكبا بذلك روح العصر بغية التعبير الصادق والتغني الفائق بأبنائه" ألوف"،"علا"،"ريم"، "محمد" لما عرجت بهم الدراسة إلى الديار الأمريكية.يقول "محمد احميدة: "لقد كان سفر الأبناء لاستكمال دراستهم، حافزا للشاعر لمخاطبتهم قصيدا، وهو قصيد جاء محملا بمشاعر الأبوة الصادقة"15 من تم جاء إحساس الشاعر مفعما بالاشتياق والحنين لأبنائه نظرا لبعد المسافة، فشكلت له القصائد جسر تواصل بينه وبين أبنائه، ولم يقتصر نظم القريض على الأبناء فقط بل تعدى ذلك إلى تغنيه بالأحفاد وخاصة ابنة ألوف نور يقول في حقها بمناسبة الذكرى الأولى لميلادها:

"العِيدُ أقبل بِالبشِيرِ ينُـــــــــورُ

 والسعْدُ باد تزْدِهِي بِهِ نـــورُ

تزهو بعام قد مضى فرحا به

تخطو الهوينا تارة وتـــــــــدور

كان النداء لنا يثير تبــــــسما

من ثغرها حلوا عليه ســـرور"16.

ما يمكن قوله استنادا إلى القصائد التي ضمنها الشاعر في دواوينه أن "محمد احميدة" يؤطر القصائد بقراءته الشخصية وهو ما نرصده في الصفحة الرابعة والعشرين، بحيث استنتج مجموعة من الملاحظات حول قصائد الشاعر عباس الجراري.

وننتقل إلى ملمح آخر أحدث دينامية داخل الجلسات الجرارية، وهي المساجلات التي دارت بين الشاعر وشرائح اجتماعية مختلفة، وخاصة المساجلة الكتابية التي نظمها الشاعر في حق جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، وفي هذا الصدد نشير إلى أن قصائد الشاعر تمثل أجوبة عن أسئلة معينة أو شكر وامتنان لشخص معين قد يكون شاعرا أو دبلوماسيا أستاذا أو وزيرا.

نستشف انطلاقا من قراءتنا للديوان أن "محمد حميدة" أراد أن يطلع القارئ على مناسبات المساجلات التي دارت بين الشاعر وجلالة الملك الحسن الثاني والتي تعد جانبا من الأمور الشخصية لعميد الأدب المغربي "عباس الجراري"، إنه رائز إجرائي لابد أن يُحْسَب "لمحمد احميدة"، فقربه إلى الشاعر باعتباره مؤرخا للنادي، والثقة المتبادلة بينهما جعلت الشاعر يخرج هذه الكتابات التي تشكل جزءا من الهوية المغربية تتجسد في علاقة الملك بالشعراء والاهتمام بهم، وخير دليل على هذا ما نظمه الشاعر " عباس الجراري" بمناسبة التنويه الذي جاءه من جلالة الملك الحسن الثاني بعد إلقائه درسا رمضانيا سنة (1998) فصاغ الشاعر هذه الالتفاتة المولوية قريضا يقول:

"يا سيدي وهتاف الحب ناداني **  وقادني حاملا شعري وألحاني

علي إذا ما لثمت الكف منتشيا ** أهديت للحسن الثاني رياحيني

فالشعر أنت له راع وتقرضــه ** ومبدعاتك فيه  در  تيجـــــــان

  تغريدة عذبة  قلبي   تعشقــــها** فوقعت لحنها أوتار عيدانــــي"17.

ومن بين الأمور التي أثارت انتباهنا في الديوان هو الخطاب المقدماتي الذي تناوب عليه الشاعر "عباس الجراري" ومؤرخ النادي الدكتور"محمد احميدة" في سردهما لمضامين القصيدة وغرضها الأساس وقيمة الممدوح لدى الشاعر، وهي توطئة تسبق القصيد تكاد تفصح للقارئ عن المضامين، فتارة نجد الشاعر يستهل القريض بفقرة وتارة أخرى نجد "محمد احميدة" من خلال فقرة قصيرة يطلع القارئ على مناسبة القصيدة والرسالة التي رافقتها، ويتبين هذا الأمر في قصيدة الشاعر التي عنونها "جرؤت فحبرت" وما سبقها من توضيح أرفقه "محمد احميدة" بقوله: "بمناسبة انتهاء السنة الدراسية للمدرسة المولوية لموسم (1993-1994)، قدم الدكتور عباس الجراري لجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه بعض كتبه المنشورة خلال سنتي: (1992-1993).وتم ذلك عشية الأحد 16محرم (1415ه) الموافق لـ 26يونيو (1994)، فكان جواب جلالته على الكتب"تبارك الله"18 خطاب يظهر للقارئ على اختلاف ثقافته وتكوينه المعرفي مضمون القصيدة قبل الاطلاع عليها والإبحار فيها، وبالتالي "فمحمد احميدة" أراد أن تصل الفكرة لكافة المتصفحين.

أما القصيدة فتقول:

جرؤت فحبرت

"جرؤت فحبرت الكتاب إليكم ** يقينا بأني في ضمان حـــماكم

فأنتم لإكرام يعز  نظــــــــيره ** وأنتم لإنصاف الذي قد دعاكم

فجودكم هو الوجود لأســــرة ** على سنن الأجداد ترعى وفاكم

حبوتم أفكاري وكتبي بعطفكم** تفيضون لي نعماكم وعــطاكم"19.

لقد ضمن الشاعر"عباس الجراري" في الجزء الأول من الديوان عشرين خطابا مقدماتيا مقابل واحد وثلاثين خطابا استهل به "محمد احميدة" قصائد الشاعر.

 وانطلاقا مما سبق، نستنتج أن الشاعر يسرد لنا في نظمه الشعرية رحلات تخص مهامه الدبلوماسية التي أسندها إليه جلالة الملك محمد السادس، فالشاعر وهو في مهمته الدبلوماسية لم يضع قلم التحبير جانبا، بل ظل مرابطا على الكتابة فكتب في الجابون والسنغال وفي بوركينافاسو ليتغنى بأنجاله وأحفاده وزوجته دون أن ينسى العاصمة العصماء الرباطـ، رحلات يمكن أن نسميها بالرحلات "العباسية"20 في البراري الإفريقية لأنها تطلع المهتم على الظروف والوقائع التي عاشها العميد وهو في مهمة وطنية رفقة جلالة الملك محمد السادس.

لقد أورد "محمد احميدة" في ديوان الشاعر مجموعة من المعلومات كنا نجهلها عن العميد ومحيطه الشخصي تتمثل في:

  • ذكر أسماء أبناء العميد ومستوياتهم العلمية ثم المهمة التي أوكلت إليه.
  • علاقة الشاعر بالملك المغفور له الحسن الثاني والملك محمد السادس.
  • علاقة الشاعر بزوجته السيدة "حميدة الصائغ.
  • البطاقات التي أرسلت إلى العميد بخط يد جلالة الملك محمد السادس.
  • أدعية ختم بها الشاعر قصائده.
  • قصائد مهداة إلى شخصيات دبلوماسية سبقتها رسائل الحمد.
  • حب واشتياق الشاعر لمدينة الرباط.
  • تذييل بعض القصائد باسم الشاعر*عباس.*
  • المهام الدبلوماسية شكلت دينامية في الكتابة لدى الشاعر.

استطاع "محمد احميدة" أن يبرز معالم النادي الجراري منذ التأسيس إلى الامتداد ثم التطور، باعتبار النادي مظهرا من مظاهر يقظة المغرب حيث ركز على الموضوعات النقدية التي أثيرت ونوقشت في الأمسيات الجمعية ودورها في التأريخ للأدب المغربي الحديث والمعاصر عبر مؤلفاته النقدية التي تم ذكرها، وقد توجت المسيرة النقدية بإعداد وتقديم لديوان عميد الأدب المغربي "عباس الجراري "بجزأيه، أما الجزء الثاني فقد خُصص لمساجلات الشعراء مع الشاعر عباس الجراري، يقول محمد احميدة موضحا هاته الفكرة:" والمجموع الشعري لعباس الجراري الذي وقفنا عليه، احتلت فيه المساجلة قسما غير يسير، لدرجة أن الشاعر خصص هذا الجزء الثاني برمته لهذا النمط من القول الشعري"21 مستعرضا بذلك الموضوعات التي تم تداولها في المساجلات، نذكر على سبيل المثال موضوع الشاي، ففي جلسة" مخصصة لشرب الشاي وكانت يوم الأحد 16 مارس (2003) أنشد الشاعر محمد عبد الله التمين بيتين قال:

"شربنا كؤوس الشاي وهو لنا عذب** لدن شرف الاخوان والأهل والصحب

  مع الشـيخ عباس وشوقي وشيخـنا ** علي وأحمدنا ومجلسنا الرحـــــــــب"22.

فكان جواب  الشاعر عباس الجراري بقصيدة شعرية في اليوم الموالي، يقول فيها:

"هو الشاي هل أنبيك عن حسناته** وعما له في النفس إذ يعذب الشـــرب

ولا سيما إن كان من سيقيمـــــه** أخ الكل عبد الله والخل والحـــــــــــــب

أحن وإياه إلى أرض نوقــــــــه ** إلى الشوط حيث العلم والنزل الرحــــب

سقى الله أياما بها قد قضــــيتها ** يدار على الجلاس من شايها النــخــب"23.

والمتأمل لفهرس الجزء الثاني من الديوان سيجد عناوين الموضوعات والقضايا التي كانت الحجر الأساس في نسج المساجلات بين الشاعر عباس الجراري والأعضاء.

بناء على ما سبق يمكن القول إن "محمد احميدة" نجح في تقديم مشروعه النقدي المتمثل في التأريخ للنادي الجراري عبر مراحل مهمة من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، حيث أسعف التأريخ الباحث على معرفة العروض والموضوعات المثارة  داخل جلسات النادي التي كانت تقام مساء كل جمعة، برصد تاريخ إلقائها والهدف من ذلك تسجيل اهتمامات النخبة المثقفة المغربية التي أثثت النادي الجراري باعتباره مسرحا للعملية النقدية ومظهرا من مظاهر يقظة المغرب، ولما كان الهدف هو التأريخ للنادي تطلب ذلك منهجية دقيقة تروم الإحاطة الشاملة باهتمامات الأعضاء وتكوينهم الأكاديمي وهو ما سعى محمد احميدة إلى تبيانه من خلال مشروعه النقدي من مرحلة التأسيس إلى الامتداد والتطور.

هوامش الدراسة:

  1. أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل القنيطرة، تقاعد سنة 2013.
  2.  يذكر محمد احميدة أن النادي الجراري تأسس سنة 1930 من قبل العلامة عبد الله الجراري وهو والد عميد الأدب المغربي عباس الجراري رحمه الله، حيث كانت تثار فيه محموعة من القضايا التي شكلت منبع الموضوعات الجرارية ومظهرا من مظاهر يقظة المغرب في تكوين حس نقدي مدافع عن قضية وطنية ألا وهي الاستقلال، إذ يقول محمد احميدة في هذا الصدد: فهذه ثلة من الوطنيين هم في نفس الآن أعضاء النادي الجراري، مما يؤكد أن الحافز الوطني كان حاضرا حين فكر العلامة عبد الله الجراري، في تأسيس هذا المجمع" أنظر محمد احميدة، من تاريخ الأندية الأدبية في المغرب النادي الجراري بالرباط لمؤسسه العلامة عبد الله الجراري، مطبعة الأمنية، الرباط، ط1، 2004، ص:23.
  3.  نفسه، ص:102.
  4.  محمد احميدة، حلركية النادي الجراري خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مطبعة الأمنية، الرباط، ط1، 2008.
  5.  نفسه، ص:10.
  6.  نفسه، ص:15.
  7.  نفسه، ص:16.
  8.  نفسه، ص:22.
  9.  يجتمع أعضاء النادي الجراري مساء كل جمعة في منزل عميد الأدب المغربي عباس الجراري، حيث يتكلف الدكتور محمد احميدة بتسيير النقاش وتوثيق الموضوعات وأسماء المشاركين بمداخلاتهم. أنظر حركية النادي الجراري، ص:85.
  10. أنظر إبراهيم بن العباس السملالي التعارجي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، الجزء الأول، راجعه عبد الوهاب ابن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، ط2، 1993، ص:23 ثم كتاب مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن، دراسة وتحقيق الشريف محمد حمزة بن علي الكتاني، منشورات رابطة أبي المحاسن ابن الجد، د.ت ص:69.
  11. من ديوان عباس الجراري، إعداد وتقديم محمد احميدة، منشورات النادي الجراري، الرباط، ط1، 2017، ص:8.
  12.  محمد احميدة، شعراء النادي الجراري الشاعر والنص، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، ط1، 2015.
  13.  من ديوان عباس الجراري، إعداد وتقديم محمد احميدة، الجزء الأول، ص:14.
  14. نفسه، ص:12.
  15. نفسه، ص:20.
  16. نفسه، ص:131.
  17. نفسه، ص:16.
  18. نفسه، ص:135.
  19. نفسه، ص:36.
  20. نسبة إلى اسم الشاعر عباس الجراري.
  21. من ديوان عباس الجراري، إعداد وتقديم محمد احميدة، الجزء الثاني، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، ط1، 2017، ص:8.
  22. نفسه، ص:75.
  23. نفسه، ص:76.

المصادر والمراجع:

  • إبراهيم بن العباس السملالي التعارجي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، الجزء الأول، راجعه عبد الوهاب ابن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، ط2، (1993).
  • محمد احميدة؛

 حركية النادي الجراري خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مطبعة الأمنية، الرباط، ط1، (2008).

 شعراء النادي الجراري الشاعر والنص، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، ط1، (2015).

من تاريخ الأندية الأدبية في المغرب النادي الجراري بالرباط لمؤسسه العلامة عبد الله الجراري، مطبعة الأمنية، الرباط، ط1، (2004).

من ديوان عباس الجراري، إعداد وتقديم محمد احميدة، الجزء الأول منشورات النادي الجراري، الرباط، ط1، (2017).

من ديوان عباس الجراري، الجزء الثاني، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، ط1، (2017).

  • محمد البوري، قراءات نقدية، منشورات النادي الجراري، الرباط، ط1، (2008).
جهود الدكتور محمد احميدة في تطور النادي الجراري
Partager cet article
Repost0
28 octobre 2024 1 28 /10 /octobre /2024 18:07
دراماتورجيا المسرح الجامعي، مسرحية "دراما حرب" نموذجا

دراماتورجيا المسرح الجامعي، مسرحية "دراما حرب" نموذجا

University Theatre Dramaturgy: The Play 'War Drama' as a Model"

دة. إلهام لحلو*

 دراسة محكمة

*أستاذة التعليم الثانوي الإعدادي بالأكاديمية الجهوية لمهن التربية والتكوين لجهة فاس مكناس.

الملخص:

يعد المسرح وسيلة فنية وثقافية مؤثرة، ليس فقط في الترفيه، ولكن أيضا في التعليم وتطوير القدرات الفكرية والاجتماعية للأفراد. وفي هذا السياق يلعب المسرح الجامعي دورا محوريا في تنمية قدرات الطلاب على المستوى الأكاديمي والشخصي، حيث يدمج بين الفن والتعلم، مما يتيح فرصة للاستفادة من أدوات المسرح من قبيل: التواصل، الدراماتورجيا، واللغة الجسدية لخلق تجربة تعليمية شاملة، وجعل هذه العناصر تعمل معا بشكل متناغم لتنتج عملا متفردا يرتكز على النمو الفكري والمهاري للطالب، ويصبح التواصل قطب الرحى لتفعيل العملية التعليمية، وضمان تحقيق التوازن بين هذه الرسالة والبعد الفني.

وستتناول دراستنا مسرحية "دراما حرب" وهي تأليف جماعي لطلبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس كنموذج لصقل مهارات التفكير والإبداع، والتواصل في المحيط الأكاديمي والمجتمع. 

الكلمات المفتاحية:  المسرح الجامعي، الدراماتورجيا، التواصل.

 

Abstract:

Theatre serves as a powerful artistic and cultural medium, extending beyond entertainment to impact education and encourage intellectual and social development in individuals. Within this framework, university theatre assumes a central role in cultivating students’ academic and personal competencies by synthesizing artistic expression with learning. It enables the use of theatrical tools - such as effective communication, dramaturgy, and body language—to create a comprehensive educational experience. These elements merge to produce a unique form of work that centers on students’ intellectual and skill development. Here, communication becomes the cornerstone of the educational process, ensuring a balanced integration of educational objectives with artistic expression.

This study will focus on the play Drama of War, a collaborative creation by students from the Faculty of Arts and Humanities at Dhar El Mehraz in Fez, as a case study for enhancing critical thinking, creativity, and communication skills within the academic and broader social context.

Keywords: university theatre, dramaturgy, communication.

مقدمة:

يعد المسرح فن مركب وشامل، متعدد الأبعاد، تتداخل فيه العديد من العناصر السمعية والبصرية في إنتاج تجربة فنية غنية وعميقة. ويعكس هذا الفن معاني متنوعة، ويشجع على التفكير والتفاؤل والاستمتاع لدى الجمهور. وإذا كانت الوظيفة الأساسية للخطاب المسرحي هي التفاعل مع المتلقي، وتحقيق قيمة تواصلية نوعية معه، فإنه ينبغي التركيز على المنظور الجمالي، من خلال إعادة تركيب عناصر الخطاب المسرحي ومكوناته، والنظر إليها في ضوء السياق الفعلي للممارسة المسرحية انطلاقا مما هو ثقافي وفكري وحضاري، وتاريخي وسياسي، مع محاولة ربط هذا الموضوع بواقع التربية المسرحية، وتطوراتها الحديثة، والتحقق من دور المسرح التعليمي الجامعي في اكتساب الكفاية التواصلية لدى الطالب داخل المؤسسة التعليمية.

ويهدف التحليل الدراماتورجي الوصول إلى فهم أعمق لمعاني النصوص والأفعال المسرحية، سواء كانت حركة أو حكاية، أو لحظة من الحبكة، أو صياغة للنص. ومع ذلك يبقى هذا الفهم مجرد تفسير نظري طالما لم يترجم إلى حركات ملموسة فوق خشبة المسرح، فعندما يتحول التحليل إلى أداء حركي يتحقق المعنى الكامل للتأويل، ويصبح النص جزءا من التجربة المسرحية الحية التي تجعل الجمهور يتفاعل معها.

أولا: مفهوم الدراماتورجيا:

يرتبط مفهوم الدراماتورجية بالدراما وهي "مأخوذة من الفعل اليوناني  dramaturagéa  بمعنى يؤلف، أو يشكل الدراما، كما أن كلمة "dramaturgos" تتكون من شقين: "dramato" مسرحية و"ergos" صانع أو عامل، ولذلك فإن الكلمة تحمل في أصلها معنى الصنعة. أي الدراماتورجيا  هي فن صناعة المسرحية، وصانعها هو المخرج المسرحي بمعية الفريق المساعد له"1. يشير الباحث أحمد بلخيري إلى "أن الكلمة المركبة منهما تدل على الصانع، صانع العمل المسرحي، أي المبدع المسرحي، وبالتحديد المؤلف. غير أن الكلمة المقصودة اكتسبت مدلولا جديدا في العصر الحديث، ذلك أنها لم تعد تدل على مؤلف النص الدرامي، وإنما الشخص الذي يهيئ نصا دراميا  ليغدو قابلا للمسرحة. هذا الأخير يضع في اعتباره العرض المسرحي، لذلك فهو يعتني بجميع الشروط التقنية والفنية اللازمة عند الإخراج المسرحي"2. وفي نفس المسار يحدد "باتريس بافيس" ثلاثة معان للداراماتورجيا بعد أن ينطلق هذا الباحث من التعريف الذي يعطيه (ليتري) للدراماتورجية بأنها فن تأليف النصوص المسرحية، ومن ثمة يعمل على إبراز المعنى الأول للدراماتورجيا كما يلي:

"الدراماتورجيا في معناها العام تقنية، أو علم الفن الدرامي الذي يبحث في إيجاد مبادئ بناء العمل المسرحي سواء بالاستقرار المنطلق من أمثلة ولو كانت ستخرجه من نظام مبادئ مجردة، حيث تعترض هذا المفهوم وجود مجموعة من القواعد المسرحية الخاصة، والتي تكون ضرورية في المعرفة المسرحية لكتابة نص مسرحي، وتحليله بشكل سليم، وهذا ما عرف في العصر الكلاسيكي خاصة كتابات (كورني) ودراماتورجيا (همبورغ)، والتي كانت بهدف الإفصاح عن القواعد اللازمة لتأليف نص مسرحي، أو من أجل سن معايير التأليف المسرحي للكتاب المسرحيين الآخرين، كما أن هذا المفهوم يرد في كتابات (هيغو) التنظيرية"3.

أما المعنى الثاني للدراماتورجيا عند "باتريس بافيس"  ويعتمد فيه "على التمييز الذي قدمه "شيرر" بين البنية الداخلية للنص المسرحي، والبنية الخارجية حيث أبرز أن هذه الأخيرة لها علاقة بالعرض المسرحي قبل أي اعتبار آخر في وضع تأليفه، كما أن البنية الداخلية للنص تقارن بالبنية الخارجية، ويركز المعنى الثالث في مفهوم الدراماتورجيا على أنها تبحث فقط في عمل المؤلف دون أن يمتد ذلك للتحقيق السينوغرافي للفرجة، وهذا ما يفسر أحد الأسباب التي لا تجعل النقد الحالي يهتم بهذا النوع من التعريفات"4.

لا شك أن دراسة الدراماتورجيا  تمثل تحديا للعديد من الممثلين والمبدعين في المسرح في المغرب والوطن العربي. هذا لأنها  تتطلب فهما عميقا لبنية القصة، وبلورة الشخصيات، وترتيب الأحداث بطريقة تثير اهتمام الجمهور، قد تحتاج دراسة مستفيضة، وتطبيق عملي لتجويد مهارات دراماتورجيا قوية، لهذا تبدو أسئلة الدراماتورجيا ملتبسة لدى الكثير من المهتمين بهذا الفن، وهي موضع نقاش بين المنشغلين بقضاياه.  تدرك الدراماتورجيا الركحية إلا عبر الممارسة، وهي تتخذ خصائص شتى نتداولها عبر مستويات ثلاث:

- كونها منفصلة بشكل واضح "عن دراماتورجيا المؤلف التي تستند إلى شعرية أرسطو عبر كتابه "فن الشعر" إلى حدود القرن الثامن عشر، حيث شكل العصب الأساس، والمحرك لمسار التنظير في المسرح الغربي. ونجد الدراماتورجيا الركحية التي تنطلق مما أغفله أرسطو، حين تجنب إيلاء الأهمية كممارسة فرجوية، إذ تم اعتبار العرض مجرد انعكاس للأدب الدرامي دون مراعاة لأهمية التطبيقات العملية خاصة ما يهم تقنيات اللاعب، والأقنعة ودور الكورس، وأثر الهندسة والتشكيل والموسيقى والرقص ومجمل طرق الأداء"5.

إن تجربة الدراماتورجيا الركحية التي أنتجت دراماتورجيات بديلة يمكن استيعابها وفق تصور خالد أمين الذي يؤكد "على أنها كل أنواع العروض الفرجوية الجديدة التي تنطلق من بنية مسرحية  نصية / أدبية محضة، وتتطور من حيث هي عروض وأشكال فرجوية، لفظية وغير لفظية تختلط بالأدوات الوسائطية، والكوريغرافيا، والرقص، والارتجال"6. وبهذا تخلق الدراماتورجيا لكل عمل منهجه الخاص ،ويتطلب الأمر تخطيطا لطرق الاشتغال داخل الركح، وهذا يرتكز على التجربة والخبرات المتراكمة لبناء وظائف تجمع بين الفن والتقنية، والحمولة الفكرية، ودقة الحدس، ويتحدى النماذج التقليدية ليبدع أعمالا فنية مبتكرة وجذابة.

إن "الشكل السائد والرائج للدراماتورجيا في أوائل القرن السابع عشر في فرنسا، والذي كرسه الكتاب المسرحيون الفرنسيون جعل النصوص المسرحية الكلاسيكية تتشابه في تركيبها وبشكل بنائها، مما خول لـ "جاك شيررJacques Scherer" استخلاص قواعد بنائها، وتضمينها كتابه: "الدراماتورجيا الكلاسيكية في فرنسا " la dramaturgie classique en France"7. من المسلم به أن الدراماتورجيا "شكلت ثورة إبداعية فنية ذات نزعة تفكيكية واستبدالية، لها منطلقات فكرية وجمالية تخدم تصورا جديدا للبعد الدرامي في المسرح، مخلخلة بعض المفاهيم الجاهزة، والمتداولة عن النص الدرامي بمكوناته الرئيسية والجزئية: (الحكاية – الحوار- الشخصيات- الحبكة - الصراع...)، مما كان سببا في شيوع نوع من التوجس بين بعض المسرحيين العرب سيما المشتغلين بحقل التأليف المسرحي، والذين رأوا في الدراماتورجيا تهديدا لسلامة النص، ولرهاناته الفكرية والجمالية"8. لكن مع ظهور وظيفة الإخراج المسرحي وانتقال مركز الثقل من النص إلى العرض، أي أن هذا التحول  يشرح لنا الطيف الدلالي  للمفهوم المسرحي، الذي أصبح أكثر شمولية وتعقيدا، حيث لم يعد الاهتمام مقتصرا على النص الدرامي فحسب بل بات العمل المسرحي يشمل تفاعلا بين العديد من العناصر المختلفة مثل: التمثيل، التوجيه الفني، تصميم المسرح والإضاءة، وحتى اختيار الموسيقى والصوت والديكور، هذا التفاعل يفتح المجال لتفسيرات متعددة، ويمكن للمشاهدين أن يستنتجوا معان مختلفة من نفس العرض المسرحي استنادا إلى تجربتهم الشخصية، وتفاعلهم مع العناصر المرئية السمعية المختلفة. بالإضافة إلى ذلك يعزز دور معد العرض المسرحي في توجيه الفهم والتأويل من خلال اختياره للعناصر، والتفاصيل التي تقوي فهم الرسالة المرجوة من العرض. باختصار توسع الطيف الدلالي للمفهوم المسرحي وربطه بالعملية المسرحية يعكس التعقيد، والغنى في الفهم والتفاعل مع الأعمال المسرحية.

ثانيا: الجامعة والدراماتورجيا المعاصرة:

تغير مفهوم الدراماتورجيا في العصر الحديث حيث أصبح "عملية يشارك فيها المخرج مع معد النص ومترجمه والممثل والسينوغراف، بل وحتى الناقد في بعض الأحيان، فعمل الممثل على إعداد دوره يترجم نوعا من القراءة الدراماتورجية للدور، كما أن وظيفة الدراماتورج أمست تقتضي التمكن من الأدوار النصية والركحية"9. وهكذا ظلت الدراماتورجيا تعكس "مجموع الاختيارات الجمالية، والإيديولوجية التي ينخرط فيها فريق العمل، ويعملون على تجويدها فوق الركح بدءا من المخرج وانتهاء بالممثل"10. ويتجلى هذا التجديد في المفهوم كالتالي:

- تجاوز تفسير النص المسرحي، وعدم جعله مقيدا في الأوراق، بل امتد إلى مجال العرض وما يتلقاه الجمهور، مما أدى إلى بلورة أفق منهجية البحث المسرحي.

- انفتاح التحليل الدراماتورجي على مختلف العلوم الإنسانية، والمتمثلة في السوسيولوجيا  والسيميولوجيا، والخوض بطريقة عملية عمى يتلقاه الجمهور من العرض المسرحي، وعلى ماذا يحيل ذلك  داخل الواقع الإيديولوجي والجمالي؟

-خلخلة مفهوم الدراماتورجيا، وارتباطه بحقل الدراسات المسرحية جعل منهما مجالا جديدا لاستعمال هذا المفهوم، فصار بالإمكان الحديث عن درماتورجيا نص معين بمعنى شكل كتابته، كذلك دراماتورجيا عرض معين بمعنى بنيته الداخلية في ارتباطها بسائر العناصر المكونة للعرض.

هناك أيضا "دراماتورجيا العلبة الإيطالية بمعنى نوعية الكتابة الخاصة بهذا المكان المسرحي، وشكل التلقي الذي يفرضه"11.

كما يمكننا الحديث عن مفهومين مهمين في دراماتورجيا الأعمال المسرحية الفنية، وهي أساليب يتم استخدامها للتأثير على المتفرج:

 أ- الدراماتورجيا الإيهامية: ترتكز على خلق تجربة واقعية للمتفرج تجعله يعيش داخل العمل الفني، وتستخدم تقنيات متقدمة من الإضاءة والديكور والتصوير لخلق جو مفعم بالحياة يشعر فيه المشاهد بواقعية الأحداث والشخصيات. وتعمل أيضا على تقريبه من العالم الدرامي، مما يجعله يشعر بالتعاطف والتأثر بالشخصيات والأحداث؛

ب- الدراماتورجيا التغريبية: يتأسس هذا الأسلوب على إشاعة شعور الغرابة، والانفصال بين المتفرج والأحداث والشخصيات، ويهدف هذا النوع على تنبيه المتلقي إلى أنه في موقف مراقب للأحداث، وبالتالي يحفزه على التفكير والتأمل بدلا من الانغماس العاطفي الكامل، وتسعى كذلك الدراماتورجيا التغريبية إلى توجيه الانتباه نحو العمل الفني نفسه، وتفعيل عملية التفكير والتقدير لدى المتفرج.

كلا الأسلوبين يمكن أن يكون له تأثير كبير على المتلقين بطرق مختلفة، فالدراماتورجيا الإيهامية تجعل المتفرج ( المتلقي/ الجمهور) يعيش القصة، في حين أن الدراماتورجيا التغريبية تحثه على التفكير والتحليل، حيث يتم اختيار الأسلوب المناسب حسب الهدف المتوخى من العمل الفني، والرسالة التي يريد أن ينقلها.

وقد ظهر مفهوم جديد يعرف بـ:

ج- الدراماتورجيا البيداغوجية: هي مدخل إلى القراءة واللعب بالنسبة للأطفال واليافعين والهواة. وهي تشكل جسرا بين عالم التربية والإبداع المسرحي، كذلك هي نهج تعليمي يستخدم مبادئ وتقنيات الدراماتورجيا في سياق التعليم والتعلم. ويرمي هذا النوع من الدراماتورجيا إلى تعزيز تفاعل الطلاب مع المواد الدراسية، وزيادة فهمهم ومشاركتهم النشيطة في عملية التعلم. تعتمد أيضا الدراماتورجيا البيداغوجية على الأساليب الدرامية لتحقيق أهداف التعلم من خلال تجارب عميقة ومشاركة شخصية وتتجلى  بإفهام "غير المتخصصين في كيفية بناء مسرحية، أو عرض مسرحي، وإماطة اللثام عن العوالم غير المعروفة في الإبداع، واقتراح قراءات وتمارين وتموضعات في الفضاء المسرحي"12. يجمع هذا الاتجاه بين الدراما والتعليم، ويتضمن تقديم المواد الدراسية من خلال تمثيل الأدوار وإجراء مناقشات ديناميكية وتجارب واقعية، والهدف الرئيسي منها هو تحفيز الطلاب على التفكير النقدي والابتكار، وتحسين تفاعلهم مع المحتوى الدراسي. وتظل "الدراماتورجيا التربوية النقدية وسيلة ناجعة لاستقطاب، أو استئناس جمهور مفتقد للتوجيه في الغالب الأعم"13.

عموما؛ تمثل علاقة المسرح الجامعي، والدراماتورجيا إمكانية متنوعة للطلاب لاكتشاف، وتطوير فهمهم للفن والإبداع والتأثير الدرامي، وذلك  من خلال تزويدهم بالمهارات والخبرات اللازمة لتقديم أعمال درامية ذات جودة عالية، ورؤى فنية مبتكرة.

ثالثا: التحليل الدراماتورجي لمسرحية: "دراما حرب"14: البناء الدرامي للمسرحية

تتضمن هذه المسرحية برولوجا ومجموعة من اللوحات، التي تستعرض مراحل مختلفة من تجربة الجيش المغربي في الحرب الهند الصينية، كما تستعرض أهم الصراعات النفسية والتحديات التي مر منها كل من الجنود والجنرال في قالب درامي مؤثر. ومن أهم هذه التقنيات المكونة لهذا البناء الدرامي نذكر:

- البرولوج:

يشكل البرولوج مقدمة المسرحية (شريط فيديو)، حيث يقدم لمحة عامة عن خلفية الحرب الهند الصينية ودور الجيش المغربي فيها، وقد جاء على شكل عرض مرئي يقدم السياق التاريخي، ويهدف إلى التأثير في المتلقي وشد انتباهه إلى المسرحية وإدخاله في الجو العام. ومن أهم المشاهد المكونة لهذه المسرحية نجد:

- المشهد الأول: الذي يستعرض وقوف الجنرال إلى جانب الجنود في ساحة المعركة، متحديا الخوف والقلق وعدم الصمت في وجه الطغيان، ودعوتهم إلى الصمود والصبر لأن المعركة شارفت على الانتهاء.

-المشهد الثاني: وفيه يتم التركيز على تجارب الجنود في المعركة، ويبرز تعرضهم للضغط النفسي والبدني حيث تظهر عليهم علامات القتال والتعب والألم.

- المشهد الثالث: يقدم الصراعات الداخلية للجنود، حيث يظهر في هذا المشهد لحظات الشك والتردد والتمرد، وهو ما انعكس على علاقتهم بالجنرال التي تحولت من الامتثال لأوامره إلى الوقوف بوجهه.

وأخيرا المشهد الرايع: الذي يجسد نهاية هذه الحرب الهند الصينية، وانتصار الجنود وخلع لباسهم ودعوتهم إلى السلام والعودة إلى عائلاتهم.

- الحوار المسرحي:

- الجنرال:

تتميز هذه الشخصية في سياق حوارها مع الجنود تارة بقوة الشخصية والعظمة، حيث نجدها توظف مجموعة من الألفاظ الدالة على القوة والصرامة من قبيل: (أنا لازلت حيا،.واياكم يتحرك فيكم شي واحد، ولي زلزلت ليه الدبانة.، وفكر يتوخر اللور، أنا لي غنتيرري فيه.،.ماشي العدو..- .قااااادو المكاحل...أضرب)، وتارة أخرى يصبها الذهول، بسبب وقع الحرب، فتوظف ألفاظا تعبر عن ضعفها:  ( أنا من عشت الموت، أنا ماشي بياع.، .باركا من لعب الدراري...).

- الجنود:

لقد شكل الممثلون: ممثل1، ممثل2، ممثل3، ممثل 4 اللحمة الأساس في مسرحية دراما حرب، مستحضرين معاناتهم وزفراتهم في علاقتهم بالجنرال الذي كان يدعوهم بين الفينة والأخرى إلى التحلي باليقظة، والصبر، فضلا عن معاناتهم بسبب مرارة الحرب، والحرمان من ذويهم...

- الفضاء الدرامي:

يتسم الفضاء الدرامي في مسرحية "دراما حرب" بالتوتر والألم، نتيجة هيمنة السلطة العسكرية في شخصية "الجنرال"، والتي كانت سببا في معاناة الجنود النفسية والجسدية في خضم هذه الحرب، وقد كان للموسيقى في هذه المسرحية دورا مهما في نقل هذه المعاناة الحزينة في قالب إيقاعي على أنغام وأصوات الحرب، وهو ما أعطى بعدا عاطفيا للمسرحية، وعزز إحساس الجمهور بالتوتر والقلق الذي يصاحب الممثلين.

-الديكور:

وظفت مسرحية "دراما حر" أربع علب حديدية في اللعبة المسرحية فقط. وهو توظيف رمزي للمواد المستخدمة في الحرب، تقدم من خلاله ما يعيشه الجنود في ساحات القتال.

- الإكسسوار:

وظف الممثلون خلال هذه المسرحية مجموعة من الإكسسوارات من قبيل: ( الأخشاب، والدفوف، والعلب الحديدية..)، وهي بمثابة عتاد الحرب الذي استغله الجنود أثناء حوارهم مع الجنرال، وفيما بينهم.

- الأخشاب: قد تدل الأخشاب على البناء والهدم في نفس الوقت، وربما تمثل خنادق أو هياكل عسكرية مؤقتة، كما قد توحي إلى الخراب والتدمير الذي تتركه الحرب خلفها.

- الدفوف: تحمل إيقاع الحرب، ويمكن أن تعكس ضربات القلوب المتوترة، أو نبضات العدو الوشيك. ويشير استخدامها في المسرحية بشكل متكرر إلى أنها عنصر يمثل الانضباط العسكري أو حتى الفوضى التي يعيشها الجنود أثناء الحرب.

- العلب الحديدية: تضفي الواقعية على المشاهد، وتمثل أدوات الحرب أو مخلفاتها، فضلا عن ذلك تجسد صوت القتال والانفجارات.

- الإنارة/ الإضاءة:

تشكل الإضاءة في المسرحية إحدى العناصر الأساسية التي تعزز الجو الدرامي، وتسهم في إيصال المشاعر المرتبطة بالحرب، كما توهم بواقعية الأحداث.

تم توظيف إضاءة بيضاء صريحة، كما دعا إلى ذلك بريشت في مسرحه الملحمي، وقد عكست قسوة الحرب وواقعتيها. أما الإضاءة الزرقاء الخافتة، تشير إلى الكآبة والحزن، وهي تعكس الحالة النفسية المتدهورة للجنود والجنرال، ناهيك عن اعتماد الإضاءة الحمراء كدلالاته على الدم والوت والدمار، كما الإضاءة الصفراء لتجسيد آثار الحرب المدمرة على الشخصيات والبيئة المحيطة.

- الموسيقى:

تلعب الموسيقى في مسرحية "دراما حرب" دورا هاما في إثراء العرض المسرحي، لكونها أسهمت في بناء الأجواء الدرامية، كما استطاعت بفضل إيقاعاتها المتنوعة من نقل صور الحماسة التي تميزت بها الشخصيات المسرحية أثناء مواجهة الصراعات الحربية. وهو ما جعلها تعزز من تفاعل الجمهور مع حبكة المسرحية.

خاتمة:

تقوم العلاقة بين المسرح الجامعي والدراماتورجيا والتواصل على التكامل من أجل تحقيق أهداف تعليمية وفنية، حيث يعمل المسرح الجامعي كوسيط لتطوير المهارات الأكاديمية والشخصية للطلاب من خلال الأداء المسرحي، بينما تسهم الدراماتورجيا في تحليل النصوص وتوجيه العملية الإبداعية لتحقيق التوازن بين الرسالة التعليمية والبعد الفني، ناهيك عن التواصل باعتباره محورا هاما في هذه العلاقة التي يتم من خلالها نقل الأفكار بين النص الدرامي والجمهور، وهذا يعزز التفاعل وفهم المفاهيم بشكل أعمق.

هوامش الدراسة:

  1. سنوسي شريط. المخرج والنص المسرحي من النص إلى الإنجاز، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، ط1، 2018، ص:50.
  2. أحمد بلخيري، نحو تحليل دراماتورجي، مطبعة أرنو الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2004، ص:65.
  3. سالم أكويندي، المتخيل المسرحي، مقاربات في العرض المسرحي، إصدارات أمنية للإبداع والتواصل الفني والأدبي، ط1، 1999، ص:33.
  4. نفسه، ص:34.
  5. عبد المجيد الهواس، الدراماتورجيا الركحية أو كتابة الركح بممكناته، مجموعة من الباحثين، الدراماتورجيا الركحية وتحديات الكتابة المسرحية المعاصرة، طبع هذا العدد بدعم من وزارة الثقافة، مجلة دراسات الفرجة، العدد:8، نونبر 2018، ص:2.
  6. خالد أمين ومحمد سيف، دراماتورجيا العمل المسرحي والمتفرج، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة رقم 28، طنجة، ط1، 2014، ص:25.
  7. أنس العاقل، الدراماتورجيا والتحليل الدراماتورجي، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة رقم 54، ط1، 2018. ص:12.
  8. محمد زيطان، المسرح المغربي بين الدراماتورجيا ورهان التجديد، سيليكي إخوان، د ط، 2021،  ص:10-11.
  9. أنس العاقل، الدراماتورجيا والتحليل الدراماتورجي، ص:15.
  10. Patrice Pavis, Dictionnaire du théâtre, Ed. Armand  Colin , 2019, p:134.
  11. أنس العاقل، الدراماتورجيا والتحليل الدراماتورجي، ص:15.
  12. باتريس بافيس، الدراماتوجريا وما بعد الدراماتورجيا، ترجمة وتقديم: سعيد كريمي، وخالد أمين، المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة رقم 28، طنجة، ط1، 2014 ص:35.
  13. نفسه، ص:36.
  14.  تأليف  محمد سليم ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز- فاس جامعة سيدي محمد بن عبد الله ، وتشخيص كل من : لمياء أوغريت، محمد سليم، هشام الفياح، سهام بلخيري، ياسين الحواهري.
  15. إدريس الذهبي المسرح بين النص والعرض: نحو منهج دراماتورجي، مجموعة من الباحثين، النص في المناهج اللسانية والنقدية، منشورات شعبة اللغة العربية وآدابها، ظهر المهراز فاس، ط1، 2018، ص:291.

 

دراماتورجيا المسرح الجامعي، مسرحية "دراما حرب" نموذجا
Partager cet article
Repost0
23 octobre 2024 3 23 /10 /octobre /2024 15:50
النظر المقاصدي لفقه الموازنات
النظر المقاصدي لفقه الموازنات

الدكتور عبد الله الغرمول

دراسة محكمة

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية الثلوج مديرية الحاجب.

 

ملخص:

تتفاوت المصالح من حيث نطاق وزمن تحقق تمراتها، إلى مصالح منقطعة، ومصالح دائمة ومتصلة، والناظر في أدلة الشريعة يخرج بأن الشريعة تدعو إلى الأعمال المتصلة الدائمة وتقدمها على الأعمال المنقطعة الثمار ومن أدلة ذلك أن المصالح المتصلة الثمار أجرها باق ومستمر في حين أن المصالح المنقطعة ينتهي ثوابها بانتهائها، ومادام أجره لا شك مقدم على غيره، وأن الشارع الحكيم حريص على العمل الدائم.

فالشريعة الإسلامية رفعت الحرج عن المكلف خوف الانقطاع عن العمل وبغض العبادة وكراهة التكليف.

الكلمات المفتاحية: النظر المقاصدي، فقه الموازنات، المصالح، المفاسد، الترجيح.

 

Summary:

Interests vary in scope and time of achievement, from intermittent interests to permanent and continuous interests, and the one who examines the evidence of the Shari'ah concludes that the Shari'ah calls for continuous and permanent acts and gives them priority over acts that have interrupted Among the evidences for this is that interests that bear continuous fruits have a lasting and continuous reward, while interests that are interrupted eventually get rewarded, and as long as its reward undoubtedly takes precedence over others and the wise Lawgiver. loves permanent work. Islamic law removes the embarrassment of obligation, the fear of interruption of work, hatred of worship and aversion to mission.

Keywords: Maqasid view, jurisprudence of balances, interests, harms, preference

تمهيد:

المكلف مطلوب بأعمال ووظائف شرعية لابد له منها. ولا محيص له عنها يقوم فيها بحق ربه عز وجل فإذا أوغل في عمل شاق فربما قطعه عن غيره ولا سيما حقوق الغير التي تتعلق به، فيكون عبادته أو عمله الداخل فيه قاطعا عما كلفه الله عز وجل به فيكون بذلك ملوما غير معذور إذ المراد منه القيام بجميعها على وجه لا يخل بواحدة منها ولا يحال من أمواله"([1]).

إن المتتبع لهذا المصطلح في استخدام العلماء يجد أن العلماء القدامى استخدموه وإن لم يضعوا له تعريفا محددا، فنجد العز ابن عبد السلام يقول: "قاعدة في الموازنة بين المصالح والمفاسد: إذا تعارضت المصلحتان وتعذر جمعهما فإن علم رجحان إحداهما قدم الأخر"([2]).

أولا: تعريف العلماء المعاصرين

1- تعريف الشيخ ناجي السويد:

حيث عرف فقه الموازنات بقوله: "تعارض المصلحتين وترجيح أحدهما أو ترجيح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدين باحتمال أدناهما"([3]).

وهو تعريف جيد حيث تم توضيح أهم ما في فقه الموازنات وهو الترجيح بين المصلحتين أو المفسدتين إلا أن التعريف يتسم بالعموم، فهو يشمل الترجيح في الجانب الشرعي وغيره كما أنه لم ينوه إلى أداة تحصيل هذا العلم ويؤخذ عليه أيضا التطويل، حيث أنه ذكر ترجيح خير الخيرين ثم ذكر تحصيل أعظم المصلحتين([4]).

2-تعريف عبد الله الوكيلي: حيث عرف فقه الموازنات بقوله": المفاضلة بين المصالح المتعارضة والمتزاحمة لتقديم الأولى بالتقديم"([5]) ويلاحظ أن التعريف ركز على المفاضلة بين المصالح في حال التعارض أو التزاحم وهذا شيء جيد إلا أنه لم يتطرق إلى الحكم الشرعي.

3-تعريف الشيخ بكر أبو حدايد: حيث عرف فقه الموازنات بقوله: "هو العلم الذي يتوصل به المجتهد للترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة لاختيار الأولى ليعمل به"([6]).

ولذلك يمكن أن نجمل أن فقه الموازنات بأنه: العلم بالأحكام الشرعية التي لها حق الترجيح على غيرها عند التعارض بناء على العلم بفقه المقاصد وبفقه الواقع.

 

ثانيا: فقه الموازنات

1- فقه الموزنات سبيل للخروج من كثير من مسائل الخلاف

يؤكد هذا المعنى قول النبي صلى عليه وسلم للصحابة الكرام رضي الله عنهم لما عادوا من مؤتة فقال لهم البعض أنتم الفارون وذلك في الحديث يرويه ابن عمر رضي عنهما حيث قال: ’’بعثنا رسول صلى الله عليه وسلم في سرية فحاص الناس حيصة فقدمنا المدينة فاختبأنا بها وقلنا هلكنا ثم أتينا رسول الله عليه الصلاة والسلام في سريـــــة فحاص الناس حيصة فقدمنا المدينة فاختبأنا بها وقلنا هلكنا ثم أتينا رسول الله عليه الصلاة والسلام فقلنا يا رسول الله نحن الفارون قال بل أنتم العكارون وأنا فئتكم’’([7]).

2- فقه الموازات سبيل للوصول إلى روح الشريعة وأهدافها

لا يعطل النص بدعوى المحافظة على مقاصد الشريعة ولا تهمل المقاصد بالنظر إلى ظواهر النصوص فهو يوازن بين هذا وذاك([8]).

ويشهد لذلك فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أنه لم يقطع يد السارق في عام الرمادة([9]) مع أن الآية صريحة في قطع يد السارق حيث قال عز وجل ﴿.S`tBföyjAæo a‡Šö]ZX`tBföyjAæo >Ašpöbmö] ö>ZXBÓöYX BӁb‹Ó–öFùq÷–öF%&A ħ,A][söÓѐ BӁ`YöF BÓöYEöæy\öƒ œïö#<\ö„]ZöF ævö³ù‚ $çf/@]A fb/Aæo ¹[s–öF[PsöÓn ¸~–Eöø„öӐ (40)([10]).

وذلك أن عمر رضي الله عنه لم يعطل حدا استوفى شروطه وانتفت موانعه بل إن الحد لم يجب أصلا لوجود الشبهة وهي المجاعة العامة([11]).

 

ثالثا : الموازنة بين المصالح والمفاسد والترجيج فيما بينها

الأصل في المصالح أنها إذا اجتمعت فيتعين جميعا وهذا لا إشكال فيه ولكن المشكلة تحدث عندما تتنازع المصالح بحيث لا يمكن تحصيل إحداها إلا بترك الأخرى، ففي هذه الحالة يتعين إجراء الموازنة والمفاضلة بينهما، فإن ظهر رجحان أحدهما على الأخرى وجب تقديم المصلحة الراجحة على المصلحة المرجوحة ونفس القول يقال على المفسدة حال تعارضها مع مفسدة أدنى منها.

و الموازنة والترجيح بين المصالح المتعارضة قد يكون أمرا ميسورا لكل الناس باعتبار أن ذلك أمر مركوز في طبائع الناس، فلو خير صبي بين لذيذ وألذ فسيختار الألذ([12]).

هل توجد مصالح خاصة ومقاسد خاصة؟

إن المصلحة تعتبر مصلحة باعتبار غلبة الصلاح والنفع فيها، وأن المفسدة تعتبر مفيدة باعتبار غلبة الفساد والضرر فيها.

يقول شهاب الدين القرافي: "استقراء الشريعة يقتضي أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة ولو قلت على البعد. ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة، وإن قلت على البعد."([13]).

وعلى هذا التعميم سار الشاطبي، فلم يستثن من مصالح الدنيا ومفاسدها شيئا فكلها في نظره إنما تعتبر مصالح أو مفاسد على أساس التغليب.

قال: "فإذا كان كذلك فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنها تفهم على مقتضى ما غلب. فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المفهومة عرفا، وإذا غلبت الجهة الأخرى. فهي المفسدة المفهومة عرفا. وإذا كان الفعل ذو الوجهين منصوبا ‘إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة. فمطلوب، ويقال إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروب عنه، ويقال إنه مفسدة"([14]).

إذا ظهر أن المصالح والمفاسد، تعتبر كذلك بناء على غلبة الصلاح أو الفساد فيها، فهل هذا يعني عدم وجود مصالح خاصة ومفاسد خاصة؟

رأينا أن كلا من القرافي والشاطبي يذهبان إلى نفي وجود الخالص من المصالح والمفاسد، وأنها جميعا قائمة على التغليب.

ويجنح الكثير من العلماء إلا عدم إنكار وجود المصالح المحضة ولا المفاسد المحضة. ومن هؤلاء الإمام عز الدين الذي يقول: "واعلم أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود، فإن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن، لا تحصل إلا بنصب مقترن بها أو سابق أو لاحق، وإن السعي في تحصيل هذه الأشياء كلها شاق على معظم الخلق لا ينال إلا بكد وتعب، فإذا حصلت اقترن بها من الآفات ما ينكدها وينغصها، فتحصيل هذه الأشياء شاق... ([15]).

وواضح من كلام ابن عبد السلام أنه لا ينظر فقط إلى المصلحة في ذاتها وبمفردها، وإنما ينظر إليها في تلازمها مع غيرها من المصالح والمفاسد، فلقد نظر إليها نظرة واقعية فوجد أنها لا تخلو من يسبقها أو يرافقها شيء من الفساد ([16]).

وقد اتجه العلامة ابن عاشور إلى إثبات وجود مصالح خالصة ومفاسد خالصة على قلتها أو ندرتها، فقال بعد أن نقل كلام ابن عبد السلام والشاطبي: "وإياك أن تتوهم من كلامهما اليأس من وجود النفع الخالص والضرر الخالص، فإن التعاون والواقع بين شخصين هو مصلحة لهما، وليس فيه أدنى ضرر. وإن احراق مال أحد إضرار خالص"([17]).

وقد تطرق ابن القيم لهذه المسألة وذكر أن العلماء اختلفوا في وجود المصالح الخالصة والمفاسد الخالصة وأنهم في ذلك فريقان. فريق يثبت وفريق ينفي، وبعد أن عرض أدلة الفريقين قال: "وفصل الخطاب في المسألة: إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشو بها مفسدة، فلا ريب في وجودها. وإن أريد بها المصلحة التي يشو بها مشقة ولا أذى، لا في أصلها ولا في ذاتها.

الموازنة بين المصالح  والمفاسد المتعارض

مصلحية الشريعة الإسلامية ومصلحية أحكامها مسألة لا تحتاج إلى إثبات ولا إلى بيان. فعليها عاشت الأمة سلفا وخلفا. علماء وعامة ولم يكن للنزعة الظاهرية أن توثر على اجماع الأمة على اعتبار أحكام الشريعة إنما ترمي إلى حفظ مصالح العباد على أرقى وجه وأتمه. في عاجل حياتهم وآجلها.

ولكي يكون حفظ المصالح أرقى وأتم وأسلم، جاءت الشريعة لا لتقرر مبدأ رعاية المصالح فحسب، ولا لتضع تشريعاتها على أساس حفظ فحسب، بل جاءت بقواعد وموازين لحفظ المصالح، وجاءت بترتيبات وأولويات للمصالح.

وإذا كان هذا كله معلوما ومسلما، فإن الذي يعنيني الآن تقريره والتسليم به هو ما يترتب عنه ويتفرع عنه، وأعني على وجه الخصوص أمريين هما:

1- ضرورة النظر المصلحي إلى النصوص والأحكام الشرعية، باعتبار أن وراء كل حكم شرعي مصلحة أو مصالح يرمي إلى جلبها، أو مفسدة أو مفاسد يرمي إلى دفعها. وأن ذلك هو غاية عملنا بمقتضى الحكم الشرعي. وأننا نكون متمسكين بحكم الشرع بقدر ما نحقق من مقاصده المصلحية، ونكون مضيعين له بقدر ما نفوت من مقاصده المصلحية.

2- ضرورة الأخذ بمبدأ التغليب بين المصالح والمفاسد المتعارضة. فحياتنا الخاصة والعامة تعج بالتعارضات بين المصالح والمفاسد. وليس من المصلحة في شيء اهدار ما تعارض من المصالح والمفاسد. وليس من المصلحة في شيء اهدار مصالح بدعوى أنها غير منصوص عليها.

و الموازنة والترجيح بين المصالح المتعارضة قد يكون أمرا ميسورا لكل الناس باعتبار أن ذلك أمر مركوز في طبائع الناس. فلو خير صبي لذين وألذ فسيختار الألذ.

  • ترجيح أعلى المصلحتين حكما.

لقد أنزل الله عز وجل شريعته لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل معا، وكلما كان الحكم جالبا لمصلحة كبرى أو دفاعا لمفسدة كبرى علت درجته، وصار مسلما عند كافة العلماء. أن على مراتب الأحكام فيما يتعلق بالأمر هو الوجوب ثم الندب ثم الإباحة، وأعلى مراتب النهي هو التحريم ثم الكراهة، وعلى هذا الأساس إذا تعارض واجب ومندوب فيقدم الواجب ويسقط المندوب.

  • ترجيح أدوم المصلحتين نفعا.

إذا تعارضت مصلحتان وكانتا متساويتين في رتبة المصلحة ونوعها وعمومها أو خصوصها فإنه ينظر إلى أطول المصلحتين زمنا من حيث النفع.

مثال: مسألة الأراضي المفتوحة عنوة فإن هذه الأراضي تتنازعها مصلحتان. مصلحة مؤقتة تتمثل في توزيعها على الفاتحين، ومصلحة طويلة الأمد ممتدة في الأجيال والأزمان وهي ترك هذه الأراضي في أيدي أصحابها. وفرض الخارج عليها لبيت مال المسلمين بصورة دائمة ولا شك أن هذه المصلحة أكثر نفعا من المصلحة المؤقتة في فترة محدودة ولجيل معين.

  • ترجيح آكد المصلحتين تحققا.

لو تعارضت مصلحتنا وكانت أحداهما راجح وقوعها والأخرى موهومة، فنقدم الراجحة ونترك الأخرى مهما كانت دربتها وقال دلك: لو أراد الجهاد وكان عدد المسلمين ضعيف في العدد والعدة، بحيث يغلب على الظن هزيمتهم في مواجهة من يسقا تلونه من الكفار فينبغي أن تقدم مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة مصلحة موهومة([18]).

  • الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأطولها زمنا.

إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وكانتا متساويتين في رتبة الحكم ورتبة المصلحة والمفسدة ونوعهما، وكانتا متساويتين في المقدار، ففي هذه الحالة يجب النظر إلى الامتداد الزمني لكل منهما، فأيهما كان أثرها يمتد زمنا أطول من الأخرى فيرجح على ما دونها فلو كانت المصلحة دائمة والمفسدة مؤقتة أو آنية فإنه ترجح المصلحة على المفسدة، لكون المصلحة أكثر نفعا وأطول أثرا.

ولتوضيح الترجيح بمعيار الامتداد الزمني في أي من المصلحة أو المفسدة سنضرب مثالين: الأول نبين فيه كيف رجحت المصلحة على المفسدة لكون المصلحة أطول زمنا. والمثال الثاني نوضح فيه كيف رجحت المفسدة على المصلحة لكون المفسدة أطول زمنا.

  1. المثال الأول: مسألة العمليات الجراحية التي تستخدم لعلاج الإنسان المريض فإنها

تشتمل على مفسدة مؤقتة بما قد يصيب ذلك الإنسان من آلام الجراحة، ولكن بما أن هذه العمليات تعقبها مصلحة دائمة وهو الشفاء المستمر وبما أنها مصلحة دائمة والمفسدة آنية فقد رجحت المصلحة على المفسدة

2-المثال الثاني: مسألة الزواج المؤقت أو ما يسمى بالمتعة فهو مشتمل على مصلحة مؤقتة وهي اشباع الغريزة لفترة معينة. ولكن هذا الزواج يتضمن مفسدة دائمة. وهي ما يترتب عليه من

اضطراب العلاقات الاجتماعية. وخدش لدائرة حفظ النسل. وبما أن المصلحة هنا مؤقتة والمفسدة دائمة فيقدم درء المفسدة على جلب المصلحة (1).

وهكذا فالمصلحة هي الأساس وعلى هذا الأساس تتقرر الأوامر والنواهي.

 الأوامر لجلب المصالح والنواهي لدرء المفاسد وعلى هذا الأساس تتفاوت مراتب الفضل والأجر ومراتب العقوبة والإثم سواء في الدنيا أو في الآخرة.

تابع

هوامش الجزء الأول


([1]) الموافقات 2/440

([2]) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام1/51

([3]) فقه الموازنات بين النظرية والتطبيق صفحة:27 للسويد

([4]) فقه الموازنات بين النظرية والتطبيق صفحة:27 للسويد

([5]) تأصيل فقه الأولويات للكمالي: صفحة 40

([6]) دور المقاصد في توجيه الحكم بين الرخصة والعزيمة صفحة:28

([7]) سنن الترمذي كتاب الجهاد باب ما جاء في الفرار من الزحف ص 4/215.

([8]) تأصيل فقه الموازنات للكمالي:101

([9]) السياسة الشرعية للقرضاوي صفحة :206

([10]) سورة المائدة الآية: 40.

([11]) إعلام الموقعين لابن القيم:3/11

([12]) قواعد الأحكام 1/5.

([13]) شرح تنقيح الفصول 78

([14]) الموافقات 1/117.

([15]) قواعد الأحكام 1/5.

([16]) مقاصد الشريعة 67.

([17]) مفتاح دار السعادة 2/15-16.

([18]) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة عدد 51 سنة. 1422- 2001

النظر المقاصدي لفقه الموازنات
Partager cet article
Repost0
23 octobre 2024 3 23 /10 /octobre /2024 15:24
تتمة // النظر المقاصدي لفقه الموازنات
تتمة // النظر المقاصدي لفقه الموازنات

الدكتور عبد الله الغرمول

دراسة محكمة

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية الثلوج مديرية الحاجب.

ملخص:

تتفاوت المصالح من حيث نطاق وزمن تحقق تمراتها، إلى مصالح منقطعة، ومصالح دائمة ومتصلة، والناظر في أدلة الشريعة يخرج بأن الشريعة تدعو إلى الأعمال المتصلة الدائمة وتقدمها على الأعمال المنقطعة الثمار ومن أدلة ذلك أن المصالح المتصلة الثمار أجرها باق ومستمر في حين أن المصالح المنقطعة ينتهي ثوابها بانتهائها، ومادام أجره لا شك مقدم على غيره، وأن الشارع الحكيم حريص على العمل الدائم.

فالشريعة الإسلامية رفعت الحرج عن المكلف خوف الانقطاع عن العمل وبغض العبادة وكراهة التكليف.

الكلمات المفتاحية: النظر المقاصدي، فقه الموازنات، المصالح، المفاسد، الترجيح.

Summary:

Interests vary in scope and time of achievement, from intermittent interests to permanent and continuous interests, and the one who examines the evidence of the Shari'ah concludes that the Shari'ah calls for continuous and permanent acts and gives them priority over acts that have interrupted Among the evidences for this is that interests that bear continuous fruits have a lasting and continuous reward, while interests that are interrupted eventually get rewarded, and as long as its reward undoubtedly takes precedence over others and the wise Lawgiver. loves permanent work. Islamic law removes the embarrassment of obligation, the fear of interruption of work, hatred of worship and aversion to mission.

Keywords: Maqasid view, jurisprudence of balances, interests, harms, preference

تتمة

 

رابعا : معايير الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة

إن الموازنة بين المصالح المعارضة والمفاسد المعارضة، وبين المصالح المتعارضة مع المفاسد. قد يكون الأمر فيه واضحا ميسورا لكل واحد، ويقع بنوع من التلقائية والبداهة، باعتبار أن ذلك مركوز في طبائع العباد "كما قال ابن عبد السلام، يكون هذا واضحا ميسورا في مثل الأمثلة التي ضربها وهي أن تخير صبيا بين درهم ودينار فيختار الأحسن"([1]).

ولكن أمر المصالح والمفاسد المتعارضة لا يقف عند هذا الحد، ولا ينحصر في أمثال هذه الصور البسيطة. بل تتشابك الأمور، وتتداخل وتلتبس في حالات وصور لا حصر لها([2]).

ولا يعصم من هذا إلا العلم والبصيرة ومن هنا فإن كثيرا من صور التعارض بين المصالح والمفاسد، لا بد لها من أهل العلم والاجتهاد. ينظرون فيها في حينها. ويقلبون النظر فيها بجميع ملابساتها، ومن جميع وجوهها، فيوازنون ويسددون ويقارنون.

و قد بث العلماء- صراحة أو ضمنا- عددا من معايير الترجيح بين المصالح والمفاسد ولا يخفى أن معايير الترجيح لا تكاد تحصى، وكل معيار يمكن أن تتفرع عنه وتندرج تحته أو تستدرك عليه معايير أخرى تخصص أو تقيد.

1- تحديد المعايير

هناك معياران أساسيان لمعرفة قيم المصالح والمفاسد، ومن خلالهما تندرج بقية المعايير.

  • المعيار الأول: تحديد نوع المقصد الشرعي التي تتعلق به المصلحة أو المفسدة هل يدخل ضمن صنف الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات.
  • المعيار الثاني: فهو تحديد كمية المتضررين من الناس من جراء وقوع المفسدة أو ترك المصلحة، وكمية المنتفعين من جراء دفع الأولى وتحقيق الأخرى، وذلك بالنظر إلى عدد الناس المتضررين والمنتفعين.

 وفيما يلي سأعرض لبعض المعايير التي يجب سلوكها عند إرادة التغليب والترجيح والقائمة على المعياريين الأساسيين.

أ- رتبة المصلحة

وأعني برتبة المصلحة – والمفسدة كذلك- درجتها في سلم المصالح والمفاسد. وهو السلم الذي اشتهر فيه التقسيم اثلاثي: الضروريات والحاجيات والتحسنيات.

 ومعنى ذلك أنه عند التعارض يقدم في الاعتبار ما كان من قبيل الضروريات على ما كان من قبيل الحاجيات أو التحسنيات. سواء في جلب المصالح أو في درء المفاسد.

فالزواج مثلا ضروري لأن به حفظ النسل. ومما يتصل بالزواج المهر الذي يدفعه الزوج لزوجته فهو حاجيات الزواج وبرهان الجدية والرغبة فيه. وهو مدعاة لتوطيد المحبة والمودة، وكل هذه مصالح حاجية يحققها المهر لكن إذا تعارض المهر مع الزواج نفسه، فأصبح مانعا منه وجب تقديم الضروري على الحاجي، ولم يجز تعطيل الزواج بسبب المهر أو بسبب المغالاة فيه.

وكذلك إذا تعارضت الوليمة مع المهر، فالمهر أولى بالتقديم والاعتبار. فمن عجز عن الجمع بينهما فالمهر أولى من الوليمة، لأن المهر من الحاجيات والوليمة من التحسنيات.

وكما يتعين ترجيح الضروريات على الحاجيات، والحاجيات على التحسنيات، يجري كذلك بنفس المعيار الرتبي – ترجيح ماكانت الحاجة إليه أشد وضرر فقده أبلغ، وعلى هذا الأساس أجاز العلماء للناس السعي في كسبهم ومصالحهم، ولو كان في طريق ذلك شيء من المفاسد والمحظورات المرجوحة بالقياس إلى المصالح المطلوبة. فخروج الإنسان في مهنته وفي طلب رزقه، يتردد بين الضروري والحاجي. والحاجة هنا بالغة أعلى مراتب الحاجيات، فإذا كان في خروجه وسعيه وقوع غير مقصود في رؤية مالا يجوز أو سماع مالا يجوز. فذلك لا يوقفه عن عمله ولا يمنعه من كسبه على أن يتحاشى الحرام ما استطاع([3]).

ب- نوع المصلحة

المقصود بنوع المصلحة انتماؤها إلى أحد الضروريات: الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، فإن الانتماء مصلحة ما إلى هذا الضروري أو ذاك. تأثيرا في ترجيحها أو الترجيح عليها وهذا ينبني بطبيعة الحال على اعتبار هذه الضروريات متفاضلة فيما بينها ومقدم بعضها على بعض.

 والمفاضلة بين هذه الضروريات وبين المصالحة التابعة لها، إنما تجري عند التكافؤ المرتبي، أي عندما تكون المصلحتان معا ضروريتين، أو معا حاجيتين، أو معا تحسينيتين، فحينئذ يكون لانتمائهما النوعي تأثير في الرجحان.

أما حين تتفاوت الرتبتان، فالاعتبار بالرتبة لا بالنوع كتعارض المحافظة على صلاة الجماعة مع مصلحة حفظ الحياة، وكتعارض مصلحة الصلاة مع مصلحة النوم والراحة. ففي مثل هذه الحالات التي تختلف فيها الرتب اختلافا بينا، فالعمل يجري بمقتضى المعيار السابق وهو تقديم الضروريات على الحاجيات، والحاجيات على التحسنيات، كما يقدم الأكثر ضرورة والأشد حاجة على ما دونه.

لكن عندما تكون المصلحتان المتعارضتان متكافئتين أو متقاربتين في الرتبة، فحينئذ يتعين اللجوء إلى معيار آخر، ومنه النظر في نوع كل منهما، فإذا اختلف النوع بأن كانت أحداهما تندرج في حفظ الدين، والأخرى تندرج في حفظ المال، أو إحداهما تندرج في حفظ النفس والأخرى في حفظ النسل... فحينئذ يمكن ترجيح نوع على نوع حسب الترتيب العام للضروريات الخمس.

وهناك اتفاق واسع بين العلماء، على أن أسمى هذه الضروريات وأولويات بالحفظ والتقديم هو الدين ثم النفس، كما أنهم متفقون بنفس الدرجة على أن آخرها وأدناها هو المال.

أما النسل والعقل، فنجد من يقدم هذا، ونجد من يقدم هذا، ونجد من يقدم هذا. ولكنهما على كل حال مقدمان على حفظ المال، ومؤخران على حفظ الدين والنفس.

ويبين الآمدي جانبا من الاعتبارات التي تجعل الدين مقدما على غيره. فيقول: "فما مقصودة حفظ أصل الدين يكون أولى، نظرا إلى مقصوده وثمرته، من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين"([4]).

والحقيقة أن الأمر أوسع من هذا وأبعد مدى، فحفظ الدين يقدم، ويجعل قمة المصالح لأن حفظه يعود بالضرورة على سائر الضروريات بالصيانة والحفظ. فحفظ الدين حفظ الأنفس، وحفظ الأموال.

وهكذا دونما حاجة إلى مزيد من الاستشهاد والتفصيل. نجد أن الدين هو المصلحة الأم وهو أصل كل حفظ، وأن حفظه يشكل تلقائيا حفظ سائر الضروريات. بينما حفظ باقي الضروريات لا يتجاوزها. فبقاء الأنفس لا يقضي إلى بقاء الدين ولابد وحفظ المال لا يتضمن حفظ الأنفس، بل قد يكون أكبر سبب لإزهاقها.

ج- مقدار المصلحة

هذا المعيار إنما يؤخذ به بعد النظر في المعايير السابقة، وخاصة منها الأول والثاني أي أننا لا نلجأ إلى التغليب بالمقدار. وهو تغليب كمي- إلا بعد اعتبار الجانب الرتبي والجانب النوعي.

وهذا المعيار الكمي يفهمه الناس أكثر من غير. ويحترمونه أكثر من غيره لوضوحه وسهولة العمل بمقتضاه. ومع هذا فهناك حالات كثيرة يختل فيها العمل بهذا المعيار، إما لنوع من الخفاء والالتباس في مقادير المصالح والمفاسد، وإما عن هوى وأنانية.

من ذلك قوله عز وجل في شأن العلاقة الزوجية والمعاشرة الزوجية ﴿! dvaŒobsöø{zBÓnæo åøUobsö÷möӁ>jB`YöF u;`BÓöYX dvaŒpöbaôEö÷ŒPs\öƒ ëê™ÒyÓmÓöYX u%&A >ApaŒÓsÌö„ö]‡F LBè<<÷–Eö\{z *höÓmö÷яӖöFæo fb/@]A ùŠö–Eö`YX LAsö÷–Eö]Z LAsö–Eöù˜E\öƒ (19)([5]) فالآية تخاطب الأزواج من الرجال الذين بيدهم حق إيقاع الطلاق، وتنبههم لكي لا يبادروا إلى الطلاق عند حدوث تنافر وكراهية للزوجات، لأنه حتى إن صح أن في الزوجة ما يستوجب النفور والكراهية فقد يكون فيها وفي بقائها خير كثير. وليس من الصواب تفويت الخير الكثير.

وقد تقدم أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود، ولذا وجب على الزوج وهو ينظر إلى آفة ما في زوجته. أن يفكر طويلا في المحاسن والمنافع ثم يوازن.

وقد جاء الحديث الشريف مؤيدا لمغزى الآية فقال النبي عليه الصلاة والسلام "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر"([6]).

وهكذا يعلمنا القرآن الكريم، ويعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام فقه الموازنات فالخير الكثير أولى بالاعتبار من الضرر اليسير.

ومن الأمثلة القرآنية المشيرة إلى ضرورة الموازنة بين المصالح، وتقديم حفظ المصلحة الأكبر قدرا. ولو بتفويت الأقل. ما جاء في قصة موسى مع الخضر. في شأن السفينة التي قام الخضر بخرقها حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿B]ZWö]iö] ZöFBÓöYX ëê™NôEöӐ A\^r;`A BÓöYEöøƒæt —PYX ù‡Šö]óEö–EöùZWföyj@¢A $Bæ‹]ZXÓsö]Z *gB]ZX Bæ‹]ôEö>ZXÓsö]Z%&A \SPsö>ZmöaôEöçj Bæ‹]iö÷Œ%&A Ìqö]ZW]j \ˆD÷è<–ERöѐ IBè<<÷–Eö\{z LAsö÷‚¢A (70)([7]) ولم يدرك موسى هذا التصرف الغريب الذي أقدم عليه الخضر حتى بين له ذلك عند فراقهما "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها، وكان وراءهم تلك يأخذ كل سفينة غصبا.

فهو قد غصب السفينة بالخرق، وهذا إفساد وتطبيع، ويتطلب كلفة لإصلاحها ولكنه إنما فعله لحفظهما على أصحابها. فالحضر عليه السلام ألحق بالمساكين أصحاب السفينة ضررا قليلا ليدفع عنهم ضررا كبيرا يتمثل في اغتصاب الملك لسفينتهم.

وفي سياق توضيح هذا المعيار، وهو أن المصلحة كلما كان مقدارها أكبر كانت أولى بالجلب وأن المفسدة كلما كان مقدارها أكبر كانت أولى بالدفع.

وقد نبه العلماء إلى قاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" قال المقري: "عناية الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المصالح، فإن لم يظهر رجحان الجلب قدم الدرء"([8]).

وقال السيوطي "درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبا، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات"([9]).

وهكذا يستقيم المعيار ويطرد، فما كان أكبر قدرا من المصالح قدم جلبه، وما كان مقداره أكبر من المفاسد قدم دفعة، وإذا تعارضت المصلحة مع المفسدة قدم منهما الأكبر قدرا فإذا تعادلتا فدفع المفسدة أولى.

د.الامتداد الزمني

المصلحة أو المفسدة قد يكون لها قدر معين في وقت حصولها، وفي زمنها القريب، وقد يكون لها بعد ذلك شأن آخر ووزن آخر. وأعني بصفة خاصة أنها قد تتزايد وتتوالد، فتأخذ حجما كبيرا بمرور الوقت. فمثل هذه المصلحة لا ينبغي النظر إليها وإلى مقدارها عند أول أمرها فقط. بل ينظر إليها في آثارها المستقبلية المتوقعة. ومن خلال ذلك يتم الحكم عليها. ووضعها سواء تعلق الأمر بحالة تعارضها مع غيرها، أو بحالة تقديرها، لتقرير الاقدام أو الاحجام.

والذي يعنينا الآن هو حالة التعارض، فعلى هذا: إذا تعارضت مصلحتان، إحداهما لها وجود زمني محدود. والأخرى لها امتداد طويل وأثر بعيد، قدمت الثانية، ولو كانت الأولى أكبر منها في أول الأمرين يتحتم عند الموازنة البحث والنظر في الامتداد الزمني لكل منهما. وتقدير مداه وحجمه ونوعه، ولا يكون التغليب بين المصالح سديدا إلا بهذا.

وأعظم مثال أجده لهذا المعيار هو "صلح الحديبية" الذي عقده النبي عليه الصلاة والسلام مع قريش، وقد تم الاتفاق فيه على ما يلي:

  • توقيف الحرب بين الطرفين مدة عشر سنين؛
  • تأمين الناس وحرية التنقل من الجهتين؛
  • يرجع المسلمون عن عمرتهم، على أن يعتمروا السنة المقبلة؛
  • أن يدخلوا مكة بغير سلاح، سوى ما يعمله المسافر؛.
  • من عاد من المسلمين إلى قريش لا يرد.

و المتأمل في بنود هذا الصلح يرى أنها كلها تنازلات. وأنها تحقق قوة قريش وتفوقها.

فهذا الصلح الذي أجراه رسول الله عليه الصلاة والسلام بهذه الشروط قد زلزل المسلمين أيما زلزال. حتى قال عمر بن الخطاب: " والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ.....’’

خاتمة

لقد درس العلماء الصلح وما أسفر عنه بالتحليل، مقارنين عاجل أمره بآجله موازنين بين مضاره ومنافعه. وأنقل فيما يلي خلاصة أقوالهم. كما لخصها لنا الإمام النووي. قال رحمه الله: "قال العلماء: والمصلحة المترتبة على هذا الصلح: ما ظهر من ثمراته الباهرة وفائدته المتظاهرة. التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلها، ودخول الناس في دين الله أفواجا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولما حصل الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاؤوا إلى المدينة، وذهبوا المسلمون إلى مكة وحلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليهم وسلم مفصلة بجزئياتها، ومعجزاتها الظاهرة وحسن سيرته. وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فاسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة"([10]).

 كما تعظم المصلحة بما يتولد عنها من آثار والمصالح، فكذلك السيئة، فقد تكون إحداهما في أول الأمر عملا قليلا، ولكنه ينمو ويعظم شأنه بقدر ما يترتب عنه، طال الزمن أو قصر. ولهذا جاء في الحديث " من سن في الإسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجور من عمل بها، ولا ينقصهن أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها. ولا ينقص من أوزارهم شيء"([11]).

ومن هذا الباب أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"([12]).

فهذه أعمال يستمر أثرها، ولذلك عظم أمرها، واستمر أجرها، فإذا تعارضت مع غيرها كان لها فضل وسبق، وهكذا كل عمل يستمر عطاؤه ويطول نفعه، فهو أولى من غيره.

وكذلك الأعمال الضارة، فكلما كانت مما يطول أثره، كانت أسوأ، وكانت أولى أن تجتنب وتحارب.

 

هوامش الجزء الثاني

 

([1]) من مجلة الفقهية المعاصرة عدد 51 سنة. 1422- 2001

([2]) قواعد الأحكام 1/5

([3]) الموافقات 1/181 إلى 187.

([4]) الإحكام 4/377

([5]) النساء الآية: 19

([6]) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، (2/ 1091)، برقم: (1469)

([7]) الكهف، الآية 70

([8]) القاعدة 200 من قواعده.

([9]) الأشباه والنظائر 87.

([10]) زاد المعاد 3/295.

([11]) جامع بيان العلم لابن عبد البر 17/18

([12]) صحيح مسلم، باب الوقف حديث رقم:931

تتمة // النظر المقاصدي لفقه الموازنات
Partager cet article
Repost0
22 octobre 2024 2 22 /10 /octobre /2024 20:52
 نفحات من فن الفكاهة: قراءة في الحكايات الشعبية المكناسية

 نفحات من فن الفكاهة: قراءة في الحكايات الشعبية المكناسية

 

الدكتورة نوال بكيـــز

 

دراسة محكمة

 

ملخص:

"الحكاية الشعبية" كمفهوم لم يكن موجودًا في الوعي الشعبي العربي والمغربي بنفس الشكل الذي نراه عليه اليوم.

ففي الماضي، كانت الحكايات تُروى وتُسمع دون أن تُصنف أو تُحدد،مع تطور الدراسات الأدبية، برزت الحاجة إلى تصنيف هذه الأشكال الأدبية، فظهر مصطلح "الحكاية الشعبية" ليشمل تلك السرديات الشفوية التي تنقل عبر الأجيال. ومع ذلك، فإن هذا المصطلح لا يزال قيد التطور، حيث يواجه تحديات في التحديد والتصنيف، خاصة في ظل التنوع الكبير في الأشكال والمضامين التي تتناولها الحكايات الشعبية.

مقدمة :

تعتبر الحكايات الشعبية هي مرآة عاكسة لتاريخ المجتمع وقيمه وعاداته، فهي تحمل في طياتها حكمة الأجداد وتجاربهم، وتساهم في نقل المعرفة والقيم إلى الأجيال القادمة،على الرغم من التغيرات التي يشهدها العالم، إلا أن الحكايات الشعبية لا تزال تحتفظ بأهميتها في الحفاظ على الهوية الثقافية. فهي تشكل جزءًا لا يتجزأ من التراث الشفوي، وتساهم في تعزيز الانتماء والولاء للمجتمع.

 وكان الإنسان منذ قديم  الزمان ، بدلا  من  أن  يسمح لحياته  بأن تصبح حكاية ،  كان  في  حاجة  إلى رواية  حكايات  و حكايات  وصلت  إليه إما عبر  سحر السماع، أو متعة  القراءة البعيدة ، لكنها طبعت  فكره و لم  تغادره ثم تأخذ  هذه الحكايات  في الانتقال من  شخص إلى  آخر  و من مخيلة  إلى أخرى ، هذا  يكرسها  ، و هذا  يغيرها ، و في كل  مرة  تخلق من جديد  لتلبس في  كل مكان و في  كل زمان ثوبا  غير الثوب الأول .  فالحكاية  لا  تستقر  في  مكان  إنها  تتعدى  كل مجالات  الكلمة ، هي أيضا  دعوة مستمرة  إلى  اختلاق قصص جديدة ( ليست في الواقع جديدة ) (1) . فحيثما تكون هناك تجمعات إنسانية يكون هناك حكي، إنها بحاجة لأن تحكي لنفسها إما بالشفوي  أو  المكتوب  لتتعارف و تتفاهم حتى  تؤسس للخلود  و  الاستمرارية   (2).

أولا: الحكاية من المفهوم إلى التشكل

إذن، على ماذا تحيل كلمة حكاية باعتبارها مفرد حكايات؟

لمحاولة الإجابة  عن  السؤال  المطروح ، لا  باس  من أن نستعين  في ذلك ببعض المعاجم  الأجنبية.

ففيما مضى كانت الحكاية سردا لبعض المغامرات.

حقيقية  كانت  أو  خرافية  ،  رصينة  أم  طريفة (3) . و هي في غالب  الأحيان  خرافات و طرائف (4) . و بذلك  فهي تقترب من  التعريف  الحديث  الذي يرى  أنها :  سرد لأفعال و أحداث خيالية (5) مئة بالمائة ، إلا أن هذا لا يعني أنها بعيدة عن الواقع ، ما  دامت ( تسعى  لتخرج الواقعي من العجائبي )(6).

 الحكاية في الأدب المكتوب لم تخضع أبدا إلى أي استعمال قار، و  لم  تشكل  بالنسبة للوعي النقدي نوعا محددا  (7) .بعكس  الحكاية  في الأدب الشعبي التي تعرف  - وإن كانت  تقترب  نوعيا من  الحكاية  في الأدب المكتوب – استنادا  إلى  معايير  أخرى أبرزها  الشفوية ، لأن ( الحكاية  الشعبية  في معناها  الحقيقي هي الحكاية  التي تنتقل  شفويا)(8) .إلا أن  هذا  لا يمنع  من  أن  الكثير من  الحكايات قد عرفت  طريقها  إلى  التدوين  بفضل  جهود بعض الباحثين *. 

ويلاحظ غياب مصطلح الحكاية الشعبية في الوسط الشعبي العربي عموما   و المغربي خصوصا الذي يتم تعويضه   بمصطلحات من مثل : ( الخرافة - الحجاية – القصة). مما يدل على ان الأمر يتعلق بمصطلح جديد ( لا بالقياس إلى الأدب العربي وحده ، بل  بالقياس إلى  الآداب  العامية أيضا ، ذلك  أن وصف  السرد القصصي  بالشعبية. إنما  كان  استجابة  مباشرة   للإحساس  بالحاجة   إلى  ضرب  من التمييز  بين إطار قصصي فني  و آخر يتسم   بالحرية   والمرونة  و مسايرة   العقول   و الأمزجة  (9) . و لكن  داخل هذا  الإطار  القصصي  الشعبي، هل  يمكن الحديث  عن نمط  واحد  من الحكاية   الشعبية  أم  يمكن  التمييز  بين أنماط  مختلفة ؟  

إنه  و على الرغم من  الصعوبة  التي يمكن  أن  تعتري  الباحث و هو بصدد تصنيف  الحكايات، بسبب ذلك  التداخل   في الأحداث  و المواقف ، إلا  أن ذلك  لم  يمنع  الباحثين  من المحاولة  ، و إن  كانوا  يختلفون  فيما  يخص التصنيف  و  المصطلح .

ثانيا: الحكاية الشعبية المكناسية وفن الفكاهة- نماذج حكائية-

  ويمكن تصنيف   الحكاية   الشعبية  في مدينتي مكناس إلى خمسة أنماط رئيسية :  الحكاية  الاجتماعية ، الحكاية  الخرافية ، حكاية الحيوان  ، الحكاية  المرحة  و أخيرا  حكاية  المعتقد.ولكل نوع من هذه الأنواع خصوصيته أو دوره إما في خلق الفكاهة أو تعرية الواقع أوالسخرية منه . 

1- الحكاية الاجتماعية:  

في لسان  العرب  مادة ( حكى) تجد  ( حكى الحكاية : كقولك  حكيت  فلانا   و حاكيته  فعلت مثل  قوله  سواء  لم  أجا وزه ) (10) 

لم يرد في هذا  التعريف لم يرد  ما  يدل  على أن  الحكاية  تحمل  معنى النقد أو التغيير  أو حتى  أنها  حديث و رواية   تروى  جيلا  عن  جيل  ، بل  يوجد فقط  ما  يدل على  معنى  المحاكاة والمشابهة  إلا أنه  ومع  ذلك  لا  يجب  إغفال  هذا المعنى  الذي  يقترب  من  الحكاية  الاجتماعية  باعتبارها  نوعا  يحكي الواقع  الاجتماعي  للمجتمع  .

و إذا  كانت المعاجم  العربية  تصب  في نفس  المنحى و هو المحاكاة ، فبعض  المعاجم الأجنبية  تعرفها  ( بأنها  الخبر الذي  يتصل بحدث قديم ينتقل عن  طريق الرواية الشفوية من جيل لآخر ، أو  في  خلق  حر  للخيال  الشعبي  بنسجه حول حوادث مهمة و شخوص و مواقع تاريخية أما  المعاجم  الانجليزية فتعرفها  بأنها حكاية يصدقها الشعب بوصفها حقيقة و هي تتطور  مع  تطور العصور ، و تتداول شفاها  ، كما  أنها  قد تختص بالحوادث التاريخية الصرفة  أو  الأبطال الذين يصنعون  التاريخ ) (11) 

إن  هذه التعاريف ، تحيلنا  على مجموعة  من  الخصائص :  تتمثل  في  الأقدمية  و  الشفوية  والتغيير المستمر  بالزيادة  أو  الحذف  عبر العصور  و البيئات وتتمحور  حول أحداث  وأشخاص  من  صنع  التاريخ   أو من  صنع   خيال  الشعب . هذا  الخيال  الشعبي    الذي  يقوم  (فيها عادة بدور  رئيسي ، حيث يترجم ما  يتمناه  المجتمع أو الرأي العام . و ما  تلبث وقائعها  الخيالية  أن تصبح حقائق ، رغم خروجها   عن  الحقائق  العلمية . و معروف أن طابع  هذه  الحكاية  إقليمي ) (12).  

*حكاية من المخزون   الشفوي  الشعبي  المكناسي

"تيكولو بللي سيدي عبد  الرحمان المجذوب ( و كانت  البركة  ديالو كبيرة )  كان  دايما  موسخ  أو هامل  راسو، أو  فيوم من  الأيام  تعرض لواحد الحفلة ديرها  واحد من أعيان مدينة  مكناس  و كان  دير العساسة  فالباب  أو منين جا  سيدي عبد  الرحمان  بغا يدخل  منعوه العساسة  أو كالو  ليه  .( كيفاش  بغيتي تدخل  عند سياد  الناس  أو انت لابس  دربالة  أو  حالتك حالة ) مشى  سيدي عبد الرحمان  و غير  لباسو  و دار عليه  السلهام  و رجع  للرياض أو  تلقاوا ليه  العساسة  بزيد  و  تفضل  أو بسيدي و مرحبا و زيد القدام   أو مع  كل  مرحبا  يتحناوا  ليه  و يخويوا  ليه  الطريق . و لما  دخل  أو جابوا ليه  الطاس  باش  يغسل  يديه بدا يغسل الكم ديالو و  الناس كيتعجبو و تايكولوا : ( واش هذا  حمق و لامالو) أو منين قدموا الماكلة  قطع  الخبز  و  عوض  ما  يديه  لفمو داه  لكمو أو  هو تيكول  : ( كل  بابا يا حاحا) زعمى كل  الخبز أكمي  راك انت للي معروض ماشي  أنا  (13)

إن  هذه  الحكاية يمكن تصنيفها كحكاية  من  حكايات الواقع الاجتماعي فهي لصيقة  بالمجتمع المكناسي لارتباطها ببطل شعبي  معروف لديه ، عاش بمدينة مكناس  ودفن  بها  وضريحه  الآن  بجانب   ضريح  المولى  إسماعيل  ، و الحكاية كما  تبدو تعالج ظاهرة  من  الظواهر  الاجتماعية ألا و  هي  الاحتفاء بالمظهر  دون الجوهر .

و بالرغم  من أن المخيلة  الشعبية  قد  فعلت  فعلها  في هذه  الحكاية  إلا أن الناس   يصدقونها  و يتعاملون  معها  على أنها  وقعت  بالفعل.

و هو  شيء  غير  مستغرب  من  شخصية  كشخصية  سيدي عبد  الرحمان  المجذوب تقول  مثل  هذا  الكلام :

الشاشية  اتطيع  الراس      **    الوجـــه اتضويــه  الحســانة

المكسي ايقعد امع الناس     **   العريان انوضوه  امن احدانه (14)

2- الحكاية الخرافية: 

اذا كانت الحكاية الاجتماعية تستغني في هيكلتها عن العنصر الخارق.

فإن  الحكاية  بطابعها  تجعل منه  أهم مميزاتها ، ( بسبب اتجاهها إلى  عالم غير واقعي )(15)

وإذا كانت  الحكاية الاجتماعية  ذات طابع  إقليمي ، محلي  فإن الحكاية  الخرافية تتميز  بطابعها  العالمي ما دامت ( تاخذ مادتها الأساسية تقريبا من  العقائد القديمة و الأساطير التي تحدثت عن  التكوين الأول للأرض بما عليها ) (16).و من ثمة تراها قد ( انعزلت  عن الزمان و المكان ، و  لذلك فقد ظهر  أبطالها بملامح نفسية قاتمة ، و شخصيات مسطحة ، تعيش ببعد واحد ) (17) . و هذه  حكاية مكناسية  من  هذا  النمط :

 كان يا ما كان ، حتى  كان الله فكل  مكان حتى كان الحبق و  السوسان فحجر النبي العدنان عليه أزكى الصلاة و  السلام  ، حتى  كانت واحد المرا  عندها بنية زوينة اسمها نورا أو بقوة المعزة للي كتعزها كانت ما كتخليها دير حتى حاجة و ما  عرفتش الأم بأنها غلطت فحق  بنتها ، مشات سنين مرضت الأم أو ماتت وبقات نورا وحدها مع باها  أو ما عرفت ما  دير ، و كانت عندهم واحد الجارة  هجالة و عندها  بنت هذ الجارة  كالت فراسها ( علاش للي ما نتزوج بباين نورا .) أو من  تم بدات  كتعيط  لنورا  أو  بدات كتحن عليها ، تمشط  ليها و تصبن ليها حوايجها أو كتسيفطها لمدرسة نقية، أو بات نورا عجبو الحال و قرر باش يتزوج الجارة ، أو من النهار فاش تزوجها  تغيرات  المعاملة ديالها  مع نورا ، و بدات كتخليلها الشغل  كلو ليل و نهار أو فواحد الليلة  كالت ليها غادي تمشي  حتى  لجنب  البحر أو تغسلي  هذ الحوتة . أو بدات نورا كتبكي وترغب امراة باها  باش تخليها  حتى يصبح الحال و لكن امراة باها ما حنات ما شفقات عليها .

هزات نورا السطيلة أو مشات لبحر تبكي و تغني و تكول :

وهب يا ريح

و هب يا ندا 

أو نورا يا المنبوذة 

أو ابكي يا شجر 

و بكي يا حجر 

و ابكي يا حوت 

فقاع البحر 

أو بكى  الشجر  و تفتت  الحجر  و بكى  الحوت  فقاع  البحر  و هي ديك  الحوتة تنطق اوتكوليها ( طلقيتي نرجع البحر أو ما غاديش تندمي .) و طلقتها نورا أو رجعات الحوتة البحر.

أو  فالصباح  ضربتها  امراة  باها  على  الحوتة للي ضيعت و كالت ليها ( من اليوم ما  غدي تعيشي غير  فهاذ المطمورة و اليوم غادي نعاقبك مزيان ) أو جبدتليها الزرع و  الحمص والعدس  وكالتليها : ( نقيهم ) و كلست نورا المغيبنة كتنقيهم واحد  الساعة و هو  يدوز البراح كيعلم بالحفلة اللي غادي  يدير لولدو باش يختار  من  بنات البلاد شكون للي غادي تكون عروستو ، و لبسات  امراة لبو لبنتها أحسن لباس  و داتها الحفلة و خلات نورا تنقي  الحمص  و العدس و الزرع  ديك الساعة حضرت  الحوتة و ساعدات نورا  ونقاتليها  الحمص  و العدس و الزرع  و  نظفت لها  البيت فرمشة  عين  و لبستها  التكشيطة  و  المضمة  و  التاج و  الشربيل   و سفطاتها  تحضر للحفلة و  لما  وصلت  كولشي نباهر  بلباسها  أو  بزينها أو بهاها و ما  ستطعاتش امراة  باها  تميزها أو  ولد مولاي السلطان ما نزلش عينو من عليها و  لما  بغات   الحفلة  تكمل خرجت  نورا  كتجري  بالخوف من  امراة  باها  لتسبقها للدار ، طاحتلها الفردة ديال  الشربيل فالواد . أو  فالغد داز ولد  السلطان  راكب على حصان  تيشوف حوال الناس بالمدينة  الحصان عطش بغى يشرب داه  للواد و  هو  يشوف  شي  حاجة  كتلمع فالما  أو منين  خرجها  لقاها فردة ديال  شربيل البنت للي بهراتو فالحفلة  أو كال  فنفسو : ( ما غادي نتزوج غير مولات  هاذ  الفردة ديال الشربيل  )، أو   فالحين أمر الخدام ديالو باش يقلبو ا  على البنت للي تجي قدها  الفردة ديال  الشربيل أو  مامشاوا حتى لقاوا نورة فالمطمورة و على راسها رحى مكسورة أو منين خرجوها قيسوليها الفردة ديال الشربيل أو فالحين  خرجت من جيبها الفردة  الثانية  ولبستهم  بزوج أو فرح بيها ولد  السلطان و دام عرسهم سبع يام بلياليهم و هكذا مشات  حكايتنا مع  الواد و حنا بقينا  مع الجواد"(18)

هكذا إذن يتمثل  العنصر  الخارق في هذه  الحكاية  الخرافية  في السمكة  التي تتحول إلى  حيوان ناطق يمتلك أدوات السحر ، يخلص البطلة  من  شقائها  و فقرها  . فهذا  العالم  السحري  المجهول   المكان  و  الزمان  ( كان  يا ما كان )( مشات حكايتنا  امع الواد ) ، يعد  من  أهم  مكونات  الحكاية الخرافية  و  هو  إن كان  ينفصل  عن  العالم  و الزمان  الواقعي . 

3- الحكاية  المرحة  :

و هي  عبارة عن  ( حدوثة قصيرة تحكي نادرة  أو  سلسلة  نوادر ، و  تنتهي إلى  موقف فكه مرح و تستمد موضوعاتها  عادة  من الحياة اليومية) (19 ) لذلك  قلما  تظهر  فيها  الخوارق ، و  إن  ظهرت  في بعض الأحيان  القليلة  فإن  ذلك يكون  لأجل خلق قاعدة  يقوم عليها  الموقف  المرح  ، الذي  تهدف إليه  هذه  الحكاية  أما  الحدث فيها  فليس طويلا  ، بل قد  يقتصر على  إجابة  لاذعة أو  نكتة  طريفة  أو رد  سريع  يجمع  بين  الفكاهة  و  الناذرة .

كما أن الحكاية المرحة في بعض الأحيان تبالغ  في استعمال  الخيال  من  أجل رسم نقائص نماذجها  الاجتماعية . و هي بذلك  تقترب من  فن  ( الكاريكاتور ) فهي : ( إن لاحظت على أفراد المجتمع  ملاحظة   تستحق   التعليق  و  الضحك ، فإنها  تكبرها  مرات  عديدة  حتى  تطغى  على صاحبها ، فلا يظهر  له أمام الناس إلا هذه النقيصة) (21) .

حكاية للاغنو :

" للي هزات  حوايجها  و غطات  راسها  منين  جاوها  الضياف  لحقاش راجلها  قاليها: (  غطي راسك   منين  تجي تقدمي  الحلوى  للضياف) " و  للاغنو  "  للي دات  معها  الدجاج الحمام أو دعكاتو بالصابون و  صبت عليه  لما  سخون  ومات  ويحسب ليها سخفان ." و للاغنو  " للي  ذبحت  القط " زعفران " أو  طييباتو لحقاش راجلها  قالها : ( ضروري  طيبي لي بالزعفران ). و للاغنو  "للي لبست  السلهام  للكبش  و سفطاتو  يزور  حبابو  " .

إنه وخلف  غشاء الإضحاك الذي  تخفيه  هذه  السلسلة من  النواذر  يوجد لون من النقد الاجتماعي  للمرأة الساذجة  ، الجاهلة، و  لكن  هل  تكتفي هذه النواذر بالانتقاد و حسب؟ 

في  الحقيقة  هي بقدر ما  تنتقد هذا  النوع من  النساء بقدر ما تدعو إلى  التعايش معه  باعتباره  نموذجا  لنمط  إنساني  حامل  للبر كة  ( مبروك  )  ذلك  أن  : 

"سيدي محمد العروس دخل واحد  النهار  على  للاغنو جبرها  كترمي  الصوف  للي  جابلها  باش  تغزلو و تلهي بيه وقتها  فالمجمر و منين  سولها  ( علاش) قالت  ليه  ( باش تسمع الصوت  ديالو  و هو  كيطرطق و كيولي  بحال  قشور  الرمان  ) .

طل سيدي محمد  على المجمر  لقى الصوف  و لى  اذهب ".

وهكذا  كانت  للاغنو ( الحمقة ) سببا في اغتناء سيدي محمد العروس . و من هنا أصبح اسم  للاغنو تنعت به كل  فتاة  تأتي فعلا أحمقا أو  ساذجا  داخل  دائرة المجتمع المكناسي خاصة      و المغربي عامة.

و لا يفوتني و أنا أودع الحكاية المرحة أن أشير إلى الحكايات  التي ارتبطت بشخصية شعبية أخرى  مشهورة لدى المجتمع المكناسي و هي شخصية " اجحا" كشخصية عربية   مغربية  و ما روي عنها من نواذر سواء في العالم العربي أو العالمي باعتبارها نموذجا للمكر و الاحتيال و تفسخ القيم . غير أنه و مع ذلك يبقى ( رجلا طيبا سموحا ودودا يعرف لصوصه  فيقتفي أثرهم و يتبعهم ليرد هذا الحق الضائع دون  أن  يرفع  شكواه إلى  وال ، و دون أن  يحتكم إلى حاكم  لأنه  بحيله  يعيد  الأمور إلى   نصابها )(23) .

و هذا  ما توضحه  الحكاية  المكناسية  الآتية  : 

" هذا  جحا شرى  ثلاثة  كيلو  ديال  اللحم  و داها  لمرتو طييبها ، و كان  شحال  هذي ما  جاب ليها  اللحم . و منين   طييباتو بقات  كذوق منو حتى  كلاتو كامل غير  بالذواقة  ،   

  وخافت من راجلها  لا  يلومها  و منين  سمعاتو  جاي بدات   كتضرب  القطة   و  منين  قاليها  :  ( علاش كتضربيها) قالت ليه : (لحقاش كلات اللحم   للي   جبتي كامل   و ما خلات  فيه  حتى  شنتوفة .) خذا  جحا القطة و عبرها و  لقى  فيها ثلاثة كيلو  أو  فالحين غوت  على مراتو  و  قاليها  :  ( يا هاذ المرة  ها هو اللحم إوا و القطة  فينا  هي)

4- حكاية  الحيوان  :

و هو نمط من  أكثر  أنماط الحكايات  الشعبية  شهرة  و  يذهب  البعض إلى أنها  أكثر  قدما   و بداية منها ، إذ أنها كانت  وعاء لشرح و  تقديم الأفكار  و المعتقدات  . هذه المعتثقدات التي معظمها كان يتجسد في شكل حيوانات  وطيور ،

فالإلاه زيوس كان  نسرا  و  الآلهة  أثينا  كانت  بومة  و هيرا  كانت  بقرة  و  الإلاه  النوردي ثور كان طائر جنة صغير ، و الإلاه تير كان ذئبا (23)

و في تراثنا الأدبي  العربي محطات  مهمة  اهتمت  بالحيوان  و  فصائله  و  أنواعه  أهمها  كتاب " الحيوان  " للجاحظ و إن  كانت  له  صبغة  علمية  أكثر منها  أدبية  .

هذا و قد ذهب  دارسو حكاية  الحيوان  إلى  أن  ( الأصول الأولى   لهذه  الحكاية  تعود  إلى  أصول هندية و  إغريقية (24).  ولكن  هل  يكفي  تواجد  عنصر   الحيوان  في  الحكاية  للقول  بأنها  من حكاية  الحيوان ؟

و هذه إحدى  النماذج: 

"هذا  السبع  طاح  مريض عيط  على جميع   الحيوانات  ، و جتمعوا عندو فالحين  إلا الكنفود كان غايب سأل  عليه السبع نطق الديب كالو : ما بغاش يجي . كالو السبع: سير جيبو دابا  يحضر قدامي  .مشى  الديب تيقلب عليه حتى  لقاه و منين حضر قدام السبع كالو و هو  غضبان : علاش ما بغيتيش تحضر لعندي بحال  جميع الحيوانات  . جاوبو الكنفود  : لما  عرفت بللي سيدي السبع  مريض مشيت  تنقلب ليه على  الدوا للي  يبريه و حلفت  ما نرجع  غير بيه  . وهو  السبع  يكولو و هو  فرحان  أو  ملهوف  : و آشنو هو  هاذ  الدوا .كالو : ماشي  شي حاجة بعيدة دواك اسيدي قريب  غير  فمخ  عظم  لكدم ليسرية ديال  الديب  تدهن  بيه  عظامك  و نت تبرا .أو  فالحين سيفط على  الديب او ما جا فين يوصل حتى  هرسليه  كدمو وخذا ليه  المخ  للي فالعظم  وكاليه سير فحالك. الكنفود بدا  كيتسناه برا   و  منين  شافو  خارج كيعرج كالو  : ياه  كدمك شحال  حمرا  ، ايوا هذ  لمرة تعلم تسد  فمك راه  كالو  سيادنا  لوالا  الصمت  حكمة  ، و الفم  المسدود  ما تدخلو لا  دبانة   و لا ناموسة"(25) 

5- حكاية  المعتقد :

و هو  نوع  قد  يكون  ولد  بفعل  تأثيرات  دينية  بوجه  عام  أو  تأثيرات  إسلامية  بوجه خاص . ومن خلالها  يتم الإعلان  عن هذه  المعتقدات  على  سبيل  الإخبار  غير  أن  جزئيات  بعينها  من  هذه  المعتقدات  تتعمق  في  الحكاية لتجعل  منها  ذات  مدلول  اعتقادي  توحيدي (26) يكشف  عنه    ما  تزخر  به  هذه الحكايات  من سبل  الوعظ  و الإرشاد والإيمان   بالله   و بملائكة  وبكتبه  وبرسله  و بقضائه  خيره  وشره  . كما  أنها  تتضمن  حكايات  كرامات الأولياء   والصالحين  وحكايات الجن  و الغيلان   و السحرة   و الساكنة   الشعبية  المكناسية تتداول  الكثير  من  هذه  الحكايات وسأختار  واحدة  عن  صبر أيوب و  سأرويها  كما  سمعتها   من  الراوي الشعبي الذي صادفته  مرة  في ساحة  الهديم.

كان  سيدنا  أيوب  كثير  الذكر   و الحمد  و العبادة  و كيرجع  لله  فكل  مسالة  ،  رزقو واسع وخيرو فايض  عطاه  ربي  المال  و الولاد  .   و حاول  الشيطان  كذا  من  مرة يغويه  باش يكفر  بنعمة الله  . و لكن ما صابلو جهد تبلى فمالو حتى ما بقاليه مال و هو لا زال تيذكر الله ، تبلى فولادوا حتى  ما  بقوا ليه ولاد و هو مزال تيحمد الله ، أو تبلى فجسمو حتى نخرو الدود و هو لا زال يحمد الله و يذكرو فكل وقيته او كان فامكانو يطلب الله ينزل العفو و يطلبو يرفع عليه ذاك البلا .لكن سيدنا ايوب فضل يصبر و يزيد فالصبر لدرجة أن الدودة كانت كتطيح منو و تيردها و تيكولها : كولي يا دودة و أنا يدي ليك ممدودة هذا ما وعد الله و صدق المرسلون . وكلما تبلى سيدنا أيوب بشي بلية كان ديمن  تيقول: ربي اللي عطا و ربي اللي خدا. و لا زال سيدنا أيوب صابر على بلاه  حتى ما بقى فالجسم ديالو صحيح غير القلب و اللسان يذكر بيهم الله ونبذوه الناس أو خرجوه من البلاد و ما بقات معاه غير مرتو للي كانت كتحن عليه  و منساتش الإحسان ديالو معاها فاش كان بصحتو. و ما طلب من الله باش يكشف ضرو حتى بغات الدودة تنخر اللسان. وعلاش ياحضار ، حيت ايلا تصاب لسانو ما بقالو ديك الساعة باش يذكر الله. و فالغيبة ديال مرتو اللي كانت كتمشي تخدم عند الناس باش تجيبلو ما ياكل ، عطش سيدنا أيوب و بغا يشرب وما لقاش للي يمدلو لما و حاول يوصليه و لكن طاح من على فراشو أو فالحين نبعت تحتو عين ديال الما غمراتو من راسو لرجليه و رجع صحيح فصيح و رجع ليامو مع مراتو اللي طارت بالفرحة حين راتو والله أعلم."(27)

لذلك ترى الناس في مدينتي مكناس يرددون "الله يعطينا صبر سيدنا أيوب" حينما تحل بهم المصائب و يقولون: " داوي عيبي يا من داوتي سيدنا أيوب من بعد العيوب" فكانت حكاية صبر سيدنا أيوب تعطي مثالا للصبر على المكاره.

ولا بد من الإشارة إلى أن هناك نوعا من الحكايات و جدت صعوبة في تصنيفه أول الامر ، غير أنني خلصت الى أنه يمكن أن يدخل ضمن حكاية المعتقد.انه نوع يشبه الأسطورة و لكنه ليس بأسطورة . و هو كالتالي:

"تيعاودو باللي  القرد  كان إنسان بحالو بحالنا و لكن مسخو الله قرد بسبب الغلطة ديال  مو اللي كانت كدير الرغايف و  كان ولدها كيلعب حداها ، واحد الساعة و هو يقضي حاجتو حداها و ما لقات باش تمسحلو غير بالرغيفة. فمسخو الله قرد داكشي علاش من موراه دما مسلوخ."(28)

"تيعاودو  باللي الفكرون كان بنادم بحالي بحالك، واحد النهار اطلبلو جارو الرحى باش يطحن الزرع  و كانت  عندو و لكن ما بغاش يعطيهالو و كالو : يجعلني رحى ما بقات عندي، و فالحين  مسخو الله   فكرون  و داكشي  علاش الفكرون ايلا لاحظتي  مزيان كتشوفيه داير  بحالو بحال الرحى."(29)

تيعاودو باللي بلارج كان  إنسان مزيان كيصلي  وكيعبد الله و كان دايمن كيلبس سلهام كحل تيصلي بيه، واحد  النهار ناض باش  يصلي الفجر و لكن  ملقاش الما وعكز يخرج يسكيه لاحقاش البرد و الدنيا  مظلمة و ما لقى قدامو غير الحليب ناض توضى بيه ، و فالحين مسخو ربي بلارج وداكشي علاش كتشوفيه بيض ومزرقط بالكحل، البياض راه جاي من الحليب   الكحولة  جايا  من السلهام  الكحل اللي كان  كيلبس".(30)

وعندما سألت الراويات عن  واقعة هذه  الحكايات وحاولت معرفة  مدى اعتقادهن  بصحة  ما  يروين ، قالت إحداهما بلسان الأخرى :

(هادشي للي  تنعاودو راه وقع  بالصح  و التأكيد، وقع  فذاك الوقت للي كانت  فيه  النية   والدعوة  كاتحقق فالحين).

إن هذه الحكايات تشبه الأساطير،لأنها تروي الكيفية التي برز بها خلق معين  إلى  الوجود، و لأن زمانها هو  زمن مميز بلا محدوديته ، و  أخيرا لأنه يعتقد في صدقها. و الأسطورة هي الأخرى كما تشير إلى ذلك " دة. سامية أسعد" تروي عملية  الخلق  دائما... ولا  تتحدث إلا عما وقع بالفعل ... وتعرف شخصيتها بما  قامت  بفعله  في زمن البدايات  الرائع.(31)

و هذه الحكايات  ليست  أساطير ، لأن هذه  الأخيرة لها ضوابطها  و شروطها  التي  لا  تتم إلا  بها .مثلا يجب أن  تتوفر على أبطال من  الآلهة ، لأن  الأسطورة  ما هي إلا  تأليه لأحداث  و وقائع إنسانية . (32) إنها  ببساطة تقوم على الصراع بين  الإنسان و  الآلهة  (33) و هذا  غير  وارد  في هذه  الحكايات ،  و لا عجب في  ذلك  ، مادام الأمر يتعلق  بمجتمع ذي  عقيدة  واحدة . و إن كان  من  غير  الممكن القول  بأن الإسلام كان حائلا دون  استمرارية الأساطير ( إذ لا  يمكن أحد أن  ينكر أن  اغلب ما  وصلنا من  الحياة الجاهلية، إنما وصلنا عن  طريق القرآن ، و الشعر الجاهلي، فأغلب  الذين يدرسون تاريخ  العرب  في العصر الجاهلي، يعتمدون  على النصوص القرآنية التي تمدهم بسمات هذا المجتمع ، و ما كان  فيه  من عبادات ، وطقوس و شعائر و ممارسات ، وعادات و هل  الأساطير إلا حكايات عن  الطقوس  والشعائر و العبادات ونشأة الكون و أصل الأشياء؟)(34) كما أنه لا يمكن القول بغياب الأسطورة بسبب بعد الأمد وانتشار التعليم خصوصا وأن الأسطورة (- و شأنها في ذلك شأن الدين – تشبع بعض الحاجات البشرية العامة، و إنها على هذا الأساس عنصر ضروري و لا غنى عنه بالنسبة  للثقافات الإنسانية في كل مراحل تطورها)(35) والشعب المكناسي  و المغربي عموما كغيره من الشعوب لابد و أن له أساطيره التي دائما (تنبع من احتياج عفوي يدفع الإنسان إلى البحث عن مسببات الظواهر الطبيعية، والبدائي يحس هذا الإحساس تماما مثل الحضاري ، إنه يريد معرفة من أين  يأتي و  إلى أين يذهب، ما هي الحياة و ما هو الموت ، تحت أي تأثير غامض ترسم الكواكب جولتها اللامتتناهية في  السماء . لماذا تحجب  السحب الضوء و  تتفجر الينابيع من الأرض ، لماذا  تدوي  العاصفة ، لماذا ينبجس المطر/، كل  شيء بالنسبة إليه موضوع دهشة أو رعب.)(36) خصوصا و أن الوثنية كانت  منتشرة  بين المغاربة، 

كما عرفوا في  عهد(يوبا)  النحث الضمني حيث نحثوا من الحجارة آلهتهم و عبدوها ) (37)  وعلى إثر ذلك فإن الأدب الشعبي المغربي سيكون غنيا بالأساطير خصوصا في بعده الأمازيغي ، و إذا كنت لم أعثر خلال بحثي الميداني على أية حكاية تتوفر فيها شروط الأسطورة كاملة باللغة العامية. إلا أنني أكيدة على أن الأمر لا زال في حاجة إلى تنقيب .

خاتمة

و ختاما لابد من الإشارة إلى أن الحكاية الشعبية كانت أوفر حظا من كل أنواع الأدب الشعبي حين عرفت طريقها إلى التدوين ثم إلى الإذاعة  و التلفزيون و السينما .

الهوامش

1- Pierre Peju,Larchipel des contes , Editions Abier ,1989,P:13

2- Ibid,P :23  

3- Dictionnaire de l’acadimmie de 1794/Michéle Simonsen. Le conte  populaire ;puf ;P :9

4- Ibid

5- Guide Literaire, P:101

6- Dictionnaire Robert.

7- Michel Simensen, Le conte populaire,P : 13

8- السيد مسعد، الحكاية الشعبية، الحرس الوطني ، سنة ك 15، 1994، عدد: 4، ص:90. 

9- ابن  منظور، لسان  العرب   المحيط جزء : 1، باب الحاء ، (حكم- حلأ)

و هناك من يسميها الحكاية الشعبية على  سبيل  تسمية الجزء باسم الكل، انظر  كتاب: د/ عبد  الحميد يونس "الحكاية  الشعبية " سلسلة المكتبة الثقافية ، رقم 2000 ، دار الكاتب العربي الطباعة و النشر ، ص:13 .

10- نقلا  عن دة/ نبيلة ابراهيم ، اشكال  التعبير في الأدب  الشعبي، دار  الغريب للطباعة، طبعة: 3 ، 1981 ص: 119.

11- د/هني  العمد، الأدب  الشعبي في الأردن ،،سلسلة الكتاب الأم في تاريخ الأردن، منشورات لجنة تاريخ الأردن ، ص:66.

12- السيد محمد بكيز بن عمر ، عمره 63 عاما. 

13- من مقدمة كناش ديوان سيدي عبد  الرحمان  المجذوب المسمى بالقول المأثور  من كلام سيدي عبد  الرحمان المجذوب ص: 3.

14- د/هني  العمد، الأدب  الشعبي في الأردن ، مرجع سابق، ص:27

15- Sylvie Loiseau , Les pouvoirs du conte ,Puf,Paris,1992,P:102.

16- د/ عمر  الساريسي ، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني : دراسة و نصوص المؤسسة  العربية للنشر و التوزيع 1980 ، ص: 93.

17- د/هني  العمد، الأدب  الشعبي في الأردن ، مرجع سابق، ص:27

18- العلوي المراني  للازهور ، ربة بيت، عمرها يتجاوز 76 عاما.

19- ألكسندر كراب ، علم  الفلكلور ، ترجمة رشدي صالح ، سابق، ص95.

20- Sylvie Loiseau , Les pouvoirs du conte ,Puf,Paris,1992,P:102.

21- د/ عمر  الساريسي ، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني : دراسة و نصوص ،  مرجع سابق، ص: 95

• و قد سبق و اخرجها  للتلفزيون المخرج  المصري يسري شاكر.

22- د/ عبد الرحمان  بن  زيدان ، جحا  و فن الحيلة و السخرية  في المسرح المغربي المعاصر، عالم الفكر، مجلد: 1، ص: 286.

23- السيدة الامراني  للاحليمة ، عانس، عمرها 70 عاما.

23- شوقي عبد الحكيم، الحكاية الشعبية العربية، دار ابن خلدون، طبعة : 1، 1980، ص: 105.

24- د/هني  العمد، الأدب  الشعبي في الأردن ، مرجع سابق، ص:27.

25- السيد  الفشتالي أحمد، 60عاما، مصدر سابق.

26 - د/هني  العمد، الأدب  الشعبي في الأردن ، مرجع سابق، ص:27

27- الحلايقي المداح  السيد  المكناسي  محمد،  يتنقل  بين  الأسواق و  المدن و  المواسيم على عجلته . و المدينة التي  تطيب  له،  يتعدى  مقامه  فيها  الشهر، عمره – حسب تقديره – يتجاوز  الستين، يقطن مؤقتا  بدوار  جبالة . و هو  بالاضافة  إلى ذلك  طبيب  شعبي يصف  الداء  و يبيع  الدواء.

28 – الشريفي  للاما أرملة، مقيمة  بدار الشريفات  بمولاي عبد  الله  بن  احمد، تبلغ  من  العمر  50 سنة  .

29- الامراني  الحسنية  بقصر مولاي  زيدان، تبل  من العمر  70 سنة.

30- الامراني  للاعزيزة ارملة  ، مقيمة  بدار الشريفات، تبلغ من  العمر  76 سنة  .

31- سامية أسعد ، الأسطورة في  الدب  الفرنسي المعاصر، عالم الفكر  ، مجلد 16، عد د3 ، سنة 1985 ص : 111.

32- شوقي  عبد  الحكيم ، موسوعة  الفلكلور و الأساطير  العربية ،  دار  العودة  ،  طبعة 1 1982 ص: 49.

33- انظر كتاب الميثولوجيا عند العرب، دراسة لمجموعة من الأساطير و المعتقدات  العربية  القديمة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر الدار  التونسية  للنشر 1985،  ص16

34- د/ لوليدي يونس، الأسطورة بين الثقافة الغربية و الثقافة الإسلامية ،طبعة :1، 1996، ص:93.

35- مالينوفسكي نقلا عن شوقي عبد الحكيم، موسوعة الفلكلور و الأساطير ، مرجع سابق، ص: 48.

36- la mythologie, Encyclopédie par L’image ;Hachette ;P :5

37- الحسن السائح ، دفاعا عن الثقافة المغربية ، دار الكتاب ، طبعة : 1، 1968، ص 23-24-25

ملاحظة:

المصادر الشفوية التي اعتمدتها في هذا المقال  تعود  الى  زمن بعيد أصحابها منهم من قضى نحبه ومنهم  من  ينتظر.

 

 نفحات من فن الفكاهة: قراءة في الحكايات الشعبية المكناسية
Partager cet article
Repost0
20 octobre 2024 7 20 /10 /octobre /2024 13:41
الشعر الصوفي في العصر المرابطي إشكالاته وقضاياه

الشعر الصوفي في العصر المرابطي

إشكالاته وقضاياه

د.عبد اللطيف حسو

دراسة محكمة

 

الملخص

نجد أنفسنا اليوم أمام موضوع من العيار الثقيل لارتباطه الوثيق بتاريخنا وتراثنا الأدبي والشعري. وعموما فقد سجلنا حضور التصوف في العصر المرابطي عبر مجموعة من الشعراء الذين أوردنا أسماءهم ، وكان حضورهم قويا لا يقل عن سالفيهم ، وبصم بصمته في الفكر والشعر الصوفيين رغم انقسامهم بين مؤيد و معارض للسلطة.

Abstract 2

             Today we find ourselves facing a topic of heavy calibre because it is closely related to our history and our literary and poetic heritage. In general, we have noted the presence of Sufism in the Almoravid era through a group of poets whose names have been mentioned earlier, and their presence was as strong as their predecessors, and made its mark in Sufi thought and poetry despite their division between supporters and opponents of authority.

مقدمة

للعشاق والمجانين عقولا متهيجة ومخيلات غريبة تمكنهم من رؤية ما لا يراه العقل الهادئ، فالمجنون والعاشق والشاعر لهم نفس الصنف من المخيلة. أحدهم يرى من الشياطين ما ليس في وسع الجحيم أن تحتويه ، وهذا هو الجنون .أما العاشق – وهو في مثل تهيجه –فقد يرى جمالا كجمال هيلين في وجه غجرية من مصر . وأما الشاعر فهو في نوبات جنونه ينقل بصره  من السماء إلى الأرض ، ومن الأرض إلى السماء ، فتصور له مخيلته أشكال أشياء غير معروفة أو مألوفة، ويستطيع بقلمه أن يجسدها وأن يخلق من لاشيء شيئا يسميه .. وللمخيلة القوية حيلها ،فهي إن توقعت سعادة خالت هذا الشخص  أو ذاك قد جاء إليها بالخبر السعيد. وان توقعت شرا كان من السهل عليها أن ترى في الليل في كل شجرة مفترسا.

 لقد اعتبر الشعر بحق أقرب الفنون الأدبية وأشدها التصاقا بالوجدان الإنساني ، وأكثرها تأثيرا في النفس نظرا لما يحمله في ثناياه من صور شعرية رائعة وأخيلة وبؤر دلالية تشع من جسد القصيدة الشعرية، ومن جمالية لغوية تحلق بنا في رحب رحابة الطيبين وسامية سمو أخلاق الأخيار من البشر والأخضر من الشجر.

وليس كل من قال الشعر بشاعر وليس كل من قرأ الشعر بمتلق جيد وقارئ ممتاز ومتذوق له ( الشعر ) من الدرجة الرفيعة .ولكن للشاعر الحقيقي مواصفات ، ولذواقة الشعر نمذجات ، وبين هذا وذاك درجات ومسافات ...ونجد أنفسنا اليوم أمام موضوع من العيار الثقيل لارتباطه بتراثنا وتاريخنا الأدبي والشعري وشتان بين أن نقرأ تراتنا بأنفسنا وبين أن يقرأه الآخر نيابة عنا .وأنا احيي اللجنة المنظمة وكذا الرابطة على عزمها الغوص في أعماق تاريخنا وتراثنا لسبر أغواره والكشف عن ذرره وجواهره وهي لعمري مبادرة حميدة ومسؤولية جسيمة... والموضوع المزمع مناقشته ثقيل من ناحية أهدافه الإنسانية ودلالاته الرمزية ، وجماليته اللغوية والإبداعية وخفيف من ناحية وقعه على النفس ومداعباته للعواطف كطيف جميل يمر بنا فجأة أو كغفوة بعد تعب كبير...

أولا: الدولة المرابطية النشأة والتأسيس

لما حج يحيى بن ابراهيم الكدالي  وهو أحد زعماء صنهاجة ، مر في طريق بالقيروان ، فانه اجتمع بأبي عمران وتحدث إليه عن سوء الحالة الاجتماعية بالمغرب وما عليه القبائل من الجهل بأصول الدين وفروع الشريعة ، فبعث معه بكتاب إلى تلميذه واجاج بن زلو اللمطي وكان فقيها صالحا للدعوة والإرشاد ، .. ولحسن الحظ فقد وقع اختياره على تلميذ من الحذاق والأذكياء الفقهاء النبلاء أهل الدين والفضل والتقى والورع والأدب والسياسة والمشاركة في العلوم ، كما وصفه ابن أبي زرع ، هو عبد الله بن ياسين الجزولي ، فخرج مع يحيى بن ابراهيم حتى وصل إلى بلاد كدالة من قبائل صنهاجة، وهم ولمثونة إخوة يجتمعون في أب واحد. وكانوا يسكنون آخر بلاد الإسلام ، ويحاربون السودان ، ويليهم من جهة المغرب البحر المحيط. دخل عبد الله بن ياسين بلاد صنهاجة يقصد تعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين فوجد القوم على جهل مطبق لايفرقون بين حلال وحرام، ليس معهم من الإسلام إلا الشهادتان ويتزوجون أكثر من أربع نسوة، فجعل يقرئهم القرآن ويبين لهم شرائع الإسلام ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فثقلت وطأته عليهم ونفرت منه قلوبهم ، وحدث أن مات حاميه والاب عنه الزعيم يحيى بن ابراهيم فتوفرت الأسباب على منابذته والإعراض عنه ، فخرج مع من ثبت منهم على دعوته إلى رباط ناء في أقاصي الصحراء حيث أقاموا يعبدون الله ويطبقون تعاليم دينه ..وقيل أن يحيى بن ابراهيم كان ممن خرج معه إلى هذا الرباط بعد أن تنكر له قومه ونبذوا طاعته ولم يمت  إلا بعد ذلك .وأيا كان فإنهم ما لبثوا هنالك إلا قليلا حتى تسامع بهم الناس فكثر عليهم الوارد ونزع إليه التوابون ممن جفوه قبل . وبلغ عدد من اجتمع عليه من أشراف صنهاجة  نحو ألف رجل ، فسماهم هو أو سماهم الناس "المرابطين "

من أجل ملازمتهم لذلك الرباط. ولم يزل عبد الله بن ياسين مقيما برباطه على الحالة التي وصفناها حتى قويت جموعه وكثرت وفوده، فندبهم الى جهاد من خالفهم من قومهم وقال لهم : "يا معشر المرابطين إنكم جمع كثير ، وأنتم وجوه قبائلكم ، ورؤساء عشائركم ، وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم . وتأمروا بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده . فقالوا  له : أيها الشيخ المبارك ، مر بما  شئت تجدنا سامعين ، ولو أمرتنا بقتل آبائنا لفعلنا . فقال لهم: " اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم وجوفكم عقاب الله وأبلغوهم حجته، فان تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه فخلوا سبيلهم، وان أبوا من ذلك وتمادوا في غيهم وطغيانهم استعنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين."( عبد الله كنون ، النبوغ المغربي في الادب العربي، الطبعة الثانية ، الجزء الاول ص  58)

وقد كان هذا دستور الدولة المرابطية الذي سارت عليه منذ قيامها ، وقانونها الأساسي الذي لم تحد عنه قط.إنها قامت لإصلاح الفساد وتطوير المجتمع من عوامل الشر ونشر الفضائل الدينية وتطبيق الشريعة الإسلامية ، كما جاء بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم .وهي كما عملت وفق هذه المسطرة في قبائل المغرب التي  أفسدها الدعاةو الخوارج من أصحاب البدع والنزعات الضالة ، حتى أنقذ الله هذا القطر من الهاوية التي كان قد تردى فيها ، فإنها قد سارت على نفس المسطرة لما أصبحت مدعوة إلى القطر الأندلسي الذي أفسده تحلل ملوك الطوائف من كل الالتزامات الدينية والسياسية وانغماس أهله في الملاهي والملذات .

ولقد عمل المرابطون مع عبد الله بن ياسين على تثبيت دعائم الإسلام في بلاد صنهاجة أولا ثم في بقية البلاد كسجلماسة ودرعة وسوس، إذ كانت على ما كان عليه أهل صنهاجة من الجهل والزيغ والفساد.( نفسه ص 59)

"وكان الفقهاء المرابطون في نفس الوقت رجال الدولة ، يخططون سياستها ويتحملون مسؤولية حماية كيانها والإشراف على تنفيذ التعاليم وتوجيه الحكام . ولعله خير لأمة مهما كانت  - ولا سيما إذا كانت ناشئة في العلم والسياسة كما كان حال المغرب يومئذ – أن تتولى شؤونها طبقة من العلماء، ولتكن طبقة فقهاء المالكية.

والمرابطون ، باعتمادهم على الفقه ، كانوا يرفضون العفوية واللاعقلانية، وينظرون للحكم والدولة من خلال تصور علمي وتمثل واع تجليا عندهم في التعاليم الدينية .وابن تاشفين ، وهو رجل عمل وممارسة أكثر مما هو رجل معرفة وتأمل ، كان حكيما حين لم يعتبر نفسه حكيما قويا تغنيه حكمته وقوته عن أي قانون ، وحين أراد أن يعطي لحكمه الشرعية الشكلية الموضوعية، وحين احتكم في هذه الشرعية إلى الدين والفقه المالكي خاصة".

وعلى عكس ما زعم البعض من تضييق المرابطين على الفكر في الأندلس فقد بزغ نجم العديد من أعلام الفكر بتلك الأصقاع .

ففي العلوم الدينية  سطع نجم  أسماء بنت  أبي علي الصدفي وابن أيوب الفهري  وابن أبي الخصال، وفي علوم الكلام  ظهر اسم أبي بكر المرادي والذي استقدمه أبو بكر ابن عمر ، زعيم المرابطين قبل  ابن تاشفين وابن عمه ، ويمكن اعتبار المرادي أول من أدخل علوم الاعتقاد إلى المغرب ،كما ظهر أبو بكر ابن باجة ومالك بن وهيب وفي الطب اشتهر أبو العلاء بن زهرالذي تحدث عنه ابن أبي أصيبعة في طبقات الاطباء: " كان في دولة الملثمين ..وحظي في أيامهم ونال المنزلة الرفيعة والذكر الجميل ، وكان قد اشتغل بصناعة الطب .. وفي زمانه وصل كتاب القانون لابن سينا إلى المغرب . وكان من الطبيعي أن ينعكس  بشكل ايجابي هذا الإشعاع العلمي بالأندلس على المغاربة والذين كانوا أحوج ما يكون إلى مثل هذه النسائم العلمية ، كما لوحظ اهتمامهم اللافت بالحفظ والإسناد والرواية كما عرف التصوف التعبدي حركة ونشاطا لافتين .

" واشتهرت أسماء كثير من الفقهاء نذكر منهم عبد الملك المصمودي قاضي الجماعة بمراكش ، وعبد الله ابن سعيد الوجدي وكان قاضيا ببلنسية ، وعبد الله اللخمي قاضي الجماعة بمراكش وكان بارعا في الحديث والأصول ، وعبد المنعم بن علوش الطنجي الذي تولى القضاء في عدة مدن بالأندلس ، وإبراهيم البصري قاضي سبتة ، والعالم المناظر عبد الرحمن الكتامي  الاصيلي المعروف بابن العجوز ، وعبد الله الازدي القاضي المفتي الذي كان مشهورا بصلابته وعدم مصانعته ، وكان ابن يوسف يقدر فيه ذلك.

واشتهر من رجال التفسير والقراءات أبو بكر محمد بن المعافري السبتي المعروف بابن الجوزي وقد ألف تفسيرا لم يتمه ، وأبوعبد الله القيسي المكناسي ، وأحمد بن عبد الله بن الحطيئة اللخمي الفاسي  الذي كانت له رحلة إلى المشرق عرض عليه فيها قضاء  مصر فرفض.وبرز في الحديث بكار بن الغرديس الذي روى عن الهروي حافظ مكة ، وإبراهيم بن أحمد بن خلف السلمي المعروف بابن فرتون ، ومحمد بن عيسى التميمي الفاسي ،وإبراهيم اللواتي أحد شيوخ عياض في الحديث . ولمع  في التصوف اسم ابن حرزهم. "

ولقائل أن يقول إذا كان هذا شأن الفكر والعلم والفقه من الازدهار والرقي والإشعاع والحرية واليسر فلماذا تم حرق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ؟ ألا يمكن اعتبار ذلك قمة الاستبداد والقمع للفكر والعلماء ؟

الحقيقة  أن العمل مشين وسيظل وصمة عار على  جبين الدولة المرابطية ، لان الحدث جلل والطامة كبرى ، ومهما حاول البعض التهوين من فداحتها وتقديم مسوغات لها فلن يكون بمقدوره ذلك تحت أي ظرف أو مسوغ  .

وقد ارجع عباس الجراري خلفيات هذه الحادثة الأليمة المسيئة إلى حرية الفكر إلى أربعة نقط :

قضية الإحراق في حد ذاتها دليل على أن الأمير  - والمقصود هنا علي بن يوسف -  كان يصغي للفقهاء ، ويخضع لما يفتونه به .

الذين ثاروا على كتاب الإحياء أو " نبحوا ضده " على حد قول المستشرق جولد تسيهر هم بعض فقهاء الأندلس ، وعلى رأسهم أبو عبد الله ابن حمدين قاضي قرطبة ، ثم تبعهم بعض فقهاء المغاربة

ونسبة القضية للأندلس لا تبرئ ساحة المرابطين من التهمة الملصقة بهم ما دامت العدوتان تكونان دولة واحدة . حقا إن الوحدة كانت تجمع الأندلس والمغرب ، ولكن لا ينبغي أن ننسى شيئا ، لعله أن يؤكد ما نقصد إليه حين ننسب القضية للأندلس ، وهو أن الوحدة بين البلدين كانت قائمة على الأخذ والعطاء ، وعلى التبادل المثمر لكل من الطرفين .فالمغرب لقوته يحمي الأندلس ويسير شؤون الحكم ، والأندلس لمكانتها العلمية تثقف المغرب وتؤدبه. وكلا الطرفين أفاد مما عند الاخرالشيء الكثير ، واذن فلعلماء الأندلس وفقهائها أن يحكموا على الإحياء ويفتوا بعدم صلاحيته وبضرورة إحراقه، وعلى أمراء الدولة وولاتها  - وقد اعترفوا للأندلس بهذا الحق – أن يطبقوا  الفتيا ، ويعملوا على تنفيذها بكل شدة وحزم .

3بعض الفقهاء المغاربة عارضوا في الإحراق وانتصروا للغزالي . وموقف أبي الفضل بن النحوي وفتياه المضادة أكبر شاهد على ذلك .وكان قد تبعه فيها علي بن حرزهم، ففي ( التشوف )أن هذا الأخير قال : " لما وصل إلى فاس كتاب علي بن يوسف بالتحريج على كتاب الإحياء وأن يحلف الناس بالإيمان المغلظة أن الإحياء ليس عندهم ، ذهبت إلى أبي الفضل أستفتيه في تلك الإيمان ، فأفتى بأنها لا تلزم "

4ورأيي أن إحراق  الإحياء  - وكان في أواخر عهد المرابطين  - يعتبر مظهرا من مظاهر عجز فقهاء الدولة المسؤولين ،أو بداية العجز عن توجيه الرأي العام . وهو عجز قد يكون ناتجا عن عدم قدرة هؤلاء الفقهاء على تطوير المذهب باعتباره إيديولوجية حتى تنسجم مع ظروف الدولة الكبيرة التي أصبحت تحت نفوذ المرابطين . ويبدو أنهم في هذه المرحلة كونوا بيروقراطية كهنوتية خصت

نفسها وبعض الولاة الموالين لها بجميع امتيازات الاستثمار والسيطرة ، وكان ذلك سببا من أسباب انهيار هذه الدولة.( عباس الجراري، الادب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، الجزء الاول، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرباط، ص95- 96)

هذا عن الجانب الفكري ، أما الجانب الأدبي فقد عرف نقدا لاذعا للمرابطين من قبل المستشرق دوزي إذ اتهم السلاطين المرابطين  بأنهم لم يولوا اهتماما لائقا للفنون والفنون والشعر، بل على العكس من ذلك كانوا يعملون على تدمير الروح الشعرية الأندلسية.

لكن الواقع غير هذا اجتمع في هذا العهد لابن تاشفين رهط كثير من الفرسان والكتاب مالم يجتمع في عهد قبله نذكر من بين هؤلاء : عبد المجيد ابن عبدون ومحمد بن عبد الغفور وعبد الرحمان بن اسباط. وقد سار علي بن يوسف في نفس الاتجاه ونحا نفس المنحى ومن كتابه نذكر محمد المعروف بابن القبطرنة ومحمد بن أبي الخصال وأبو القاسم ابن الجد المشهور بابن الاحدب.

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه ، حيث لم يقتصر الاهتمام بالأدب والشعر على الرجال في هذا العصر بل تعداه إلى النساء حيث كانت عنايتهن بالشعر بصفة خاصة لافتة إذ كن يحفظنه وينشدنه ويعشقنه بدرجة كبيرة ، ويروى أنهن كن يقمن مجالس للأدب ، ومن اللواتي برزن وباقتدار في هذا الإطار زينب بنت إبراهيم بن تافلويت وأختها حواء بالإضافة إلى تميمة بنت يوسف بن تاشفين. هذه العناية بالعر تبرز أيضا من خلال شعراء لمع نجمهم آنذاك ك ابن غازي وابن زنباع وابن حبوس وابن القابلة من أقطاب التصوف في تلك الفترة تبرز أسماء ابن برجان وابن العريف وابن قسي وابن حرزهم وكان الامير علي بن يوسف متسامحا وكريما مع المتصوفة ، خصوصا مع من انقطع للعبادة والزهد ، لكنه كان متعقبا لمن يمارسون وابن الزيتوني والقاضي عياض. دون أن نغفل ظهور فن التوشيح على يد شعراء مرموقين كابن بقي والتطيلي . (المرجع نفسه ص 98)

أما قضية يوسف مع المعتمد فهي كما ذهب إلى ذلك الجراري سياسية  أكثر من أي شيء آخر :"ومع ذلك فقد كانت معاملة ابن تاشفين – الصحراوي الخشن  - أرحم من معاملة المعتمد الشاعر الرقيق

 لوزيره ابن عمار الشاعر الرقيق حيث قتله بيده وهو مكبل بالقيود يجرها ، ويبكي ويستعطفه شعرا .(الادب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، ص10)

 سينصب تدخلي عبر هذه الورقة  حول الشعر الصوفي في العصر المرابطي ، نظرا للنقاش المحتدم الذي دار حول هذا الموضوع والذي ذهب إلى القول إن الشعر المرابطي شعر ديني بامتياز. فإلى أي حد يصدق هذا الرأي ؟ وما درجة حضور التصوف في الشعر المرابطي ؟

أمام الاهتمام المتزايد من لدن الباحثين والمهتمين على التصوف، وأمام التساؤلات الكثيرة والمتعددة التي تسائل هذا الخطاب، وأمام انفتاح مجموعة من الأجناس الأدبية على التصوف، وجدنا أنفسنا مدفوعين إلى المساهمة ولو بالنزر القليل في إغناء البحث والنقاش في هذا المجال الذي لازال في حاجة ماسة وملحة إلى المزيد من الدراسة والبحث والتنقيب، قصد محاولة إضاءة  الجوانب الغامضة منه. ولعل الرواية العربية والمغربية منها على وجه الخصوص والتي نوليها أهمية خاصة، انفتحت هي الأخرى على التصوف واستلهمت منه مجموعة من الأعلام والصور. هذا التصوف الذي هو ارتباط صادق بالخالق، واتصال روحاني من العبد الناسك برب الأرباب وفالق الحب والنوى المطلع على الأفئدة، مصداقا لقوله تعالى في سورة الذاريات:" وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون" الآية.

إن التصوف تأمل دائم من الناسك في ذاته:" وفي أنفسكم أفلا تبصرون" الآية. وتأمل في الكون :" الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب " الآية.

تلكم كانت نظرة جد مقتضبة عن التصوف،  الذي ينظر إليه إلى حدود الساعة بنوع من اللبس والشك والريبة في كثير من الأحيان،  و بتحفظ كبير في مناسبات عدة، ونتغيا من وراء هذه إلقاء مزيد من النور على هذا الجانب المعرفي المرتبط بالتصوف كنمط فكري ومعرفي وكمذهب ديني ينماز عن غيره من ضروب الفكر والمعرفة بمجموعة من الخصوصيات، والتي تجعل منه نمطا فكريا وثقافيا جديرا بالاهتمام والدراسة، ولعمري ذاك ما ألهب حماسنا وشحذ همتنا كي نخوض في هذا الموضوع الشائك، المسجور

بالمغامرة والمناورة، راغبين تلمسه والكشف عنه والإعلان عن تواجده في الإبداع السردي المغربي الذي استلهمه بسبل شتى عبر نماذج أبهى.

لقد استمتعنا كثيرا أثناء خوضنا لهذه التجربة بالشطحات الصوفية، وغصنا في أعماق السالكين وتعرفنا على دلالات اصطلاحاتهم التي تتطلب من الدارس مجهودا جبارا وصبرا كبيرا كي يستطيع ويتمكن من النفاذ والوصول إلى مقاصدها والتأمل العميق في مكنوناتها ومكامنها، كما أتيحت لنا الفرصة لمقاسمة الشعراء الذين وقع عليهم اختيارنا، كبواتهم وانتصاراتهم وقد افدنا من ذلك الشيء الكثير. آملين أن يعيش القارئ نفس التجربة ويفيد ويستمتع كما استمتعنا.

< إن الصوفي من صفا من الكدر

وامتلأ من التفكير، وانقطع إلى الله عن

البشر، واستوى عنده الذهب والمدر>

سهيل بن عبد الله

ثانيا: ما الصوفية ؟

 

يظهر السلوك الصوفي لدى المتأخرين أكثر تنظيما ونضجا من الأوائل، حيث اغتنت التجربة سلوكيا، ونظريا، ووجدانيا. وأصبحنا أمام تراث ضخم في المشرق والمغرب الإسلاميين، استوعب التجارب السابقة، وأطرها ضمن منظور أكثر شمولية، وأغناها بقراءات عديدة للتراث المسيحي واليوناني والفارسي والهندي. فأصبحنا أمام صورة أكثر توسعا وشمولية من الصورة الأخلاقية الضيقة التي ترسمها لنا الكتابات المؤيدة أو المعارضة.

يقول الغزالي : " إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وراء نور النبوة على وجه الأرض يستضاء به. وماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها وأول شروطها تطهير القلب عما سوى الله تعالى، ومفتاحها استغراق القلب بالكلية في ذكر الله وآخر الفناء بالكلية في كله.

وأول هذه الطريقة المكاشفات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد يضيق عنها نطاق النطق " [1].

ويعطي الجنيد – وهو أحد أقطاب الصوفية - عدة تعريفات للتصوف، فعندما سأله أحدهم عن ماهية التصوف قال له : " التصوف أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة (...) وعن المتصوفة يقول : إنهم أهل بيت واحد لا يدخل فيه غيرهم ويعتبر الصوفي " كالأرض يطرح كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح " وعن التصوف أيضا يقول : "التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد استماع، وعمل مع أتباع ".

أما أبوبكر الشبلي فيرى في التصوف " أنه الجلوس مع الله بلا هم... وأن الصوفي هو الذي ينقطع عن الخلق فيتصل بالحق... وأن الصوفية هم أطفال في حجر الحق".

ويفرق الحسين بن منصور الحلاج بين الصوفي والمتصوف عندما يرى أن : " من أشار إليه فهو متصوف، ومن أشار عنه فهو صوفي، فالأول يفرق بين الرب والعبد، والثاني قد اتحد بالذات الإلهية حتى صار يتكلم عنها وباسمها " [2].

ويحدد سهل التستري أصول الصوفية قائلا : " أصول طريقتها سبعة : التمسك بالكتاب، والإقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وتجنب المعاصي، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق " [3].

وبذلك تركز الصوفية في مجملها على حب الآخرة والعمل من أجلها، والإعراض عن الترف والرفاهية والجري وراء متع الدنيا وشهواتها، والتخلق بالأخلاق الفاضلة التي يدعو إليها الإسلام من تواضع، وتمسك بالكتاب والسنة، والتمسك بالحلال، والابتعاد عن الحرام، ومجاهدة النفس.

وقد رد مصطلح تصوف أو الصوفية إلى أنها : " تعود إلى أصل إسلامي، أي إلى » الصفة« وهي زاوية أقامها رسول الله (ص) خارج مسجد الصفاء بالمدينة، ذات حيطان ثلاثة، فكان بعض الفقراء المسلمين – وخاصة من أولئك المهاجرين الذين لم تؤمن لهم بيوت في المدينة – يأوون إليها اتقاء للحر والبرد، وهؤلاء هم الذين نزلت فيهم الآية الكريمة : " للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا، وما تنفقون من خير فإن الله به عليم " الآية. [4]

ومن أهل الصفة المستضعفين الذين عذبتهم قريش وآذتهم يذكر بلال، وعمار بن ياسر، وصهيب، وعبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وعكاشة بن محسن الاسدي، والعرباض بن سارية... ومنهم أيضا سلمان الفارسي، وجندب بن جنادة (أبو ذر الغفاري)، وخباب بن الإرث، وأبو لبابة الأنصاري (بشر بن عبد المقدر) وغيرهم... " [5].

وقيل : " سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله، لإقبالهم وارتفاع همهم وتعلق قلوبهم بحب الله. وقيل كان هذا الاسم »صفوي« فاستثـقل وجعل »صوفيا« وقيل سموا صوفية نسبة إلى »الصفة« ولو أن هذا الاسم لا يقبل الاشتقاق اللغوي فهو صحيح من حيث المعنى، والصفة، كانوا نحو أربعمائة عابد لم تكن لهم مساكن ولا زرع ولا ضرع،هم عشائر جمعوا أنفسهم في المسجد، يحتطبون ويرضخون النوى بالنهار، ويشتغلون ليلا بعبادة الله وتلاوة القرآن، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم  يواسيهم ويوصي بمواساتهم ويجلس إليهم ويأكل معهم، وفيهم نزل قوله عز وجل " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه  " [6].

وقال الحسن البصري : " لقد أدركت سبعين بدريا لباسهم الصوف " وصفهم أبو هريرة قائلا: "كانوا يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين " وكان اختيارهم للبس الصوف وقناعتهم بسد الجوعة وستر العورة واستغراقهم في أمر الآخرة، وهذا الاختيار يناسب من حيث الاشتقاق كلمة تصوف، لأن لبس الصوف كان الغالب على المتقدمين من سلفهم، وهي عنوان زهدهم فيما تدعو إليه النفس من الهوى الملبوس الناعم، وما لبس الصوف إلا حكم من أمرهم، أما نسبتهم إلى أمر آخر من حال أو مقام فأمر باطن، والحكم بالظاهر أولى. " [7]

ولما كان التصوف قد مر بمراحل كثيرة، في اللحظة التي كان سلوك بعض المسلمين هو الانقطاع للعبادة والزهد بدون أية تأثيرات مجوسية، أو يهودية، أو مسيحية كان ممكنا اعتبار التصوف وقف العمل لوجه الله لا غير، أما بعد التحول الذي طرأ على هذا السلوك فقد اختلف تماما إذ أصبح عبارة عن طقوس وحركات لا علاقة لها بحب الله، وهذا ما دفع بالواسطي إلى القول بأنه كان لهؤلاء القوم إشارات ثم تطورت إلى حركات لكي تنتهي بحسرات.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومعه جماعة كبيرة من العلماء، أن الصوفية منسوبون إلى الصوف "، روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيا حجاجا عليهم ثياب الصوف ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون  نبيا  " [8].

وعند السيوطي أن أول من سمي بالصوفي وتكلم في علم القلوب " أبو الهاشم الصوفي". ونسب بعض المؤرخين ذلك إلى أهل الصفة، وقالوا بأن التصوف اشتق من تلك الكنية أما الثقاة من المؤرخين الصوفيين، فلم يعللوا تلك التسمية ولم يتكلفوا لها بقدر ما تكلف غيرهم، بل ردوها إلى الحقيقة الواضحة في بساطة " [9] 

وهناك من التعاريف ما يقول أن أصل الاشتقاق  مأخوذ من (صوفة القفا) وهي الشعيرات النابتة في مؤخرة الرأس، فأخذوا منها " تصوف" ونسبوا إليها صوفي كأن الصوفي انصرف عن الخلق إلى الحق [10].

ويعتبر العلامة ابن خلدون رائد علم الاجتماع أن التصوف الإسلامي علم من العلوم الشرعية الحادثة في الإسلام.

فالتصوف في رأيه أصله العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه العامة من الناس من اللذات وطلب المال والجاه.

ويبين لنا بن خلدون في مقدمته أن السبب في شيوع اسم الصوفية راجع إلى أنه قد فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني، وبعد كثير من الناس عن العبادة، وجنحوا إلى مخالطة أهل الدنيا.

لذلك اختص المقبلون على الله العكوف على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة، وكأن ابن خلدون يرد على مزاعم المستشرقين والمستغربين عندما يتقولون على الصوفية، ويدعون أن هذا التصوف لا أصل له من الشريعة، فيقول في ذلك: " وسار علم الشريعة على صنفين:

صنف اختص به الفقهاء وأهل الفتيا وهو الأحكام العامة في العبادات والمعاملات.

صنف اختص به الصوفية، وهو في القيام بالمجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام وفي الأذواق والمواجد وكيفية الترقي في ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك " [11].

تابع

المراجع والهوامش


[1] ) عبد الحميد الجوهري – التصوف مشكاة الحيران، أفريقيا الشرق 1996 ص 11 – 12.

[2])  سميح عاطف الزين – الصوفية في نظر الإسلام – دراسة وتحليل- الشركة العالمية للكتاب – درا الكتاب العالمي – ص 24.

[3]عبد الحميد الجوهري – التصوف مشكاة الحيران ص 11.

)  القرآن الكريم سورة البقرة الآيات 271- 272.[4]

[5])  سميح عاطف الزين – الصوفية في نظر الإسلام – ص 15.

[6])  عبد الحميد الجوهري – التصوف مشكاة الحيران ص9.

[7])  المرجع نفسه ص9.

[8] )  صابر طعيمة – الصوفية معتقدا ومسلكا – دار عالم الكتب– الرياض – ص 20.

[9] )  عبد الحميد الجوهري – التصوف مشكاة الحيران – ص 7.

[10] )  صابر طعيمة – الصوفية معتقدا ومسلكا – ص 21.

[11] )  حسن الشرقاوي – أصول التصوف الإسلامي – دار المعرفة الجامعية الإسكندرية – 1991- ص 307-308 .

[12])  سميح عاطف الزين – الصوفية في نظر الإسلام دراسة وتحليل - ص 19- 20.

[13] )  المرجع نفسه ـ ص 9.

[14])   الميلودي شغموم – المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي – الحكاية والبركة منشورات المجلس البلدي مكناس ص 79.

الشعر الصوفي في العصر المرابطي إشكالاته وقضاياه
Partager cet article
Repost0
20 octobre 2024 7 20 /10 /octobre /2024 12:57
تتمة //الشعر الصوفي في العصر المرابطي إشكالاته وقضاياه

تتمة // الشعر الصوفي في العصر المرابطي

 إشكالاته وقضاياه

د.عبد اللطيف حسو

دراسة محكمة

تتمة

ثالثا: أعلام الصوفية في العصر المرابطي

التصوف في عصر المرابطين من أقطاب التصوف في تلك الفترة تبرز أسماء ابن برجان وابن العريف وابن قسي وابن حرزهم وكان الامير علي بن يوسف متسامحا وكريما مع المتصوفة ، خصوصا مع من انقطع للعبادة والزهد ، لكنه كان متعقبا لمن يمارسون السياسة ، حيث دخل الامير في صراع علني ومواجهة محتدمة بين أحد الوجوه الصوفية التي كان لها حينئذ ثقل بارز في الاندلس وهو ابن برجان ، وسعت السلطات الى وضعه واتباعه خارج سياج الشرع عن طريق اتهامهم بتأويل النصوص القرأنية والخروج عن السنة . على ذلك تمكن ابن برجان من دفع التهمة عنه بتوضيح ما كان غامضا من تأويلاته .وكان لحادث احراق كتاب إحياء علوم الدين في قرطبة اثر كبير ولازال ، بين الفقهاء وأهل الكلام، حيث يعد أحد أهم مؤلفات أبي حامد الغزالي لكنه وقع بعد ثلاث سنوات من وفاة يوسف بن تاشفين فقد توفي سنة 500 ه وأحرق الكتاب عام 503 ه وتوفي الامام الغزالي سنة 505 ه لكن ظاهرة احراق كانت عادية ومألوفة في بلاد المغرب والاندلس قبل العهد المرابطي وحتى الموحدي ، وعملية احراق الكتاب تعود حسب بعض الروايات الى المبالغة في الدعوة الروحية والى اللاانسياق وراء الغيبوبة الصوفية في الوقت الذي كانت تحتاج فيه الدولة المرابطية الى من يحث الناس على الجهاد ضد الممالك الاسبانية في الاندلس كما تخفي كذلك اضطراب العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة العلمية ، كما أن التقاء المصالح بين توجه الدولة وتوجه الفقهاء الذين رأوا من كتاب الغزالي تحاملا كبيرا ضدهم جعلت التصدي للكتاب يكون مشتركا بين الطرفين : الفقهاء في اصدار الفتوى معززة بالحجة والدليل ، والدولة باستصدار تلك الفتوى والاشراف على تنفيذها. فواجه المتصوفة هذه الفتوى وتحدوا الامر الاميري . وظلوا على تشبثهم بكتاب " الاحياء "  وتزعمهم في ذلك ابن النحوي حتى تكرر لفظ " الغزالية" في الكتابات الصوفية المغربية لوصف جماعة الصوفية المقبلة على مؤلفات أبي حامد الغزالي وعلى كتابه إحياء علوم الدين ، بشكل خاص وتتعصب لأفكاره وتدافع عنه.

ولكبح غضب المتصوفة اعتمدت السلطة المرابطية سياسة التقارب وتبنتها ومن  مظاهرها ظهائر التوقير والاحترام التي كان يبعثها الامير علي بن يوسف الى شيوخ بعض الزوايا يلتمس فيه دعاءهم ويتوق للحصول على بركتهم ورضاهم

جاء في كتاب"التشوف" "حدثني عبد الله بن موسى قال حدثني محمد بن الزاهد قال: أدركت أبا الحجاج الضرير بمراكش، وشاهدته جميل الصورة يلبس عباءة صوف وكان عالما زاهدا". يمكن القول أن أواخر القرن الخامس وبداية القرن السادس للهجرة ستعرف بداية انتشار وتجذر الفكر الصوفي في المغرب والأندلس، ويمكن اعتبار كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي مساهما فعليا في ازدهار الحركة الصوفية في المغرب والأندلس، إلى حد أن عملية إحراقه في عهد الملك المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين أدت إلى عكس مقاصادها بأن أججت الحركة الصوفية بدل إخمادها. في هذا السياق الثقافي والسياسي ستطفو على سطح الأحداث شخصية بارزة في مجال التصوف، يتعلق الأمر بالعارف أبي العباس أحمد بن العريف الأندلسي مولدا ونشأة الطنجي أصلا.
يقول في حقه العباس بن إبراهيم في "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام" أنه: "إمام في الزهد، عارف محقق، توفي سنة 536 للهجرة، وشعره في طريقة الزهد كبير".
يقول الأستاذ محمد جنبوبي في كتابه "الأولياء في المغرب": "ازداد ابن العريف بألمرية عام 481 للهجرة، وتتلمذ على كثير من فقهاء وعلماء عصره كأبي الحسن البرجيني، وأبي القاسم ابن النخاس وأبي جعفر الخزرجي، وأخذ العلم عن يزيد مولى المعتصم بن صمادح.. وسمع الحديث عن أبي علي الصدفي. ومن بين أشهر معاصري ابن العريف الذين ربطته بهم صلة الصداقة وتبادل الكتابات، هناك القاضي عياض، كما عاصر الإمام الغزالي، ومحمود الزمخشري، والقاضي أبو بكر بن العربي والإمام المازري، وأبو الوليد بن رشد الجد وأبو بكر الطرطوشي.. "وإنما قصدت بإثارة البيئة العلمية التي نشأ فيها ابن العريف تلَمس بعض جوانب الحركة الفكرية التي كانت سائدة في عصره، وكذلك أخذ فكرة عن ثقافتهن ومصادره الفكرية الأولى..

يقول ابن الزيات التادلي في "التشوف" في حق ابن العريف نقلا عن ابن بشكوال صاحب كتاب "الصلة": "كان متناهيا في العلم والدين، منقطعا إلى الخير، وكان العباد وأهل الزهد يألفونه ويقصدونه ويحمدون صحبته". وينقل ابن الزيات عن أبي بكر بن خير صاحب "البرنامج" الشهير قوله: "أخذت عنه واستفدت منه مواعظ ووصايا، وذاكرته في أشياء من طريق الصوفية وأفادني".
يقول الدكتور حسن جلاب في كتابه "بحوث في التصوف المغربي: "ما يمكن استخلاصه من المصادر التي تناولت الموضوع أن أبا العباس أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي قد برز في الحديث واللغة والأدب، وقد امتدت شهرته من ألمرية إلى سرقسطة وبلنسية التي كان محتسبا بها لمدة، وبعد صيته في العبادة والزهد وكثر أتباعه على الطريقة الصوفية فتضايق عمال المنطقة من ذلك، وأبلغوا أمير المسلمين فأمر بإشخاصه إليه".       
يقول ابن الزيات التادلي في "التشوف" بصدد نكبة الإمام ابن العريف: "حدثني الشيخ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن خلف السلمي، قال حدثني الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الغزال وهو من أكبر تلامذة ابن العريف أن القاضي ابن أسود كان بألمرية، فوفد على علي بن يوسف بمراكش، فسعى بابن العريف عنده وخوَفه منه غاية التخويف. فكتب علي إلى عامل ألمرية يأمره بإشخاصه إلى مراكش".           
ما الذي جعل السلطة المرابطية تتخوف من ابن العريف ومدرسته الصوفية إلى حد أن انتهى به الأمر مقتولا؟ معلوم أن مدينة ألمرية الأندلسية شهدت ازدهار حركة صوفية تزعمها ابن العريف، وشهدت قبله انتشار تعاليم الصوفي الشهير ابن مسرة، وقد أصبحت نقطة جذب بالنسبة للمدن الأندلسية الأخرى، حيث نجد عرى التواصل تتوثق بين ابن العريف من ألمرية وابن برجان من أشبيلية وأبا بكر الميورقي من غرناطة في إطار مدرسة صوفية تقول بالتجلي ووحدة الشهود، وهذان الأخيران كانا قد رافقا ابن العريف في "رحلة" نفيه إلى مراكش، بل إن ابن برجان نفسه سيلقى حتفه على يد المرابطين.
يقول الدكتور حسن جلاب في كتابه "بحوث في التصوف المغربي": "ولا يمكن أن يكون هذا وحده كافيا لإدانتهم، إذ وجدت داخل المغرب رباطات تضم جماعات اشتهرت بالزهد والعبادة كرباط الأغماتيين ورباط الأمغاريين وصوفية رباطات  شاكر، ونفيس وكوز دون أن يتم استدعاؤهم أو منعهم من ممارسة شعائرهم.    
ويخلص الدكتور حسن جلاب إلى أن "قرائن أخرى تجعلنا نقرب بين موقف السلطة المرابطية في عهد علي بن يوسف من ابن العريف، وموقفها المعروف من الإمام الغزالي وكتبه وهي: انطلاقات الصيحة الأولى والوحيدة للاحتجاج الجماعي ضد تحريم وإحراق كتب الغزالي من مدينة ألمرية التي ينتمي إليها ابن العريف، واعتباره من أول المفسرين لتصوف الغزالي بالمغرب، وكذلك وصف أصحابه بأتباع "الطريقة الغزالية". أما ابن برجان رفيق ابن العريف في المحنة فقد اشتهر بغزالي المغرب. وكما حدث في قضية إحراق كتاب "الإحياء" للغزالي، وتزعم القاضي ابن حمدين حملة متابعة "الغزاليين" نجد قاضيا آخر اسمه ابن الأسود يتزعم حركة التنكيل بابن العريف وأصحابه في وقت دخل الصراع المرابطي/الموحدي مراحله الحاسمة، لا سيما وأن ابن تومرت مؤسس الحركة الموحدية أصر هو الآخر على الانتماء للغزالي.        
ولعل بيت القصيد هنا هو فحوى "الرسالة" التي حاول الإمام الغزالي تمريرها من خلال كتاب "الإحياء" بصدد مفهوم الفقه والشريعة وعلوم الدين، والتي جعلت فقهاء المرابطين في "مأزق حقيقي". لاشك أن إحراق كتاب الإحياء والتنكيل بابن العريف وأصحابه، تعتبر تجليات لهذا المأزق وتدل على الارتباك الكبير الذي اكتنف سلوكات بعض الفقهاء الذين كانوا في خدمة البلاط المرابطي خصوصا الأندلسيين منهم. والإشكالية المركزية التي أثارها الغزالي في كتاب العلم من "الإحياء" هي ضرورة تجاوز علم الظاهر إلى علم الباطن، الذي هو حسب الإمام الغزالي علم "طريق الآخرة" مقابل علم "طريق الدنيا"، ويرى الغزالي أن الفقهاء أهملوا علم الباطن، وأخذوا يتهاترون على علم الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات. وسماهم نقلة الأخبار وحملة الأسفار.. وهذا الأمر قد تطرق إليه الدكتور محمد القبلي في كتابه "مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط" وفيه يقول: "وأول ما يلاحظ أن الغزالي قد ميز بين المعنى الأصلي النبيل والمعنى المبتذل المتدني للفظ الفقه، فوضع الكلمة ضمن ما بدل من ألفاظ العلوم، وإذ يمثل للنموذج الأسمى لمعنى "الفقه" بالإمام مالك وسلوكه المترفع عن المغريات بجميع أصنافها، نجده يقرر أن عامة المنتسبين لهذا العلم قد تصرفوا بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، بينما كان الفقه في العصر الأول مطلقا على طريق علم الآخرة، ومعرفة دقائق النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا".
وجدير بالملاحظة أن كتاب "محاسن المجالس" للإمام ابن العريف، يطرح قضية علم الباطن "بنفس غزالي"، فصاحبنا ابن العريف ينتقد الفقهاء الذين انكبوا على "علم الفتاوى" وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات منهم". وهو يعتبر الوصول إلى "مقام العارف" يتم عبر تجاوز أعمال الظاهر والتحول من مألوف العادات والرغبات والشهوات لارتقاء درجات المقامات بحثا عن عين الحقيقة وبلوغ مقام الفناء. ولاشك أن فكرا مثل فكر ابن العريف ينطلق من "الكلام" وصولا إلى "السلوك" من شأنه "إزعاج" الفقهاء الذين اكتفوا بالفتاوى وفقه الفروع واعتبروا كل تفكير "فلسفي" أو اتجاه "كلامي" بعيدا عن الشريعة وحقيقة الدين.
لكن هل أفلح فقهاء الدولة المرابطية عندما استقدموا ابن العريف من مراكش سنة 536 للهجرة، ومقتله في وقف التيار الصوفي "الغزالي" بالمغرب؟ لقد سارت الأمور في اتجاه تدعيم "الاتجاه الصوفي" بالمغرب بدأ بانتصار الموحدين على المرابطين بقيادة ابن تومرت الذي بنى "عقيدة الموحدين" على كثير من آراء الغزالي. 
ويمكن القول أنه على الرغم من "الطابع الإيديولوجي" الذي ميز الدعوة الموحدية في بداياتها والانتقادات التي وجهت إليها في موقفها من المرابطين ووصفهم ب"المجسمة"، والصراعات الدموية والتصفيات السياسية التي رافقت "الحركة التومرتية"؛ فإن عصر الموحدين سيعرف انبثاق "حركة صوفية" عمت كامل الغرب الإسلامي، وانحسر بذلك صراع "الفقهاء" و"المتصوفة" إلى حدوده الدنيا، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى بحث مستقل.
ولا يخفى أن آراء الإمام ابن العريف الصوفية كانت راسخة في ألمرية خصوصا وفي الأندلس بصفة عامة، وسيقوم بنشرها تلامذته الذين من أشهرهم أبو بكر بن خير صاحب البرنامج المشهور "برنامج بن خير"، وهو الذي نقل عنه صاحب "التشوف" أخبارا عن صاحبنا ابن العريف. ومن تلاميذ ابن العريف الصوفي الشهير أبو الحسن علي بن خلف بن غالب دفين القصر الكبير والمعروف باسم "سيدي علي بو غالب". ويشير الدكتور حسن جلاب في كتابه "بحوث في التصوف المغربي" أن زعامة مدرسة ألمرية الصوفية انتهت إلى أبي عبد الله الغزال على عهد الموحدين، وهو تلميذ ابن العريف، والغزال هو شيخ محي الدين بن عربي". وبإدراك أبعاد هذه "السلسلة الصوفية" نفهم الديناميكية الفكرية و"الكلامية" التي ميزت فترة الانتقال من عصر المرابطين إلى عصر الموحدين، وما نتج عن ذلك من حركة صوفية تجذرت في السلوك والمجتمع.
توفي ابن العريف مقتولا بمراكش سنة 536 للهجرة، وقبره معروف إلى اليوم بسوق العطارين، ويعرف عند العامة بسيدي بلعريف. وسواء قتل بإيعاز من البلاط المرابطي أو بتدبير شخصي من القاضي ابن الأسود كما يذهب إلى ذلك صاحب "التشوف"؛ فإن نهايته "المأساوية" تنبأ عن المخاض العسير الذي مر منه الصوفية قبل أن يصبح التصوف معطى فكري وثقافي، ذا أهمية بالغة في الاجتماع البشري ببلاد المغرب.(جمال بامي ، ابن العريف الصنهاجي ، نشر في ميثاق الرابطة يوم 23/04/2010  )

ابن العريف :وما دمنا بصدد الحديث عن ابن العريف المتصوف العارف بالله ، الفقير إليه، والمتشوق والمتلهف إليه ، وبعدما قدمنا مجملا عن حياته ومواقفه من السلطة ومن النظام ومن مجموعة من القضايا وعلى رأسها قضية إحراق كتاب الإحياء للإمام الغزالي ، نرى أنه من اللازم الإشارة إلى بعض أشعاره في العشق الإلهي والترفع عن متع الدنيا وشهواتها والتحليق بروحه في راحة تامة إلى الخالق . وقد جاءت هذه القصيدة مسجورة بالعديد من المصطلحات الصوفية التي تحتوي أكثر من رمزية ، إذ من الصعوبة بمكان على المتلقي العادي فهم مقاصدها ودلالاتها وإليكم هذه النفحات الصوفية :

شربت بكـأس الحب من جوهر الحــب    رحيقـا بكـف العقـل، في روضـة الحبِّ

وخامر ماء الروح فاهتزت القــوى       قوى النفس شوقا، وارتياحا إلى الربِّ

ونادى حنينا، بالأنيـن حنينهـــا           إلهـي إلهـي مــن لعبــدك بالقُــربِ

فخــاطبـه وحيـا إليـه مليكـــه             سأكشف يا عبدي لعينيــك عـن حجبــي

فأعلـن بالتسبيح: مثلك لم أجــد          تعاليـت عن كفـؤ يكافيـك، أو صحــبِ

أجول ببعضي فــوق بعـضي كأننــي     ببعضـي، لبعضـي كالنجائـب والركــبِ

..............

فخذ بزمام الشــوق مني تعطفـــا        إليــك، ولا تسلـم زمامــي إلى لبـّي

لعلــيَّ أسقــى، ثم أسقاه دائمـا          رحيقا بكـف العقــل من جوهـر الحـبِّ

(شوقي ضيف، تاريخ الادب العربي ،دار المعارف،الطبعة 26 المجلد 8 ص 356)

من المؤكد ان الشعر الصوفي يختلف تماما عن الشعر العمودي والشعر بكل اصنافه وانماطه، صحيح أن هناك تشابها على مستوى البنية الهندسية للقصيدة العمودية لكن هناك بون شاسع على المستوى الرمزي الذي يستشكل بدرجة عالية على عامة الناس وبالأخص الذين يجهلون الكتابة الشعرية الصوفية ،مداخلها، اصطلاحاتها، صورها وايحاءاتها .

وأود أن أختم هذه الورقة ببعض النسمات من شعر صاحبنا ابن العريف، وهو شعر عميق ورقيق ودقيق حيث يقول:

إن لم أمت شوقا إليك فإنني سأموت شوقا أو أموت مشوقا
ألبستني ثوب الضنا فعشقته من ذا رأى قلبي ضنى معشوقا

لا قر قلبي في مقر جوانحي إن لم يطر قلبي إليك خفوقا

وبرئت من عيني إذا هي لم تدع للدمع في مجرى الدموع طريقا

بحلاوة الإخلاص جدلى بالرضا إني رأيتك بالعباد رفيقا (ANAS AH مختارات من أجمل قصائد الحب ، الجزء الاول ،24/11/2010)

والان سأنتقل الى تحديد بعض المصطلحات الصوفية التي وردت في شعر شاعرنا ابن العريف مبرزين معانيها ومضامينها وتأويلاتها حسب ترتيبها في الأبيات الشعرية التي قمنا بعرضها والتي جاءت كالآتي:

  1. –النفس " النفس  : ترويح القلب بلطائف الغيوب، وهو للمحب: الأنس بالمحبوب.

         النفس الأمارة : هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية، وتأمر بالذات والشهوات الحسية، وتجذب القلب إلى الجهة السفلية. فهي مأوى الشر ومنبع الأخلاق الذميمة والأفعال السيئة، قال الله تعالى : "إن النفس لأمارة بالسوء ".

  • النفس اللوامة : هي التي تنورت بنور القلب تنورا ما، قدر ما تنبهت به عن سنة الغفلة فتيقظت وبدأت بإصلاح حالها مترددة بين جهتي الربوبية والخلقية، فكلما صدرت منها سيئة بحكم جبلتها الظلمانية وسجيتها تداركها نور التنبيه الإلهي فأخذت تلوم نفسها وتتوب عنها مستغفرة راجعة إلى باب الغفار الرحيم ولهذا نوه الله تعالى بذكرها بالإقسام بها في قوله تعالى: " ولا أقسم بالنفس اللوامة ".
  • النفس المطمئنة : هي التي تم تنورها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة، وتوجهت إلى جهة القلب بالكلية، مشايعة له في الترقي إلى جناب القدس، متنزهة عن جانب الرجس، مواظبة على الطاعات، مساكنة إلى حضرة رفيع الدرجات، حتى خاطبها ربها بقوله: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" للتجرد "[9].
  • الرب هو النفس الرحماني، أعني ظهور الوجود الحقاني في مراتب التعيينات.
    • العبد: العبودية في الفكر الصوفي أعلى مراحل الحرية لأنها عبودية الله جل شأنه، وهي الطاعة المطلقة له: ويستمد هذا المعنى من القرآن الكريم في قوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله" وقوله تعالى: نعم العبد إنه أواب "[10].
  • الموت" الموت الأبيض : الجوع، لأنه ينور الباطن ويبيض وجه القلب فإذا لم يشبع السالك،  بل لا يزال جائعا مات بالموت الأبيض فحينئذ تحي فطنته، لأنه البطنة تميت الفطنة. فمن ماتت بطنته حييت فطنته.
  1. الموت الأسود : هو احتمال أذى الخلق، لأنه إذا لم يجد في نفسه جرحا من آذاهم ولم  تتألم نفسه بل تلتذ به لكونه يراه من محبوبه، كما قيل شعر " [11].
  2. الرؤية" الرؤيا يقول الجرجاني في التعريفات: "الرؤية" المشاهدة بالبصر حيث كان – أي في الدنيا والآخرة وأما الرؤيا" فهي إشارة إلى ما يرى في المنام. ولقد عبر القرآن الكريم عن الرؤيا بألفاظ متنوعة مثل : " أرى"، "يرى"، "أراني"، "رؤياي".في قوله تعالى جل شأنه:"يابني إني أرى في المنام أني أذبحك" وقوله جل شأنه: " إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك " [12].
    • 4-العباد" هو الحضرة الألوهية عبودية : العبودية في الفكر الصوفي أعلى مراحل الحرية لأنها عبودية الله جل شأنه، وهي الطاعة المطلقة له: ويستمد هذا المعنى من القرآن الكريم في قوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله" وقوله تعالى: نعم العبد إنه أواب "[13].

لقد لعب الصوفي في - المغرب كما في غيره من الأقطار العربية - دورا هاما إن على المستوى الثقافي السياسي أو الاجتماعي . " إن المدينة كلما استبحر عمرانها بدأت تضمحل فيها النعرات القبلية وصارت تكون كيانات تربط بينها المصالح المادية في المقام الأول، في إطار كيان عام في مجال موحد، وكانت تحدد علاقاتها مع السلطة تلك المصالح، كما يحددها قرب السلطة، وبعدها، وضعفها وقوتها، على أنه بصفة عامة يمكن سحب ما أورده صاحب" الأنيس المطرب" في حق أهل فاس، على من أشبههم، إذ وصفهم بأنهم أقل الناس " خلافا على الملوك وأكثرهم طاعة لولاتهم وحكامهم. وسلا حينما كانت تحدث الفتن في المغرب كانت تكون آمنة مطمئنة مخففة عنها المغارم [...] وإذا  رجعنا إلى الكتب الخاصة بالمتصوفة فإنها تبين لنا بوضوح ذلك أن المدينة صارت ملجأ للمتصوفة على اختلاف قبائلهم وأعراقهم، رغم أن كثيرا من أسلافهم كانوا يكرهون الإقامة في قواعد البلدان. وقد لاحظنا سابقا أن دور الصوفي، في البادية كان نابعا من حاجات المجتمع البدوي كفض النزاع على الماء والأرض والقيام بالاستسقاء أوقات الجفاف والتحكيم بين المتنازعين في القبيلة، والتدخل لدى السلطة لرفع مظلمة ودفع مغرم على فرد أو جماعة " [14].

ويؤكد الدكتور محمد مفتاح أن " وجود القاضي والمحتسب والشرطي في المدينة لم يمنع الصوفي من  أن يقوم بدوره أحيانا كثيرة، فكان يتدخل ليأخذ للمظلوم حقه من غريمه ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حيث كان يتمم ما تقوم به الدولة.

إذن فدور الصوفية، وبخاصة من كان منهم متفتحا على السلطة، كان كبيرا في المدينة، ومتكيفا معها. وهكذا فتوارد الناس على المدينة من جهات شتى، وقد يكون بعضهم بدون سند مادي ولا عائلي جعل بعض الصوفية في  خدمة الغريب والمريض كما أن بعضهم كان يسعى إلى تفريق الصدقة على الفقراء وإطعام الطعام، وتزويج  العزب " [15].

وهكذا أصبحت  أدوار الصوفي متعددة : " إذ يعمل على  التوحيد بين أفراد القبيلة بفض النزاعات المختلفة وحقن الدماء في حالة حدوث الفتن كان يعمل على التعبئة ضد العدو المشترك، ويحتج  ضد السلطة المركزية في حالة جورها"[16].

هذا عن علاقة المتصوف بمجتمعه، أما عن علاقة المريد بوليه، فإذا أدخلنا في الاعتبار مطامح المريد، وإقباله على شيخه وإخلاصه له والثقة فيه، في نفس الوقت الذي يسعى فيه إلى نيل رضاه وبركته، تأكد لدينا أن العقدة التي تقوم إذن على إرضاء الطرفين، خاصة إشباع متطلبات الولاية، طقوسا ومحبة وثقة وإتباعا لصالح الولي، وإشباع حاجة المريد إلى القدسي.

وهكذا نجد  فريقا  يقول بضرورة وجود شيخ لأن :

– السالك بدون شيخ مفازة عظيمة مخوفة بوصف وصاف له.

أكثر أهل الزيغ كان ضلالهم من أتباعهم الكتب دون شيخ بصير بالطريق.

القوم إما اعتمدوا على الشيوخ وتركوا الكتب.

عدم انحصار الحاجة في هذه الطريقة إلى كيفية السلوك فقط، بل هناك أمران، وهما كيفية السلوك أولا ثم ما يعوض أثناءه  من العلل والأحوال والواردات والمواجد وتنوعها واختلاف ما ينبي عليها إلى غير نهاية، فإن كفى الوصف في كيفية السلوك فلا يكفي في هذه بل لا بد من الشيخ البصير بها جملة ومفصلة.

الشيخ غير معدوم حتى يرث الله الأرض ومن عليها " [18]

والسلوك بدون شيخ راجع إلى أسباب من بينها :

- السلوك بدون شيخ إما أن يكون ممتنعا لذاته أو لأمر خارج امتناعه لذاته غير صحيح، وإن امتنع لخارج فهو: إما العادة وإما الشرع، فأما العادة فغير مانعة لأن كثيرا من الناس سلكوا بدون شيخ ولكن سمع من كتاب... وإما الشرع فأين يوجد دليل شرعي على إيجاب السلوك بشيخ وامتناعه دونه، بل فيه ما يدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا "

خاتمة:

وعموما فقد سجلنا حضور التصوف في العصر المرابطي عبر مجموعة من الشعراء الذين أوردنا اسماءهم وكان حضورهم قويا لا يقل عن سالفيهم وبصم بصمته في الفكر والشعر الصوفيين رغم انقسامهم بين مؤيد ومعارض للسلطة. ومهما يكن ورغم ما يمكن ان يلاحظ الشعراء الصوفيين في هذه الحقبة فيحسب لهم الجانب الفني والذوق الرفيع الذي طبع قريضهم حيث سما بهم الى الأعالي في الحضرة الالهية ونأى بهم عن المذلات الدنيوية.

 

المراجع والهوامش:

 

[1])  سميح عاطف الزين – الصوفية في نظر الإسلام دراسة وتحليل - ص 19- 20.

[2] )  المرجع نفسه ـ ص 9.

[3])   الميلودي شغموم – المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي – الحكاية والبركة منشورات المجلس البلدي مكناس ص 79.

[4]أحمد الموسلي – موقع الصوفية في الفكر الإسلامي- البحرين الثقافية ، العدد 16 – أبريل 1998، ص 34.

[5])  منصف عبد الحق – الكتابة والتجربة الصوفية (نموذج محيي الدين عربي) منشورات عكاظ- الطبعة الأولى – 1988- ص335.

[6] )  الميلودي شغموم – المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي – الحكاية والبركة ص 21 – 22  .

[7] ) عبد الحميد الجوهري – التصوف مشكاة الحيران – ص 11.

[8] ) القرآن الكريم سورة القلم الآيات 3 ـ 4.

[9]عبد الرزاق الكاشاني _ اصطلاحات الصوفية – ص 110-111.

[10] )  المرجع نفسه، ص 53.

[11])   عبد الرزاق الكاشاني _ اصطلاحات الصوفية ص 106-107

[12] )    المرجع نفسه ص 35

[13] )  عبد الرزاق الكاشاني _ اصطلاحات الصوفية ص 53.

[14])  محمد مفتاح- الخطاب الصوفي مقاربة وظيفية- توزيع مكتبة الرشاد- الطبعة الأولى 1997- ص 89-90.

[15] )  -. المرجع نفسه- ص 91

[16] ) المرجع نفسه ، ص 95.

[17] عبد المجيد الصغير ، الخطاب الصوفي في الرواية المغربية، ص 141.

[18] )  محمد مفتاح – الخطاب الصوفي مقاربة وظيفية- ص 120.

تتمة //الشعر الصوفي في العصر المرابطي إشكالاته وقضاياه
Partager cet article
Repost0
20 octobre 2024 7 20 /10 /octobre /2024 12:55
الهوية السردية عند بول ريكور  من نظرية العمل إلى النظرية الأخلاقية

الهوية السردية عند بول ريكور  

من نظرية العمل إلى النظرية الأخلاقية

د. محمد تنفو*

دراسة محكمة

 

*أستاذ محاضر مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي

التخصص: ديدكتيك اللغة العربية، السرديات.

الملخص:

اهتم البحث بالتصور الذي قدمه بول ريكور للهوية السردية في مشروعه الفكري، خصوصا في مؤلفاته "الزمان والمحكي"، و"الذات عينها كآخر"، و"الذاكرة، التاريخ، النسيان". وقد سعى هذا الاهتمام إلى إبراز أن بول ريكور لم يكتف، فقط، بتجاوز الالتباس الذي يخلقه مفهوم الزمن النفسي عند أوغسطين ومفهوم الزمن الكسمولوجي عند أرسطو من خلال اختيار زمن ثالث هو الزمن التمثيلي. . ولتحقيق هذه الغايات، تناول البحث، في البداية، نظرية العمل عند ريكور، وذلك من خلال رصد مفهوم الهوية السردية التي لا تتكشف طبيعتها الحقيقية إلا في ديالكتيك الهوية العينية والهوية الإنية. بعد ذلك انتقل البحث إلى ملامسة تلك الوشائج التي تربط نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية (من الهوية السردية إلى الهوية الأخلاقية)، وذلك من خلال كشف أن الهوية الإنية للذات ترتبط بالقدرة على الكلام والفعل، والقدرة على تحمل مسؤولية فعلها وتبعات أحكامه الأخلاقية. 

الكلمات المفاتيح: الهوية السردية- نظرية العمل- الهوية العينية- الهوية الإنية- النظرية الأخلاقية

Summary:

This research focuses on the conception of narrative identity as presented by Paul Ricoeur in his intellectual project, particularly in his works Time and Narrative, Oneself as Another, and Memory, History, Forgetting. The study highlights that Ricoeur not only sought to resolve the ambiguity between Augustine's notion of psychological time and Aristotle's concept of cosmological time by proposing a third dimension: representative time. Ricoeur also went beyond linking narrative identity to plot, a concept he borrowed from Aristotle, to explore the connection between action theory and ethical theory through an ontology closely tied to ethics.

To achieve these aims, the research first examines Ricoeur’s theory of action by analyzing the concept of narrative identity, whose true nature is revealed only in the dialectic between sameness and selfhood. Subsequently, the study addresses the links between action theory and ethical theory (from narrative identity to ethical identity) by showing that selfhood is associated with the capacity to speak and act, and the ability to assume responsibility for one's actions and the moral implications of those actions. Finally, the research concludes that Ricoeur’s indivisible project advocates, amidst the violence and greed of the present, for the concept of "happy memory"—a fundamental idea throughout his philosophy suggesting that humanity retains an innate predisposition toward goodness.

Keywords: Narrative Identity – Theory of Action – Sameness – Selfhood – Ethical Theory

مقدمة: 

      ليس من الغايات المباشرة لهذا العمل الوقوف الطويل عند الحقول المعرفية العديدة التي تناولت مفهوم الهوية، أو الانشغال المضني بالأبحاث الفلسفية التي كان ديدنها الاهتمام بالمفهوم الأنطولوجي للهوية الشخصية. وإنما غايته الكبرى هي التركيز على الهوية التي يمتلكها المرء بوساطة الوظيفة السردية، أو ما أطلق عليه بول ريكور الهوية السردية باعتبارها مفهوما يقدم حلا لمعضلات الهوية الشخصية([1]). لقد حاول بول ريكور أن يقدم تصورا شاملا لها في مجموعة من أعماله، خصوصا في مؤلفاته "الزمان والمحكي"، و"الذات عينها كآخر"، و"الذاكرة، التاريخ، النسيان". وبالأحرى، إحدى غايات هذا العمل هي تأكيد، من جهة أولى، أن بول ريكور لم يسع، فقط، في مشروعه الفكري، إلى تجاوز الالتباس الذي يخلقه مفهوم الزمن النفسي عند أوغسطين ومفهوم الزمن الكسمولوجي عند أرسطو من خلال اختيار زمن ثالث هو الزمن التمثيلي؛ وإبراز، من جهة ثانية، أن حصر هذا المشروع فقط في تجاوز هذا الالتباس هو أمر يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه نابع عن نظرة تجزيئية، وقفت في منتصف الطريق، ولم تستطع تناول مشروع هذا المفكر تناولا شاملا. فريكور لم يتوقف، فحسب، عند مهمة ربط الهوية السردية بالحبكة (قصة حياة شخصية تعمل) التي استعارها من أرسطو، وإنما حاول إنجاز مهمة كبرى أساسها هو ربط نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية من خلال التفكير في أنطولوجيا وثيقة الصلة بالأخلاق([2]).

أولا- نظرية العمل:

قبل إماطة اللثام عن هذه المهمة الكبرى، يمكن رصد مسألة استعارة بول ريكور لمفهوم الحبكة عند أرسطو لتأكيد أنه يكتسي أهمية كذلك، تبعده عن وسمه بالعمل المزاجي أو الاختيار المتسم بالاعتباط أو الارتجال. وسيتم ذلك من خلال الوقوف عند كتاب "الزمان والمحكي" المتألف من ثلاثة أجزاء، وكتاب "الذات عينها كآخر" باعتباره كتابا يشكل تتمة للكتاب الأول.

سعى ريكور، في كتاب "الزمان والمحكي"، إلى إبراز الطابع الزمني للتجربة الإنسانية.  وإقرار أن العالم المعروض في كل المؤلفات السردية هو دائما عالم زمني. فالزمن يصبح زمنا إنسانيا في نطاق تمفصله سرديا، والحكي يغدو دالا في نطاق رسمه لملامح التجربة الزمنية([3]).

في تحليله لتأملات أوغسطين حول الزمن، استند إلى كتابه "اعترافات" الذي تحدث فيه عن الزمن النفسي المعيش، وأكد فيه عدم وجود فينومينولوجية خالصة للزمن أي الإدراك الحدسي لبنية الزمن (نفسه، ص:23)، إذ كيف يمكن أن يوجد الزمن، والحال أن المستقبل لم يوجد بعد، والماضي لم يعد له وجود، والحاضر لا يبقى حاضرا أبدا؟ (نفسه، ص: 26). فالزمن لا يمكن قياسه لأنه لا وجود له، يمكن قياس الأزمنة عندما تحدث. وما الذي يحدث؟ إنه الحاضر الذي ليس له امتداد. يجب إنجاز قياس الزمن " في فضاء ما". وإذا لم يكن للزمن فضاء، فلا يمكن قياسه (نفسه، صص: 35-36).

بعد تقديم هذه الآراء، خلص ريكور إلى أن أوغسطين شدد على عدم وجود زمن المستقبل، وزمن الماضي، وزمن الحاضر، وعضد فكرة وجود حاضر ثلاثي هو حاضر الأشياء المستقبلية، وحاضر الأشياء الماضية، وحاضر الأشياء الحاضرة. وهذا ما وضعه في طريق البحث عن البنية الزمانية للحدث الأكثر بدائية (نفسه، ص:118).

انطلق بول ريكور من كتاب " فن الشعر" من أجل إماطة اللثام عن تنظير أرسطو للزمان. أكد بول ريكور أن أرسطو وضع تصورا خاصا للحبكة مؤداه أنها ترتيب للأحداث أو الأفعال في نسق يرتبط بمفاهيم البداية والوسط والنهاية. إنها تمتلك حدا كافيا وصحيحا يتمثل في الطول الزمني أو المقدار الزمني الذي يسمح للبطل بأن يتغير من حال الشقاء إلى حال السعادة، أو من حال السعادة إلى حال الشقاء، خلال متوالية من الأحداث الحتمية أو المحتملة([4]).

حاول ريكور إقامة روابط بين تصور أوغسطين وأرسطو، لاسيما أن "الهوة الثقافية التي تفصل تحليل أوغسطين للزمن في "اعترافات" عن تحليل أرسطو للحبكة في "فن الشعر" اضطرته إلى أن يغامر ببناء روابط وسيطة لإقامة هذا التلازم الذي ستحققه فعالية رواية قصة والطبيعة الزمنية للتجربة الإنسانية، بمعنى أن الزمن يصير إنسانيا بقدر ما يتم التعبير من خلال طريقة سردية، ويتوفر السرد على معناه الكامل حين يصير شرطا للوجود الزمني([5]).

ولخلق هذا التلازم بين الزمان والسرد - ليس فقط في هذا الجزء، وإنما في الكتاب ككل - ركز على حركية الحبكة التي تشكل بالنسبة له مفتاح مشكلة العلاقة بين الزمان والسرد (نفسه، ص:95). ومادام أرسطو لم يهتم بالجوانب الزمنية في الحبكة، فقد أقام الدور التوسطي للحبك بين مرحلة التجربة العملية التي تسبقها، والمرحلة التي تتبعها. وبهذا المعنى يتشكل ما يذهب إليه من بناء الوساطة بين الزمان والسرد بإظهار الدور التوسطي للحبك في عملية المحاكاة (نفسه، ص: 97).

من ثم، يخلص ريكور إلى أن التداخل بين التاريخ والقصص الناتج عن العمليات المتقاطعة لإضفاء الخيال على التاريخ والتاريخ على القصص يتولد عنه فرع هو تخصيص هوية محددة لفرد أو جماعة (هوية سردية). هذه الهوية تتحقق من خلال الإجابة عن سؤال: من فعل ذلك؟  والإجابة لا تكون إلا من خلال السرد.  فالإجابة عن سؤال "من"، كما تعبر حنة آردنت، يعني أن نروي قصة حياة. وتروي القصة المروية فعل هذا "من". لذلك لابد أن تكون هوية هذا "من" نفسها هوية سردية([6]).

 يتضح أن بول ريكور تناول مفهوم الهوية السردية في نهاية الجزء الثالث من كتابه "الزمان والمحكي"، خصوصا في الاستنتاجات التي ذيل بها ريكور هذا الجزء. فقد عمل على الربط بين الذات والهوية السردية، معتبرا أن هذه الرابطة تشكل إحدى قناعاته القديمة. فالذات في المعرفة الذاتية ليست هي الأنا الأنوية والنرجسية التي نددت تأويلية الريبة بنفاقها وسذاجتها، بالإضافة إلى جوانبها ذات البنية الفوقية الأديولوجية والقدمية الطفولية العصابية. ذات المعرفة الذاتية هي ثمرة الحياة المفعمة بالعناء، إذا تذكرنا عبارة سقراط في "الدفاع" عن نفسه. والحياة الممتحنة بالعناء هي، في الجزء الأكبر منها، حياة تطهرت وصقلتها آثار التطهير في السرود والحكايات، ومن هنا يشير بقاء ذات إلى ذات تتعلم من أعمال ثقافة ما طبقتها على ذاتها (نفسه، ص: 372).

في كتاب "الذات عينها كآخر"، استند ريكور إلى الفلسفة التحليلية والفلسفة التأويلية. وفي الدراسة الخامسة الحاملة لعنوان "الهوية الشخصية والهوية السردية"، تناول إشكال الهوية الشخصية، مشيرا إلى أن مقاربة الذات في الجهة الثانية لفلسفة اللغة، أي لجهة التلفظ، لم يثر تفكيرا خاصا حول التغييرات التي تطرأ على ذات فاعلة قادرة على أن تسمي نفسها وهي تعطي العالم دلالته. والحال أن ما أغفل لم يكن مجرد بعدها من بين أبعاد عديدة، ولكنه كان إشكالا بأكمله، وهو إشكال الهوية الشخصية التي لا تستطيع أن تتمفصل إلا ضمن البعد الزمني للوجود الإنساني. ولتعويض هذا النقص الذي تفرضه الهوية الشخصية، يقترح ريكور إعادة ورشة النظرية السردية، وذلك ليس من منظور علاقاتها بتكوين الزمن الإنساني، كما حصل في كتابه "الزمان والمحكي"، ولكن من منظور مساهمتها في تكوين الذات([7]).

أما في الدراسة السادسة، فيؤكد ريكور أن الهوية الشخصية تبنى باتصال مع هوية الحبكة، بمعنى أن هوية القصة المحكية هي التي تصنع هوية الشخصية أو ما يمكن تسميته بهويتها السردية. هذه الهوية لا تتكشف طبيعتها الحقيقية إلا في ديالكتيك الهوية العينية والهوية الذاتية أو الهوية الإنية([8]).

ربط ريكور الهوية العينية، التي تلحق بها مسألة الديمومة في الزمن، بالطبع والتماهي. فقد صنف الطبع ضمن اللاإرادي المطلق، أي "ضمن ما لا يمكن للفرد أن يتجنبه أو يتحاشاه، فهو جزء من سيرورة التنشئة والتربية، أو ما يمكن أن يشكل إكراها مصدره المحظور الذي دون تبنيه لا يمكن قيام مجتمع يوحد بين الناس ويؤلف بينهم."([9]). فبالنسبة إليه، فالطبع هو مجموع العلامات المميزة والاستعدادات المستديمة التي تسمح بالتعرف من جديد على هوية فرد من البشر على أنه هو عينه. بفضل السمات الوصفية سيجمع هذا الفرد الهوية العددية والكيفية والاستمرارية غير المنقطعة والديمومة في الزمن. ومن هنا فإنه يدل بطريقة رمزية على عينية الشخص. فعندما يتعلم المرء عادة ما ويكتسبها وتصبح استعدادا مستديما، تشكل سمة طبع أي إشارة مميزة يمكن بفضلها التعرف على شخص ما، والتثبت من هويته على أنه الشخص عينه، فالطبع ليس بشيء آخر سوى مجموع هذه العلامات المميزة([10]).  فالعادة هي التي تتحكم في الكثير من سلوك الفرد، وتحدد الكثير من مساراته الحياتية أيضا. فلا وجود لفرد يتحرك داخل المجتمع دون أن يكون مرتبطا بعادة ما، عادة القراءة والكتابة، وعادة التدخين والتردد على المقاهي أو الحانات، وعادة المشي، وعادات اللباس والأكل والتنزه في الصباحات والأماسي. إن العادة هي شكل من أشكال تسنين الفعل وتحويله إلى قاعدة تكون في الغالب من طبيعة اجتماعية. لذلك يتكيف سلوك الناس مع ما تقتضيه الكثير من العادات التي تتسلل إلى حياة الفرد وفق ما يقتضيه حضور الناس في الزمن([11]).

يندرج ضمن هذا الطبع الكثير مما يرثه الفرد من محيطه، ومنه الوظائف بجميع أنواعها، فهو في المجتمع معلم أو أستاذ أو نجار أو فلاح أو عامل. أو ما يعود إلى بعض الصفات التي ترتبط بالفرد وتحدد جزءا كبيرا من هويته. كما يمكن إدراج أمزجة الناس ضمن الطبع، فصفات الطيب والمتسامح والمتشدد هي جزء من هوية عينية. وقد تكون السمات الجسدية ذاتها، في حالات السلامة وفي حالات الاحتياجات الخاصة، جزءا من هذا المظهر الثابت عند الفرد. فنحن في جميع الحالات، نشبه الآخرين من خلال ما ننتمي إليه، ونعيد إنتاجه في سلوكنا بما يرضي محيطا نتبنى قيمه أو اتقاء لشره، لا من خلال ما بلورناه بأنفسنا (نفسه، ص: 36-37). يمكن تصنيف الهوية العينية، أيضا، ضمن الامتثالية التي تقتضي من الفرد تطابقا بينه وبين ما نما وسطه وترعرع في أحضانه. فالأنا الأعلى، أي استبطان الشخص لمقتضيات العيش في المجتمع، بما فيها المحرمات والمكروهات وغير المرغوب فيها، تندرج ضمن الطبع، أي ضمن عوالم العينية (نفسه، ص:39). أما التماهي، فهو أمر مكتسب يسمح بإدخال شيء من الآخر في تكوين الهوية العينية. فهوية شخص ما تصنع، أيضا، من التماهي في القيم أو المبادئ أو المثل العليا أو نماذج أو أبطال التي يجد فيها هذا الشخص نفسه([12]).  فهؤلاء الأبطال، سواء أكانوا أبطالا في السياسة أم أبطالا في الدين أم أبطالا في الرياضة، يحضرون في وجداننا باعتبارهم "قصصا" تروي تفاصيل "فتوحاتهم" في الركض أو بطولاتهم من أجل نصرة أوطانهم أو دفاعا عن قيم بعينها، فلا يمكن للفرد أن يتخلص من كل النماذج لكي يعيش استنادا إلى ممكناته وحدها، إنه في حاجة إلى تمثل أفعال يتمنى لو كان هو من يقوم بها([13]).

تبدو الذات، في ظل الهوية العينية، مقيدة وغير قادرة على بلورة موقف مستند إلى اختيارات خاصة بها، فالمرء يدبر حاجات معيشه اليومي في الغالب استنادا إلى ما كان يسميه هوسيرل "الموقف الطبيعي"، أو العملي، وهو موقف ينطلق من العقائد والأفكار المسبقة ومن كل ما ورثه هذا المرء من المجتمع الذي فيه يحيا. لا إبداعية في هذا الموقف ولا أثر فيه للذات التي تحكم وتقيس وتقوم. إنه موقف يفتقر إلى الحس النقدي. فالذات لا تستطيع فكاكا من الكم الهائل من الموروثات التي تبلورت حياتها داخلها، يتعلق الأمر بإرث العائلة والعشيرة والمنطقة والوطن والأمة وربما العرق والطائفة والمذهب وكل الروافد التي لا يمكن للذات أن تبنى قصتها الخاصة في انفصال عنها. إنها تحاول أن تحدد موقعها ضمن قصة تشملها وتشمل كل ما يحيط بها. فحياتنا ليست من تدبيرنا الخاص والمستقل كما نتوهم، إنها أمر مدبر، إنها تبنى ضمن موروث قد يقضي المرء جزءا كبيرا من حياته محاولا التخلص منه، أو الحد من ثقله. فنحن ننفذ في الغالب ما سن حدوده الآخرون. فلا وجود لهوية تستند إلى ما يمكن أن يبلوره الفرد اعتمادا على اختياراته الخاصة فقط، إن الهوية الفردية مستوحاة، في جزء كبير منها، من "نحن" كبرى، هي التي توجه الأنا وتتحكم في الكثير من اختياراتها. ما يصنف ضمن "الضابط الاجتماعي"، أو "الرقابة المستبطنة" التي يفرضها العيش المشترك. إننا نأتي إلى عالم معد لكي يستقبلنا كما يريدنا، ففي خطاب الوالدين وفي خطاب الدين والتقاليد نتعلم كيف ننتمي إلى نظام قيمي نعتقد بعد ذلك، أو نظل نعتقد ذلك إلى الأبد، أنه ثمرة اختيارنا الخاص (نفسه، صص: 37-40).

لا تشتمل الذات، في جوهرها، على هوية عينية فحسب، وإنما تتضمن، أيضا، هوية إنية باعتبارها الواجهة الثانية للذات. فالهويتان معا منفصلتان ومتداخلتان في الوقت ذاته، ولن يصالح بينهما سوى السرد (نفسه، ص: 35). لذلك إذا كانت الهوية العينية تمثل القطب الأول للهوية السردية، فإن الهوية الإنية تشكل القطب الثاني للهوية السردية. وإذا كانت، كذلك، الهوية العينية تتصل بالطبع والتماهي والامتثال، فإن الهوية الإنية باعتبارها نموذجا آخر للديمومة في الزمن تتصل بالوفاء بالعهد (الكلمة المقطوعة أو الثبات في الصداقة...) باعتباره الصورة الرمزية لهوية معارضة قطبيا لهوية الطبع([14]). فهذا الوفاء بالعهد أو الوعد يشكل تحديا للزمن ونكرانا للتغيير: على الرغم من تغيير محتمل لرغبة المرء ومن تغيير لرأيه ولميله فإنه "يبقى على العهد". ليس من الضروري، كي يكون لها معنى، وضع المحافظة على الكلمة المعطاة تحت أفق الوجود – من أجل الموت أو نحو- الموت. إن التبرير الأخلاقي الصحيح للوعد يكفي في حد ذاته، ويمكن تأسيسه على الإلزام بالمحافظة على مؤسسة اللغة والتجاوب مع الثقة التي يضعها الآخر في وفاء المرء. إن هذا التبرير الأخلاقي، حين يؤخذ على ما هو، يفصح عن مضامينه الزمنية وهي عبارة عن صيغة للديمومة في الزمن كفيلة بأن تكون متعارضة مع صيغة الطبع. هنا بالضبط تتوقف الهوية الإنية والهوية العينية عن التطابق (نفسه، 266-267).

يذهب بنكراد إلى أن الهوية الإنية تشير إلى كل ما هو أصيل في الذات. فهي تؤكد الاستقلالية والحرية والاختيار الفردي، وتدل على القرار الخاص، وعلى القدرة على تحمل مسؤولية ما يقوم به الفرد، وعلى تحمل تبعات أحكامه الأخلاقية. فهي تفترض تمييزا بين الذات وطبعها، بين ما كسبته وما اكتسبته، وتشير – شأنها شأن الهوية العينية - إلى ديمومة في الزمان، ولكنها ديمومة تتحقق وفق ما تأتي به اختيارات الذات، ديمومة منبعثة من داخل يجعلها سيدة أفعالها، وسيدة قدرها الخاص أيضا. إنها قدرة المرء على أن يضع حدا لسلوك أو موقف ليتحول إلى غيره بمحض إرادته، ورحلة من أجل البحث عن "الخلاص"، ما يعني التخلص مما تعلمه المرء من محيطه ومما ورثه بغاية استعادة "أنا" مستقلة تعبر عن اختيارات تخص الذات وحدها. وبطبيعتها تلك، فإنها تتحقق في السرد ومن خلال آلياته في تدبير الزمنية وتقطيعها وفق حالات حياتية هي وحدها الشاهد على وجودها. فمن خلال التركيب السردي نستطيع إعادة تنظيم تجربة حياتية لا يمكن أن تكشف عن الإني في الذات إلا من خلال القدرة على بناء قصة تخص الذات نفسها. إنها الجواب عن سؤال: من أنا؟ ومن أكون؟ وماذا فعلت في حياتي، وكيف عشت؟ إن الجواب عن كل ذلك يقتضي من الذات رواية قصة عن نفسها من أجل نفسها. وذاك هو الفاصل بين محكي التاريخ الذي يبحث عن "الحقيقة" في الحدث، فهو غاية المؤرخ، وبين محكي ذاتي-سيري يقوم بتأويل ما تم إنجازه في الماضي من أجل فهم الذات في الحاضر في أفق استشراف مآلها([15]).

لقد سبق أن أومأنا إلى أن الذات، في جوهرها، تتضمن الهوية العينية والهوية الإنية باعتبارهما هويتين منفصلتين متداخلتين لا يصالح بينهما سوى السرد، ولكن كيف يمكن الفصل بينهما؟ يجيب سعيد بنكراد عن هذا السؤال بقوله إنه "يصعب في الكثير من الحالات الفصل بين العيني في الذات وبين الإنية فيها دون القيام ببناء هوية سردية تسعى إلى إعادة بناء ما يعود إلى الذات من خلال بلورة محكي يتجلى فيه نصيب ما يعود إليها، ما يمكن أن يجمع بين الطبع، الموروث، وبين الموقف، "الوفاء بالوعد"، باعتباره موقعا في الحياة يكون خاصا بالذات وحدها. وقد يكون هذا المزج هو الوسيلة الوحيدة التي تمكن الذات من استيعاب ما ورثته ضمن ما اختارته لنفسها" (نفسه، صص: 47-48).

لقد تأكد، بشكل واضح، أن لا يمكن استيعاب الذات إلا من خلال بلورة محكي يجمع بين العيني والإني في الذات. ولكن يلزم أن يتسم هذا المحكي بالتماسك الذي يتحقق من خلال بناء الحبكة. فالذات تستطيع، من خلال المحكي المتمركز على الحبكة، تجميع شتات نفسها، لا سيما أن الهوية ليست ملقاة أمام هذه الذات، إنها تأويل ذاتي لا يمكن أن يستقيم إلا من خلال القبض على الانسجام والتماسك في الحياة. إن المرء يكتشف نفسه وهو يعيد سرد ما وقع له قديما (نفسه، ص: 48).

يمكن القول إن استعارة بول ريكور لمفهوم الحبكة عند أرسطو يكتسي أهمية كذلك، تبعده عن وسمه بالعمل المزاجي أو الاختيار المتسم بالاعتباط أو الارتجال. فمن جهة أولى، يكشف بول ريكور، عند اختياره عمل الذات أو ما أطلق عليه بتصرف الذات البشرية، عن أنه على وعي تام بالدلالات المتعددة للتصرف، والذي يتضح (الوعي) من خلال قوله: "أيكون المعنى الأول للتصرف البشري أن تدل ذات فاعلة متكلمة على نفسها عن طريق التسمية الذاتية؟ أم يكون في قوة عمل الفاعل الحقيقي (أو ما أطلق عليه سبينوزا الجهد)، أم يكون في تحمل التبعة الأخلاقية للعمل؟ كل جواب له أسبابه الصحيحة"([16]). وأما من جهة ثانية، فيمكن القول إن الاستعارة جاءت نتيجة تشكل قناعة راسخة لدى ريكور أساسها هو ضرورة التعبير عن موقف مما أطلق عليه الرواية الجديدة.  فاهتمامه بالتجارب المختلفة للزمان في عدة روايات (رواية مسز دالواي Mrs Dalloway للكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف، ورواية "الجبل السحري" للروائي الألماني توماس مان Thomas Mann، ورواية "بحثا عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست Marcel Proust)، يكشف عن موقف مما سمي بالرواية الجديدة (ألان روب -غرييه، وميشال بوتور، وناتالي ساروت، وجيل فيليب سولرس) التي ألغت السرد الزمني التعاقبي، وفكرة الشخصيات، وإرادة أن تروي قصة قائمة على الحبكة([17]). من جهة ثالثة، تتأكد أهمية استعارة مفهوم الحبكة من خلال وقوف ريكور عند رواية روبرت موسيل "رجل بلا خصائص"، من أجل تأكيد أن أزمة الشخصية ملازمة لأزمة هوية الحبكة. فكلما اقتربت رواية من محو الشخص باستخدام هوية عينية، فقدت الرواية أيضا خواصها السردية المناسبة، لأن فقدان الهوية الشخصية يقابل فقدان التمثيل السردي ويناظره أزمة خاتمته، ويقرب العمل الأدبي من المقالة([18]).

تأسيسا على ما سبق، يتضح أن بول ريكور لم يقف، فقط، عند ربط الهوية السردية بنظرية العمل، وإنما عمل، أيضا، على وصل الهوية السردية بالنظرية الأخلاقية، وذلك من خلال ربط الهوية الإنية للذات بالقدرة على الكلام والفعل، والقدرة على تحمل مسؤولية فعلها وتبعات أحكامه الأخلاقية.

ثانيا- من نظرية العمل إلى النظرية الأخلاقية (من الهوية السردية إلى الهوية الأخلاقية):

من خلال مناقشة بول ريكور لمفهوم المحاكاة عند أرسطو، وقف عند ثلاثة أنواع للمحاكاة: المحاكاة الأولى باعتبارها تمثيلا للفعل الإنساني والفهم القبلي لهذا الفعل السابق عن العمل الأدبي؛ والمحاكاة الثانية بوصفها تمثيلا سرديا يقع ضمن التفسير الذي يقصد به فعالية تأملية تسعى إلى الارتفاع عن مستوى الفهم بوساطة المنهج والمنطق والعقلنة وإعمال الفكر؛ ثم المحاكاة الثالثة بوصفها إعادة للتمثيل التي تبدأ بعد أن يخرج القارئ من النص([19]). وبوساطة المحاكاة الثالثة، استطاع ريكور، من جهة أولى، التحرر من القيود الشكلانية للكتابات التي سجنت نفسها داخل المحاكاة الثانية، وتأكيد، من جهة ثانية، فكرته المركزية التي مؤداها أن الخطاب يتجه دائما إلى منطقة خارج ذاته وإلى هدف يتجاوز نرجسية الافتتان بأدواته([20]).

يؤمن ريكور إيمانا راسخا بأن القراءة هي التي تعيد الأدب للحياة، أي لميدان الوجود العملي التأثيري، لذلك، حاول تأسيس نظرية عامة للآثار، أي تلك الآثار التي تخلفها الحكايات والقصص. يذهب، في هذه النظرية، إلى أن عالم النص يشكل، فقط، جزءا من النص، بينما يكمن الجزء الآخر في التأمل في القراءة التي تتحقق بين عالم النص الخيالي وعالم القارئ الفعلي وآثار القصص باعتبارها آثار الإلهام والتحويل (آثار القراءة) (نفسه، صص: 148-149).

إن بول ريكور يولي اهتماما كبيرا لنظرية القراءة باعتبارها نظرية تحذر من كون استراتيجية الإقناع التي يباشرها الراوي تستهدف أن تفرض على القارئ نظرة إلى العالم ليست حيادية أخلاقيا أبدا، بل هي تستحث ضمنا أو صراحة على تقييم جديد للعالم وللقارئ أيضا. بهذا المعنى، ينتمي السرد أصلا إلى الميدان الأخلاقي بفضل دعواه – التي لا تنفصل عن قصه- بالعدالة الأخلاقية. لكنه يبقى ينتمي إلى القارئ، الذي هو الآن فاعل ومدشن للفعل، للاختيار بين المقترحات المتعددة للعدالة الأخلاقية التي نقلتها القراءة إلى الصدارة. وعند هذه النقطة تواجه فكرة الهوية السردية حدها وعليها أن ترتبط بالمكونات غير السردية في تشكيل الذات الفاعلة (نفسه، صص: 375-376). 

وهنا، تتبدى الغاية الكبرى والسامية لمشروعه الفكري والتي تكمن في ربط نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية. وذلك من خلال العودة إلى كتاب أرسطو حول الأخلاق (نيقوماخيا)، وإقامة حوار متجدد معه في كل تحليله للرغبة في الحياة الجيدة الطيبة، وهي قائمة على غائية هذه الرغبة الأصلية([21]).

يحق التساؤل: بأي واسطة تحقق الربط بين نظرية العمل والنظرية الأخلاقية؟

ربط بول ريكور بين نظرية العمل والنظرية الأخلاقية من خلال النظرية السردية. فهو يؤكد، بشكل مسبق، عدم وجود قصة محايدة أخلاقيا. فالأدب عبارة عن مختبر واسع تجري فيه التقديرات والتقييمات وأحكام الاستحسان والإدانة، وهناك تستخدم السردية كحقل تمهيدي للأخلاق (نفسه، صص: 252-253). فلا يمكن فصل الأدب عن تعييناته الأخلاقية عند الاهتمام بتعييناته الجمالية، لاسيما أن هذا الفصل يكشف عن سوء فهم لعلم الجمال. يقول بول ريكور في هذا الصدد:" هل نقول إن القصة الأدبية، حين نعتبرها على صعيد التصوير السردي فحسب، تفقد تعييناتها الأخلاقية لصالح التعيينات الجمالية المحضة؟ إن هذا يعني أننا قد أسأنا فهم علم الجمال نفسه. إن اللذة التي نتمتع بها ونحن نتابع مصير الشخصيات تتضمن بالطبع أن نتوقف عن إصدار أي حكم أخلاقي حقيقي في الوقت عينه الذي نتوقف فيه كذلك عن اعتبار العمل كأمر متحقق. غير أننا من خلال هذا الواقع اللاحقيقي للقصة لا نتورع عن استكشاف طرق جديدة لتقييم الأعمال والأشخاص. إن التجارب الفكرية التي نقودها داخل مختبر المخيال هي أيضا رحلات استكشافية نقوم بها داخل مملكة الخير والشر. إن المبالغة في التقييم أو بخس القيمة هما أيضا تقييم. إن الحكم الأخلاقي لم يلغ، بل بالأحرى هو نفسه قد أخضع للتنوعات المتخيلة الخاصة بالقصة. بفضل تمارين التقييم لبعد القصة يستطيع السرد أخيرا أن يمارس وظيفته كاكتشاف وتغيير يلحقان بمشاعر القارئ وبتصرفه، وذلك في مرحلة إعادة تصوير الحركة والعمل التي يقوم بها السرد" (نفسه، صص: 332-333). 

فالنظرية السردية تشغل، في تحليلات بول ريكور، موقعا مفصليا بين نظرية العمل والنظرية الأخلاقية. بمعنى أن نظرية الحبكة والشخصية تشكل عملية عبور له دلالته بين إسناد العمل إلى فاعل حقيقي قادر وتحميله واجب تحمل تبعة هذا العمل.  وهكذا، سينجح بول ريكور في إجراء مواجهة بين الهوية السردية المتأرجحة بين العينية والذاتية وبين الهوية الأخلاقية التي تتطلب شخصا محاسبا لأعماله ومتحملا لتبعات هذه الأعمال (نفسه، صص: 311-313). فحين عارض قطبيا المحافظة على الذات بالطبع الذي يكشف عن الهوية العينية، فقد رمى إلى الإحاطة بالبعد الأخلاقي الحقيقي للهوية الإنية، من دون الأخذ بعين الاعتبار استمرارية الطبع. من ثم، يطرح ريكور سؤالا مؤداه: أين تقع الهوية السردية في هذا الطيف للتغييرات بين قطب الهوية العينية للطبع، وقطب الهوية الإنية المحضة للمحافظة على الذات؟ يجيب بول ريكور قائلا إن الهوية السردية تقف موقفا وسطا بين الهويتين؛ حين تحول الطبع إلى سرد يروى فإن القصة تعيد إليه حركته التي كانت ألغتها الاستعدادات المكتسبة والتماهيات المتجمدة. وحين يحول هدف الحياة الحقيقية إلى سرد يروى فإن القصة تعطيه السمات المعروفة التي تتحلى بها الشخصيات المحبوبة أو المحترمة. إن الهوية السردية تجمع طرفي السلسلة: ديمومة الزمن في الطبع وديمومة المحافظة على الذات (نفسه، صص: 311-335).

يتأكد، بشكل جلي، أن انشغال بول ريكور بالهوية السردية لم يكن مقصودا لذاته، وإنما كان وسيلة لتحقيق غاية كبرى مفادها: ربط السردية بالأخلاق، والبحث في علاقاتهما. فلا تخلو الوظيفة السردية من تعيينات أخلاقية سمحت لريكور بالمرور إلى مقولتي الخير والإلزامي. وهكذا تظهر للعيان الأبعاد الأخلاقية والواجبية لذات فاعلة يمكن أن يسند إليها العمل أكان خيرا أم لا، منجزا باسم الواجب أم على العكس من ذلك (نفسه، ص: 96).

في إطار ربط بول ريكور نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية، لم يكتف بوصل الهوية الإنية، فقط، بالقدرة على الفعل وتحمل تبعات هذا الفعل، وإنما ربط هذه الهوية، أيضا، بالذاكرة والنسيان والذنب والغفران. ففي كتابه "الذاكرة التاريخ النسيان" الذي عده تتمة للكتابين السابقين، حاول ملء النقص الذي يسم إشكال كتاب "الزمان والمحكي" وكتاب "الذات عينها كآخر"، حيث تتواجه مباشرة التجربة الزمنية والعملية السردية، على حساب إهمال الذاكرة والنسيان باعتبارهما يشكلان مستويين توسطيين بين الزمان والسرد([22]). ويتألف هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء: كرس الجزء الأول للذاكرة وللظاهرات الذاكرية منطلقا من الفينومينولوجيا عند هوسيرل؛ أما في الجزء الثاني المنتمي إلى إبستيمولوجيا العلوم التاريخية، فقد انشغل بالتاريخ؛ في حين اهتم الجزء الثالث، الذي يدخل ضمن إطار تأويلية الوضع التاريخي للبشر، بالنسيان (نفسه، ص: 28).

عمل ريكور، في الجزء الأول، على الفصل بين الخيال وبين الذاكرة رغم اشتراكهما في سمة حضور الغائب، وذلك من خلال التأكيد على وجود اختلاف بين قصدية المفهومين، فإذا كنت قصدية الخيال تتجه نحو الوهمي، القصصي، غير الحقيقي وغير الواقعي، والممكن واليوتوبي، فإن قصدية الذاكرة تتجه نحو الحقيقة السابقة، الواقع السابق (نفسه، ص: 34). ميز، أيضا، بين الذاكرة والذكرى، الذاكرة بصيغة المفرد باعتبارها مقدرة وتحقيقا وتنفيذا، والذكريات بصيغة الجمع بوصفها أشكالا خفية لها تشعبات دقيقة أو قليلة الدقة، تبرز من خلال خلفية ذاكرتية يمكن أن يستسلم لها الإنسان في حالات أحلام اليقظة الملتبسة. إنها (الذكريات) تتعلق بالامتياز المعطى عفويا للأحداث من بين كل الأشياء التي يتذكرها الإنسان (نفسه، صص: 57-58).   

سعى ريكور إلى معالجة الظاهرات الذاكرية منطلقا من وجهة نظر نافح عنها في كتابه "الذات عينها كآخر"، مقتضاها هو قدرة الإنسان على الكلام والتصرف والسرد وتحمل مسؤولية الأعمال. كما استند إلى نظرية جون لوك (John Locke)، التي جعلت من الذاكرة معيارا للهوية، للحديث عن التقاطع بين إشكالية الذاكرة وإشكالية الهوية سواء أكانت الهوية فردية أم جماعية. فقد أشار إلى أن قلب المشكلة يكمن في تعبئة الذاكرة لخدمة السعي إلى الهوية أو طلبها أو المطالبة بها. وتنتج عن ذلك انحرافات تعرف بعض عوارضها المقلقة: الإفراط في الذاكرة في منطقة معينة من العالم، وبالتالي هناك عمليات سوء استعمال الذاكرة، ثم هناك نقص في الذاكرة في مكان آخر، بالتالي هناك سوء استعمال للنسيان (نفسه، صص: 136- 137).

لقد دفعت تلك العلاقة، التي تربط الذاكرة بالهوية، ريكور إلى البحث عن سبب هشاشة الذاكرة المتلاعب بها في إشكالية الهوية، مؤكدا أن السبب يتبدى في الطابع الافتراضي الادعائي المزعوم للهوية. فهشاشة الهوية تكمن في هذه الإجابات بشكل "ماذا"(عن السؤال "من؟"، "من أنا؟") بالصيغة التالية: هذا ما نحن، نحن المختلفين عن الآخرين "هكذا" نحن، هذا ما نحن عليه وليس غير ذلك، والتي تدعي (الإجابات) إعطاء وصفة الهوية المعلنة والمطالب بها. إن المشكلة تنتقل بهذه الطريقة إلى درجة أعلى حين تتحول من هشاشة الذاكرة إلى هشاشة الهوية التي ترجع إلى عدة أسباب. يتمثل السبب الأول في العلاقة الصعبة للهوية مع الزمان، هذه الصعوبة أولية تبرر بالضبط اللجوء إلى الذاكرة بما هي عنصر مكون زمني للهوية على صلة بتقدير الحاضر وإسقاطه على المستقبل. والحال، فإن الصلة بالزمن تشكل صعوبة بسبب الطابع المبهم لمفهوم ما يبقى هو عينه (le meme) القائم ضمنا في مفهوم المتطابق الهوية identique. فاستمرارية الذات في الزمن تستند إلى لعبة معقدة بين العينية والإنية.  كما أن الإغراء الهوياتي، أو كما يقول جاك لوغوف  (Jacques Le Goff) "الجنون الهوياتي" يقوم على طي الهوية الإنية على الهوية العينية، أو  بعبارة أخرى على الانزلاق أو الانجرار الذي يقود من المرونة التي تؤمن استمرارية الذات في الوعد والتطلع إلى التصلب الذي لا يلين للطبع. أما السبب الثاني، فيتجلى في المواجهة مع الغير الذي نشعر به باعتباره تهديدا. هناك واقع قائم هو أن الآخر لأنه آخر ندركه كخطر على هويتنا الخاصة بنا، هوية النحن وهوية الأنا، يمكننا بالطبع أن نعجب لهذا: هل يجب إذن أن تكون هويتنا هشة إلى درجة أنها لا تعود تستطيع أن تحتمل أو أن تقبل أن يكون لآخرين طرق مختلفة عن طرقنا لعيش حياتهم وللتفاهم في ما بينهم وتسجيل هويتهم الخاصة في مسار العيش-معا؟ هذا هو الواقع. إن الإذلالات والمساس الحقيقي أو الوحي بالتقدير للذات، تحت ضربات الغيرية التي لا تلقى التسامح الواجب هي التي تغير العلاقة التي تقيمها الذات عينها بالآخرين من علاقة ترحاب إلى علاقة رفض وإقصاء. السبب الثالث يتحدد في إرث العنف المؤسس. هناك أمر واقع وهو عدم وجود مجموعة تاريخية لم تولد من علاقة يمكن تسميتها أصلية بالحرب. إن ما نحتفل به كإحداث مؤسسة هو عبارة عن أعمال عنيفة اكتسبت شرعيتها بعد وقوعها عن طريق دولة قانون وحق هي ذاتها عابرة مؤقتة، وتأتي هذه الشرعية في الحالات القصوى بسبب أقدمية هذه الأعمال العنيفة بل وحتى بسبب تقادمها. الأحداث تعني للبعض المجد في حين أنها تعني للبعض الآخر المذلة. الاحتفال من جهة تقابله الكراهية من جهة أخرى. وهكذا تخزن في أرشيف الذاكرة الجماعية جروح حقيقية ورمزية. هنا يذوب السبب الثالث لهشاشة الهوية في السبب الثاني. يبقى أن نوضح الطريق التي تسلكها أشكال سوء استعمال الذاكرة كي تستطيع أن تطعم المطالبة بالهوية (نفسه، صص: 137-138) .

بعد الحديث عن علاقة الذاكرة بالهوية، يمكن طرح سؤال تكشف إجابته عن علاقة الذاكرة والهوية بالوظيفة السردية. السؤال هو:

كيف يمكن التلاعب بالذاكرة؟

يجيب بول ريكور بقوله إن التلاعب بالذاكرة يتم في المستويات العملانية المختلفة للإيديولوجيا. على المستوى الأعمق، مستوى التوسطات الرمزية للعمل تدخل الذاكرة ضمن تكوين الهوية من خلال الوظيفة السردية. إن أدلجة idéologisation الذاكرة أمر ممكن وذلك عن طريق موارد التنوع التي يقدمها عمل التمثيل السردي. ولما كانت شخصيات القصة الخيالية تدخل في وقت واحد مع القصة المروية في حبكة واحدة، فقد ساهم التمثيل السردي في صياغة هوية الأبطال المشاركين في العمل وكذلك في تشابكات العمل نفسه. إن القصة الخيالية، على حد تعبير حنه آرندت، تقول "صاحب العمل".  فالوظيفة الانتقائية للقصة (الرواية) هي التي تقدم لعملية التلاعب الفرصة والوسائل لتحقيق استراتيجية ماكرة تقوم مباشرة على استراتيجية النسيان بقدر ما تقوم على إعادة التذكر (نفسه، صص: 142-143). 

حاول ريكور إقامة ترابط أفقي بين الهوية الإنية (الوفاء بالوعد) والغفران، وذلك من خلال إشارته إلى إمكانية ارتباط فاعل العمل بالوعد من خلال استطاعته فك ارتباطه بهذا العمل عن طريق الغفران. فالبنية الزمنية للعمل، أي عدم إمكانية الرجوع إلى الوراء في الزمان، وعدم إمكانية التنبؤ بالمستقبل الآتي زمانيا، يستوجبان قيام سيطرة مزدوجة تتحكم في قيادة العمل. سعى ريكور، أيضا، إلى ربط العمل بالذنب باعتباره مرتبطا بالهوية الإنية (الاعتراف بالخطأ من خلال إعادة التذكر).  فالإنسان قادر على التكلم والحكي ومحاسبة نفسه عن أعماله وتحمل تبعاتها. لذلك، علينا أن نبحث عن الخطأ الذنب في منطقة تحميل التبعة. هذه المنطقة هي منطقة التمفصل بين الفعل وبين الفاعل، بين "ماذا" الأفعال و"من" العائدة إلى القدرة على التصرف- العمل. وهذا التمفصل، في تجربة الذنب، هو الذي يتأثر ويجرح جرحا مؤلما (نفسه، صص: 663-665).

خاتمة:

تأسيسا على ما سبق، يمكن تأكيد أن مشروع بول ريكور غير قابل للتجزيء. فإذا كان قد عمل، في كتابه "الزمان والمحكي" على ربط الهوية السردية بنظرية العمل (قصة متماسكة لذات قادرة على العمل)، وسعى في كتابه "الذات عينها كآخر" إلى وصل الهوية السردية بقطبيها بالنظرية الأخلاقية (قصة متماسكة لذات قادرة على العمل وتحمل تبعاتها الأخلاقية)، فإنه لم ينتصر فقط، في كتابه "الذاكرة التاريخ النسيان" إلى وجود ذات قادرة على العمل وتحمل التبعات الأخلاقية لهذا العمل، قادرة على الاعتراف بالذنب (الموجود في العمق)، قادرة على الغفران (الموجود في العلو) دون نسيان، قادرة على واجب العدالة، قادر ة على التذكر والنسيان، قادرة على بناء قصة حياة متماسكة تسعف في التحرر من الحزن، وإنما سعى، كذلك، بلورة نظرية للذاكرة ذات أبعاد إنسانية وأخلاقية، متوزعة بين ذكرى إيجابية مبحوث عنها هي ذكرى زوجته سيمون الراحلة بعد معاناة مع المرض، وذكرى سلبية غير مرغوب فيها، هي ذكرى انتحار ابنه وإقامة الحداد عليه باعتباره الطريقة المثلى لجعل الذكرى محتملة، وللقبول بالخسران، ولمنح الناس حق البدء من جديد، والتمكن، ربما، من خلال التذكر، التغلب على وسواس أو جبر التكرار. 

المراجع والهوامش:

([1]) للوقوف عند هذه المعضلات يمكن العودة إلى مقالة بول ريكور "الهوية السردية"، ضمن كتاب "الوجود والزمان والسرد (فلسفة بول ريكور)"، تر: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت، ط:1، 1999، ص: 256.

([2])  بول ريكور، الذاكرة والسرد، حوارات، تر: سمير مندي، دار كنوز المعرفة، عمان-الأردن، ط:1، 2016، ص: 46.

([3])  بول ريكور، الزمان والمحكي: الحبكة والمحكي التاريخي، تر: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مرا: جورج زيتاني، الجزء1، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت- لبنان، ط:1، 2006، ص: 17.   

([4]) نفسه، ص: 75.  قدم بول ريكور تحديدا آخر يقول فيه إن "الحبكة هي دينامية دمجية تشكل قصة موحدة وتامة من أحداث متنوعة، بكلمات أخرى، أنها تحول هذا التنوع إلى قصة موحدة وتامة". ينظر: الزمان والمحكي: التمثيل في المحكي القصصي، تر: فلاح رحيم، مرا: جورج زيتاني، الجزء 2، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت- لبنان، ط:1، 2006، ص: 28.

([5])  بول ريكور، الزمان والمحكي: الحبكة والمحكي التاريخي، الجزء 1، م.س، ص: 95.

([6])  بول ريكور، الزمان والمحكي: الزمن المروي، تر: سعيد الغانمي، مرا: جورج زيتاني، الجزء 3، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، ط:1، يناير 2006. ص: 370.   

([7])  بول ريكور، الذات عينها كآخر، تر: جورج زيتاني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت- لبنان، ط:1، 2005، ص: 249.

([8]) نفسه، صص: 294- 306. لقد تم اختيار عبارة الهوية الإنية التي اعتمدها سعيد بنكراد في كتابه "الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ" بدلا من عبارة الهوية الذاتية التي اعتمدها جورج زيتاني في ترجمته لكتاب بول ريكور "الذات عينها كآخر".

([9])  سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء- المغرب/ بيروت- لبنان، ط:1، 2023، ص: 37.

([10]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، تر: جورج زيتاني، م.س، صص: 254-262.

([11]) سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، م.س، ص: 40.

([12]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، ص: 262.

([13])سعيد بنكراد، الهوية السردية، المحكي بين التخييل والتاريخ، م.س، ص: 36.   

([14]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، ص265.

([15] ) سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، م.س، 41-47.

([16]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، صص: 98-99. الأقواس من عندي.

([17]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، مقدمة المترجم، ص: 31.  

([18]) بول ريكور، "الهوية السردية"، ضمن كتاب جماعي "الوجود والزمان والسرد (فلسفة بول ريكور)"، تحرير: ديفيد وورد، تر: سعيد غانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب/ بيروت- لبنان، ط:1، 1999، ص: 261.  

ويضيف بول ريكور في الصدد نفسه قائلا: "ينبغي أن لا نسيء فهم دلالة هذه الظاهرة الأدبية: بل يجب القول إننا لا نفلت من إشكالية الذاتية، حتى في أقصى حالات فقدان هوية عينية عند البطل. فلا -ذات ليس عدما، في ما يتعلق بمقولة الذات. وفي الحقيقة لن تستهوينا دراما الانحلال هذه، وتقذف بنا في دروب حيرتها، ما لم تكن اللا- ذات صورة للذات، حتى ولو على نحو نسبي. لنفترض أن أحدهم يسأل: من أنا؟ الجواب لا شيء، أو في الأغلب لا شيء. لكنه مازال جوابا على سؤال "من"، وقد رد ببساطة إلى جهامة السؤال نفسه". ينظر المرجع نفسه، صص: 261- 262.   

([19]) بول ريكور، الزمان والمحكي، م.س، الجزء3، ص: 113.

([20])  نفسه، مقدمة المترجم، ص: 10.

([21]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، مقدمة المترجم، ص: 53.   

([22])  بول ريكور، الذاكرة التاريخ النسيان، تر: جورج زيتاني، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت-لبنان، ط:1، 2009، ص: 27.

([23]) بول ريكور، الذاكرة والسرد، حوارات، تر: سمير مندي، دار كنوز المعرفة، عمان- الأردن، ط:1، 2016، صص: 43-44.  

([24])  بول ريكور، الذاكرة التاريخ النسيان، م.س، مقدمة المترجم، ص: 37-38.

 

الهوية السردية عند بول ريكور  من نظرية العمل إلى النظرية الأخلاقية
Partager cet article
Repost0
17 octobre 2024 4 17 /10 /octobre /2024 01:48
إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية من خلال الوثائق الرسمية

إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية من خلال الوثائق الرسمية

Integrating modern technologies

into educational curricula

د.عزيز عشعاش *  Dr:ACHACH Aziz

دراسة محكمة

*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية

ملخص البحث:

يتمحور هذا المقال حول المنهاج التعليمي وسبل إدماج التكنولوجيات الحديثة، وما يثيره هذا الموضوع من قضايا مركبة تفرض تدخل عدة فاعلين في قطاع التربية والتكوين. فالتكنولوجيات الحديثة في التعليم ليست مجرد وسائط بيداغوجية بل نمط جديد للتدريس والتحصيل.

انطلاقا من الواقع التربوي الذي لا يرتقي بالممارسة الصفية من استعمال التكنولوجيات الحديثة إلى الإدماج، وفي ضوء أدبيات ومرجعيات بناء وتطوير المناهج التعليمية، واستنادا إلى تجربتنا التربوية كمشرف تربوي للتعليم الثانوي، نرى أن التأسيس لمرحلة إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية أضحى ضرورة تمليها علينا التغيرات التي يعرفها مجتمعنا بفعل الثورة الرقمية، هذه الأخيرة التي لم تدَع ركنا إلا واحتلته من خلال تمظهرات متنوعة. فالتغيير للانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة رهين بتحديث النموذج المدرسي الحالي، والذي بدوره يتطلب تحديث نموذج المنهاج التعليمي وتطويره. وهذا يستدعي مقاربة هذا الموضوع من خلال العناصر المنهجية الآتية:

 الكلمات المفاتيح: إدماج – التكنولوجيات الحديثة – المناهج التعليمية

Abstract :

This article falls within the context of the interest in the subject of the curriculum and ways to integrate modern technologies, and the complex issues it raises that require the intervention of several actors in the education and training sector. The curriculum is the product of an educational policy related to the values and goals of the educational system of a society, its civilizational project, and the characteristics of the future human being. It is the basis of any change, as it is the clear written document that defines the scope and organization of the proposed educational programs. The integration of modern technologies in education cannot be considered a separate part of the curriculum, as it is the comprehensive plan that defines the vision and form.

Keyword: Integration - Modern technologies - Educational curricula

تمهيد:

يقترن التفكير في تطوير المناهج التعليمية بمناقشة المشروع المجتمعي واستقراء حاجاته الآنية والمستقبلية من مختلف الزوايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في استحضار لأبعاده المحلية والجهوية والوطنية والكونية، بما يحدد للنظام التربوي مرجعيته الفلسفية والسياسية والعلمية، وللفئات المستهدفة حاجاتها التعليمية. وعليه، فالمناهج التعليمية ليست مجرد تشكيلة من المواد والمسالك والتخصصات الدراسية، بل هي مكون أساسي لاستراتيجية تربوية، ترتبط في جانبها المنهجي بعمليات التربية والتكوين والتعليم والتقويم، وفي جانبها الهيكلي والقيمي بالإصلاح المتواصل للنظام التربوي وتحديثه وفق المشروع المجتمعي.

وإذا كانت جملة التحولات التي تعرفها المنظومة التربوية المغربية تسعى نظريا إلى تطوير المنهاج التربوي، بدءا بإنجاز جملة من التقييمات الوطنية والدولية للمنهاج التربوي الذي تم إرساؤه عقب الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتجربة اللجنة الدائمة للبرامج، إلى صدور وثيقة الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030) من المجلس الأعلى للتربية والتكوين بعد دستور 2011 واختياراته السياسية والاجتماعية، فإن "إعداد المنهاج التعليمي وتطبيقه وتجسيده مشروعا مجتمعيا للتربية على أرض الواقع، يبقى رهين السياقات والإمكانات والموارد البشرية المتوفرة" (هيأة التحرير، مجلة دراسات بيداغوجية: ص 8).

وبما ن المدرسة المغربية اليوم لا تزال تعاني من اختلالات وصعوبات مزمنة ترتبط عموما بضعف تماسك وانسجام مكونات المنظومة، وبمستوى نجاعتها ومردوديتها الداخلية والخارجية، وملاءمة مناهجها وتكويناتها مع متطلبات المحيط، وذات صلة أيضا بالنقص الشديد في إدماج بنيات مجتمع المعرفة وتكنولوجياته المتجددة، وبمحدودية مواكبتها لمستجدات البحث العلمي وعالم الاقتصاد ومجالات التنمية البشرية والبيئية والثقافية.

ومساهمة منا في النقاش والبحث الدائرين اليوم في بلدنا حول إصلاح منظومة التربية والتكوين، ارتأيت معالجة موضوع: المنهاج التعليمي وسبل إدماج التكنولوجيات الحديثة، رغم ما يثيره هذا الموضوع من قضايا مركبة تفرض تدخل عدة فاعلين في قطاع التربية والتكوين. لاسيما وأن المنهاج التربوي يعدّ منتوجَ سياسة تربوية ترتبط بالقيم والغايات من النظام التربوي لمجتمع ما، وبمشروعه الحضاري، وبمواصفات إنسان المستقبل. فهو "أساس أي تغيير، بصفته الوثيقة المكتوبة الواضحة المحدّدة لمجال البرامج التربوية المقترحة وتنظيمها. كما أنه لا يمكن اعتبار إدماج التكنولوجيات الحديثة في التعليم جزءا منفصلا عن المنهاج، بصفته الخطة الشاملة المحددة للرؤية والشكل" (عزيز جناني، المنهاج التعليمي والرقمنة: ص 107).

كما أن إدماج هذه التكنولوجيا في تدريس مختلف المواد وخاصة مادة اللغة العربية يعد عاملا أساسيا لتحسين جودة تعلمها، وعنصرا هاما لتفعيل مقاربات تربوية جديدة تتماشى ومستجدات المجال التربوي في تدريس اللغات. إذ أصبحت الموارد التربوية الرقمية من الدعامات الديداكتيكية الهامة التي يمكن توظيفها بشكل أمثل في سيرورة العملية التعليمية التعلمية، حيث تضفي عليها أنماطا جديدة من الحركة والتفاعل (المذكرة الوزارية رقم 66 بتاريخ 28 أبريل 2011، في شأن استعمال الموارد الرقمية في التعلمات). وتمكن أساسا من:

  • تعزيز الإدراك الحسي للمتعلم، خاصة للموارد اللغوية المجردة؛
  • سهولة تعلم المهارات المقصودة (بتركيز الانتباه أو بتقليد النماذج)؛
  • العمل على تكوين قيم إيجابية (كالتعاون بين المتعلمين) واتجاهات سليمة (كالصدق)؛
  • مراعاة الفوارق الفردية بين المتعلمين بتنويع وسائط التعليم من قبل المدرس؛
  • دعم عمل المدرس أثناء العملية التعليمية داخل القسم (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تدريس مادة اللغة العربية بالتعليم الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي: ص 3).

وفي حقيقة الأمر، فالتكنولوجيات الحديثة في التعليم ليست مجرد وسائط بيداغوجية فحسب، بقدر ما هي نمط جديد للتدريس والتحصيل، والاستمرار في التعامل معها على أنها وسائل تعليمية لن يخدم الممارسات الصفية التقليدية ليرتقي بها لمستوى الإدماج، بل سيجعل كل الجهود المبذولة من أجل التجديد، مجرد محاولات استبدال وسائل بأخرى في إطار ممارسة تقليدية جافة وبعيدة كل البعد عن الغاية المنشودة. فالارتقاء من الاستعمال إلى الإدماج، يستدعي منا وضع فلسفة واضحة المعالم، دون إغفال الجانب التطبيقي المرتبط بالممارسة الصفية بشكل مباشر، ولم لا العمل على إعداد منهاج رقمي متطور مكمل وداعم للمنهاج الدراسي في إطار منهاج تعليمي وحيد متكامل.

انطلاقا من هذا الواقع التربوي، وفي ضوء أدبيات ومرجعيات بناء وتطوير المناهج التعليمية، واستنادا إلى تجربتنا التربوية كمشرف تربوي للتعليم الثانوي، نرى أن التأسيس لمرحلة إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية أضحى ضرورة تمليها علينا التغيرات التي يعرفها مجتمعنا بفعل الثورة الرقمية، هذه الأخيرة التي لم تدَع ركنا إلا واحتلته من خلال تمظهرات متنوعة. فالتغيير للانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة رهين بتحديث النموذج المدرسي الحالي، والذي بدوره يتطلب تحديث نموذج المنهاج التعليمي وتطويره.

المحور الأول: مفهوم المنهاج التعليمي

  1. المستوى اللغوي للمفهوم:

جاء في لسان العرب لابن منظور "نَهَجَ الأمر وأنْهَجَ بمعنى وَضحَ، والمَنْهَجُ الطريق البيِّن والواضح. والنَّهْجُ أو المنهاج هو الطريق الواضح" ("لسان العرب" لابن منظور، مادة "نهج").

وقد جاء في القرآن الكريم في موضع لا غير "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (سورة المائدة الآية 45) والشرعة هي الشريعة، أما المِنهاجُ فمُؤَداه في الأصل الطريق البيّن الواضح، وهو يعني في الاستعمال أيّ شيء بَيِّناَ واضحاً (أحمد علبي، المنهجية في البحث الأدبي: ص 19).

وفي معجم علوم التربية "المنهاج لغة لفظة أصلها إغريقي تعني سباق الخيل "course"، والطريقة التي يسلكها الفرد "نهج" وقد وظف اليونان المنهج في التربية مرتبطا بالفنون السبعة: النحو، البلاغة، المنطق، الحساب، الهندسة، الفلك والموسيقى" (عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجية والديداكتيك: ص 58).

ويحدد القاموس الفرنسي Le petit robert المعنى المعجمي لكلمة Curriculum المقابلة لكلمة المنهاج في أنه "مجموع المعلومات المدنية والثقافية المتعلقة بشخص معين كالشهادات التي حصل عليها، والسنوات التي قضاها في الدراسة ونوع هذه الدراسة" (خالد المير وإدريس القاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك: ص 96).

وقد عرف المنهاج من زوايا مختلفة "فعرف على أنه مجموع المواد الدراسية، وعرف على أنه الخبرات التعليمية للتلاميذ التي يتم تخطيطها والإشراف على تنفيذها من جانب المدرسة وعرف المنهاج كذلك على أنه خطة" (عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربوية، ص 58).

يتبين من خلال هذه التعاريف أن كلمة منهاج تعني الطريق الواضح الذي نسلكه، لبلوغ الحقيقة التي نتطلع إلى الوصول إليها. وقد ارتبط استعمالها بالميدان التربوي ارتباطا كبيرا، منذ أن وظفها اليونان فأصبحت توازي مجموع المواد الدراسية بكل ما تحتاجه من تخطيط وتنظيم وبناء منطقي بشكل يمكن من بلوغ الأهداف المتوخاة. ومن ثم فهي مرشد ودليل وليست غاية في حد ذاتها.

  1. المستوى الاصطلاحي للمفهوم

يعرف المنهاج اصطلاحا عادة بأنه "خطة عامة تنظّم عملية التدريس، وهو يشمل بالدراسة المدخلات والمخرجات وما بينهما من عمليات تربية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها" (خالد المير وإدريس القاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك: ص 96).

وقد تعددت التعاريف التي خصت مصطلح المنهاج، ذلك أن كل باحث نظر إليه من زاوية اهتماماته ودراسته، فنجد مثلا:

*عند دهينوD’Hainaut " إنه تخطيط للعمل البيداغوجي أكثر اتساعا من المقرر التعليمي. فهو لا يتضمن فقط مقررات المواد، بل أيضا غايات وأنشطة التعليم والتعلم، وكذلك الكيفية التي سيتم بها تقويم التعليم والتعلم" (عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجية والديداكتيك: ص 58).

* وعند دولاندشير Delandsheer "المنهاج مجموعة من الأنشطة المخططة من أجل تكوين المتعلم، إنه يتضمن الأهداف وكذا تقويمها، والأدوات والاستعدادات المتعلقة بالتكوين الملائم للمدرسين"(عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، المرجع نفسه: ص 58).

وعند ديكورت Decorte "إنه يتعلق بكل المكونات التي تتضمنها السيرورة الديداكتيكية من (أهداف، ومحتويات، وأنشطة، وتقويم...)" (عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، المرجع نفسه: ص 58)

ويعرف كذلك على أنه "جُملة ما تقدمه المدرسة من معارف ومهارات واتجاهات لمساعدة المتعلم، على النمو المتوازن والسليم في جميع جوانب شخصيته" (تطوير مناهج التعليم، محمد الدريج: ص 11).

 وقد ميزه محمد أوزي عن المنهج والمناهج البيداغوجية والمنهج الدراسي، مشير إلى أن هذا الأخير يشمل كل بنيات العملية التعليمية (الطرق البيداغوجية، الأهداف، التقييم، المواد التعليمية، الكتب إعداد المدرسين، الأدوات الديداكتيكية...إلخ) (خالد المير وإدريس القاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك: ص 98).

نستنتج إذن من خلال هذه التعاريف أن المنهاج التعليمي، يتحدد في خلال الجوانب التالية:

 1- تخطيط الأهداف والمحتويات والأنشطة ووسائل تقويم العملية التعليمية والتعلمية.

2- مفهوم  شامل لا يقتصر على محتوى المادة الدراسية بل ينطلق من أهداف لتحديد الطرق والأنشطة والوسائل.

3- بناء منطقي لعنصر المحتوى، على شكل وحدات بحيث أن التحكم في وحدة يتطلب التحكم في وحدات سابقة.

4- تنظيم لجملة من العناصر والمكونات بشكل يمكن من بلوغ الغايات والمرامي المتوخاة.

  1. في إطار الاختيارات والتوجهات الناظمة للمنهاج الدراسي المغربي:

في إطار هذه الاختيارات والتوجهات، ثم التمييز بين البرنامج الدراسي والمنهاج التعليمي، فقد كانت البرامج الدراسية الرسمية – المقرر الدراسي – إلى عهد قريب، تختزل في لوائح المواد والمواضيع المتراكمة التي يتم تدريسها في مختلف المستويات، والتي قد تكون متنافرة ومتناقضة ومتباعدة من حيث المحتويات، وهي تفصيل للدروس بحسب جداول واستعمالات زمن سنوية أو غيرها، تحدد التوزيع الأسبوعي لتلك المواد وتخضع في غالب الأحيان لمنطق المواد والتجزيء، مما قد يجعل المعرفة المدرسية لا تتصف بالمعنى وتكون معزولة عن محيطها (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات: ص: 3).

فعمل الرواد الأوائل في تخطيط البرامج، وحتى يثبتوا تميزهم عن هذا التقليد الذي يولي أهمية كبرى لمحتويات التدريس، على التركيز على التلميذ بدل المادة الدراسية ومحتوياتها، فنحتوا مصطلح المنهاج (Curriculum)، والذي يعرفونه بشكل عام، بكونه، "مجموع تجارب الحياة الضرورية لنمو التلميذ". وبكونه أيضا: " جملة ما تقدمه المدرسة من معارف ومهارات واتجاهات... لمساعدة المتعلم، على النمو المتوازن والسليم في جميع جوانب شخصيته" (محمد الدريج، تطوير مناهج التعليم: ص 11).

وهكذا، يظهر إذن أن المنهاج تصور متكامل ينطلق من المدخلات وصولا إلى المخرجات، وما ينبغي أن يكون عليه المتعلم في نهاية مستوى دراسي أو سلك دراسي أو تخصص دراسي، شريطة أن يتم ذلك بمراعاة لاحتياجات المتعلم لخصوصياته وبتوافق تام مع إعداده للمشاركة المسؤولة في الحياة داخل المجتمع.

الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل وبحماسة عن الإشكال الكبير الذي يتبادر إلى الذهن في هذا المقام. لمن يعود أمر اتخاذ القرار في ضبط تلك الاحتياجات وتحديد الأسبقيات؟ وكيف يتخذ القرار وما هي آليات التنفيذ؟

يبدو بشكل واضح أن بناء المنهاج، من خلال هذا الإشكال ليس مجرد مسألة تقنية ولا يطرح قضايا إجرائية فحسب، بل يطرح كذلك وفي المقام الأول، قضايا فلسفية وسياسية واجتماعية وثقافية.

  1. منهاج اللغة العربية:

يحتل منهاج اللغة العربية ضمن مناهج التعليم الابتدائي مكانة متميزة يستمدها من الكفايات التربوية التي يروم تحقيقها، والتي تتركز جميعها في جعل المتعلم قادرا على التعبير السليم باللغة العربية. الشيء الذي يستدعي من الأستاذ والمخطط استحضار ما يلي:

  • أن يتدرج تحقيق هذه الكفاية من المستوى الأول إلى نهاية المستوى السادسة ابتدائي حيث ينبغي أن تتحقق لدى المتعلم القدرة على التعبير الشفهي والكتابي والقراءة باللغة العربية؛
  • يبتدئ اكتساب اللغة، في السياق الطبيعي، من الاستعمال الشفهي أولا، وهذا يقتضي إيلاء الأهمية اللازمة للتعبير الشفهي، سواء في دروس اللغة المباشر، من خلال حصص اللغة المباشرة، من خلال حصص اللغة العربية، أو من خلال استعمال اللغة العربية الفصحى في باقي المكونات والوحدات الدراسية؛
  • يتأسس تعلم اللغة انطلاقا من سياق مادي واجتماعي (محيط) له دلالة ومعنى في أذهان المتعلمات والمتعلمين وانطلاقا من خبراتهم السابقة؛
  • القواعد اللغوية ليست هدفا في ذاتها في مرحلة الابتدائي، بل تعتبر أساسا لدعم وتيسير استعمال اللغة المكتسبة. إن القواعد تكتسب بشكل ضمني، ولا يتم الانتقال إلى التصريح بها إلا بعد أن يتحكم المتعلم(ة)، نسبيا، في استعمالها وتوظيفها بشكل ضمني، وإلا فإن دروس القواعد تصبح مضيعة للجهد والوقت وأداة لتنفير المتعلمين من الدراسة؛
  • إن تعلم اللغة، على غرار باقي التعلمات، لا يستثني من ضرورة الانطلاق من وضعية مشكلة تجعل المتعلم، فعلا، يبني ويستعمل المكتسبات اللغوية بدل أن يتلقاها جاهزة عبر التلقين (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي: ص 72).

هكذا يتضح جليا أن منهاج اللغة العربية في المرحلة الابتدائية يعتمد عدد من المبادئ العامة التي تفرضها خصوصيات متعلم هذه المرحلة، وطبيعة المادة، وديداكتيك مكوناتها، والرغبة في تمكين المتعلمين من الكفايات والقدرات اللغوية المناسبة لهذه المرحلة:

منها مبدأ التدرج (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض: ص 22) الذي يتجلى في عدة مستويات بشكل لافت للنظر:

  • التدرج في اكتساب اللغة العربية من الاستعمال الشفهي أولا، في المستويين الأول والثاني سواء في دروس اللغة المباشرة أو خلال حصص اللغة العربية، أو من خلال استعمال اللغة العربية الفصحى في باقي المكونات الدراسية، إلى الممارسة القرائية في المستويات الأخرى.
  • التدرج في الأنشطة الديداكتيكية من حيث المضمون، من الملموس تبعا لمعطيات محيط المتعلم الذي له معنى في أذهان المتعلمين والمتعلمات، وانطلاقا من خبراتهم السابقة إلى مضامين تتسم بالتجريد عند تناول مفاهيمها وقيمها. ومن حيث تقنيات التنشيط، يجب أن تتنوع عبر المستويات وتناسب طبيعة نموه الحس حركي (اللعب، التشخيص..).                                                                   
  • التدرج الأفقي في المستوى الواحد من مجالات تنطلق من محيط المتعلم إلى عالم الابتكار والأسفار والرحلات.. مرورا بتناول أنواع من القيم تشكل أساسيات في التنشئة (العلاقات، الصحة، البيئة والإنتاج...)
  • التدرج في تمرير الظواهر الأسلوبية والتركيبية والصرفية والإملائية. الموظفة ضمنيا في النسق اللغوي التعبيري ضمن مكون واحد. في السنتين الأولى والثانية كفراغ، والمنفصلة المصرح بها وبالقواعد الضابطة لاستعمالها في السنوات الأربع للسلك المتوسط. على أن هذا التصريح نفسه يتدرج من التحسيس والتلمس فالاكتساب إلى الترسيخ والتعميق.

بالإضافة إلى اعتماد مبدأ التخفيف (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي: ص 76) في عدد من فقرات البرنامج، دون أن يمس ذلك بتحقيق القيم والكفايات المحددة لهذه المرحلة. ناهيك عن مبدأ التكامل (وزارة التربية الوطنية، المرجع نفسه: ص 76) الداخلي بين مكونات مادة اللغة العربية، الذي يتحدد وفق مستويين أساسيين هما: مستوى البناء الهيكلي لحصص مختلف مكونات المادة عبر الأسابيع الثلاثة للوحدة، ومستوى المجال الذي تتمحور حوله مختلف دروس الوحدة.

وتجدر الإشارة في هذا المقام، إلى أنه قد تم الارتكاز في بناء المنهاج على مقاربة تتطور خلالها الكفايات الاستراتيجية والتواصلية والمنهجية والثقافية والتكنولوجية. بما يجعلها تمثل كلا يستجيب لحاجات المتعلم.

ولتحقيق هذه الكفايات. تم تحديد مجالات ومكونات وحدة اللغة العربية، مع الوعاء الزمني المناسب. والتي تتلخص في المرحلة الختامية-المرحلة التي تهمنا في هذا البحث– في المكونات التالية (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض: ص 33):

أ) – القراءة.

ب) – التراكيب.

 ج) – الصرف والتحويل.

 د) – الإملاء.

 ه) – الشكل.

 و)– الإنشاء.

فمكون القراءة يعتبر من المكونات الأساسية في الحقل التعليمي. وانسجاما مع الاختيارات البيداغوجية العامة والمقاربة بالكفايات، يتبين أن الكفاية النهائية التي يحققها المنهاج، تتركز في جعل المتعلم قادرا على التعبير بكل دقة ووضوح، شفويا أو كتابيا في وضعية تواصلية دالة معتمدا على نصوص وموظفا لرصيده اللغوي ومكتسباته في التراكيب والصرف والتحويل وأساليب السرد، والوصف، والحوار، والحجاج (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض: ص 33).

من خلال هذه الكفاية النهائية التي يروم تحقيقها المنهاج، نستشف أنه يربط بين القراءة والكتابة، ويعتبر القراءة سبيلا لتحقيق الكتابة في إطار ثنائية "التلقي" و"الإنتاج". فأنشطة الوحدة كما مر بنا تتأسس على الممارسة القرائية، والمتعلم لا يلج عالم الكتابة إلا عن طريق القراءة وبواسطتها، خاصة وأن المهارات المقترحة في هذا المستوى لا تتم إلا بالانطلاق من النصوص (محمد أولحاج، بيداغوجيا القراءة والتعبير: ص 7).

لذا تشكل عمليات قراءة النصوص مجالا خصبا من مجالات التربية والتعليم، ذلك أن قراءة النصوص، والقدرة على تحليل مضامينه، وعرضها، ومناقشتها، من أبرز محاور العملية التعليمية. فهي تشكل مناسبة ثمينة لتشغيل التلاميذ وجعلهم أكثر فعالية، قادرين على المشاركة في سير الدرس وبنائه.

وبما أن التعلم لا يتأسس من فراغ، فإن ذلك يفضي إلى طرح التساؤلات الآتية:

  • ما الوسائل التي ينبغي أن يتوفر عليها المتعلم لكي يوظفها بطريقة فعالة في اكتساب مهارة القراءة؟ وما المعارف والمكتسبات والتقنيات التربوية التي يتطلب التوفر عليها قبل مباشرته لتعلم القراءة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، سنعمد إلى تحديد مفهوم القراءة.

تابع

إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية من خلال الوثائق الرسمية
Partager cet article
Repost0
17 octobre 2024 4 17 /10 /octobre /2024 00:09
تتمة//إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية من خلال الوثائق الرسمية

تتمة//إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية من خلال الوثائق الرسمية

Integrating modern technologies into educational curricula

د.عزيز عشعاش *  Dr:ACHACH Aziz

دراسة محكمة

*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية

تتمة

2.إدماج التكنولوجيات الحديثة في التعليم من خلال الوثائق الرسمية

1.2. التكنولوجيات الحديثة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين

لقد أوصى الميثاق الوطني للتربية والتكوين على ضرورة الانفتاح على التكنولوجيات الحديثة منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث أشار في الدعامة التاسعة (وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين: ص 51) الخاصة بتدريس اللغات إلى الانفتاح على التكنولوجيا المتطورة، باعتماد الاستراتيجيات الأكثر تطورا لتعليم اللغات بما في ذلك الدروس المتعددة الوسائط. ولم يكتف الميثاق بذلك آنذاك، بل خصص الدعامة العاشرة (وزارة التربية الوطنية، المرجع نفسه: ص 54-55) كلها للتكنولوجيات الحديثة تحت عنوان "استعمال التكنولوجيات الجديدة للإعلام والتواصل"، وحدد بعض الأبعاد المستقبلية لها ولبعض سبل استثمارها.

يظهر أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين كان مستشرفا لعمليات التغيير هاته حين تحدّث عن التوظيف الأمثل للموارد التربوية، أي الموارد الرقمية أو المضامين الرقمية كما تسمّى حاليا. لكنه لم يتحدث عن الإدماج الفعلي آنذاك، وهذا أمر طبيعي في بداية أي تغيير، لأن الإدماج الفعلي لا يتأتى إلا بعد الاستبدال والارتقاء ثم التعديل وإعادة هندسة الوضعية التعليمية التعلمية في مجملها (عزيز جناني، المنهاج التعليمي والرقمنة: ص 108)، وهو ما يتطلب سنوات من العمل، دون إغفال التعميم الذي يتطلب أيضا استثمارات ضخمة على مستوى القطاع.  

2.2. التكنولوجيات الحديثة في برنامج GENIE:

يعد برنامج GENIE لتعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم بالمغرب أحد المشاريع المهيكلة للورش الوطني "المغرب الرقمي 2023" الذي يهدف إلى تحسين التعلمات بواسطة استعمال هذه التكنولوجيات باعتبارها معينات ديدكتيكية من قبل المدرس، ثم إلى امتلاك المتعلمين لإدماجهم في المجتمع الرقمي، ومن ثمة جعل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات محركا للتنمية البشرية: وجعل المغرب في قلب المنظومة التكنولوجية الجهوية.   يرتكز هذا المشروع على خمسة محاور: التجهيز والبنية التحتية، والتكوين، وتوفير الموارد الرقمية، وتطوير استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم وتقريب فريق القيادة من المستعملين لهذه التكنولوجيا عبر فرق جهوية ومحلية (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات: ص 03).

يظهر أن مشروع برنامج GENIE كان مستشرفا لعمليات التغيير، واعيا بأهمية التحكم في التكنولوجيات الحديثة واستيعاب ما ينجم عنها من تغيير في أساليب العمل، بحيث جعل من أهمية إدماج تكنولوجيات الحديثة من الأهداف المركزية له، متطلعا لأن يكون بكل مؤسسة تعليمية فضاء متعدد الوسائط يتيح إنتاج وتعميم موارد رقمية ذات محتويات تربوية، ووضعها رهن إشارة المتعلمين إيمانا بأن تكنولوجيا الإعلام تشكل رافدا من روافد التعليم والتعلم الذاتي. لكن مع الأسف رغم الجهود التي بذلت والأرقام المسجلة بهذا الصدد، فإن المشروع لم يتسن له الانتقال من محطات التجهيز والتكوين لتوفير الموارد الرقمية والتفكير في سيناريوهات إدماجها في المناهج التعليمية ومن ثم إلى الكتب والأنشطة التعليمية.

 بعنايته بتعميم هاته حين تحدّث عن التوظيف الأمثل للموارد التربوية، أي الموارد الرقمية.

3.2. التكنولوجيات الحديثة في الرؤية الاستراتيجية:

تطرقت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 إلى التكنولوجيات الحديثة في التربية والتكوين بشكل أكثر انفتاحا وعمقا، حيث جاء ذكرها من موضع، كما جعلت الانخراط في مجتمع المعرفة والعلم والإبداع والابتكار والتكنولوجيات الحديثة من بين مبادئها الأساسية إلى جانب الثوابت الدستورية للأمة المغربية واعتبار منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي رافعة للتنمية المستدامة (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015- 2030: ص 8).

أصبحت المدرسة اليوم مطالبة بفتح ورش وازن يهم الانخراط في اقتصاد ومجتمع المعرفة، وحددت الرؤية لذلك أربعة مداخل، أولها مدخل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. واعتبر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن إدماج التكنولوجيات في المدرسة يمثل اليوم شرطا حاسما لتجديدها والارتقاء بها، من أجل ذلك دعا إلى ضرورة العمل على استكمال تجهيزات المؤسسات التعليمية بالقاعات المتعددة الوسائط وربطها بشبكة الأنترنيت وتزويدها بالموارد الرقمية المفيدة في موضوع التكنولوجيات الحديثة في التربية والتعليم والتكوين من مختلف جوانبه، في علاقة بالمناهج والبرامج التربوية، دون إغفال الجوانب المصاحبة كالتكوين والتحفيز والتحسيس بأهمية هذه التكنولوجيات في إصلاح المدرسة المغربية، وخلق المراكز الجهوية المتخصصة وتشجيع المقاولات الفاعلة في المجال.

وقد أكدت الرؤية على محدودية المردودية الداخلية للمدرسة، متجلية أساسا في عدة مظاهر من بينها الولوج المحدود للتعلم عبر التكنولوجيات التربوية (المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المرجع نفسه: ص 5). اقترحت من أجل تعزيز هذه التكنولوجيات مجموعة من التدابير، فعلى مستوى الرافعة الثانية عشر جاء الحديث عن تطوير النموذج البيداغوجي الحالي.

إن تطوير النموذج البيداغوجي، لا يمكنه أن تم بعيدا عن البرامج والمناهج الدراسية بشكل عام لأنه يمثل أساس بناء المنهاج وملاءمته لحاجات المتعلمين ومتطلبات مجتمع الحاضر والمستقبل. فإلى جانب المراجعة المنتظمة في إطار النموذج البيداغوجي الجديد للمناهج والبرامج والتكوينات وفق معايير الجودة والارتقاء بالعلاقة التربوية والممارسات التعليمية، تمّ التأكيد على ضرورة تعزيز إدماج الوسائل والوسائط التعليمية والموارد التكنولوجية وإعداد استراتيجية وطنية جديدة لمواكبة التطورات الرقمية والاستفادة منها في تطوير المؤسسات. كما أن الرؤية الاستراتيجية في هذا الباب أكدت على أن تعزيز هذا الإدماج يجب أن يكون بشكل خاص على مستوى المناهج والبرامج والتكوينات منذ المراحل الأولى من التعليم، بإدماج البرمجيات التربوية الإلكترونية، والوسائل التفاعلية والحوامل الرقمية في عمليات التدريس، دون إغفال الدعم المدرسي من خلال الحث على تنويع أساليبه، عن طريق التلفزة المدرسية، وتيسير التمكن من التكنولوجيات العصرية، وإدماج أساليب التعليم عن بعد على المدى البعيد.

3.3. التكنولوجيات الحديثة في مستجدات المنهاج التعليمي 2021:

على غرار الرؤية الاستراتيجية، تمّ تبني الخطاب التجديدي على مستوى إدماج التكنولوجيات الحديثة في المنهاج الجديد في أكثر من موضع، حيث تمّ في الإطار التوجيهي العام اعتبار الرقمنة تحت مسمّى تكنولوجيا الإعلام والاتصال وسيلة من بين وسائل تصريف البرامج الدراسية، شأنها شان طرائق التدريس والكتاب المدرسي ...

فبالنسبة للمنهاج، تعد الموارد الرقمية وأدوات تكنولوجيا المعلومات والتواصل معينات ومحفزات للفضول المعرفي لدى المتعلم، كما تلعب دورا مهما في التخطيط للأنشطة المكملة، وفي الدعم، وفي جعل أنشطة المتعلمين تتم مباشرة على حواسيب ووسائط رقمية، سواء داخل القاعات متعددة الوسائط أو باستعمال اللوحات اللمسية والأدوات التكنولوجية المتوفرة (وزارة التربية الوطنية، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، ص 29-30).

أما على مستوى البرامج الدراسية، فقد تمّ تنظيمها وفق ثلاثة مجالات كبرى مجال اللغات، ومجال الرياضيات والعلوم، ومجال التربية على السلوك المدني، فقد تمت الإشارة إلى الاستعانة بالوسائل السمعية البصرية والموارد الرقمية كوسائل مساعدة ومعينات ديدكتيكية في تدريس اللغة العربية. كما أن تقوية التعلمات، رهين بتبني مدرسي اللغة الفرنسية لمقاربة تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والتواصل والأنشطة المدمجة، لأن الاعتماد على مثل هذه الوسائل بشكل جيد وبفعالية في بيئة لغوية غنية ومحفزة، من شأنه أن يساعد المتعلمين على الانفتاح وتعلم اللغة الوظيفية بشكل ملائم وآمن (وزارة التربية الوطنية، المرجع السابق، ص 108).

وبالنسبة لمجال الرياضيات والعلوم، فقد تمت الإشارة إلى الوسائل الرقمية في إطار مبدأ توظيف الوسائل الديدكتيكية، حيث تم اعتبار الموارد التربوية الرقمية ذات طبيعة مكملة في نفس الوقت وسائل أساسية في تدريس الرياضيات وتعلمها من خلال إمكانية استثمارها في تنويع طرائق التدريس ودعم العملية التعليمية التعلمية بإغناء مضامين ومنهجيات الكتب المدرسية. أما فيما يخص النشاط العلمي، فقد تمّ تخصيص فقرة مستقلة تحت عنوان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تمّ فيها التركيز على الدور البارز للحواسيب والوسائط الرقمية في مساعدة المتعلم على الإدراك الحسي وتقريب الواقع إليه، وخاصة عند تدريس المفاهيم العلمية المجردة أو التي لا يسمح الكتاب المدرسي والصور الجامدة بإبراز ما تتضمنه من تفاعلات، مما يسمح بالفهم الصحيح للمفاهيم والظواهر العلمية وتملكها (وزارة التربية الوطنية، المرجع السابق، ص 189).

بخصوص مجال التربية على السلوك المدني، اعتبر المنهاج التعليمي الوسائل المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والتواصل والتعلم الإلكتروني دعامات تربوية رقمية، كما ذكر بعض الأمثلة لها في تدريس الاجتماعيات مثل الخطوط الزمنية التفاعلية والخرائط الصماء التفاعلية والأفلام والصور المتحركة (وزارة التربية الوطنية، المرجع السابق، ص 219).

4.3. إشكالات إدماج تكنولوجيا المعلومات والتواصل في المنهاج التعليمي للتعليم الابتدائي:

بالرغم من أن المنهاج التعليمي تطرّق للوسائل التكنولوجيا في مختلف أقسامه؛ في الإطار التوجيهي العام وأيضا في البرامج المتعلقة بكل مجال على حدة، حيث يمكن اعتبار هذا الأمر نقطة مهمة، لكون تخصيص فقرات خاصة بهذه الوسائل والدعامات في كل جزء من المنهاج، يبرز مدى أهميتها ، كما يظهر بشكل ضمني قيمتها المضافة على مستوى عمليات التدريس والتعلم.

لكن، تميّز ذكر التكنولوجيات الرقمية - كما جاء في أكثر من موضع - بطابع عام وبسيط، حيث تمّ التركيز على أهميتها تارة والتذكير ببعض أنواع وسائلها تارة أخرى في شكل عموميات بعيدة عن كل ما هو عملي إجرائي، وفي غياب لكل رابط بينها وبين مكونات البرامج الخاصة بكل مجال أو مادة دراسية. كما أن عدم الربط بين مكونات البرامج الدراسية وطبيعة الموارد البيداغوجية الرقمية الملائمة سيجعل دعم الكتب المدرسية بالتكنولوجيات الرقمية صعبا، وسيفرض إعادة النظر في دفاتر التحملات الخاصة بالكتب المدرسية، بتحيينها وتضمينها بمعطيات دقيقة حول الموضوع، تسهيلا لعمليات التأليف التي أصبحت في ظل الوضع الجديد، تستدعي توسيع تدخلات المتدخلين، وتكوين فرق عمل جديدة، تضم إلى جانب المتخصصين في الديدكتيك والبيداغوجية، متخصصين في التطوير المعلومياتي ومهندسي نظم تعليمية تفاعلية.

  • على المستوى المنهجي، فقد تمّ اعتبار التكنولوجيات الرقمية مكملات وداعمات لعمليات التعليم والتعلّم، كما تمّت الإشارة إلى دورها في إبراز المعارف وإثارة الفضول المتعلّم وشدّ حواسه التي تعتبر المنافذ الأساسية لكل تعلم. بالمقابل، لم يتطرق المنهاج إلى دور هذه الوسائل في عمليات التقويم المختلفة، مرورا بموضعها في صياغة السيناريو البيداغوجي للإدماج.

إن تعدد الموارد البيداغوجية الرقمية وتنوع طبيعتها التقنية والبيداغوجية، تفرض علينا إبراز مختلف جوانبها، سواء تعلق الأمر بأنواعها، صور متحركة أو شريط فيديو أو برامج تجريبية، مع تبيّن الفرق بينها ودور كل منها في بناء المعرفة حسب طبيعة الوضعية التعليمية التعلمية والمستوى المعرفي المستهدف (عزيز جناني، دراسات بيداغوجية: ص 111 – 112).

  • على مستوى المفاهيم:

تنقيح المنهاج وتطويره كان مناسبة لتحديد المفاهيم المرتبطة بالمجال، وهو ما غاب عن هاته النسخة الجديدة، حيث تمّ الحديث التكنولوجيا الرقمية تارة تحت مسمى تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وتارة أخرى تحت مسمى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. والظاهر أن الفرق بينهما جلي، فالإعلام كما جاء في قاموس اللغة العربية المعاصرة، يعني مصدر أعلم، أي نشر بواسطة الإذاعة أو التّليفزيون أو الصّحافة. أما تكنولوجيا الإعلام فتعني مختلف الأجهزة الإلكترونية والبرمجيات الرقمية الخاصة بمجال البث الإذاعي والتلفزي ومجال الصحافة بمختلف ألوانها الورقية والإلكترونية، وهو بذلك يعتمد على المعلومة في إطار وظيفة إخبارية بالدرجة الأولى، بخلاف مجال التربية والتعليم الذي يعتمد بدوره على المعلومة كمادة خام لبناء المعرفة، لكن في إطار وظيفة تواصلية وتفاعلية في الاتجاهين (عزيز جناني، المرجع نفسه: ص 113).

 أما عن كلمة اتصال أو اتصالات، فهي ذات دلالة تقنية لها علاقة بوسائل الاتصال، التي يمكن أن تكون سلكية أو لا سلكية كما يمكن أن تكون إلكترونية أو رقمية. فالاتصال لا يضمن تواصلا، كما أن الإعلام بمختلف أنواعه يبث وينشر الأخبار بشكل متواصل دون أن يهتم بالجانب التواصلي مع مختلف الشرائح الاجتماعية والأفراد والمجتمع. بخلاف مجال التربية والتعليم، لا يقتصر الأمر فيه على الاتصال عبر الوسيلة فقط، بل يتعدى هذه الصورة التقليدية للتعليم إلى خلق التواصل الفعال والهادف والباعث على التعلم الذاتي. بناء على ذلك نقترح تسمية التكنولوجيات الرقمية في مجال التربية والتعليم، وفق هذا المنظور، بتكنولوجيا المعلومات والتواصل، عن طريق هذه التسمية، نكون قد ساهمنا في إبراز الجانب الوظيفي لهذه التكنولوجيات في إطارها المدرسي الجديد (عزيز جناني، المرجع نفسه: ص 113).

  1. إدماج التكنولوجيات الرقمية في البرامج التعليمية:

يعتبر البرنامج الدراسي جزءا من المنهاج، وعلى مستواه يتم تحديد الغلاف الزمني والمحاور الكبرى والمواضيع التي يجب تدريسها، كما يحدد البرنامج مختلف الكفايات والأهداف التعليمية، وغالبا ما يأتي البرنامج مسبوقا بالتوجيهات التربوية الخاصة، تحدد المبادئ والضوابط الخاصة، وتقترح بعض المنهجيات والوسائل. يمكن إدراج التكنولوجيات الرقمية على مستوى البرنامج الدراسي حسب طبيعة المكون، وهذه بعض الأمثلة:

1.4. في مجال اللغات:

مكون الاستماع والتحدث، جاء في البرنامج الدراسي، استثمار حكاية مرتبطة بالمجال خلال أسبوعين (تُدرج في دليل الأستاذ/الأستاذة، وتقدم صورها في كتاب المتعلم/ المتعلمة). بما أن المكون هو الاستماع والتحدث، الذي من بين أهدافه تَعرّف النموذج الصوتي السليم، وتنمية الفهم السماعي، والرصيد اللغوي، والتعبير الشفهي، يمكن دعم هذا المكون من خلال إضافة الملف الصوتي للحكاية، كمحتوى صوتي مصاحب لدليل الأستاذ/ الأستاذة، ولصور الكتاب المدرسي للمتعلم/ للمتعلمة، يتم توفيره في نسخة رقمية عبر موقع إلكتروني خاص بالبرامج الدراسية، وتطويره لهذا الغرض لتنزيل الملفات حسب المكونات والمجالات واستثمارها خلال الحصص الدراسية وخارجها من قبل المتعلمين. بالنسبة لمكون القراءة للمستويات الصغرى، يمكن دعم الأناشيد الخاصة بالحروف كلها بملفات صوتية رقمية مصحوبة بموسيقى، تساعد المتعلّم على تذكر الحروف وتنمّي عنده الحس والذوق الفني (عزيز جناني، المرجع نفسه: ص 118).

2.4. إدماج التكنولوجيات الرقمية في الكتب المدرسية:

إذا اعتبرنا البرنامج الدراسي الجزء المحدد لمختلف الكفايات والأهداف التعليمية الخاصة بكل مستوى دراسي، الغلاف الزمني والمحاور الكبرى والمواضيع التي يجب تدريسها في مادة دراسية، فالكتاب المدرسي يمثل الحلقة المهمة التي مستواها يتم الربط بين مكونات البرنامج  الدراسي والمحتويات والمضامين المعرفية، بُغية الوصول إلى الأهداف والكفايات المنشودة، فه صورة الملموسة للبرنامج الدراسي القابلة للاستثمار المباشر في إطار وضعيات تعليمية تعلمية، والوعاء الذي يحتوي المادة التعليمية التي يُفترض فيها أنها الأداة التي تستطيع ان تجعل التلاميذ قادرين على بلوغ أهداف المنهاج المحددة سالفا.

عملية إدماج التكنولوجيات الرقمية في الكتاب المدرسي تختلف تماما عن نظيرتها على مستوى البرنامج الدراسي، يُعتبر هذا الأخير المرجع والأساس، أما الكتاب المدرسي فيتعدد بالنسبة للمستوى الدراسي الواحد، كما يختلف ويتنوع من حيث محتواه ومضامينه. هذا الأمر يفرض ربطها بالأهداف التعليمية كما هو الحال بالنسبة للبرنامج الدراسي. إن عملية إنتاج الكتاب المدرسي يجب أن تتطور وتنفتح على الرقمنة الحديثة بإنتاج نظيره الرقمي التفاعلي كداعم أساس للنسخة الورقية، يمكن للصفحة الواحدة في الكتاب المدرسي الرقمي الحديثة أن تضم عشرات الموارد الرقمية المتنوعة، فيديوهات أو أشرطة صوتية أو صور، بالإضافة إلى تمارين تفاعلية ومتحركات ومحاكيات، كما يمكن أن تضم الصفحة الواحدة في هذا النوع من الكتب روابط لملفات أخرى داعمة للمحتوى، كما يمكن أن يُوفر أدوات رقمية خاصة بالمدرس كأدوات السبورة التفاعلية التي تتيح إمكانية الكتابة أو الرسم على الصفحة والتحكم في المحتوى بتكبير حجمه أو مسحه أو نقله من مكان على مكان آخر على السبورة،  أو رسم أشكال هندسية أو إدراج محتويات رقمية جديدة إلى الصفحة الرئيسة، ما يجعل المحتوى التعليمي غنيا ومتنوعا.

في هذا الجانب، تقدم نموذج بعض دور النشر العالمية التي لها خبرة في هذا المجال منذ عقد من الزمن، ويتعلق الأمر بدور النشر الفرنسية Nathan وBordas وغيرها ممن ينتجون النسخ الرقمية التفاعلية للكتب المدرسية الموجهة للمدرس والتلميذ معا، وكذلك الحال بالنسبة لدور نشر عالمية أخرى مثل Pearson الإنجليزية، التي لم تكتف بتوفير الكتب المدرسية الرقمية فحسب، بل وضعت رهن إشارة المتعلمين برنامجا عبر الـأنترنيت، يمكنهم من إنتاج كتبهم التفاعلية الخاصة بهم، بتجميع أنشطتهم المدرسية وأعمالهم الإبداعية وإنتاجاتهم خلال السنة الدراسية في شكل كتب رقمية تفاعلية، يتم وضعها في مكتبة افتراضية خاصة بكل متعلم(عزيز جناني، المرجع نفسه: ص 119 - 120).

خاتمـــــــة:

يكمن التحدي بالنسبة إلينا في ملاءمة المنهاج التعليمي لحاجات تلاميذنا ومتطلبات مجتمعنا الذي يتغير بسرعة كبيرة، وتأهيله ليتضمن منهاجا رقميا بحسب ما يفرضه السياق الجديد. فالتكنولوجيات الرقمية لم تعد في كثير من الدول المتقدمة مجرد وسائل أو بدائل، بل أضحت أدوات عمل أساسية بالنسبة للمدرسين والمتعلمين على حد السواء، خصوصا في الأنظمة التعليمية المنفتحة على التعلم الحر، والتعلم عن بعد. غير أنها لازالت لم تتوطن بعد في نظامنا التعليمي وسط هاته المتغيرات المتسارعة.

لكل هذا لابد لنا من طفرة على مستوى الممارسات الصفية، حتى نتمكن من مسايرة هذه المتغيرات. وذلك عن طريق تجديد الحوامل المعرفية، وتأهيل المدرسين علميا وعمليا، بالانفتاح على العلوم التكنولوجية وكيفيات توظيفها بيداغوجيا وديدكتيكيا في تكويناتهم الأساسية والمستمرة. والإسراع في استثمار الجهود التي بذلتها الوزارة في إطار برنامج جيني لتعميم استعمال تكنولوجيا المعلومات والتواصل في التعليم منذ أكثر من عقد من الزمن، بالانتقال إلى مرحلة جديدة في إطار الدينامية التي يعرفها القطاع، من خلال دمج تكنولوجيات الحديثة في شكل منهاج رقمي متناغم مع المنهاج التعليمي، يُبرزُ الجوانب العملية والعلمية لهذا الدمج وفق تصور متناغم عوض الاقتصار على الإشارة إليها بين الفينة والأخرى بشكل عام غير واضح.

المصـــادر والمراجـــع:

  • المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المملكة المغربية.
  • جماعة من المؤلفين، مجلة دراسات بيداغوجية، المنهاج التعليمي: من البنية إلى الوظيفة، العدد السادس، دار أبي رقراق، الرباط، دجنبر 2019.
  • المذكرة الوزارية رقم 66 بتاريخ 28 أبريل 2011، في شأن استعمال الموارد الرقمية في التعلمات.
  • الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، مطبعة المعارف الجديدة – الرباط، 2009.
  • ابن منظور، لسان العرب.
  • أحمد علبي، المنهجية في البحث الأدبي، دار الفرابي، الطبعة الأولى، بيروت 1999.
  • بلكبير محمد، وجديد عبد العزيز وآخرون، مصوغة تكوينية حول بيداغوجيا الكفايات، صيغة أولية يوليوز 2003؛
  • خالد المير وإدريس القاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك، سلسلة التكوين التربوي، العدد 3، مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء، طبعة 1422-2001.
  • خالد المير وإدريس قاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك، إشراق سلسلة التكوين التربوي، العدد 3، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، طبعة 1422-2001؛
  • عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجية والديداكتيك، مطبعة النجاح الجديدة -الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 2001.
  • عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، معجم علوم التربية-مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء، الطبعة 2001؛
  • محمد الدريج، تطوير مناهج التعليم، معايير علمية.. متطلبات الواقع..أم ضغوط خارجية؟، سلسلة المعرفة للجميع، العدد 32، سبتمبر 2005م؛
  • محمد أولحاج، بيداغوجيا القراءة والتعبير، منشورات صدى التضامن، الطبعة الأولى، 2005؛
  • المركز الوطني للتجديد التربوي والتجريب، الكفايات المتعلقة بسلك التعليم الابتدائي، منشورات وزارة التربية الوطنية، يوليوز 2009،
  • وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تدريس مادة اللغة العربية بالتعليم الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي، المختبر الوطني للموارد الرقمية، الطبعة الأولى، 2013.
  • وزارة التربية الوطنية، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الدعامة التاسعة، المملكة المغربية، 1999.

 

تتمة//إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية من خلال الوثائق الرسمية
Partager cet article
Repost0
10 octobre 2024 4 10 /10 /octobre /2024 18:59
تحفيز الموارد البشرية: من حاجات الذات إلى سياقات الفعل

تحفيز الموارد البشرية:

من حاجات الذات إلى سياقات الفعل

د. محمد كنوني*     

دراسة محكمة

*باحث  في علم الاجتماع ، أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بالمديرية الاقليمية ببمكناس ستاكلية الآداب والعلوم الإنسانية- ظهر المهراز-، جامعة سيدي محمد بن عبد الله المغرب.

 socioacteur@gmail.com

ملخص

نهدف في هذه المقالة إلى صياغة تصور تدبيري للموارد الموارد البشرية، وذلك من منطلق فهم دوافع الفعل وأنماطه لدى الفرد، ومداخل التأثير عليه، بهدف البحث عن الإجراءات التدبيرية الكفيلة بتمكين المسيرين داخل المؤسسات الإنتاجية من توجيه سلوكيات العاملين، بالشكل الذي يجعلهم قادرين على الإسهام بفعالية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لهذه المؤسسات. وقد اعتمدنا على مقاربة التحفيز بناءً على ثلاثة أجيال من النظريات، وخصوصا تلك التي استقت نتائجها من الدراسات الميدانية المرتبطة بمفهوم بالحافزية. وخلصنا إلى أن تحقيق المؤسسات الإنتاجية لأهدافها رهين، ليس فقط  بتوفرها على موارد بشرية مؤهلة تمتلك القدرة والكفاءة على ممارسة العمل، بل على موارد بشرية محفزة.

كلمات مفتاحية: الحافزية؛ التنظيمات الإنتاجية؛ الانتماء الاجتماعي؛ العدالة التنظيمية؛ الموارد البشرية.

Abstract:

This article aims to renovate the management conceptualization of human resources, based on understanding the motives and patterns of individuals actions and the ways of influencing them. The main purpose is to structure practical measures to enable managers to act poroductively within institutions, and to guide the employees behaviors in a way that enables them to contribute effectively to the achievement of the institutions strategic goals. This research paper adopts the motivation approach based on three generations of theories, especially those that drew their findings from field studies related to the concept of motivation. As a result for successful productive organizations, they need not only qualified human resources who possess suitable abilities and competences to do the work, but they also need motivated human resources in the work place. 

Keywords: Motivation ; Productive organizations; Social affiliation; Organizational Justice; Human Resources.

مقدمة:

تعددت التحديات التي تُجابهها المقاولات في الوقت الراهن، نتيجة التغيرات التي أحدثتها الثورة الصناعية على نمو الاقتصاد العالمي من جهة، وظاهرة العولمة وما واكبها من انفتاح ثقافي واجتماعي واقتصادي ... من جهة أخرى، بالإضافة إلى اشتداد حدة المنافسة سواء على مستوى الإنتاج والتسويق. هذا فضلا عن التطور الهائل الذي هم تقنيات الإعلام والتواصل، مما دفع بالباحثين في مجال التدبير إلى تركيز جل اهتماماتهم على العنصر البشري، بغية فهم وتفسير سلوكه ومعرفة مختلف المحددات النفسية التي توجهه وتستثير نشاطه، وتخلق لديه الرغبة في العمل، وذلك من أجل تمكين إدارة الموارد البشرية من إيجاد الآليات الكفيلة لإثارة رغبات الأفراد وتوجيه سلوكياتهم بغية الرفع من أدائهم والارتقاء بإنتاجياتهم، خصوصا بعد الثورة التي أحدثتها تجارب هاوثورن لألتون مايو (Elton Mayo)، على مستوى التصورات التي كانت سائدة في الماضي، والتي كانت تربط فعالية الأداء لدى العمال بالمكافآت التي يحصلون عليها، وكذا بظروف وجودة بيئة العمل، معتبرة العملية التحفيزية بمثابة ظاهرة إنسانية بامتياز، وعنصرا حاسما في تحقيق الإنتاجية والمردودية داخل المقاولات، التي ترتكز بالأساس على الانخراط الإرادي الفعلي للأفراد في العمل.

 وقد أجمعت معظم الدراسات الحديثة في مجال التدبير على أن نجاح الاقتصاديات الأقوى في العالم غير مرتبط فقط  بقدرة الأفراد على العمل والتي يمكن تنميتها وتحيينها عبر عمليتي التكوين والتدريب، بل إنه رهين بالدرجة الأولى بمستوى الرغبة في العمل لديهم، هذه الرغبة التي تحفزهم وتوقظ الطاقات الكامنة لديهم، لا يمكنها أن تنبثق لدى الفرد إلا باعتماد أساليب إدارية مبنية على أسس علمية متينة، 

  1.  لماذا اهتمت المقاولات بالتحفيز؟

استأثر هذا السؤال باهتمام العديد من الباحثين والدارسين في منتصف القرن العشرين، مما مهّد الطريق لظهور العديد من الأبحاث والدراسات، التي حاولت البحث عن السبل والآليات الكفيلة بتحفيز الأفراد وإثارة الرغبة لديهم في العمل. مرسخة معادلة مفادها أنه كلما كان الفرد محفزا داخل التنظيمات، .لكن وبالرغم من عدم تطابق النتائج المحصل عليها من لدن الباحثين في مجال الحافزية ، فإنها توحدت على مستوى بعض الرؤى والتوجهات أهمها:

  • اعتبار الحوافز بمثابة قوة تحث الفرد وتدفعه للقيام بنشاط معين.
  • اعتبار التحفيز كشكل من أشكال القوة الدافعة، سواء كانت داخلية مرتبطة بما هو نفسي، أو جسدي بالنسبة للعامل، أو خارجية مرتبطة بالمحيط الخارجي للعامل، كالأجر والعلاقات الاجتماعية، وكذا نمط الإشراف وظروف العمل ووسائله وعدد ساعات العمل .
  1. ولادة نظريات التحفيز:

حاولت أبحاث وتجارب المدرسة الكلاسيكية وتيار العلاقات الإنسانية، فهم مرتكزات وأسس العملية التحفيزية، بدءا من التنظيم العلمي للعمل لفريديريك تايلور العضو البارز في الاتجاه الكلاسيكي، الذي يرجع له الفضل في وضع الأسس واللبنات الأولى للنظريات المستقبلية للعملية التحفيزية مبرزا فيها دور المكافآت المادية الحاسم في تحفيز العاملين داخل المقاولات، فالفعالية الفردية التي تترجمها الزيادة في الإنتاج، تجد ما يبررها في نظره في الرغبة الفطرية للأفراد ونزعتهم نحو الربح المادي. وقد اُعتبرت هذه النظرية التي وجّهت عملية التدبير في هذه المرحلة عدة نقائص ومواطن ضعف وقصور، خصوصا عندما طفت على السطح  ظواهر جديدة أثرت سلبا على العملية الإنتاجية برمتها "فرغم توفر الشروط المادية والمزايا الاجتماعية المرتفعة (أجور مرتفعة، توفر الإطعام في المقاولة، خدمات للصحة والتوجيه ... إلخ)، ورغم رضا الأجراء على الرواتب التي يتقاضونها، فإن مؤشرات غياب التحفيز داخل المقاولات ظلت متعددة أبرزها، الغياب، الكسل، تردي جودة المنتوج"[1]  الأمر الذي سرع بظهور نظريات جديدة أطلق عليها اسم "تيار العلاقات الإنسانية".

يُعدّ التون مايو (Elton Mayo ) من أبرز مؤسسي تيار العلاقات الإنسانية، وقد اعتمد في بلورة نظريته هذه على عدة تجارب ميدانية، أهمها تجارب هاوثورن (Hawthorn)[2] حول جماعة العمل وتطور إنتاجية العمال، منطلقا في إنجازها من تعديل  بعض شروط العمل (مدة العمل، الإضاءة، العطل ... إلخ) أو نظام المكافآت، ومقارنتها مع إنتاجية المجموعة الشاهد groupe témoin، حيث لاحظ استمرار ارتفاع الإنتاجية سواء كانت التعديلات المعتمدة سلبية أو إيجابية، وقد مكنته هذه التجارب الميدانية من التوصل إلى خلاصة هامة مفادها أن "لجماعة العمل والعلاقات البين فردية -غير الرسمية- داخل التنظيم تأثيرا كبيرا على سلوك العمال وعلى إنتاجيتهم في العمل كذلك"[3].

  1. تعريف التحفيز والحوافز:

تعددت تعاريف مفهوم التحفيز بتعدد وجهات النظر الدارسين والباحثين حول مستوى العنصر البشري لصنع الفارق داخل المؤسسات الإنتاجية، وذلك بغية إيجاد طرق وأساليب جديدة كفيلة لتحفيزه داخلها، حيث عرّف  Alain Meignantالتحفيز بكونه "مجموعة من العوامل التي تدفع الفرد لاختيار التصرف المناسب لتحقيق الهدف"[4]، بمعنى أن إثارة رغبة الفرد لبلوغ هدف ما، يحتاج إلى  دوافع تحفزه على تبني سلوك أو تصرف معين لتحقيقه، فهي  بمثابة الوسائل المتاحة في البيئة المحيطة بالفرد، التي تمكنه من توجيه سلوكه واستثارة رغبته نحو إنجاز العمل بفعالية، وذلك بغرض إشباع حاجاته أو درء الأضرار عنه. كل هذا جعل منها " أهم محدد لسلوك الأفراد في العمل، لكونها تؤثر على إنتاجيته، مما ينعكس إيجابا على مردودية المؤسسة"[5].

فالتحفيز باعتباره ظاهرة إنسانية هو "بمثابة طاقة تحدد شكل السلوك"[6] حسب "Porter"  و"Lawer ". و"سيرورة تحث الإرادة على إنجاز مهام أو تحقيق هدف معين، حيث تحددها ثلاثة عناصر، وهي بذل المجهود، تدعيمه من أجل تحقيق الهدف، وتخصيص الطاقة الضرورية لبلوغه".[7] حسب " C. Lévy-Leboyer. فيما أرجعه "Pander" إلى "مجموعة من القوى الطاقية التي تنبثق من داخل الكائن الإنساني، وكذا من محيطه لاستثارة السلوك المرتبط بالعمل لديه وتحديد شكله ووجهته وكذا شدته ومدته". بينما اعتبره كل من  "Vallerand و Thill" " تصورا يهدف إلى وصف القوى الخارجية والداخلية، التي تساهم في تفجير إرادة وتوجيه السلوك، وخلق الإصرار على تبنيه"[8].

أما الحوافز فقد اعتبرها Alain Meignant على أنها مجموعة من العوامل التي تدفع الفرد لاختيار التصرف المناسب لتحقيق الهدف"[9]، أي أن إيقاظ رغبة الفرد في تحقيق هدف ما، يتطلب مجموعة من العوامل التي تقوده وتدفعه إلى التصرف بالشكل الأنسب لتحقيقه، وهذا ما أكده أحمد ماهر حين خلُص إلى كونها "الوسائل المتاحة في البيئة المحيطة بالفرد، والتي تمكن من توجيه سلوكه واستثارة رغبته للقيام بعمل محدد أو الابتعاد عن فعل معين، وذلك بغرض إشباع حاجته أو تجنب ضرر حتى يتم تحقيق أهداف المؤسسة، ورفع مستوى أدائها"[10].

من خلال التعاريف السالفة الذكر يتضح بشكل جلي أن التحفيز يشكل القوة الدافعة التي تحرك طاقة الفرد، من أجل بذل مستوى معين من المجهودات، وذلك لتحقيق هدف أو أهداف تنظيمية محددة، فهو يعكس درجة الرغبة والحماس لديه لإنجاز عمل ما، حيث تتحكم فيها جملة من المؤثرات-الحوافز أو الدوافع-، هي التي تدفعه إلى بذل جهد أكبر وتنفيذ أمثل للمهام، بجدية وكفاءة عالية، وقد عبر عنها علي السلمي بكونها تلك "الإمكانيات المتاحة في البيئة المحيطة بالشخص، والتي يمكن الحصول عليها واستخدامها لتعويض النقص في إشباع حاجاته"[11] .

  1. كيف يمكن تحقيق الإنتاجية بتعديل شروط عمل الأجراء؟

إن دراسة متأنية للمقاربات النظرية التي حاولت سبر أغوار العملية التحفيزية، جعلتنا ندرك بشكل واضح، أنها انطلقت في مجملها من البحث عن أسباب التحفيز، وانتقلت بعد ذلك إلى البحث عن الطرق والآليات المثلى لتحقيقه. وقد مرت هذه النظريات خلال مراحل تشكلها من ثلاث محطات أساسية، يمكن تقسيمها إلى ثلاث أشكال من النظريات وهي نظريات الجيل الأول والثاني والثالث.

  1. نظريات التحفيز

1.5. نظريات الجيل الأول                            

ارتكزت نظريات الجيل الأول للتحفيز على البحث في أسباب ومصادر التحفيز الإنساني، وذلك من أجل خلق ظروف موضوعية مواتية في بيئة عمل الفرد يمكنها المساهمة في تحفيزه وخلق الدافعية لديه، فمعرفة مسبباته والسعي إلى تحقيقها كفيل بتحسين أداء ومردودية العاملين، وقد ارتكز هذا الشكل من النظريات على أن التحفيز داخل المؤسسات الإنتاجية يستوجب ما يلي:

  • إشباع الحاجات الفردية بشكل أفضل (ابراهام ماسلو).
  • إعمال المقاربة التشاركية في اتخاذ القرار (ليكرت).
  • إغناء محتوى العمل (فريديريك هيزبرغ).

من خلال نظريات هذا الجيل نستشف أنها لم تركز في مقاربتها لمفهوم التحفيز على دوافعه فقط، بل أعطت الأولوية لطبيعة وشكل التنظيمات، لكون الاهتمام بالحاجات الإنسانية في نظرها يعد أمرا حتميا وضروريا لكل فعل تدبيري يروم إلى تحفيز الأفراد ودفعهم إلى الرفع من إنتاجيتهم وتطوير أدائهم، لكنه يبقى غير كاف في ظل صعوبة تحديد عوامل ثابتة للعملية التحفيزية نظرا لتعددها وتداخلها.

5-2 نظريات الجيل الثاني

سعى رواد الجيل الثاني من خلال أبحاثهم إلى محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية:

  • كيف يمكن حث العمال على بذل مجهود أكبر في العمل؟
  • كيف يمكن توجيه سلوكيات العمال؟
  • كيف يمكن حث الأفراد للقيام بعمل ما؟

لقد حاولت نظريات الجيل الثاني البحث عن الطريقة المثلى لدفع الأفراد إلى القيام بعمل بدل آخر، وقد تبنت في مرحلتها الأولى منطق العصا والجزرة من أجل توجيههم للقيام بالأنشطة المطلوبة منهم بأقصى سرعة ممكنة، كما اعتمدت بعدها على العدالة التنظيمية في معالجة مشاكل العاملين، وخصوصا فيما يتعلق بالسهر على خلق التوازن بين المكافآت المادية المحصل عليها والمجهودات المبذولة، وذلك من أجل تشجيعهم على استثمار مجهوداتهم وطاقاتهم بأقصى درجة ممكنة في عملهم، مما يعود بالنفع على المؤسسات الإنتاجية.

أ - نظرية تحديد الأهداف Théorie de Fixation des Objectifs

إن من بين الأهداف الأساسية لهذه النظرية - التي يعتبر جون لوك (Jean Luk)  من أهم روادها- هو سعيها  إلى البحث عن الطريقة المثلى لتحفيز الأفراد داخل التنظيمات. فتحديد الأهداف بدقة ووضوح، وكذا تقديم المعلومات الضرورية عنها، بالاعتماد على عملية تواصلية ناجعة يمكن الأفراد من اكتساب الثقة في النفس، مما جعل من عملية تحديد الأهداف من أولى أولويات إدارة الموارد البشرية لكونها تسهم  بشكل كبير في تحفيز العاملين لبذل أقصى المجهودات في عملهم من جهة، كما تمكن التنظيمات من ترشيد الوقت والجهد وكلفة المنتوج من جهة أخرى، مما يؤدي إلى تحقيق النتائج المتعاقد بشأنها بين الأفراد والتنظيمات.  

ب- نـظـريـة الـتـوقعLa théorie des Attentes de VROOM :

تُعد نظرية التوقع لفيكتور فروم (Victor Vroom) سنة 1968، من أحدث النظريات التي حاولت مقاربة مفهوم الدافعية، من خلال تفسير السلوك الإنساني بشكل واضح ودقيق، مما جعلها تستأثر باهتمام العديد من الباحثين من مختلف الحقول المعرفية؛ فالسلوك المرتبط بالأداء لدى الفرد داخل التنظيمات في نظرها تتحكم فيه عملية الاختيار بين بدائل سلوكية مختلفة. هذا الاختيار الذي تحدده قيمة المنافع والنتائج المتوقعة من السلوكيات المرتبطة بالأداء، فدافعية الفرد لتبني سلوك معين في العمل تحكمه فوائد -منافع - يتوقعها ويأمل في الحصول عليها خلال عملية الأداء،  هذا التوقع يعتبر عاملا حاسما لدفع الفرد إلى اتخاذ وتبني سلوك معين أو الامتناع عنه. 

عموما يمكن القول إنه رغم صلابة الأسس الذي قامت عليه نظرية التوقعات لفيكتور فروم، فإنها تعرضت للعديد من الانتقادات أبرزها صعوبة قياس التوقع والمنفعة العائدة من السلوك، نظرا لتعدد متغيراتها، مما صعب من  مأمورية ضبطها والتحكم فيها، وكذا فهم طبيعة العلاقة بين متغيراتها.

5. 3 نظريات الجيل الثالث:

ارتكزت نظريات الجيل الثالث عند مقاربتها لمفهوم التحفيز، على البحث عن الدوافع الذاتية الكامنة خلف سلوكيات الأفراد، وذلك بالتركيز على مناحي شخصيتهم، وقد انخرطت في هذه الدينامية العديد من النظريات، أبرزها نظرية الفعالية الذاتية، ونظرية تقرير المصير، اللتان انشغلتا بمشروع جديد تجلى في محاولة دفع الأفراد لاختيار العمل بشكل إرادي وتنفيذه بالشكل المطلوب، دون أن يشعروا بأنهم مجبرون أو مكرهون على إنجازه أو بتعبير أخر "الموافقة على الخضوع بحرية".

  • نظرية الفعالية الذاتية  Théorie de l'Auto-Efficacité:

اقترح ألبيرت باندورا (Albert Bandura) استكمالا لأعمال، نظرية اجتماعية معرفية، اعتمدت على الفعالية الشخصية أو الذاتية لتفسير السيرورة التحفيزية لدى الأفراد، بمعنى إيمان الفرد بكفاياته والوسائل التي يمتلكها، وبقدرته على تعزيز وتفعيل هذه الكفايات والوسائل، تحقيقا للأهداف المرسومة، واستشرافا وتوقعا لأفضل النتائج، بالإضافة إلى إيمانه بوجود رابط سببي بين بعض السلوكيات التي يتبناها وتحقيق الأهداف المرسومة، ولتفسير الفرق بين الإيمان بالقدرات وبين الشعور بالفعالية الشخصية وتوقع  النتائج  الإيجابية، أدخل باندورا مفهوم الفعالية الذاتية التي تجلت  في الاعتقاد الجازم لدى الفرد بقدرته على القيام بالأعمال الضرورية لتحقيق الأهداف المرجوة. هذا الشعور ينقسم بدوره إلى قسمين:  شعور  بفعالية كفاياته (هل أنا قادر على إنجاز عمل معين؟)، وشعور بقيمة النتيجة (هل الأعمال التي سأقوم بها قادرة على تحقيق النتائج المرجوة؟). فمن خلال تجارب الفرد يمكنه الحكم على فعالية عمله، وعلى مدى قدرة سلوكياته على تحقيق هدف تم تحديده مسبقا.

وقد سعت نظرية الفعالية الذاتية إلى تحقيق المصالحة بين أهداف كل من الأفراد والتنظيمات، كما انخرطت في البحث عن آليات تسيير فعالة لتحفيز الأفراد، من أجل مد الأطر المختصة بتسيير الموارد البشرية بتوجيهات تمكنها من خلق سياقات فعالة  قادرة على تغذية الثقة لدى المرؤوسين في قدرتهم وكفاءتهم على إنجاز المهام الموكولة إليهم.

ب-  نظرية تقرير المصير Théorie de l'autodétermination:

تعتبر نظرية تقرير المصير لكل من Edward Deci et Richard Ryan من أهم النظريات الحديثة حول التحفيز، لكونها اقتحمت كل ميادين الأنشطة الإنسانية التي يمكن لهذا المفهوم أن يدخل في نطاقها، مرتكزة على رؤية شمولية ومتعددة الأبعاد لتفسيره. وقد استندت في نموذجها التفسيري للعملية التحفيزية على كل من العوامل الداخلية والخارجية، منطلقة من مركزية حاجة تقرير المصير في تحقيق التحفيز الداخلي أو الذاتي لدى الأفراد، لما لها من دور في تمكينهم من خلق انطباع جيد لديهم بقدرتهم على التحكم في سلوكهم، الذي تترجمه اختياراتهم الحرة، ولن يتحقق ذلك حسب هذه النظرية إلا من خلال بيئة عمل مناسبة تشعرهم باستقلاليتهم عبر منحهم هامش من الحرية من أجل تبني خيارات واتخاذ قرارات.

إجمالا، لقد خلصت هذه النظرية إلى أنه كلما كان الشعور بتقرير المصير كبيرا، كلما كان التحفيز قويا، ومن ثم أصبح لزاما على المسيرين، خلق سياقات مناسبة للعمل أو وضعيات قادرة  على منح الشعور بالاستقلالية والمسؤولية  لدى العاملين، وكذا تحسيسهم  بامتلاكهم حرية الاختيار. وذلك من خلال التركيز على ثلاث حاجات سيكولوجية ينبغي إشباعها من أجل المساهمة في تحفيز الأفراد في العمل وتتلخص فيما يلي:

  • الاستقلالية: الشعور  بالحرية في المبادرة.
  • الكفاءة: الشعور بالفعالية في تحقيق الأهداف.
  • الانتماء  الاجتماعي: الشعور بامتلاك علاقات اجتماعية غنية،  وبالانتماء إلى جماعة.

خاتمة

إن تحفيز الموارد البشرية من أحد الإستراتيجيات الحديثة الهامة من أجل تطوير الإنتاج ورفع المردودية لدى العاملين، سواء منها المؤسسات العامة أو المؤسسات الخاصة، حيث تهدف إلى تحقيق نجاحها وتطورها واستمرارها بفضل تحفيز العنصر البشري، مما يؤدي استثماره بفعالية إلى تحسين أداء المؤسسات، ولعل أبرز النظريات الهامة التي فسرت الحافزية والتحفيز هي:نظريات المحتوى و نظريات السيرورة اللتان سنتطرق لهما في دراسة لاحقة.

لائحة المراجع و الهوامش:

 

[1] Philippe Bernoux , " La sociologie des organisations" , 6ème  édition  du Seuil , Paris , 2009, p 81.

 [2] ارتبط مصنع (Hawthorn)  بتجارب الهاوثورن التي  قام بها التون مايوElton Mayo  لدراسة ظروف العمل مركزا في البداية على الإضاءة وأثر ها على الإنتاجية، ثم توسعت أهدافه بعد ذلك لتشمل أثر التعاون بين المجموعات على الإنتاجية داخل المصنع.

[3] Jean-Michel Plane, "Théorie des organisations", 5 ème  édition ,Paris, 2017, p 31.

[4] Alain Meignant, "Ressources humains, Déployer la stratégie", Edition liaisons, SA, Paris, 2000, p 226.

[5] Michaël Aguilar, "L'Art de motiver", 2 ème édition, Dunod, Paris, 2016, P13. 

[6] Salvatore Maugeri, " Théories  de la motivation au travail" , Edition , Dunod , Paris, 2013, p 12.

[7] P. Roussel,"  Rémunération , motivation et satisfaction au travail" , Ed  Economica, PARIS ,1996 ,  p173.

[8] Robert  Vallerand et Edgar Thill , "introduction à la psychologie de la motivation" ,Editions Etudes Vivantes ,Laval ,1993, p18.

[9] Alain Meignant , op.cit., p 226.

[10]  أحمد ماهر (1995)   "إدارة الموارد البشرية"، الدار الجامعية للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر، ص 22.

[11] علي السلمي، إدارة الأفراد لرفع الكفاءة الإنتاجية، دار المعارف بمصر، دون تاريخ، ص 346.

تحفيز الموارد البشرية: من حاجات الذات إلى سياقات الفعل
Partager cet article
Repost0
10 octobre 2024 4 10 /10 /octobre /2024 17:18
تعليم اللغة العربية من الكفاية اللغوية إلى الكفاية النصية

تعليم اللغة العربية من الكفاية اللغوية إلى الكفاية النصية

 

1-د.طريق زينون TARIK ZINOUN

2-دة. غزلان شهبونGHIZLANE CHAHBOUN

 

دراسة محكمة

 

1-المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس

2-الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس

الملخص:

تعد اللغة فعلا إنسانيا ونشاطا اجتماعيا. بها يفكر الإنسان ويعبر ويتواصل. وقد اهتم الباحثون في مختلف المجالات العلمية بقضية اللغة، وبيان خصائصها الصوتية والدلالية. وسعى اللسانيون إلى دراسة اللغة دراسة علمية في مختلف مستوياتها، ووصفها وتفسيرها من خلال رؤى ومرجعيات متباينة. فظهرت مدارس لسانية ومناهج وصفية وتحليلية وتفسيرية عديدة. وكان من الطبيعي أن يستثمر اللسانيون رؤاهم المنهجية هذه في مجال تعليم اللغة وتعلمها، وعدم الاقتصار على الجانب النظري فحسب. فدعوا إلى النظر في اللغة والتفكير في طرق استعمالها، وفي كيفية تجليها في الواقع الاجتماعي، وبحثوا في آليات اكتسابها وتعلمها. ومن ثم برزت وظيفة اللسانيات التطبيقية التي تحددت في مد الجسور بين الجانب النظري والجانب التطبيقي.

لذلك؛ سننظر في هذه الورقة العلمية في موضوع تعليم اللغة العربية، وسنركز على قضية الكفاية النصية وسبل بنائها. وذلك بالإفادة من حقل اللسانيات التطبيقية والانفتاح على الدراسات النصية التي شكلت تحديا قويا لكثير من النظريات والمدارس اللسانية؛ خصوصا تلك التي انكفأت على المنوال التجريدي والافتراضي للغة، فلم تكترث بدوافع التواصل ومعاييره وسياقاته، فقد حصرت مجال اهتمامها في الجمل المعزولة عن الاستعمال. ومن ثم؛ تتغيا الورقة البحثية بيان المعايير التي تتأسس عليها الكفاية النصية من حيث هي قدرة فهم وإدراك وإنتاج.

مفاتيح البحث:

اللغة-النص-اللسانيات-الكفاية-الفهم-الإنتاج-التعليم.

Abstract:

Language is a human act and a social activity. Through language, a person thinks, expresses, and communicates. Researchers in various scientific fields have been concerned with the issue of language and its phonetic and semantic characteristics. Linguists have sought to study language scientifically at various levels, describing and interpreting it through differing perspectives. Thus, various linguistic schools and descriptive, analytical, and interpretive approaches emerged. It was natural for linguists to invest their methodological insights in the field of language teaching and learning, without limiting themselves to theoretical aspects only. So they called for a consideration of language and reflection on ways to use it, and how it manifests in social reality, and they explored the mechanisms of acquiring and learning it. Consequently, the function of applied linguistics emerged, aiming to bridge the gap between theoretical and practical aspects. 

Therefore, in this scientific paper, we will examine the topic of teaching the Arabic language, focusing on the issue of textual competence and ways to develop it. This will be informed by the field of applied linguistics and openness to textual studies that pose a significant challenge to many theories and linguistic schools, especially those that have retreated to the abstract and hypothetical model of language, neglecting the motivations, standards, and contexts of communication. They limited their area of interest to sentences isolated from use. Therefore, this research paper aims to articulate the standards on which textual competence is based, in terms of understanding, perception, and production capabilities. 

Keywords:  Language - Text - Linguistics - Competence - Comprehension - Production - Teaching.

 تمهيد:

لقد شكل الخطاب اللساني سمة البحث العلمي المعاصر. والملاحظ أن البحث في اللغة الإنسانية دائما في تجدد وتطور مستمرين. ويبقى موجها ومؤطرا بمساطر معرفية ومنهجية تحكم وتضبط وجهته العلمية. إن النظر في اللغة له أسباب ودوافع، يتحدد أبرزها في أن اللغة خاصية بشرية متميزة، تميز الكائن البشري عن باقي الكائنات الأخرى في هذا الوجود. كما أن دراسة اللغة الإنسانية سيفضي لا محالة إلى التعرف على ماهيتها وخصائصها وقوانينها، وهذا سيقربنا من فهم الطبيعة البشرية، وسيسهم في تيسير عملية التفاعل والتواصل بين الذوات الإنسانية، ومن ثم إدراك العالم الذي يعيش فيه الإنسان، وفهم العديد من القضايا المرتبطة باللغة وبالإنسان. كل هذا سيؤدي، ولو نسبيا، إلى فهم المشكلات التي تعترض عقل الإنسان وحلها، والتي يفرزها واقعه المتجدد. ومن الواجب على اللساني أن ينظر في هذه القضايا ويبحثها بخلفية معرفية وبمنهج علمي دقيق، فالباحث اللساني يمارس نشاطين فكريين، حيث يتخذ اللغة موضوعا له يتأمله بغرض معرفتها، وفي الوقت نفسه يسعى إلى صناعة منهجية للبحث العلمي والتفكير اللغوي.

ومن القضايا والإشكالات التي تؤرق الباحث إشكال تعليم اللغة والتفكير في أنجع الوسائل والتقنيات التي يمكنها أن تسعف في بناء الكفايات اللغوية والمعرفية والتواصلية لدى متعلمي اللغة العربية. ومعلوم أن البحث العلمي واللساني في قضية تعليم اللغات قد صحبه تطور وتجديد؛ إن تنظيرا أو تطبيقا. ولا يجب أن تبقى اللغة العربية بمنأى عن هذا التطور وعن هذه الفتوحات المعرفية في الحقل اللساني، بل ينبغي لها أن تنفتح على كل الآراء والأفكار في حقل اللسانيات التربوية والتطبيقية التي تقترح مداخل ومبادئ علمية تربوية في تعلمية اللغة والتواصل الساني، لعلها تسهم في الرفع من جودة التعلمات، وتلبية حاجات المجتمع من الكفاءات التي تبقى رهينة بتطوير كفايات خاصة، وتنميتها وامتلاكها والتحكم فيها؛ خصوصا الكفاية اللغوية والنصية التي هي ثمرة وحصيلة تفاعل وتكامل مجموعة من المهارات والمستويات اللغوية.

لذلك؛ فإن بناء الكفاية النصية يقتضي توظيف معجم ثقافي غني يلبي الحاجة التواصلية للمتكلم، والانطلاق من فرضية أن اللغة استعمال وتداول. فالكفاية النصية تبرز عندما يصبح المتكلم باللغة العربية قادرا على التواصل باللغة الفصيحة في وضعيات وسياقات تواصلية مختلفة، ومحققا لشرط استقامة اللفظ وسلامة المعنى ووضوحه، وممتلكا لرصيد لغوي يؤهله إلى التفاعل مع الآخر. ولا يجب أن تنحصر هذه الكفاية في الفصول الدراسية، بقدر ما يجب أن تفعل خارجها في ظروف اجتماعية وثقافية مغايرة، تقتضي تنشيط الملكة اللغوية المكتسبة. وهذه الكفاية هي حصيلة لتراكم لغوي ولسياق تعليمي خاص، يبدأ باستضمار البنيات اللغوية واستعمال ضوابطها وأحكامها ضمنيا، ليمتد إلى مرحلة التصريح والتحليل المباشر والصريح لمعطيات الخطاب -بكل تجلياته- المعجمية والتركيبية والدلالية والتداولية. ويبقى هذا متوقفا على الانتقال من عملية فهم البنى واكتسابها، إلى استخدامها وممارستها في عملية الإنتاج داخل سياقات مختلفة أو مشابهة. وعلى هذا الأساس سيبني المتعلم القدرة على اكتشاف الأدوات والتقنيات المتحكمة في بناء النصوص، ومهارة تعرف العلاقات القائمة بين اللغة والنصوص وسياقاتها الاجتماعية والثقافية. من أجل هذا نسعى إلى الإجابة في هذا البحث عن الأسئلة التالية: ما الكفاية النصية؟ ومن أين تستمد أهميتها؟ وما معاييرها؟ وما العوامل والشروط المساعدة على بنائها في الممارسة الصفية؟

  1.    من المعرفة النحوية إلى المعرفة النصية:

تعد اللغة موضوعا معقدا، درسه علماء وباحثون في مجالات مختلفة. وقد اهتم علماء اللغة بهذا الكائن العجيب، وقاربوه من وجهات نظر مختلفة؛ يمكن تلخيصها في المقاربة اللغوية التقليدية التي اقترنت بالمعرفة النحوية التي يمكن اعتبارها نموذجا معرفيا نحا منحى تقعيديا في المقام الأول، حيث جرد من الكلام الراقي، وبالخصوص النصوص المكتوبة، مجموعة من القواعد الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية. فوضع نظاما صارما للقواعد، فرام بذلك نحو الثبات، فكان في جوهره تصورا معياريا، حدد قواعد الصحة والسلامة التي يمكن الرجوع إليها في أثناء التعبير والتخاطب. فكانت غاية المعرفة النحوية استنباط القوانين من الأقوال الجارية على الألسن التي يفترض أنها تسير الألسن الطبيعية، يقول مؤيد آل صونيت: "تكمن وظيفة النحو-تقليديا- في توصيف افتراضي لكم غير محدد لأنماط التعبير الممكن تصورها في لغة ما من نمط جملة مختزنة خواصها التركيبية الداخلية مع ضم تعابير على مستويات متنوعة يلحق بعضها مع البعض الآخر من طريق نسق قواعدي خاضع لاشتراطات الضبط والصرامة، والمدونة العربية بفرعيها-المدرسي والحثي- تفيض بمثل هذا التصور للنحو"، (مؤيد آل صونيت، طروس في اللسانيات: ص 89). وما يميز النظر النحوي حسب محمد الأوراغي، أنه كان يمارس بمنهجية مراسية، تقوم أساسا على الملاحظة والاستخدام المباشر للملكات الذهنية للناظر النحوي والاجتهاد الفردي، مما جعلها معرفة عادية، ولا ترقى إلى المعرفة النسقية الدقيقة التي تستند إلى البرهنة الرياضية والتجريد والصورنة، فترتب عن هذا انتشار الخلاف بين اللغويين والنحاة. أضف إلى ذلك أن هذه المعرفة تدور حول لغة واحدة، وإن درست بعض اللغات، فمن باب المقارنة القائمة على الانتقاء الاعتباطي، والعناية بالمستوى المعجمي والصرفي في غالب الأحيان، ( محمد الأوراغي، محاضرات في النظرية اللسانية والنماذج النحوية: ص 20-21).

وفي مقابل المعرفة النحوية التقليدية، ونتيجة للتطور العلمي الصارم الذي حصل في شتى المجالات المعرفية والعلمية، ستظهر اللسانيات، وهي علم ثوري تأسس ورست سفينته مع دروس "فردينان دي سوسير" الذي دعا إلى دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، محاولا أن يجعل اللسانيات حقلا علميا ومعرفيا مستقلا بذاته، له موضوعه الخاص وطرقه في وصف اللغة وتحليلها وتفسيرها، بعيدا عن التصورات الآتية والمستمدة من باقي العلوم. وقد عرف هذا الحقل تطورا مهما، نجم عنه التطور في المنهج والتصورات والمفاهيم. "ومع اللسانيات أصبح ينظر إلى اللغة على أنها موضوع معرفة مستقلة قابلة للدراسة المنظمة بعدها جملة من الأحداث والوقائع المعقدة على عكس ما تبدو عليه في واقعها المادي الملموس"، (مؤيد آل صونيت، طروس في اللسانيات: ص 93). وقد ربط "دي سوسير" دراسة اللغة بعلم الدلائل، فقطع صلتها بالعلوم الطبيعية والتاريخية، واعتبر اللغة مؤسسة اجتماعية ونظاما من العلامات، مستثمرا فكرة النظام الذي مكنه من إحلال المنهج الوصفي مكان المنهج التاريخي الذي أصبح في نظره عاجزا عن الكشف عن طبيعة اللغة بوصفها شكلا لا جوهرا، (فوزي حسن الشايب، سوسير أبو اللسانيات، الخلفيات والأفكار: ص 22).

لقد تأثر الخطاب اللساني في بداية ظهوره بالنزعة العلمية الوضعية التي كانت تدعو إلى ضرورة إخضاع كل أنشطة الإنسان وسلوكاته إلى مقتضيات البحث العلمي الدقيق وشروطه. فتمحور النظر العلمي حول ما هو قابل للملاحظة والتجريب، ورام إلى التخلص من التفسيرات الذاتية والانطباعية. ومن ثم فإن تعلم اللغة ينهض على ما هو قابل للمشاهدة من جانب الطفل، وعلى ملاحظة سلوكات الآخرين وأنشطتهم، ومحاكاتها والقياس عليها، وتعرف مكونات الظاهرة اللغوية وأنساقها والعلاقات بين عناصرها. ومن خلال ذلك تركز اهتمام اللسانيات اهتماما كبيرا على البعد الصوتي والسمعي للغة، وعلى دراسة الواقع اللغوي على نحو ما هو معطى وقائم، بحكم أن اللغة تظل عادة اجتماعية، يمكن تعلمها بالكيفية التي يتعلم بها العادات الاجتماعية الأخرى، فأبعدت المقاربة النسقية كل الأشكال التي لا يمكن أن تخضع للتحديدات المتحصلة من الجملة. "وإذا كانت اللغة الإنسانية، بالمعنى العام، هي القدرة أو الملكة التي بحوزة الإنسان، لتمكنه من الكلام، فإن اللغة المعينة هي إخراج للغة بالمعنى العام، من حيز الوجود بالقوة، إلى حيز الوجود بالفعل، وذلك على مستوى البناء والتنظيم. والكلام أو اللفظ، هو إخراج للغة المعينة من مجال الصورة البنائية، إلى مجال الإنجاز الفسيولوجي والنفسي. وعليه، فإذا كانت اللغة بالمعنى العام تصورا، فإن اللغة المعينة تصنيف، والكلام نموذجا"، (فوزي حسن الشايب، سوسير أبو اللسانيات، ص49).

لقد كان التمييز بين اللغة والكلام شرطا أساسيا للنظر في اللغة بوصفها نظاما ومنظومة من القيم الخلافية والثنائيات. وقد انتقد اللسانيون الاجتماعيون هذه النظرة التي تفرق بين اللسان كنظام والكلام كإنجاز، فاعتبروا موضوع اللسانيات هو اللغة والكلام الذي بدوره يخضع لجملة من الشروط والمقتضيات الاجتماعية والثقافية، ولذا لا يمكن دراسة اللغة بمعزل عن الكلام والسياق الذي يجري فيه، وإن تقدم علم اللغة في حقيقته رهين بالربط بين دراسة الصيغ والتعابير اللغوية وطرق استخدامها، فسعى رواد لسانيات التواصل والنص أو الخطاب إلى كسر الحواجز بين اللغة وأوجه استخداماتها، فطالبوا بضرورة توسيع موضوع علم اللغة ليتجاوز النظام اللغوي إلى سياقه التواصلي التفاعلي، (فوزي حسن الشايب، المرجع السابق، ص: 53-54). وكان هذا ردا على الرؤية النسقية التي كان يؤمن أصحابها بأن هدف النظرية اللغوية هو اكتشاف البنيات العميقة المسؤولة عن التنظيم، وعن توزيع عناصر النظام ضمن فضاء لغوي متناسق، وفي ضوء النسق يمكن التمييز بين ما هو منتمٍ إلى البنية، وما هو خارج عنها. لقد صارت الرؤية النسقية تؤمن بأن حقيقة الظاهرة اللغوية تكمن في الشكل أو الصيغة والعلاقات والقيم الخلافية والثنائيات.

 لكن مقاربة اللغة وتعلمها من وجهة نظر وصفية نسقية؛ بتحديد أنظمتها ومكوناتها الداخلية أدى مع ذلك إلى بروز نزعة معرفية جديدة، غيرت موقع النظر إلى اللغة وتعلمها. فلم يعد هدف النظرية اللسانية مع "نعوم تشومسكي" منحصرا في تصنيف عناصر اللغة وفق مستوياتها المختلفة، بل أصبح غرضها تمثُّلَ المعرفة التي يملكها المتكلم الأصلي التي تمكنه من إنتاج الجمل وبنائها وفهمها على نحو صحيح. وبهذا حاول الطرح المعرفي الجديد أن يتمرد على المساطر النظرية والمنهجية التي قامت عليها المقاربة البنيوية التي حصرت موضوع اللسانيات في الأحداث اللغوية، واتجه بذلك الدرس اللساني نحو النظر في اللغة المبنية داخليا. (("وتعني اللغة المبنية داخليا البحث عن صور التمثيل الذهنية التي تقف وراء أداء وإدراك الكلام، وأيضا القواعد التي تربط هذا التمثيل بأحداث الكلام المادية"، رشيدة العلوي كمال، النحو التوليدي بعض الأسس النظرية والمنهجية، ص23)).  هذه اللغة التي لا يمكن فصلها عن ملامح الذهن والدماغ. وهكذا ناهض هذا الطرح المعرفي الذي تزعمه العالم اللغوي "نعوم تشومسكي" النظرة التصنيفية والوصفية، وأعاد الاعتبار للأفكار الفلسفية العقلانية، وهو "تصور يؤمن بوحدة المعرفة العلمية وأحادية أسلوبها من غير تفريق بين علم إنساني وآخر طبيعي. من هنا جاءت دعوته من أجل العمل في اتجاه توحيد اللسانيات، بوصفها رائدة العلوم المعرفية، بعلم الأحياء والعلوم العصبية ضمن إطار علمي شامل". (محمد بلبول، الفرضية الفطرية وطريقة اشتغال اللغة، ضمن كتاب جماعي لسانيات تشومسكي، مراجعة نقدية في الأسس المعرفية: ص 34).

وعلى هذا الأساس تفترض اللسانيات التوليدية أن دماغ الإنسان بلا شك مزود بملكة أو موهبة فطرية للغة، وأن عضو اكتساب اللغة يتسم بأنه نسق حاسوبي تكراري. "وبهذا يعتمد المنظور المعرفي مقاربة ذهنية تعنى بالمظاهر الذهنية للعالم، وهي المظاهر التي توجد مثلما توجد مظاهره الأخرى ذات الطبيعة الميكانيكية أو الكيميائية أو البصرية. إنها مقاربة تأخذ على عاتقها دراسة موضوع واقعي من موضوعات العالم الطبيعي هو الدماغ، وتضطلع بدراسة حالاته ووظائفه، واللجوء تبعا لذلك إلى الاهتمام بالذهن من خلال دمج دراسته في نهاية المطاف ضمن دائرة العلوم البيولوجية"، (محمد الحيرش، النسق والاستعمال من لسانيات اللغة إلى لسانيات التواصل: ص 154). ومن ثم صار الخطاب اللساني جزءا لا يتجزأ من علم النفس المعرفي، فأصبح يهتم بوضع الفرضيات التي من خلالها يمكن للساني أن يفسر إبداعية اللغة وإنتاجيتها.  ومن ثم يتطلب البحث اللساني نوعا من التجريد والاتجاه نحو الحقائق والمعطيات المشتركة بين الألسن، والعناية بالكليات اللغوية، للوصول إلى الخصائص العامة لأنظمة القواعد، التي تعود إلى الملكة اللغوية نفسها، (رشيدة العلوي كمال، النحو التوليدي بعض الأسس النظرية والمنهجية: ص29).  ومن هنا؛ إذا كانت الرؤية الوصفية تعنى باللغة كما تنطق بالفعل، فإن الرؤية المعرفية تعنى بوضع أو بافتراض المعايير والقوانين التي تسعف المتكلم في الاستخدام الصحيح للنظم النحوية وتقييمها، ولهذا الغرض أولى أهمية كبرى للبعد التفسيري في النظرية اللغوية، بوصفها بناء عقليا ومجموعة من الفرضيات والأفكار المتسقة فيما بينها.

وتجدر الإشارة إلى أن النموذج اللساني التوليدي يلتقي مع النموذج البنيوي الوصفي في كونهما يقصيان الشروط المؤثرة في عملية إنتاج اللغة وفهما واكتسابها، فقد تعاملا مع اللغة بوصفها نسقا مجردا، أو قدرة ذهنية لا علاقة لها بالظروف الثقافية والاجتماعية والسياقات الزمكانية. لقد أسهم هذا التصور النظري والمنهجي في ظهور نموذج لساني تواصلي، ينظر إلى اللغة من موقع أنها حدث لغوي محقق، وضمن طبقات مقامية معينة. وفي هذا الإطار ظهرت لسانيات التواصل والخطاب والنص التي انكبت على دراسة اللغة من حيث وظيفتها التواصلية، ومن حيث هي استعمال المتكلم للغة في واقع اجتماعي مخصوص لقضاء حاجاته والتعبير عن أغراضه. فحاول هذا المنظور اللساني إذن؛ تجاوز مظاهر القصور في لسانيات الجملة واللسانيات البنيوية التقليدية، وترتب عن هذا ظهور اللسانيات النصية التي تركز مجال اهتمامها في دراسة العلاقة الجامعة بين اللغة والعقل والمجتمع، فأعادت الاعتبار لدراسة الجمل والملفوظات في علاقتها بالاستعمال وبسياقها الطبيعي، فجاوزت النظرة الشكلية والمجردة في وصف اللغة وتحليلها، واتجهت نحو دراسة الأبعاد التواصلية والتخاطبية؛ لأن اللغة موسومة بخصائص تعبيرية واجتماعية.

تهتم اللسانيات النصية إذن؛ بربط المعطيات اللغوية بخلفياتها الاجتماعية، فاللسان له صور تعبيرية وقولات ترتبط بالطبقات الاجتماعية وبالمواقف التفاعلية. ومجيء هذا النوع من الدراسات اللسانية كان نتيجة تحول وانصراف عن علم اللغة القائم على النظام، والإقبال على علم اللغة القائم على التواصل والخطاب، فبدأت العناية بالخصائص الخارجية للغة.  فاللسانيات النصية طرح لغوي يقوم على تحليل اللغة المستعملة، بوصفها أداة للتواصل وممارسة الخطاب.

  1. في مفهوم اللسانيات النصية:

نتيجة للتراكم العلمي والمعرفي في حقل اللسانيات، يجوز القول إن لسانيات اللغة فقدت هيمنتها لصالح لسانيات النص أو الكلام. "فسرعان ما اتضح لعدد متزايد من اللسانيين أن دراسة الجمل بمعزل عن سياقها الطبيعي وعن متكلميها اختيار منهجي استنفدت الحاجة منه، ولم يعد من اللائق العمل به. ذلك أن عزل الجمل عن سياقها يثير شكوكا بخصوص واقعيتها من جهة، ويتجاهل دور السياق التواصلي في تحديد بنية هذه الجمل من جهة أخرى، فاللغة التي تصل إلى يد اللساني، وينصرف إليها بالوصف والتفسير ليست لغة بريئة من الاستعمال"، (مؤيد آل صونيت، طروس في اللسانيات، ص 252). وهكذا أصبح النص الذي هو عبارة عن متتالية من الجمل مركز الاهتمام والتحليل والنظر. وعليه يمكن القول؛ "إن المقاربات اللسانية الصورية لا تمتلك الكفاية التفسيرية لمعالجة الخطاب. ولأنه ليس بالضرورة أن يكون مكتوبا، بل منه المكتوب والمنطوق؛ فإن المقاربة السيميوطيقية تفشل أيضا في مقاربة جانب التواصل اللفظي؛ وذلك لقصور أنحاء الألسن الطبيعية عن ربط القولات بالأفكار التي صممت لتداولها. ولما كان المخاطبون يمتلكون حدسا فيما يخص انسباك القولات ونحويتها في آن؛ جاز لنا أن نعرف الخطاب بأنه القولات المنسكبة الملائمة تواصليا؛ لأنه بصفة عامة، يحيل إلى كل أعمال التواصل اللفظي؛ فهو يساوي النص-وهو الوجه الخالص من الخطاب- مضافا إليه كل الخواص غير اللسانية الداخلة في عملية التخاطب"، (ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، قراءة تأصيلية في المفاهيم والسيرورات التأويلية: ص 103).

 وإذا كانت المقاربة الوصفية والذهنية قد نظرت إلى اللغة بوصفها نظاما مجردا، يمكن وصفه ودراسته بعيدا عن وظيفته التواصلية، وسياقه الاجتماعي والثقافي، وبتفتيت أجزاء الظاهرة اللغوية إلى وحدات صغرى تتصف بمجموعة من السمات، فإن المقاربة النصية تنظر في اللغة وتتسلح وتتوسل بالنظرية التداولية التي تجعل اللغة بنية كلية، لها ارتباط وثيق بظروف القول إنتاجا وتلقيا وتأثيرا وفهما وتأويلا. و"من الواضح، إذن؛ أن نحو النص ليس نموذجا لتعرف الإنتاجات اللفظية وحدها، بل هو أنموذج للإنتاج كذلك، بمعنى شموله جانبي التأويل والإنتاج"، (مؤيد آل صونيت، طروس في اللسانيات، ص 260). بمعنى أن لسانيات النص تحاول دراسة معايير بناء النص وتشكيله، والتعرف على الآليات التي تسعف المتكلم في الإنتاج كذلك، واستخدام اللغة في مقامات تواصلية مخصوصة. ويظل النص في جوهره هو السياق، فالمتكلم يضع ألفاظه في سياق خاص ليدل بها على مراده وقصده. ومن ثم فإن الكفاية النصية لا يمكن اختزالها في الاستعمال اللساني فقط، بل يرافقه كل الخواص والعلامات التي توصل إلى المعاني، أي كل ما تتأسس عليه عملية الفهم والإفهام.

ولكي تتحقق الكفاية النصية لابد من مراعاة القواعد اللغوية في بعدها الصواتي والصرافي والتركيبي والدلالي، ثم مراعاة القواعد التداولية التي تضبط استعمال اللغة في سياقها الاجتماعي والثقافي. وفي ضوء هذا فإن اللسانيات النصية لا يقف هدفها عند حدود الوصف والتصنيف، وإنما تكون غايتها بيان ما يكون به الملفوظ نصا دالا ومؤثرا ينجز به صاحبه مجموعة من الأفعال المؤثرة في المتلقي والداعية إلى تفاعله.  "إن الطبيعة المركبة والمتعالية للنص تستلزم فعلا قرائيا متعدد الأبعاد والأدوات والمقاربات، تستجلي سمة التماسك باعتباره مفهوما نصيا محوريا في اللسانيات النصية إلى مجال الفهم والتفسير الذي ينجزه المتلقي في إطار معرفي معين يحقق رؤية القارئ المتلقي للعالم أو الفضاء الذي أنتج فيه النص، ولما كان فعل التأويل بالنسبة إلى المتلقي لا يقوم فقط على شرح الدلالة اللغوية التي تفصح عن منظومة العلامات الداخلية، فإنه لزم التأكيد على الكفاية التفسيرية والتأويلية التي يتمتع بها المتلقي لملء فراغات وفجوات المضمر والمحذوف والمستتر انطلاقا من معرفة بالنظم والأعراف والتقاليد والأنساق العليا لتحقيق الجمع بين الوصف والتحليل النصيين اللازمين لإدراك مقتضيات الرسالة".( نعمان بوقرة، إطلالة على اتجاهات البحث اللساني الحديث، من لسانيات اللغة إلى لسانيات الاستعمال: ص 269). ويعني ذلك أنه مع اللسانيات النصية لم يعد عمل القارئ مقتصرا على تحديد جمل النص وتصنيفها، بل يجب أن يتجه العمل نحو البنية الكبرى التي تتجاوز مستوى الجملة إلى مستوى النص بوصفه بنية كلية، لها معاييرها الخاصة التي تضفي على النص هويته وحقيقته التي تكتسب من الروابط والعلاقات النحوية والدلالية والسياقية القائمة بين جمل النص. إن لسانيات النص تقدم إذن؛ فهما أرحب وأوسع للغة وبذلك تخالف رؤية لسانيات الجملة، فهي تبحث فيما فوق الجملة لتحدد الروابط على مستوى العلاقات داخل الجمل والعلاقات بين الجمل والعلاقات بين الفقرات أو ما في حكمها، وعلى مستوى العلاقات القائمة بين مجموع جمل النص، (أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة، الناشر مكتبة الثقافة الدينية القاهرة، ط1، 2008، ص 41).

لقد انتقدت اللسانيات النصية بقوة تلك النظرة الشكلية الضيقة للظاهرة اللغوية التي تسعى إلى تنظيم أشكال الوقائع اللغوية وتصنيفها كميا. علاوة على ذلك انتقدت النظرة التي ترتهن إلى المنطق الصوري التجريدي والرياضيات، حتى أصبحت اللغة في نظرها نظاما قالبيا يتنافى والاستعمال وسياقه. ولهذا دافع أصحاب اللسانيات النصية على وجهة النظر التي ترى في اللغة نظاما من الترابط الرصفي المتصل بالدلالة النحوية والترابط المفهومي المقترن بالنحو الدلالي. لقد اتجهت نحو النص بوصفه نظاما فعالا يتصل بموقف، حيث تتفاعل فيه مجموعة من المرتكزات والعناصر والمعارف والخبرات التي تمثل سياق الموقف، مما يفرض أن المتعلم في حاجة أكثر إلى معرفة عملية بالأحداث الجارية، لا معرفة بالجمل من حيث هي نظام افتراضي عام لا علاقة له بالاستعمال، (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة تمام حسان: ص 91-94). وفي هذا السياق يقول نعمان بوقرة: "لقد رأت اللسانيات النصية أن الصفة الأساسية القارة في النص هي صفة الاطراد والاستمرارية، وهي صفة تعني التواصل والتتابع والترابط بين الأجزاء المكونة، وبناء على هذا وذاك نوقشت مشروعية تجاوز اللسانيات النصية للسانيات الجملة بالنظر إلى عدم كفايتها التفسيرية لأنساق وعلاقات ما فوق جملية، فما يقدمه النص يمثل المعنى الكلي، بينما ما تقدمه الجملة يمثل جزءا فقط من المعنى العام، والذي يتوقف عند دلالات المورفيمات في غياب غالب لإحالتها المقامية".(نعمان بوقرة، إطلالة على اتجاهات البحث اللساني الحديث، ص 274-275).

ولا يعني ذلك أن اللسانيات النصية تلغي البحث في الجملة؛ فهي نواة النص وعليها ينهض، وإنما القصد أنها تتجاوز هذا المستوى من أجل تعرف البنية الكبرى للنص التي تتشكل من علاقات التضام والاتساق والسبك والحبك. ولهذا لا يمكن عزل مستويات النشاط اللغوي عن غيره من المستويات التي تسهم في تحقيق الترابط الكامل بين أجزاء النص، لأن غاية اللسانيات النصية هي إدراك الدلالة العامة للنصوص، والتي تتشكل من بداية النص إلى نهايته، ومن ثم لا يمكن الفصل بين المستويات اللغوية المختلفة وباقي القرائن التي تسهم في تشكل نسيج النص الذي يبدو كأنه وحدة لغوية متكاملة من حيث المبنى والمعنى؛ بحيث يتفق أوله مع آخره. و"من هنا يكون الترابط النصي، أو التماسك النصي هو وجود علاقة بين أجزاء النص أو جمل النص، أو فقراته، لفظية أو معنوية، وكلاهما يؤدي دورا تفسيريا"،(أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والتجديد: ص 117). وفي هذا الإطار سعى التداوليون إلى التمييز بين دليلين لغويين، "الدليل النمطي والدليل الاستعمالي؛ فإذا كان الدليل النمطي كيانا مجردا يجمع ما تشترك فيه مختلف الاستعمالات والأحداث اللغوية التي تجسده، فإن الدليل الاستعمالي يجسد التحققات الاستعمالية المتفاوتة للدليل الأول في مقامات تلفظية مخصوصة. ومن ثم يكون مجال المعنى التداولي هو مجال التحققات الاستعمالية لكل عبارة أو لكل دليل نمطي في مقامات مناسبة"، (محمد الحيرش، النسق والاستعمال، ص 197).  وهكذا فالمقاربة النصية هي تحليل للغة في الاستعمال، ولا تقتصر على الوصف المجرد للأشكال اللغوية بعيدا عن الأغراض أو الوظائف الاجتماعية التي تؤديها بين الناس.

  1.   معايير البناء والإنتاج النصية:

يحيل مفهوم النص إلى معاني الظهور والبروز، وغاية الشيء ومنتهاه، والحقيقة المتوصل إليها من ظاهر النص أو بالتأويل. (ينظر مجد الدين الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج1: ص 858). ويتشكل النص من خلال تفاعل المخطط الثلاثي التواصلي المتمثل في حركية الواقع، ثم السياق بمفهومه العام وحال المخاطب (مختار لزعر، من النص إلى العقل: ص 31). إن النص نظام فعال واقعي، بخلاف الجملة التي تبقى عبارة عن عناصر من نظام افتراضي. فالنص تجمع يتشكل من وظائف وعمليات قوامها الاستبدال الاختيار أو الانتقاء الذي يؤدي إلى الاستعمال الأمثل والأفضل للوقائع والبنى اللغوية، لإبلاغ الرسالة في موقف معين، وعملية الاستعمال هذه تقتضي تماسكا الوقائع اللغوية وترابطا رصفيا لغويا ومفهوميا (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء: ص 97-99). ويقصد بالربط الرصفي "الإشارة إلى العلاقات التي بين مساحات المعلومات، أو بين الأشياء التي في هذه المساحات، وهذا النوع يعتمد على الروابط السببية المعروفة بين الأحداث التي يدل عليها النص، وهي عبارة عن وسائل متنوعة تسمح بالإشارة إلى هذه المتواليات النصية" (أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة: ص131). ويتعزز تماسك النص بالترابط الدلالي، عندما تغيب الروابط المنطقية واللغوية، ويخلو من الأدوات الشكلية، فيبني المتلقي العلاقات الضمنية والخفية، بالاعتماد على السياق المحيط بالنص، والأدوات المساعدة كالترادف والتكرار والمطابقة والانطواء، والإعراب وموافقة أنظمة اللغة عموما (أحمد محمد عبد الراضي، المرجع السابق: ص 131-132). ويمكن القول إن "الربط الدلالي يشمل رعاية الموقف أو السياق، ووحدة الموضوع الكلي للنص، والتناص الذي هو تفسير الغامض، وتفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، وتخصيص العام، وتعميم الخاص، وتقييد المطلق، والإجابة بعد السؤال"، (أحمد محمد عبد الراضي: ص 132).

نفهم من كل ذلك؛ أن النص تتابع متماسك للملفوظات، وتعبير منسجم عن جملة من القضايا التي تهم موضوعا معينا. إنه سلسلة من الجمل والتراكيب ووحدة تعبير عن مضمون دلالي قيل في سياق بعينه. وللنص عموما ظهور لفظي وسياقي، فمن خلال الصياغة اللفظية والاختيارات التعبيرية يتعرف المتلقي على الموضوع والمجال الذي يتحدث عنه النص، ويبدأ في التفاعل معه. ولهذا فالنص يتكون من محتوى وتقنيات أو أدوات لغوية تنقل هذا المحتوى، وهناك ملابسات وظروف تحيط به تساعد في الفهم والتأويل.

ومجمل القول؛ هناك معايير نصية تحدد هوية النص وحقيقته، تتجلى في:

  • معيار الحبك والسبك، الذي يتصل بالنص في ذاته؛
  • معيار القصد والقبول الذي يحيل إلى المتلقي؛

معيار السياق المحيط بالنص المتمثل في الإعلامية والمقامية والتناص. (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء: ص 103-107).

ومن كل هذا؛ يظهر أن النص هو نسيج وإعادة توزيع فعال لنظام اللغة وتداخل نصي. فهو نسق من العلاقات والترابطات المتفاعلة في سياق وحدة كلية، تتحقق عبرها قوانين النحو والدلالة والتواصل. ومن فإن الحديث عن النص والنظر فيه يقتضيان استحضار جميع الأبعاد الكلامية، فالألفاظ يجب اختيارها حسب ما تتطلبه المعاني والأغراض بكل وضوح وبيان، وما يتطلبه سياق الاستعمال. وفهم الكلام أو النص لا يتوقف على استعمال الكلمات أو الجمل في حد ذاته، بقدر ما يتأتى من استعمال كلمات وجمل تصاحبها وتحتك بها؛ لأن التراكيب اللغوية ما هي إلا علاقات وروابط بين المواضع، وكل موضع يختص بوظيفته النحوية. إن السبك يعني التعليق النحوي وتنظيم العناصر اللغوية في صورة وقائع، ويعني الحبك الترابط الدلالي أو المفهومي بين فقرات النص الذي يتطلب استحضار المعارف التي كونها المتلقي من نصوص أخرى لتتفاعل مع النص الجديد، في حين يعني القصد غاية النص وهدفه الأخير، ويوضح القبول موقف المتلقي من النص، وتعني الإعلامية افتراض ما يتضمنه النص من أفكار وقضايا، وتصور المقامية مدى مناسبة النص لسياق القول، بينما يعبر التناص عن السياق الثقافي والفكري للنص الذي هو نتيجة طبيعية لتأثيرات نصوص أخرى.

ويبقى معيارا الحبك والسبك من أهم المعايير النصية؛ لأنهما يعكسان تفاعل المستوى النحوي والدلالي وتكاملهما، وعليهما يعتمد في تحليل النصوص وتأويلها، وبناء الكفاية النصية، وإذا كان السبك يعكس البعد النحوي اللغوي، فإن الحبك يمثل المستوى الدلالي والمفهومي والمعرفي. وتتحدد مهمة اللسانيات النصية في وصف هذه الجوانب المختلفة التي تسهم في تشكيل النصوص وتعبر عن أوجه الاستعمال اللغوي. وهكذا لا يمكن إغفال العلاقة الوثيقة بين الصياغة الشكلية والمضمون الدلالي والسياق التواصلي. فهذه العلاقة مسؤولة عن تشكيل هوية النصوص ووحدتها. ومن ثم فإن اللسانيات النصية تجمع بين البحث في المستوى اللغوي للنص وتراباطاته المفهومية والدلالية التي تكون في الغالب تفعيلا لقصد المتكلم، ولكي يعبر النص عن غرض معين، لابد للمتكلم أن يفعل جميع العلاقات والمعارف والمعلومات لإيصال الرسالة إلى المتلقي. "وتتوقف ملاءمة النص على التوافق الكمي بين مطالب الموقف الاتصالي ودرجة مراعاة معايير النصية" (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ص106-107).

وفي ضوء ما سلف، فإن النص وحدة كلية اتصالية مترابطة الأجزاء، يتحد فيها الشكل والمضمون في نظام من العلاقات والترابطات. وإن "أفضل طريقة إلى اكتشافات صياغة النصوص في الاستعمال أن ننظر إليها بوصفها نشاطا متصلا ببناء المعاني في مواقف تواصلية محددة، وذلك ما يضطلع به علم الدلالة الإجرائي، إذ يجعل من المعنى نتيجة لعمل يقوم به منشئا للصياغة النصية" (نعمان بوقرة، إطلالة على اتجاهات البحث اللساني: ص 283). ويتوقف فهم طبيعة هذه النصوص على فهم المكون اللساني في مستوياته المختلفة، والمكون الخطابي المتحكم في صياغة المعنى، والمكون الثقافي والمعتقدي، فالنص نتاج معتقد وظروف اجتماعية وثقافية. ومن هذا المنطق فإن النص له مقومات تتمثل في علاقات نظمية وتركيبية ودلالية وتداولية.

 

تابع

تعليم اللغة العربية من الكفاية اللغوية إلى الكفاية النصية
Partager cet article
Repost0
10 octobre 2024 4 10 /10 /octobre /2024 17:16
تتمة -تعليم اللغة العربية من الكفاية اللغوية إلى الكفاية النصية

تعليم اللغة العربية من الكفاية اللغوية إلى الكفاية النصية

 

1-د.طريق زينون TARIK ZINOUN

2-دة. غزلان شهبونGHIZLANE CHAHBOUN

 

دراسة محكمة

تتمة

4-  في الكفاية النصية:

تعد الكفاية مكتسبا ذاتيا غير مرئي، ولا يمكن ملاحظتها إلا بعد القيام بسلسلة من الإنجازات في تخصص معرفي معين. فالكفاية تبرز ملامحها عند الإنجاز، ولا تتحقق دفعة واحدة، بل تتطلب إنجاز مجموعة من المقاطع المعرفية والوحدات الدراسية والمضمونية. ومن ثم فهي تستدعي أن تبقى استعدادات المتعلم وقدراته ومهاراته مهيأة ومنفتحة على العمل والتواصل والبناء. ولهذا فالكفاية نتاج وثمرة سلسلة من الحلقات التعليمية التعلمية، وحصيلة معرفية وأدائية لمجموعة من المكتسبات المترابطة فيما بينها، فالكفاية في الحقل التربوي تقترن بالفعل والإنجاز وحسن التصرف وبوضعيات تعليمية تعلمية، وتتميز بمجموعة من الخصائص (ينظر عبد الرحيم الواثق العلوي، تقويم الكفايات اللغوية واستراتيجية تعليم وتعلم اللغة: ص 38-39). أما الكفاية في الخطاب اللساني فهي قدرة المتكلم على إنتاج التراكيب والجمل، وفهم أبعادها، أثناء التحدث بهذه اللغة والتواصل بها، بما في ذلك الجمل التي لم يسبق له سماعها، فهي عند تشومسكي المعرفة الضمنية للغة، وهي ذات إطار ذاتي خاص بمتكلم اللغة. إنها ملكة لغوية لا شعورية، تعزى إلى منطقة اللاوعي عند الإنسان، وتقابل الاستعمال أو الإنجاز الذي هو انعكاس أثناء التكلم للكفاية اللغوية، والذي يبقى عرضة للتغيير حسب المستوى المعرفي لكل فرد واستعداداته (ينظر عبد القادر عبد الجليل، علم اللسانيات الحديثة: ص 266-268). ومن خلال الإنجاز والأداء يمكن تقويم الكفايات والحكم على درجة تحققها ومدى تمكن المتعلم منها، ففي نظري لا يمكن الفصل بين الكفاية والأداء، ولهذا يمكن التأكيد على أن الكفاية هي القدرة على تملك ضوابط اللغة وأنظمتها، والتصرف فيها، بما يمليه قصد المتكلم وحوافز التكلم.

 كما سبقت الإشارة، يبدو أن لسانيات اللغة أو الجملة تراجعت هيمنتها، وفقدت بريقها، لتفسح المجال أمام لسانيات النص والكلام للنظر في اللغة واستعمالاتها المختلفة. ومنه؛ تركز اهتمام أصحاب لسانيات النص على النظر في الكفاية التواصلية، وما يربط النصوص المنتجة بسياقها الاجتماعي والثقافي. وهكذا أصبحت المقاربة التواصلية تنظر إلى اللغة الطبيعية بوصفها نظاما يرتبط بظروف القول إنتاجا وتفاعلا وتأثيرا وفهما وتأويلا. ولعل استعمال الألسن يخضع إلى مجموعة من القوانين التي تحقق الكفاية النصية. فهناك قانون الخلفيات المشتركة ومنظومة الاعتقادات، وقانون السيرورة التعاونية الذي يعين على تحقيق الأغراض، وهناك قانون تصميم الخطاب للمخاطب، فلا يمكن التحدث عبثا وبدون ضوابط، علاوة على قانون تنسيق المعنى (ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، ص 84-85). هذا المعنى الذي يقتضي إخراجه وفق قوانين تأليف الكلام وتنظيمه. فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال جودة السبك والصياغة والنظم. "ولما كانت دراسة اللغة المستعملة هدفا للتعليم والتعلم، وأداة للتعبير عن الخطاب الاجتماعي، احتاجت اللسانيات التطبيقية إلى تحليل الخطاب وآلياته النقدية، ودوره التطبيقي والحيوي في خدمة اللغة وتحليل استعمالاتها وممارساتها الاجتماعية" ( أحمد كروم، اللسانيات التطبيقية، ص 136). وتسهم عملية تحليل استعمال اللغة في بيان مواقع المفردات والتراكيب والكشف عن القرائن والعلاقات اللغوية والمعنوية القائمة بينها، وهو ما يجعل المتلقي مدركا لمعانيها ودلالتها، ولن يتحقق كل هذا إلا بانضباط النصوص وتقيدها بنظم وقواعد اللغة العربية. وإذا كانت العلاقة بين مستويات اللغة وطيدة ومتكاملة، فإن العلاقة بين النظم النحوية والدلالة علاقة تلازم وارتباط، فلا نحو بغير معنى، (أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة، ص 116).

ومعلوم أن المعنى قد يختل وتضطرب صورته نتيجة النظم السقيم، فتفسد ملامحه إذا لم يحصل هناك تناسق بين اللفظ والمعنى. يقول الجرجاني في هذا المقام: "إن الألفاظ إذ كانت أوعية للمعاني، فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس، وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق... وأنك تتوخى الترتيب في المعاني، وتعمل الفكر هناك، فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها، وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم المعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق"، (عبد القاهر الجرجاني، كتاب دلائل الإعجاز: ص 53). علاوة على هذا؛ فــ"إن استعمال اللسان وبناء المعنى ليس عملا يقوم به المتكلم فحسب، بل هو صنيعة المشاركين في عملية التواصل، فكما يصمم المتكلم قولاته بناء على مخاطب بعينه، فإن المخاطب يساهم، ولو جزئيا، في تركيب المعنى بناء على وضع افتراضات واختبارها، والقيام بعمليات استدلال ذهنية لتركيب المعنى"، (ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، ص 85). وهذا التصور يربط ربطا بينا بين صورة الكلام والمعنى، يقول عبد الرحمان طعمة: "وتصورنا للمعنى، من المنظور الوظيفي، هو أن اللغة ذات مستويات ثلاثة: المستوى النحوي، والمستوى الدلالي، والمستوى الكلامي، الذي يتفاعل فيه المستويان الأولان في عملية التواصل اللغوي، وفي ظل المستويين الثاني والثالث يتم الانفتاح على الواقع بمعطياته، وهو الخارج عن المدى اللغوي وظروفه، ليتمكن المتكلم من استيعاب اختيارات تعبيرية لا يستطيع التعبير عنها فيما لو اقتصر في استعماله على القواعد النموذجية للغته".( عبد الرحمان طعمة، اللغة والمعنى والتواصل، النموذج العرفاني وأبعاده التداولية: ص 12-13).

إن الكفاية النصية في جوهرها قدرة فهم وإنتاج، وسبك العبارة دون إهدار للترابط النحوي والدلالي، أو إهمال تلازم اللفظ والمعنى. وهو ما يتيح للمتكلم اختيار بدائل اتصالية عديدة، بحيث تسهم الكفاية النصية في صياغة أكبر قدر من المعلومات بجهد أقل، واستعمال مختلف الأشكال التعبيرية وفق قوانين استعمال اللسان. (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ص 299).  ولعل الاقتصاد في الكلام من القضايا التي تنبه إليها النحاة العرب، فقد لاحظوا أن معظم كلام العرب قائم على الاختصار والإيجاز، واستعمال أقل عدد من الألفاظ للتعبير عن معان كثيرة. وفي هذه الحال تبرز قيمة التماسك الدلالي، ولهذا لا يمكن عزل مستويات النشاط اللغوي عن النظام اللغوي، فمن غير المعقول أن يكون الأداء اللغوي صحيحا، مع التفريط في صحة واستقامة المستويات اللغوية الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية والتداولية. "ومن هنا لا بد في تحليل أي مستوى من مستويات هذا النشاط أن يوضع في الاعتبار نتائج تحليل المستويات الأخرى، وبذلك يتضح أن تلاحم مستويات النشاط اللغوي ينبغي أن يقابل بتضافر العلوم المتوفرة على دراسة هذا النشاط، وليس من شك في أن محاولة تحقيق هذه الغاية أمر بالغ الصعوبة؛ إذ يتطلب قدرة على النظر الشامل، ويستلزم دقة في تلمس العلاقات المتشابكة، ويحتاج إلى بصر بأساليب تشكيل الظواهر المشتركة". (أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة، ص: 115-116).

ولا شك أن تحليل هذه المستويات وتتبعها داخل النصوص، سيكشف عن الشروط المقامية والتداولية التي كانت وراء إنتاج الكلام، وفهمه بوصفه فعلا يرتبط بقصد المتكلم، فوراء استعمال الكلام وإنتاجه "شبكة التحدث التي تستعمل في اكتشاف التصنيف الثقافي المحلي أو النسبي للوحدات التواصلية في الخطاب". ( أحمد كروم، اللسانيات التطبيقية، ص 139). إن القارئ لنص من النصوص يجب أن يتسلح ويتوسل بعدة تحليلية تسعفه في عمليات القراءة والتحليل، ولهذه الغاية "أدرك الباحثون دور التحليل النقدي في تنمية التعبير وتفعيل مهارة المحادثة، فاقترحوا بدلا من قراءة نصوص جامدة، قراءة نصوص تنمي التفكير النقدي لدى المتعلمين، وتثير الأسئلة الاستنتاجية في فصول القراءة"، (أحمد كروم: المرجع السابق: ص 144). ولعل هذا الفعل التعليمي هو ما يسهم في اكتساب كفاية تحليل النصوص وبنائها، وتنمية مهارات القراءة النقدية المتفاعلة.

إن الكفاية النصية تتحدد من خلال استخدام جملة من الوسائل والإجراءات المتعلقة بالسبك التي أشار إليها دي بوجراند، من قبيل التكرار والإضمار والحذف والإبدال الذي يشير في حقيقته إضافة إلى استعمال الضمائر وأدوات الربط إلى العلاقات المفهومية التي تكون بين أجزاء النص وفقراته، (أحمد كروم، اللسانيات التطبيقية: ص299-301). ويشير في المقام نفسه إلى أن "اعتماد هذه الوسائل على السياق يأتي عن هذه القائمة من الفوائد. والناس بحاجة عند أية لحظة معينة أثناء إنتاج النص وفهمه إلى قرائن تعين على تحديد البدائل المحتملة من بين الحالات الممكنة لدى الاستمرار في الأداء"، (روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ص 302). وهذا يوضح أن استعمال اللغة يتيح تنوعات كلامية على مستوى التخاطب. وقد اعتنت المدونة النحوية كثيرا بهذا المستوى، يقول سيبويه: "اعلم أنهم مما يحذفون من الكلم وإن كان أصله في الكلام غير ذلك، ويحذفون ويعوضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء الذي أصله في كلامهم أن يستعمل حتى يصير ساقطا". (أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبيويه، الكتاب، تصنيف منهجي وتحقيق علمي محمد كاظم البكاء، ج1، ص 34).

إن هذا الكلام يوحي أن الكفاية النصية تجعل المتعلم ينتبه إلى عوارض الكلام وإلى الخصائص التعبيرية للغة، وأن يمتد نظره إلى ما وراء التراكيب، مستحضرا كل القرائن اللفظية والمعنوية التي تعينه على تبين الجمل والتراكيب، كقرينة الإسناد والرتبة والمطابقة والربط والتضام كما وضح ذلك تمام حسان. والوقوف عند هذه العوارض يكشف أن حيوية اللغة وحركيتها تقتضي أن تحلل من وجهة نظر نصية؛ لأن استعمال اللغة يضفي على الكلمات إضافة إلى دلالاتها المعجمية دلالات جديدة تعرف من سياقها الذي وردت فيه، ومن ثم التمييز بين مستوى اللغة ومستوى الكلام أو النص، كما تفيدنا في تذوق النصوص الأدبية وإثراء التجربة الجمالية. ويبقى أهم دور تحققه الكفاية النصية تعليم اللغة العربية.

إن الكفاية النصية تمنح المتكلم حرية وطاقة تعبيرية أكبر لتوظيف قوانين القدرة اللغوية في المهارات الأدائية. وهو ما يجعل النظام اللغوي يتيح وسائل لغوية وتواصلية تعيد تشكيل البنية الأصلية والعميقة للكلام. ولبناء الكفاية النصية لا بد من الانتباه إلى كل هذه التحولات والعوارض الكلامية التي تطرأ على النمط الأصلي المعياري. وهو ما يظهر أن "كثرة البنى المتحولة بالمقايسة مع أصولها، تبعا لتمثيلها للمعاني المتكوثرة في التفاعل البشري المتنامي يوما بعد آخر، مما يفضي باللغة إلى توسيع أنظمتها الاستعمالية"، (نجم عبد الواحد حسين الجيزاني، العدول التركيبي في النحو العربي، دراسة تحليلية في ضوء المنهج التداولي، ص: 31 ). ومن ثم فالتراكيب اللغوية ترتبط أشد الارتباط بمقاصد المتكلمين الذين هم بلا شك، يعيشون في وسط اجتماعي ولغوي منفتح على التغيرات والتحولات الحضارية والثقافية. و"لا شك في تنوع أغراض التراكيب النحوية بتنوع أنساقها النمطية والعدولية، وخضوع تلك الأنساق لمواضعات النظام اللغوي وسنن مستعمليه التواصلية، وليس للمتكلم إلا أن يستثمر وسائل النظام وتقنياته لإنجاح مقاصده الكلامية" (نجم عبد الواحد حسين الجيزاني: ص31).

إن انتماء المتكلم إلى فضاء حضاري وثقافي يؤثر بقوة في كلامه الذي يتضمن قيما وتمثلات، لا شك تنعكس في ممارساته النصية والخطابية. كل هذا يدفعنا إلى القول إن الكفاية النصية تتجلى من خلال قدرة مستعمل اللغة على الإنتاج الشفهي والكتابي الذي يجب أن يخضع لأنظمة اللغة ويناسب المقاصد والأغراض والمواقف الحافزة على هذا الإنتاج. ولهذا من المفروض على المتكلم أن يراعي في كلامه مبدأ الصحة والسلامة النحوي، وأن يخرج كلامه وفق ما تمليه الظروف المحيطة باستعماله للغة. ومن هنا فالكفاية النصية تتضمن المعرفة النحوية ومعرفة المناسبة الاجتماعية المحيطة باستعمال اللغة.

5- الكفاية النصية والمهارات اللغوية

تجب الإشارة إلى أن التعليم الذي يهدف إلى إيصال المعلومات والمعارف والقواعد هو تعليم لا يراعي الطبيعة الإنسانية التي تسأم الحشد والإغراق في التقعيد والتعقيد. وهو ما يستدعي التفكير في ما يمكن أن يمنح العقل البشري حرية أكبر للتفاعل مع المحيط الاجتماعي والثقافي والتواصل معه. ولهذا كان من الضروري خلال عملية التعليم تطوير الممارسة التربوية؛ بمراعاة الخصائص الذهنية والثقافية والاجتماعية للمتعلم، وتهذيب المحتوى التعليمي بما يحقق الكفاية التواصلية والنصية، وبمراعاة المعرفة المشتركة القائمة بين أطراف التواصل التي تفسح المجال لاستيعاب الأشياء في سياقاتها وإطاراتها المركبة؛ خصوصا في أثناء تدريس المهارات اللغوية وبناء الكفاية النصية التواصلية. إن التعامل مع النص في مجال الممارسة التربوية يجب أن يفضي إلى تنمية القدرة على التواصل لدى المتعلم.

وإذا كانت الكفاية اللغوية كما تصورها تشومسكي تعني القدرة على إنتاج عدد لا متناه من الجمل التي لم يسبق للمتكلم أن سمعها من قبل ومن ثم الحكم عليها، فإن الكفاية النصية هي قدرة وظيفية تواصلية، تشمل كفاية الفهم والإفهام وعمليات التلقي والإنتاج. ولهذا يجب أن ينحو تعليم اللغة العربية نحو "غرس الكفاية اللغوية التواصلية، بما يتيح استضمار الكفاية النحوية وإسقاطاتها اللغوية الفعلية من جهة، والإحاطة بسياقاتها المناسبة وظروفها التي تقتضيها من جهة ثانية، باعتبار أن الوحدة الأساسية في تعليم اللغة إنما هي الخطاب لا الجملة بمفهومها النحوي المجرد". ([1] نواري سعودي أبو زيد، اللغة وبناء الإنسان دراسات في اللسانيات التطبيقية (حقل التعليميات): ص 92).

وانسجاما مع هذا التصور، فإن بناء أو إكساب الكفاية النصية يقوم في أوله على ممارسة النسق اللغوي وربطه بالتواصل الشفهي، ليتعلم الطفل مهارات لغوية وحياتية في المدرسة؛ يتعلم كيف يسمع، كيف يعيد، كيف يجيب، كيف يلاحظ ويعبر ويعلق ويحاور... وهذا ما يجعل المتعلم أكثر حيوية مما يريد أن يكون عليه، تتحكم فيه حركية اللغة، ومدى قدرتها على احتواء واقعه بالكلمات. ولهذا، "عندما نتواصل بواسطة استعمال اللغة فإننا نقوم في الواقع بشرح ما هو غير لغوي من أفكارنا ومشاعرنا أو معتقداتنا أو رغباتنا، وعندما نتواصل نريد في الحقيقة أن نجعل أفكارنا علانية مشتركة قابلة للتقييم وقابلة أن تكون مؤثرة في من حولنا، فعندما نتواصل نعبر أيضا عن حاجاتنا المتعددة، وعندما نتواصل نضع المقدمات الطبيعية للأعمال التي نراها مهمة، إذ بدون لغة لا يمكن أن يكون هناك عمل، فالإنسان وهو يتحدث عن أفعال فإنه أيضا يبني أفعالا". (عبد السلام عشير، الكفايات التواصلية، اللغة وتقنيات التعبير والتواصل: ص 29).

هذا الأمر يحفز المشتغل في حقل تعليم اللغة العربية إلى العناية بتنمية القدرة التواصلية، في سيرورة تعليمية، تراعي وتدمج ما هو لساني وما هو تواصلي وما هو ثقافي، لبناء الكفاية النصية التي هي ثمرة لتكامل وتفاعل المعطيات اللسانية والتواصلية، وهو ما يفرض إيلاء أهمية كبرى للانغماس اللغوي بوصفه ممارسة تربوية كفيلة ببناء الكفاية النصية. فالبيئة التي يشتغل فيها المتعلم تؤدي دورا مهما في تعلم اللغة، "حيث إن البيئة الطبيعية للغة تكون ذات أهمية إضافية حينما يكون تركيز المتكلم على التواصل اللغوي لا على اللغة نفسها. ففي الحديث بين شخصين تكون المحادثة طبيعية، وكذلك ينساب تبادل الألفاظ بشكل طبيعي. إن المشاركين في تبادل الحديث يهتمون بتبادل المعلومات والأفكار، وفي الوقت نفسه يستعملون أبنية اللغة، ويحدث ذلك علميا دون وعي أو إدراك لبناء الجمل الذي يستعملونه"،(خالد حسين أبو عمشة، نظريات اكتساب اللغة الثانية في الفكر اللغوي العربي وتطبيقاتها المعاصرة: ص 67). وهذا يفسر أن كلا من المقاطع الصوتية والتعبيرية والتراكيب دالة على المعاني والمقاصد التي يهدف إليها المتكلم، وأن هذه المعاني لا يمكن إدراكها سواء من المتكلم أو المتلقي إلا بالاعتماد على الأنساق التي يمتلكها كل واحد ضمن مجموعته اللسانية. ومن ثم لا يمكن فهم نص إلا إذا كان موافقا للنظام اللغوي الذي يكون مشتركا بين أبناء المجموعة اللسانية الواحدة.

ولذلك لا بد من الوعي أثناء بناء الكفاية النصية أن يعي المعلم أن اللغة نظام تشتمل على مستويين اثنين يتكاملان؛ المستوى الموضوعي للغة الذي يتجلى في المستويات اللسانية، والمستوى الوظيفي للغة الذي يمثل مهارات اللغة الأربع: الاستماع والمحادثة والقراءة والكتابة (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص71). إن المستوى الأول يعد دخلا للمستوى الثاني. وتعد مهارة الاستماع أهم مهارة في المستوى الوظيفي، لهذا؛ يظل الاستماع والاستيعاب عملية تفاعلية، تقتضي تجنب كل ظروف التشويش في عملية الاستقبال، من مثل التكثيف اللغوي والمعرفي في النص أو الاختصار الذي يؤدي إلى الإخلال بالمعنى (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص 91). ويلزم عن هذا ضرورة الإحاطة بالنص من حيث هو متواليات من الجمل والتراكيب، تسهم فيه الظواهر اللغوية والتواصلية في تناميه وبنائه، ولهذا يجب مراعاة مبدإ التدرج في التسميع والسرد وإعادة الإنتاج.

ويبقى "من المهم في تدريس مهارة الاستماع الاهتمام بالمهام الكبيرة والصغيرة، أو الانتقال من العام إلى الخاص، وينبغي التنبه إلى أنواع الاستماع، وممارساته، كالاستماع الترجيعي، والاستماع المركز على مهمة (كلمات، أدوات الربط، فهم من الداخل إلى الخارج)، واستماع الاستجابة، واستماع الوصول إلى معلومة (البحث عن معلومة: أسماء، تواريخ، أحداث، مواقع، أفكار رئيسة، والاستماع الموسع (من الخارج إلى الداخل)، والاستماع التفاعلي (يشمل كل السابق)" (عن (خالد حسين أبو عمشة، ص: 91).

كما يجب الحرص على الإفادة في الكلام ونفعية الخطاب، فالنص لا يكون واضحا إلا إذا كان مبينا، وأفاد فائدة تامة يحسن السكوت عليها، ولا شك أن الإفادة تتحقق بإضافة معان ومعارف جديدة إلى المتلقي. وفي أثناء الاستماع يجب تفادي كل ما يفضي إلى اللبس، فأمن اللبس غاية لا يمكن التفريط فيها، واللغة الملبسة لا تصلح وسيلة للإفهام والفهم. ويبقى استحضار السياق عاملا حاسما في البناء وفي إيضاح الدلالة، وهو ضابط مهم حتى لا يهيم المتلقي في التأويل، ومن ثم البعد عن المقاصد والأغراض المتضمنة فيه. ولهذا يجب أن يعيي منشئ الكلام أن استعمال النسق اللغوي لا بد أن يتقيد بالظروف.

وفي أثناء تدريس القراءة ينبغي الاهتمام بمجموعة من القضايا، كإعطاء أهمية للطلاقة والتذوق الجمالي للنصوص القرائية، والاهتمام بالذخيرة المعجمية ودور الثقافة في القراءة باعتبار النصوص وسيلة من وسائل تمثيل الأنشطة الإنسانية، والتنويع في النصوص القرائية فهي وضعيات حوارية، لها قيمة في التواصل الإنساني (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص92-93). وهذا التنويع يجعل المتلقي يتفاعل مع نصوص غنية من حيث الأداء اللغوي والتعبيري والأسلوبي، مما يكسبه نفسا أدبيا وفكريا. ولن يتحقق هذه الملكة إلا باختيار النصوص الأجود لفظا، والأعمق فكرا وثقافة، وأقواها صورة وأسلوبا وصياغة. كل هذا يجعل النص القرائي درسا محوريا لتنمية المهارات والمعارف اللغوية.

وبالنسبة للتحدث تجب العناية بمستوى الطلاقة والدقة والسلامة اللغوية، والحفز على توظيف اللغة في سياقات ووضعيات تواصلية مختلفة، مع العناية بالتصحيح اللغوي، والربط بين مهارات الاستماع والتحدث، ومن العناصر المساعدة على حسن التحدث اختيار الطبقة الملائمة للكلام واحترام صفات الأصوات والعناية بجرسها وضبط توزيع زمن التكلم المتفق مع نظام اللغة وقوانين الكلام والاتصال. ولا شك أن هذه العناصر تسعف في توصيل الأفكار والتأثير في المتلقي.

أما مهارة الكتابة فتتحقق من خلال استثمار ما تحصل في باقي المهارات اللغوية، مع إدراك أنماط الكتابة، والأخذ بالحسبان الأبعاد الثقافية، ومحاكاة النماذج الكتابية والإبداعية الجيدة والسامية، وتطبيق استراتيجيات الكتابة في مراحل الكتابة من تخطيط وإنجاز وتقويم (خالد حسين أبو عمشة، المرجع السابق: ص 95-96). ولا شك أن هذا سيسهم في تحقيق التواصل بين المتكلم والمتلقي، الذي يبقى متوقفا على تحقيق صحة الكلام في جميع مستوياته، وهذه الصحة تنمو بتدرج، لهذا يجب أولا الاستئناس بكتابة النصوص العادية، إلى أن نصل بالمتعلم إلى إبداع نصوص أدبية، وهنا تتحقق ملكة الذوق الرفيع التي تبنى على التمرس بالأساليب الأدبية المتنوعة.

الخاتمة:

لقد استهدف هذا البحث بيان قيمة اللسانيات النصية، ودورها في تناول مجموعة من القضايا التي تتصل باستعمال اللغة في الواقع الاجتماعي. وقد كانت طرحا لسانيا ثار في وجه الدراسات اللسانية التي تجعل من اللغة نظاما افتراضيا، ومنظومة مجردة من الاستعمال، فلم تقف اللسانيات النصية عند العلامات الإعرابية أو الوظائف النحوية، وإنما اتجهت نحو دراسة معالم النص اللغوية والدلالية، فبحثت في قضايا الترابط النحوي والترابط المعنوي، وما يحقق للنص تماسكه واتساقة، واستخلصت جملة من المعايير والتقنيات التي يمكن اعتمادها لإدراك البنية الكلية لأي نص وتحليله، فقضت بأن  قراءة والنص وتحليله ينهضان على تفكيك وحداته ومتوالياته التركيبية ووصفها وصفا شكليا، لكن دون التفريط في عناصر الربط الدلالي والمعرفي بين هذه المتواليات والجمل؛ لأن النص في جوهره لا يفهم ولا يبنى إلا في تفاعله اللفظي والتواصلي المرتبط بالنظام المعرفي الاجتماعي. والأخذ بهذه الجوانب والأبعاد بلا شك سيؤدي إلى تنمية الكفاية النصية التي هي قدرة إنتاج وتلق وفهم لظواهر تتجاوز حدود الجملة، وتنبني هذه الكفاية على وعي المتلقي للنصوص بالظواهر والمستويات اللغوية والموضوعية الكامنة فيها، وهو ما يفرض استحضار عناصر تركيبية ودلالية وتداولية في أثناء تدريس المهارات اللغوية. ويبقى هذا رهينا بالانفتاح على حقل اللسانيات التطبيقية الذي قدم واقترح جملة من الحلول والأجوبة على المشكلات التي يطرحها تعليم اللغات، واللغة العربية على وجه الخصوص.

المصادر والمراجع:

  1. أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه، الكتاب، تصنيف منهجي وتحقيق علمي محمد كاظم البكاء، دار الرسالة العالمية دمشق، ط2، 2018.
  2. أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الأصالة والحداثة، الناشر مكتبة الثقافة الدينية القاهرة، ط1، 2008.
  3. ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، قراءة تأصيلية في المفاهيم والسيرورات التأويلية، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2018.
  4. خالد حسين أبو عمشة، نظريات اكتساب اللغة الثانية في الفكر اللغوي العربي وتطبيقاتها المعاصرة، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2018.
  5. رشيدة العلوي كمال، النحو التوليدي بعض الأسس النظرية والمنهجية، منشورات ضفاف بيروت ودار الأمان الرباط ومنشورات الاختلاف الجزائر، ط1، 2014.
  6. روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة تمام حسان، عالم الكتب القاهرة، ط2، 2007.
  7. عبد الرحمان طعمة، اللغة والمعنى والتواصل، النموذج العرفاني وأبعاده التداولية، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2020.
  8. عبد الرحيم الواثق العلوي، تقويم الكفايات اللغوية واستراتيجية تعليم وتعلم اللغة، دار أبي رقراق للطباعة والنشر الرباط، ط1، 2017.
  9. عبد السلام عشير، الكفايات التواصلية، اللغة وتقنيات التعبير والتواصل، منشورات top edition، ط1، 2007.
  10. عبد القادر عبد الجليل، علم اللسانيات الحديثة، دار صفاء للنشر والتوزيع عمان، ط 1، 2002.
  11. عبد القاهر الجرجاني، كتاب دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر، الناشر مكتبة الخانجي القاهرة، ط5، 2004.
  12. فوزي حسن الشايب، سوسير أبو اللسانيات، الخلفيات والأفكار، عالم الكتب الحديث إربد الأردن، ط1، 2017.
  13. مجد الدين الفيروزآبادي، القاموس المحيط، إعداد وتقديم محمد عبد الرحمان المرعشلي، دار إحياء التراث ومؤسسة التاريخ العربي بيروت، ط 2، 2000.
  14. محمد الأوراغي، محاضرات في النظرية اللسانية والنماذج النحوية، منشورات ضفاف بيروت ودار الأمان الرباط ومنشورات الاختلاف الجزائر، ط1، 2018.
  15. محمد الحيرش، النسق والاستعمال من لسانيات اللغة إلى لسانيات التواصل، دار الفاصلة للنشر طنجة، ط1، 2021.
  16. محمد بلبول، الفرضية الفطرية وطريقة اشتغال اللغة، ضمن كتاب جماعي لسانيات تشومسكي، مراجعة نقدية في الأسس المعرفية، (تحرير يوسفإسكندر ومؤيد آل صونيت)، دار دجلة بيروت، ط1، 2019.
  17. مختار لزعر، من النص إلى العقل، دار كنوز المعرفة عمان، ط1، 2018.
  18. مؤيد آل صونيت، طروس في اللسانيات، الناشر جامعة الكوفة، سلسلة دراسات فكرية، ط1، 2021.
  19. نجم عبد الواحد حسين الجيزاني، العدول التركيبي في النحو العربي، دراسة تحليلية في ضوء المنهج التداولي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2019.
  20. نعمان بوقرة، إطلالة على اتجاهات البحث اللساني الحديث، من لسانيات اللغة إلى لسانيات الاستعمال، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع عمان، ط1، 2020.
  21. نواري سعودي أبو زيد، اللغة وبناء الإنسان دراسات في اللسانيات التطبيقية (حقل التعليميات)، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع إربد الأردن، ط1، 2020.
تتمة -تعليم اللغة العربية من الكفاية اللغوية إلى الكفاية النصية
Partager cet article
Repost0
10 octobre 2024 4 10 /10 /octobre /2024 08:34
مادة التربية الإسلامية بين  القيم المرجعية والديدكتيك

مادة التربية الإسلامية بين  القيم المرجعية والديدكتيك

د.عبد الجليل بوسيف

دراسة محكمة

أستاذ مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس

ملخص

تتمحور التربية على القيم في المنهاج المغربي حول تكوين متعلم يمتلك القدرة على فهم وتطبيق القيم في مواقف حياتية معقدة، حيث تندمج القيم في صلب العملية التعليمية والتربوية لتعزز من تكامل جوانب الشخصية وتنمية المهارات والكفايات الضرورية لمواجهة تحديات الحياة.

وتقوم المقاربة بالكفايات على تحويل التعليم من مجرد عملية حفظ للمعلومات إلى عملية تعلمية تعتمد على استثمار المعرفة في سياقات حقيقية. من هذا المنطلق، يُعتبر غرس القيم جزءاً لا يتجزأ من العملية التربوية، حيث تُدمج القيم في الأنشطة التعليمية والمناهج بطرق تجعلها متاحة للطلاب لتجربتها وتطبيقها بشكل عملي. على سبيل المثال، لا يقتصر تدريس قيمة مثل "التعاون" على تقديمها نظريًا، بل يُطلب من الطلاب المشاركة في مشاريع جماعية تُطبق فيها هذه القيمة، ما يعزز من تطوير كفايات العمل الجماعي وحل المشكلات.

الكلمات المفاتيح: مادة التربية افسلامية، الديدكتيك، الكفايات، المنهاج

Abstract

Value education in the Moroccan curriculum revolves around the formation of a learner who has the ability to understand and apply values ​​in complex life situations, where values ​​are integrated into the core of the educational and pedagogical process to enhance the integration of personality aspects and the development of skills and competencies necessary to face life's challenges.

The competency-based approach transforms education from a mere process of memorizing information to a learning process that relies on investing knowledge in real contexts. From this standpoint, instilling values ​​is considered an integral part of the educational process, where values ​​are integrated into educational activities and curricula in ways that make them available to students to experience and apply in practice. For example, teaching a value such as "cooperation" is not limited to presenting it theoretically, but students are asked to participate in group projects in which this value is applied, which enhances the development of teamwork and problem-solving competencies.

Keywords: Islamic education, didactics, competencies, curriculum

مقدمة:

يشمل المنهاج المغربي القيم الدينية، الاجتماعية، الوطنية، والإنسانية كجزء من محتوياته، حيث يتم تعزيز قيم التسامح، الحوار، الاحترام، والمواطنة. وتهدف هذه القيم إلى إعداد مواطنين قادرين على التفاعل الإيجابي مع محيطهم وتطوير وعيهم الذاتي والاجتماعي. هذا يساهم في تعزيز قدرتهم على التفكير النقدي والتحليل الموضوعي للمواقف.

أولا: المرجعية التربوية للقيم

    تعد التربية على القيم رافعة للنهوض بالمنظومة التربوية وأحد مداخل تكوين وتأهيل العنصر البشري، وتحقيق اندماج فعال للمتعلم، بل تروم تحقيق الجودة التربوية والرفع من المردودية. لذا نجدها حاضرة وبقوة في مختلف المرجعيات التربوية بدءا بالميثاق الوطني للتربية والتكوين وانتهاء بالقانون الإطار51-17.

  • تنص مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين في قسمه الأول المرتبط بمبادئ المنظومة التربوية على:
  • التمسك بمبادئ قيم العقيدة الإسلامية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان لتكوين مواطن متصف بالاستقامة، الاعتدال والتسامح، شغوف بطلب العلم والمعرفة والإبداع، بإيجابية والإنتاج النافع، وبالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص والوعي بالواجبات والحقوق؛ طبوع بروح المبادرة الإيجابية.
  • التفاعل مع مقومات هويته المغربية في تعدديتها وتنوعها، في انسجام وتكامل وانفتاح على معطيات الحضارة الإنسانية وما تزخر به من ثقافة تكرس حقوق الإنسان؛ الالتحام بالنظام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق القائم على ثوابت ومقدسات يجليها الإيمان بالله وحب الوطن والتمسك بالملكية الدستورية؛ والمشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص؛
  • احترام حقوق الطفل والمرأة والإنسان عامة، كما تنص المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب؛
  • بناء مدرسة وطنية جديدة ومتجددة مفعمة بالحياة ذات نهج تربوي نشيط يعتمد التعلم الذاتي والحوار والمشاركة في الاجتهاد الاجتماعي؛
  • المساواة بين المواطنين/ات (وتكافؤ الفرص أمامهم، وضمان حق التعليم للجميع طبقا لما يكفله الدستور)

    أما الكتاب الأبيض سنة 2002م، فقد جعل مدخل التربية على القيم اختيارا استراتيجيا لتطوير المنظومة التربوية من خلال القيم التيتم إعلانها كمرتكزات ثابتة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والمتمثلة في: 

  • قيم العقيدة الإسلامية؛
  • قيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛
  • قيم المواطنة؛
  • قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية.

يهدف المنهاج التربوي إلى تحقيق مجموعة من المواصفات تتجلى فيجعل المتعلم:

  • متشبثا بالقيم الدينية والخلقية والوطنية والإنسانية؛
  • متشبعا بروح التضامن والتسامح والنزاهة؛
  • متشبعا بمبادئ الوقاية الصحية وحماية البيئة؛
  • قادرا على اكتشاف المفاهيم والنظم والتقنيات الأساسية التي تنطبق على محيطه الطبيعي والاجتماعي والثقافي المباشر.

وبإصدار دليل للحياة المدرسية سنة 2008، أشار إلى أن المدرسة بيئة تستند إلى مقاربات تشاركية وحقوقية وتعاقدية، تراعي مقتضيات الإنصاف والنوع والملاءمة والإدماج، وتوفر المناخ التربوي والاجتماعي المناسب للتنشئة المتكاملة، وتركز على إكساب المتعلمين الكفايات والقیم التي تؤهلهم للاندماج الفاعل في الحیاة، وترجمة القیم والاختيارات إلى ممارسة ملموسة في حیاتهم من خلال السلوك المدني المواطن، واحترام التنوع الثقافي والاختلاف في الرأي، والممارسة الديمقراطية، واتخاذ المبادرات والقرارات عن بیِّنة واقتناع.

  وبالنسبة لدستور 2011م، يطالعنا في نص التصدير مجموعة من القيم المستهدفة باعتباره يحدد الملامح العامة لأي إصلاح. نورد بعضا منها كما يلي:

  • تقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية...
  • المملكة المغربية دولة إسلامية، ذات سيادة كاملة، متشبتة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية...
  • تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء.

أما الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015-2030 التي جعلت ضمن غايات المنظومة التربوية ضرورة اعتبار التربية على قیم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة وفضائل السلوك المدني، والنهوض بالمساواة ومحاربة كل أشكال التمییز، خیارا استراتيجيا لا محید عنه، الأمر الذي ركزت عليه الرافعة الثامنة عشرة، التربية على القیم التي استدعت حشد كافة الجهود لخدمتها وتكريسها بالمدرسة المغربية من لدن كل مكونات المنظومة التربوية وشركائها، ذلك بتصريفها عبر أربعة مستويات:

  • النهج التربوي؛
  • البنيات التربوية والآليات المؤسساتية؛
  • الفاعلين التربويين؛
  • علاقة المؤسسة التربوية بالمحيط.

بل دعت الرؤية الإستراتيجية من أجل ترسيخ القيم إلى "وضع صيغ محفزة على الخدمة التطوعية للتلاميذ والطلبة ومتدربي التكوين المهني، في إطار مشروع المؤسسة، من قبيل الانخراط في برامج التربية البيئية أو الطرقية، والمبادرات ذات الطابع الاجتماعي والتضامني، مع احتسابها في تقييم مردودهم الدراسي والتكويني". ( )

  • يخضع نظام التربية والتكوين للحاجيات المجتمعية من جهة والحاجيات الشخصية الدينية والروحية للمتعلمين من جهة ثانية. ويتوخى تحقيق الغايات التالية:
  • ترسيخ الهوية المغربية الحضارية والوعي بتنوع وتفاعل وتكامل روافدها
  • التفتح على مكاسب ومنجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة
  • تكريس حب الوطن وتعزيز الرغبة في خدمته
  • تكريس حب المعرفة وطلب العلم والبحث والاكتشاف
  • المساهمة في تطوير العلوم والتكنولوجيا الجديدة
  • تنمية الوعي بالواجبات والحقوق
  • التربية على المواطنة وممارسة الديمقراطية
  • التشبع بروح الحوار والتسامح وقبول الاختلاف
  • ترسيخ قيم المعاصرة والحداثة
  • التمكن من التواصل بمختلف أشكاله وأساليبه
  • التفتح على التكوين المهني المستمر
  • تنمية الذوق الجمالي والإنتاج الفني والتكوين الحر في مجالات الفنون والتقنيات 
  • تنمية القدرة على المشاركة الإيجابية في الشأن المحلي والوطني. ( )
  • والوسائل والآليات الأساسية للاستجابة للحاجات الشخصية للمتعلم فيما يلي:
  • الثقة بالنفس والتفتح على الغير 
  • الاستقلالية في التفكير والممارسة.
  • التفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته
  • التحلي بروح المسؤولية والانضباط
  • ممارسة المواطنة والديمقراطية
  • إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي
  • الإنتاجية والمردودية
  • تثمين العمل والاجتهاد والمثابرة
  • المبادرة والابتكار والإبداع
  • التنافسية الإيجابي
  • الوعي بالزمن والوقت كقيمة أساسية في المدرسة وفي الحياة
  • احترام البيئة الطبيعية والتعامل الإيجابي مع الثقافة الشعبية والموروث الثقافي والحضاري المغربي. ( )

وبتصدير الرؤية الإستراتيجية 2015-2030م نلمس مجموعة من الغايات المتوخاة تهم بناء مواطن:

• متمسك بالثوابت الدينية والوطنية والمؤسساتية للمغرب، وبهويته في تعدد مكوناتها وتنوع روافدها، ومعتز بانتمائه لأمته، وقادر على الموازنة الذكية والفاعلة بين حقوقه وواجباته

• متحل بقيم المواطنة وفضائل السلوك المدني، متشبع بالمساواة والتسامح واحترام الحق في الاختلاف، وعارف بالتزاماته الوطنية وبمسؤولياته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، مسهم في الحياة الديمقراطية.

• ذو تكوين متكامل ومتجانس بين تحصيل وبناء المعارف، وامتلاك الكفايات والمهارات، وفن الحياة والعيش المشترك، وتعلم واكتساب الخبرة.

ونجد بالرؤية الإستراتيجية للتربية والتكوين بالرافعة الثامنة عشر المتعلقة بترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة انه " يتعين جعل التربية على القيم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة وفضائل السلوك المدني، والنهوض بالمساواة ومحاربة كل أشكال التمييز، خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، يتم تصريفه على المستويات الأربعة التالية:

  • مستوى النهج التربوي
  • مستوى البنيات التربوية والآليات المؤسساتية
  • مستوى الفاعلين التربويين
  • مستوى علاقة المؤسسة التربوية بالمحيط".

ثانيا: القيم وفق منهاج مادة التربية الإسلامية:  سلك الابتدائي نموذجا

تعد مادة التربية الإسلامية فضاء رحبا لترسيخ القيم، والرقي بسلوك المتعلم الديني أولا وبحاجة المجتمع الإسلامي ثانيا من خلال تحقيق مقاصد كلية السالفة الذكر، يتم أجرأتها عن طريق توظيفها في الكتب المدرسية والتركيز عليها لتيسير فهمها لدى المتعلم مراعيا الفئة العمرية له والفوارق الفردية والقدرات العقلية. وهذا ما جعل المنهاج المعدل منهاج المداخل. 

والمدخل في اللغة هو " موضع الدخول، ومدخل الكتاب مقدمته. واصطلاحا: هو المنطق العام الذي نطل من خلاله على الظاهرة موضوع الدراسة، فهو يضم مجموعة من القضايا المترابطة التي توجه رؤيتنا للظاهرة موضوع الدراسة، ويقترب من مفهوم الإطار التصوري أو مفهوم الإطار المرجعي كما يقترب من مفهوم النظرية العامة." ومن بين المداخل الرئيسية الآتية:

 التزكية: يقصد بها تزكية النفس وتطهيرها بتوحيد الله وتعظيمه ومحبته وذلك بدوام مناجاته من خلال تلاوة القرآن والاتصال به وتعرف قدرة الله وعظمته قصد ترسيخ قيمة التوحيد له المحبة الاستقامة، الحرية، الإحسان، التواضع لدى المتعلم لقوله تعالى: " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " (الجمعة /الآية 2).

 الاقتداء: يقصد به معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال وقائع السيرة وشمائله وصفاته الخلقة والخلقية باعتباره النموذج البشري الكامل قصد محبته وإتباعه والتأسي به لنصرته وتعظيمه وتوقيره لقوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا " (سورة الأحزاب / الآية 21).

 الاستجابة: ويقصد بها تطهير الجسم والقلب لتأهيل المؤمن لعبادة الله وشكره بالذكر والدعاء بهدف تزكية الروح لتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة. لقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون " سورة الأنفال الآية 24.

 القسط: ويقصد به تعرف المتعلم(ة) مختلف الحقوق: حق الله في التعظيم والتنزيل، حق النفس في التربية والتهذيب، وحق المخلوقات في الإصلاح والرعاية، وحق الخلق في الرجمة والنفع والنصح، وغاية هذه الحقوق والواجبات الوصول بالفرد إلى التعامل الإيجابي مع كل ما خلق الله من الكائنات، وذلك برعاية حقوقها والعناية بها قصد إصلاح أحوالها وفق منظور الرحمة والرعاية، لقوله تعالى: " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط". (سورة الحديد/الآية: 24).

 الحكمة: وتعني إصلاح النفس وتهذيبها والسمو بها وتطهيرها وفق توجيهات الشرع، بما يرفع الفرد إلى مستوى الإيجابية والمبادرة بالأعمال الصالحة، للتقرب إلى ربه عز وجل وتعميم النفع وإتقان الأعمال وفق قيم الرحمة والتضامن والمبادرة، لقوله تعالى: " يوتي الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب" (سورة البقرة/269)، وقوله تعالى:

" ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (سورة الأعراف/الآية: 55). وقوله تعالى: " وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"(سورة القصص/ ص: 77)

ثالثا: تقويم القيم في مادة التربية الإسلامية

وبالنسبة لتقويم القيم في مادة التربية الإسلامية، لم تول المرجعيات التربوية أهمية بالغة لها رغم تأكيدها على ذلك في الفقرة الثانية من الرافعة الثامنة عشر بالرؤية الإستراتيجية لإصلاح المنظومة التربوية 2030-2015م على الرغم من الاهتمام الذي أولته المدرسة المغربية للتربية على القيم وحقوق الإنسان وثقافة المساواة بين الرجال والنساء وقيم التسامح، استمرت السلوكات اللامدنية في الانتشار كالغش والعنف والإضرار بالبيئة وبالملك العام داخل المؤسسات التعليمية والتكوينية وفي محيطها.)الرؤية الإستراتيجية 2030-2015(.وهذا يظهر بجلاء ضعف الاهتمام بتقييم القيم على مستوى درس معين أو على مستوى الأطر المرجعية للامتحانات الإشهادية. 

وبرجوعنا للأطر المرجعية الخاصة بالامتحان الإشهادي لمستوى السادس الابتدائي، نجد إصرارا على تقويم المعارف بنسبة 40% بحساب 4 نقط في حين استخراج القيم وتوظيفها لا تتعدى 10%بحساب نقطة واحدة وتحديد المواقف والتعبير عنها وتعليلها بنسبة 10%بحساب نقطة واحدة مما يدل على صعوبة الاستدلال على السلوك الملاحظ والمترسخ لدى المتعلم.

ويقترح الدكتور خالد البورقادي أجرأة لتقويم القيم داخل الفصول والمؤسسات التعليمية:

  • " الاشتغال مع المتعلمين عبر مشاريع شخصية تظهر كفايات المتعلم المتنوعة، وتمكن من تتبع وقياس اكتساب القيم وتمثلها ونموها.
  • المقابلة الشخصية: فيها يوجه المدرس مجموعة من الأسئلة المفتوحة إلى المغلقة إلى المتعلم، ويطلب منه الإجابة شفويا. ومن خلال الحوار والمناقشة والسؤال والجواب، وتبادل الأفكار والآراء، يحدد مدى استجابة الطالب وموقفه من قيمة معينة.
  • الملاحظة المنظمة: تتبع وملاحظة سلوك المتعلم، يعد من الأساليب المباشرة لتقويم تحقق الأهداف الوجدانية واكتساب القيم.
  • استثمار نتائج تقارير مجالس الأقسام، من شأنه أن يمنح المدرس معطيات وبيانات عن مدى اكتساب المتعلم للقيم وتمثلها،
  • استثمار نقط المواظبة والسلوك وإشراك الأساتذة في عملية التقويم من خلال آلية مجالس الأقسام
  • إدماج نقطة القيم ضمن معايير ومؤشرات نقطة الأنشطة المندمجة المعتمدة ضمن المراقبة
  • المستمرة"

يتضح هنا أن المنهاج الجديد للتربية الإسلامية ركز على ترسيخ القيم وإصلاح سلوك المتعلم بدل التركيز فقط على المعارف والمهارات، ومع ذلك لازالت السلوكات المشينة للحياة المدرسية متفشية بشكل كبير كالعنف بشتى أشكاله والغش في المراقبة المستمرة والاختبارات الموحدة الإقليمية والمحلية والمخدرات والانحلال الخلقي والقيمي مما يستدعي إعادة النظر في تخطيط وتدبير وتقويم القيم خلال الممارسة الفصلية.

خاتمة: 

إن التربية على القيم لها ارتباط وثيق بالإنسان لذلك فالحاجة ماسة دائما لإحيائها وتجديد ممارستها بما يتوافق مع التغيرات والتحولات والمستجدات التي تواكب المجتمعات ناهيك عن التطور الحاصل في مجال التكنولوجيا والإعلام... 

والواقع التربوي لا زال يكشف لنا تضعضع التربية على القيم ما دمنا نعايش خطورة الوضع الأخلاقي والقيمي في محيط مؤسساتنا التربوية التعليمية، مدرسة كانت أو جامعة كانتشار العنف والغش.

ولتحقيق الأهداف السابقة المعرفية والوجدانية والسلوكية لابد من الانطلاق من وضعية مشكلة مرتبطة بالحياة اليومية للمتعلمين واعتماد أسناد شرعية (قرآن وسنة) لبناء المفهوم وغرس القيم الايجابية، ولا يتأتى ذلك إلا عبر تقنيات تنشيط متنوعة ومختلفة وطرائق فعالة تروم تحقيق الأهداف المسطرة والوجدانية خاصة.

المراجع و الهوامش:

  1. أحمد مهدي عبد الحليم: تعليم القيم فريضة غائبة، (1993)، مجلة المسلم المعاصر، الجيزة، مصر، العدد: 65/66.
  2. عبد اللطيف الفارابي وآخرون: معجم علوم التربية: مصطلحات البيداغوجيا والديدكتيك (1994): سلسلة علوم التربية، العدد 9 و10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء. الطبعة الأولى.
  3. خالد الصمدي: القيم الإسلامية في المناهج الدراسية) 2003(، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة.
  4. محمد قطب: منهاج التربية الإسلامية، بدون سنة النشر، الجزء الثاني.
  5. عبد الرحيم شباك: التدبير الديدكتيكي لدرس التربية الإسلامية وفق المنهاج الجديد (2017م)، دار احياء العلوم، الدار البيضاء.
  6. الوضعية المشكلة في درس التربية الإسلامية ودورها في إسناد التعلمات / بقلم محمد لفرم مفتش ممتاز للتعليم الثانوي، وباحث في علوم التربية والعلوم الشرعية.
  7. تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي.2017.
  8. الميثاق الوطني للتربية والتكوين ،2002.
  9. الرؤية الاستراتيجية للتربية والتكوين 2015-2030.
  10. القانون الإطار 17-51.
  11. الكتاب الأبيض لمراجعة البرامج والمناهج.
  12. منهاج التربية الإسلامية لجميع المستويات الدراسية بالتعليم الابتدائي 2007.
مادة التربية الإسلامية بين  القيم المرجعية والديدكتيك
Partager cet article
Repost0
26 septembre 2024 4 26 /09 /septembre /2024 17:44
الحياة المدرسية:الأنشطة وتجويد التعلمات

 الحياة المدرسية:الأنشطة وتجويد التعلمات

 

د. عبد الجليل بوسيف*

 

دراسة محكمة

 

أستاذ مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس*

ملخص:

الحياة المدرسية هي جزء أساسي من العملية التعليمية - التعلمية، وهي تشمل الأنشطة الصفية وغير الصفية، وتسهم في بناء شخصية المتعلمين وتطوير مهاراتهم  في جميع ميادين الحياة. وتتضمن كذلك  الدروس المنظمة والمقررات الدراسية التي تهدف إلى تعزيز الفهم النظري والتطبيق العملي للمواد التعليمية. هذه الأنشطة تكون غالباً تحت إشراف المعلم وتستخدم أساليب تدريسية متنوعة مثل المناقشات والعروض التقديمية والعمل الجماعي.

اما الأنشطة المندمجة فتجمع بين الجوانب الصفية وغير الصفية، حيث تُدمج أساليب التعلم بالممارسة مثل المشاريع الجماعية، المعارض المدرسية، والأبحاث التي تربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. كل هذه الأنشطة تساهم في تنمية شخصية الطالب بشكل متوازن، وتعزز لديه روح المشاركة والمسؤولية والانتماء إلى المدرسة والمجتمع.

الكلمات المفاتيح : حياة -مدرسية-أنشطةصفية -أنشطةمندمجة -- آليات-أنشطةموازيةـ

Abstract :

School life is an essential part of the educational-learning process, encompassing both classroom and extracurricular activities. It contributes to the development of students' personalities and the enhancement of their skills in various life domains. It also includes organized lessons and curricula aimed at strengthening both theoretical understanding and practical application of educational materials. These activities are often supervised by the teacher and employ diverse teaching methods, such as discussions, presentations, and group work.

Integrated activities combine classroom and extracurricular aspects, where learning by practice is incorporated through group projects, school exhibitions, and research that links theoretical knowledge with practical application. All these activities contribute to the balanced development of the student’s personality, fostering a sense of participation, responsibility, and belonging to the school and the community.

Keywords: School life, classroom activities, integrated activities, mechanisms, parallel activities

مقدمة

تشمل الحياة المدرسية جميع الأنشطة، التي يقوم بها المتعلم داخل أو خارج المؤسسة التعليمية ولإعتبارات منهجية محضة، سيتم تصنيفها إلى صنفين متكاملين :

1- الأنشطة الصفية:

هي أنشطة موزعة حسب المواد الدراسية، وتنجز من طرف مدرس القسم أو المادة، في وضعيات تعليمية تعلمية معتادة، داخل الحجرة الدراسية أو خارجها.

2- الأنشطة المندمجة:

هي أنشطة تتكامل مع الأنشطة الفصلية بفضل مقاربة التدريس بالكفايات، وقد يشارك في تأطيرها متدخلون مختلفون، كما أنها تسعى الى تحقيق أهداف المنهاج، وتعطي هامشا أكبر للمبادرات الفردية والجماعية التي تهتم أكثر بالواقع المحلي والجهوي، بالإضافة الى كونها تتيح إمكانية مناولة المواضيع والأحداث الراهنة، وتفتح المجال للتعلم الذاتي والملائم لخصوصيات المتعلمين .

وتعتبر الأنشطة المندمجة مجالا خصبا للتجديد والتجريب التربوي لمقاربات وطرق وتقنيات... يمكن اعتمادها، عند ثبوت نجاعتها ،في الممارسة الفصلية، واعتبارا لذلك سنقف على مختلف مجالاتها، وتحديد مفهومها والأهداف التربوية المتوخاة منها، وكذا تقنيات تصريفها ومناولتها...

ومن جهة أخرى، اعتمد الميثاق  الوطني للتربية  والتكوين تصنيفا للأنشطة ينبني على تقسيم المنهاج الى قسم وطني إلزامي، وقسم جهوي ومحلي، في حين صنف المخطط الإستعجالي هذه الأنشطة، في المشروع التاسع، إلى أنشطة تدريس المواد، وأنشطة الدعم المدرسي، ومواد وأنشطة التفتح، وقد خصص كل من الميثاق والمخطط الإستعجالي توزيعا زمنيا لمختلف الأنشطة سالفة الذكر[1].

وحتى لا تستأثر الأنشطة الفصلية بمجمل الزمن المدرسي، مما لا يترك حيزا زمنيا كافيا لإنجاز الأنشطة المندمجة، تستحسن إعادة قراءة المضامين الدراسية، في اتجاه تحويل بعض الأنشطة الفصلية الى أنشطة مندمجة يستدعي تنفيذها فضاء مختلفا ومتدخلين متعددين وذلك بإعداد مجزوؤءات خاصة بكل محور، جهويا أو طنيا، وتخصص لها حيز زمني مناسب في أفق تفعيل مقتضيات المخطط الإستعجالي في هذا الباب

أما الخصائص المطلوبة في مجزوءات الأنشطة المندمجة فتتجلى في التالي:[2]
 

أولا: الأسس والأهداف العامة لأنشطة الحياة المدرسية

الأسس العامة لأنشطة الحياة المدرسية :

  • التركيز على الأبعاد التربوية للأنشطة ودورها في تنمية الكفاءات المنشودة،
  • مراعاة مستوى الفئات المستهدفة
  • تحديد أهداف كل نشاط بوضوح
  • التنوع والتوازن في برمجة الانشطة ( الإجتماعية ، والثقافية ، والترفيهية، والفنية والرياضية ...) لتلبية حاجات واهتمامات المتعلمين
  • اشراك المتعلم بكيفية نشيطة في البرمجة والإعداد والتنظيم
  • اختيار الفضاء المناسب تفاديا لأي ضرر للمتعلم
  • تحديد مسؤول او مسؤولين عن كل نشاط
  • اعتماد وسائل مادية ومالية ملائمة للأنشطة المزمع تنظيمها
  • منح المتعلمين حرية كافية لإختيار الأنشطة التي تتناسب وميولاتهم وقدراتهم مع مساعدتهم وإرشادهم في ذلك
  • تثمين مجهودات المتعلمين وحفزهم على مزيد من البذل والعطاء
  • تقويم الأنشطة في أفق تطويرها وجذب اهتمام مزيد من المتعلمين بها...

الأهداف العامة لأنشطة الحياة المدرسية

  • تنمية القيم والاتجاهات والميول والمهارات وأساليب التفكير
  • تمكين المتعلمين من بناء شخصيتهم معرفيا ووجدانيا ومها ريا
  • تمكينهم من التعرف على ذواتهم وميولاتهم وإمكاناتهم
  • إظهار طاقاتهم وميولاتهم ومواهبهم وإشباع حاجاتهم
  • ترسيخ حس المبادرة والابتكار لديهم
  • إعدادهم للحياة الاجتماعية
  • تمكينهم من حسن تدبير أوقات الفراغ
  • إعدادهم للمواطنة المسؤولة وذلك بتعريفهم واجباتهم ومسؤولياتهم
  • تحسيسهم بأسس ومبادىء الديمقراطية ، وتعويدهم على ممارستها في الحياة المدرسية
  • تنمية سمة القيادة لديهم وذلك بان يقود المتعلم زملاءه في نواح ويتبعهم في نواح أخرى.
  • ترسيخ السلوك السوي والمدني لديهم، والتصدي للسلوكات اللامدنية ...

1- الأنشطة الصفية

  1. ما الذي لا نعنيه بالانشطة الصفية ؟

إننا لا نعني بها أن تكون :

  • أنشطة تتمحور حول معارف ومعلومات
  • أنشطة تنجز بالضرورة داخل أسوار حجرة الدراسة
  • أنشطة تلقينية ، يستحوذ فيها المدرس على الكلمة، فيكون بذلك هو محور التعليم .
  • حصصا يتوزع فيها المتعلمون الى صفوف ، يستمعون الى محاضرات موحدة للمدرس، لا تأخذ بعين  الإعتبار خصوصيات كل متعلم، ولا تشركه في بناء المعرفة
  • أنشطة دراسية تعتمد في كليتها أو في جلها على الكتاب المدرسي
  • انشطة تحت سلطة لا تناقش للمدارس، ينعدم فيها التعاقد، وتنعدم معها حرية المبادرة والرأي والإقتراح للمتعلمين، ويسود فيها العنف واللامساواة وعدم تكافؤ الفرص.
  1. فما هي إذن الأنشطة الصفية :

إنها انشطة مسطرة في المناهج المقررة، تنجز باستثمار الكتب المدرسية المصادق عليها، وتعنى بالإجتهاد الفردي والجماعي في إطار المجلس التعليمي ومجالس المؤسسة وفق ما ينص عليه النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي، وبتنسيق مع المفتش التربوي، كما ينبغي أن يدعم هذا الإجتهاد باعداد تقارير دورية تتيح التراكم والتقاسم والتعميق في إطار تعاوني .

  1. أسس ومرتكزات الأنشطة الصفية ":

التنمية الشمولية لشخصية المتعلم : بحيث تنمي الجوانب المعرفية والمهارية و الوجدانية  بشكل مع تفاعلي مندمج دون فصلها عن بعضها البعض ، مع تقوية اتجاهات لدى المتعلم نحو ذاته ومحيطه ، ويعطي معنى للتعلم بجعله منفتخا على المجتمع بمجالاته الإقتصادية والثقافية والفنية وغيرها .

التعليم الذاتي وبناء المعرفة : ويقصد بهما أن يكون التدريس متمحورا فعلا حول المتعلم، فهو من يسأل ، هو من يجيب ، هو من يناول ويجرب ، بيني المعرفة ولا يتلقاها  إن التعلم عملية فردية، لهذا ينبغي تفريد التعلم بجعل كل متعلم يتفاعل شخصيا مع المعرفة دون ان ينوب عنه في ذلك أحد، أكان متعلما أم مدرسا .

العمل الجماعي التشاكي والمشاركة الفعالة : ولا يقصد بهما ان تكون الأنشطة موجهة بشكل موحد إلى جماعة القسم الكبرى ، بحيث يتسابق بعض المتعلمين (المجتهدين) على الأجوبة ، بينما تظل الأغلبية متفرجة تستمع أو تشاهد، بل المقصود أن يكون العمل الجماعي ضمن مجموعة، تكبر أو تصغر، وفرصة لتنمية التعاون، وليس الإتكالية أو المنافسة الإقصائية ، وما يرتبط به من بناء قواعد العمل الجماعي.

تفريق التعلمات (البداغوجيا الفارقية) : لا يوجد قسم منسجم ، وحيد المستوى، إن جميع الأقسام مشتركة ما دامت تضم أكثر من متعلم واحد، فمهارة المدرس ومهنته  تكمن في قدرته على أخذ الفوارق الفردية بين المتعلمين بعين الاعتبار ، لا يوجد متعلمان متشابهان ولو كانا توأمين متطابقين ، ذلك أن كل متعلم يتميز بايقاعه وسرعته وخبرته واستراتيجيته الخاصة في التعلم، وبذكاءاته وميوله ومواهبه الخاصة، وبتوظيفه لحواس أكثر من أخرى لإدراك وفهم العالم.

كل هذا ينبغي أخذه بعين الاعتبار في اختيار الأنشطة بشكل يبرز ويشجع وينمي القدرات والخصوصيات الفردية، عبر صيغ متنوعة ، عمل فردي/ ورشات/ أشغال / تطبيقية / معامل/ / مسرح/ تشكيل/ موسيقى ...الخ

الحق في الخطا وحرية التعبير: التعامل مع الأخطاء ليس فقط مرغوبا فيه، بل ضروريا للتعلم، فلا يكفي تقديم المعارف الصحيحة ، إذا لم ننطلق من تمثلات المتعلمين حول معرفة  معينة، وحول المسارات الذهنية التي يقطعونها من اجل الوصول إلى الحلول المطلوبة  .

ولا يمكن لبيداغوجية الخطأ أن تفعل في ظل أجواء تنعدم فيها الحرية وينظر فيها الى الخطأ على انه سلوك سلبي.

الإنطلاق من وضعية / مشكلة : إنها المرتكز الأساسي للمقاربة بالكفايات ، وحصيلة لمجموعة من المنطلقات البيداغوجية الحديثة، وهي لا تقتصر على بداية التعلم أو الدرس، بل تواكب مختلف لحظات التعلم بدءا بالاكتساب والبناء، وانتهاء بالتقويم والإدماج ومن شأن الوضعية / المشكلة أن تجعل المجتمع في قلب المدرسة ، وتعطي معنى للتعلم فتجعله ملائما للحياة وتجعل المتعلم مؤهلا للاندماج في الحياة العامة والعملية .

تنويع طرائق التعلم ومتعة التعلم: ينبغي أن تكون طرائق التعلم متنوعة مشوقة، تعتمد على وسائل مختلفة تسهل على المتعلم الانخراط وتحفزه عليه، بحيث لا يمكن الاستمرار في اعتبار التعليم والتعلم فرضا خارجيا يجبر(يكره) المتعلمون على الامتثال له، إن هذا منطلق يعاكس التوجه الطبيعي للإنسان ، باعتباره يولد ومعه غريزة طبيعية للمعرفة والتعلم، وواجب التعلمات الفصلية هو استثمار هذا الإستعداد والإستجابة له، وإذا تبين أن المتعلم لا يرغب في نشاط تعليمي معين، فالحل لن يكمن  في الإكراه والتكرار، بل في البحث عن بدائل أخرى تستجيب لحاجاته، والإنطلاق من وضعيات طبيعية والبحث والاستطلاع والزيارات واستضافة أشخاص مصادر أو في إطار مشروع المؤسسة...،

تنويع وتدبير فضاءات التعلم : ينبغي أن لا تتم الأنشطة الفصلية دائما داخل الحجرات الدراسية التقليدية، بل في فضاءات أخرى ، داخل المؤسسة أو خارجها، كما يتعين تنويع أشكال العمل باعتمادها في وضعيات مختلفة تيسر التواصل بين مجموعة القسم الواحد أو أكثر، أو ضمن مجموعات عمل صغيرة تنغير تبعا للأنشطة التعليمية التعلمية ، بحيث تتجانس تارة ، وتتباين تارة أخرى .

تقويم التعلمات والإنطلاق من نتائج التقويم: لا تزال الممارسات التعليمية لا تعكس الأهمية الكبرى التي يحتلها التقويم بمختلف أنواعه، وخصوصا منها التقويم  التشخصي والتكويني، فلا يمكن تبرير القفز عليه بدعوى طول المقررات والإسراع في استكمالها ذلك أن أي تعلم لا يمكن أن يكون راسخا إلا إذا استند على مكتسبات ينبغي التأكد من تحصيلها عن طريق التقويم.

التعامل الإيجابي مع الكتاب المدرسي: الكتاب المدرسي ليس سوى فرضية لتصريف المنهاج الرسمي، فلا ينبغي ، إذن ، التعامل معه على انه المنهاج نفسه، إذا مجرد أداة مساعدة ، تستعمل عندما يتبين أن بعض مكوناته تستجيب لخصوصيات وحاجات المتعلمين ، ينبغي إذن أن لا يتم التعامل مع الكتاب المدرسي على انه منطلق ومنتهى ، يتحول بموجبه الدرس إلى انجاز متسلسل لمختلف التمارين والأنشطة المتضمنة في الكتاب دون تصرف أو اجتهاد، ويتحول الى بديل عن وضعيات حقيقية ووسائل وطرائف أكثر ملاءمة ، إن استعمال الكتاب المدرسي بهذه الصورة يعوق التعلم أكثر مما يخدمه.

فالمطلوب من هيئة التدريس الاجتهاد في استثماره وإثرائه بأنشطة متنوعة تستجيب لحاجات المتعلمين ولمتطلبات نموهم .
2- الأنشطة المندمجة

  1. شطة التربية الصحية[3]

أنشطة تسعى الى ضمان صحة جسمية ونفسية وعقلية للمتعلمين، وتمكن من خلق ظروف أمثل لتتبع تعليمهم وتربيتهم ، من خلال تتبع صحتهم وتقديم خدمات صحية لهم داخل المؤسسات أو في مرافق صحية خارجية، بالإضافة الى إنجاز برامج تربوية تهدف الى تنمية وعيهم بأهمية الصحة وسبل المحافظة عليها، ووقايتهم من الأمراض والآفات، كل ذلك مع جعلهم نشيطين ومساهمين فعليين في تنمية الوعي الصحي لزملائهم وعائلاتهم

2.1.1 – أنشطة التربية البيئية والتربية على التنمية المستدامة [4]

أنشطة تشكل سيرورة دائمة يحصل خلالها الأشخاص والمجموعات على الوعي ببيئتهم، ويكسبون المعارف والقيم والقدرات والتجارب وكذلك الإرادة التي تسمح لهم بالفعل، شخصيا وجماعيا، ليساهم الكل في حل المشاكل الحالية والمستقبلية للبيئة والتنمية .

2.1 : أنشطة التربية على القيم الدينية:

أنشطة تسعى الى تربية الناشئة على قيم ومبادىء الشريعة الإسلامية السمحة، فقها وممارسة، بما يساهم في تقوية ثقافتهم الإسلامية، وتصحيح معتقداتهم الخاطئة ، وبناء السلوك القويم، ومن ثمة " تكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، والمتسم بالاعتدال والتسامح، والشغوف بطلب العلم والمعرفة في أرحب أفاقهما،والمتوقد للإطلاع والإبداع ، والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع[5].

1-3 : الانشطة الثقافية والفنية والإعلامية [6]

أنشطة تساهم في إبراز المواهب والطاقات وإبداعات المتعلمين ، وتنمية شخصيتهم وحسهم الفني والجمالي، كما تشجعهم على التواصل مع الكفاءات المحلية والجهوية وتثمن عمل المبدعين ، وتضمن مشاركتهم في التعريف بتراثهم المحلي والجهوي والمحافظة عليه.

4.1 – الأنشطة الرياضية المدرسية[7]

مجموعة الانشطة الرياضية التي تمارس داخل المؤسسات التعليمية ، بتااطير من مدرسي التربية البدنية والرياضية، والتي قد تتوج ببطولات محلية وجهوية ووطنية يشارك ويبدع فيها المتعلمون وتسعى هذه الأنشطة الى تنمية القدرات الجسمية والعقلية للمتعلمنين وتلبية رغباتهم في التنافس القوي، وتفريغ طاقاتهم الجسمية، مع تحقيق متعتهم النفسية، ويمكن تصنيف هذه الأنشطة إلى صنفين، أولهما يتجلى في (رياضة للجميع –الكم التي تهدف الى تأهيل أكبر عدد ممكن من المتعلمين بما يتلاءم وإمكاناتهم البدنية وحاجاتهم النفسية، وثانيهما (رياضة النخبة) التي تهدف الى اكتشاف الطاقات الرياضية الموهوبة وتتبعها للمشاركة في البطولات المدرسية الوطنية والمنافسات الدولية

5.1 – أنشطة التربية على حقوق الإنسان والمواطنة[8]

مجموعة الانشطة والتدخلات المتمحورة حول المتعلم ، والمرتبطة بالمؤسسة كفضاء للمتمتع بحقوق الأساسية كإنسان ومتعلم صاحب حق، مع الحرص على جعل المتعلم / اليافع فردا مسهما في استيعاب مفاهيم المواطنة الكاملة وترسيخها وممارستها وتجليها في سلوكات حقوقية ومدنية .

6.1 – أنشطة الثقافة العلمية والتكنولوجية [9]

يتكون النشاط العلمي من مجموعة الأنشطة والإنجازات التي يقوم بها المتعلم في إطار العلوم التي تعتمد التجريب بصفة عامة، وهو نشاط فكري وعملي يمكن المتعلم من تنمية حس الملاحظة والمناولة واكتساب سلوكات اجتماعية تنبي على التواصل والتعاون. وسلوكات علمية وعملية تتجلى في القدرة على الملاحظة والافتراض والمقارنة والتحقيق والاستنتاج عن طريق التجريب، مما يساعده على تصحيح تمثلانه واكتساب المفاهيم العلمية وإدراكها كحقائق قابلة للتطوير ، وتعتبر التكنولوجيا مجالا لتنظيم وتطبيق المعرفة العلمية من أجل أغراض عملية، ذلك أن أنشطة التعليل والتحليل التي تعتمد الصياغة النظرية تتحول إلى نماذج تعطي معنى واقعيا يمكن من التطبيق والاستعمال في كافة مجالات الحياة اليومية .

1-7 : أنشطة تكنولوجيات الإعلام والإتصال[10]

تعنى الأنشطة المتعلقة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال بمواضيع ذات صلة باستعمال الحاسوب والانترنيت في إطار العملية التعليمية التعلمية ، فهي تتمحور من جهة حول تعلم المدرسين والمتعلمين كيفية استعمال الحاسوب لاستغلاله في التعلم، ومن جهة أخرى ، تعتبرهذه التكنولوجيات وسيلة عرضية تندمج داخل مجالات الأنشطة الأخرى  إذا يجب عدم حصرها في تعليم وتعلم مادة الإعلاميات فحسب.

  1. أنشطة الدعم :

2-1 : أنشطة الدعم الإجتماعية [11]

هي كل عمل مرتبط بالتضامن والتكافل والتسامح، وكل عمل يهدف إلى توثيق عري المحبة والإخاء بين المتعلمين وبقية أفراد المجتمع، وتنشئتهم على التضامن مع الغير في سبيل المصلحة العامة، وإذكاء روح المواطنة والتضامن لدى الناشئة ، وتهدف كذلك إلى جعل المتعلمين يتجاوزون الأنانية وحب الذات ويندمجون تدريجيا في واقع العمل البناء.

ويمكن اعتبار المناسبات الدينية ، كعيد الفطر وعيد الأضحى ، ورمضان لكريم من أهم المحطات للتعبير عن التكافل والتضامن .

كما يمكن استغلال  باقي الأيام الوطنية والدولية لبرمجة أنشطة مستعرضة ومندمجة تتمحور حول قضايا إنسانية ترتبط بواقع التلميذ وتحفز البعد التطوعي لديه مع الحرص على مناولتها من زوايا مختلفة ومتكاملة .

2.2. – انشطة الدعم التربوي والنفسي [12]

 مجموعة الإجراءات والعمليات التي ينبغي اتخاذها ، والإستراتيجيات التي ينبغي اتباعها والتي من شانها أن تجعل النظام التربوي قادرا على تحقيق الكفايات المسطرة عند كافة المتعلمين دون ميز أو شرط، بمراعاة جوانبهم المعرفية، والنفسية الوجدانية والحس حركية

  1. أنشطة التوجيه التربوي[13]

أنشطة تهدف الى مواكبة المتعلمين وتيسير نضجهم وميولهم وملكاتهم واختياراتهم التربوية والمهنية ، وإعادة توجيههم كلما دعت الضرورة إلى ذلك، ابتداء من السنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي إلى التعليم العالي .

خاتمة:

وعموما فإن أنشطة الحياة المدرسية تتوخى تحقيق أهداف تصب في مجملها في تحقيق الكفايات والقيم على التربية على الاختيار، ويبقى نجاح أي تخطيط لأنشطة الحياة المدرسية رهين بمدى الاستحضار الدائم والتقيد التام بأسس وأهداف الحياة المدرسية.

[1]راجع "انشطة الحياة المدرسية في مرجعيات التربية والتكوين" في الملحق ص 100

[2] راجع " الأنشطة الصحية" في الملحق ص 104

[3]- راجع " أنشطة التربية البيئية والتربية على التنمية المستدامة" في الملحق ص 107

[4]- المرتكز الأول من المرتكزات الثابتة، القسم  الأول: المبادىء الأساسية ، الميثاق الوطني للتربية والتكوين

[5] -راجع " الانشطة الثقافية والفنية والإعلامية) في الملحق ص 111

[6]- راجع " الأنشطة الرياضية والمدرسية" في الملحق ص 113

[7]- راجع " أنشطة التربية على حقوق الإنسان والمواطنة " في الملخق ص 117

[8]- راجع " أنشطة الثقافية العلمية والتكنولوجية " في الملحق ص 121.

[9] راجع " أنشطة تكنولوجيات الإعلامن والإتصالفي الملحق ص 124

[10] راجع " أنشطة الدعم الإجتماعي" في الملحق ص 127

[11]راجع وأنشطة الدعم التربوي والنفسي ) في الملحق ص 130

[12] -راجع " التوجيه التربوي " في الملحق ص 136

الحياة المدرسية:الأنشطة وتجويد التعلمات
Partager cet article
Repost0
20 septembre 2024 5 20 /09 /septembre /2024 16:10
في تلقي خطاب اللسانيات الكلية قراءة في مشروع محمد الأوراغي

في تلقي خطاب اللسانيات الكلية 

قراءة في مشروع محمد الأوراغي

د.طريق زينون*

دراسة محكمة

* أستاذ مبرز بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس.

الملخص:

 يلاحظ المتأمل في الخطاب اللساني الحديث في المجال التداولي العربي بروز بعض المشاريع العلمية المتميزة في حقل اللسانيات. فلم يعد بعض أقطاب الفكر اللساني العربي وكلاء على تيار لساني بعينه تابع للفكر اللساني الغربي، من قبيل البنيوية أو التوليدية أو الوظيفية، أي لم يعد هاجسه هو إعادة إنتاج مقولات هذا التيار أو ذاك، وإنما أصبح يقدم نفسه صاحب مشروع لساني حديث، يمكنه أن يخلص التفكير اللساني من التبعية، واجترار ما عند الغرب.

 وهو مشروع علمي لساني وإبستمولوجي نقدي في الآن نفسه، بُني على عنصرين أساسيين: الأول يكون فيه الباحث عالما متأملا في قضايا اللغة وظواهرها وخصائصها، وباحثا في قوانينها في مختلف فصوصها، والعنصر الثاني يكون الباحث متأملا في طريقة التفكير في اللغة. وبهذا يكون اللساني عالما لغويا ومنتجا لمعرفة منهجية منظمة في الآن نفسه، ليصل إلى إنشاء نظرية لسانية.

من هذا المنطلق؛ سأقف من خلال هذه القراءة العلمية عند موضوع تلقي خطاب اللسانيات الكلية عند اللساني المغربي محمد الأوراغي. لأبين طبيعة تلقيه لهذا النموذج اللساني، ودواعي دعوته إلى بناء نظرية لسانية جديدة، لها أسسها المنهجية والمنطقية وإوالياتها النظرية. وتسعى كذلك إلى بيان المبادئ التي بنى عليها محمد الأوراغي رؤيته النقدية للسانيات الكلية، ومن ثم الكشف عن تجليات التلقي عند محمد الأوراغي وعناصره، الذي رام طرح بديل لساني، قادر على حل مشاكل اللغات البشرية. وسأعرف بجهود الأستاذ محمد الأوراغي في البحث اللساني من خلال قراءة فاحصة وتحليلية في أهم كتبه التي تتصل باللسانيات النسبية.

الكلمات المفاتيح: اللسانيات الكلية- اللسانيات النسبية- النقد- التلقي- النظرية اللسانية.

Abstract:

The observer of the modern linguistic discourse in the Arab pragmatic field notes the emergence of some distinguished scientific projects in the field of linguistics. Some influential figures in Arab linguistic thought are no longer followers of a specific linguistic trend, such as Structuralism, Generative Linguistics, or Functionalism. Their concern is no longer to reproduce the ideas of Western linguistic theories, but rather to present themselves as creators of a modern linguistic project. This project aims to liberate linguistic thinking from dependency and to avoid mere imitation of Western ideas.

This scientific, linguistic, and critical epistemological project is built upon two essential elements: The first element involves the researcher being a knowledgeable observer of language and its phenomena and characteristics, as well as an explorer of its laws in various aspects. The second element involves the researcher reflecting on the process of thinking about language. Thus, the linguist becomes a linguistic scholar, producing organized and methodological knowledge to construct a linguistic theory.

From this perspective, I will, through this scientific paper, focus on the issue of how the Moroccan linguist Mohammed Aouraghi receives the discourse of Universal Linguistics. I will clarify the nature of his reception of this linguistic model and the reasons behind his call to establish a new linguistic theory, which has its methodological, logical, and theoretical foundations. Additionally, I will explore the principles upon which Mohammed Aouraghi has built his critical view of Universal Linguistics and subsequently unveil the manifestations of his reception and its elements, aiming to propose an alternative linguistic approach capable of solving issues found within human languages. I will also highlight the efforts made by Professor Mohammed Aouraghi in linguistic research through a comprehensive and analytical reading of his most significant works related to relative linguistics.

Keywords: Universal Linguistics, Relative Linguistics, Critique, Reception, Linguistic Theory.

تقديم

من القضايا الشائكة التي أصبحت تقلق الواقع العلمي العربي محاولة بعض اللسانيين تلقي ما يوجد في الغرب من مفاهيم ونظريات ومناهج والدعوة إليها من دون نخلها، وادعاء فهمها، والقول إنها قادرة على الإجابة عن أسئلة واقعنا اللغوي، متناسين خصوصية المجال التداولي العربي ونمطية اللسان العربي  وسماته. وهناك من ينعت الثقافة العربية بالقصور والركود، وعدم قدرتها على مسايرة ما ينتجه الغرب في المجال اللساني، ومن ثم تخلفت في نظره عن ركب الإحاطة بالأسس النظرية والمنهجية للنماذج اللسانية المتطورة، (غلفان مصطفى، اللسانيات العربية أسئلة المنهج: ص11).

وقد لا ينطبق هذا الحكم على بعض المشاريع العلمية اللسانية المتميزة التي حاورت اللسانيات الغربية من منطلق علمي تخصصي ونقدي تحليلي. وهو ما يظهر امتلاكها كفاءة علمية وتصورية عالية في مجال الفهم والاستيعاب والإدراك والتحليل والنقد. ويمكن الإشارة في هذا المقام إلى أعمال الأستاذ محمد الأوراغي. والحاصل أن مشروعه العلمي اللساني قام على قراءة واعية ونقدية في المنتج الفكري اللغوي  العربي والغربي، وتأسس على جملة من المفاهيم والأدوات الإجرائية التي تؤهل الباحث اللساني إلى إقامة بناء نظري على أسس متينة وواضحة. فهو مشروع يؤمن بضرورة إخضاع آلة الوصف والتفسير النحوية واللسانية، كيفما كانت طبيعتها للنقد والاختبار والمعايرة والمفاضلة. ومن ثم جعل المعرفة اللغوية موضع تساؤل ونقد باستمرار؛ خصوصا إذا أصبحت معرفة عادية تعتريها مجموعة من المشاكل والقوادح والمجازفات. 

 لا يخفى على الباحث والمهتم أن ميلاد اللسانيات؛ بوصفها الدراسة العلمية للغة من وجهة نظر علمية معينة، أحدث نقلة نوعية في حقل العلوم الإنسانية لتوجهها العلمي والموضوعي، ولصرامتها المنهجية. فقد شكلت بالنسبة للعلوم الإنسانية نموذجا يتبع، تستثمر معطياته في باقي الحقول المعرفية. وقد عرف حقل اللسانيات تطورات كبرى في القرن الماضي، وتشعب البحث اللساني إلى مدارس وتيارات شتى، بفضل دخوله في نقاشات وحوارات علمية مثمرة مع قطاعات ومجالات معرفية قريبة منها، كعلم الاجتماع وعلم النفس والعلوم المعرفية وعلم الأعصاب والرياضيات... مما جعل علم اللسانيات حقلا منفتحا على المعارف الجديدة في مختلف المجالات، وهنا تبرز أهميته وقيمته المعرفية والمنهجية.

وتبقى اللسانيات الكلية أو التوليدية نظرية لسانية، أنشأها العالم اللساني تشومسكي الذي رفض النحو الذي يقوم على دراسة المتون والنصوص المحدودة. فسعى إلى تقديم نموذج جديد للنحو، بين بواسطته طبيعة النظرية اللغوية وأهدافها. فغير بذلك موضوع البحث اللساني وطريقة العمل من خلال أعماله الثرية. فناهض النزعة التصنيفية للنزعة البنيوية، ودعا إلى بناء نظرية تدرس الحقائق المعلومة، وتتنبأ أو تتوقع الحقائق غير المعلومة. وكان غرض تشومسكي من ذلك وضع جهاز نظري عام قادر على وصف اللغة البشرية، أو بعبارة أدق الملكة اللغوية. وقد ميز تشومسكي في نحوه الكلي بين معرفة القواعد واستعمالها وتطبيقها، كما ميز بين التراكيب العميقة والتراكيب السطحية. وقد عرفت نظريته تحديثات وتغييرات عدة في مستواها النظري والمنهجي الإجرائي مع مرور الزمن، ومع بروز معطيات علمية جديدة.

وما ميز اللسانيات الكلية هو صوغ نظرية ثورية ربطت البحث في خصائص اللغة البشرية بإشكالات البحث في طبيعة الذهن البشري، بغرض الوصول إلى نظرية المعرفة عبر اللغة، والتوسل بآلة الرفض والتمرد على جميع أشكال الحتمية، فكانت اللسانيات الكلية مشروعا، يركز بالأساس على البعد الداخلي للذات العارفة، أي العقل بوصفه بنية فطرية تخضع لقيود بيولوجية وملاءمة علم اللغة مع العلم الطبيعي. ومن ثم كانت اللسانيات الكلية خطوة مهمة في تطور الخطاب اللساني معرفيا ومنهجيا.

 كان لهذه المدرسة إذن؛ أثر بالغ في اللسانيات الحديثة، بحيث أثارت نقاشات وجدالات خصبة بين مناصريها ومعارضيها في الغرب وفي المجال التداولي العربي. لقد طبع الفكر اللساني لتشومسكي عصرنا بطابعه شكلا ومضمونا. "فقد امتازت اللسانيات التشومسكية بطابع السجال النقدي بلا هوادة، وكانت قد نشأت وتطورت بوصفها رد فعل على اللسانيات الأمريكية السابقة ممثلة بلسانيات بلومفيد وتلميذه سكينر التوزيعية المشبعة بالطابع السلوكي في الوصف والتفسير"، (إسكندر، يوسف وآل صونيت، مؤيد. (2019). لسانيات تشومسكي مراجعة نقدية في الأسس المعرفية: ص 7)، على الرغم من تأخر الدرس اللغوي العربي الحديث عن مواكبة اللسانيات التوليدية والتعرف إليها وتلقيها، فلم يتعرف إليها إلا في نهاية السبعينيات من القرن العشرين.

 وتجاوزا لسؤال: هل لاقت اللسانيات في المجال التداولي العربي نفس الاهتمام الذي لاقته في المجال التداولي الغربي؟ الذي دفع بعض الباحثين إلى القول بوجود أزمة في اللسانيات العربية، من حيث الموضوعات والمناهج وعلاقة هذا الخطاب بالنحو العربي، (ينظر غلفان مصطفى، اللسانيات العربية أسئلة المنهج). وسنركز في هذه المقالة العلمية على التلقي العلمي والمعرفي للسانيات الكلية؛ لكون هذا التلقي ينحو طرح بديل لساني، من وجهة نظر نقدية جذرية، فهو لم يسع إلى تطبيق مفاهيم وطروحات الفكر التوليدي على اللغة العربية، ولم يرم إلى تأصيلها أو شرحها وبيانها كما فعل العديد من الباحثين العرب في المجال اللساني، بل تجاوز هذه القضايا ليطرح بديلا مناهضا للسانيات الكلية كما أسلفت.

أولا: التلقي اللساني بين المعرفة اللغوية والمعرفة العلومية:

يؤكد محمد الأوراغي أن الخطاب اللساني العربي سقط في التقليد والتبعية.  ونتج عن هذا الأمر احتباس فكري في الدرس اللساني العربي الحديث، حيث حرص الخلف على تقليد السلف في التأليف والكتابة وطريقة النظر، واقتنعوا تمام الاقتناع بأن ليس في مقدورهم الإتيان بما أتى به اللغويون العظماء الأولون.  وأسفرت هذه القناعة عن سريان الفكر النحوي السيبويهي في جميع الأعمال اللغوية إلى يومنا هذا. فبقيت بهذا الممارسة اللغوية محافظة على بنية النحو التقليدي المتداول، ولم تؤد إلى تغيير جذري ينتقل بموجبه النحو إلى بنية جديدة وتصور حديث، فيمر من طور المعرفة العادية إلى طور الثورة العلمية المتجددة والمعرفة العلمية النسقية. وهو ما يدعو في نظره إلى إعادة النظر في هذه الممارسة، بحس لساني وعلومي نقدي في الوقت نفسه.

إن التلقي الذي يفعله العالم اللساني العلومي يختلف في جوهره كثيرا عن اهتمام الباحث العادي في حقل اللسانيات، لكون هذا التلقي ذا طبيعة نقدية خاصة، يسعى إلى بناء نظرية لسانية بديلة. فهو تلق يجمع في آن واحد بين النقض والبناء والاقتراح العلمي الأنسب لطبيعة المعطى اللغوي. ولكونه يمارس البحث العلمي من منظورين أو شقين اثنين على ما يبدو: "الشق الأول يكون الباحث عالما وهو يجعل من اللغة موضوعا للتأمل. وفي الشق الثاني ينقلب علوميا، حين يجعل من طريقة تأمله في اللغة موضوعا للتفكير. فالباحث حسب محمد الأوراغي يفترض فيه أن يزاوج في عمله بين نشاطين ثقافين اثنين: موضوع أحدهما اللغة وغايته معرفتها. وموضوع ثانيهما طريقة تأمله في اللغة، وغايته صناعة منهجية للبحث في اللغة"، (الأوراغي، محمد. (2018). محاضرات في النظرية اللسانية والنماذج النحوية: ص19).

 ومن ثم، على الباحث أن "يبدأ بتحديد مواطن الخلل في النظرية اللسانية السائدة وبالكشف عن القصور في النحو المنحدر منها، وينتهي بإقامة النظرية اللسانية وبناء النموذج النحوي المتوقع بها"، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللغة واللسانيات: ص 33).

كل ذلك يؤشر على أن عملية التلقي عند محمد الأوراغي لها بواعث وأسباب، يمكن إجمالها في كون النماذج اللسانية القائمة لا تساعد الباحث على تطوير معرفة الناس بلغاتهم، وهو ما يفرض على الباحث أن يبني بديلا؛ بإمكانه أن يقدم نظرة جديدة مغايرة لتلك النظريات التي أثبتت قصورها، وتفرج أزمة فكرية. وهذا يتطلب الإحاطة بطبيعة التراث اللغوي وثوابته وأصوله المعرفية، ومعرفة مسالكه في البحث اللغوي، وقراءة مظانه قراءة واعية تستثمر الإيجابي فيه، وهو كثير بلا شك، وتتجاوز هذه القراءة نقائصه وعيوبه. فضلا عن الدخول في حوار علمي ونقدي مثمر مع الخطابات اللسانية التي هي من خارج المجال التداولي العربي. ومن هذا المنطلق فإن الداعي الأساس إلى تقديم نظرية لسانية يتجلى ويظهر في تجاوز المنهجية المراسية التي تقف عند حدود دراسة لغة واحدة أو مجموعة محصورة من اللغات والمقارنة بينها، وتخطي المنهجية الاستقرائية والملاحظة المباشرة التي لا تستند إلى نظرية لسانية؛ إلى المعرفة النسقية المنظمة والمتكئة على أسس نظرية ومنهجية واضحة، (الأوراغي، محمد. (2018). محاضرات في النظرية اللسانية والنماذج النحوية: ص 20-21).

وتحسن الإشارة في هذا المقام إلى أن مشروع اللسانيات النسبية تأسس على محورين أساسيين:

 الأول: محور قراءة التراث اللغوي العربي الذي عده الأوراغي عبارة عن بحث لغوي، صيغ بمنهجية معرفية مراسية، تقوم على استخراج المعرفة اللغوية من المتون والنصوص اللغوية باستخدام الملاحظة المباشرة، فكثر بذلك الخلاف حول عدد من القضايا والمسائل اللغوية، وإن كان الاختلاف في جوهره سببا من أسباب تطور المعرفة البشرية. وقد اعترت هذا التراث في نظر محمد الأوراغي مجموعة من مظاهر الخلل والقصور، وهو بدوره يشكل مظهرا من مظاهر الأزمة في الخطاب اللساني، لكن يشترط في نقده للغويات العربية أن يستوعب النموذج اللساني البديل ما فيها من صواب، وأن يصوب ما فيها من هفوات معرفية، والالتزام بوصف اللغة بما يوجد في نمطها، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية دواعي النشأة: ص 37). وفي هذا السياق يرى محمد الأوراغي أن كلمة التراث اللغوي يصدق على كل عمل ثقافي، اتخذ من اللغة العربية موضوعا له. فهو يضم مؤلفات لغوية وضعها أصحابها المتخصصون في علوم العربية، ومؤلفات غير لغوية عالج أصحابها ظواهر من مختلف مستويات العربية ووظفوها في معارفهم وفي مؤلفاتهم، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللغة واللسانيات: ص 226).

الثاني: هو محور قراءة التراث اللغوي الغربي؛ وخصوصا نموذج اللسانيات الكلية، وهو الأهم والأبرز الذي وقف فيه صاحب مشروع اللسانيات النسبية على مجموعة من المجازفات المعرفية التي وقع فيها هذا الإبدال النظري. لعل أبرزها تحويل موضوع اللسانيات، وإخراج اللسانيات من حقل الإنسانيات وإدراجها في حقل الطبيعيات، ومن ثم التحق البحث اللساني بفلسفة النمذجة اللغوية التي تهتم في جوهرها بموضوعات غير لغوية، فأصبحت اللغة وسيلة لمعرفة التركيب البنيوي للدماغ البشري.

لقد رأى صاحب مشروع اللسانيات النسبية أن اللسانيات الكلية نموذج غير صلب وغير متماسك، لذلك لم يستقر على حال؛ ففي كل مرة يتم تعديله وتطعيمه بمفاهيم نظرية ومناويل إجرائية جديدة. وهو ما يعكس رغبة تشومسكي في "أن يجبر النحو الكلي بتضمينه شيئا يربطه بالخاص في اللغات، وأن يزود النظرية بما يمكن أن يناط به الاختلاف الملحوظ بين اللغات، (الأوراغي، محمد. (2013). الوسائط اللغوية أفول اللسانيات الكلية. الجزء الأول:  ص 137).

ويؤكد محمد الأوراغي أنه لا سبيل إلى بناء نموذج بديل، يقف عند حدود استثمار اللغويات التراثية فقط، أو يهجرها من جانب آخر، ويسقط في تقليد نموذج غربي بعيد عن المجال التداولي العربي، قد يراه مناصروه مركز التفكير اللساني الحديث، "إذ التراثي المتمكن من علوم العربية والذي لم يطلع بما يكفي على تجربة الغربيين في استحداثهم للسانياتهم المعاصرة لا يرى في استثمار التراث اللغوي العربي أكثر من إعادة إنتاج مضمونه تحت عناوين مختلفة. وفي المقابل فإن اللساني العربي المتشبع بأفكار الغربيين في ميدان الدراسات اللغوية قد لا يرى جدوى للاشتغال بعلوم العربية القديمة، بل إهمالها أنفع وأفيد في نظره، لأن التراث اللغوي في تقديره عائق لقيام لسانيات عربية حديثة. وبين هذين القطبين المتنافيين عربي من اثنين إما مقترض وإما مبدع[...] أما نزعة الإبداع فتتخذ التراث اللغوي قاعدة، ومنهجية التفكير المعاصر في اللغات وسيلة، وإنشاء نظرية لسانية غاية، منها الانحدار إلى نموذج نحوي جديد. ميزة هذا النحو القدرة على الوصف العلمي الدقيق لقواعد اللغة العربية"، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغة: ص 223-224).

واستنادا إلى هذا المعطى؛ دعا محمد الأوراغي إلى ضرورة إعمال الشك المنهجي في هذا النموذج اللساني، وإلى قراءته قراءة نقدية، وإخضاع إوالياته ونتائجه للفحص والنقد والتفكيك. فهو يرى أنه من "حق كل مفكر قادر ثقافيا على بناء الأنساق المنتجة للأفكار والمطورة لمعرفة البشر بلغاتهم أن يقتحم بالروية اللازمة الميدان المقصور حتى الآن على كبار العلماء بحكم انتمائهم إلى الدول الكبرى، وأن يشق طريقا ويمهدها للسانيين في العالم وإن وجد نفسه منتميا إلى حضارة توقف أهلها عن المشاركة في إنتاج المعرفة منذ قرون، ورهنوا نهضتهم بإجادة التلمذة على الآخرين"، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية: ص 21).

يتبين من ذلك؛ أن تلقي محمد الأوراغي له طابع نقدي خاص، فهو بطرحه نموذج لساني بديل، تجاوز ما يمكن تسميته الكتابة التمهيدية التي تسعى إلى التعريف باللسانيات الكلية، وتقديمها إلى القارئ العربي تقديما مبسطا، حيث يكون هدفها تعليميا، فتروم الشرح والتبيان بشكل واضح ومبسط وبلغة سهلة ومفهومة، فيسهل على القارئ العربي استيعاب مفاهيمها وأسسها المعرفية والمنهجية. علاوة على ذلك لم يكن تلقيا تخصصيا يهدف إلى التطبيق؛ حيث يطبق بعض نماذج اللسانيات الكلية وينزلها على اللغة العربية، محاولا تقديم وصف جديد لها باستعارة مفاهيم اللسانيات الكلية.

إن التلقي الذي يؤسس له محمد الأوراغي هو تلق منتج، لأنه يؤمن بأن التفكير اللساني بمنهجية هذا العصر لم يعد حكرا على الغربيين فقط. فكان الباب بذلك مشرعا أمامه لنقد النموذج الكلي، وبناء نموذج لساني بديل نسبي، وهكذا مارس محمد الأوراغي تلقيه النقدي في شقين: "أولا دحض مقومات النموذج الكلي نظرية ونحوا. وثانيا تقديم البدائل المقومة للنموذج النسبي نظرية ونحوا كذلك"، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغات. ص 29).  كما يؤكد أن "إقامة نظرية لسانية على أنقاض أخرى، وبناء نموذج نحوي بديل قد لا يكون ذلك بوسع كل واحد يتعاطى اللسانيات، ويزاول البحث في اللغات. لكن باستطاعة هؤلاء البدء بالإقلاع عن تقليد المتقدمين والمتأخرين من التراثيين والغربيين، لما في الإدمان عليه من تعطيل لوظيفة العقل، ثم الأخذ في تدبر آراء الآخرين، ونقد أفكارهم بالبرهنة على الصائب منها، والكشف عن مواطن الخلل في غيرها، حتى يجري البحث العلمي في مجال اللغات واللسانيات على السداد"، ( الأوراغي محمد، المرجع السابق: ص4).

وتحسن الإشارة إلى أن اللسانيات الكلية في نظر محمد الأوراغي جاءت لتوسيع موضوع اللسانيات ليشمل كل اللغات، وجعلت من النظرية اللسانية أداة منهجية، تتخطى ما يوجد في المنهج المراسي من عيوب وقصور منهجي، واتسمت بالبرهنة الرياضية والمعرفة النسقية المنظمة التي تعتمد اليقين الرياضي. فسعت بذلك منهجيا وإجرائيا إلى محاكاة النموذج العلمي للفيزياء الحديثة لدراسة الظاهرة اللغوية. هذا المنهج الذي يتجاوز معطيات الحواس، إلى ما يوجد خلفها، ومن ثم فهو ينازع التصور الوضعي. ولهذا كانت اللسانيات الكلية ثورة على الروح التجريبية في جميع مظاهرها، فكانت بحق بديلا عقلانيا، ينطلق من قراءة واعية وخاصة لتاريخ الفكر البشري، بغية الوصول إلى نظرية في المعرفة عبر اللغة. إن الهدف الذي سعت إليه اللسانيات الكلية هو الوصول إلى المعرفة التي يمتلكها المتكلم المثالي، والتي تسعفه في إنتاج الجمل وفهمها.

إن تجديد المعرفة اللغوية في نظر محمد الأوراغي لا يتأتى بمنهج أثبت فعاليته في مرحلة في تاريخ التفكير اللغوي العربي، ولا يكون بتقليد مناهج غربية، تصلح لوصف لغات المجال التداولي الغربي وتفسيرها. فنقل تلك المناهج يظل في حاجة ماسة إلى إعمال آلية التقريب من المجال التداولي المنقول إليه، من دون السقوط والوقوع في فخ التأصيل، وإثبات أن ما لدى الغرب يوجد في تراثنا اللغوي. فهناك من الدارسين الذين ذهبوا إلى أن المطلع على لسانيات تشومسكي وقارئها، سيجد اتفاقا كبيرا بينها وبين مفاهيم علماء النحو العربي المتقدين، (ينظر صلاح رشيد، هدى. تأصيل النظريات اللسانية الحديثة في التراث اللغوي عند العرب. (2015): ص 357). ولهذا كان تلقي محمد الأوراغي للسانيات الكلية تلقيَ الناقد العلمي الفاحص الذي يسعى إلى نقض أسسها المعرفية وأطروحاتها حول اللغة، ويطرح في الآن نفسه بديلا لسانيا لتلك الأطروحات والمقدمات، له أسسه ومبادئه النظرية والمنهجية.

تابع

في تلقي خطاب اللسانيات الكلية قراءة في مشروع محمد الأوراغي
Partager cet article
Repost0
20 septembre 2024 5 20 /09 /septembre /2024 16:05
 تتمة -في تلقي خطاب اللسانيات الكلية قراءة في مشروع محمد الأوراغي

في تلقي خطاب اللسانيات الكلية

قراءة في مشروع محمد الأوراغي

د.طريق زينون*

دراسة محكمة

* أستاذ مبرز بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس.

تتمة

الملخص:

 يلاحظ المتأمل في الخطاب اللساني الحديث في المجال التداولي العربي بروز بعض المشاريع العلمية المتميزة في حقل اللسانيات. فلم يعد بعض أقطاب الفكر اللساني العربي وكلاء على تيار لساني بعينه تابع للفكر اللساني الغربي، من قبيل البنيوية أو التوليدية أو الوظيفية، أي لم يعد هاجسه هو إعادة إنتاج مقولات هذا التيار أو ذاك، وإنما أصبح يقدم نفسه صاحب مشروع لساني حديث، يمكنه أن يخلص التفكير اللساني من التبعية، واجترار ما عند الغرب.

 وهو مشروع علمي لساني وإبستمولوجي نقدي في الآن نفسه، بُني على عنصرين أساسيين: الأول يكون فيه الباحث عالما متأملا في قضايا اللغة وظواهرها وخصائصها، وباحثا في قوانينها في مختلف فصوصها، والعنصر الثاني يكون الباحث متأملا في طريقة التفكير في اللغة. وبهذا يكون اللساني عالما لغويا ومنتجا لمعرفة منهجية منظمة في الآن نفسه، ليصل إلى إنشاء نظرية لسانية.

ثانيا: عناصر التلقي النقدي للسانيات الكلية:

سعى محمد الأوراغي قبل طرح بديله اللساني إلى فحص الإواليات النظرية للسانيات الكلية، وإلى الوقوف عند أهم المجازفات المعرفية التي سقط فيها الطرح التشومسكي، ورام فحص مدى مطابقة النحو الكلي الذي وضعه تشومسكي لواقع اللغات البشرية، ومنها اللغة العربية، ومن ثم السعي نحو التحقق من مدى الوصول إلى الأهداف المرسومة التي سطرها صاحب اللسانيات الكلية.

 ويحق للباحث المتتبع للخطاب اللساني في هذا الصدد أن يسأل عما هي الإواليات والأفكار التأسيسية التي انتقدها محمد الأوراغي في مشروع اللسانيات الكلية؛ من حيث البناء النظري ومنهج المعرفة والمقدمات المعرفية؟

لقد أثبتت الإبستمولوجيا المعاصرة أن العلوم تدخل في أزمات، نتيجة السقوط في مجموعة من المزالق والعوائق النظرية والمنهجية. علاوة على ذلك كشفت أن نظريات العلم قائمة على منطق التجاوز والنقد والتراجع، لتفسح المجال أمام نظريات جديدة تكون قادرة على الإجابة عن الأسئلة التي استعصت في النظريات السابقة، فالمعرفة خصوصا في حقل العلوم الإنسانية، بقدر ما يكثر فيها الخلاف، يحصل فيها التجديد والتهذيب بالنقد والحوار بين المفكرين أيضا.

  1. عائق التراكم المعرفي في الممارسة اللغوية

لا يتأتى وضع الجديد في نظر محمد الأوراغي إلا بمدارسة النظريات المنقودة التي أبانت عن نقص في كفايتها الوصفية والتفسيرية، من منطلق معرفي إبستمولوجي، ومن مبدأ المعايرة، وهو ما توافر في اللسانيات النسبية. و"بفضل نظرية اللسانيات النسبية تيسرت المقارنة اللسانية لأول مرة في أعلى مستويات الدقة العلمية، وذلك في المجالات الثلاثة؛ أولا بين النظريات اللسانية المتنافسة، وثانيا بين النماذج النحوية المتوقعة، وثالثا بين اللغات البشرية المتداولة. وبهذه المقارنات الثلاث أصبحت المفاضلة النسقية بين لغات الإنسان في المتناول، بعدما كانت من قبل مفاضلة عرقية في صورة لغوية. مفاضلة نسقية علمية تعتمد المعايير الثلاثة: كون النسق محكم البنيان، وعالي القدرة على البيان، وقليل الكلفة لصناعة الكلام أم هو على خلاف ذلك"، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغات: ص 3).

وإن كانت هذه المقارنة أو المعايرة في نظر محمد الأوراغي تصطدم بعائق التراكم المعرفي. فما أنتج في مجال الممارسة اللسانية يصعب على المشتغل الإحاطة به واستيعابه استيعابا دقيقا وجيدا. ومن ثم شكل التراكم المعرفي الذي حصل في مجال دراسة اللغة وجها من وجوه أزمة الخطاب اللساني. "وإذا كان نقد المعرفة أصلا ضروريا لبناء نظرية جديدة داخل حقل معرفي معين فإنه لا يفيد كثيرا من أجل تعطيل الأثر السلبي الذي يتركه التراكم المعرفي. لأنه لا يتأتى استخدام ذلك الأصل في كل الأعمال التي يخلفها تأمل الإنسان في اللغة؛ لعدم إمكان الإحاطة بها، ولأنه ليس كل عمل حول اللغة يسعى إلى إقامة بناء جديد. لذلك نشأت حاجة ملحة إلى منهج المعايرة من شأنه أن يتمثل مختلف الأعمال اللغوية الممكنة"، (الأوراغي، محمد. (2013). الوسائط اللغوية. ج1: ص 43).

 ويأخذ التراكم المعرفي المضر بالممارسة العلمية مجموعة من التجليات، يمكن تلخيصها من وجهة نظر محمد الأوراغي صاحب مشروع اللسانيات النسبية في:

  • الاهتمام بكل ما قيل في أثناء النظر إلى اللغة الموصوفة؛
  • انبعاث التعارض داخل التصورات القائمة حول اللغة نفسها، فيتلقى الباحث أجوبة عديدة؛
  • بناء أكثر من نظرية حول موضوع الدراسة الواحد؛
  • افتعال شهرة نظرية لغوية في حقبة معينة، واصطناع التفوق العلمي لها وإن كانت لا تناسب موضوع الدراسة، (الأوراغي محمد، المرجع السابق: ص 42).

يكشف هذا الملمح التصوري النقدي أن أي بناء نظري حول اللغة، يجب أن ينزل منزلة المشكوك فيه، وأن تعاد صياغته من جديد أو الثورة عليه؛ خصوصا عندما يصل إلى مرحلة الأزمة، وفق روح علمية نقدية. فوضع بنيان نظري بديل لا يتأتى إلا بالنظر في الأعمال السابقة والوعي بمظاهر قصورها، والانطلاق من مقدماتها وأسسها المعرفية، فنقد المعرفة يظل أصلا مهما للبناء البديل النظري والمنهجي، مع الحرص على التخلص من الأثر السلبي للتراكم المعرفي، (الأوراغي محمد، المرجع السابق: ص 43).

ولا شك أن نقد طرائق اللسانين ومسالكهم في بناء المعرفة اللغوية يتطلب التقيد بضوابط ومعايير ومساطر منهجية. ولهذا يطرح الباحث في هذا الشأن مجموعة من الأسئلة حول طبيعة الموضوع المبحوث فيه، وحول المفاهيم المؤسسة والمنهجية المتبعة والأهداف المرسومة للعلم.

  1.   الموضوع بين اللسانيات الكلية واللسانيات النسبية

من بدائه العلم أن يحدد موضوعه بدقة. ويختلف تحديد موضوع العلم عن تحديد العلم، يقول عبد السلام المسدي في هذا السياق: "ولئن تيسر للعالم أن يعرف الظاهرة التي هي موضوع علمه دون أن يردف إلى ذلك بالضرورة عملية تحديد العلم الذي ينكب على تلك الظاهرة فإن نقد الأسس التي ترتكز عليها المعرفة النوعية الخاصة بعلمه لا يتسنى إلا بالاستناد إلى ضبط خصائص الظاهرة التي يتخذها العلم موضوعا له، معنى ذلك أن حد موضوع العلم قد يستغني عن حد العلم، ولكن حد العلم ذاته لا يكون أبدا في غنى عن حد موضوع العلم"، (المسدي، عبد السلام. (1986). اللسانيات وأسسها المعرفية: ص 24).

تنقسم العلوم في علاقتها بالواقع إلى علوم نظرية لا ترتبط بالواقع، وعلوم تتصل بالواقع، كما يمكن للعلوم أن تتعدد داخل الموضوع الواحد، فمثلا نجد في الحقل اللساني تخصصات وفروعا عدة؛ حسب جهة الاهتمام والمجال المركز عليه. ويرى محمد الأوراغي أن كل الأعمال اللسانية التي نعرفها تدرس الإنساني في بعده اللغوي. ولم تكن اللسانيات أسبق المعارف البشرية التي اتخذت اللغة موضوعا للبحث والنظر، فهي لم تستمد شرعيتها من اكتشاف مادة العلم، وإنما استمدت هويتها وقوتها من طريقة التناول، ومن المنهج المتبع والمقدمات النظرية المنطلق منها أثناء دراسة اللغة.

 ولا يخرج مجال الدراسة اللغوية في نظر محمد الأوراغي عن إمكانات ثلاثة:

  • أعمال لسانية تدرس النسق الرمزي الذي يتواصل به الإنسان، وتحاول بيان خصائصه الكلية، بغض النظر عن اختلاف اللغات البشرية، فينتج عن ذلك بناء لسانيات كلية؛
  • أعمال لسانية تركز على لغة بعينها، وتهدف إلى الوصول إلى خصائصها وسماتها، فنكون أمام لسانيات خاصة؛
  • أعمال لسانية تقوم بين الصنفين السابقين؛ أي تهتم باقتناص ما هو مشترك بين بعض اللغات، والتي قد تختلف في خصائص أخرى، ويحتمل ألا توجد في لغات أخرى. وهذا النوع يطلق عليه اللسانيات النسبية.

تنظر إذن اللسانيات الكلية إلى اللغة بوصفها ملكة طبيعية، تحتوي مبادئ لسانية وقواعد نحوية كلية تشترك فيها جميع اللغات البشرية. وهذه المبادئ منسوجة في الدماغ البشري، تتكون المعارف المرتبطة بها في الذهن البشري ومن تلقاء ذاتها. وتبقى الملكة اللغوية وراثية، تنتقل من السلف إلى الخلف. وما يوجد في الملكة اللغوية من مبادئ لسانية وقواعد نحوية لها بعد صوري، وبذلك يستقل العضو الطبيعي المسؤول عنها عن وظيفته. يترتب عن هذا الطرح أنه بإمكان اللساني وصف الملكة اللغوية بعيدا عن وظيفتها. لهذا تتسم اللغة في نظر تشومسكي بالثبات والاستمرار، وبذلك تسري قوانينها على سائر اللغات، ولهذا لجأ إلى مبدإ التعميم؛ لينقل ما يوجد في اللغات التي تتسم بالنضج النسقي والمركزية إلى باقي اللغات، وبهذا يبطل وينكر الفوارق النمطية الموجودة بين اللغات البشرية، (الأوراغي، محمد. (2018)، محاضرات في النظرية والنماذج النحوية: ص 21-28).

في حين يرى محمد الأوراغي أن اللغة ملكة صناعية وضعية بالاختيار الإرادي، وضعت من أجل التواصل والتفاهم بين أفراد الجماعات البشرية، وما كانت لتطبع في عضو ذهني، وهي من موضوعات العلوم الإنسانية، مما يجعل الرؤية اللسانية منحصرة في محيط النص المتفاعل مع العقل البشري. كما أنها لغة كسبية تنتقل من ذهن السلف إلى الخلف بالاكتساب والتلقين، ولا تنتقل بالوراثة كما هو حاصل عند الحيوان، وما ينتقل وراثيا هو مجموعة من الخلايا العصبية التي تسعف الإنسان في التعبير عن الكون الوجودي. وبما أن اللغات وضعية فهي تختلف من قوم إلى آخر، فمن سمات اللغات البشرية القابلية للتغير والاختلاف، (الأوراغي محمد، المرجع السابق: ص 61-63). ولهذا تركز اللسانيات النسبية على تحليل الظواهر الملحوظة، بغرض الكشف عن نسقها الكامن في معطياتها، وعن قوانينها الداخلية، فلم تستسلم لكثير من القرارات العلمية التي دعا إليها أصحاب النحو الكلي. "وكل من صنع نموذجا لسانيا لمعالجة لغة، وهو يتطلع إلى معرفة موضوعات تكون حقلا معرفيا مغايرا لموضوع اللسانيات، فإن مقدمات تفكيره لا يمكن أن تكون لسانية، ولا نتائج بحثه منتمية إلى حقل اللسانيات؛ وهو حال نموذج النحو التوليدي التحويلي"، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية. ص 145).

  1. مناهج الأصناف اللسانية:

لم تكن اللسانيات العلم الوحيد الذي يختص بدراسة اللغة، ولم تكن علة وجودها اكتشاف مادة جديدة في المعرفة اللسانية، وإنما أخذت هويتها ومشروعيتها العلمية من طريقة التناول والمعالجة، "ولما كانت اللسانيات مدينة بعلة وجودها للمنهج أكثر مما هي مدينة للموضوع فإنه صار متعينا أن يحظى البحث في أسس المنهج اللساني بمنزلة الدعامة الأصولية: تلك التي تمس فلسفة العلم ونقد ثماره، وصار التدوين التاريخي لحركة العلم اللساني قائما على تعقب الصيرورة المنهجية التي تخللت لحمته، وهذا أحد الأبواب التي ينفذ منها الاستكشاف المعرفي الهادف إلى تقييم موضوع العلم ومادته من خلال مناهجه "،  (المسدي، عبد السلام. (1986). اللسانيات وأسسها المعرفية.: ص 109).

في هذا الصدد يمكن القول إن منهجية العلوم عامة تتوزع إلى استنباطية واستقرائية. فإذا كانت اللسانيات الكلية تلجأ إلى الاستنباط، للوصول إلى الخصائص المشتركة بين اللغات، مما يفرض عليها الانطلاق من نسق صوري يتألف من عدد من الفرضيات والعمليات المنضبطة بعلاقات، فإن اللسانيات النسبية تؤسس لمعرفتها اللغوية بالجمع بين المنهج الاستقرائي الذي يبغي الوصول إلى تلك الخصائص المشتركة بين لغات بعينها، والمنهج الاستنباطي القياس الذي يمكننا بواسطتها الانتقال إلى عدد آخر من اللغات، ومن ثم لا يمكن طرق منهجيا بعض المسائل والقضايا البعيدة عن موضوع اللغة، فيكون الكلام فيها ضربا من ضروب الفرض والحدس والتخمين.

  1. مقدمة الانطلاق بين اللسانيات الكلية والنسبية:

يقصد بالمقدمة فرضية الانطلاق التي تكون مؤسسة لصنف من اللسانيات، وهي التي تشكل وجهة النظر حول اللغة. فاللسانيات الكلية تتصور أن اللغة موضوع مجرد يشكله اللساني، فهو من اختراع عقل اللساني يبنيه نظريا ومفهاميا. وكأن اللغة كما يذهب إلى ذلك مولاي أحمد العلوي كيان يتخيله الناظر اللساني ويصنع ملامحه وحدوده ويستدل عليه من قلب النظر اللغوي، (إسماعيلي علوي، حافظ والعناتي، وليد أحمد. (2009). أسئلة اللغة أسئلة اللسانيات: ص 21). وهكذا يمكن تصور اللغة موضوعا رياضيا أو اجتماعيا أو نفسيا أو عصبيا، فموضوع اللسانيات يطبعه التعدد والاختلاف. وفي هذا يقول محمد الأوراغي: إن "موضوع الوصف، لدى الطبعيين وفريق الاصطلاحيين منهم تشومسكي من اللسانيين، وهمي يبنى بناء بالنظرية وليس له وجود مستقل عنها، وإنما يتقوم بها وداخلها؛ فوظيفة النظرية إذن تنحصر في تحديد خصائص عالم من الموضوعات الاصطناعية"، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية. ص 19).

إن اللغة بوصفها تعبيرا عن الفكر لا تنحصر مهمتها في تحقيق التواصل. إنها تعكس الصفات العقلية الخاصة بالكائن البشري. ومن ثم لا توجد وسيلة للكشف عن البنيات الذهنية والصفات العقلية، إلا بدراسة اللغة التي هي بنية خاصة بالكائن البشري، أي "دراسة المبادئ الكلية التي تحكم البنية اللغوية، للبحث عن الكليات المشتركة بين اللغات الإنسانية، هذه الكليات المشتركة هي موضوع النحو الكلي، أو النحو الفلسفي الذي يدرس ماهية اللغات. بعبارة أدق، إن النحو الكلي يدرس الكليات التي تمثل الخصائص العقلية عبر اللغات باعتبارها مرآة للفكر. إن النحو الكلي، في نهاية التحليل، دراسة لبنية الإدراك الإنساني"، (بنكيران، محمد الطيب. (2004). الأصول المعرفية للنظرية التوليدية التحويلية: ص 56).

وبهذا لم يعد موضوع النحو مع اللسانيات الكلية مقتصرا على المتن اللغوي ومنحصرا في النصوص، وتتبع الظواهر القابلة للملاحظة، بل تجاوز المتن إلى دراسة الواقع الذهني الثاوي خلفه، لأن المعطيات أو النصوص ما هي إلا نتيجة، وحصيلة لمعرفة مستدمجة وداخلية هي القدرة اللغوية، و"هكذا نرى أن موضوع النظرية اللسانية في تصور تشومسكي فرضية مؤمثلة، أي أن موضوع النظرية اللسانية تجريد يقربنا من الواقع، على الرغم من أن هذا التجريد افتراض لا يمكن أن يتحقق في الواقع، لأنه لا وجود لمتكلم يفترض أنه يعرف لغته تمام المعرفة، كما أنه لا وجود لمعرفة لغوية تخلو من الأخطاء والعيوب أثناء التطبيق[...]، وهكذا، فموضوع النظرية اللسانية إذن، أمثلة لا وجود لها في الواقع، لكن العلم يفترض هذه الأمثلات ليتجاوز واقعية الحس المشترك"، (بنكيران، محمد الطيب، المرجع السابق: ص 83). ولهذا قالت اللسانيات الكلية بمبدإ المتكلم المثالي المجرد الذي يوجد في جماعة مثالية مجردة ومتجانسة، ويمتلك خصائص كلية ومعرفة ونحوا كليين بموجب استعداده الطبيعي.

بخلاف ذلك ترى اللسانيات النسبية أن موضوع اللسانيات موضوع ثابت، ومتحقق واقعيا، فهو موجود كباقي الموجودات المنتمية إلى العالم الخارجي، فالمتكلم له وجود واقعي محدد في انتمائه لعشيرة لغوية موجودة فعلا. وبهذا تكون النظرية اللسانية وسيلة تسعف الباحث اللساني في معرفة حقيقة هذا الموضوع الواقعي. وفي هذا يقول محمد الأوراغي: "موضوع الوصف في تقدير الكسبيين والمراسيين واقعي؛ تسعى النظرية المقامة إلى الكشف عن خصائصه الذاتية؛ فوظيفة النظرية تبعا لهذا التيار تنحصر في اقتناص المعرفة من مظانها، إذ النظريات عندئذ بمثابة شباك لاقتناص المعرفة"، (الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية. ص 20).

وينجم عن هذا التصور وجود منظورين للغة، ينظر الأول إلى اللغة بوصفها موضوعا متشكلا يجعل النظرية مؤثرة في حقيقة اللغة، وبهذا يفرض العقل قوانينه على اللغة. فيصعب بذلك إصلاح المنطلقات والمقدمات النظرية، بقدر ما يؤدي إلى تغيير معطيات الموضوع، فالخلل كامن في الموضوع، وليس في النظرية. أما المنظور الثاني فيرى أن اللغة موضوع ثابت ومستقل عن الذات اللسانية الباحثة، ومن ثم يعتقد أن اللغة هي التي تؤثر في المنطلقات النظرية والمنهجية التي ينطلق منها الباحث، (ينظر الأوراغي، محمد. (2013). الوسائط اللغوية. ج1. ص 54-55). فما دامت اللغة في رتبة الوجود القابل للدراسة والتحليل والتأويل، فلا حجر على العقل لكي يعيد النظر في أدواته، ويتحرر من البناء النظري والمنهجي الصارم والمغلق. وفي هذا السياق يذهب أحد الباحثين إلى القول: "إن القواعد في اللغة تعبر ، بلا شك، عن أنماط العلاقات التي يمكن أن توجد في العالم الخارجي... ومن الصعب الادعاء أن الإنسان فرض بنفسه قواعد لغته بشكل تعسفي، لأن ذلك يعني أن الإنسان وضع أولا القواعد ثم راح يطور اللغة، في حين نعرف أن قواعد أي لغة يكتشفها العاملون في دراسة تلك اللغة بعد أن يكون الناطقون بتلك اللغة قد استخدموها لأجيال، أي أن الناس قد استخدموا بشكل تلقائي أنماطا وسلوكا لغويا فيهما أصول وقواعد. وهذه القواعد لا تخرج عن إطار سلوك الأشياء في العالم الخارجي، والتي تعبر عنها اللغة"، (ظاهر، عمر. (2008). تأملات في فلسفة اللغة خصوصية اللغة العربية وإمكاناتها: ص 129).

 ويرى محمد الأوراغي أن اللغة ليست نسقا من القواعد المجردة المستقلة عن انتظام المعاني الكلامية، إنها نسق من القواعد المتضافرة دلاليا وتداوليا وصوريا لتركيب المباني القولية في تطابق تام للمعاني الكلامية. ولهذا يصعب وصف اللغة وتفسيرها في استقلال عن وظيفتها، (الأوراغي، محمد. (2018). محاضرات في النظرية اللسانية. ص 65).

إن مع التصور الكلي يصعب على الناظر اللغوي إدخال تغييرات في بنيانه النظري، لأنه يؤثر في اتجاه واحد في الموضوع المدروس. ولهذا سمح لنفسه بإقحام وسائط وفرضيات تسهم في استمراره، فلا يقبل الترقيع النظري. لكن في التصور النسبي هناك تأثير متبادل بين النظرية وموضوعها المدروس، وهذا يرخص بمواصلة ضبط المنطلقات النظرية والمنهجية للبناء النظري النسبي. لأن قوة النظرية تتجلى في مدى قدرتها على مراعاة معطيات العالم اللغوي الخارجي المنظور فيه، فيصعب عليها إنتاج خصائص لا توجد في عذا العالم، فيثبت قصورها وفي هذا دعوة إلى التمحيص والمراجعة والتهذيب في المنطلقات والأسس المعرفية.

بناء على ما سبق يتبين أن اللسانيات النسبية تنطلق من فرضيات، وهي أن اللغة البشرية ملكة وضعية بالاختيار متحققة في الواقع، وتظهر ماهيتها من خلال مبادئ متتالية هي: المبدأ الدلالي والمبدأ التداولي والمبدأ الوضعي، والمبدأ الصوري. ويرى محمد الأوراغي أن اللسانيات الكلية أهملت كلا من المبدأ التداولي، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغات. 29-30).

إن اللسانيات النسبية بوصفها منهجية علمية للنظر في اللغات البشرية والمقارنة بينها، أتاح لها التوصل إلى أن القواعد المستنبطة منها تصح في لغات، ولا تصح في لغات أخرى. وبهذا فهي تقول بمبدإ التنميط بدلا من مبدإ التعميم الذي قالت به اللسانيات الكلية. هذا المبدأ الذي يفيد أن ما يصح في اللغات الراقية يصبح صالحا في باقي اللغات. فانطلاق اللسانيات الكلية من فرضية العمل الطبعية أفضى إلى القول إن مبادئ النحو واحدة، وأن قواعده مشتركة بين جميع اللغات البشرية.

 لقد نقلت اللسانيات النسبية موضوع علم اللغة من النحو الكلي الذي تنطبق قواعده على جميع اللغات إلى النحو النمطي ذي القواعد النوعية والنمطية. وقد قادت عملية المقارنة بين اللغات في اللسانيات النسبية إلى القول بالوسائط اللغوية؛ فإذا كنت بعض اللغات في الفص التركيبي مثلا تختار وسيط العلامة، فإن لغات أخرى تختار وسيط الرتبة، (الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللسانيات واللغات. ص 31-32).

فكانت بذلك؛ النمطية وسيلة ومبدأ لتأكيد الاختلاف بين اللغات البشرية، وإن كان هذا لا يعني عدم وجود ائتلاف بين اللغات البشرية في عدد من الأوجه. ويرى محمد الأوراغي أن "إثارة الاختلاف النمطي لا يترتب عليه عدم ائتلاف اللغات من كل وجه، لأنه يكفي أن نعتبر الطبيعة الرمزية للغة لنتبين أن كل اللغات، مهما اختلفت بنيتها النمطية، فهي عالم رمزي يعكس بصدق انتظام الأشياء في عالم تصوري مطابق لعالم واقعي. واللغات، من جهة ما تعكس، يجب أن تتوحد ولا تختلف. فهي واحدة من جهة المعبر عنه، ونمطية من جهة العبارة"، (الأوراغي، محمد، نظرية اللسانيات النسبية. (2010). ص 196).

الخاتمة:

لقد حاولنا من خلال هذه المقالة أن نبرز طبيعة التلقي للسانيات الكلية، كما تجلت عند محمد الأوراغي الذي نادى بتأسيس لسانيات نسبية، تتجاوز اللسانيات الخاصة التي تجلت في النظر السيبويهي، الذي لم يسلم من قصور المنهج الاستقرائي والمعرفة المراسية، فلم تنتج عنه معرفة لسانية نسقية. لهذا كان لزاما على الباحث أن يجترح آلة منهجية جديدة تواتي مناهج التفكير العلمي الحديث، وتكون قادرة في الوقت نفسه على استيعاب الإيجابي في التراث. ولا يتأتى هذا في نظر محمد الأوراغي باستيراد نظرية لسانية غربية جاهزة كاللسانيات الكلية، وتطبيقها على اللغة العربية، فقد يؤدي هذا الصنيع إلى مجموعة من المجازفات المعرفية والمنهجية، وإن كانت تلك النظرية تولد معرفة لسانية يقينية ونسقية. فقد أثبت البحث اللغوي انطلاق هذه اللسانيات من مقدمات وفرضيات لا تصدق على اللغة العربية، وهو ما يدعو إلى تجاوز القول بأن اللغة ملكة طبعية، وإعمال مبدإ التعميم الجزافي على جميع اللغات، ومن ثم تعدية خصائص لغة إلى لغات أخرى، بناء على منهج استنباطي. كل هذا دفع محمد الأوراغي إلى بناء نظرية لسانية نسبية تقول بفرضية العمل الكسبية، وأن اللغة البشرية ملكة وضعية تنتقل بالاكتساب، وتتسم بخصائص نمطية، وتتأسس نظريته النسبية ورؤيته للغة على الجمع بين الاستقراء والاستنباط، والقول بمبدإ التنميط. والانطلاق من مسلمة تؤكد أن البحث اللغوي لا ينتج معرفة مطلقة ما دام معرفة إنسانية تخضع للاجتهاد ولتصورات نظرية. وبدعوته إلى المقاربة اللسانية النسبية، يكون متجاوزا حال التلقي الاستهلاكي المحض، وإسقاط الكليات اللسانية على جسد اللغة العربية وعلى الثقافة العربية، وفي الوقت نفسه منتقدا حال الجمود المعرفي الذي يسدل على التراث اللغوي العربي ستائر القداسة المطلقة.

المصادر والمراجع:

  1. إسكندر، يوسف وآل صونيت، مؤيد. (2019). لسانيات تشومسكي مراجعة نقدية في الأسس المعرفية. الطبعة الأولى. سلسلة دراسات لسانية. دار دجلة للتأليف والنشر والترجمة، بيروت لبنان.
  2. إسماعيلي علوي، حافظ والعناتي، وليد أحمد. (2009). أسئلة اللغة أسئلة اللسانيات. الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت.
  3. الأوراغي، محمد. (2010). نظرية اللسانيات النسبية دواعي النشأة. الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط ومشورات الاختلاف، الجزائر والدار العربية ناشرون، بيروت.
  4. الأوراغي، محمد. (2013). الوسائط اللغوية أفول اللسانيات الكلية. الجزء الأول. الطبعة الثانية. دار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر ومنشورات ضفاف، بيروت.
  5. الأوراغي، محمد.(2018).محاضرات في النظرية اللسانية والنماذج النحوية. الطبعة الأولى. منشورات ضفاف، بيروت ودار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر.
  6. الأوراغي، محمد. (2020). تأملات في اللغة واللسانيات. الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط.
  7. بنكيران، محمد الطيب. (2004). الأصول المعرفية للنظرية التوليدية التحويلية. أطروحة لنيل درجة دكتوراه الدولة في اللسانيات. إشراف الدكتور محمد سبيلا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، الرباط.
  8. صلاح رشيد، هدى. تأصيل النظريات اللسانية الحديثة في التراث اللغوي عند العرب. (2015). الطبعة الأولى. دار الأمان، الرباط ومنشورات الاختلاف، الجزائر ومنشورات ضفاف، الرياض.
  9. غلفان، مصطفى. (2013). اللسانيات العربية أسئلة المنهج. الطبعة الأولى. دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، الأردن.
  10. ظاهر، عمر.(2008). تأملات في فلسفة اللغة خصوصية اللغة العربية وإمكاناتها. الطبعة الأولى. دارالرافدين للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت لبنان.
  11. المسدي، عبد السلام. (1986). اللسانيات وأسسها المعرفية. الطبعة الأولى. الدار التونسية للنشر، تونس والمؤسسة الوطنية للكتا، الجزائر.

 

 تتمة -في تلقي خطاب اللسانيات الكلية قراءة في مشروع محمد الأوراغي
Partager cet article
Repost0
16 septembre 2024 1 16 /09 /septembre /2024 09:16
 الرواية والمكان رواء مكة لحسن أوريد أنموذجا

الرواية والمكان

 رواء مكة لحسن أوريد أنموذجا

د. عبد اللطيف حسو

دراسة محكمة

الملخص

تروم رواية رواء مكة للروائي المغربي حسن أوريد وصف التحول الجذري الذي حدث بشخصية الكاتب وفكره، واصفا رحلته الحياتية السابقة والتي نعتها بالمرحلة العقلانية ، والمرحلة اللاحقة والتي تعتبر مرحلة إيمانية بامتياز ، وبالمرحلتين جرت العديد من الأحداث بدءا بحقبة الطفولة وانتهاء بالإعفاء من المناصب الرسمية والسلطوية والحكومية بأسلوب راق ، بسيط ومشوق.

الكلمات المفاتيح:رواء مكة، حسن أوريد، الرواية، المكان.

Abstract 

The novel Rawaa Makkah (Thirst- quenching of Mecca) by the Moroccan novelist Hassan  Aourid aims to describe the radical transformation that took place in the writer's personality and thought, describing his previous life journey, which he called the rational stage, and the subsequent stage, which is considered a stage of faith par excellence, and in both stages many events took place, starting with childhood .

  1. توطئة :

إن المتأمل في الكتابة الروائية العربية والمغربية على الخصوص ، يلاحظ أنه منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ، وبداية القرن الواحد والعشرين عرفت تغيرات جمة وتراكمات غير مسبوقة ، لدرجة يخيل للمتتبع لهذا الجنس الادبي أن جل الكتاب والمبدعين انبروا لكتابة هذا النوع دون غيره ، كما نلفي أن الدراسات النقدية خصصت له حيزا هاما من أبحاثها باعتباره جنسا أدبيا يحظى بجاذبية كبيرة ، لدرجة أن السواد الأعظم من المبدعين في بداياتهم يدشنون مسارهم الإبداعي بكتابة سيرهم الذاتية ، يعبرون من خلالها عن جانب أو جوانب من حياتهم ويتقاسمونها مع المتلقين والقراء ، الذين يجدون متعة في قراءة تجارب الآخرين الإبداعية ، ويتفاعلون معها.

ويرفض محمد أنقار، انطلاقا من التصور النقدي ذاته، تلك المفاضلة التي يقيمها البعض بين الأجناس الأدبية ، فالصورة الفنية  " تجريد جمالي لبعض سمات الواقع ، ولكنها ليست ترديدا دقيقا له ونسخة طبق الأصل منه ، ولا يمكن أن تكون كذلك" [1]

  1. قراءة في عتبات رواية رواء مكة

العنوان هو المفتاح الضروري لسبر أغوار النص، والتعمق في شعابه التائهة والسفر في دهاليزه الممتدة. كما أنه الأداة التي بها يتحقق اتساق النص وانسجامه ، وبها تبرز مقروئية النص ،وتنكشف مقاصده المباشرة وغير المباشرة.

رواء تعني التمعن في الإرتواء الشرب والتشرب والتلذذ بفعل وكتب بلون برتقالي وبشكل واضح.

صورة الغلاف: الواجهة الأمامية للغلاف تتوسطها الكعبة المشرفة باللون الأسود،  وتكاد تهيمن على معظم الواجهة يعلوها اسم الكاتب بـأحرف بارزة وأسفل الصورة أقصى اليمين كتب نوع الرواية رواية سيرذاتية

  1.   المكان

و يرى ياسين النصير:" أن المكان هو الكيان الإجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه ولذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءا من أخلاقيات وأفكار ووعي ساكنيه ويعرج أنه ومنذ القدم وحتى الوقت الحاضر كان المكان هو القرطاس المرئي والقريب الذي سجل الإنسان عليه ثقافته وفكره وفنونه مخاوفه وآماله أسراره وكل ما يتصل به وما وصل إليه من ماضيه لاذرته أو ليورثه إلى المستقبل ومن خلال الأماكن نستطيع قراءة سيكولوجية ساكنيه وطريقة حياتهم وكيفية تعاملهم مع الطبيعة أي المكان من خلال  [2]

 وهذا يبرهن على أن المكان حقيقة معاشة يؤثر في البشر بنفس القدر الذي يؤثرون فيه فلا يوجد مكان فارغ أو سلبي ويحمل المكان في طياته قيما تنتج من التنظيم المعماري كما تنتج من التوظيف الإجتماعي والطريقة التي يدرك بها المكان تضفي عليه دلالات خاصة.

 كما أشار غاستون باشلار إلى نماذج الفضاء فقال "وضع هنري ميشو في داخلنا الخوف من الأماكن المغلقة كلاستر وفوبيا والخوف من الأماكن المفتوحة اجورا فوبيا جنبا إلى جنب وهو بهذا قد هول الخط الفاصل بين الداخل والخارج .[3]

  1. الرواية والمكان:

للأمكنة علاقه برسم الشخصيات الروائية هذا من ناحية أما على أرض الواقع فإن المكان يدل على صاحبه فالبحر يدل على البحار والريس والسجن يدل على السجان والمحقق والسجناء ونوعياتهم والمدينة تدل على سكانها والحي الشعبي يدل على سكانه والملقى والمقهى والملهى يدلان على مرتاديهما وغير ذلك ولذلك فان وصف المكان يسهم في إضفاء صورة عن الشخصية الملاحقة لهذا المكان والمندمجة فيه وفي فضائه تستلهم أحداثها من هذا المكان ويستلهم من الشخصيات سماته فالمكان يدمج الشخصية والمكان هو حاضر الشخصيات والثقافات وهو حامل التراث والجغرافية والتاريخ يتفاعل الإنسان معه ويبني علاقات توصف بالمصيرية والحميمية لأنه بهذه الصفة يعني الوطن إن كان على مستوى البيت أو الحي الشعبي او المدينة أو البحر يمارس فيه حياته ويكتسب العادات والأخلاق لهذا في ارتباط الشخصية بالمكان ارتباطا مصيريا من الولادة وحتى الموت . [4]

ويمد المكان الإنسان بتصوراته ومفاهيمه ويكون دعامة أساسية لكل تصور إنساني ويرى شارل جريفل "أن الفضاء الروائي هو الذي يكتب القصة حتى قبل أن تسطرها يد المؤلف إن المكان في الرواية هو خديم الدراما فالإشارة إلى المكان تدل على أنه جرى أو سيجري به شيء فمجرد الإشارة إلى المكان كافية لكي تجعلنا ننتظر قيام حدث ما وذلك إنه ليس هناك مكان غير متورط في الأحداث".[5]

 ويرى حميد لحميداني "أن المكان يساهم في خلق المعنى داخل الرواية ولا يكون دائما تابعا أو سليبا أو سلبيا بل إنه أحيانا يمكن للروائي أن يحول عنصر المكان إلى أداة للتعبير عن موقف الأبطال في العالم. [6]ويرى غاستون باشلار "أن الفائدة الرئيسية للبيت بصفته مكانا بقوله البيت يحمي أحلام اليقظة والحالم ويتيح للإنسان أن يحلم بهدوء ويضيف أن البيت جسد وروح وهو عالم الإنسان الأول  . [7]ويضيف مهدي عبيدي " إن المكان يقوم بدور مهم في ممارسة الشخصية لطقوسها وفي نوع لباسها وسكانها وحتى وسائل مواصلاتها فعلاقه الشخصيات بالمكان قائمة على الإستمرار ولا وجود للشخصيات خارج المكان. وبما أن الرواية تنطلق من الإنسان وإليه فإنها تتناول الإنسان وعلاقاته وكلما كانت هذه العلاقات متشابكه معقدة متنوعه تعطي للرواية الحياة والدينامية وبالقدر نفسه الذي يؤثر

المكان في الشخصية التي تؤثر في المكان في محاولة لإبداعه من جديد عن طريق الإنتقال التدريجي إلى الحضارة، أي يتم ذلك بالتأثيرات المتبادلة وان بعض الأمكنة لها سطوتها وقوتها التي لا ترد كالأمكنة الأسطورية أو الخيالية أو الدينية وغيرها وهذه الأمكنة تخضع أو تخضع الإنسان لسيطرتها وعتوها وجبروتها تعتريه نوبة من الخشوع والرهبة والخوف والإندهاش .[8] والمقابر أو القرافات على حد تعبير نجيب محفوظ في روايته" اللص والكلاب " تعتبر مكانا يؤوي عينة من الناس فساكني المقابر مثلا بمصر يضفون الحياة على مكان الأموات يعيدون إليه الحيوية والحركية والحياة والجمالية إذ هناك من يزرع ورودا وزهورا على قبور الأموات.  والرمس مكان لا يهمنا من يقطنه ولكنه يحتضن كائنا، لا تهمنا هويته ولا جنسيته ولا جنسه ولا كينونته. المفروض ان المقابر مكان هادئ يثير الخوف والرهبة لكنه قد يكون ملاذا للمتعبين من مآسي الحياة ومتاعبها، ومشاقها، وهمومها، وقد يكون ملاذا وسكنا لمن لم يجدوا مكانا يأويهم من الفقر وأزمة السكن بمصر، ويفتح آفاقا رحبة لا حدود لها للتائبين من المعاصي والعائدين إلى الله رب العالمين، فارين من أمكنة الأحياء إلى أمكنة الأموات بين قوسين هروب من أحياء الأثرياء والأغنياء من نعيم القصور الفخمة والحياة الصاخبة إلى أمكنه الراحة النفسية والروحية ،رغبة في الإعداد والعمل من أجل ولوج نعيم أبدي لأن القبور هي المنبه الموقظ من الغفلة إلى الطريق القويم المستقيم، نحو المكان السرمدي أحيانا كثيرة وفي مواقف عديدة، هناك هروب أشخاص من أماكن الرذيلة والجريرة إلى أماكن الطهارة والنقاوة وقد تكون الوجهة معكوسة من الصفاء إلى الحقارة. فالإنسان يتماهى مع المكان. فقاطن الحي الشعبي يتزيى بفكر وأخلاق وسلوكات ونمطيات هذا الحي، ويتشبع بمميزات المكان والشيء ذاته بالنسبة لقاطني الأحياء الراقية حتى وإن كانوا آتين من أحياء شعبية حملتهم ظروف معينة في أزمنة محددة إلى أمكنه مخملية ،غير متوقعة وغير منتظرة بالنسبة إليهم لكن دون تمكنهم من نسيان الأمكنة التي كانوا فيها، وحنينهم الى ذكرياتهم فيها التي حملوها معهم في قلوبهم ،غادروا تلك الأمكنة لكنها لا زالت تعيش في قلوبهم، وفي أعماقهم .لا يمكن بأي حال من الأحوال إقفال العلاقة الجدلية الأبدية بين الإنسان والمكان فهي علاقة  أنطولوجية يستحيل فصلها عن بعضها البعض .

"ورغم أن بودلير كان في قلب المدينة فلقد شعر بألفة البيت المتزايدة عندما يحيطه الشتاء ففي الفراديس الإصطناعية يتحدث عن فرح توماس دي كوينسي. فحين كان سجين الشتاء قرأ ( كانتkant) مستعينا بالحس المثالي الذي يثيره الأفيون. المشهد في كوخ في منطقه ويلز أليس صحيحا أن البيت اللطيف يجعل الشتاء أكثر شاعرية وأن الشتاء يضفي مزيدا من الشعر على البيت؟ كان كوخ الأبيض مبنيا على طرف الوادي الصغير محصورا بجبال عالية وبدا ملفوفا بالشجيرات" .[9]

وتتمتع أسماء الأماكن في النصوص الحكائية بأهمية كبيرة في الخطاب الروائي لأن اسم المكان غالبا ما يدل على مسماه ويوحي الى ماهيته ويمكن المتلقي من الولوج الى عالم المكان الداخلي وبقدر ما يدل الاسم على المكان ويوحي بكنه ويكثفه ويمكن المتلقي من تلمس معالمه يكون اسما مناسبا والروائي المبدع لا يطلق الاسماء على أماكنه جزافا وانما ينتقيها بدقه وحدق لتكون مرتبطة بأماكنه ودالة عليها ومنسجمة مع خطابه الروائي ومن عمق ارتباط الاسم من مكان سنبين دلالات اسماء الأماكن[10]

 و بخصوص الرمز فقد جاء في القران الكريم "قال رب اجعل لي اية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار " سورة ال عمران الآية 41 .فقوله تعالى: قال رب اجعل لي اية ( أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكرا لك )قال آيتك الا تكلم الناس ( تكف عن الكلام )ثلاثة أيام( وتقبل بكليتك على عبادتي ، أنه حبس لسانه عن الكلام  ولكنه نهي عن الكلام وهو صحيح سوي، كما قال في سورة مريم الية 10 )الا تكلم" الناس ثلاث ليال سويا (يدل على قوله تعالى : "وسبح بالعشي والإبكار " فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس وقد سعت العلوم الإنسانية المعاصرة الى تمييز الرمز عن غيره من المفاهيم، اللغوية والإشارية لعل قيمة التعريف الذي قدمه سوسير للرمز تجلو من خلال الحدود التي وضعها للعلامة اللسانية .فقد ميز الرمز عن العلامة اعتمادا على مبدأ الاعتباطية أو التحكم . وبين الجانب الإيحائي في الرمز، وقسم المعاني الى معان مباشرة حاضرة تمثل مدلولا أول، ومعان غير مباشرة غائبة تحيلنا الى مدلول ثان .فالعلامة اللسانية –عنده- تحيل على تصور نملكه عن شيء معين. إلا ان الرمز يكتسب معناه بطريقة غير مباشرة استنادا الى سياقه النفسي أو الديني أو الاجتماعي ...فالسقوط مثال علامة لسانية توحي بمعنى ... مباشر: سقط أو وقع أرضا ، لكنه من منظور نفسي رمز الإستسلام والعجز والرذيلة " [11]

أما الدكتور عبد الهادي عبد الرحمان فقد أورد أن الرمز عرف : "كوسيلة للتعرف على الاشياء ، وعرف كدليل على شيء متفق عليه . ويذكر قاموس أكسفورد أن الرمز عبارة عن شيء يقوم مقام شيء اخر ، أو يمثله أو يدل عليه ، لا بالمماثلة ، وانما بالإيحاء السريع أو بالعلاقة العرضية أو بالتواطؤ ."  [12]

  1.  رمزية المكان في رواء مكة لحسن أوريد
  1. الأمكنة المغلقة:

 وأول ما يشع في عيني المطلع والمتلقي والباحث في هذه الرواية عنوانها والعنوان ليس اعتباطيا أو عشوائيا أو تلقائيا وإنما هو عنوان تم انتقاؤه واختياره بعنايه فائقة من لدن الكاتب لأنه يضع في اعتباره مسبقا ما سياتي ولأنه يعرف بدقة ما سيتناوله في نصه الروائي وما سيركز عليه أثناء كتابته ولذلك نجده اختار بعناية هذا العنوان وهو عنوان جذاب ممتلئ معبر له دلالات عميقه وبعيدة من الناحية الدلالية والرمزية ومن الناحية الدينية أيضا، وبالتالي سننطلق للتو إلى هذا العنوان. فبداية رواء مكة ليس عنوانا ككل العناوين فروى حسب ما يتبادر إلى الذهن دائما هو إمتلاء هو إشباع لحاجة ملحة بعد ظمإ لفترة قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة،  وهذا الرواء يعطي إحساسا بالإنتشاء قد يكون هذا الرواء نفسيا وقد يكون فيزيائيا وهذا ما سنحاول من خلال هذه الورقة توضيحه وكذلك تجليته بالطريقة وبالشكل الذي سيجعلنا نضع أيدينا على أهم ما كان يرمز إليه ويقصده المؤلف من خلال هذا العنوان ويمكن سحب الإرتواء على الأرض والإنسان والحيوان وجميع الكائنات فالإبل ترتوي بعد عطش وظمإ والإنسان كذلك والأرض أيضا وبالتالي فهذه الرمزية تعني أيضا البهاء والإشراق واللمعان والإمتلاء حدود الإمتاع وحدود الإنتشار وقد يكون ويرمز الرواء والإرتواء والري أخذ قسط وافر من العلم أيضا بعد طول انتظار وبحث وتمحيص وكذلك رحلة في دروب العلم والمعرفة فالإنسان يكون متعطشا الى المعرفة وعادة هذه المسالة لا تنسحب على الإنسان المتعلم وإنما أيضا الإنسان المتلهف إلى المعرفة وإلى العلم كما هو الحال بالنسبة للإنسان الذي لا يحسن الكتابة والقراءة الإنسان الذي يصطلح عليه بالأمي مع العلم أن الأمية اليوم لم تعد مرتبطة بمن لا يحسن القراءة والكتابة وإنما تجاوزته إلى من لا يتقن اللغات الحية ولا يتقن كذلك التعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة ان رمزي يتمكن في ذهنية المسلم ليست ذات معنى جامد، بل انها محرك فعلي متصل بالممارسة الشعائرية وغير مقتصرين عن البنايات أو الأشخاص من الخارج دون أرواحهم بل إنها تهيج النسق الإيماني وتكمل التوازن واللذة التي يلامسها المتعبد في صلاته. والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه العزيز:" الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا". فالله سبحانه وتعالى لم يجمل أماكن العبادة في كلمة واحدة لكنه فصل فيها ،وهذا ما يدل على أن الطبيعة المعمارية تؤثر تأثيرا كبيرا في خلق وعي متدين ومرتبط بأصول الدين لدى الفرد والجماعة إذا فالرمزية المادية هي مواكبة حية ونشيطة للتصور الروحي وشكل من أشكال الإعتقاد الذي يتبناه المؤمن في طائفته ولبنائه هويته العقدية. وتكتسي مكة وتحتل مكانه هامة ومقدسة لدى جميع وعامة المسلمين في ربوع الكوكب الأرضي قاطبة فهي الوجهة المفضلة الروحية لدى عموم المسلمين في ربوع الأرض كلها فأمنية كل مسلم دائما هي زيارة مكة نظرا لرمزيتها ومكانتها في الإسلام وفي الشريعة الإسلامية ،وكذا في السنة النبوية الشريفة.

 إن مكة ليست ككل الأمكنة في العالم .إنها أطهر وأقدس وأنظف وأجمل بقعة في الأرض على الإطلاق وفضلها رب العالمين وجعلها الوجهة التي ينبغي على المسلم إذا توفرت لديه الإستطاعة لزيارتها وحجها وممارسة شعائره الدينية فيها كي يكتمل إسلامه، فمن توفرت لديه الإمكانات المادية يتوجب عليه في الدين الإسلامي التوجه الى الحج وبالتالي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة فرمزية مكة بلا حدود مكة، الدين مكة، العبادة مكة مهبط الوحي على أفضل خلق الله على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه .ويقول حسن أوريد في رواء مكة "كل التحولات العميقة في حياة الأفراد كما في حياة المجتمعات تأتي وئيدة حتى لا تكاد ترى وحدث ذلك التحول الذي أحالني شخصا آخر في رحاب مكة".الرواية ص49. إن الدلالة العميقة لرمزية حج الكاتب إلى مكة تعني الخلاص من مجموعة من المعتقدات والأيديولوجيات المترسخة في فكر وشخصية الكاتب فهي تصالح معدات نقطة تحول دقيقة في تفكيره فبعدما نشأ الكاتب في نفحات دينية ببيت معروف بالتزامه وتشبته بالدين الاسلامي، حيث نشأ منذ طفولته على هذه الطقوس الدينية والنفحات الروحانية التي مهما حاول الزمان تغييرها والأمكنة والتأثير فيها إلا أنها لم تستطع أن تثبت وأن تستمر رغم السنوات التي غمرته فيها هذه الإعتقادات وهذه الإيدولوجيات حجبت عنه ما ترسخ في ذاكرته من نفحات دينيه وطقوس ربانيه ببيت درج على حب الله والتمسك بالإسلام وتعاليمه السمحة فهذه رمزية التوبة النصوح. ويمكن اعتبار مكة نقطة تحول حاسمة في حياة الكاتب إذ نقلته من ايديولوجيات ومعتقدات رافقته ردحا من الزمن ،إلى البدايات الأولى ببيته الأول في أحضان عائلته ووالديه، فرمزيه التوبة والعودة إلى الله حاضرة بقوة لدى الكاتب ورمزية مكة لا يعلى عليها لدى كل المسلمين، رمزية فوق كل الرمزيات ودلالتها دلالات لا حصر لها لدى كل المسلمين المتشبثين بدينهم الحنيف .إذن فنحن أمام مكان مفتوح لسائر المسلمين القادرين على حجه وزيارته وغسل ذنوبهم والتخلص منها ومغلق على غير المسلمين فهو مكان أيضا ثابت غير متحرك ثابت في الزمان ثابت أيضا في المكان.

  1. المسجد

  يعتبر المسجد من الأمكنة المقدسة الروحانية والتي يستلهم الانسان منها جانبه الروحي فهو يشعر في هذا المكان بالطمأنينة والسكينة والامان والراحة النفسية، لذلك حينما يلجه يشعر بكيانه وبقربه من خالقه، فهو ليس كغيره من الأمكنة على وجه الأرض. وقد ورد ذكر المسجد في رواية رواء مكة عدة مرات إن بالمغرب أو خارجه بالأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية فبالنسبة للمسجد يرد ذكره "مسجد صغير في حي تيمدقين الشعبي بإفران والبرد والثلج والزمن بداية الثمانينات والساعة العشاءان وعمري لا يربو على العشرين إلا قليلا اقفو على بوابة المسجد فلا أجد إلا الفراغ مصاحف في رفوف ونور باهت من مصباح من على السقف" الرواية ص.49 ويرد مرة اخرى في قوله:" توقفت بالمسجد ما بين العشاءين عسى أن أجد لأخي اثرا أو أسمع خبرا وتمليت بيت الله فلم أجد إلا الفراغ كانت تلك اللحظة القطيعة مع كل موروث كما لو أني أودعه لم أشعر بشيء يملأ ذلك المكان و يختصه بشيء الرواية ص 20 .

 لم يكن يمثل المسجد بالنسبة للكاتب اي شيء سوى مكان فارغ لا يحس تجاهه بأي إحساس من أي نوع كان هو مكان من الأمكنة وانتهى، ويحضر المسجد في الرواية وفي حياة الكاتب بشكل كبير إذ نجده مرة أخرى حيث يقول : "ذات مرة سالت والدي وقد عاد من المسجد بعد صلاة المغرب في صقيع إفران

- اما كان حريا بك أن تقبع هنا في البيت وسط الدفء مع أولادك عوض أن تقطع الطريق وسط هذا الزمهرير من بيتنا بحي الشباب  (  la maison française، وهو اسمه القديم ) إلى مسجد النيجر( وهو المسجد الوحيد آنذاك بمدينة إفران)".الرواية ص 25 . اما في طفولته فتحضر علاقته بالمسجد مرة أخرى وبصيغة أخرى يقول:" وبمسجد بوتالمين كنت أذهب أنا وأخي عبد الله نصلي مع أترابنا، وكأن صلاتنا ليست استجابة لدعوة الله وحده ولكن استشعار لبلوغنا" الرواية ص 83 .

 تلكم كانت نظرة حسن إلى المساجد بالمغرب، أما نظرته إلى هذا المكان المقدس خارج المغرب بالأراضي المقدسة فقد جاءت كما يلي :"أرى المسجد بمنظار آخر غير النظرة التي رأيتها فيه في زيارتين رسمتين.. الذي راقني فيه سعته للمصلين وللمؤمنين وغير المصلين .الذي راقني هو وظيفته الإجتماعية التي تتيح للناس أن يجلسوا بأفنائه وأن يتحادثوا ويمرحوا ويناموا وأن يلقوا الدروس في حلقاته .هي هذه الوظيفة التي نفتقدها في المغرب إذ أضحت المساجد أماكن للتعبد ليس إلا.. زرت قبر النبي عليه السلام ووقفت بالمكان ما بين المنبر والقبر والمعروف استنادا للحديث النبوي بأنه روضة من رياض الجنة. كان يعرف ازدحاما كبيرا ولم يتأت لي أن أصلي ركعتين. إلا بمحاذاته وليس ما بين المنبر والقبر" الرواية ص 101/102 ،  ويتابع قائلا:" استيقظنا قبل الفجر واتخذنا مجالسنا  وما هي إلا دقائق حتى امتلأ المسجد وقد قرأ الإمام سورة الملك في ركعتين.. العجيب هو هذه الجموع من كل البلدان والأجناس والثقافات وفي ذلك قوة الإسلام".الرواية ص 102.الملاحظ أن نظرة الكاتب تغيرت تغيرا جذريا تجاه المسجد، باعتباره مكانا للعبادة والراحة النفسية والروحية .وعليه فإذا عدنا إلى ما طرحناه سابقا في المقاطع السابقة بخصوص علاقته بالمسجد نلاحظ أنه تغير تغيرا جذريا، فالنظرة غير النظرة ،والإحساس غير الإحساس إذن، فدلالة المكان تغيرت أيضا، وبالتالي فرمزيته أصبحت رمزية تتقاطع مع جل المسلمين، لكنه يزيد عنهم بكثير نظرا لوعيه وإيمانه المبعوث، علما أنه كان في السابق سليل أسرة متدينة يحفها الإيمان من كل جوانبها، وفي كل دقائق حياتها، إذن فالرمزية اليوم غير الرمزية بالأمس .كان المسجد مكانا فارغا بالنسبة للكاتب واليوم أصبح مكانا يفيض بالمشاعر والعواطف المشعة بالأنوار الإيمانية والعرفانية. والمسجد مكان مغلق على الكافرين وغير المسلمين نظرا لطهارته وقداسته ومفتوح لكل المسلمين الراغبين في ولوجه والتعبد فيه والصلاة بداخله.

  1. الطائرة

تحضر الطائرة في هذه الرواية لا باعتبارها ،وسيلة نقل ينتقل على متنها الكاتب من مكان إلى مكان آخر، وبشكل دقيق من المغرب إلى الأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية،  ولكن تحضر باعتبارها، عاملا مساهما ومساعدا. اذ سيغادر الأرض محلقا في السماء وهي رمزية على الرغم من ذلك وكأنه يرتفع ويسمو من الأرض، تاركا خطاياه وذنوبه وآثامه بمسقط رأسه وبوطنه المغرب، محلقا في الفضاء والجو وكأني به يرتفع من الأرض نحو السماء، باحثا عن الخلاص وعن التخلص من همومه وآثامه وخطاياه. وعليه فالطائرة تصبح عاملا مساهما و في تطهيره وكذلك في مساعدته على التغير من حالة الشك الى حالة اليقين ، ومن المدنس نحو المقدس . يقول بهذا الصدد: " استدير من الكرسي كرسي الطائرة ذات اليمين وذات الشمال أشياء تتهاوى علي دراكا كأنما هو البرد أضع ذراعي على رأسي كأنما أتحامى وقعه ...ألا تدعني هذه الهجمات؟ هو ماضي؟ وهل هو ماض؟ لقد أقبرته أنا مقدم على الحج وهل اقبرت ذاك الماضي؟ لا تزال أغلال تربطك به ؟ "الرواية ص 44

  1. المستشفى

عادة المستشفى هو مكان للإستشفاء، والتطبيب وكذلك تخفيف الآلام والأمراض بأنواعها الخطيرة والأقل خطورة، لكنه يحضر هنا بهذا الصدد كمعادل رمزي استشفائي للكاتب ذا عمق روحاني ينقل المريض من حالة مرضية اعتقادية الى وضعية مخالفه تماما، فقد حضر الكاتب قصد الإستشفاء من مرض عضوي لكن رمزية هذا الحضور إلى هذا المكان بالضبط تكتسي رمزية أخرى، استشفاء من أمراض عقدية اعتقادية دينية إلى مرحلة استشفائية نقاهية أخرى بعيدا عن معاناة المرض. فالمعاناة النفسية والروحية أكثر وطء وألما من المعاناة العضوية، وهذا ما يرمز إليه المستشفى بالنسبة للكاتب:" يقول وقصدت فرنسا مرتين لإجراء العملية لمعالجة الخطأ الطبي عند من يعد من كبار المختصين وفي أرقى المستشفيات ولم تكلل العملية بالنجاح فلم أر بدا أن اقصد طبيبا مغربيا في مستشفى عمومي". الرواية ص 15. لم تكن هذه المرة هي المرة الوحيدة التي دخل فيها الكاتب المستشفى بل ستتوالى هذه الزيارات كلما اشتد به المرض ودعت الضرورة إلى ذلك يقول ووصلت المستشفى بالرباط خمس دقائق قبل الموعد المحدد قادما من الحفل الفلسطيني بمكناس وحل الطبيب لم يبد من ملامحه أنه كان واثقا بل لم يبد أنه كان مهتما حضر في الموعد المضروب ووصف لي مهدئات ثم وعد بأن يأتي عند الغد على الساعة السابعة صباحا. وعن ذاك الطبيب في الموعد، كما لو هو ساعة سويسرية .. لا أزال أذكر والليل بهيم، وآلام شديدة تعتصرني بعد العملية، أني حاولت أن أمد يدي إلى ناقوس الممرضة، فلم أستطع لشدة الآلام وبرحائه، فاستعضت بآلة التحكم عن بعد للتلفاز التي كانت على مقربة مني. أشعلت التلفاز لأسلو، لأنسى آلامي"الرواية ص 16.  هذا بخصوص ولوج الكاتب للمستشفيات المغربية. أما بخصوص ولوجه لمستشفيات خارج البلاد فيقول:" دخلت المستشفى فحصني الطبيب، وشخص داء الزائدة، وقرر إجراء العملية على عجل... واستفقت على آلام الجرح... ولكن شيئا أخذ يعتمل في نفسي القلقة.. في فترة النقاهة التي امضيتها بمستشفى بكوالالمبور انغرست بذرة فؤادي ..

كان الطبيب حفيا بي. وكان أن رزق ولدا، ولكنه رأى أن لا يبرحني. وسألته والطبيبة التي كانت تساعده لما أنتما حفيان بي؟ أجابا: لأنك أخ في الاسلام ولا يمكن ان نتركك وشأنك وقد غادر وفد بلدك". الرواية ص 69. 

  1. البيت

لا يشعر الإنسان عادة بالطمأنينة والإرتياح إلا حينما يستقر ببيت يأويه، ويحميه من البرد ومن الحر، ومن شر الخلق ليحقق نوعا من الإستقرار النفسي والمعنوي، كما يلعب البيت دورا مهما في تخليد الذكريات منذ الطفولة وحتى الكهولة أو الشيخوخة، لذلك فهو مكان له مكانته ولا يجد الانسان نفسه الا فيه، فمنه ينطلق واليه يعود كلما جارت دروب الحياة وهمومها ومشاغلها ومشاكلها عليه. "البيت يحمي احلام اليقظة والحالم ويتيح للإنسان ان يحلم بهدوء ان الفكر والتجربة لا يكرسان وحدهما القيم الإنسانية فالقيم المنسوبة الى احلام اليقظة تسم الإنسانية في العمق يتميز حلم اليقظة بالاكتفاء الذاتي اذ يستمد متعه مباشرة من وجوده ذاته ولهذا فان الأماكن التي مارسنا فيها احلام اليقظة تعيد تكوين نفسها في حلم يقظه جديده، ونظرا لان ذكرياتنا عن البيوت التي سكناها نعيشها مرة اخرى كحلم يقظه، فان هذه البيوت تعيش معنا طيلة الحياة[13] يقول أوريد :" كنت تعبا حقا من  أن أسكن بيتا ليس لي وكانت هناك إشراقات تغري بأن أعود إلى بيتي الأول بيتي الذي سمعت فيه صوت القرآن يتلى من الفجر يصبح به والدي وفيما ناغتني به والدتي من أشعار أمازيغيه في مدح الرسول عليه أزكى الصلاة والسلام أو هي تتلو علي قصة النبي يوسف عليه السلام ثم فيما غرسته جدتي في نفسي ورعاه والدي ولكن ذلك الميراث أضحى في فترة من حياتي طقوسا ونصوصا وكان يصدني عن السير"الرواية ص 49 . ويواصل في مكان آخر من الرواية:" كانت جدتي قد نهضت مع الفجر من غرفتها المشرفة على الحوش ، وصلت الصبح ، ثم اقتعدت في زاوية من "الغرفة "تذكر الله ... ثم أراني قد صعدت الدرج حيث والدي في الغرفة فيخرج أبي فرحا مبتهجا وهو يسمع ندائي نداء القرآن رحم الله عمتي من كنت أناديها بأختي ... ثم أراني في بيتنا بواحة بوتالمين وقد غشينا أنا وأخي عبد الله المدرسة نتردد أثناء العطل على الكتاب لنحفظ القرآن .." الرواية ص 82 إن إسهاب الكاتب في وصف بيت عائلته بالراشدية، معناه الإرتباط بالجذور، و له دلالة عميقة بالإرتباط  والإنتماء إلى الجذور وإلى المنبع،  فرمز البيت بالنسبة اليه او رمزيه البيت تعني دلاله عميقة معناها العودة الى الأصول وإلى حيث ظلال القران الوارفة، تظل بيت أسرته وتحفها الملائكة. ولذلك فلا نستغرب إحساسه وحنينه بالعودة إلى تلك الديار لما خلفته من ذكريات كثيرة وجميلة في ذاكرته الصغيرة رمزية المكان بالنسبة إليه وبيت أبويه لهما دلالة كبيرة لديه .

  1. الأمكنة المفتوحة
  • المدينة المنورة

تحتل المدينة المنورة مكانة خاصة لدى عموم المسلمين في بقاع المعمور، نظرا للأدوار الطلائعية الدينية التي لعبتها في تاريخ الإسلام فإليها هاجر الرسول الكريم صلوات الله وسلامه  عليه واستقبل  أيما استقبال، سيظل التاريخ يسجل بمداد من عسجد ذلك الإستقبال الذي حظي به رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من لدن هذه المدينة وساكنيها، والحب الذي كانوا يكنونه لرسول الاسلام حينما هاجر إليهم قادما من مكة، بعدما ضيق عليه سكان قريش المجال فخرج مهاجرا إلى المدينة المنورة التي فتحت أحضانها لاستقباله وكان استقبالا لن يتكرر في التاريخ الإسلامي إنه استقبال خير البرية والأنام رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم محمد ابن عبد الله.

 ومثلما شكلت هذه المدينة نقطه تحول مفصلية  وحاسمة  في تاريخ الاسلام كان الأمر نفسه بالنسبة للكاتب حسن أوريد  يقول بهذا الصدد" بعد صلاة العشاء خرجنا مع مغربي يقيم بالمدينة ويشتغل في الفندقة أخذنا الى مكان موقعة أحد..  مكان مهمل وربوة هي المكان الذي كان به الرماة .. أما كان خليقا الاعتناء بهذا المكان عوض أن يكون شبيها بأسواقنا الأسبوعية؟ أخذنا مرافقنا المغربي إلى الجانب العصري من المدينة : تجليات العولمة، ساحات كبرى للتسوق، ماركات عالمية، مقاهي، مطاعم، كأنما فصلت عن مكان العبادة... وأراني المرافق جبلا به يوجد قصر الملك ، وشرح لنا أن الدجال سيخرج من هناك، ولكنه لن يدخل المدينة-على خلاف مكة-  و أنه حسب حديث،  سيخرج إليه أربعون ألف منافقا أو – سبعون - لا أذكر، وانه سيضرب بسيفه شخصا فيفصله شقين، فيرده إلى حالته الأولى، فيقول له أو لم تؤمن بي أني أنا الله؟  فيرد الشخص الذي فصل شقين ثم رد إلى حاله الأول: بل أنت الدجال. وإثر ذلك يفصل الدجال إلى الشام.. استمعت الى قول محدثي دون أن أعقب. سألته إثرها عن مقبرة البقيع ، وقال لي إن موتاها أول من يبعث يوم الحشر. الرواية 104/105 المدينة المنورة نورها شاع في الكون حينما حل بها سيد الخلق سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه فأصبحت منورة وتلك رمزية دينية قدسية،  تبين أهمية هذه البقعة الطاهرة من الأرض، ولذلك أنشد سكانها حينما استقبلوا أعظم رسول في الكون :طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع،  ولذلك فالدلالة العميقة والرمزية لهذه المدينة بالنسبة لصاحبنا وكاتب الرواية تعتبر نورا أنارا دربه وقلبه وسبيله وأخرجه من الظلمات إلى النور وهذه المدينة تعتبر  فأل خير بالنسبة إليه.

  • الصحراء

لطالما اعتبرت الصحراء بقعة جميلة ساحرة، تمتد في المدى بواحاتها ونجومها الساطعة ليلا وكثبانها الرملية ورحلات ساكنيها أومرتاديها، حيث يستمتع زائروها وساكنوها بسحرها وهدوئها وصفاء جوها، وطيوبة أهلها، وبالتالي فالعرب عاشوا داخل هذه الصحاري حياة مليئة بالشغف والفن والإبداع الشعري الرصين الذي امتد لقرون منذ العصر الجاهلي الى اليوم. فقد شغلت الأدباء وألهمت الشعراء منذ قديم الأزمان . وحسب ابراهيم الكوني:" الصحراء وحدها تغسل الروح تتطهر تخلو تتفرع، تتفضل فيسهل ان تنطلق لتتحد بالخلاء الابدي" .[14]

لقد كان الكاتب ولعا عاشقا للصحراء محبا لها ولأجوائها ولهدوئها، ورجالاتها الخلوقين يقول بهذا الصدد:" كنت أبحث عن بقايا هذه الذهنية في الصحراء، كما لو أن الصحراء هي المتحف الذي يحفظ ما تبقى من هذه العقلية.. كنت كلفا بالصحراء أجوب فيافيها، وأقرأ آدابها، وأجمع أهلها فيما سلف من عمري، في بعض الثغاء من مهرجان كنت أشرف عليه.. هناك اكتشفت ابراهيم الكوني، أديب ليبيا النحرير. وتعرفت الى شاعر ومغن كبير من الطوارق، ومن صحراء جانيت بالجزائر، عثمان  بالي لا ازال اذكره وقد حل واسرته ونحن على كثيب رمال مرزوكة.. وكان له موعد مع الصحراء، في صحراء جانيت، حينما جرفته السيول. رحمه الله . كنت أرى في الصحراء أرضا للقاء، رباط الصحراء هو فكرة. الصحراء تهزأ بالمكان.. وكنت أجري وراء سراب.. أضحت الصحراء مزقا تأبى على بنيها أن ينتقلوا فيها.. بل صاروا يقتتلون من اجل خريطة، ومن أجل مكان يضيق بما رحب.. كنت أريدها نورا ينداح ليملأ الأرجاء بلا تمييز بين الربى والآكام والكثبان والآطام". الرواية ص 68.

 الصحراء رمز للبطولة، والنقاء، والصفاء ودماثه الأخلاق،  والكاتب ينحدر من تلك المناطق،  صحراوي قح يمتح من ثقافة الصحراء، وبراءة أهل الصحراء، ومن كرمهم الحاتمي. فهم بالنسبة إليه رمز الكرم والجود والسخاء، والنقاء لكنه من خلال ذلك يرمز إلى خلاف بين الإخوة الأعداء، المغرب والجزائر وإلى الخلافات حول الصحراء المغربية ،  الأرض التي أدت الى قطيعة بين الأهل والإخوة . صراع مفتعل ومصطنع يروم تقسيم وتشتيت دول المغرب العربي ومن خلاله الأمة العربية والإسلامية.

الصحراء مكان مفتوح على المدى،  تفتح ذراعيها لكل من يود زيارتها بكرمها وجودها وخيراتها ونقائها وصفائها،  مترامية الأطراف شاسعة المدى، بكثبانها الذهبية التي تعكس المعدن الأصيل لهؤلاء السكان، سكانها ، ولهاته المناطق الطيبة، طيبوبة لم يعد لها وجود إلا بهذه المناطق ، لم تفعل فيهم العولمة فعلها بعد .

  • عرفات

عرفة جبل يقع بين مكة والطائف ويعتبر ركنا ركينا من أركان الحج ومن أهم مناسك الحج أيضا، وتقام به وقفة تسمى وقفة عرفة وذلك في يوم التاسع من شهر ذي الحجة وتعد الوقفة بعرفة أهم مناسك الحج، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فهو ليس جبلا ككل الجبال بل يكتسي قدسية، ومكانة عظيمة عند رب العالمين، والوقوف به أثناء آداء مناسك الحج ضرورة لا نقاش فيها، بدون الوقوف بعرفة لا يمكن أن نتحدث عن حج،  فلا يقبل الحج ولا يكتمل إلا بالوقوف بجبل عرفة، فدلالة الوقوف بعرفة دلالة عميقة تكتسي رمزية هامة، ويسمى بجبل الرحمة وهو المكان الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم لإلقاء خطبه الوداع. فله قدسية ورمزية هامة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا جميع المسلمين. أما رمزيته  و دلالته  العميقة بالنسبة لصاحبنا أوريد  فهي وداعه لحياته السابقة، حياة العلمانية وحياة اللهو وتوديعه لآثامه التي تنوء بحملها الجبال كما يقول هو نفسه  ، وبذلك ودع مرحلة ليستقبل أخرى ،أكثر إيمانا وتقربا إلى الله سبحانه وتعالى . ويوم عرفة هو واحد من أيام العشر الليالي التي حلف بها الله تعالى في سورة الفجر حيث قال:" والفجر وليال عشر هل في ذلك قسم لذي حجر" سورة الفجرالآية:1،2،3،4،5

  • أحد

أحد هو جبل يطل على المدينة المنورة ويكتسي أهمية خاصة في تاريخ الإسلام وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم شهد هذا- الجبل عدة أحداث بعد ظهور الإسلام ، وله مكانته الدينية يقول عنه الكاتب: " نظرت إلى أحد وساحة المعركة نظرة اخرى غير النظرة المجردة التي تراءت لي من مكان مترب.. أحد هو امتحان للمسلم. حتى لا تغريه الغنائم فيذهل عن الحق ويقع في المحظور. هو امتحان في مسار المؤمن .هو معرض للنكسات ،عرضة للنكبات، موضع الإبتلاء، بيد أن عليه أن يتجاوز تلك المحن، أن يجعل منها معراجا. لا ينبغي لها أن تثبط همته أو تنال من عزيمته. ليست الحياة طريقا لحبا قاصدا لا  اعوجاج فيه …كيف لا نحب جبل أحد وهو يحدثنا دوما ويجزي لنا من النصح ما ينفعنا في مواجهة الصعاب ومقارعة الخطوب؟  الرواية ص 67/68 . يقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في جبل أحد" أحد جبل يحبنا ونحبه" فهل من رمزية يمكن إصباغها وإلحاقها بجبل أحد أفضل مما قاله فيه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه. فالدلالة العميقة لهذا المكان دلالة لها من السمات والدروس والعبر والرمزيات أيضا ما يجعلها جديرة بالزيارة أما رمزية أحد بالنسبة للكاتب فهي صموده أمام المحن والعواصف التي واجهته في حياته وانتقاله من حقبة متمردة لاهية ماجنة الى حقبة موسومة بالعرفان لرسولنا الكريم ولديننا الحنيف الإسلام. لقد ظل الكاتب كالطود أمام كل ما واجهه من صعاب ومؤامرات كادت تعصف بمستقبله وحياته وأسرته .

  •  منى:

تعرف منى بأنها موضع لأداء شعائر الحج، ومبيت الحجاج في يوم التروية، ويوم عيد الأضحى التشريق حيث إن فيها موقع رمي الجمرات والتي تتم بين شروق وغروب الشمس في تلك الأيام من الحج، رمي الشيطان الرجيم، ويذبح فيها الهدي يقول فيها حسن أوريد :" كل هذا يهون أمام تجربه رائعة هنا بمنى أقوام من كل مكان ومن كل الاجناس، يرتدون لباسا واحدا، ويسكنون حضن الجبل، وهذا  الذي يضفي قوة وجمالا على المشهد، ارتباطه بالطبيعة وبالتجربة الأولى ثم هذه التجربة البسيطة للمسلمين وهم يعيشون سواء وقد تجردوا من حطام الدنيا ولباسها تجربة جماعية هي غاية الحج هذا التواجد الذي كنت انشده ". الرواية ص 161.  لباس الحجيج للبياض وخاصة الإحرام يجعل المنظر مهيبا ورهيبا لأنه زي موحد وهو رمز النقاء والصفاء والطهارة والسلام والسكينة كالملائكة، وهو يحيل على المساواة بين كل العباد وتركهم متع الدنيا ومتاعها ومظاهرها الخداعة  والتوجه صوب رب العالمين . وهذا النوع من اللباس أو من الزي الأبيض الناصع البياض والموحد بين كل الحجيج هوشبيه بالكفن وناصع لأنه يرمز الى النقاء وإلى الطهر وإلى التخلص من آثام الدنيا وذنوبها ومعاصيها ...

  • خاتمة

بناء على ما سبق يتضح أن رواية رواء مكة لحسن أوريد ، رواية غنية بلغتها وأسلوبها وطريقة حكيها، ما يجعلها رواية فريدة من نوعها،  لها راهنيتها من الناحية الجمالية الفكرية والإبداعية واللغوية، إذ تحبل بالرموز مما يبوأها مكانة شائقة ورائقة،  فهي رواية استثنائية تحفل بمنجز سردي يشكل أيقونة في مسار.

المراجع والهوامش

المصدر:

  • اوريد حسن رواء مكة المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى 2019 الدار البيضاء المغرب.

 


[1]  -  الورياغلي مصطفى ، فكر المتخيل في الرواية المغربية ، الطباعة والنشر أأعمدة سليكي أخوين طنجة ،فبراير، ص 14/15

  [2]   - النصيرياسين الرواية والمكان دار الشؤون الثقافية العامة العراق بغداد الصفحة 17

[3] - كاستون باشلار جماليات المكان ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت لبنان الطبعة الثانية 1984 الصفحه197 198

[4]  - ]- بتقة  سليم، تلمسات نظرية في المكان واهميته في العمل الروائي مجلة المخبر ابحاث في اللغة والادب الجزائري جامعه محمد خيضر بسكرة الجزائر العدد 06 - 2010 ميلادية صفحة واحد

5- بحراوي  حسن بناء الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الاولى 1990  الصفحة 30

[6] - حميد لحميداني بناء النص السردي من منظور النقد الادبي المركز الثقافي العربي ، الطبعة الاولى 1991 الدار البيضاء .  الصفحة65

[7] - جاستون باشلار جماليات المكان الصفحة 37

[8]  - مهدي عبيدي جماليات المكان في ثلاثية حنا منا مهدي عبيدي الصفحة 193

[9]  - كاستون باشلار جماليات المكان ترجمة غالب هلسا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع الطبعة الخامسة 2000 الصفحة 61

[10] - مرشد احمد المكان والمنظور الفني في روايات عبد الرحمن منيف دار القلم العربي بحلب الطبعة الاولى 1998 ميلادية الصفحة 41

[11] - وطفة علي أسعد ، الرمز ماهية وتجليا الحقل الدلالي للرمز في الفكر الانساني ، مجلة نقد وتنويرhttps://tanwair.com/archives/12532/amp

[12]  - عبد الرحمان عبد الهادي ، سحر الرمز  مختارات في الرمزية والاسطورة الطبعة الاولى 1994 ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، اللاذقية سورية ص 9

[13] - عبيدي مهدي جماليات المكان في ثلاثية حنا منا الصفحة 193

[14]  - ابراهيم الكوني رياض اليس للكتب والنشر لندن سبتمبر 1984 الصفحة 453

 الرواية والمكان رواء مكة لحسن أوريد أنموذجا
Partager cet article
Repost0
13 septembre 2024 5 13 /09 /septembre /2024 14:18
علوم التربية بين مداخل المنهاج وعلاقتها ببيداغوجيات المقاربة بالكفايات

علوم التربية

بين مداخل المنهاج وعلاقتها ببيداغوجيات المقاربة بالكفايات

د.محمد كنوني*

دراسة محكمة

*باحث في علم الاجتماع ، أستاذ التعليم الثانوي بالمديرية الإقليمية بتاونات

ملخص

يتمحور المنهاج المغربي التعليمي حول تربية النشء وتأهيلهم لتحقيق الكفايات الضرورية للحياة والمجتمع. يركز هذا المنهاج على تطوير مهارات التفكير النقدي، وتعزيز المعرفة العلمية، وتشجيع الإبداع والتعبير الذاتي. وتعتبر المدرسة في المغرب مؤسسة تربوية تعمل على صقل شخصية التلميذ وبناء مجتمع واعٍ، كما أنها تساهم في تعزيز روح المواطنة والتسامح والحوار. تشمل قيم المدمجة في هذا الإطار القيم الوطنية، الدينية، والإنسانية، مع تركيز خاص على قيم التضامن، التعاون، والمسؤولية. هذا ويُعزز المنهاج التعليمي احترام التنوع الثقافي وتقبل الآخر، وهو ما يتجلى من خلال المواد الدراسية والأنشطة التي تنمي روح المشاركة. يسعى النظام التعليمي إلى تحقيق توازن بين التعليم الأكاديمي والتنمية الشاملة للشخصية، مع مراعاة التأقلم مع متطلبات العصر الحديث والتحديات التكنولوجية.

الكلمات المفاتيح: علوم التربية، المنهاج المغربي، المقاربة بالكفايات، البيداغوجيات

Abstract

The Moroccan educational curriculum focuses on nurturing young people and equipping them with the essential competencies for life and society. This curriculum emphasizes developing critical thinking skills, enhancing scientific knowledge, and encouraging creativity and self-expression. Schools in Morocco serve as educational institutions that refine students' character and contribute to building an aware society while promoting citizenship, tolerance, and dialogue. The values embedded in this framework include national, religious, and human values, with special emphasis on solidarity, cooperation, and responsibility. The curriculum fosters respect for cultural diversity and acceptance of others, reflected in subjects and activities that cultivate a spirit of participation. The educational system aims to balance academic learning with comprehensive personal development, taking into account adaptation to modern demands and technological challenges.


Keywords: Educational sciences, Moroccan curriculum, competency-based approach, pedagogies

مقدمة:

تلعب علوم التربية دورًا جوهريًا في تعزيز الفهم العميق لكيفية عمل المنظومة التعليمية، فهي ليست مجرد مجال نظري بل هي إطار يوجه الممارسات التربوية ويوفر أدوات فلسفية ومنهجية لتحسينها. من جهة أخرى، تعتبر الممارسات المهنية جوهر تطبيق هذه العلوم، حيث تعكس قدرة المعلمين على تطبيق المعرفة التربوية في سياقات تعليمية متنوعة. هنا تأتي أهمية التبصر المهني كآلية عقلية وفلسفية تمكّن المعلم من التفكير الناقد في عمله وتطويره بشكل مستمر.

أولا: التربية على القيم في المنهاج المغربي

ترتبط التربية من منظور فلسفي بمفهوم بناء الإنسان ككائن مفكر ومتفاعل مع محيطه، فهي تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة التي تمس العقل والوجدان والجسد. تقوم التربية على غرس القيم وتنمية المهارات التي تمكن الأفراد من التفكير النقدي والإبداعي، مما يجعلها عملية شاملة ومستدامة تتجاوز حدود التعليم التقليدي.

في هذا السياق، تتجلى المقاربة بالكفايات كإطار فلسفي يُعنى بتمكين الأفراد من امتلاك مجموعة من الكفايات التي تشمل المعارف والمهارات والقدرات اللازمة لتكيّفهم مع تحديات الحياة المتغيرة. هذه المقاربة ليست مجرد نقل للمعرفة، بل تعكس فهما عميقا لكيفية استخدام المعرفة وتوظيفها في مواقف واقعية.

التربية، إذن، تتجاوز كونها عملية تعليمية بحتة لتصبح عملية إعداد وتكوين شاملة تدفع الأفراد نحو تحقيق استقلاليتهم وقدرتهم على حل المشكلات واتخاذ القرارات. المقاربة بالكفايات تجعل من التعلم عملية بناءة ومستمرة، حيث يتحول المتعلم إلى محور العملية التربوية ويشارك بفعالية في بناء معرفته، مما يعزز من قدرته على التفكير الناقد والعمل الجماعي والتكيف مع المتغيرات.

ثانيا: العلاقة بين التربية والمقاربة بالكفايات

تعدالعلاقة بين التربية والمقاربة بالكفايات،فلسفية وعميقة؛ حيث تهدف الأولى إلى بناء الإنسان المتكامل، بينما تترجم الثانية هذا البناء إلى ممارسات فعالة تسعى لتمكين الأفراد من امتلاك أدوات التكيف والتطور في عالم يتسم بالتعقيد والتحول المستمر.

من منظور المقاربة بالكفايات، تُعتبر الكفاية قيمة مُفعَّلة في حياة الطالب من خلال تداخل بين المعرفة (ماذا يعرف التلميذ)، المهارات (ماذا يستطيع أن يفعل)، والمواقف (كيف يتفاعل مع مواقف محددة). وهكذا، تتضمن التربية على القيم تحويل هذه الكفايات إلى سلوكيات ملموسة تُمارس في الحياة اليومية، مثل احترام البيئة، والانخراط في العمل التطوعي، والمساهمة في النقاشات البناءة.

بناءً عليه، فإن التربية على القيم في المنهاج المغربي من خلال المقاربة بالكفايات تتطلب دوراً تفاعلياً من قبل المعلم الذي يوجه التلاميذ ويمكّنهم من تطبيق ما يتعلمونه في بيئة تعليمية تشجع على النقاش، التجريب، والتأمل. هذا النوع من التربية يعزز من قدرة التلاميذ على تبني القيم بوعي عميق وممارستها بشكل مستدام.

ينبني المنهاج المغربي على ثلاث مداخل أساسية وهي:

ثالثا: مداخل التربية على القيم:

تعتبر القيم مبادئ وموجهات عامة وأساسية في ضوئها يقسي الفرد الأفكار والمبادئ السائدة في المجتمع، فيقبل ما يتواقف معها وتكتسي طابعا ايجابيا بالبنية للمجتمع فلكي يكون السلوك مقبولا يجب أن يتوافق معها. وترتبط بواقع الحياة اليومية ارتباطا وثيقا. فهي نتاج تفاعل بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، وهي أنواع سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية .

وتكمن أهميتها في وضع المناهج الدراسية في جميع مراحل التعليم من أجل تحقيق التوازن الذي يستهدفه المجتمع في تكويني أفراده، ولذلك تعد التربية مرتكزا للقيم ومرتكزا أساسيا لاستدماجها وتعزيزها وترسيخها نكرا وممارسة فالتربية على التعليم شرطا لازم لتحقيق المواطنة والتنمية المستدامة.

  1.  المدرسة واكتساب القيم

بما أن القيم هي سلوكات ومواقف وممارسات فإنه ينبغي تنميتها في الفضاء المدرسي ليتسع مجالها الى الفضاء المجتمعي العام.

التربية على الاختبار:

تعريف: الاختيار هو التميز والمفاضلة بين عنصرين أو أكثر. وتهدف التربية على الاختيار الى تأهيل المتعلم (ة) لاكتساب القدرة على التمييز واتحاد القرار المتسم بالوعي وحسب التصرف المبني على تفكيره الشخصي وتحليله الخاص.

ودور المدرسة أساسي في تربية المتعلمين والمتعلمات على الاختيار في مع القيم المرجعية الوطنية. ومن بين الموقمات داخل المدرسة الابتدائية لتحقيق ذلك تركز على تكوين سطحية متوازنة ومستقلة في تنمية الوعي بالحقوق والواجبات.

• بالتربية على المواطنة وممارسة الديمقراطية- الثقة بالنفس والانفتاح على الآخر – التتبع بروح الحوار والتسامح والقدرة على تدبير مشاريع شخصية ذات صلة بالحياة المدرسية والاجتماعية.

+ دروس المدرس في تربية المتعلم على الاختيار:

+ تقديم النموذج الايجابي في اختيار القرار المناسب ومناقشة نتائجه.

+ إشراف المتعلمات والمتعلمين في الأمور التي تهم الحياة المدرسية.

+ ترسيخ مبادئ حرية الرأي واستغلالية الفكر والتعلم الذاتي.

+ التربية على النقذ الذاتي.

+مدخل التربية على المقاربة بالكفايات

الكفاية اكتساب موارد داخلية وخارجية وتعبئها وادماجها لحل وضعية ووضعيات معقدة ومتنوعة بفعالية.إن هذا المطلب في المدرسة الابتدائية من نشاطه أن يخلق مواطنا متفاعلا ومتكيفا مع ما سيشهده العالم من متغيرات مشاركة ويكسبه القدرة على الإبداع، وبذلك تتحول وظيفة المدرسة من أداة لتعلم التعلم وتنظيم المعارف وتعبئتها لتصريفها في حل المساكل اليومية والمعتمدة في المستقبل.

وفي مجال التربية والتكوين تتوخى المقاربة بالكفايات تحقيق ما يلي:

+ إعطاء معنى للتعلمات وضمان نجاعة أكير، ثم تحقيق التكافل والتداخل والامتداد بين المواد وكذلك التبريز على مخرجات المنهاج الدراسي بدل الاهداف الجزئية المنعزلة.

+ ابراز وظئفة التعلمات والمعارف باعتبارها وسائل تحل وضعيات مشكلة مرتبطة بالحياة اليومية ومرتبطة باكتساب منهجية التعلم، وتضع المتعلم في قلب العملية التعليمية التعلمية لجعله مبادرا ومبدعا ومسؤولا.

وعموما فقد تبين البحوث التربوية أن رهان المقاربة باللغات نجاعتها في مبدأ التربية والتكوين لذلك يظل الرهان عليها منفتحة.

القدرات: هي أنشطة ذهنية فاعلة للتطبيق في مجالات متعددة. ويظهر عند ما يتم تطبيقها على المضامين المنفتحة

الموارد: هي المعارف والمهارات والمواقف والاتجاهات وكل الوسائل المرتبطة بالوضعية وسياقها والتي تكون ضرورية لبناء وتنمية الكفاية.

  1. تصنيف الكفايات

حسب الوثائق التربوية الرسمية على تصنيف الكفايات التي يتضمنها المنهاج الدراسي إلى:

أ‌- كفايات نوعية أو خاصة: مرتبطة بمادة دراسية معينة أو بمجال ( نوعي أو مهني معين. وهي أقل شمولية من الكفايات المستعرضة وقد تكون سبيلا لتحقيقها.

ب‌- كفايات ممتدة أو عرضانية: تشمل معارف مرتبطة بحسن التواجد والكفاءات العقلانية والكفايات العلائقية والثقافية والتواصلية ....إلخ. وهي كفايات مشتركة بين مواد ومجالات دراسية متعددة.

و ترتبط التربية بمفهوم بناء الإنسان ككائن مفكر ومتفاعل مع محيطه، فهي تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة التي تمس العقل والوجدان والجسد. تقوم التربية على غرس القيم وتنمية المهارات التي تمكن الأفراد من التفكير النقدي والإبداعي، مما يجعلها عملية شاملة ومستدامة تتجاوز حدود التعليم التقليدي.

  1. التربية والمقاربة بالكفايات

في هذا السياق، تتجلى المقاربة بالكفايات كإطار فلسفي يُعنى بتمكين الأفراد من امتلاك مجموعة من الكفايات التي تشمل المعارف والمهارات والقدرات اللازمة لتكيّفهم مع تحديات الحياة المتغيرة. هذه المقاربة ليست مجرد نقل للمعرفة، بل تعكس فهما عميقا لكيفية استخدام المعرفة وتوظيفها في مواقف واقعية.

التربية، إذن، تتجاوز كونها عملية تعليمية بحتة لتصبح عملية إعداد وتكوين شاملة تدفع الأفراد نحو تحقيق استقلاليتهم وقدرتهم على حل المشكلات واتخاذ القرارات. المقاربة بالكفايات تجعل من التعلم عملية بناءة ومستمرة، حيث يتحول المتعلم إلى محور العملية التربوية ويشارك بفعالية في بناء معرفته، مما يعزز من قدرته على التفكير الناقد والعمل الجماعي والتكيف مع المتغيرات.

باختصار، العلاقة بين التربية والمقاربة بالكفايات فلسفية وعميقة؛ حيث تهدف الأولى إلى بناء الإنسان المتكامل، بينما تترجم الثانية هذا البناء إلى ممارسات فعالة تسعى لتمكين الأفراد من امتلاك أدوات التكيف والتطور في عالم يتسم بالتعقيد والتحول المستمر.

وتعد المقاربة بالكفايات من الاستراتيجيات الشاملة التي تستفيد من عدة بيداغوجيات لإعداد المتعلمين بطرق تتناسب مع متطلبات المجتمع الحديث وتطوراته السريعة. فيما يلي نتطرق إلى بعض البيداغوجيات الأساسية التي تحتويها المقاربة بالكفايات،

1. بيداغوجيا المشروع:

تُعتبر بيداغوجيا المشروع جزءاً مهماً من المقاربة بالكفايات، حيث تتيح للمتعلمين العمل على مشاريع تساهم في تطوير مهاراتهم العملية والمعرفية من خلال التعامل مع مواقف حقيقية. تشدد هذه البيداغوجيا على أهمية التعلم من خلال التجربة المباشرة وتنمية الاستقلالية في المتعلم. يشير جون ديوي إلى أن "التعلم الفعلي يحدث عندما يتمكن المتعلم من تطبيق المعرفة في سياقات واقعية"،ديوي، ص. 74.

2. التعلم التعاوني:

ترتبط المقاربة بالكفايات بقوة ببيداغوجيا التعلم التعاوني التي تشجع على العمل الجماعي والتفاعل بين المتعلمين. يساهم هذا النوع من التعلم في بناء الكفايات الاجتماعية مثل التواصل وحل المشكلات. بحسب فايغوتسكي، فإن "التفاعل الاجتماعي هو عنصر أساسي في عملية التعلم وبناء المعرفة"،فايغوتسكي، ص. 56.

3. بيداغوجيا حل المشكلات:

تركز المقاربة بالكفايات أيضاً على بيداغوجيا حل المشكلات، التي تدفع المتعلم إلى استكشاف وتطوير حلول للمشاكل المعقدة، مما يعزز التفكير النقدي والابتكار. تؤكد هذه البيداغوجيا على أن التعلم يكون أكثر فعالية عندما يتم ربطه بمشاكل حقيقية ذات معنى. يُبرز جون ديوي أهمية هذا النهج قائلاً: "التعلم هو عملية استكشاف مستمر، حيث يتم اختبار الأفكار من خلال تطبيقها في مواقف حياتية"،ديوي، ص. 79.

4. البيداغوجيا الفارقية:

تسعى المقاربة بالكفايات إلى تطبيق بيداغوجيا التمييز، التي تراعي الفروقات الفردية بين المتعلمين وتكيف الاستراتيجيات التعليمية بما يتناسب مع احتياجات كل فرد. تدعم نظرية الذكاءات المتعددة لهوارد غاردنر هذه الفكرة، حيث يشير إلى أن "كل متعلم يمتلك مجموعة فريدة من القدرات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لتعزيز التعلم الشامل"،غاردنر، ص. 34.

5. التعلم النشط:

يُعتبر التعلم النشط من الركائز المهمة في المقاربة بالكفايات، حيث يُشجع المتعلمين على المشاركة الفعالة في عملية التعلم، مما يعزز الفهم والاستيعاب العميق للمعرفة. ترتبط هذه البيداغوجيا بمفاهيم البنائية التي يطرحها جان بياجيه، الذي يرى أن "المعرفة تُبنى بشكل تدريجي من خلال التفاعل مع البيئة والتجارب الشخصية"،بياجيه، ص. 112.

6. بيداغوجيا التدريب المستمر:

تشتمل المقاربة بالكفايات أيضاً على بيداغوجيا التدريب المستمر، التي تؤكد على أهمية الممارسة والتكرار من أجل ترسيخ المهارات والمعارف في سياقها العملي. يرتبط هذا بتطبيقات السلوكيات التعليمية التي طرحها ب. ف. سكينر، حيث أشار إلى أن "التعزيز الإيجابي يساعد في ترسيخ السلوكيات المستهدفة وتعزيزها"،سكينر، ص. 89.

تعمل المقاربة بالكفايات من خلال دمج هذه البيداغوجيات بشكل متكامل، مستفيدةً من المفاهيم التربوية والنفسية التي تجعل العملية التعليمية أكثر شمولاً وتلبي احتياجات المتعلمين في الحياة الحقيقية والمهنية.

رابعا: علوم التربية: المفهوم والمجالات

تشتمل علوم التربية على مجموعة من المعارف والممارسات المستمدة من نظريات التعليم والتعلم التي تستهدف تطوير العملية التربوية بجميع أبعادها. تشمل هذه العلوم عدة مجالات مثل:

البيداغوجيا: تعنى بفنّ وعلم التدريس، وتقدم رؤية شمولية للأساليب التربوية.

الديداكتيك: يهتم بتصميم وتقديم المواد التعليمية وتكييفها بحسب المتعلم.

علم النفس التربوي: يدرس العمليات النفسية التي تؤثر على التعلم والتحفيز.

تتجلى العلاقة بين هذه العلوم والتنمية البشرية في قدرتها على بناء متعلمين قادرين على التفكير بشكل مستقل، والمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة للمجتمع.

الممارسات المهنية في التربية :الممارسات المهنية تمثل الالتزام بسلوكيات ومعايير تجعل من التعليم ممارسة أخلاقية ومثمرة. تتجسد هذه الممارسات في:

التخطيط: يشتمل على وضع الأهداف وتحديد الاستراتيجيات المناسبة لتحقيقها.

التدبير: يركز على كيفية تطبيق الخطط بفعالية ومرونة.

التقويم: يشمل تقييم نتائج العملية التعليمية بهدف تحسين الأداء مستقبلاً.

دور المعلم كممارس مهني يتطلب منه تطوير مجموعة من المهارات مثل القدرة على التكيف مع المستجدات، التفكير الإبداعي، وإدارة الصف بفعالية.

  1. مفهوم التبصر المهني في التدريس

التبصر المهني هو قدرة المعلم على التفكير بعمق في تجربته التدريسية من أجل تحقيق فهم أعمق لدوره وتأثيره. يتطلب التبصر:

اتخاذ قرارات تعليمية مدروسة: حيث يستطيع المعلم تكييف أساليبه بناءً على الظروف المتغيرة.

تحليل الأفعال وردود الفعل: ليتمكن المعلم من اكتساب وعي أعلى بنقاط قوته وضعفه.

يمكن تطوير التبصر المهني من خلال التأمل في التجارب التعليمية، سواء كانت ناجحة أو مليئة بالتحديات، ما يساعد المعلم على تحسين ممارساته باستمرار.

  1.  الربط بين علوم التربية والممارسات المهنية

تسهم علوم التربية في توفير إطار مرجعي يعزز من قدرة المعلمين على تحسين أدائهم المهني. من خلال المعرفة التربوية، يستطيع المعلم فهم النظريات الكامنة وراء الأساليب التعليمية التي يتبعها، وتطوير قدرته على تطبيقها بطرق إبداعية. التدريب المستمر والبحث العلمي يلعبان دورًا هامًا في هذا السياق، حيث يمنحان المعلم فرصة تطوير ممارساته بناءً على أحدث الأبحاث والابتكارات.

  1. تطبيقات عملية لعلوم التربية في الممارسات المهنية

الاستفادة من علوم التربية في الممارسات المهنية يتمثل في تبني استراتيجيات تدريسية مستندة إلى الأدلة، مثل:

استراتيجيات التعلم النشط: تحفز المتعلم على المشاركة الفعالة، مما يعزز من فهمه العميق.

دمج التفكير النقدي: يساعد المتعلم على تحليل الأفكار وتطوير قدرته على حل المشكلات.

استخدام التقنيات الحديثة: يساهم في جعل العملية التعليمية أكثر جاذبية وتفاعلاً.

  1. التحديات والمعيقات في تفعيل علوم التربية

هناك مجموعة من التحديات التي قد تواجه المعلمين عند تطبيق علوم التربية في ممارساتهم المهنية، منها:

نقص التدريب: قد يفتقر بعض المعلمين إلى التدريب الكافي على استراتيجيات التدريس الحديثة.

الموارد المحدودة: قد تكون القيود المادية والبشرية في بعض المدارس عائقًا أمام تفعيل ممارسات تعليمية متقدمة.

مقاومة التغيير: بعض المعلمين قد يواجهون صعوبة في تغيير أساليبهم التقليدية واعتماد أساليب جديدة تتطلب مرونة وتفكيرًا إبداعيًا.

  1. استراتيجيات لتعزيز التبصر المهني لدى المعلمين

من الاستراتيجيات الفعالة لتطوير التبصر المهني:

برامج التدريب المستمر: التي تركز على تعزيز قدرات المعلمين الفكرية والمهنية.

التأمل الذاتي: يُعتبر وسيلة أساسية لتطوير القدرة على التفكير النقدي في الممارسات المهنية.

التعاون مع الأقران: حيث يُساهم العمل التعاوني وتبادل الخبرات بين المعلمين في تحسين الأداء وتعزيز التبصر.

خاتمة

تلعب علوم التربية دورًا محوريًا في تحسين الممارسات المهنية والتبصر المهني لدى المعلمين، مما ينعكس بشكل مباشر على جودة التعليم وتطوير المتعلم كفرد قادر على التفكير النقدي والمساهمة في المجتمع بشكل إيجابي. استثمار هذه العلوم في الممارسة التعليمية يعزز من قدرة المعلمين على مواجهة تحديات العصر بروح متجددة وفكر واعٍ.

مراجع وهوامش

  • جون ديوي. التعلم بالممارسة. دار الفكر العربي، 1960.
  • ليف فايغوتسكي. التعلم والتنمية الاجتماعية. دار الثقافة، 1985.
  • هوارد غاردنر. أطر العقل: نظرية الذكاءات المتعددة. دار الكتاب العربي، 1993.
  • جان بياجيه. علم النفس والتربية. ترجمة أحمد خليل. دار العلم، 1980.
  • ب. ف. سكينر. التعزيز السلوكي في التعليم. دار النهضة العربية، 1975.
علوم التربية بين مداخل المنهاج وعلاقتها ببيداغوجيات المقاربة بالكفايات
Partager cet article
Repost0
8 septembre 2024 7 08 /09 /septembre /2024 16:16
 تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية

تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي

 بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل

-دراسة ميدانية لآراء أساتذة اللغة العربية -

د.عزيز عشعاش * 

دراسة محكمة

 

*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية

تقديـــــــــــــم:

يهدف درس النص الأدبي إلى تنمية ذوق الناشئة، وتنمية ميولاتهم واتِّجاهاتهم وتصحيحها، بزرع القيم الإيجابية في نفوسهم، وخلق حافز الإبداع والابتكار الفني لديهم اقتداء بالنماذج الجيِّدة، وإثراء رصيدهم اللغوي والمعرفي، وتمكينهم من أدوات النقد الموضوعي البنَّاء للحكم والتقويم، من خلال وصلهم بالنماذج الأدبية المختارة بعناية ودقَّة، وتمكينهم من عادة القراءة، وربطهم بها باعتبارها الأساس لكل نشاط عقلي أو وجداني أو حسِّي حركي.

وعلى الرغم من أن مشاكل تلقي النص الأدبي متعدِّدة تتداخل فيها متغيرات كثيرة، منها ما هو مرتبط بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجُّهات والخيارات السياسية، ومنها ما هو عائد إلى طبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس، إلا أن أراء الأساتذة تبقى لها أهمِّيتها في استجلاء إشكالات التلقي التي يتخبّط فيها الدرس الأدبي قراءةً من لدن المتعلم أو إقراءً من قِبَل تدخلات الأستاذ.

لذلك، اهتمت هذه الدراسة بتوزيع استبيانات على عينة عشوائية من الأساتذة، تتَضَمَّن أسئلة تروم معرفة رأي هؤلاء الأساتذة - باعتبارهم المشرفين على التنزيل البيداغوجي والديدكتكي لمقاربات تدريس النصوص داخل الفصول الدراسية - حول إشكالات التلقي التي يواجهونها عند تدريس النص الأدبي، وتلك التي يواجهها المتعلم/المتلقي، ومطالبتهم باقتراح الحلول التي يرونها كفيلة بمعالجة هذه الصعوبات والتخفيف من حِدَّتِها حتَّى يتحول التلميذ من متلق سلبي إلى متلق إيجابي. ولمقاربة موضوع تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي والإمساك بإشكالات البناء وإكراهات التنزيل، سنركز على مفاهيم أساسية وقضايا هامة فرضتها طبيعة الموضوع:

  • نستهلها في المحور الأول بمقاربة المفاهيم المُشكِّلة لعنوان هذه الورقة العلمية: تلقي، النص الأدبي، التعليم الثانوي، البناء والتنزيل.
  • ونتناول في المحور الثاني المتعلق بإشكالات البناء آراء الأساتذة بخصوص:
  1. النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي المعتمدة حاليا، وكيفية تنزيلها.
  2. درجة تفاعل المتعلم مع الخصائص البنائية للنص الأدبي: (خاصية التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وطبيعة الألفاظ العادية السَّهلة والبسيطة التي تصبح محمَّلة بالدلالات داخل النص الأدبي).
  • ونهتم في المحور الثالث المتعلق بإكراهات التنزيل بموقف الأساتذة من:
  1. تدريس النصوص الأدبية: وذلك لمعرفة أنواع النصوص التي يفضِّلون تدريسها، ومدى اهتمامهم بتمثلات التلاميذ، والصعوبات التي يمكن أن تحُدَّ من فعالية هذه الإجراءات.
  2. إقبال ونفور المتعلم من النص الأدبي: وذلك باستطلاع رأيهم حول إقبال أو نفور التلاميذ بصفة عامة على فعل القراءة، ومعرفة أنواع النصوص التي تستقطب انتباههم أكثر وطبيعتها (قديمة وحديثة)، ومعرفة آرائهم حول أفضل السبل لتطوير كفايات المتعلم القرائية وجعله يتعامل مع النص كبنية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع.
  • قبل أن نختم باقتراح بعض الحلول المقترحة لجعل التلاميذ يتعاملون مع النص بكيفية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع، وجعله يقبل على قراءة النص الأدبي والتفاعل معه تفاعلا إيجابيا بفعالية أكبر.

المحور الأول: الإطار المفهومي

نروم في البداية التركيز على أهم المصطلحات والمفاهيم الرئيسية في هذا المقال، من حيث تعريفها أولا، ثم تحديدها إجرائيا ثانيا، نظرا لما لبعض المفاهيم في المجال التربوي التدريسي من لبس واختلاف نتيجة الترجمة الحرفية دون مراعاة خصائص اللغة العربية ومقتضياتها وقواعد اشتقاقها أحيانا، أو نتيجة اعتمادها على المرجعيات تنموية ونظريات التغيير المختلفة دون الإعلان عنها أحيانا أخرى.

لذلك نروم في هذا المقال الاهتمام في هذا المقال، مقاربة المفاهيم المُشكِّلة لعنوان هذه الورقة العلمية: التلقي، النص الأدبي، التعليم الثانوي.

  1.  التلقي:

التلقي فعل استقبال لرسالة، لا يختلف عن مفهوم الاستقبال في إطار الفعل التواصلي اليومي. وهذا يجعله يقتضي كل مكونات العملية التواصلية من مرسِل باث لرسالة، يتم تلقيها من لدن مرسَل إليه، يعمل على فك شفرتها وفق السياق الذي أنتجت من خلاله. وتجدر الإشارة إلى أنه عندما يتعلق الأمر برسالة فنية فإننا نكون أمام تلقٍ أدبي، أما عندما يرتبط الأمر بالعملية التَّعَلُّمِيَّة فإننا نكون أمام تلقِ بيداغوجي.

وبهذا فالتلقي داخل العملية التعليمية التعلمية قدرة تتكون لدى المتعلم/المتلقي بفعل احتكاكه بنصوص قرائية مختلفة في أشكالها وأساليبها ومضامينها، وبالإجراءات المتبعة في إقرائها، مما يجعله يستضمر قواعدها بشكل ضمني؛ وهي قدرة ترتبط أشد الارتباط بقدرة الإنتاج، وتسمح للمتعلم بفهم الموضوعات، وإدراك البنية الكلية التي تكون وراء وحدة الموضوع، وإدراك الترابطات بين بنياته الفرعية، والتمييز بين النصوص من حيث أنواعُها وانتماؤها الأجناسي.

وبما أن الدراسة ذو طبيعة ديدكتيكية فقد ركزنا على مفهوم التلقي، في بعدين. البُعْدُ الأول سيكولوجي، يحتمل فيه التلقي معنى أوسع من مفهوم القراءة، فهو يفترض أن جميع أنظمة الإدراك المعرفية والوجدانية والحسية يتم استثمارها في تعلم اللغة. والبعد الثاني ايديولوجي، يعود إلى اقتران القراءة بإجراءات بيداغوجية تقليدية، لا تراعي الفروق الفردية بين المتلقين، لأنها تعتبر التعليم وسيلة إخبارية وقناة لنقل محتوى ثابت يحافظ على استمرار الثقافة والعلاقات الاجتماعية السائدة، عكس التلقي الذي يقوم على تصور مغاير، يعتبر التعليم وسيلة من وسائل التكوين الذاتي المستمر، بمعنى أن الذات تستقبل المعرفة لا لإعادة إنتاجها وإنما لبناء معرفة بديلة وإحداث تغيير في العلاقات الاجتماعية سيرا بها نحو الأفضل.

غير أن التلقي البيداغوجي في مؤسساتنا التربوية تواجهه صعوبات كثيرة مردها إلى الأستاذ، والتوجيهات الرسمية، ومجهود التلميذ، وطبيعة الممارسة داخل الفصل الدراسي...

  1.  النص الأدبي:

يحدد النص الأدبي طبيعة المادة التعليمية وموضوع القراءة التي نحن بصدد البحث في إشكالات تدريسها، وهو مفهوم إشكالي من أكثر المفاهيم غموضا والتباسا في عمليات التدريس، عالق في الدرس القرائي بين مرجعيات الأستاذ المعرفية المتخصصة، والسياق التعليمي الذي أدمج فيه هذه المرجعيات وأعيد بناؤها. ونعتقد أن معرفة وضعه الاعتباري في درس القراءة كفيلة بتذليل كثير من صعوبات تدريس المادة، وبدون قيامنا بهذا العمل يكون من العبث تقديم منهجيات للقراءة، أو توجيهات ووصفات لإتقان مهارات تحليل النصوص وتركيبها، وحل عقدها.

فما مفهوم النص الأدبي في الدرس القرائي؟ وهل يختلف مضمون هذا المفهوم عما هو عليه في نظريات النص والخطاب وعلوم اللغة والأدب؟

يعتبر النص الركن الثالث والأساسي في العملية التعليمية التعلمية إلى جانب قطبيها الآخرين المتعلم والأستاذ؛ ويشكل في العملية التدريسية للأدب البؤرة الرئيسية، في جل مراحل تعلم اللغة، ابتداءً من المستويات الأولى للدراسة الابتدائية، وانتهاءً بالمستويات العليا في الدراسة الجامعية، لأن دراسته تمكن المتعلم من الوقوف على أسرار النص اللغوية وتذوق دقائقه الجمالية، ومن ثم التمرس بأساليب اللغة وإدراك ما تتميز به اللغة العربية الأدبية عن غيرها.

غير أنه في السياق التعليمي يخضع مفهومه لنقل ديدكتيكي يترجم انشغالات البيداغوجية الحديثة، واختيارات المنهاج، وأهداف تدريس القراءة والنصوص، ومعايير اختيار النصوص وتصنيفها وتبويبها وتوزيعها، وتحديد خطوات قراءتها، ويفتح مفهوم النص على أسئلة تعليم اللغة وتنشيط التواصل والتدريب على مهارات القراءة، وتنمية الميول الديمقراطية وقيم التعاون والاختلاف والتنوع... فهو منظور إليه باعتباره "وحدة تدريسية تمثل محورا تلتقي فيه المعارف اللغوية المتعلقة بالنحو والصرف والعروض والبلاغة وعلوم أخرى كعلم النفس والاجتماع والتاريخ؛ بالإضافة إلى المعطيات المعرفية المتميزة التي صارت تقدمها علوم اللسان في دراسة النصوص، وما في ذلك من فائدة جليلة تعود بالنفع على العملية التعليمية"( ).

وهكذا فالنص في السياق المدرسي يتحدد انطلاقا من الوظيفة التي يسندها إليه المنهاج التعليمي في بناء تعلمات المتعلمين وتطوير كفاياتهم ومهاراتهم القرائية والكتابية، ويعرف بالنظر إلى مكوناته الداخلية والخارجية المحيطة بفضاء إنتاجه وتلقيه المؤسسي. فهو:

-         موضوع يستعمل لأغراض التعليم؛

-         يكشف بالدرجة الأولى عن إمكانات لغوية قابلة للاستثمار في تعلم اللغة؛

-         أنه حافل بأساليب وطرائق في التواصل تسمح للمعلمين والمتعلمين بإدراك اللغة في بعدها التواصلي؛

-         أنه يتضمن مادة تثقيفية واسعة بإمكانها أن تستقطب إليها عمليات التدريب على اكتساب المعارف والمهارات والقيم المنشودة ...

3.  التعليم الثانوي:

يعد التعليم الثانوي التأهيلي همزة وصل ومحطة دراسية بين التعليم الإعدادي والتعليم التأهيل. ويشتمل على سلكين دراسيين السلك الثانوي الإعدادي والسلك الثانوي التأهيلي. وسنقتصر على الصنف الأخير نظرا لارتباطه المباشر بموضوع بحثنا.

يشكل السلك الثانوي التأهيلي امتدادا تعليميا للسلك الثانوي الإعدادي، "يلتحق به التلاميذ الحاصلين على شهادة السلك الإعدادي والذين تمّ توجيههم من لدن مجلس التوجيه بالإعدادية" (الجريدة الرسمية عدد 5024، المادة 23  المرسوم رقم 2.02.376 الصادر في 6 جمادى الأولى 1423 (17 يوليوز 2002))، حيث يراهن على تثبيت ودعم وتعميق المكتسبات السابقة للمتعلم في هذه المرحلة على المستويات المعرفية والمهارية والسلوكية، كما يعتبر مرحلة أساسية يتلقى المتعلمون خلالها تكوينا نظريا وعمليا يرتكز على "تنويع مجالات التعلم بكيفية تسمح بفتح سبل جديدة للنجاح والاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية أو متابعة الدراسات العليا"(المادة 21 من المرسوم نفسه، ص: 64).

يستغرق التعليم الثانوي التأهيلي ثلاث سنوات دراسية يتم توزيعها على سلكين:

  • سلك الجذع المشترك: تدوم الدراسة فيه سنة واحدة، يتم توجيه المتعلمين في نهايتها إلى أحد مسالك سلك البكالوريا.
  • سلك البكالوريا: مدته سنتان دراسيتان. (السنة الأولى تشتمل على تسعة مسالك. والسنة الثانية تغطي أربعة عشر مسلكا (المادة 21 من المرسوم نفسه، ص: 64)، منها ما يتعلق بالتعليم العام ومنها ما يرتبط بالتعليم التأهيلي التكنولوجي). ينجز التلاميذ خلال مدة الدراسة بسلك البكالوريا الفروض الكتابية المحروسة ومختلف الأنشطة المدمجة الصفية بصيغ متنوعة، كما يجتازون امتحانين إشهاديين: (جهويا – ووطنيا). ويختم بنيل شهادة البكالوريا أو شهادة نهاية التعليم الثانوي التأهيلي بالنسبة للتلاميذ غير الحاصلين على شهادة البكالوريا (المادة 22 من المرسوم نفسه، ص: 64).

المحور الثاني: الإطار النظري والمنهجي للدراسة

  1.  أهمية الموضوع وأسباب اختياره

بالنظر إلى أهمية تدريس مادة النص الأدبي والأهداف المتوخاة من تدريسها، وإلى تزايد شكوى الأساتذة من تدريسها، ارتأيت المغامرة في مقاربة صعوبات قراءة وإقراء المادة، رغم ما يساورني من إحساس بصعوبة في تشخيصها تشخيصا دقيقا، وإن كانت بعض التعليلات لجوانب من صعوبات تدريس المادة تبدو واضحة كنفور التلاميذ من دراستها، أو سوء اختيار بعض النصوص الأدبية، أو قصور الحصَّة الزمنية المخصصة للمادة، إلى غير ذلك من التبريرات التي تُفصحُ عن درجة الهم الذي يكابده الأستاذ إزاء المادة، غير أنَّها لا ترقى إلى مستوى العلمية.

فقد اهتمت المقالة باستجواب الأستاذ، حتَّى يعبِّر عمَّا يعترضه من مشاكل على مستوى تلقي النص الأدبي، لأنه أدرى بالجوانب السلبية ومكامن الخلل التي تجعل من قراءة المتعلم للنصوص الأدبية داخل الفصل الدراسي مجرد لقاء عابر تُهيمن عليه النفعية المرتبطة بالامتحانات، وتطغى عليه الرتابة لانعدام التماهي الفكري والروحي بسبب غياب الذائقة الأدبية ومتعة الاشتغال، ولأنه أحد الأركان الأكثر تأثيرا في العملية التعليمية التعلُّمية، إذ يعد وسيطا بينه والنص الأدبي، يُيسِّر تلقيه له بشكل إيجابي، أو يحول دون هذا التلقي بتدخلاته التي يقوم بها داخل الفصل.

وإيمانا منِّي بدور الأستاذ الهام والمحوري داخل المنظومة التربوية، على عكس بعض الباحثين الذين يهمشونه، مسوغين ذلك إلى أن أحدث النظريات والبيداغوجيات تحصر دوره في التوجيه والإرشاد داخل الفصل الدراسي. ويتمظهر هذا التهميش في عدم إشراكه والأخذ برأيه في القضايا التي تهمُّ كلَّ إصلاح تربوي، زاعمين بأن إصلاح المناهج وتجديد البيداغوجيات كفيل بتحقيق الجودة المنشودة، وهنا نتساءل عن جدوى تغيير المناهج وتنويع المقاربات ما لم يتغيَّر القائمون بأجرأتها وما لم يتم إشراكهم في هذا التغيير بصفتهم الأقرب لمعرفة الصعوبات والمشاكل والأسباب التي تُمَوضِعُ المتعلم في دائرة المتلقي السلبي، وتحول دون جعله قادرا على التفاعل فكريا ووجدانيا مع النصوص المقرَّرة.

وعلى الرغم من أن مشاكل تلقي النص الأدبي متعدِّدة تتداخل فيها متغيرات كثيرة، منها ما هو مرتبط بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجُّهات والخيارات السياسية، ومنها ما هو عائد إلى طبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس، إلا أن أراء الأساتذة تبقى لها أهمِّيتها في استجلاء هذه المشاكل التي يتخبّط فيها الدرس الأدبي قراءةً من لدن المتعلم أو إقراءً من قِبَل تدخلات الأستاذ.

لذلك، وزعت استبيانات على عينة عشوائية من الأساتذة، تَضَمَّنت أسئلة تروم معرفة رأي هؤلاء الأساتذة حول الصعوبات التي تواجههم في تدريسه للنص الأدبي، وتلك التي يواجهها المتعلم/المتلقي، ومطالبتهم باقتراح الحلول التي يرونها كفيلة بمعالجة هذه الصعوبات والتخفيف من حِدَّتِها حتَّى يتحول التلميذ من متلق سلبي إلى متلق إيجابي.

  1. إشكالية الموضوع وفرضياته

ولأهمية الموضوع والصعوبات الجمة التي يطرحها، انطلقت هذه الدراسة من الإشكالية الآتية:

  • ما الصعوبات التي يواجهها كل من الأستاذ والمتعلم في قراءة وإقراء النص الأدبي؟ وهل هذه الإشكالات والصعوبات مرتبطة بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجهات والخيارات السياسية... أم أنها مرتبطة بطبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس؟ وما الحلول التي يراها الأستاذ كفيلة لتذليل هذه الصعوبات والتخفيف من حدَّتها حتى ينتقل المتعلم / المتلقي ومن وضع سلبي إلى وضع إيجابي؟

وما دام الأساتذة قطب رئيسي ومحور أساسي في هذا الدرس معنيون بتدريسه، فهم المؤهلون أكثر من غيرهم للتعبير عن الصعوبات التي تعترضهم إزاء النص الأدبي، وذلك بالإجابة عن الأسئلة الموضوعة في الاستمارة الموجهة إليهم وتذْيِلها باقتراحات وحلول لتجاوز المشاكل والصعوبات المعبَّر عنها، غير أن هذا لم يمنعنا من تسجيل بعض الفرضيات، باعتبارها حلولا مؤقتة، لإثبات صحتها أو عدم صحتها، نعرضها كالآتي:

قد انبثقت عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية أخرى ستتم الإجابة عنها ضمن هذه الدراسة، وسيتم التطرق فيها لبعض الصعوبات والمشاكل المرتبطة بالنص الأدبي، والمتعلم والأستاذ وبعض الإكراهات الخارجية المرتبطة بسياق النص الأدبي كالغلاف الزمني، والفضاء المكاني، وطول المقررات، وكثرة المناهج الدراسية، واكتظاظ التلاميذ... على اعتبار أن الموضوع متعدد الأبعاد والأشكال، ومن ثم فالعوامل التي تحدُّ من التلقي الإيجابي عديدة مرتبطة بكل الأطراف المتدخِّلة والمعنية بالأمر من توجُّهات واختيارات سياسية، وكتب مدرسية، وطرائق تدريسية، وأساليب تقويمية... ومادام الأساتذة هم محور هذه الإشكالية، لكونهم مؤهَّلَين أكثر من غيرهم للتعبير عن الإشكالات التي تكتنف تدريس النص الأدبي، فقد تمَّ اعتماد استمارات وُجِّهت إليهم.

  1.  فرضيات الموضوع

تمَّ الانطلاق من تسجيل بعض الفرضيات، باعتبارها حلولا مؤقتة لبعض إشكالات تلقي النص الأدبي في الثانوي التأهيلي، تحتاج إلى التمحيص أو الدحض بعد تحليل نتائج الاستمارة الخاصة بكل عيِّنة على حدة، ومن جملة هذه الفرضيات، ما يلي:

  1. لم تنجح المدرسة في تربية المتعلمين تربية قرائية ترسخ عادة القراءة المستقلة في نفوسهم؛
  2. توظيف المتعلمين لاستراتيجيات غير فعالة أثناء معالجتهم للنص الأدبي ينعكس سلبا على تحصيلهم القرائي؛
  3. لم تنجح البرامج بما تحمله من تصورات في استمالة وجذب المتعلمين على الإقبال عليها؛
  4. تتحول خصائص النص اللغوية المعجمية والتركيبية والدلالية إلى معيقات تشوش على المتعلم فَهمَه، وتُكَرِّسُ فيه عادات التَّلقِي السلبي بسبب جهله لطبيعة اللغة الأدبية، وعدم اهتمام الأستاذ بتوجيهه إلى خصوصيتها وركونه إلى الشرح والتفسير.
  5. عدم وعي الأساتذة بمزايا تعددية الكتب المدرسية في إغناء رصيدهم التربوي، وتنمية كفاياتهم البيداغوجية، وتنويع وسائلهم ووضعياتهم وأنشطتهم الديدكتيكية.
  6. عدم قدرة الأستاذ على تدبير وضعيات تعليمية تراعي مستويات المتعلمين المختلفة، مردُّه ضعف تكوينه الأساس الذي تلقاه بالمراكز التربوية لقصر مدة التكوين من جهة، وعدم قيامهم بالتكوين الذاتي المستمر رغم أهميته من جهة ثانية.

لقد وجَّهت هذه الفرضيات أسئلة الاستمارة، ورغم أنها كلُّها واردة في صنع مشاكل التلقي، إلا أن المشاكل الحقيقية هي ما تُفصِحُ عنها عينة البحث التي وُجِّهت إليها الاستمارة.

  1. أهداف البحث

     من الأهداف التي أروم الوصول إليها من خلال هذا البحث الميداني، ما يلي:

  1. رصد آراء الأساتذة بخصوص النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي المعتمدة حاليا، وكيفية تنزيلها.
  2. آراء الأساتذة حول درجة تفاعل المتعلم مع الخصائص البنائية للنص الأدبي
  3. موقف الأساتذة من تدريس النصوص الأدبية، وموقفهم حول إقبال ونفور المتعلم من النص الأدبي؛
  4. اقتراح لعض الحلول لجعل التلميذ يتعامل مع النص الأدبي بكيفية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع،

وستتضمن هذه الدراسة محاور تمَّ توزيعها على الشكل الآتي:

  • المحور الأول: مقاربة المفاهيم المشكِّلة لعنوان البحث؛
  • المحور الثاني: موقف الأساتذة من إشكالات التفاعل مع بنية النصوص الأدبية المقترحة بالكتب المدرسية؛
  • المحور الثالث: موقف الأساتذة من إكراهات تدريس النص الأدبي؛
  • المحور الرابع: الحلول المقترحة.

وسننطلق في هذه الدراسة، من إطار منهجي يخصًّص للحديث عن عيِّنة البحث وأدواته وميدانه وحدوده وصعوباته... ثم نشرع في تحليل نتائج البحث تحليلا كمِّيا وكيفياً من خلال الأجوبة المحصًّل عليها ضمن الاستمارات. قبل أن ننتهي إلى استنباط خلاصات واستنتاجات تهم رصد إشكالات تلقي النص الأدبي ودرجة تفاعلهم مع النصوص الأدبية تفاعلا إيجابيا.

وعموما فإن مساءلة شريحة متعددة ومتباينة من المتعلمين يمكِّننا من:

  1. استخلاص رأي الأساتذة بخصوص النصوص الادبية المدروسة وتفاعلات المتعلمين مع النصوص المختارة، وهو أمر في غاية الأهمية، مادامت العملية التعليمية التعلمية عملية تفاعلية بين هذه العناصر الثلاثة.
  2. جمع بيانات ومعلومات بينهم حول قضايا تهم الاشتغال على النص الأدبي.
  3. عقد مقارنة من شأنها أن تُفضِي إلى نتائج هامة مدعَّمة بحجج واقعية.
  4. تعميق معرفتنا بتمثلات المتعلمين حول إشكالات التلقي، لتصحيح مسار الدرس الأدبي.
  1.  الفئة المستهدفة والمقاربة الميدانية

لقد تم استهداف أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي بنيابتي تازة وسيدي البرنوصي، وقد تم اختيار العينة عشوائيا، بحيث شملت عدة مؤسسات للتعليم الثانوي التأهيلي.

وهي تتوزع كالاتي :

1.5. التوزيع حسب الجنس

تم توزيع الاستمارة عشوائيا على الفئة المستهدفة، فتبين من خلال تحليل النتائج أن نسبة الإناث من الأساتذة وصلت إلى 44 %، في حين أن نسبة الذكور وصلت إلى 56%.

2.5. التوزيع حسب الأقدمية

من خلال المبيان، نلاحظ أن أقدمية السادة الأساتذة مالئي الاستمارة تتباين، فقد شملت جميع الفئات الموجودة داخل الثانويات، من أساتذة جدد لا تتعدى أقدميتهم خمس سنوات إلى أساتذة يتوفرون على أقدمية تصل إلى خمس وثلاثين سنة أو أكثر.

وقد تم التركيز على الأساتذة القدامى والجدد، كما هو واضح من خلال المبيان، لاختلاف خبراتهم المعرفية وتجاربهم الميدانية.

3.5. التوزيع حسب المستوى الدراسي.

من خلال هذا المبيان نلاحظ اختلاف مستويات السادة الأساتذة مالئي الاستمارة الدراسية، وهذا من شأنه أن يثري البحث والنتائج.

4.5. التوزيع حسب المدينة.

من خلال المبيان يتضح أن نسبة المستجوبين حسب المدن، وصلت إلى 55 % بالنسبة لمدينة تازة، و45 % بالنسبة لمدينة الدار البيضاء. وقد تحكم في هذا التفاوت الرغبة في المقارنة بين وسطين مختلفين على مستويات شتى اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا... ويعزى انخفاض نسبة عدد الأساتذة مالئي الاستبيان بنيابة سيدي البرنوصي مقارنة مع عدد الأساتذة المستجوبين بنيابة تازة بخمس درجات في المائة، إلى إكراهات التنقل بين المدينتين، وظروف اشتغالي بمدينة تازة.

5.5.خامسا : التوزيع حسب الوسط.

لقد وصلت نسبة الأساتذة المستجوبين العاملين بالوسط الحضري إلى 87 %، مقارنة مع العاملين بالوسط القروي 13 %، وتُعزى هذه النسب إلى أن عدد الأساتذة العاملين بالوسط الحضري لمدينة تازة يفوق عدد الأساتذة العاملين بالوسط القروي، وأن ثانويات نيابة سيدي البرنوصي كلها تابعة لوسط حضري.

المحور  الثالث: نتائج البحث الميداني
  1. إشكالات البناء (موقف الأساتذة من إشكالات التفاعل مع بنية النصوص الأدبية المقترحة بالكتب المدرسية)

يهدف هذا المحور إلى معرفة رأي الأساتذة الفاعلين المباشرين في التدريس بخصوص النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي، والجوانب المتحكمة في اختيارها، مادامت عملية اختيار النصوص الأدبية ليست بالعملية السهلة، وينبغي أن نوليها العناية اللازمة قبل إقرار أي نص للتدريس، "فليس كل قديم أجود لقدمه، ولا كل حديث أحسن لحداثته، ولا كل مرتبط بالبيئة أفضل لتلك العلاقة"([1])، ثم كيفية تجاوز سلبيات سوء الاختيار والتصرف فيها بالحذف والتجزيء، كما يهدف المحور معرفة مدى وعي الأساتذة بأهمية تعددية وتنوع الكتاب المدرسي، والغاية الأساس من هذا الهدف النبيل المتمثلة في مراعاة الفروق الفردية والجماعية بين الجهات والأفراد، أي بين الجهات الأكثر تمدُّنا وبين الجهات الفقيرة، وبين الفئة النشيطة والمتميزة وبين الفئة الضعيفة أو الوسطى بين الأولى والثانية.     

  • السؤال الأول: كيف تجد المختارات الأدبية في الكتاب المدرسي؟            

لقد تم الانطلاق في هذا السؤال من فرضية مفادها أن ضعف استجابة المتعلمين قد يكون راجعا إلى أن مضامين النصوص المقترحة في الكتاب المدرسي غير ملائمة لحاجيات وتطلعات المتعلمين، أو إلى أن ألفاظها وتراكيبها معقدة، غير متداولة تفصل بينها وبين لغة المتعلمين مسافات زمانية أو دلالية، فغدت تشكل صعوبة لدى المتعلم أثناء التلقي، تؤدي إلى تبرمهم منه ونفورهم من دراسته.

وقد أكد أفراد العينة، باعتبارهم الفئة المعنية بتدريس هذه النصوص مباشرة، والمهتمة بمشاكل قراءته وإقرائه بحكم قربهم من التلاميذ، على أن لغة النصوص المقترحة تتسم بنوع من التعقيد، فهي لا تُسهِّل على التلاميذ التعامل مع النص، إذ وصلت النسبة المرتبطة بهذا العنصر 46 %، ولم تعبِّر عن سهولة اللغة التي كُتِبت بها هذه النصوص معجميا وتركيبيا سوى 16 %.

وقد أثبت 24 % فقط من أفراد العينة أن هذه النصوص المقررة ملائمة لحاجيات المتعلمين النفسية والعقلية، و22 % فقط أنها مناسبة لمستواهم المعرفي، وهي نسب ضئيلة تؤكد عدم بناء منهاج اللغة العربية، كما هو مصرَّح به في التوجيهات والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بالثانوي التأهيلي، على أسس ديدكتيكية : نفسية، ومعرفية، وثقافية... لأن من شأن هذه الأسس أن تنتقي نماذج ملائمة للمتعلمين، ومقاربات مناسبة تحفِّزهم على التفاعل مع النصوص وإشباع رغباتهم المعرفية عن طريق الملاحظة الواعية، والاستيعاب الصحيح، والتحليل السليم، واتخاذ المواقف، ثم تعديل الاتجاهات.

  • السؤال الثاني: ما الجانب الذي يستأثر باهتمام التلاميذ - بشكل أكبر-  في حصة درس النص الأدبي شعرا ونثرا؟

يظهر الجدول أعلاه، أن حظ مضمون النص ومنهجيته في درس النصوص الأدبية، من عناية المتعلم أقوى بكثير من حظ تذوقه الجمالي، ودراسة الكيفية التي يوصِل بها معانيه ومعارفه. إذ شكَّل الاهتمام بمنهجية التحليل (58 %)، وبمضمون النص (52 %)، وليس هناك فرق كبير بين النسبتين، في حين احتلَّ الاهتمام بالجانب الشكلي الفني، وهو الجانب الذي يميز النص المدروس عن غيره من النصوص، والهدف من دراسته، فقط نسبة (18%).

ومن الأكيد أن استيعاب منهجية التحليل، وكيفية تطبيقها يقتضي التمرس على دراسة النص الأدبي شكلا ومضمونا لتحقيق الهدف من وراء دراسة النص.     

  • السؤال الثالث: ما الذي يؤثر في فهم التلميذ لدلالات الكلمات العادية التي تصبح داخل النص الأدبي محمَّلة بدلالات أخرى؟          

لا شك أن الاستراتيجية التي يتَّبعها أغلب المتعلمين في فكِّ شفرات نص أدبي لها تأثير سلبي في ظفرهم بالدلالات الكامنة خلفها؛ لاسيما وأننا علمنا في السؤال السابق، أن دال الكلمة عندما يندرج في نص أدبي، فإنه يعدل وينزاح عن مدلوله ومرجعه الأصليين إلى مدلول ومرجع جديدين، فيصير هذا الدال قادرا على الاصطباغ بألوان دلالية عديدة، وهي ألوان ومعاني لا تظهر واضحة إلا بعد انتهاء القارئ مبتدئا كان أم متخصصا من القراءة الشاملة المتكررة المسائلة للنص.

وقد أرجع الأساتذة أفراد العينة المبحوثة، سوء الفهم الناتج عن هذا المستوى إلى عدم استعمال المتعلم للسياق اللغوي كوسيلة مساعدة للاقتراب من فهم معجم النص الأدبي بنسبة 54 %، ومعلوم أن كل كلمة في النص الأدبي تصير محملة بدلالات متعددة، فتظهر للتلميذ علاقاتها متفككة وغير منطقية ومتناسلة الأمر الذي يجعل المتعلم عاجزا عن إدراكها، لأنه  لا يملك القدر الكافي من الصبر للقيام بقراءات متكرِّرة مسائلة للنص (بنسبة 38 %) حتى يخلق ألفة معه، ويُقحِم نفسه في عالم النص ليعالجه ذهنيا وعاطفيا، فهو اعتاد التسرع والعجلة، واللجوء إلى طرق سهلة للتخلص من الأعمال التي يكلف بإنجازها. ثم إن عدم تقارب خصوصية الفهم لدى المتعلم مع الاستعمالات اللغوية الأدبية، يمكن أن يكون سببا في سوء الفهم الناتج عن هذا المستوى، إذ أثبت 32 % أن المتعلم لا يقيم وزنا للاختلاف في طرق الاستعمال اللغوي بين الكلام العادي والنص الأدبي، إذ يسقط الدلالات الحرفية المعروفة في الاستعمال التواصلي العادي على نفس هذه الكلمات بعد اندراجها في نص أدبي. 

  • السؤال الرابع: هل ترى أن الوقوف مع المتعلمين عند أساليب تمتاز بأدبية عالية وتعميق النقاش حولها وتوظيف جهاز مفهومي متخصص بطرق عرض واضحة تمتاز بفنية عالية في الإلقاء؟

تابع

 

 ([1]) – "تدريس النص الأدبي بين النظرية والتطبيق"، د عبد الرحيم الرحموني، مجلة مقاربات، (م.م)، ص: 25.

 

 تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية
Partager cet article
Repost0
8 septembre 2024 7 08 /09 /septembre /2024 15:19
تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية

تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي

بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل

-دراسة ميدانية لآراء أساتذة اللغة العربية -

د.عزيز عشعاش *  ACHACH Aziz

دراسة محكمة

*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية

تتمة

لمعرفة رأي الأساتذة بخصوص الأساليب التي تمكِّن من الرفع من ذائقة المتعلمين اللغوية، وتقرِّبهم من النصوص الأدبية، تمت مساءلتهم حول ما إذا كانت الفائدة تُجتنى من دراسة وتحليل الأساليب التي تمتاز بكثافة أدبية أم العكس، ولا ينبغي أن يُفهَم من هذا السؤال أننا نقصد النص المشتمل على تعقيدات تركيبية تعسِّر عليه التعامل مع النص، بل إن حُسن اختيار النص الأدبي بهدف تدريسه أمر في غاية الأهمية. فنحن نقصد بهذا السؤال المقومات الأدبية التي تُرغِّب في دراسة النص بعد التفكير في اختياره بحسب درجة استجابة التلاميذ له. وقد أكَّد الأساتذة أن تحليل هذه المقومات الأدبية وتعميق النقاش حولها، وتوظيف جهاز مفهومي متخصص يكسب المتعلم حسّاً أدبيا ويرفع من ذائقته اللغوية، ومن ثم يرفع من مستواه التعليمي بنسبة 56 %، كما يحفِّزه ويرغِّبه في دراسة المتون الأدبية الرفيعة ذات كثافة أدبية، بنسبة 42 %، وقد عبَّر فريق آخر من أفراد العينة وخاصة أولائك الذين يعتبرون التلميذ غير مؤَهَّلٍ لدراسة هذا النوع من الأساليب والتراكيب أنه يَنتُجُ عن دراستها غموض وإبهام في أذهان المتعلمين بنسبة 22 %، وأنه يُنفِّرهم من درس الأدب لأن استجابتهم تكون ضعيفة أو متواضعة بنسبة 10 %.

  1. المحور الثاني: إكراهات التنزيل: موقف الأساتذة من إكراهات تدريس النص الأدبي
  • السؤال الأول: ما نوعية النصوص الأدبية التي تفضل تدريسها ؟   

نود في البداية الإشارة إلى أن النصوص القديمة تشمل النصوص التي أبدعها العرب القدامى من العصر الجاهلي حتى العصر الأندلسي، وتمثل النصوص الحديثة تلك التي أُبدِعَت منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بينما تمثل المعاصرة النصوص التي نعاصرها في زمننا الراهن، وهي تلك التي تؤرَّخُ ابتداء من منتصف القرن العشرين إلى وقتنا الحاضر.

نستخلص من النسب الماثلة أمامنا في الجدول أعلاه، أن حظ النصوص الأدبية القديمة أو الحديثة من عناية الأساتذة مالئي الاستمارة أعلى بكثير من نظيرتها المعاصرة، فقد عبَّر 66 % من مجموع العينة عن رغبتهم في تدريس النصوص القديمة، و60 % منهم عن تدريس النصوص الحديثة، وليس هناك فرق كبير بين النسبتين العامتين، في حين لم يعبِّر سوى 18 % من أفراد العينة المبحوثة عن اهتمامهم بتدريس النصوص المعاصرة.

وهذا الاختيار له دلالة ما، فتفضيل الأساتذة تدريس النصوص القديمة والحديثة يعود ربما إلى أن النصوص الحديثة امتداد للقديمة على مستوى بنية القصيدة، وعزوف الأغلبية الساحقة عن الاهتمام بالنصوص المعاصرة قد يكون مردُّه إلى أن لغتها الموظفة للرمز والأسطورة معقدَّة؛ مما يجعل المتعلمين يجدون صعوبة في التفاعل معها، ومن المُؤكَّد أن المتعلم إذا نفر من تعلم مادة معينة، ولم يستطع الأستاذ بطرقه وعتاده البيداغوجي المعرفي والمنهجي من استمالته، وتحبيب المادة موضوع الدرس إليه، واختراق مكونات التذوق لديه، كان هذا النفور وهذا الفشل في فهم الأسباب التي جعلت النص لا يخاطب ذهنه، ولا يوحي له بأي شيء مدعَاة إلى عدم الارتياح وعدم الرغبة في دراسته. 

  • السؤال الثاني: ما الإكراهات التي يمكن أن تَحُدَّ من اهتمام الأستاذ بتمثلات التلاميذ؟

بعد وقوفنا على نسبة الأساتذة الذين يمتنعون عن توظيف تمثلات المتعلمين في بناء معنى النص الأدبي، رغم وعيهم بأهميتها وضرورتها في ظل التدريس بالكفايات الذي يفسح المجال للمتعلمين للتعبير عن أفكارهم وتصوراتهم تجاه النص الأدبي المدروس، والتي تمَّ إرجاعها إلى جهلهم بطرق توظيفها. نود من خلال هذا السؤال، معرفة صعوبات أخرى يمكن أن تحول دون اهتمامهم بها.

انطلاقا من البدائل المقترحة في السؤال السابع عشر، فقد تبيَّن أن النسبة الكبرى 56%، تُرجع السبب إلى قصور الغلاف الزمني المخصص لدراسة النص الأدبي، فالحصة الزمنية لا تتناسب مع مستوى التلاميذ وأهمية محتوى هذه النصوص، والأهداف التي تروم تحقيقها، وفي طليعتها إكساب المتعلمين عادة القراءة المستمرة، والصبر عليهم حتى يتحقق التفاعل الإيجابي، لاسيما إذا علمنا أن هذه النصوص تقتضي قراءات متكررة وبطيئة تحثُّ القارئ على بناء المعنى استجابة لإغراء البنيات النصية. ولعل هذا ما جعل نسبة هامة من الأساتذة 26 %، تقرُّ بأن القراءة المدرسية قراءة سريعة تبحث عن المعنى الذي يوجد في مكان ما من النص، مقابل 2 % فقط ممن يعتبرونها قراءة بطيئة، مما يُورِّثُ عادات قرائية سلبية في التعاطي مع النص الأدبي.

ثم تأتي بعد ذلك الأسباب الأخرى ككثرة الدروس بنسبة 52 %، وسوء اختيار النصوص الأدبية بنسبة 38 %، ثم طولها بالنظر إلى مستوى الغلاف المخصص للدراسة بنسبة 36 %.

إن كثرة النصوص المقررة في البرنامج الدراسي بالسلك الثانوي التأهيلي، والتي تناهز الأربعين نصا تقريبا موزعة على أربع مجزوءات وثمان محاور، في كل محور أربعة نصوص: بمعدل ثلاثة للاكتساب والرابع للتقويم، إضافة إلى نصوص أخرى مبرمجة للدعم والتقوية في أسابيع الدعم. هذا العدد الهائل يُكرِّس ممارسات سلبية في قراءة النصوص لاسيما في المستويات التي تعرف امتحانات إشهادية، عكس ما تروم إليه بيداغوجية الكفايات التي تركِّزُ على الكيف بدل الكم، مما يؤدي إلى عدم الاهتمام بتمثلات المتعلمين.

وهذا المشكل، ينعكس على جودة اختيار النصوص الأدبية الأكثر ملاءمة لمستويات المتعلمين، وطبيعة التصرف فيها بالاجتزاء والحذف، الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في الكتب المدرسية، والتخلص من ثقل هذه النصوص، ودراسة حاجات وميولات المتعلمين الحقيقية في كل سلك دراسي.    

  • السؤال الثالث: ما الإكراهات التي يمكن أن تَحُدَّ من اهتمام الأستاذ بتمثلات التلاميذ؟

يتمثل الهدف من هذا الجدول في معرفة مدى إقبال المتعلمين على قراءة النص الأدبي، وقد بُنِي هذا السؤال على افتراض مفاده أن المتعلمين لا يقبلون على قراءة النص الأدبي، لأسباب متعددة تتجلى في كونهم: غير مؤهلين لذلك، وأنهم غير مقتنعين بجدوى قراءته ودراسته، وأن هذه النصوص المختارة لا تلائم حاجياتهم وتطلعاتهم، كما أن طريقة التدريس لا تنجح في إثارة انتباههم للإقبال على تلقي النص تلقيا إيجابيا.

وقد جاءت النتيجة لتؤكد المتوقع، إذ لم تتعدَّ نسبة الذين أثبتوا إقبال المتعلمين على فعل القراءة بمفهومها التثقيفي العام 20 %، فيما وصلت نسبة القائلين به أحيانا 42 %، وبلغت نسبة الأساتذة الذين نفوه 36 %، ويرجع السبب حسب هؤلاء إلى عدم وجود تربية قرائية لدى المتعلمين خاصة في مجتمع غزته وسائل سمعية بصرية حديثة أكثر قدرة على إغراء التلاميذ من الكتاب المدرسي. فضلا عن عدم نجاح المدرسة باعتبارها المؤسسة المؤهلة لترسيخ عادات القراءة الذاتية المستقلة في نفوس الناشئة في ظل تبنيها لمناهج تقوم على الكم عوض الكيف، وهاجس الامتحان، رغم أنها حاولت تسطير حصة دراسية في الأسبوع للقراءة منذ الأطوار الأولى من المرحلة الابتدائية، ومرورا بمادة المؤلفات المقرَّرة في المرحلة الإعدادية.

وإذا كان هذا السؤال قد كشف عن تذمر الأساتذة من نفور المتعلمين من القراءة في إطارها التثقيف، وما ينتج عنه من ضعف في حصيلتهم الثقافية والتاريخية والاجتماعية والأدبية، وفقر في معلوماتهم العامة، ومن ثم عجزهم عن الاستفادة من النصوص. فإن هذه الأزمة والمعاناة المتمثلة في موقف التلاميذ السلبي تتزايد إزاء نصوص قرائية تعتبر من صميم الدرس الأدبي. وبحسب الاستبيان فإن تفاعل المتعلم / المتلقي مع النصوص النثرية (السردية، أو الوصفية، أو الحوارية ، أو الحجاجية...) الذي وصلت نسبة التفاعل معه إلى 40 %، مبدئيا، أفضل بكثير من تلقيه للنصوص الشعرية 18.5 %، وتفاعله مع النصوص النثرية الحديثة 44 % أقوى بكثير من تفاعله مع نظيرتها القديمة 14 %، بحيث أن نسبة 14% تكشف عن قطيعة أكثر حدة بين المتعلم والنص الأدبي القديم، لأن هذا الأخير لم تعد له تلك الجاذبية القديمة، لأسباب متعددة منها: قصور منهجية التحليل عن تقريب المادة من نفوس المتعلمين، ومشكل انتقاء منتخبات من الأدب القديم، وغيرها من الأسباب.   

  • السؤال الرابع:
  1. ما مدى التجاوب الحاصل بين المتعلم والنص الأدبي؟
  2. ما أسباب غياب التجاوب المرغوب فيه؟
  3. ما الجوانب التي ترى أن المتعلم يفتقر إليها في تعامله مع النص الأدبي؟  
  4. هل تعتقد أن المتعلم الحالي مؤهل معرفيا ومنهجيا ووجدانيا ولغويا ليعول عليه في بناء معنى النص الأدبي وتذوقه، في ظل تطبيق سياسة الخريطة المدرسية التي تفرض نسب النجاح دون مراعاة للعتبة؟     

هذا السؤال مرتبط أشد الارتباط بسابقه، فبعد تعرفنا على نفور التلاميذ من القراءة في إطارها العام، وما يوازيها من هوة إلى حد القطيعة بين ما يتطلع إليه المتعلم من حاجيات واهتمامات وما يقدم له من نصوص أدبية قرائية تصاحبه في مراحل دراسته الثانوية. فإنني أهدف من هذا السؤال معرفة مقدار أو نسبة التجاوب بين المتعلم والنص الأدبي، والأسباب النصية والخارج نصية المرتبطة بالمتعلم، باعتباره العنصر المعني بهذا التجاوب، والتي تحول دون الاستجابة المرغوب فيها.

يظهر الجدول أعلاه أن النتائج المحصَّل عليها لا تعكس التفاعل المرغوب فيه، فرغم أن التلاميذ يقرؤون نصوصا أدبية عديدة على الأقل من خلال ما هو مقرر عليهم في المرحلة الثانوية التأهيلية، إلا أن نسبة هامة منهم تشكِّل الأغلبية 72 % تقريبا  لازال تفاعلها مع النصوص الأدبية متوسطا أو دون ذلك، وهذه الفئة لا تستطيع تذوق ما في النص من جمالية والاستجابة لمنبهات النص الأسلوبية، وتشكِّل نسبة من يرون أن تجاوب المتعلمين لا بأس به 26 %، في حين لم تتجاوز نسبة التجاوب الجيد 2 %.

ويعزى غياب التجاوب المرغوب فيه، في اعتقادي، إلى شروط مرتبطة بالمتعلم، وثانية بالنص الأدبي مدار حديثنا، وثالثة بالأستاذ، ورابعة بالسياق الذي تمر فيه العملية التعليمية، وهي متغيرات نصية وخارج نصية، مباشرة وغير مباشرة، نراها تتحكم في قراءة النص الأدبي بمدارسنا الثانوية.

            ومن ضمن الأسباب النصية الصارفة عن التفاعل المرغوب فيه أثناء تلقي النص الأدبي، يظهر الجدول أن تركيب النص الأدبي ومعجمه حاز قصب السبق، إذ تردد بين أفراد العينة بنسبة 46 %، في حين تكرر معجم النص بنسبة 30 %، واحتلت طبيعة مضامين النصوص الرتبة الأخيرة بنسبة 26 %.

وما يمكن أن يلاحظ على هذه النتائج ارتفاع النسب الخاصة بكل هذه المؤشرات رغم الاختلاف النسبي الحاصل في نسب تدخلها كأسباب لها تأثير على قراءة النص الأدبي، وهذا أكد ما كان متوقَّعا، إذ لا يمكن إرجاع غياب التجاوب لسبب دون الآخر. وعليه، يظهر أن استجابة القارئ المتعلم تكون ضعيفة كلما أحس بصعوبة لغوية ناتجة عن ألفاظ غريبة لم يسبق له أن صادفها أو سمعها، أو تعقيدات تركيبية لا تُسهِّل عليه التعامل مع النص، فتشكِّل العائق الأكبر في تذوق كل ما في النص من أدبية أو جمالية. وهكذا نسجِّل أنه كلما تميَّز النص بكثافة أدبية كلَّما كان نصّاً غير مرغوب فيه.

كما أن مضمون النص بدوره يمكن أن يشكِّل صعوبة ما لم يتناسب مع أفكار واهتمامات متعلم المرحلة الثانوية التي يتميَّز فيها المراهق بالاندفاعية والحرية ويميل إلى نصوص فيها التحرر والفروسية والعزة والكرامة والغزل الرقيق... فهذه المرحلة يتوقد فيها شعور المتعلم، فيعيش مرحلة متقلبة عنيفة أحيانا فيها توتر وقلق بحثا عن الثقة في النفس وتأكيدا للإرادة القوية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن ارتباط مضمون النص ببيئة المتعلم، وتقاطعه مع ثقافته يمكن أن يساعده على التفاعل بإيجابية أكبر مع النص الأدبي.

ومن ضمن الأسباب خارج النصية المرتبطة بالمتعلم، والتي يمكن أن تؤثر في تلقي النص الأدبي، تمَّ اقتراح آليات قراءة النص، والرصيد اللغوي، والمعرفة بخصوصية الأدب. وقد جاءت النتائج لتؤكد المتوقع، إذ نسجِّل ارتفاع نسب تردد هذه المؤشرات جميعها، فافتقار المتعلم لرصيد لغوي يؤهله لفك سنن النص اللغوي وإرجاعه إلى دلالاته السياقية جاء في المرتبة الأولى بنسبة 70 %، ثم بعده افتقاره إلى الآليات المنهجية، والأدوات اللازمة لقراءة النص، بنسبة 64 %، وأخيرا تدني مستوى المتعلم المعرفي الثقافي والحضاري المرتبط المختارة بنسبة 44 %.

ولعل هذه الأسباب وغيرها هي التي جعلت 72 % من الأساتذة أفراد العينة يعتقدون بأن المتعلم الحالي غير مؤهل معرفيا ومنهجيا ووجدانيا ولغويا ليعوَّل عليه في بناء معنى النص الأدبي، وتذوق كل ما له علاقة بأدبيته وجماليته، مما يمكن أن يعينه على دراسة النص وتحليله، مقابل 10 % فقط التي ارتأت عكس ذلك، و16 % التي أقرت بأن قصور المتعلم عن تذوق ما في النص من جمالية، قد يعود إلى طبيعة النص المختار، دون أن ننسى الفئة التي تمثل 2 % من الأساتذة، والتي لم تستطع التعبير عن رأيها.

وكيفما كان الأمر، فإن تدني مستوى التلاميذ اللغوي والمعرفي، وعدم رغبتهم الداخلية، وصبرهم أثناء قراءة النص لا ينبغي أن يكون مدعاة للاعتقاد والحكم بأن المتعلم الحالي غير مؤهل لفهم المضمون وتذوقه، ومن ثم دراسته وتحليله.

أما آن الأوان للتفكير بكل جدية في الآليات الكفيلة بإيقاظ انتباه المتعلم؟ وتحفيزه على الإقبال على دراسة النص الأدبي، مادامت الأبحاث التي تنظر في الكيفية التي تنشأ بها القدرة القرائية، والرغبة في القراءة، مثل الأبحاث المتعلقة بسيكولوجية القراءة، وسوسيولوجية القراءة، ونظريات التواصل، ونظريات التعلم قد تقدمت؟

إن الاستمرار في تجاهل كل الأسباب المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر يدفع المتعلم إلى الخمول والتراخي في العمل، وهو ما يجسده الحضور الجسدي للتلاميذ داخل القسم وغياب الانتباه والتركيز، مادامت مجريات وطرائق الدراسة تقوم على جعل المتلقي المستمع والمستهلك يُملَأ بالمعارف ويطلب منه حفظها واسترجاع التعاريف والتعابير عن ظهر قلب في الامتحانات الدورية ولو دون فهم، وقد بات التلاميذ أنفسهم يفضلون هذه الطريقة، ويعتبرونها طريقة تمكن من النجاح، فأصبحنا نسمع تداولهم لنماذج نمطية في تحليل النصوص، خاصة بالمحاور المقرر في البرنامج الدراسي. 

  • السؤال الخامس: هل تعود الصعوبات اللغوية التي تواجه التلميذ أثناء تلقي النص الأدبي؟

لتجميع كل العوامل والمعيقات التي تؤثر بشكل سلبي في العلاقة الرابطة بين المتعلم والنص الأدبي والأستاذ، والتي تغدو بذلك صعوبات مميزة لكل تلقي سلبي بين المتعلم والنص الأدبي، فإننا وجَّهت هذا السؤال الذي هو عبارة عن تلخيص لأهم الأسباب المؤثرة في تلقي المتعلمين للنص الأدبي، لما يمكننا به من إمكانية الوقوف على مدى تطابق إجابات الأساتذة وانسجامها.

من خلال النسب الماثلة أمامنا في الجدول أعلاه، يتأكد أن ضعف استجابة التلاميذ أو تواضعها على الأقل، وهذا الضعف لا يتحمَّل وزره المتعلم فقط، فهذا الأخير يعاني من قصور بيِّنٍ وواضح في الاستراتيجيات التي يوظفها لتلقي النص الأدبي والناتجة عن رواسب النقص في التحصيل الدراسي عبر سنوات التعلم في ظل سياسة العمل بالخريطة المدرسية عوض المستوى الدراسي، أو عن التصور الذي يحمله المتعلم عن الأدب، والذي مفاده أن الأدب عنصُر زائد، بعيد عن الحياة، يستدعي الخيال والوجدان وإثارة المشاعر، عكس المعرفة العلمية التي تدعو إلى الارتباط بالحياة المعيشة والمستقبلية، وهو تصور يعكس وضعية الأدب في مجتمع غزته القيم النفعية المادية ولم يعد يقيم وزنا للقيم الإنسانية الجمالية وتربية الذوق.

ولم تستطع المدرسة ببرامجها ومناهجها تجاوزه، لأنها لم تنجح في استمالة المتعلم وجذبه إليه بما تقترحه من نصوص، وما توظفه من أساليب وطرائق في التدريس، حتى غدا المتعلم فاترا لا يقوم بأي جهد، ولا بأية محاولة لفهم وتذوق وتحليل نص أدبي لغته متمنعة لها شكل خاص يختلف عن شكل اللغة العادية المتداولة معجميا وتركيبيا، فهو "لغة داخل لغة"، يتطلب دراية ودربة ومرانا مستمرا من خلال قراءات متكررة عاطفية وذهنية اعتمادا على ذخيرة ثقافية تسهم في الفهم والتذوق، ومن ثم في الدراسة والتحليل بعد اكتساب عادات إيجابية للتلقي.

وبالإضافة إلى ما سبق، هناك جوانب أخرى مرتبطة بالسياق التربوي الذي تمر فيه عمليات التدريس التي اعتبرها الأساتذة عوامل تسهم في عدم تلقي المتعلمين النص تلقيا إيجابيا، وذلك من خلال الاكتظاظ الذي أصبحت تشهده فصولنا الدراسية، إذ يصل في بعض الأحيان إلى ما فوق الخمسين مقعدا بنسبة 60 %، وما لهذا العائق من تأثير على الفضاء المكاني الذي يتم فيه النشاط القرائي، والذي بنيته التحتية هشة بالثانويات التي توجد بالمناطق النائية، بل حتى في بعض المؤسسات بالعالم الحضري؛ وتأثير أيضا على سير البرنامج الذي يتميز بكثافة دروسه التي لا تتلاءم في كثير من الأحيان مع الغلاف الزمني المخصص (48 %)، مما يجعل الأستاذ يسرع في الشرح والتفسير اعتمادا على آليات التلقين والحفظ والاستظهار على حساب الفهم، وبناء المعلومة واكتساب الكفايات والمهارات الأساس، ومهارات الإتقان.

وإيمانا مني بأهمية درس الأدب، كما أكده رولان بارث قائلا "إذا كان من الممكن التخلي عن جميع المواد الدراسية باستثناء واحدة، فإنها بالضبط مادة الأدب التي يجب الحفاظ عليها، وذلك لأن العلوم كلها حاضرة في البناء الأدبي"([1])، فإنني أود معرفة رأي الأساتذة في الحيز الزمني المخصص لدراسة النص الأدبي، والذي يتحدد بحسب الوثائق والمذكرات التربوية في حصتين بمعدَّل ساعة لكل حصة.  

  1. المحور الثالث: الحلول المقترحة
  • السؤال الأول: ماذا تقترح لتيسير درس النص الأدبي وتقريب فائدته ؟ 

لتيسير درس النصوص وتقريب فائدته من المتعلمين يعبر السادة الأساتذة أن المادة تحتاج إلى التعامل معها انطلاقا من مركزية المتعلم، وذلك بجعل المتعلمين عناصر فاعلة يقومون بالقسط الأكبر من العمل، والإعداد المنظم والمراقب من قِبَلِ المدرِس بنسبة 36%، وهناك من يقترح الإكثار من النصوص التطبيقية داخل الفصل الدراسي بنسبة 30 %، وهذا الأمر يقتضي التخفيف من كثرة المحاور المنصوص عليها في البرنامج الدراسي، وإضافة نصوص أخرى للتطبيق تُراهِنُ على الكيف عوض الكم، فيما رأت فئة أخرى الاعتماد على الشرح والتفسير بنسبة 30 %، وهو ما يؤكِّد عدم وعي شريحة هامة من الأساتذة بأن النص الأدبي لا يشرح ولا يفسر وإنما يتذوَّق، لأن له تأثير عاطفي يُحرِّكُ القلب قبل العقل. ونادت فئة أخرى بضرورة إضافة حصة ثالثة إلى حصَّتي درس النصوص الأسبوعية بنسبة 28 %، لأن عامل الزمن يؤدي دورا وظيفيا في حصول الفائدة المرجوة من المادة أو عدم حصولها.

   وهناك من اقترح الاستفادة من الدراسات النقدية التي كُتِبت حول النص المدروس إن وُجِدت بنسبة 10 %، بينما نصَّت فئة أخرى على "إملاء خلاصات واستنتاجات التحليل على المتعلم بنسبة 6 %، لأنها تعتبر المتعلم غير مؤهَّل، وعاجز عن تذوق المعنى وتكوين آراء وأحكام شخصية وهذا الرأي يُظهِر الطرق المتبعة من لدن البعض في تدريس النصوص، والتي تركِّزُ على الإلقاء الذي لا يدفع المتعلم إلى بذل الجهد.

خاتمــــــــــــــــــــــــة:

راهن المقال على مساءلة أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي الذين يكابدون معضلة تدريس النص الأدبي قراءة وإقراء، لكونهم أقدر على تقديم صورة حقيقية نابعة من قلب معاناتهم اليومية في العملية التعليمية التعلمية. وتكمن أهمية هذا الفصل في كونه دراسة ميدانية تبحث عن خصائص المؤسسة التعليمية المغربية، وما تسعى إلى تحقيقه من حاجيات وأهداف وأغراض في حصص مكون النصوص ودرس الأدب، وما يحول من صعوبات وعراقيل دون تحقيق ذلك المبتغى، مُشخِّصةً الواقع بشكل واضح، ومُسهِمة في تكوين تصور يمكن اعتماده كبديل لكل إصلاح حقيقي ننشده.

وقد سعينا في تشخيصنا لهذا الواقع، القيام بعمل دقيق انطلاقا من تفكير عملي يستند على عدَّة منهجية ودقَّة علمية، لا يكتفي فقط بآراء وخلاصات الأخصائيين البيداغوجيين  الأجانب وتجارب البلدان الأخرى كما هو الشأن في معظم الإصلاحات السابقة، لعدم واقعيتها ودراستها المشكل من برجٍ عالٍ. وذلك بالانفتاح على آراء الأساتذة في صعوبات تدريس النص الأدبي، لاستجلاء مجموعة من القضايا المرتبطة بتدريسية النصوص الأدبية، والتي تغدو مشاكل حقيقية ينأى بها هذا الدرس رغم أهميته.

في إطار التأكد من الفرضيات السابقة اعتمدت على دراسة ميدانية شملت نيابتي تازة وسيدي البرنوصي بالدار البيضاء، حيث وزعت 318 استمارة على عينة عشوائية حتى تكون النتائج موضوعية، وقد أفضت الدراسة إلى تحقق الفرضيات التالية بنسب مهمة :

المحور الأول: المتعلق بإشكالات البناء

  • أكد الأساتذة أن الكتب المدرسية المعمول بها حاليا تتضمن نصوصا سيئة الاختيار، مواضيعها لا تنسجم مع ميولات وحاجيات ومستويات المتعلمين، إذ نصَّ (80%) منهم على ضرورة توفير هامش من الحرية للأستاذ لاختيار نصوص أدبية والتصرف فيها، وذلك بالرجوع إلى مضانها الأصلية، وخاصة عندما لا تتلاءم النصوص المقترحة مع مستوى المتعلمين المعرفي والذهني والوجداني، بحيث لا يجوز التقيد بكل ما هو مقرر إذا ما ثبت عدم ملاءمته، لاسيما إذا كان الأستاذ مؤهلا ذو تجربة واسعة في مجال التدريس تمكِّنه من هذا الاختيار.
  • تمحَّصت فرضية عدم وعي الأساتذة بمزايا تعددية الكتاب المدرسي في إغناء رصيدهم التربوي، وتنمية كفاياتهم البيداغوجية، وتنويع وسائلها ووضعياتها وأنشطتها الديدكتيكية وفق ما يستجيب بشكل أكبر لخصوصية وحاجات المتعلمين.
  • أثبتت الدراسة أن المتعلم يحِسُّ بصعوبات لغوية ناتجة عن الخصائص التي تميِّز النص الأدبي عن غيره من النصوص، والتي تعود بالأساس: 1) إلى مستواه المعجمي كمستوى مسؤول عن تحقيق فهم المتعلم للنص أو إرباكه بنسبة (68 %)، لأن المفردة الواحدة العادية والمتداولة السهلة والبسيطة يلحقها تَحوُّل حينما تلج إيهاب النص الأدبي، فتعدل عن معانيها الأصلية وتصير محملةً بالدلالات غير المفهومة من قبل المتعلم لأنه يسقط عليها الدلالات الحرفية التي يعرفها فلا يهتدي إلى معانيها في النص. 2) أو إلى مستواه التركيبي بفعل الخواص التركيبية التي تلحق اللغة الأدبية، مثل: خاصية التقديم والتأخير المؤثرة في فهم المتعلم المتلقي بفعل توزيع الكلمات داخل النص توزيعا غريبا (90 %)، حيث يتقدم الفاعل على الفعل، والخبر على المبتدأ، والصفة الموصوف... 3) أو إلى مستوياته الدلالية مثل الإيجاز، إذ لا يستطيع المتعلم إزاءها تقدير البنيات الغائبة في النص المدروس.
  • تمحَّصَت الفرضية التي تُفيد أن الوقوف مع المتعلمين عند بعض المقومات الأدبية وتعميق النقاش حولها تدريجيا بطرق عرض واضحة، يرفع من ذائقة المتعلمين اللغوية (56 %)، ويرغِّبهم في دراسة المتون الأدبية التي تتميَّزُ بمقومات أدبية (42 %).

المحور الثاني: المتعلق بإكراهات التنزيل بموقف الأساتذة من:

  • تأكدت الفرضية التي تقر بأن المدرسة ببرامجها ومناهجها الدراسية لم تنجح في تربية المتعلمين تربية قرائية، وترسيخ عادة القراءة المستقلة في نفوسهم، إذ عبَّر الأساتذة أن (42 %) لا يقبلون على فعل القراءة إلا أحيانا في أوقات جد محدودة، و أن (36 %) منهم منقطعون عنها بشكل دائم.

المحور الثالث: الحلول المقترحة

ولتجاوز الصعوبات والعراقيل التي تمَّ التأكد منها، نقترح ما يلي :

  • لا بد لجعل المتعلم / المتلقي يتعامل مع النص كبنية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية التحليل والإبداع، من التركيز على العناصر التالية:
  • وضع القارئ المتعلم في مركز التعلمات، ومراعاة حاجياته الذاتية (ميوله واهتماماته) والموضوعية (نضجه ومعارفه) أثناء التخطيط للدرس، وحثهم على أن يكونوا عناصر فاعلة في الدرس، تقوم بالقسط الأكبر من العمل والإعداد المنظَّم والمراقب من قبل الأستاذ؛
  • توجيه المتعلم إلى العناصر الأكثر بروزا في العمل الإبداعي، والتي تساعده على الفهم؛
  • الحرص على ربط النص بالواقع المعيش، كلما كان ذلك ممكنا وقت استخراج الأبعاد الدلالية والقيمية؛
  • تعليمهم مواضعات الكتابة الخاصة بكل نوع أدبي لأنها تسهِم في تشكيل أفق توقُّع المتعلم / القارئ؛
  • مطالبة المتعلمين بحفظ بعض الأساليب باعتبارها نماذج عليا يمكن النسج على منوالها.
  • الإكثار من النصوص المرتبطة بالمحور الواحد، والتخفيف من كثرة المحاور المقررة في البرنامج الدراسي، بإضافة نصوص إضافية للتطبيق تراهِن على الكيف عوض الكم.
  • إضافة حصة ثالثة إلى حصَّتي درس النصوص الأسبوعية، لأن الزمن يؤدي دورا وظيفيا في حصول الفائدة المرجوة أو عدم حصولها.
  • الاهتمام بالطرق الكفيلة بتعويد المتعلم عادة القراءة الذاتية وتسليحه بأدواتها، وتجنب طريقة التدريس التي تركِّز على الإلقاء، إلا في بعض المواقف التي يعجز فيها المتعلم عن إدراك وتذوق النصوص، حتَّى يستطيع المتعلم بناء تعلماته، ويتعوَّد تحليل النصوص وبناء الأحكام؛
  • مراجعة معايير توجيه كل من لم يحصل على معدَّل في المواد العلمية، أو لم يصل إلى عتبة النجاح المطلوبة ليشق طريقه في الشعبة الأدبية.

المصادر والمراجع:

  -  المرسوم رقم 2.02.376 الصادر في 6 جمادى الأولى 1423 (17 يوليوز 2002) بمثابة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي – جريدة رسمية عدد 5024 يوليوز 2002.

  - المذكرة الوزارية رقم 43 الصادرة بتاريخ 22 مارس 2006 في موضوع: "تنظيم الدراسة بالتعليم الثانوي".

 

([1]) "مشاكل التلقي في درس المؤلفات: المؤلف الروائي نموذجا"، عبد الله مناني، أهداف وطرق تدريس مواد اللغة العربية - النظرية والتطبيق، جماعة من المؤلفين، (م.م)، ص: 62.

تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية
Partager cet article
Repost0
6 septembre 2024 5 06 /09 /septembre /2024 18:18
إعمال فقه الأولويات في قضايا المرأة

إعمال فقه الأولويات في قضايا المرأة

 

الدكتور عبد الله الغرمول

 

دراسة محكمة

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية الثلوج مديرية الحاجب.

ملخص

        إن كلا من الرجل والمرأة سيَّان في أصل التكليف الشرعي، كلاهما مأمور بالامتثال للوحي الإلهي المتمثل في الرسالة الخاتمة وكتابها القرآن الكريم، مأمور بالتمكين لهذا الدين، وبذل كل جهد في ذلك، ففي الحديث عن أنس قال دخَلَت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سليم وعنده أم سلمة، فقالت: المرأة ترى في منامها ما یرى الرجل، فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سلیم، فضحتِ النساء!. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أم سليم منتصرا لأم سليم: بل أنت تربت يداك. إن خيركن التي تسأل عما يعنيها، إذا رأت الماء فلتغتسل قالت أم سلمة: وللنساء ماء !؟ قال: نعم، فأنى يشبههن الولد

الكلمات المفاتيح: القرآن الكريم، السنة النبوية، فقه الأولويات، المرأة المسلمة


Summary:
Both men and women are equal in the origin of the legal obligation. Both are commanded to comply with the divine revelation represented in the final message and its book, the Holy Quran. They are commanded to empower this religion and to make every effort to do so. In the hadith of Anas, he said: Umm Sulaym entered upon the Messenger of Allah, may Allah bless him and grant him peace, and Umm Salamah was with him. She said: A woman sees in her dreams what a man sees. Umm Salamah said: May your hands be covered with dust, O Umm Sulaym, you have disgraced women! The Prophet, may Allah bless him and grant him peace, said to Umm Sulaym, defending Umm Sulaym: Rather, may your hands be covered with dust. The best of you is the one who asks about what concerns her. If she sees water, let her wash herself. Umm Salamah said: And women have water!? He said: Yes, so how can a child resemble them?
Keywords: The Holy Quran, the Prophetic Sunnah, Jurisprudence of Priorities, Muslim Women


تمهيد

     من الحكم العظيمة التي من أجلها خلق الله تعالى الكون أن تكون كل مكوناته مسخرة للإنسان. وجعل سبحانه وتعالى الإنسان مبتلى بحمل الأمانة العظمى الملقاة على عاتقه، ليستحق المؤمنون والمؤمنات الجزاء الأوفى
أولا: الأَولَى والأصل في خَلقِ المرأة التكليف الشرعي
إنما هن شقائق الرجال( 1) وقال ابن حجر: وإنما خص الذَّكر بالذِّكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون والنساء، شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خُصّ(2 )
ولكون هذه الخصوصية واقعة لا محالة بحسب ما تقتضيه الفطرة التي فطر الناس عليها، صار للمرأة بعض أحكام خاصة استثناء من التكليف العام، تجلى ذلك في بعض الجزئيات المحدودة التي سجلها القرآن الكريم بأعيانها، كما في كون شهادة المرأة في الدَّين نصف شهادة الرجل، قال جل وعلا: ﴿استشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾(3 )
كما بينت السنة حرمة قيام المرأة ببعض العبادات في حالات مخصوصة مثل الحيض والنفاس، فهما يمنعان الصوم والصلاة
و قد جاء في شرح ابن حجر على صحيح البخاري: وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومُهن على ذلك، لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل به الإثم، بل في أعم من ذلك. قال النووي، لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل(4 )
لم تسلم المرأة من الفتن التي فتحت أبوابها بضياع الرشد السياسي، وذهاب الشورى، وانتشار الاستبداد، فصار لدى معظم النساء المسلمات عقدة عَقَبة وهي مسَلَّمة النقص واستحالة وصولهن للكمال، أي نوع من الكمال. زاد نفسية الانهزام والسلبية ما تلاحق في المجتمعات الإسلامية من تهميش للمرأة وفشو الجهل والخرافة والأمية في صفوفهن
إن مجرد تحميل المرأة - إلى جانب الرجل - أمانة الاستخلاف، واستحقاقها الجزاء الأوفى مع الصالحين والصالحات لهو من عظيم التشريف وكريم التكليف، وهذا يستدعي من اللبيبات من المسلمات أن ترتفع هممهن لطلب درجات من الكمال 
وقد أورد بعض شارحي السنة روایات شاذة تدعي استحباب مخالفة المرأة بعد مشاورتهم، مما يخير بوجود آراء دونية إزاء المرأة لدى عدد لا يستهان به من المسلمين، مما يستدعي تصحيحا للمفهوم، قال صاحب تحفة الأحوذي في شرح جامع سنن الترمذي في كتاب الفتن باب النهي عن سب الرياح: (أموركم إلى نسائكم ) أي مفوض إلى رأيهن , والحال أنهن من ناقصات العقل والدين. وقد ورد: شاوروهن وخالفوهن كذا في المرقاة. قلت: قال صاحب مجمع البحار في كتابه تذكرة الموضوعات في المقاصد, شاوروهن وخالفوهن لم اره مرفوعا ولكن روي عن عمر: خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة. بل روي عن أنس رفعه: لا يفعلن أحدكم امرا حتى يستشير فإن لم يجد من يستشيره فليتشر امرأة ثم ليخالفها، فإن في خلافها البركة. وفي سنده عیسی ضعيف جدا مع أنه منقطع. وعن عائشة مرفوعا بطرق ضعاف طاعة النساء ندامة، وإدخال ابن الجوزي حديث عائشة في الموضوعات لي معيد. وقد استشار في أم سلمة في صلح الحديبية، وصار دليل استشارة المرأة الفاضلة... قلت له طرق وشواهد منها. عودوا النساء لا فإنها حقيقة إن أطعتها املكتك " وخالفوا النساء، فإن في خلافهن البركة
فلقد أجاب سبحانه دعاء الذاکرین المتفكرين بقوله: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾( 5)
فيسعی نور من بذلت الجهد في تحمل الأمان وأصلحت عملها بين يديها في الآخرة، قال جل شأنه: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(6 )
 المرأة المسلمة اليوم أحوج لمن يبث في كيانها النفسي والعقلي الثقة بالذات وقدراتها وهو طلب المعالي الإيمانية التي تجعل منها فاعلا سياسيا لا يضاهى، خصوصا إذا أدركت أهمية وخصوصية المرحلة التي تمر منها الأمة الإسلامية وما يتطلبه ذلك استشراف التمكين لدين الله تعالى، وبلوغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ( 7)
.ثانيا: أولوية الأصل في وظيفة المرأة أنها حافظة الفطرة
جاء في لسان العرب: الفطرة ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به. .. الفراء في قوله تعالى: (فطرت الله آلتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )... وقال أبو الهيثم: الفطرة التي يُخلق عليها المولود في بطن أمه؛ ... قال: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، يعني الخِلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة، فإذا ولَدَه یهودیان هَوَّدَاه في حكم الدنيا، أو نصرانیان نصَّرَاه في الحكم، أو مجوسیان مجَّسَاه في الحكم، وكان حكمه حكم أبويه حتى يعبِّر عنه لسانه، فإن مات قبل بلوغه مات على ما سبق له من الفطرة التي فُطر عليها فهذه فِطرة المولود؛ قال: وفطرة ثانية وهي الكلمة التي يصير بها العبد مسلما وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله جاء بالحق من عنده فتلك الفطرة للدين) (8 )
فكل مولود من البشر إنما يولد في مبدإ الخلقة وأصل الجبلّة على الفطرة السليمة والطبع المُتَهيء لقبول الدين الحق. فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها
لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس، وبِشرُه في القلوب. وإنما يعدل عنه من غيره لآفة من آفات الشر والتقليد
فمن الحكم الجليلة التي خلق الله عز وجل الناس من أجلها المحافظة على الفطرة السليمة، وحماية جوهرتها الثمينة من التشوه والانحراف، وتحتل المرأة الأهمية القصوى في الشأن بحكم أصل الخلقة التي أنشاها الله عز وجل عليها، ثم يتبعها في ذلك الأب، ذلك ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة أنه قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة ". ثم يقول: اقرؤوا :فطرت آلله آلتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الذين القيم"(9 )
الفطرة إذن هي الخِلقة الأصلية التي يكون عليها المولود الجديد، فهو يولد مسلما كامل الاستعداد لتلقي العلم بالله والمعرفة به والتهيؤ لعبادته بعد توحيده. بيد أنه تتناوله أيادي التربية من جهة الأبوين الكافرين فيحرفانه عن الإسلام ويهودانه وينصرانه ويمجسانه. ورغم أن كل مؤثر تربوي في مسؤولية الحفاظ على فطرة المولودين أو تحريفها يحتل نفس أهمية الأبوين، فإن مكانة الأم لا تضاهيها مكانة من بين كل المؤثرات المحيطة بالمولود الجديد
من هنا تبدأ المشاركة السياسية الحقيقية للمرأة لأنها تحافظ على أهم شيء في الشأن السياسي وهو الإنسان، يؤهلها لذلك ما أودع الله تعالى فيها من أسرار الارتباط الوثيق بالكائن البشري، وذلك من عدة زوايا، منها سنة التزويج التي أودعها الله تعالى في كيان المرأة النفسي، فكل امرأة بطبيعتها تهفو نفسها لزوج وأطفال تحوطها بفيض من الحنان والرأفة والمودة والرحمة تملأ قلب الأم، فتكون قنوات قوية قريبة صادقة لإيصال خبر الآخرة في أعمق أعماق الفطرة، بحيث تتمكن من نفس الطفل في سن مبكر، فتكون الأمومة سببا مهما لامتداد حبل الفطرة عبر الأجيال، وهذا الحبل وصية أصيلة لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لبنيه بالمحافظة على فطرة الإسلام في نفوسهم وذريتهم
ثالثا: أولوية تفنيد شبهة منع تعليم المرأة
مما يثار حول المرأة المسلمة( 10) حديث منسوب لعائشة رضي الله عنها: "لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل وسورة النور"(11 )
الحديث رواه الحاكم، وقال الذهبي: حديث موضوع( 12)، وقال البيهقي: «وهذا بهذا الإسناد منكر والله أعلم( 13). أما القرآن فلم يشر إلا إلى العلم والتعلم. قال تعالى: اقرا باسم ربك الذي خلق(14 )
وهو أمر عام للرجال والنساء، وفي سيرة الرسول الكريم العشرات من الصحابيات اللاتي سجل التاريخ أسماءهن في طلب العلم وبذله، منهن أمهات المؤمنين. عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صل الله وسلم فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتیك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا»، فاجتمعن فأتاهن النبي صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله( 15)
وفي تاريخنا عدد لا يحصى من العالمات والفقيهات، غير أن سحابة الجهل والتخلف التي خيمت على الأمة الإسلامية منذ قرون جعلت الأمة تتراجع إلى الوراء، فتراجعت المرأة؛ حتى ظهر من العلماء من يوصي بعدم تعليمهن. قال تقي الدين الهلالي وهو من فقهاء المغرب المعاصرين رحمه الله: «في تعليم الإناث وتربيتهن ثلاثة مذاهب متباينة
 المذهب الأول: عدم تعليمهن أكثر من قراءة المصحف بدون فهم. قال أصحاب هذا المذهب: إنه أحسن المذاهب وأولاها بالصواب، وهو الذي وجدنا عليه آباءنا. وهم كانوا أحسن منا. وتعليم النساء يفسد أخلاقهن. فإن المرأة التي لا تقرأ ولا تكتب تكون بعيدة عن متناول شياطين الإنس. فإن القلم كما لا يخفى أحد اللسانين. فبعدم معرفتها للقراءة والكتابة تأمن شر اللسان الثاني فيتم لها الأمن. وكم رأينا من متعلمات لم يأتهن الشر إلا من قبل تعلمهن، وهذا في زمان الإسلام والعفاف والأنفة العربية، وأما في هذا الزمان، فقد بلغ السيل الزبى واتسع الخرق على الراقع. فإن معرفة الفتاة للقراءة توصل إلى ذهنها جميع ما يقع في الدنيا من الفساد والمخادنة. وتملأ فكرها بهواجس خبيثة كانت في عافية منها(16 )
رابعا: أولوية تفنيد شبهة لزوم البيت
ينتقد البعض موقف العلماء الذين أفتوا المرأة بلزوم بيتها( 17)؛ فأقول بأنه مهما بلغ اجتهاد علمائنا الأجلاء حفظهم الله، فهو قاصر أمام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى موجها خطابا لنساء النبي، وبالرغم من أن الآية واضحة بأنها خاصة بنساء النبي: فقد حاول مجموعة من المفسرين إسقاطها على جميع المؤمنات؛ فلا سياق الآية يسعف، ولا سيرة النبي الكريم تسعف
وقد كانت الصحابيات يشاركن الصحابة في كل شيء حتى في الحروب، واستمر هذا الحال إلى وفاة النبي الكريم ولو كان الأمر بلزوم البيت عاما لجميع المؤمنات لما سجلت كتب الحديث والسير كل تلك الحوادث عن خروج النساء لما يصلحهن من کسب وتعليم وجهاد
يقول الإمام أبو بكر بن العربي عن أحوال المعتدة، وهل يجوز لها الخروج من البيت أولا: «لزوم البيت للمعتدة شرع لازم، وأن الخروج للحدث والبذاء والحاجة إلى المعاش وخوف العورة من السكن جائز بالسنة، والله أعلم. المسألة الثالثة عشرة في صفة الخروج: أما الخروج لخوف البذاء والتوحش والحاجة إلى المعاش؛ فيكون انتقالا محضا. وأما الخروج للتصرف للحاجات فيكون بالنهار دون الليل؛ إذ لا سبيل لها إلى البيت عن منزلها، وإنما تخرج بالإسفار وترجع قبل الإغطاش وتمكن فحمة الليل(18 )
»وزاد وبين أن هذه الأحكام إنما هي للمعتدة وغيرها فقال:» إنما يكون خروجها، في العدة كخروجها في النكاح؛ لأن العدة فرع النكاح، لكن النكاح يقف الخروج فيه على إذن الزوج»( 19). وأشير أن هذا الأمر محل إشكال كبير الآن بعد فساد أحوال الناس، ويحتاج إلى مزيد دراسة وتنقيح. فالحجاب إذن صريح للمرأة المسلمة بالخروج من بيتها لحوائجها وصلاتها وكسبها ومشاركتها العامة في الحياة. إذ لولا ضرورة الخروج، ومشروعية الخروج، لما كانت هناك حاجة لتوصية المرأة المسلمة بستر زينتها وصون جسدها. إنما الصون واجب الستر اتقاء لأنظار الأجنبية خارج بيتها أساسا
خامسا: أولوية تفنيد شبهة الزواج بالصغيرة عند النضج 
يثير أعداء الإسلام شبهة زواج النبي الكريم بسيدتنا عائشة؛ فيقولون: وحين كان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم قد تجاوز الخمسين من عمره زوجه أبو بكر ابنته عائشة وعمرها ست سنوات ودخل عليها محمد حين صارت ابنة تسع(20 )
والذي عليه علماء الإسلام أنه يجوز للرجل خطبة الفتاة قبل بلوغها ويتزوجها بعد البلوغ. أما عن زواج النبي الكريم بعائشة فإنها كانت مخطوبة لجبیر بن مطعم، وكان مشركا فحل خطبته من عائشة بإيعاز من أمه خوفا من تأثير عائشة عليه فيدخل في الإسلام، فهي كانت ناضجة مكتملة النضج بدليل خطبتها من جبير. وقد فكر رسول الله في توثيق الصلة بينه وبين أحب الناس إليه: أبو بكر، فطلب الزواج من عائشة، واستقبلت قريش هذا الزواج
کاستقبالها لأي زواج آخر بشكل عادي، ولو كان فيه أي نقيصة لانتقصوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا، ولم يكن في تلك البيئة الصحراوية أهمية لفارق السن بين الرجال والنساء كاليوم. ومن الخلل المنهجي أن ننظر إلى ذلك الزمان وإلى عاداته، وعقليته الاجتماعية بعقلية اليوم، فمعلوم أن سن الزواج اليوم قد تأخر عند الفتيات إلى سن السابعة والعشرين كمعدل، وهي سن جد متأخرة إذا ما قارناها بما كان عليه الحال قبل عشرين عاما فقط. وتجدر الإشارة إلى أن نضج الفتاة في المناطق الحارة يكون في سن الثامنة ويتأخر سن البلوغ إلى الواحد والعشرين في البلدان الباردة( 21) ومن اجتهادات العلماء التي قاست زواج النبي صلى الله عليه وسلم ونزلته على واقع مختلف عن واقع العهد النبوي هو إجبارية تزويج الصغيرة. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا تزوجها من كفء ويجوز له تزويجها مع كراهيتها وامتناعها»( 22)
وقال ابن عبد البر وهو من علماء المالكية: (أجمع العلماء أن لأب أن يزوج ابنته الصغيرة ولا يشاورها... لتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين) 23)
وغاب على العلماء في عصرنا هذا أن هذا الأمر خاص ببيئة معينة وبأناس معينين، والدليل على ذلك أنه لا أحد أنكر هذا الزواج، ولم ينكره علماؤنا في زماننا هذا والتي اتصف بها أبو بكر الأب، وقل ورع الآباء، وقل نضج الفتيات، وقلت تقوى الرجال والنساء على حد سواء؛ 
فإن تنزيل هذه الفتوى على هذا الزمان هو ضرب من العبث( 24)، وقد نص علماؤنا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال(25 )
سادسا:: أولويات المرأة وأهليتها للمشاركة في العمل والمسؤولية السياسية
أولويات تفنيد شبهة عدم تولي المرأة للمسؤولية السياسية
استند أصحاب هذه الدعوى( 26). إلى حديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"(27 ) وقد اختلف في هذا الحديث منذ القديم؛ فذهب جمهور فقهاء السلف إلى اشتراط الذكورة في تولي المسؤولية السياسية، وفي تولي القضاء أخذا بمنطوق ومفهوم هذا الحديث الشريف، واشترطوا الذكورة فيمن يتولى الخلافة أو الإمامة العظمى لدار الإسلام لكنهم اختلفوا فيما عداها من الولايات الفرعية والجزئية ومنها تولى القضاء، حيت اعتبر الجمهور الذكورة شرطا في تولي القضاء؛ بينما ذهب أبو حنيفة إلى جواز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال، أي في القضايا المالية والتجارية. وقال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء(28 ). قال ابن رشد: «فمن رد قضاء المرأة -أي: رفض توليها القضاء- شبهه بالإمامة الكبرى التي لا يجوز للمرأة توليها ومن أجاز حكمها في الأموال فتشبيها قياسا على جواز شهادتها في الأموال، ومن رأى حكمها نافذا في كل شيء - الطبري - قال أن الأصل هو أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز إلا ما خصصه الإجماع من عدم جواز توليها الإمامة الكبرى»(29 )
فالمالكية ردوا إمامة المرأة مطلقا سواء في الصلاة، أو في الأمور السياسية، أو القضاء لعموم الحديث النبوي( 30)، وكذلك الحنابلة فلم يجيزوا لها حتى القضاء. قال ابن قدامة: «ولأن القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، ليست أهلا للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهن رجل، وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن 
خاتمة
يلاحظ مما سبق في كلام أئمتنا رحمهم الله وتعليلاتهم التي بها منعوا إمامة المرأة ما يهينها، وقد كرمها الله تعالى، وكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان سادتنا العلماء اتفقوا على عدم جواز تولي المرأة للإمامة العظمی، فإنهم اختلفوا فيما سوى ذلك، فأجاز بعضهم لها تولي القضاء، وتولي بعض المسؤوليات السياسية والمالية، لكنها عند عدد من العلماء: ناقصة عقل، لا تصلح لتولي مناصب الولاية العامة
وهنا نتساءل عن مجال المسؤولية السياسية عند المرأة !؟ فأقول بأن المرأة لها حق المسؤولية في المجالس النيابية، والسفارات، وكل المسؤوليات السياسية ما عدا الإمامة العظمی وقوفا مع الحديث النبوي الشريف. أما عن المشاركة السياسية وتمثيل الأمة في المجالس النيابية التشريعية فلها تأصيل في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سيرته العطرة

هوامش الدراسة

  1. سنن الدارمي، کتاب الطهارة، باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.
  2. فتح الباري، کتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين.
  3. سورة البقرة 281.
  4.  كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، وقد أورد بعض شارحي السنة روايات شاذة تدعي استحباب مخالفة المرأة بعد مشاورة.
  5. سورة آل عمران الآية 195.
  6. سورة الحديد الآية 12.
  7. سورة الأحزاب الآية 35.
  8.  لسان العرب مادة فطر.
  9. رواه الشيخان وغيرهما زاد البخاري في روايته: فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسونَ فيها من جدعاء؟ الجدعاء هي التي قطع منها عضو. عند مسلم: فهل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها.
  10. أجنحة المكر الثلاثة للميداني، ص 590.
  11.  المستدرك على الصحيحين للحاكم، 430/2
  12. ابن قايماز الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوی، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، الطبعة الأولى، 1963م، 446/3
  13.  البيهقي، شعب الإيمان، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 2003م 90/4  
  14. سورة العلق آية 1
  15. صحيح البخاری، کتاب الاعتصام بالكتاب والسنة،، باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس براي ولا تمثيل 7310: صحیح مسلم، کتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت الله ولد فيحتسبه، رقم: 2633.
  16. مجلة الجامعة الإسلامية بالمديه الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 2678. ينظر الرابط التالي:
  17. www.mojtamai.com/book/almaktabah/book 18/home/1/77-c4/2678------20
  18. نظر، إهانة الإسلام للمراة والرد على المدافعين، م س
  19. ابن العربي، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 2003 م 277/4
  20.  ينظر: قصة المرأة في الإسلام...، م س
  21. الإسلام في قفص الاتهام، لشوقي أبو خليل، ص 258
  22.  المغني لابن قدامة، 40
  23.  ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد بير البكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 ه، 98/19
  24. ينظر فتوى الشيخ المغراوي المغربي حول جواز زواج بنت التاسعة وأثير حولها على الرابط التالي:
  25. http://www.hespress.com/videos/8344.html
  26. ينظر على سبيل المثال لا الحصر، ابن القيم، إعلام الموقعین عن رب العالمین، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م، 157/4
  27.  ينظر: إهانة الإسلام للمرأة والرد على المدافعين، مس.
  28.  صحيح البخاري، کتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، رقم: 4425.
  29.  بداية المجتهد لابن رشد، 2/ 440.
  30. المغني لابن قدامة، 10/ 36. ينظر أيضا: أبو عبد الله المالكي، منع الجليل شرح مختصر خليل، دار الفكره بیروت، 1989م، 259/8

 

إعمال فقه الأولويات في قضايا المرأة
Partager cet article
Repost0
10 août 2024 6 10 /08 /août /2024 17:33
تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة

بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

د.طريق زينونDR.Tarik zinoun*

دراسة محكمة

*أستاذ مبرز، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس

الملخص:  

يعد مسعى النهوض بالتعليم هما عالميا، دفع الكثير من الدول – وفي مقدمتها المغرب - إلى تأسيس أجهزة بحثية وإدارية متخصصة لتطوير نظمها التعليمية، وحل المشكلات التي ترتبط بها. لهذا الغرض عرف مسار التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالمغرب مؤخرا إصلاحا جديدا في ظل صدور خارطة طريق للإصلاح (2022-2026م). يروم هذا الإصلاح توحيد مسار التكوين وإعداد هندسة تكوينية متطورة لتأهيل أطر هيئة التدريس، لتصبح قادرة على امتلاك كفايات ومؤهلات علمية وبيداغوجية، تؤهلها إلى أداء رسالتها على الوجه الأقوم، وتسعفها في بناء التعلمات والارتقاء بكفايات المتعلمين وقدراتهم ومهاراتهم بناءً على جملة من المعايير.

وقد أسهمت فرق البحث والتكوين والتطويرفي تجديد عُدّة تكوينية تشمل إنتاج بطاقات واصفة ومطبوعات ووضعيات تكوينية وتقويمية؛ تخص كل المجزوءات والورشات المدرسة في المراكز الجهوية. ولا شك أن تجديد عدة التكوين يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق الحكامة التأهيلية لأطر التدريس، وضمان جودة تكوينها للرقي بالمنظومة التربوية التي يظل إصلاحها مشروطا بالعناية بمسار التكوين الأساس والمستمر للمدرسين.

من خلال هذه الورقة العلمية سأحاول تسليط الضوء على خلفيات تجديد عدة التكوين الخاصة بالسلك الابتدائي وأهميته، وبيان أهدافه وغاياته، والإجراءات العملية المصاحبة؛ لتفعيله على أرض الواقع. واستقراء سبل نجاحه أيضا، وبيان أهم العوائق التي يمكن أن تعترض سبيل هذا التجديد على مستوى التطبيق والأجرأة.

مفاتيح البحث:

التجديد- عدة التكوين- الجودة- التأهيل- المدرسون- منظومة التربية والتكوين.

:Résume

L’enjeu de la promotion de l’éducation est un défi universel. Tous les pays, y compris le Maroc; ont créé des dispositifs de recherche et des dispositifs administratifs spécialisés pour développer leurs systèmes éducatifs et résoudre les problèmes qui leur sont associés.

À cette fin, les centres régionaux d’éducation et de formation du Maroc ont récemment connu une nouvelle réforme.  En se référant à la feuille de route pour la réforme (2022-2026), cette nouvelle approche vise à normaliser les formations au sein des CRMEF et à  élaborer un nouveau dispositif de formation qui permettra de doter les cadres du personnel enseignant  de compétences professionnelles et de savoirs scientifiques et pédagogiques; ce qui les rendront aptes et qualifiés à accomplir parfaitement leurs missions et les aider à développer les apprentissages et à améliorer les capacités, les aptitudes et les compétences des apprenants.

Les équipes de R&D ont contribué à la rénovation de plusieurs modules de formation par la production de syllabus relatifs à tous les modules présentés au CRMEF, et l’élaboration de situations de formation et d’évaluation. Il ne fait aucun doute que la rénovation au niveau de l’ingénierie de formation constitue une base essentielle pour garantir la qualité de formation des enseignants. La réforme reste tributaire de la formation initiale et continue des enseignants.

A travers ce document scientifique, on mettra en évidence les nouveautés concernant le dispositif de formation des enseignants du primaire. On essaiera d’éclaircir ses objectifs, les attentes et les situations pratiques qui l’accompagnent et les rendre opérationnelles. On tentera d’identifier les obstacles éventuels les plus importants qui pourraient entraver la réalisation des objectifs de cette réforme.

Clés de recherche :

Renouvellement – dispositif de formation - Qualité - Qualification - Enseignants – réforme - Système d’éducation et de formation.

 

 المقدمة:

يتوقف تقدم الأمم والحضارات على النهوض بالمدرسة، وبأوضاع منظومة التربية والتكوين، والعناية بأدوار مختلف الفاعلين فيها؛ خصوصا المعرفية والمهنية والأخلاقية. ولهذا "ترتبط إحدى أهم مسلمات التقدم والتنمية المجتمعية بالمسألة التعليمية شديد الارتباط، بما يعني أن حظوظ أي برنامج تنموي تقل بقدر ما تسوء أو تسلم المنظومة التعليمية، سواء من حيث النوعية أو من حيث التعميم والانتشار، ومن هنا فإن كثيرا من معايير التصنيف الدولية للمجتمعات في سلم التنمية والتقدم، تستند في عمليات التقييم إلى الوضعية التعليمية في أي بلد" (مبارك ربيع، نحن والتربية:287). فالمعول عليه في عملية التقدم والتنمية هو مدى الاهتمام بالمدرسة وعناصرها وأقطابها الكبرى، وفي مقدمتها العناية بالعنصر البشري وتكوينه التكوين الملائم المنفتح، وضبط استراتيجيات تأهيله، من أجل حكامة جيدة.

 من أجل ذلك؛ تحتاج عملية صناعة المدرس الجيد والناجح في ممارساته وأدائه المهني بذل جهود كبيرة ومضنية أحيانا في مجال التكوين الأساس والمستمر والتأهيل المعرفي والمهاري والبيداغوجي والأخلاقي؛ حتى يتملك الكفايات المهنية القادرة على الرفع من جودة قطاع التربية والتكوين، وإحداث نهضة حقيقة للمنظومة التربوية برمتها، ومن ثم تحقيق التنمية المجتمعية المنشودة. وهو ما يقتضي الانتقال من نموذج المدرس المطبوع إلى نموذج المدرس المصنوع الذي تتأسس ممارساته الصفية على أسس علمية وبيداغوجية متينة، وعلى معايير تكوينية ومهنية واضحة، تترجمها عدة تكوينية جيدة.

وتتسم عملية صناعة المدرس بالجدة والاستمرارية والحركية؛ يفرضها عصر التفكير والإبداع والانفتاح والتأمل الواعي في الممارسة الواقعية داخل الفصول الدراسية. وما لم ندرك هذه التحديات ستبقى عملية تأهيل المدرس وصناعته عملية إعادة إنتاج ما هو قائم. وقد تنحرف عما هو إيجابي ومميز فيها، إذا لم نسع إلى تعديل الممارسات الصفية والتفكير في ممارسة واعية متبصرة. ويبقى هذا كله متوقفا على تغيير تصوراتنا للأداء التدريسي، وبناء معتقدات ونماذج جديدة حول الممارسات المهنية المرغوب فيها؛ بهدف تحسين الجودة في الأداء المهني والممارسة الصفية. وبهذا التصور يكون المدرس قادرا على الرفع من نسبة النجاح لتلاميذه، والإسهام في تنمية مجتمعه الذي سيغنم ثمار نجاح المؤسسة التربوية ككل.

ولا شك أن تجديد هندسة التكوين بالمراكز الجهوية تأتي في هذا الإطار، تنزيلا للرؤية الاستراتيجية (2015-2030م)، ولمضامين القانون الإطار 51.17، ولخلاصات النموذج التنموي، ولخريطة طريق الإصلاح (2022-2026م). ويهدف هذا النفس الإصلاحي التجديدي المنشود إلى تخريج مدرسين ذوي خبرة وكفاءة عالية، قادرين على تهيئة المتعلمين وتنشئتهم التنشئة الواعية المتوازنة لبناء مجتمعهم والنهوض به في جميع المجالات، وذلك من خلال تمكينهم من التعلمات الأساس وتجويدها، لتنمية ذاتهم، والاستجابة لحاجات التنمية المجتمعية؛ بكل أبعادها اللغوية والروحية والفكرية والمادية، والاندماج في القطاعات المنتجة.

 فالغاية الكبرى من تجديد هندسة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين تتحدد في بناء كفايات تدريسية متميزة لدى الطالب الأستاذ؛ بحيث يصبح قادرا على التحكم في المعارف الخاصة بمواد التخصص، وملما بنظريات التعلم وطرق التدريس، ومتمكنا من بناء التعلمات تخطيطا وتدبيرا وتقويما، واستثماره أهم الطرائق والأساليب والنظريات البيداغوجية في أثناء التدريس، مع الانفتاح على محيط المتعلم السوسيوثقافي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق يكون التحكم في عملية التدريس المدخل الأساس لترجمة أهداف إصلاح المنظومة التربوية.

أولا: دور المراكز الجهوية في صناعة المدرس:

تعد المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بناء على المرسوم الوزاري المحدث والمنظم لها، رقم 2.11.672، الصادر بتاريخ 23/دجنبر/ 2011 مؤسسات لتكوين الأطر العليا، تخضع لوصاية السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم المدرسي. فهي مكون رئيس في منظومة التربية والتكوين، تتولى مهمة تأهيل أطر هيئة التدريس معرفيا ومهنيا وأخلاقيا. وتعمل على تجديد موارد المنظومة التعليمية من خلال التأهيل وإعادة التكوين الأساس والتكوين المستمر، كما تسهم بقسط وافر في عملية البحث العلمي والتجديد التربوي ونشر المعرفة، فضلا عن الإشعاع الثقافي والعلمي. فالمراكز الجهوية تسهم بقدر كبير في تنمية الكفاءات البشرية، وتمثل سندا قويا للدفع نحو الارتقاء بعملية التدريس والتحكم فيها، وتوفير الشروط اللازمة لنجاح المدرس في أداء أدواره المختلفة.

وعلى الرغم من هذه الوظائف المتميزة والرائدة التي تؤديها المراكز، إلا أن وضعها لا يزال يعرف مجموعة من الاختلالات والضبابية إداريا وماليا ووظيفيا، مما يتطلب التفكير فيها والوعي بها، وإيجاد حلول عملية لها، تحافظ على هويتها التربوية والعلمية واستقلاليتها التدبيرية والتكوينية. وعلى هذا الأساس "يمكن للمراكز الجهوية أن تكون فاعلا متميزا وشريكا حقيقيا في التنمية المحلية والجهوية، شريطة تأهيلها للنهوض بوظائفها الأساسية وملاءمتها لحاجات المحيط ومشاريع التنمية المحلية والجهوية للمؤسسات المنتخبة، ومخططات المصالح الإقليمية لمختلف الوزارات" (عبد السلام الرجواني، مؤسسات تكوين الأطر التعليمية ودورها في التنمية المحلية: ص87).

ولكي تؤدي المراكز الجهوية هذه الوظائف على الوجه الأقوم، ينبغي اتباع استراتيجية تدبيرية جديدة وحكيمة، تقوم على احترام مبادئ الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتنفيذ مقتضيات القانون 00/01، ونهج حكامة تكوينية جديدة، قوامها الاستثمار في التكوين وتحفيز هيئة المدرسين، والارتقاء بمستوى كفاءاتها وتأطيرها وفق معايير جديدة وناجعة، ويبقى هذا كله رهينا بوجود قناعة لدى المسؤولين عن قطاع التربية والتكوين. ومن ثم "إذا تحقق الاقتناع التام بضرورة التكوين وأهميته في صناعة المدرس المطلوب لمدرسة المستقبل، فإن عمل التكوين داخل هذه المؤسسات يتم عبر مجموعة من الواجهات، لا بد أن تحضر بدورها لتأهيل هذه المراكز للقيام بمهامها على أحسن صورة، وتؤدي بذلك المهام التي أسست من أجلها وهي توفير مدرسين ذوي خبرة عالية للعمل في ميدان التعليم كل حسب سلكه وتخصصه"، (محمد بازي، صناعة التدريس ورهانات التكوين: ص 114).

وتتحدد هذه الواجهات أو الرافعات في ضرورة أن تتحكم مراكز التكوين في معايير ولوج مهن التدريس بناء على مواصفات ومحددات دقيقة وواضحة، من أجل ضمان وحدة معايير القبول والدخول إليها، كما تتطلب العملية كذلك تحيين مصوغات التكوين وتجديد هندسته؛ بما يسعف في توحيد الرؤى والتصورات ومنهجيات العمل والاشتغال، وضبط مرجعيات التكوين والتأهيل أيضا التي من شأنها أن ترسخ مبدأ المهننة، وتضمن التوفر على برامج تكوينية وتدريبية على مستوى واحد، وهناك واجهة التسيير التي تساعد هذه المراكز على الانفتاح على محيطها، وتجعلها قادرة على إحداث شراكات فاعلة مع مختلف الهيئات والمؤسسات التي قد تغني تجربتها جهويا ووطنيا، مع ضمان الاستقلالية في التدبير والتسيير، ولا يجب أن نغفل عن واجهة البحث العلمي والإشعاع التربوي والثقافي، بحيث لا مناص من إعطاء صلاحيات كبرى للمراكز لاقتراح برنامج تكوينات مستمرة للأساتذة والإداريين، وتتبع المسار المهني للمتخرجين، واقتراح مواضيع وقضايا للبحوث العلمية التدخلية، وهكذا تسهم في التكوين المستمر وفي اكتساب المهارات التدريسية المتجددة، (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد، تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، تقديم يونس الصالحي، ص 116-120).

ولا شك أن هذه الواجهات تتقاطع مضامينها وأهدافها مع ما نص عليه تقرير النموذج التنموي الجديد، الذي أكد على ضرورة:

  • التحسين الجوهري لجودة تكوين المدرسين الأساس؛ وتمكينهم من تكوين مستمر منتظم وإشهادي، يعزز قدراتهم المهنية. وهذا التحسين يبقى رهينا بضرورة تحديث الهندسة التكوينية لمهن التدريس؛
  • بناء تصور مسار مهني جديد، يهدف إلى تقوية جاذبية مهنة التعليم لدى الطلبة المتفوقين، واعتماد مبدأ إمكانيات الترقي القائم على تطوير الأجرة من خلال ربطها بالنتائج، وهكذا سيؤخذ بعين الاعتبار الأثر الملحوظ على تعلمات التلاميذ وجودتها، (ينظر المرجع السابق: ص127-128).

في هذا السياق يمكن القول إن عملية التكوين هي عملية صناعة المدرس التي تمثل المدخل الأساس لترجمة أهداف إصلاح المنظومة التربوية على مستوى الممارسة الميدانية. وتستهدف هذه العملية استكمال مهنيته وتأهيله تربويا، وهي معبر سيار لممارسة مهنة التدريس بوعي وتبصر، من خلال تملك مختلف النظريات التربوية وتطبيقاتها العملية، ومسافة معرفية ومنهجية، تروم بناء منهجية التفكير لدى المدرس، والإعلاء من الاتجاهات الإيجابية تجاه المهنة والمحيط التربوي، والقدرة على التواصل والحوار، يقول محمد بازي في هذا المقام: "التكوين هو الأرضية الحقيقية التي تتبلور عليها خرائط صنع الواقع التربوي الذي نعيشه جميعا، نؤثر فيه ونتأثر به، في اتجاه المستقبل المليء بالتحديات. ولذلك لا بد من ملامسة القضايا الأساس التي تتحكم في فعاليته ومردوديته من أجل ربح رهاناته. وهو ما يتطلب فتح نقاش دائم حول ثوابته ومتغيراته، مجالاته وحدوده، وظائفه وإمكانياته والإكراهات العملية التي يعانيها. مواصفات مدخلاته ومخرجاته، وكل ما يرتبط بصناعة المهنية العالية عند الممارسين"، (محمد بازي، صناعة التدريس: ص 105-106). فالتكوين الجيد والصلب هو المدخل لكل نهضة تربوية ومجتمعية، وهو ما يفرض ضرورة التقيد والامتثال لمعظم التوجيهات والتوصيات التي يقدمها المشتغلون في الحقل التربوي والتكويني والخبراء المهتمون بقضايا التربية والتكوين. ومن هذا المنطلق أصبح التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين مسلكا رئيسا لاكتساب المدرس أهم الكفايات المهنية والوعي برسالته التربوية.

ويظل المدرس في حاجة ماسة إلى التكوين الأساس والمستمر، الذي يعد أحد أهم الوسائل التي تساعد على تحسين الأداء والرفع من نسبة الجودة في مجال التربية والتكوين، مما يفرض الوعي بالدور الجديد للمدرس القائم على التعليم النشط والشامل، وهذا الأمر يحتاج إلى حزمة من الإجراءات والإصلاحات التي تستهدف مهنة التعليم؛ بوصفها عملا محترما ورائدا داخل النسق المجتمعي، وعبر قناتها تتحقق التنمية في مختلف المجالات، والأمر يحتاج إلى العمل المنضبط بمعايير علمية ونماذج تكوينية متطورة. وفي هذا الصدد نميل إلى التأكيد على أن "التكوين المفروض توفيره للمدرسين المبتدئين، خاضع لعدة معايير للمهننة. والتي يتجاذبها قطبان أساسيان؛ قطب يهم معايير النمو المهني المؤسساتي. وقطب ثان؛ يهم بالأساس مدى تدخل العنصر الذاتي، أي أداء المدرس، ومعايير جودته الوظيفية والأخلاقية، ورغبته في تنمية القدرات المهنية لديه، عبر التعلم المستمر والتكوين الذاتي. الأمر الذي قد ينعكس بشكل إيجابي على مسألة المهننة لدى الأساتذة المتدربين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين"، (المهدي أكزول، الكفايات المهنية لأساتذة الغد: بين تجربة الدراسة الجامعية وحقيقة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.: ص44).

ولا يمكن أن نغفل في هذا السياق أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين قد دعا إلى التركيز على مبدأ المهننة في التكوين الذي يعد مدخلا أساسيا للنهوض بأدوار الفاعل التربوي، ولن يتحقق هذا المبدأ إلا بامتلاك المدرس جملة من الخصائص والمهارات القائمة على مؤهلات معرفية وتربوية ومهارية، تسعف في أداء مهامه التدريسية على أفضل وجه، وهو ما يفرض الاستناد إلى المرتكزات والمقتضيات التالية:

  • ضرورة تحديد المهام والأدوار المرتبطة بمهن التربية والتكوين؛
  • تشجيع كل المبادرات لدى الفاعل التربوي الرامية إلى تحسين جودة المدرسة، في احترام تام للتوجيهات الرسمية وهندسة التكوين المعتمدة؛
  • جعل التكوين الأساس إلزاميا وممهننا؛
  • نهج تكوين مستمر طيلة المسار المهني للفاعل التربوي؛
  • التدبير الناجع للمسار المهني، يقوم على المواكبة والتقييم والترقية المهنية، على أساس المردودية وجودة الأداء؛
  • الحفز المادي والمعنوي للفاعل التربوي؛
  • الموازنة بيان أداء الواجب والتمتع بالحقوق. (عبد الكريم غريب، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح في أفق 2015-2030، المنطلقات والمرجعيات والأسس: ص 188-189).

ويظهر من خلال هذه المقتضيات أن الفعل التدريسي يجب أن يؤطر بجملة من المعايير والضوابط البيداغوجية التي تسهم في بناء مبدأ المهننة وترسيخه وتجويده لدى الفاعل التربوي، يحتكم إليها بدءا من مرحلة التحاق الطلاب المتدربين بكليات علوم التربية، وأثناء التدريب والتكوين بالمراكز الجهوية، ثم يرجع إليها بعد الانتهاء من التدريب لتتبع نموهم المهني ومزاولتهم مهنة التدريس وتتجلى هذه المعايير حسب محمد الدريج: (محمد الدريج، هندسة التكوين الأساسي للمدرسين وتمهين التعليم: ص 10- 61).

  • معايير الاختيار للالتحاق بمؤسسات التكوين والإعداد؛
  • معايير الإعداد لمهنة التعليم؛
  • معايير مزاولة المهنة؛
  • معايير الإشراف التربوي؛
  • معايير التدريب والتكوين الذاتي والتعليم المستمر؛
  • معايير التطور واستشراف المستقبل؛
  • المعايير الأخلاقية؛
  • معايير جودة الأداء التعليمي.

ومن هذا المنطلق فإن تحديث فلسفة التكوين وهندسته بالمراكز الجهوي لمهن التربية والتكوين؛ يجب أن ينطلق من فرضية مؤداها أن التدريس هو علم وفن قائم على معرفة عامة نظرية وممارسة واقعية، يخضعان لقواعد ومعايير تصقل التجربة الذاتية للمدرس عبر مساره المهني، وتجعلها تجربة علمية مضبوطة بضوابط علمية، تتأسس على تقاسم التجارب والممارسات الواعية الناجحة وعلى العمل التشاركي التعاوني وعلى التكوين الذاتي والتعلم المستمر لبناء المهارات والخبرات التدريسية. ومن ثم "يفترض الرهان على التكوين الأساسي أو المستمر، النظر إلى التعليم، ليس كفن أو حرفة بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما بوصفه علما عمليا. فكما هو معلوم، تكمن أهمية علوم التربية في ما تبدعه من نظريات حول التعلم، ينطلق منها المدرس لوضع تصوراته حول الممارسة التعليمية، والتخطيط لها، وتدبيرها وتقويمها. يتعلق الأمر، إذن، بالنهل من المعرفة العلمية، المتوفرة حول طبيعة النمو والتعلم عند الطفل أو المراهق، من أجل خلق ممارسة تعليمية ملائمة"، (فوزي بوخريص، الممارسة المهنية في حقل التعليم بين الإبداع والتقليد: ص39). وفي ضوء هذا المعطى يلزم تطوير وظائف المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، بما يلائم طبيعة الرؤى والتصورات الإصلاحية التي ينشدها المجتمع المغربي، فيترتب عن ذلك لزاما تحديث المناهج والعدة التكوينية، وأساليب وطرق التكوين.

ولذلك تسعى المراكز الجهوية للتربية والتكوين وفق رؤية تكوينية واضحة إلى إنماء أربع كفايات رئيسة تتجلى في:

  • تخطيط أنشطة التعليم والتعلم؛
  • تدبير التعلمات وفق تخطيط مسبق؛
  • تقويم تطور كفايات المتعلمين؛
  • البحث والتجديد من خلال الممارسة الميدانية.

كل ذلك يوضح أن تحقيق التنمية المجتمعية، يبدأ بالنهوض بالمدرس والتفكير في صناعته صناعة معرفية وعلمية ومهنية ترفع من جودة أدائه المهني؛ فعلى المدرس يتوقف تنفيذ السياسات التربوية وكل مشاريع الإصلاح التعليمي، كما أنه هو الذي يقدم الصورة الذهنية المثالية للمتعلم عن الإنسان الصالح والمثابر، "وقد دل ما لا يحصى من التجارب والمعطيات على أن المعلم الجيد يستطيع ترك أثر طيب في نفوس طلابه ولو كان المنهج المعتمد والكتاب المقرر هزيلا، كما دلت التجارب على أن جودة المناهج والمقررات ستكون محدودة الأثر حين يكون المعلم ضعيفا في استعداداته، أو سيئا في أخلاقه وتعامله مع طلابه"، (عبد الكريم بكار، التعليم من أجل الريادة: ص 84-85).

تابع

 

تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين
Partager cet article
Repost0
10 août 2024 6 10 /08 /août /2024 14:36
تتمة-تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة

بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين

د.طريق زينونDR.Tarik zinoun*

دراسة محكمة

*أستاذ مبرز، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس

تتمة:

الملخص:  

يعد مسعى النهوض بالتعليم هما عالميا، دفع الكثير من الدول – وفي مقدمتها المغرب - إلى تأسيس أجهزة بحثية وإدارية متخصصة لتطوير نظمها التعليمية، وحل المشكلات التي ترتبط بها. لهذا الغرض عرف مسار التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالمغرب مؤخرا إصلاحا جديدا في ظل صدور خارطة طريق للإصلاح (2022-2026م). يروم هذا الإصلاح توحيد مسار التكوين وإعداد هندسة تكوينية متطورة لتأهيل أطر هيئة التدريس، لتصبح قادرة على امتلاك كفايات ومؤهلات علمية وبيداغوجية، تؤهلها إلى أداء رسالتها على الوجه الأقوم، وتسعفها في بناء التعلمات والارتقاء بكفايات المتعلمين وقدراتهم ومهاراتهم بناءً على جملة من المعايير.

وقد أسهمت فرق البحث والتكوين والتطويرفي تجديد عُدّة تكوينية تشمل إنتاج بطاقات واصفة ومطبوعات ووضعيات تكوينية وتقويمية؛ تخص كل المجزوءات والورشات المدرسة في المراكز الجهوية. ولا شك أن تجديد عدة التكوين يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق الحكامة التأهيلية لأطر التدريس، وضمان جودة تكوينها للرقي بالمنظومة التربوية التي يظل إصلاحها مشروطا بالعناية بمسار التكوين الأساس والمستمر للمدرسين.

من خلال هذه الورقة العلمية سأحاول تسليط الضوء على خلفيات تجديد عدة التكوين الخاصة بالسلك الابتدائي وأهميته، وبيان أهدافه وغاياته، والإجراءات العملية المصاحبة؛ لتفعيله على أرض الواقع. واستقراء سبل نجاحه أيضا، وبيان أهم العوائق التي يمكن أن تعترض سبيل هذا التجديد على مستوى التطبيق والأجرأة.

مفاتيح البحث:

التجديد- عدة التكوين- الجودة- التأهيل- المدرسون- منظومة التربية والتكوين.

 

ثانيا:  رهان الجودة في هندسة التكوين الجديدة:

في البدء تجب الإشارة إلى أن الجودة في مجال التعليم تعني: "تقديم خدمة التربية والتعليم والتكوين في أحسن صورها من لدن متقنين لعملهم، مدربين مكونين أحسن تكوين، متمثلين لمواصفات جيدة، متوفرين على كفايات عالية متميزة، داخل مجالات عمل جيدة، وبطرق فعالة وبناءة، وباستعمال أحسن الوسائل وأحدثها، وبمناهج وبرامج تتوافق وحاجات المجتمع، وتخدم مقومات هويته الحضارية الإسلامية، وبأقل جهد وبأقصر وقت لفائدة المتعلمين"، (عبد الله ضيف، الجودة في التعليم سياق أم مساق؟ ص25).

أما هندسة التكوين؛ فهي "عبارة عن نشاط مخطط يهدف إلى إحداث تغييرات في الفرد والجماعة التي ندربها تتناول معلوماتهم وأدائهم وسلوكهم واتجاهاتهم وسماتهم الشخصية، بما يجعلهم لائقين لشغل وظائفهم بكفاءة وإنتاجية عالية. وتحدد هندسة التكوين مجموع الإجراءات المنهجية، في تمفصل منسجم مع معايير محددة، قصد تطبيقها لتصور عدة تكوين المدرسين، تمكن من بلوغ الأهداف المنشودة بشكل ناجع. إنها مجموع إجراءات منسقة منهجيا تسعى لتحقيق أهداف التكوين، فضلا عن تقويمها. وهذه الإجراءات هي:

  • دراسة وتحليل الحاجيات.
  • إعداد أهداف التكوين.
  • إعداد دفتر التحملات.
  • تصور لمشروع التكوين واختيار النموذج الملائم.
  • اختيار الطرق ووسائل التنفيذ.
  • التطبيق والتنسيق ومراقبة الإنجاز.

تقويم مدى تحقيق الأهداف وآثار التكوين"، (محمد الدريج، هندسة التكوين الأساسي للمدرسين وتمهين التعليم، ص 12-13).

 وهذه المراحل في حقيقتها ما هي إلا ترجمة فعلية لفكرة المشروع الذي يمر بمراحل هي التشخيص والتخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقويم. ولا شك أن تجديد تصور أو ممارسة علمية يقتضي الانتقال من نموذج علمي إلى آخر ينطلق من مدخلات واضحة، ويروم تحقيق مخرجات معينة عبر المرور بعمليات نوعية خاصة. لهذا كان المبتغى من تحديث هندسة التكوين وضع مرجعية تكوينية وطنية موحدة، توحد المفاهيم الخاصة بعناصر البطاقات الوصفية ومجزوءات التكوين، بهدف خلق انسجام بين مختلف مكوناتها. وعلى هذا الأساس تم وضع الهندسة الجديدة التي تراعي مجموعة من الأسس والمرتكزات والمرجعيات، وقد مكن هذا من بناء تصور شامل حول الهندسة التكوينية التي انطلقت من مواصفات مهنية خاصة التي يجب أن تتوافر في المدرس، مع الأخذ بعين الاعتبار المكتسبات والتغيرات الحاصلة في مجال التربية والتكوين وطنيا وعالميا.

فالغرض الشامل من تجديد الهندسة يتجلى في ملاءمة التعليم لخصوصيات المحيط، وهذا رهين بالتحسين المستمر في المدخلات والعمليات والمخرجات، وهي مفاهيم تركز بالأساس على العنصر البشري. وتروم تكوين مدرسين وفق تصور أو إطار شامل يعلي من قيمة الأداء الفاعل والمتواصل الذي يبنى على التكوين الأساس الجيد والتكوين المستمر المتجدد، هذا التكوين الذي يجب أن يغير نظرتنا إلى مهنة التعليم كما كانت في السابق، فالتطور السريع للمعارف يجعل من الضروري القيام بإعادة التأهيل والتكوين للمدرسين ولمعارفهم ولطريقة أدائهم داخل الفصول الدراسيىة. فلا شك أن جميع الفاعلين في حقل التربية يقرون بأن هناك نقصا يتعلق بتكوين المدرسين، ولذلك سيكون من الضروري والمهم مد المدرسين بثقافة تكوينية جديدة، تعزز من لياقة المدرس الوظيفية التي تفرض عليه الاستمرار في القراءة والتعلم والانخراط في الدورات التكوينية، وحضور ورشات التكوين ذات العلاقة بالتخصصات المعرفية في السلك الابتدائي. ((تتحدث وزارة التربية الوطنية اليوم عن بلورة  مشروع التدريس وفق مقاربة التخصص بالتعليم الابتدائي؛ استجابة لحاجات المنظومة التعليمية المتجددة ببلادنا، ورغبة في توفير تعليم ذي جودة عالية في المدرسة العمومية المغربية تحقيقا لمبدإ الإنصاف وتكافؤ الفرص الذي يعد محورا من محاور خارطة الطريق التي تضع مصلحة المتعلم على رأس أولوياتها)).

إن تحيين مصوغات التكوين وتحديثها أمر واقع لا مفر منه، يفرض إغناء وتطعيم ما هو قائم، وصياغته بما يلائم المستجدات التربوية، وتبسيط المفاهيم الإجرائية وتقديمها بوضوح إلى الأساتذة المكونين، بعيدا عن الخطابات النظرية المجردة، وربط التكوين بمواصفات الواقع التعليمي المغربي وإكراهاته، "ولكي يتحقق التكوين بفعالية كبيرة، يحسن إسناد المصوغات التي تصب في التخصصات الأكاديمية والعلمية للأساتذة المكونين إليهم لتكون الإفادة أكثر والمردودية أحسن، ثم انتهاج المرونة أثناء العمل بالمصوغات، وفسح المجال لاجتهادات المكونين واقتراحاتهم، مع مراعاة الأهداف الحقيقة للتكوين، والعمل على بلوغها عبر خلق أنشطة موازية في برامج التكوين دفعا لإجهاد المتدربين وإبعادا للملل عنهم، وعدم الاقتصار طيلة السنة على العدة"، (محمد بازي، صناعة التدريس ورهانات التكوين: ص 117).

ورافق تجديد هندسة التكوين إنتاج عدة تكوين تلائم سيرورة تطور منظومة التربية والتكوين وتواكبها. وتجدر الإشارة إلى أن عدة التكوين قد عرفت تطورا وتغييرات نوعية، خصوصا مع إحداث المراكز الجهوية سنة 2011م، وقد مرت بالمراحل التالية:

  • عدة تكوين وتأهيل أطر هيئة التدريس شتنبر 2012؛ أنتجت في سياق تفعيل المرسوم رقم 2.11.672، الصادر في 23 دجنبر2011؛ المتعلق بإحداث المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وتنظيمها؛
  • عدة التكوين الخاصة بفوجي 2016/2017، التي أنتجت لمواكبة اعتماد وزارة التربية الوطنية لمبدأ توظيف الأساتذة بموجب عقود من طرف الأكاديميات؛
  • عدة تكوين فوج 2018، أنتجت في سياق مواكبة التوظيف الجهوي لأطر الأكاديميات؛
  • عدة أو هندسة التكوين الجديدة التي انطلقت مع الموسم التكويني 2021/2022م.

 وفي إطار هذا الإنتاج والتحديث المتواصل لعدة التكوين، انتقل مجال التكوين الأساس من التركيز على النظرية ثم الممارسة إلى التكوين القائم على أنموذج عملي-نظري-عملي، فهو تكوين ممهنن يراعي الخصائص والمعايير التالية:

  • اتصاف التكوين بالعملية وتفعيل الأنشطة الميدانية؛
  • قيامه على الكفاية المهنية؛
  • اعتماد المقاربة المجزوءاتية؛
  • تكوين يطور الأداء المهني والمهارات والخبرات والكفايات التدريسية؛
  • تأكيده على أهمية المعارف للقيام بعملية التدريس؛
  • تكوين قائم على تحليل الممارسات والتبصر والتأمل في الممارسات الواقعية؛
  • تكوين يسهم في بناء تصورات للممارسات المرغوب تحقيقها مستقبلا وتجنب المعيقات والصعوبات التي تؤثر سلبا في الأداء المهني؛
  • إعلاء وحدات التكوين من جانب الأداء المهني؛
  • المزاوجة بين الوضعيات المهنية وتفعيل التحليل التفسير لهذه الممارسات والوضعيات. (وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، عدة التناوب المدمج، التكوين الأساس والمستمر لفائدة المدرسات والمدرسين، ص: 10-11).

ومن خلال هذه الخصائص، يتبين أن عملية صناعة المدرس في التصورات الجديدة، لا بد أن تتوافر فيها جملة من الشروط والمواصفات، لعل أبرزها امتلاك عدة معرفية قوية، والجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق، ثم التأمل في الممارسة التدريسية. فالمدرس الناجح هو المتمتع بكفايات معرفية وخبرات عملية، ويحرص دائما على التأمل الذاتي في عمله وعلى التعاون والتشارك مع زملائه في كل ما يهدف إلى الارتقاء بأدائه المهني. ومن هذا المنطلق فإن هندسة التكوين بالمراكز الجهوية للتربية والتكوين تعمل على تطوير كفايات المهنية للأساتذة المتدربين، "بالنظر إلى ثلاثة أبعاد أساسية، تلامس المعارف العامة والتخصصية للمتدربين من جهة، والكفايات المهنية التكوينية التقنية، التي يقوم عليها عمل المدرس من تخطيط وتدبير للتعلمات، ومن تقويم ودعم ومعالجة من جهة ثانية. بالإضافة إلى التركيز على البعد التبصري من خلال إنماء قدرة الأساتذة المتدربين على مساءلة ممارساتهم المهنية ونقدها، قصد التطوير والارتقاء بالأداء المهني التعليمي"، (المهدي أكزول، الكفايات المهنية لأساتذة الغد: ص53).

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن تجديد عدة التكوين وتطويرها جاء استجابة لمجموعة من الخلاصات وموجهات القانون الإطار الذي نص على مجموعة من العمليات والإجراءات التي يجب اتخاذها واتباعها للنهوض بالمنظومة التربوية، نذكر منها:

  • تجديد مهام وملاءمة المناهج والبرامج والتكوينات والمقاربات البيداغوجية المتعلقة بها؛
  • تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير؛
  • التكوين الأساس شرط لازم لولوج مهن التربية والتكوين؛
  • تحسين جودة التعلمات والتكوين وتطوير الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك؛
  • الرفع من نجاعة أداء الفاعلين التربويين؛
  • المراجعة العميقة والمستمرة والمنتظمة للمناهج والبرامج والتكوينات؛
  • تقوية التكوينات الممهننة؛
  • الترقية المهنية تتم على أساس الاستحقاق والإسهام في الرقي بالمدرسة المغربية.

لقد كان المبتغى من تطوير عدة التكوين هو تطوير التكوين الأساس لأساتذة التعليم الابتدائي، بمراعاة غايات النظام التربوي المغربي وأهدافه. وقد سعى فريق التطوير إلى تحسين هذه العدة، والانطلاق مما تراكم في مجال التكوين والتأهيل، فالتطوير يتضمن البناء على المكتسبات السابقة، والأخذ بالحسبان المتحقق الإيجابي من ذلك وتجاوز السلبي منه، ويتضمن الجديد المتجدد الذي من شأنه تطوير الممارسة المهنية، والذي هو المميز الأساسي لما يجب أن تكون عليه الهندسة الجديدة.

وهكذا جاء الاهتمام بإنجاز مخطط دعم مختلف المتدخلين في التكوين الأساس، فحصل التنسيق بين ثلاثة فضاءات للتكوين: الجامعات ممثلة في المدارس العليا للأساتذة والمدارس العليا للتربية والتكوين، والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

لقد مر تحيين عدة التكوين والتأهيل بمراحل لعل أبرزها:

  • تحيين الإطار المرجعي الخاص بأساتذة التعليم الابتدائي؛ من خلال تحديد الكفايات المستهدفة التي يجب أن يتحكم فيها المتخرج من المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين؛ مع ترصيد ما تراكم في التجارب التكوينية السابقة وتثمينه.
  • تطوير بطاقات التوصيف، حيث وضعت ورقة توصيفية لكل مجزوءة تتضمن العناصر التالية: الكفاية المستهدفة، والأهداف، والمستلزمات، وتنظيم الزمن، ومحتويات المجزوءة ومحاورها الكبرى، وصيغ العمل والأجرأة والتقويم؛
  • ثم تجريب مسودة المجزوءات المنجزة خلال الموسم التكويني  2021/2022م؛
  • تطوير النسخ المنجزة، انطلاقا من المعطيات التجريبية؛
  • ثم تتبع إنجاز المجزوءات في التكوين على مستوى المراكز الجهوية.

بناء على هذه الرؤية الواضحة، فإن النظام الجديد لتكوين المدرسين سيعرف مسارا جديدا، يبدأ من الجامعة، حيث سيتلقى الطالب تكوينا جامعيا، يؤهله إلى الحصول على الإجازة في التربية، تسمح له بالترشح لمباراة توظيف هيئة التدريس، وعند النجاح فيها، سيخضع لمدة سنة لتكوين نظري وعملي بالمراكز الجهوية لمهن التربية ومؤسسات التدريب، وبعد التصديق على وحدات التكوين واستيفائها، يعين الطالب أستاذا متدربا في السنة الثانية بمؤسسة للتعيين؛ حيث يتحمل مسؤولية القسم كاملة، يكلل بامتحان التأهيل التربوي، ليرسم بعد ذلك بعد النجاح في هذا الامتحان.

إن تنزيل هذا الإصلاح التكويني الجديد يخضع في حقيقته لمنهجية واضحة، تتجلى في البناء التدريجي للخبرة الوطنية والجهوية، واستحضار مبدأ التكامل بين ما هو مركز وجهوي وبين مختلف المؤسسات الفاعلة في التأهيل والتكوين، مع تقوية دور المؤسسة التكوينية بتفعيل المقاربة التشاركية والبحث والتجريب والتعديل وتقويم الاختلالات وسد الثغرات الممكن تسجيلها أثناء التنزيل، (عبد الله بوغوتة، إرساء المهننة في هندسة التكوين المطورة، عرض تأطيري، الناظور 18 يونيو، 2022).

وتتحدد مرجعيات هندسة التكوين الجديدة التي يرومها الإصلاح الجديد في:

  • المرجعية المهنية؛ حيث الانطلاق من تشخيص مهنة التعليم وتحليلها بسلك التعليم الابتدائي، وتحديد أدوار المدرس ووظائف المدرسة الابتدائية؛
  • مرجعية الكفايات؛ حيث تحديد الكفايات المهنية والمعرفية التي تعكس وتصور ملمح الأستاذ المتدرب ومواصفاته عند تخرجه؛
  • مرجعية التكوين؛ توضح مختلف الأنشطة التكوينية النظرية والميدانية؛ والتقاطعات بينها؛
  • مرجعية التقويم؛ تحدد كيفيات استيفاء وحدات التكوين، وطرق التقويم والمعايير المعتمدة في ذلك، (عبد الله بوغوتة، المرجع السايق).

وتنفيذا لتوجهات الرؤية الاستراتيجية التي دعت إلى جعل التكوين إلزاميا وممهننا، واعتبرته مقوما لولوج مهنة التدريس، وهو ما يفرض ضرورة حصول الراغبين في التدريس على شهادة صادرة من جهة رسمية، تسمح بمزاولة هذه المهنة، بهدف إعطاء قدر كبير من الاحترام والاعتبار للمعايير والشروط والمهارات التي يجب توفرها في المدرس الناجح، وإن تجديد مهن التربية والتعليم يحمل نوعا من الضمان لاستمرار أهلية المدرس ولياقته لأداء واجبه، كل ذلك يفرض حسب الرؤية الاستراتيجية "مراجعة مناهج وبرامج تكوين الأطر، والارتكاز على إرساء مسالك بتكوينات معرفية ومنهجية وبيداغوجية وديداكتيكية، وتوفير الوسائل اللازمة والأساتذة المتخصصين، والمزاوجة بين تحصيل معرفي متين منفتح بتنوع لغوي ومكتسبات بيداغوجية لازمة"، (عبد الكريم غريب، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح، ص: 191).

ونظرا للدور الفاعل الذي يؤديه الأستاذ المكون دعت الرؤية الاستراتيجية إلى:

"تمكينهم قبل ولوج المهنة من تكوين أساس، يشمل التخصصات اللغوية والمعرفية والبيداغوجية في مجالات التكوين التي سيشرفون عليها؛ وتنسيق برامج تكوين الأطر الإدارية والتربوية بين المدارس العليا للأساتذة والجامعات وكليات علوم التربية وخريجيها في مجال التكوينات والإجازات المهنية والماستر المهني المتخصص، من الخبرات النظرية في مجال علوم التربية ومقاربات التعلم ومنهجية البحث التربوي وتعميق التكوين العلمي المرتبط بالتخصص"، (عبد الكريم غريب، المرجع السابق: ص 191).

لقد رسمت الرؤية الاستراتيجية إذن؛ رؤية واضحة عن مسارات تكوين المدرسين وتأهيلهم بالمراكز الجهوية، من خلال تصورات نظرية واضحة ووسائل تطبيقية تدفع في اتجاه ترسيخ مبدأ المهننة واكتساب كفايات التدريس الأساس، وهو ما تكشف عنه الهندسة الجديدة التي تحتاج في نظرنا إلى إعادة تعديل وتقويم، خصوصا وأنها في مرحلة التجريب.

وتتأسس هندسة التكوين في فلسفتها الجديدة على جملة من المبادئ والمقتضيات، لعل أهمها:

  • اعتماد المقاربة بالكفايات إطارا منهاجيا لبناء عدة التكوين؛
  • اعتماد المقاربة المجزوءاتية المهيكلة لمنهاج التكوين؛
  • تبني التكوين بالتناوب، مع التركيز على الأنشطة  والوضعيات المهنية؛
  • اعتماد نموذج عملي-نظري- عملي؛
  • اعتماد البعد التبصري وتحليل الممارسات؛
  • استثمار التكوين الذاتي.

وقد أثمرت عملية تجديد هندسة التكوينية وتطويرها الوحدات والورشات التالية: وحدات دعم التكوين الأساس 1و2و3، والتخطيط والتدبير والتقويم وعلوم التربية والديداكتيك وتكنولوجيا المعلومات والتواصل تخص الأسدوس الأول. أما وحدات الأسدوس الثاني، فتتحدد في: ورشات الإنتاج الديدكتيكي 1و2و3، وورشات تحليل الممارسات 1و2و3، والأقسام ثنائية المستوى، والتشريع وأخلاقيات المهنة ومنهجية البحث التدخلي.

ثالتا:  ملاحظات عامة حول هندسة التكوين الجديدة:

يتبين من خلال ما عرضناه سلفا حول هندسة التكوين الجديدة أن التكوين االمنشود هو التكوين الذي يخضع لمعايير وضوابط المهننة، والقائم على مرجعية عقلانية وعلى معايير مهنية صارمة، فالتدريس مهنة ذات خصوصية تختلف عن غيرها من المهن والحرف. ويعد التكوين بالمراكز الجهوية تتويجا لمسار طويل من مراحل التعليم والتكوين، فيفترض في هذه المرحلة أن تصنع المدرس المكتمل في شخصيته، معرفيا ومهنيا وأخلاقيا، لأن التكوين مختلفة في طبيعتها عن المراحل التي تسبقها، فهي مرحلة بناء الكفايات المهنية التي تقتضي نوعا خاصا من المهارات ومعايير التكوين والتأهيل والكفاءة، وهي محطة مهمة في صناعة مدرس له دراية بما يحيط به من متغيرات، ويمتلك شبكة متعددة ومتكاملة من الكفايات. ويبقى هذا رهينا بعدة قوية وناجعة تنفتح على الخبرات الوطنية والدولية.

وقد دعت وزارة التربية الوطنية في مختلف وثائقها وتوجيهاتها فرق البحث والتطوير إلى التقيد بالمعايير العلمية والمهنية والبناء التشاركي الصاعد الذي تراوح بين لقاءات مركزية وأخرى جهوية وحضورية وعن بعد، وإلى ترصيد ورسملة التجارب والمنجزات السابقة واقتراح صيغ لتجويدها في أثناء إعداد الهندسة الجديدة؛ لأنها السبيل إلى إرساء آليات الحكامة الجيدة بالمراكز الجهوية. وعلى الرغم من ذلك فإن هذا المبتغى وهذا الرهان، قد تعترضه بعض العوائق والصعوبات في أثناء التصور والتنفيذ، كما يظهر من خلال عملية التتبع التي كشفت عن وجود إشكالات تعيق عملية التنفيذ الأمثل والأقوم، ولعل أهمها في تصوري:

  • تهميش الكفايات المعرفية في هندسة التكوين الجديدة؛ لأن شخصية المدرس تفترض توافر بعدين مهمين ومتضافرين في تكوينه، لا يغني أحدهما عن الآخر، وهما البعد المعرفي العلمي، والبعد المهني المهاري الذي يؤهله إلى خوض غمار التدريس؛
  • سقوط بعض المجزوءات في فخ التأطير النظري؛ خصوصا في الأسدوس الأول؛ حيث تم التركيز في بناء بعض المجزوءات على ما هو مشترك وعلى الخطوط العامة القائمة بين المواد المدرسة في السلك الابتدائي، على الرغم من وجود خصوصيات لكل مادة؛
  • تكرار مضامين معرفية  بعينها في بعض الوحدات التكوينية وتداخلها؛ وهذا يوضح إغفال مفهوم المادة التكوينية والرصيد التكويني في إطار الوحدة التي تشتمل عليها؛ والجهل بدور كل وحدة تكوينية وبمحتواها المعرفي والتكويني؛
  • غياب الاشتغال برؤية تكاملية، التي يمكنها أن تتجاوز ذلك التداخل والتكرار؛
  • تضخم عدد المجزوءات والورشات، مما يقلص من نسبة التكوين الذاتي للطالب المتدرب، ويقلل من فرص البحث الشخصي، خارج فضاء التكوين، مما ينعكس سلبا على جودة التكوين؛
  • غياب التوازن في توزيع المدد الزمنية على الوحدات والورشات؛ فقد تجد تعادلا وتساويا بين ورشة الإنتاج الديدكتيكي أو تحليل الممارسات الخاصة بقطب الإنسانيات وورشة الإنتاج أو تحليل الممارسات الخاصة بقطب اللغات مثلا، وفي هذا تقزيم للمواد الأساسية المدرسة بالسلك الابتدائي؛ كاللغات والعلوم؛
  • قصر الزمن المخصص للتكوين ولبعض الوحدات والورشات؛ مما يؤثر سلبا في جودة بناء الكفايات المهنية؛ فيتم السقوط في كثافة البرنامج التكويني؛
  • اقتطاع محاور من وحدات معينة، وجعلها وحدات أو ورشات قائمة الذات، أفرغها من محتواها ومضامينها التكوينية؛ كما هو الشأن لورشات الإنتاج الديدكتيكي وتحليل الممارسات، فهذه الورشات أفرغت مجزوءتي التخطيط والتدبير من محتواهما، فأصبحتا عبارة عن مضامين نظرية؛ ويوضح هذا النقص الحاصل في الاشتغال على مبدأ المهننة في أثناء الإعداد والتطوير؛
  • غياب الانسجام والتكامل الداخلي والمنهجي في مضامين بعض الوحدات والورشات.

هذه بعض الإشكالات التي تطرحها عدة التكوين الجديدة، مما يفرض التنسيق بين الأساتذة المكونين والارتكاز على الجهود الجماعية، لما تحمله من تعدد زوايا النظر وثرائها؛ لتجاوز تلك الثغرات والهفوات، ولما يمكن أن تطرحه من تصورات ورؤى وملاحظات، تحمل إمكانية تمحيص هذه العدة وتثقيفها وتهذيبها، وهذا أمر لا يسيء إلى عمل فرق البحث والتطوير، وإلى ما قدموه من مجهودات مهمة؛ لأن التحديث والتطوير من سماته الإيجابية المراجعة المستمرة، كلما اقتضت الضرورة ذلك، ولغاية بناء هندسة تكوينية ناجعة وجيدة تسهم بشكل فعال في التكوين الأساس للمدرس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.

الخاتمة:

خلاصة القول؛ إن توفير موارد بشرية مؤهلة معرفيا ومهنيا فرض تحديث هندسة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، بما يساير التحولات المادية والمعرفية والمعنوية التي تعرفها حياة المجتمع المغربي، وخاصة في حقل التربية والتكوين. وجاء هذا التحديث لتنفيذ وتنزيل ما دعت إليه مجموعة من التقارير والوثائق والخلاصات الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة التي تؤكد على أن أي إصلاح تربوي يتوقف على التكوين الأساس، والإعداد الجيد للمدرس؛ بوصفه الفاعل المباشر في العملية التعليمية التعلمية، والساهر على تنفيذ مشاريع الإصلاح. لهذا تتبعت هذه الورقة العلمية المسار الذي أخذته تجربة تحديث هندسة التكوين، وبينت المرجعيات والمبادئ والمعايير المؤطرة لهندسة التكوين بالمراكز الجهوية التي تروم صناعة مدرس المستقبل المنفتح، والمتشبع بأخلاقيات المهنة، والمتملك لأهم الكفايات المهنية تخطيطا وتدبيرا وتقويما، والمساير لأهم المستجدات التربوية والديدكتيكية.

وبهذا؛ إن التحكم في هذه الكفايات والمهارات سينعكس بلا شك إيجابا على الممارسات الصفية، وسيضمن تعليما ذا جودة عالية التي ينشدها الجميع. ولا ريب أن هذا الرهان قد استحضرته الفرق البحثية، وأخذته بالحسبان الهندسة الجديدة التي تمحورت مصوغاتها ووحداتها على مجموعة من الأبعاد التكوينية؛ لعل أبرزها البعد المعرفي الوظيفي، والبعد المهني والبعد التحليلي التبصري، وأجرأة هذه الأبعاد ستسعف في ترسيخ مبدأ المهننة في التكوين الأساس، شريطة توافر مجموعة من الشروط والظروف، التي تبقى متصلة بوضع المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين الإداري والتدبيري والوظيفي والعلمي، وبوضع تصور شامل لهندسة التكوين، يثمن ما تراكم من إيجابيات، ويتجاوز الثغرات والنقائص التي تعتري هذه الهندسة التي تبقى في حاجة إلى تصحيح وتجديد وتحديث.

مصادر البحث ومراجعه:

  1. عبد السلام الرجواني، مؤسسات تكوين الأطر التعليمية ودورها في التنمية المحلية والجهوية، مجلة التنشئة،  المجلد الأول، العدد الأول، أكتوبر 2005.
  2. عبد الكريم بكار، التعليم من أجل الريادة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة القاهرة، ط1، 2020.
  3. عبد الكريم غريب، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح في أفق 2015-2030، المنطلقات والمرجعيات والأسس، منشورات عالم التربية، ط1، 2017.
  4. عبد الله بوغوتة، إرساء المهننة في هندسة التكوين المطورة، عرض تأطيري، الناظور 18 يونيو، 2022.
  5. عبد الله ضيف، الجودة في التعليم سياق أم مساق؟ مطبوعات الهلال وجدة، ط1، 2005.
  6. فوزي بوخريص، الممارسة المهنية في حقل التعليم بين الإبداع والتقليد، دفاتر التربية والتكوين، المجلس الأعلى للتعليم، عدد مزدوج 8و9، يناير 2013.
  7. اللجنة الخاصة بالنوذج التنموي، النموذج التنموي الجديد، تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، تقديم يونس الصالحي، دار القلم العربي للنشر والتوزيع، ط1، 2021.
  8. مبارك ربيع، نحن والتربية، دراسة في استراتيجية التربية والتنمية، منشورات دار المعرفة، ط1، 2013.
  9. محمد الدريج، هندسة التكوين الأساسي للمدرسين وتمهين التعليم، منشورات مجلة كراسات تربوية، الجزء الأول، يوليوز 2020.
  10. محمد بازي، صناعة التدريس ورهانات التكوين، منشورات علوم التربية، العدد 23، ط1، 2010.
  11. المهدي أكزول، الكفايات المهنية لأساتذة الغد: بين تجربة الدراسة الجامعية وحقيقة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. مسلك الإجازة في التربية والشعبة المزدوجة للتعليم الابتدائي بتارودانت أنموذجا، ضمن المؤلف الجماعي: تجويد هندسة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين مدخل أساس للحكامة الجيدة، الناشر المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، برلين ألمانيا، ط1، 2020.
  12.  وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، عدة التناوب المدمج، التكوين الأساس والمستمر لفائدة المدرسات والمدرسين.

 

 

تتمة-تجديد هندسة التكوين ورهان الجودة بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين
Partager cet article
Repost0
11 juin 2024 2 11 /06 /juin /2024 22:53
انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السيو ثقافي: الأبعاد والدلالات

انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو- ثقافي:

الأبعاد والدلالات

دة.غزلان شهبون *

دراسة محكمة

*باحثة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس.

تقديم:

يولي الخطاب التربوي المغربي اهتماماً كبيرا لفاعلية المدرسة وأدوارها الطلائعية لتحقيق التنمية المستدامة والمنشودة، وتطوير كفايات الأفراد، وتنمية مستوى البنيات المجتمعية. وبحكم المتغيرات المتلاحقة التي مست طبيعة المعرفة والثقافة، فقد أصبح هذا السياق الدينامي يفرض على المدرسة الجديدة وظائف جوهرية،

فهي رافعة ودعامة استراتيجية للتنمية، ومركز جوهري في تحقيق الأمن والسلم الاجتماعيين.                                                          

 ونظرا لثقل هذه الوظائف وتعاظمها، أضحى لزاماً على المدرسة تبني فلسفة الانفتاح على المحيط بكل مكوناته، واعتماد منهج الإشراك والتشارك والتعاون، وتعزيز ثقافة التواصل، والدفع بكل المتدخلين التربويين للإسهام في أجرأة وظائف المدرسة وتحديد ممكنات العمل وشروطه، وذلك من خلال تعبئة كل الإمكانات المتوفرة لديها، لكسب الرهانات التنموية، وجعل المدرسة منفتحة على محيطها وعلى آفاقه الابداعية.

تعد المؤسسة المؤسسة إذن؛ فضاء للتربية والتكوين ومجالا للتنشئة الاجتماعية للمتعلمين. إلى جانب كونها مجالا للتواصل بين العديد من الفعاليات التربوية. قاسمها المشترك خدمة الناشئة المتعلمة، وتحفيزها على الاندماج السلس في بنيات المجتمع. إن الفضاء المدرسي يتسم بدينامية علاقاته وتشعباتها وتعدد أطرافها وتنوع آليات وظيفيتها ضمن نسق علائقي مركب. يقتضي تغليب الأبعاد التربوية بآفاقها الواعدة والإيجابية في عملية تدبير الشأن التربوي داخل المؤسسة المدرسية ضمن حكامة تربوية وإدارية وتشريعية جيدة. وتنهض عملية تجويد مخرجاتها على نجاح التدبير المعقلن للمنظومة التربوية، وتحسين الأداء للمؤسسة المدرسية، وتثمين كفايات قيادتها التربوية، في أفق تحقيق إنجاح عملية انفتاح المؤسسة على محيطها السيو ثقافي. ويمثل هذا الطموح التربوي تحديا ضمن بنيات هذا الورش الإصلاحي الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بتحسين أداء الإدارة التربوية، وتأهيل مواردها البشرية والمالية واللوجيستيكية، وتحيين العدة التشريعية وتناغمها، من أجل تسهيل عملية انفتاح المؤسسة المدرسية بمرونة وفعالية على محيطها السوسيو ثقافي.  

ما المقصود إذن؛ بانفتاح المؤسسة المدرسية على محيطيها السوسيو ثقافي؟ وما هي الأدوات الكفيلة بتحقيق هذا الانفتاح التربوي للمؤسسة المدرسية؟ وهل المحيط السوسيو ثقافي للمؤسسة المدرسية قادر على احتضانها؟ وما هي الأبعاد المنتظرة من هذا الانفتاح التربوي؟

أولا: تحديدات مفاهيمية:

  • المؤسسة المدرسية: 

تعد المدرسة مؤسسة مجتمعية حكومية هدفها إعداد الأجيال من المتعلمين (ات) بهدف تحقيق اندماجهم السلس في بنيات المجتمع. وهي الفضاء التربوي المناسب لتنمية كفاياتهم وتكوين شخصيتهم المتوازنة والمنفتحة على تطورات العصر ومقتضياته. وحينما نتحدث ضمن هذا المقال عن مفهوم المؤسسة المدرسية، نقصد بها كل المؤسسات التعليمية من ثانويات إعدادية وثانويات تأهيلية بالأساس، استحضارا لدور هذه النوعية من المؤسسات في التدبير الفعلي لمفردات المنهاج الدراسي بكل مكوناته، واعتبارا لطبيعة الفئة العمرية من المتعلمين(ات) وخصوصياتها النمائية، القادرة على تحقيق غايات هذا الانفتاح والتشبع بمبادئه.

  • المحيط السوسيو ثقافي:

المقصود به كل المكونات المادية واللامادية المحيطة بفضاء المؤسسة المدرسية، والتي يشكل انفتاحها عليه وتفاعلها الإيجابي معه فرصة لتوفير خدمات تربوية جديدة ومتميزة للمتعلمين (ات)، وكذا فرصة للمزيد من تجويد كفايات كل من الأطر الإدارية والتربوية، وإمكانا واسعا لتطوير أنشطتهم ومهاراتهم وكفايات بشكل مواز للجوانب النظرية التي يتم اكتسابها داخل فضاءات الفصول الدراسية (المعارض الثقافية – المتاحف – المكتبات – فضاءات الذاكرة – المآثر العمرانية التاريخية – المواقع الطبيعية...).  

  • الانفتاح: (الانفتاح كضرورة – الانفتاح كوسيلة – الانفتاح كغاية)

تاريخيا؛ استعمل مفهوم الانفتاح استعمالا وظيفيا – تجاريا في بريطانيا منذ القرن 17 (الحرية التجارية)، كما شاع استخدامه في المغرب للدلالة على السياسة الإصلاحية التي نهجها السلطان سيدي محمد بن عبد الله خلال النصف الثاني من القرن 18 باسم "سياسة الباب المفتوح" مع العالم الخارجي في المجالين الدبلوماسي والتجاري. ومن الميادين الديبلوماسية والتجارية انتقل مفهوم الانفتاح إلى المجال التربوي؛ حيث وظفه الباحثون والمهتمون بشكل مكثف في مجال التربية والتعليم، خاصة وأن العدة التشريعية والتنظيمية المؤثثة لمنظومة التربية والتكوين قد أعطته مكانة ودلالة بارزتين (الميثاق الوطني للتربية والتكوين – الرؤية الاستراتيجية – القانون الإطار – خارطة الطريق 2022 – 2026...). من هذا المنظور يمكن اعتبار الانفتاح ضرورة تربوية، ووسيلة، وكغاية.

- الانفتاح ضرورة تربوية: حيوية من أجل إضفاء طابع الوظيفية على أدوار ومهام المدرسة؛ من خلال انفتاحها وتفاعلها مع البيئة السيوسيو ثقافية القريبة منها في إطار طابع إيجابي.

- الانفتاح وسيلة: لتحقيق إشعاع المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو ثقافي، من خلال إشراك كل الفاعلين التربويين في تدبير شؤون المدرسة، لجعلها قادرة على التأثير في المجتمع المحلي، والاستفادة من خدماته التربوية. 

-الانفتاح غاية: ينبني على تصور شمولي، يقوم أساسا على ضرورة تجاوز الوظيفة الضيقة والتقليدية للمؤسسة المدرسية كمكان للتعلم والتربية فقط، لتمتد ووتتوسع وظيفة التأهيل والتنشئة الاجتماعية والإعداد المهني، من خلال إرساء علاقات جديدة مع محيطها السوسيو ثقافي. 

ثانيا: التشريعات الداعية إلى انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها: القيمة المضافة:

أصبحت عملية انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو ثقافي، عملية مركزية هادفة، وضرورة تربوية ملحة، تهدف إلى تجويد خدمات هذا المرفق التربوي لرواده من المتعلمين (ت)، وكذا للأطر التربوية والإدارية، وحفزها على التأقلم مع المتغيرات المجتمعية السريعة، ومع مسيرة الرقمنة، ومتطلبات بناء مجتمع المعرفة. هذه التحولات السريعة تفرض وجود عدة تشريعية وتنظيمية متنوعة وممأسسة كفيلة بتحقيق جدوى هذا الانفتاح وأهدافه.

لقد أشار الميثاق الوطني للتربية والتكوين ضمن مادته 9 (الميثاق الوطني للتربية والتكوين ص:11) إلى أهم أهداف المدرسة المغربية الوطنية الجديدة ضمن فضائها الداخلي، وطبيعة علاقاتها مع محيطها، إلى أن تكون:

أ- "مدرسة مفعمة بالحياة: بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي؛

ب-مدرسة مفتوحة على محيطها: بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة، والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن، مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي".

وضمن عمليةانفتاح المدرسة على محيطها وعلى الآفاق الإبداعية، نصت المادة 48 من الميثاق (الميثاق، ص ص : 25 – 26) على ما يلي :   

  • "تتعاون مؤسسات التربية والتكوين مع المؤسسات العمومية والخاصة التي بإمكانها الإسهام في تدعيم الجانب التطبيقي للتعليم وذلك بــــ:
  • تبادل الزيارات الإعلامية والاستطلاعية؛
  • تنويع المعدات والوسائل الديداكتيكية؛

-تنظيم تمارين تطبيقية وتداريب توافق سن المتعلمين ومستواهم الدراسي؛

-التعاون على تنظيم أنشطة تربوية وتكوينية (كتجريب منتجات أو خدمات أو تجهيزات أو طرائق تكنولوجية، أو إبداع وعرض أعمال مسرحية أو موسيقية أو تشكيلية أو غير ذلك".

وبالنسبة للرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015 – 2030): وتتويجا لهذا المسار التشريعي التنظيمي، نصت مبادئ هذه الرؤية، ضمن الرافعة 18 على تعزيز ربط مؤسسات التربية والتكوين بمحيطها، من خلال ما يلي (الرؤية الاستراتيجية، ص: 56):

- تقوية الروابط المباشرة والتواصل المنتظم مع الاسر، ومن خلال ممثلي الاباء والأمهات والأولياء، وإشراكهم في الفعل الثقافي والتدبيري؛

- تعزير الشراكات المؤسساتية والاستفادة من مختلف الخبرات الخارجية التي توفرها المؤسسات الاجتماعية، كالأسر والجمعيات المدنية والحقوقية، والمؤسسات الإنتاجية والمقاولات، والمؤسسات الإعلامية والثقافية والتأطيرية قصد إشراكها في بلورة مشاريع المؤسسة؛

-إسهام المدرسة في مد الجسور مع المحيط الخارجي، التي تتشكل من الفضاءات المرتبطة بمحيط المدرسة، والتي ترتادها أعداد كبيرة من التلاميذ والطلبة: الداخليات، المجمعات الرياضية، فضاءات البحث، مقاهي الأنترنيت، شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك من أجل ضمان حسن استعمالها، والإسهام في تحصينها من السلوكات اللامدنية، وتنمية قيم المواطنة، وتشجيع التواصل الثقافي والرياضي والفني.

         واهتمت خارطة الطريق (2022 – 2026) بهذا المنحى الانفتاحي، فقد ركزت هذه الخارطة ضمن هدفها الثاني على تعزيز التفتح والمواطنة:

"إن المدرسة فضاء للتفتح يكتسب فيه الأطفال القيم الوطنية والكونية وحس المواطنة وحب الاستطلاع والثقة في النفس، وتوسيع الاستفادة من الأنشطة الموازية وأنشطة الحياة المدرسية". 

 وبالنسبة لدلائل الحياة المدرسية: فقد أشارت إلى أهمية انفتاح المؤسسة على محيطها الخارجي: (دليل 2008 – دليل 2019).

 "تشكل – الحياة المدرسية – جوهر عمليات التربية والتكوين، يلزم أن تكون أنشطتها المتنوعة مفعمة بالحياة ومنفتحة على كافة أبعاد ومكونات محيطها، حتى يتمكن المجتمع المدرسي من مواكبة مستجدات الحياة ومتطلبات التنمية، وتحقيق النمو المتكامل والمتوازن لشخصية كل متعلم بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء أو تهميش". (دليل الحياة المدرسية لسنة 2008 ص: 1).

كما يمكن للحياة المدرسية أن تمتد إلى فضاءات خارجية في إطار التعاون أو الانفتاح أو الشراكة التي تعقدها المدرسة مع مؤسسات أو جمعيات أو إدارات ذات طابع تربوي أو اجتماعي أو اقتصادي، وهي فضاءات من شأنها توسيع مجال الحياة المدر سية، وتحقيق الانفتاح المنشود للمؤسسة على محيطها. ومن بين هذه الفضاءات يمكن تعداد بعضها: كالمعارض الثقافية، والمتاحف، والمكتبات، وفضاءات الذاكرة، والمآثر العمرانية التاريخية...  (دليل الحياة المدرسية لسنة 2019: ص-ص: 72- 73).

عموما؛ أبرزت هذه العدة التشريعية والتنظيمية والتأطيرية أهمية انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها المحلي. لكن العمليات الإجرائية لهذا الانفتاح، ظلت بدون تحديد (الكيفية، الآليات، خطط الانفتاح، تتبع عمليات الانفتاح، تقييم مخرجات عملية الانفتاح...). وهو ما يطرح إشكالات كبرى على المؤسسة المدرسية، في ظل غياب دليل مرجعي لأجرة عملية الانفتاح، أو مذكرات تفصيلية وتنظيمية دقيقة لمهام وعمل كل متدخل تربوي ضمن هذه العملية وتحديد التزامات كل طرف، إضافة إلى طبيعة تعامل مؤسسات المحيط السوسيو ثقافي الخاص بالمؤسسة المدرسية.

فكيف تعمل المؤسسة المدرسية على تحقيق انفتاحها على محيطها السوسيو ثقافي؟ .    

ثالثا: بناء الشراكات وتفعيلها قصد ضمان نجاح عملية الانفتاح:

تعد الشراكات التربوية بين المؤسسات المدرسية ومحيطها السوسيو ثقافي صيغة متطورة للتعاون ولتجميع الإمكانات المادية والبشرية والتقنية بين المؤسسة التعليمية وباقي الشركاء التربويين (الجماعات المحلية – الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين...) بغية إنجاز مشروع تربوي معين وتطويره في مكان وزمان محددين لفائدة المتعلمين (ات)، وبإشراف كل من الأطر التربوية والإدارية للمؤسسة، بهدف ضمان الانفتاح والاندماج الإيجابي للمؤسسة التعليمية على محيطها المحلي (تربويا – اجتماعيا – ثقافيا...)، وتمتين علاقاتها التربوية مع هذا المحيط على أسس تربوية واضحة تفاديا لمظاهر الانغلاق والعزلة اللتين تكبلان المؤسسات المدرسية المؤثثة لبنية المنظومة التربوية.

إن انفتاح المؤسسة على محيطها المحلي مؤشر على اندماج ونجاح المؤسسة في مهمتها التربوية، وتمكين روادها من المتعلمين (ات) من بناء علاقات تواصلية – تربوية متينة مع مختلف أطياف هذا المحيط، بهدف الانخراط الإيجابي في مسلسل التنمية التربوية.

ويمكن أن تنصب جوانب هذه الشراكات التربوية على العديد من المجالات التربوية وخاصة تحسين وتجويد ظروف التعلم لدى الناشئة المتعلمة، وتمتين جسور التواصل بين الجوانب النظرية والجوانب العملية، وهي جزء مهم من اكتساب أسس التربية على منظومة القيم المواطناتية (احترام الوقت – تقدير العمل – أهمية العمل التعاوني والتشاركي لإنجاز مهمة ما – تقدير قيمة الإنتاجية والمردودية...). علاوة على اعتماد أسلوب الشراكة في التعامل، واتخاذه منهجا استراتيجيا، نظرا لقدرة هذه الآلية على خلق تقاليد جديدة في التعامل بين المدرسة ومحيطها المحلي بكل مؤسساته وتنظيماته السوسيو ثقاقية، لتجويد قضايا التربية والتعليم والتكوين والممارس؛  لأن التعاقد ودفاتر التحملات، أدوات جديدة لتحديد المسؤوليات بين مختلف المتدخلين في تدبير السياسة التعليمية.

وإلى جانب عقد الشراكات، التي تمثل جوهر عملية التواصل والحلقة الأساس بين الإدارة المدرسية ومحيطها السوسيو ثقافي، لا بد من التذكير على أن إنجاح هذا الانفتاح رهين بمدى تمكن الإدارة التربوية للمؤسسة المدرسية من بناء مشروع للمؤسسة، بمواصفاته المتكاملة والمتميزة والقابلة للأجرأة والتنفيذ، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المحيط السيوسيو ثقافي، وكيفية الانفتاح عليه وخلفيات هذا الانفتاح. وهناك مسألة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار ضمن هذا المسار الانفتاح، وهو تجويد وتحيين مسألة التكوين الخاص بالأطر الإدارية والتربوية للمؤسسة المدرسية المعنية بعملية الانفتاح، والرفع من قدرتها التواصلية مع كل فعاليات المحيط المحلي، بجانب توفير الموارد المالية والبشرية الضرورية من أجل تدبير وتتبع عملية الانفتاح وتقويم نتائجها.

وبعد مرور قرابة ثلاثة عقود على صدور أول مذكرة تنظيمية لعملية انفتاح المدرسة على محيطها (المذكرة الوزارية رقم 133 الصادرة بتاريخ 11 أكتوبر 1996عن المديرية العامة للشؤون التربوية بوزارة التربية الوطنية الهادفة إلى إدماج المؤسسات التعليمية في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي)، ورغم تراكم عدة تنظيمية مهمة في هذا المجال، فإن النتائج المحققة وأبعادها تظل جد هزيلة ويمكن الاستشهاد هنا بنص لمحمد عابد الجابري الذي يلخص تجربة الانفتاح التربوي على المحيط بقوله: "إن شعار إدماج التعليم في محيطه ينطوي على قدر كبير من التضليل، لأنه يسكت عما هو أساسي وهو "المحيط" ذاته : هل هو قادر على توفير مناصب شغل تمتص المتخرجين من مختلف أسلاك التعليم أم غير قادر؟ لندع جانبا حديث "الكيفية والنوعية وما تحتاجه سوق العمل"، فهذه أشياء لا يكون لها معنى إلا حينما تكون هناك سوق للعمل فيها رواج كاف لتحديد "النوع والكيف" المطلوبين. [...] المحيط غير قادر على أن يندمج التعليم فيه. أو لنقل إن التعليم متخلف لأنه مندمج في محيط متخلف!  إذا كان "المحيط" في مغرب اليوم غير قادر على أن يندمج التعليم فيه، فهل يمكن للتعليم أن يساهم في تطوير هذا المحيط في اتجاه رفع هذا العجز عنه؟". (محمد عابد الجابري، أفكار حول إصلاح التعليم بالمغرب، مجلة فكر ونقد عدد 12 ص: 33).

وإذا كان هذا الانفتاح يطغى عليه الطابع النظري التقريري، فعلى العكس من ذلك يكتسي لدى المنظومات التربوية الرائدة عالميا طابعا اعتياديا بل وأساسيا، كما هو الحال بالنسبة للتجربة الفلندية في انفتاح مؤسساتها المدرسية على محيطها: "منذ بداية التسعينيات يعتمد التعليم الثانوي الـتأهيلي بفلندا على متطلبات المؤهلات الوطنية على منهج نتائج التعلم. ولذلك فإن التعاون الوثيق مع عالم الأعمال أمر ضروري. يتم تطوير المؤهلات المهنية بالتعاون مع عالم الأعمال والجهات المعنية الأساسية الأخرى. ويتم ذلك لضمان دعم المؤهلات لعملية تحول مرنة وفعالة إلى سوق العمل، بالإضافة إلى التنمية المهنية وتغيير المهنة، ولاحتياجات عالم الأعمال، فإن عملية إعداد التعليم والتدريب المهني والمؤهلات المهنية تأخذ في الحسبان تعزيز احتياجات الأفراد والفرص مهارات التعلم مدى الحياة، فضلا عن الإمكانات المتاحة أمامهم لإكمال المؤهلات بطريقة مرنة تلائم ظروفهم الخاصة. (نبذة مختصرة عن التعليم الفلندي، سلسلة منشورات وزارتي التربية والثقافة الفيلدنية ص: 20 )  

خلاصة:

إن تطوير دور  المؤسسات المدرسية والرفع من كفاءتها، وتجويد منتوج التكوين التربوي وتحيينه، وتحقيق الرضى المهني والتكويني لروادها من المتعلمين (ات) والأطر الإدارية والتربوية، للوصول إلى جودة مخرجات المدرسة، يستدعي الانفتاح  الإيجابي والمثمر  للمدرسة على محيطها السوسيو ثقافي، في أفق تعزيز القيم التربوية والمواطناتية الإيجابية التي يحملها الأفراد المنتمين إلى المدرسة، وتدارك وتجاوز حالة الانطواء والعزلة التي تقبع فيها المؤسسات المدرسية بعيدا عن التحولات السريعة لهذا المحيط القريب ولإمكاناته، فلا يكون للإصلاح التربوي، ولمدرسة الإنصاف والجودة وتكافؤ الفرص معناه وكنه في غياب المحيط السوسيو ثقافي القريب منه.

المراجع والهوامش:

- المجلس الأعلى للتربية والتعليم، 2008، حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها، التقرير السنوي، هيئة ومهنة التدريس ج4 .

-المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2014، دفاتر التربية والتكوين،“ الإدارة التربوية ومشروع المؤسسة“ العدد 11، مكتبة المدارس، البيضاء.

 -المجلس الأعلى للتعليم، 2008، الشراكة المؤسساتية من أجل المدرسة المغربية.

-المجلس الأعلى للتعليم، 2013، دفاتر التربية والتكوين، العدد 11، المتعلم، مشروع مواطن الغد.  
-عالم التربية، 2014، العددان 24 -25، أزمة التعليم في المغرب والعالم العربي.

-عبد الكريم غريب وآخرون، 1996، تدبير النشاط التربوي سبل وبدائل لانفتاح المدرسة على محيطها، سلسلة علوم التربية 11،مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 

-عبد الكريم غريب وآخرون، 2006، الميثاق الوطني للتربية والتكوين قراءة تحليلية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء.

-عبد الكريم غريب وآخرون، 2010، البرنامج الاستعجالي، عالم التربية، عدد 19، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء.

-عبد الكريم غريب وآخرون، 2013، الجودة في التربية والتكوين، عالم التربية عدد خاص 22 – 23(ج1)، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء .

-عبد الكريم غريب وآخرون،2011، الحكامة في التربية والتعليم، عالم التربية العدد 20، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء.

             -وزارة التربية الوطنية، 1999، الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

-وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية لسنة 2008/ دليل الحياة المدرسية لسنة 2019.           
-وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، 2014، تحديات الدخول المدرسي ورهانات إصلاح المنظومة التربوية.

- المذكرات الوزارية: 
- المذكرة 159/14 الصادرة في 25 نونبر 2014 بخصوص أجرأة الإستراتيجية الوطنية لمشروع المؤسسة؛
-المذكرة 155 الصادرة في 17 نونبر 2011 بخصوص تنظيم الحياة المدرسية؛
-المذكرة 87 الصادرة في 10 يوليوز 2004 بخصوص تفعيل أدوار الحياة المدرسية؛
-المذكرة 12 الصادرة في 28 فبراير 2004 بخصوص الاعتناء بفضاءات المؤسسات التعليمية؛
-المذكرة 02 الصادرة في 3 فبراير 2005 بخصوص تأطير اتفاقيات الشراكة...

 

انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السيو ثقافي: الأبعاد والدلالات
Partager cet article
Repost0
1 mars 2024 5 01 /03 /mars /2024 15:53
المرأة وأنماط القيادة الإدارية Leadership Féminin

المرأة وأنماط القيادة الإدارية Leadership Féminin

Women and administrative leadership styles Leadership Féminin

 

د. ادريس عبد النور: أستاذ مادة اللغة العربية والدراسات الجندرية، أستاذ مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس، فرع مكناس /المغرب.

Dr. Driss Abdennour: Professor of Arabic language and women's criticism, and Hability professor of higher education at the Regional Center for the Professions of Education and Training Fez - Meknes, / Morocco

Email : Abdennour.driss@gmail.com

ملخص

"Feminity in the Workplace"مع بروز ظاهرة الأنوثة في مواقع العمل"

، التي أثارها جورج كريفين  سنة 2002، وأهمية موضوع النوع الإجتماعي، أصبح ملحا تحديد معالم ولوج المرأة إلى عالم القيادة، والذي تم تعريفه من خلال منظورين: السمات والسلوكيات.

ويتبين أن عدم توفر قيادة فاعلة ومؤثرة داخل المنظمة المدرسية وعدم ممارسة دور قائد التغيير بالشكل العلمي، بالإضافة إلى ضعف كفاءة القيادات الممارسة، تعد من أبرز المعوقات التي تواجه عملية التغيير، لدى أصبحت الحاجة ملحة إلى تواجد قيادة قادرة على استيعاب التغييرات والتعامل مع ما تفرضه من تحديات.

كما يتبين أيضا أن هذا المبحث سيجيب على سؤال عريض يتعلق أساسا بقدرة المرأة على القيادة، بالرغم من التنميطات المجتمعية حول قدرتها على قيادة المنظمة، انطلاقا من ترسبات التنشئة الذكورية. بالرغم من أن فكرة التساوي والمعادلة بين مفهوم الأنوثة والاهتمام بالموظفين تعكس التفكير المجزأ فيما يختص بموضوع الجنس، ذكورة وأنوثة، في حين نؤكد بأنه لا يوجد هناك أية شواهد ودلائل على وجود فروق بين أساليب قيادية لكل من المرأة والرجل، استنادا على التوزيع الاجتماعي للأدوار.

 كما يؤكد مبحثنا هذا ان الدراسات الحديثة المتعلقة بالقيادة تؤكد بأن أسلوب المرأة القيادي هو الأسلوب الأمثل للتنظيمات المستقبلية.

      فما طبيعة القيادات النسائية؟.

        وما صفات القيادة النسائية؟.

       وما هو وجه المقارنة بين القيادة النسائية والقيادة الرجالية؟. 

        وبالتالي ما هي مهارات وسمات وأساليب القيادة النسائية؟.

ويظهر جليا أن القيادة النسائية تستطيع احتواء صراعات المنظمة فهي تتوقع الأزمات داخل فعل التغيير، فهي أكثر إنسانية وأكثر توازنا وإنصافا داخل المنظمة، بالرغم من الحصار الفكري والثقافي المدعم من طرف الصور النمطية التي أبعدت النساء عن القيادة. في حين عرف التاريخ قياديات بعضهن يمشي عليهن وصف أنطونيا فريزر بمتلازمة التذييل "متلازمة ذيل القيادة"، وهذا يعني أن هؤلاء النساء جئن إلى السلطة من خلال الروابط الأسرية، أو وصف "البقع العمياء" لروسبيث كانتر المختص في التحليل التنظيمي، وخاصة التي تخفي السمات الجنسية في القيادة والسلطة، وتسلط الضوء على أسلوب القيادة المتمحور على أساس النوع الاجتماعي الجنسي.

الكلمات المفاتيح: المرأة، القيادة، الجندر، القيادة النسائية، التواصل القيادي.

summary

With the emergence of the phenomenon of femininity in the workplace, which was raised by George Griffin in 2002, and the importance of the issue of gender, it has become urgent to define the parameters of women’s access to the world of leadership, which has been defined through two perspectives: traits and behaviors.

It turns out that the lack of effective and influential leadership within the school organization and the failure to exercise the role of change leader in a scientific manner, in addition to the weak efficiency of practical leaders, are among the most prominent obstacles facing the change process, when the need has become urgent for the presence of leadership capable of absorbing the changes and dealing with what they impose. Challenges.

It also becomes clear that this research will answer a broad question related mainly to women’s ability to lead, despite societal stereotypes about their ability to lead an organization, based on the legacy of male upbringing. Although the idea of equality and equation between the concept of femininity and concern for employees reflects fragmented thinking regarding the issue of gender, masculinity and femininity, while we affirm that there is no evidence or evidence of differences between the leadership styles of both women and men, based on the social distribution of roles.

  Our research also confirms that recent studies related to leadership confirm that women’s leadership style is the optimal style for future organizations.

- What is the nature of women leaders?

What are the characteristics of female leadership?

- What is the comparison between women’s leadership and men’s leadership?

- Therefore, what are the skills, characteristics and styles of women’s leadership?

It is clear that women's leadership can contain the organization's conflicts, as it anticipates crises within the process of change. It is more humane, more balanced, and more equitable within the organization, despite the intellectual and cultural siege supported by stereotypes that have kept women away from leadership. While history has known women leaders, some of them walked on Antonia Fraser’s description of the “tail syndrome of leadership,” meaning that these women came to power through family ties, or the description of “blind spots” by Rosbeth Kanter, who specializes in organizational analysis, especially those that hide sexual characteristics. In Leadership and Power, it highlights a gender-centred leadership style.

Keywords: women, leadership, gender, female leadership, leadership communication.

مقدمة

إن الإختلاف بين المرأة عن الرجل فيما يختص بالأسلوب القيادي بدا واضحا ونحن ننتقل من نظرية إدارية إلى أخرى، ومن نمط قيادي إلى آخر: نظرية السمات، نظرية النمط القيادي، والنظرية الموقفية. وخاصة لما لمسنا خلاصة براون الذي اعتبر أن الإنطلاق من نظرية السمات قد دعمت الإتجاه التقليدي الذي يؤكد أن النساء لا يملكن الصفات والسمات التي تؤهلهن للقيادة، لكن كل من نظرية النمط القيادي والنظرية الموقفية قد خلصتا إلى نتيجة مفادها أن المرأة تملك أسلوبا خاصا بها يؤكد كفاءتها في مراكز القيادة، حيث يتسم أسلوب المرأة بالحكمة والإستقرار وذلك لشمولية التفكير القيادي لديها، وخاصة تكامل العقل مع العاطفة عندها مقارنة بالرجل، كما أن الفروق بين المرأة والرجل فيا يختص بالأسلوب القيادي ايجابية ولمصلحة االقائدة. فالمرأة أكثر تنظيماً وترتيباً وصرامة فيما يختص بتحقيق الأهداف، كما أنها أكثر حذرا ولكنها أكثر جرأة وكفاءة فى عملية اتخاذ القرار وأكثر قدرة على تخطيط المستقبل مقارنة بالرجل، فهي بذلك الأقدر تعاملا مع التغير والتغيير بسبب أسلوبها المرن والهادئ في القيادة.

كما إن الاختلاف بين المرأة والرجل بخصوص الأسلوب القيادي، لا يمكن ارجاعه إلى ما تتميز به المرأة من خصائص فردية، بل يمكن نسبه إلى ما يمتاز به الفكر الذكوري من تمايز تنظيمي، إذ المرأة لا تُمنح كل الصلاحيات والقوة التي تُمنح للرجل، وخاصة حجم الثقه الممنوحه للمرأة لاتخاذ القرارات.

ويتبين أن هذا المبحث سيجيب على سؤال عريض يتعلق أساسا بقدرة المرأة على القيادة، بالرغم من تنميطات المجتمعية حول قدرتها على قيادة المنظمة، انطلاقا من ترسبات التنشئة الذكورية.

هل يُنظر للقادة الذكور من طرف " الذكور والإناث" بإيجابية أكثر مما ينظر للقادة الإناث؟

أولا: نظريات المرأة والقيادة:

إن مفهوما القيادة والجنس من حيث التذكير والتأنيث، بالنسبة لفيشيو  روبيرت (2002) ، قد تطورا بصورة متقابلة ومتشابهة.عكس التصور السائد الذي يجعل الذكورة والأنوثة قطبين متضادين، فاعتبر أن القيادة إما أن تكون قيادة تهتم بالوظيفة) قطب الرجل( أو أن تركز على الموظفين والعلاقات الإنسانية) قطب المرأة .

 تطرق من خلالها Vecchio فنظرية العلاقات التبادلية الهرمية، التي تستند على لفكرة التساوي والمعادلة بين مفهوم الأنوثة والإهتمام بالموظفين، ومفهوم الذكورة مع التركيز والإهتمام بالوظيفة كأقطاب مختلفة، حيث أن هذه الفكرة المتعلقة بالتساوي تعكس التفكير المجزأ فيما يختص بموضوع الجنس، ذكورة وأنوثة، في حين يؤكد بأنه لا يوجد هناك أية شواهد ودلائل على وجود فروق بين أساليب قيادية لكل من المرأة والرجل، استنادا على التوزيع الاجتماعي للأدوار.

 ويبيــــن نيلتون Nelton (1991)، أن التنظيمات الأكثر نجاحاً تسمح بالاختلافات فيما يختص بأساليب القيادة. فالمرأة القائدة حالياً تستخدم أساليب القيادة التقليدية (الإهتمام بالوظيفة) كأسلوب خاص بالرجل، مع أسلوبها الخاص (الإهتمام بالموظفين). وهذا يعكس شمولية سلوكيات القائدة والعملية القيادية.

وتبين معMarshall  (1984) بأنه لا يوجد اختلاف جدري بين أسلوب المرأة وأسلوب الرجل في القيادة. إلا أن أسلوب المرأة يعكس ميزة خاصية تتعلق بالمساندة والتشجيع بطريقة أكثر وضوحاً من أسلوب الرجل.  وتضيف بأن الدراسات الحديثة المتعلقة بالقيادة تؤكد بأن أسلوب المرأة القيادي هو الأسلوب الأمثل للتنظيمات المستقبلية، والتى تعتمد كثيرا على تطوير الفريق الواحد. هذا الأسلوب يعكس استراتيجية المرأة الحياتية، والتي يمكن أن توصف على إثره بكونها اجتماعية، خاصة وأن هذه الاستراتيجية ذات صبغة إيثارية لما فيه مصلحة وبناء المجموعة.

 وتتفق (1985) Harriman مع Marshall  بأنه لا توجد هناك فروق بين أسلوبي المرأة والرجل في القيادة. في حين أن المرأة القائدة تبذل جهداً وطاقة أكبر من الرجل. 

وتُرجع Kanter (1977) اختلاف المرأة عن الرجل فيما يختص بالأسلوب القيادي إلى ميل ونزعة التنظيم إلى توظيف النساء، في وظائف تعكس قولبة الأدوار الاجتماعية للمرأة.مما يجعل النساء ضعيفات وعاجزات كما هو وضعهن خارج المنظمة، الشيء الذي يؤدي بدوره إلى إعطاء تصور سلبي عن المرأة القيادية.

وقد خلصت النظريات التي تعاطت مع المرأة القائدة إلى أن القياديات النساء يتشابهن مع الذكور، إلا أنهن يملن إلى أن يكن أكثر مشاركة وأقل استبداداً، بالرغم من العقبات التنظيمية النابعة عن استشراء وهيمنة الفكر الذكوري. والجدول التالي يضع بين أيدينا تفاصيل هذه العقبات التنظيمية والحواجز التي أبدع المجتمع عبر السنين في وضع المرأة في نطاقها وتسييج حيواتها.

من العقبات التنظيمية:

مقاييس عالية للأداء والجهود.

ثقافة تنظيمية غير مريحة.

تفضيل التماثل في النوع كأسا

س لقرارات الترقية.

التجاهل وعدم المبادرة من قبل المديرين التنفيذيين من الذكور "الأغلبية الصامتة".

عدم التوازن في التقدير والدعم.

نقص في فرص التطوير.

الحواجز بين الأشخاص.

تحيز الذكور والنمطية في تصوراتهم.

نقص الدعم العاطفي بين الأشخاص.

الاستبعاد من شبكات العلاقات غير الرسمية.

الحواجز الشخصية.

نقص الذكاء السياسي.

التنازع بين البيت والعمل.

 ثانيا: طبيعة القيادات النسائية.

لقد أظهرت الدراسات الحديثة خطأ التحليل القائل بأن المرأة عاطفية أكثر من الرجل، وقد تبث علميا بأن المرأة لا تختلف عن الرجل في درجة اهتمامها بالعمل أو بالناس، لأن الواقع العملي يحتاج الأمرين معا، بالرغم من أن تمثلات الناس حول القيادة النسائية تجعل هذه القيادة أقل من القيادة الرجالية، حتى ولو كانت المرأة أكثر نجاحا.

وقد يذهب التيار المتحيز ضد قيادة المرأة إلى تشويه صورة المرأة القائدة وإلصاق عدة تنميطات حول شخصها تزكية لهذه التمثلات المجتمعية، مثل:        

النساء ضعيفات في مواجهة الضغوط والأزمات .    

النساء يثرثرن كثيرا فيما لا فائدة فيه.    

النساء يخفن اتخاذ القرار، ويغيرن آراءهن باستمرار.    

لا يمكن إرضاء النساء مطلقا    

العمل مع النساء صعب جدا.    

المرأة تحب الأشياء الشخصية.    

لا تستطيع المرأة أن تعمل مع فريق عمل من الرجال.     

النساء يخلطن بين مشاكل العمل وحياتهن الشخصية.     

طبيعة المرأة عاطفية، ويمكن أن تتهور بسرعة.     

النساء يعملن على تعقيد الأمور وإعطائها أكبر من حجمها.

المرأة متقلبة المزاج نتيجة لظروف الطمث والحمل والولادة وغيرها.          

المرأة الخبيرة، تترك العمل لرغبتها في الإنجاب.         

وقد تتجنب النساء أحيانا القيادة نظرا لترسخ هذه التمثلات في التنشئة الذكورية، لأعتبارات منها أن القيادة من الأمور التي تعرض الذات للمخاطر.

ثالثا: صفات القيادة النسائية.

قد يتناسب نمط المشاركة كنمط من الأنماط القيادية مع النساء أكثر، من حيث أنه يعطي للفاعلين فرصة أكبر لإبداء الرأي والمشاركة في اتخاذ القرار. ويتصدر هذا النمط الصفات الأساسية للقيادة النسائية، ويتطابق معها.

أولا: تعتبر الاستشارة في عملية اتخاذ القرار نوعا من أنواع المشاركة، فالمرأة تحب المشاركة، وهذه صفة مستحبة وتعتبر من آليات القيادة في العصر الحديث.

ثانيا: إن تقدير حاجيات الآخرين واعتبار ظروفهم الخاصة صفات تمتاز بها المرأة، إذ بالتعاطف تبنى علاقات حقيقية وصادقة داخل المنظمة، وتجعل من القائدة شخصا محبوبا يتحرك معه الفاعلون طواعية نحو الأهداف المشتركة.

ثالثا: تتوفر المرأة على طاقة إبداعية أكثر من الرجل، مما يعطيها القدرة على إيجاد حلول غير مسبوقة والمساهمة في تغيير طريقة العمل بما يتناسب مع التغييرات والمستجدات.

رابعا: المرأة أقدر من الرجل في تفهم حاجات النساء وفهم الأمور الخاصة بالنساء.

خامسا: التفويض وإعطاء الصلاحيات، حيث تمتلك المرأة قوة ناعمة تجعلها قادرة على توزيع الصلاحيات على الفاعلين، ومنحهم حرية اتخاذ القرار، مما يجعل فريق العمل متحمسا ومتماسكا.

سادسا: تعتبر المرأة أكثر حرصا من الرجل عند جمع المعلومات والإهتمام بالتفاصيل، وبذلك تكون مؤهلة لوضع رؤية شمولية متسمة ببعد النظر في كافة اشتغالاتها.

سابعا: المرأة أكثر إفصاحا عن مشاعرها، وأكثر استعدادا للحوار والتواصل من الرجل وهي تبحث عن الحلول المناسبة للمشاكل القائمة.

ثامنا: تنتبه المرأة إلى التفاصيل أكثر من الرجل، وبالتالي فهي منتبهة أكثر إلى الأخطاء التي تؤثر سلبا على العلاقات، وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الرجال يستخدمون نصف ملكاتهم العقلية عند الإصغاء في حين تصغي المرأة كليا لمتحدثها.

وتستطيع المرأة القائدة أن تحدث التوازن بين المتناقضات داخل المنظمة نظرا لما تمتاز به من توافق نفسي وعاطفي يؤهلها لإحتواء المتناقضات بحيث تستطيع:

تحريك التغيير وملاءمة التحول:

تتزعم مبادرة التغيير، وتثابرعلى ترويجه وتحفيز الآخرين على الإلتحاق بالركب مع ملاحظة ومعالجة الجوانب الشعورية والشخصية للتغيير.

الإلحاح على السرعة والصبر الواقعي:

إبراز الحاجة إلى التصرف بسرعة، واستحثاث مسيرة التغيير.

إدراك متى وكيف ينبغي تبطيء المسيرة حتى يتمكن الناس من المواكبة والتأقلم.

الحزم والتعاطف:

صناعة القرارات الصعبة دون تردد.

أخذ وجهات نظر الآخرين في الاعتبار وتفهم آثار تصرفات والقرارات على محيطها.

إبراز التفاؤل والواقعية والصراحة:

بث التفاؤل في الآخرين.

نشر الموقف بصراحة وعدم الخوف أو الخجل من إعلان المصاعب والأخطاء.

الاعتماد على الذات والثقة بالآخرين:

الإيمان بقدرتها على تولّي التغييرات الجديدة.

الانفتاح على مشاركات الآخرين، وتركهم يقومون بكل ما هم قادرون عليه.

تفعيل الخبرات الحاضرة والمضي خارج نطاق المألوف:

تقدير لقدراتها وقدرات منظمتها وتشغيلها بثقة في المواقف الجديدة.

مفارقة الماضي والإقبال على التعلّم وتجريب الجديد مهما كانت العملية صعبةً أو مرفوظة.

رابعا: القيادة النسائية والقيادة الرجالية، مقارنة بينهما:

                      أ ـ الرجل القيادي  

     يعمل بدون انقطاع وبدرجات متفاوتة من الجهد.

      يرتبك من المقاطعات والزيارات تؤثر على إنتاجيته وأدائه.

       يحرص على العمل بشكل أساسي، ولا يسمح أن ينشغل بما هو ثانوي.

      له شبكة واسعة من العلاقات خارج المنظمة.

        يتابع أداء المهمة تلو المهمة، دون تركيز كبير على تقييم الأداء أو النظر في الآثار المستقبلية.

         يرتبط بعمله بشكل عميق.

        يحب الاحتفاظ بالمعلومات.

       يحرص على التسلسل التنظيمي.

                    ب ـ   المرأة القيادية

       تعمل بدرجة واحدة من الجهد، ولكنها تأخذ فترات راحة قصيرة متباعدة.

        تعتبر المقاطعات فرصة لبناء العلاقات وتفهم احتياجات الأتباع وتعمل على مساعدتهم.

       تخصص وقتا لأمور أخرى، ومن أهمها متابعة الأمور الأسرية.

        لها علاقات واسعة مع أشخاص خارج المنظمة.

        تقيم كل عمل وتحرص على دراسة الآثار المستقبلية والآثار العامة على الأسرة والبيئة والتعليم.

        ترتبط بعملها كما ترتبط بأمور أخرى في نفس الوقت.

          تحب تقاسم المعلومات.

خامسا: مهارات وسمات القيادة النسائية.

تحدد مارلين مانتج في كتابها" المرأة ومهارات القيادة الإدارية" عددا من المهارات والسمات القيادية للنساء، حيث يحتوي هذا الكتاب، الذي سنعالج خلاصاته، على أساليب عملية ومهارات وسلوكيات، تساعد المرأة على أن تكون قائدة ماهرة.

فالقائدة الناجحة هي التي تنخرط كليا في عملها، باعتبارها قدوة اتجاة الفاعلين، فهي التي تتميز:

بمعرفتها الشاملة لمحتوى وظيفتها.

مواكبتها للمستجدات.

معرفة نفسية واجتماعية شاملة بالفاعلين.

القدرة على مشاركة الآخرين الرؤية وأهداف المنظمة.

ربطها القوي بين النظري والعملي.

ومن السمات التي تتميز بها المرأة القائدة على المستوى التواصلي، تحددها مارلين مانتج عددا من السمات تجعل من المرأة حسنة الإستماع وأخرى متحدثة بارعة كما في الجدول التالي:

سمات المستمعة                  

       منفتحة على الآخرين، حازمة،

لطيفة، تعمل على حل الأمور الصعبة.

       تتعامل مع الأمور ببساطة.

         ذات نظرة تفاؤلية.

         تثق بالآخرين، وتحل المشاكل.

         تتحدث بصورة مباشرة.

         تقر بالأخطاء.

         توافق على ما هو صحيح.

       متحمسة، سريعة البديهة.

سمات المتحدثة

تحب التحدي،

تحوز أخلاق عالية.   

        القدرة على قول -لا.

          تتجنب الأحكام السريعة.

         تقر بالتحديات الموجودة.

          تثق عندما يكون الأمر صحيحًا.

        تفهم كيفية عمل النظام.

         تتحمل المسؤولية.

         تشرح الأسباب، القيادة الهادئة.

        غير مرنة بل حازمة.

         عالية الثقافة.

         مثالية.

 

سادسا:  أساليب القيادة النسائية:

 أ ـ القيادة الهادئة: تفضل المرأة القائدة أسلوب القيادة الهادئة، وتوضح مارلين مانتج ذلك في الجدول التالي انطلاقا من التركيز على خصائص الأسلوب وضبط الصفات المرافقة له:

عضو فريق تقليدي مساند، يوافق كثيرا جدا، مساعد، سهل الانقياد، صبور، متمهل، هادئ، يأخذ الطرق الأقل مخاطرة، مخلص، يمكن معرفة رد فعله.

قائم على حل المشكلات وذو نظرة تحليلية. متقن لعمله، كثير الأسئلة، يقظ الضمير، متحفظ، متغير، ناضج نظامي، دقيق، على مستوى عال، منظم ذاته، مرتب.

المراقب.يوجه كثيرا، مخاطر، منظم، صبور، هادئ، واثق بنفسه، يتحمل المسؤولية، نشيط، قوي، طموح.

المحرك.محرك، يتكلم كثيرا بحماس، مؤثر، متعاطف، كريم، ودود، حميم، اجتماعي، مثير، محب للتميز، يسحر الألباب.

ب – القيادة الودية: أما أسلوب القيادة الودية فلا يعني أن هذه القيادة ضد قوة الشخصية التي ينبغي أن تتمتع بها المرأة القائدة، فعنصر الثقة في النفس أساسي وهو الذي يجعل القائدة الفاعلة مانحة للقوة لمن حولها من الفاعلين، والضامنة لتعبيرهم عن أنفسهم بالصور الإيجابية التي يفضلونها، وهي عادات يجب أن تتحلى بها المرأة القائدة، ومجمل هذه العادات تمكن في:

أولا السلطة كثقة داخلية: يشعر بعض النساء بالحرج عندما يتم الإعلان عن مواهبهن، ونقاط القوة لديهن، والقائدة الفاعلة يجب أن تثق بمهاراتها وقدراتها التي تمنحها السلطة الرسمية وغير الرسمية متسلحة بالثقة التي تجعل منها كفاءة خاصة بمثابة سلطة داخلية.        

ثانيا السلوك الجازم: يعتبر من المهارات الرئيسة للقائدة الفاعلة، فمن خلالها تقود أوراش التغيير داخل المنظمة  بطريقة مستقيمة وجازمة.

ويحدد الجدول التالي أهم السلوكات والصفات المتبعة في القيادة النسائية ودور السلوك الجازم في تسيير المنظمة بنجاح وفاعلية في مقابل السلوك غير الجازم والسلوك العدواني:

السلوك الجازم وصفاته:

السلوك غير الجازم  :أسلوب غير فعال، لأنه يعكس رسالة توحي بما يسمى عقدة النقص، وهذا يعني أن المرء غير الجازم يجعل حقوق الآخرين أهم من حقوقه، لذا فهو يوجد مواقف للكسب والخسارة، لأن المرء الذي يتصرف بهذا الأسلوب غير الجازم سوف يخسر، ويجعل نفسه ضحية للآخرين الرابحين.

السلوك العدواني أكثر تعقيدا، لأنه ربما يكون له نتائج سلبية أو إيجابية، وقد يكون صادقا أو غير صادق، ولكنه يوحي برسالة العظمة وعدم احترام الآخرين، وبالتالي فإن المرء العدواني يقدّم حقوقه على حقوق الآخرين، وقد يحقّق صاحب هذا الأسلوب المكسب من خلال التأكيد على خسارة الآخرين، فهو بهذا الأسلوب يعرض نفسه للانتقام نتيجة انتهاك حقوق الآخرين.

السلوك الجازم سلوك فعال وصادق، كما أنه يوحي برسالة احترام النفس والآخرين، إن صاحب هذا الأسلوب يجعل الاهتمام بحقوقه وحقوق الآخرين على حد سواء، وبما أن الجميع سيكسب من هذا الأسلوب، فإن صاحبه يرغب الآخرين في تقديم يد العون بمحض إرادتهم، هذا الأسلوب سوف يمنع الانتقام والمقاومة ويشجع على قيام علاقات صادقة.

ت ـالأسلوب الشخصي للمرأة القائدة: يبصم هذا الأسلوب قيادة المرأة ببصمات نوردها هنا على شكل نصائح، الهدف منها الربط بين خلاصة البحوث السابقة في قيادة المرأة، والربط بين تدريب المرأة القائدة وتزويدها بالخطوات الإجرائية لعملها المستقبلي.

لاتكوني تقليدية ومتعصبة في تفكيرك، كوني انت ولاتكوني شبيهة بأحد.

قدمي مبادرات رائدة قوية.

تجاوزي الأداء المتوقع بشكل منتظم.

أظهري مهارات نقدية وطوري مهارات فردية.

ركزي على العمل الذي بين يديك، واتبعي ماهو مثير.

حافظي على الأنوثة ولكن تصرفي عل نحو مناهض للنماذج النمطية.

واجهي المعارضة بالمرونة والفكاهة.

تعرفي على قيم المنظمة.

حافظي على التوازن في الحياة، من خلال وضع أولويات والحصول على خدمات.

اتخذي مخاطر في العمل.

تعرفي على مجلس إدارة المنظمة الرسمي أو التطوعي واعملي معه.

سابعا: المرأة القائدة ومهارة قيادة الفريق.

أدرجت مارلين مانتج في كتابها السالف الذكر عددا من السمات التي يمتاز بها فريق العمل تحت قيادة المرأة، من حيث أن المعرفة بهذه السمات من شأنه أن يساعد المرأة القائدة على قيادة الفريق، وفق أسس حددتها مارلين مانتج في سبعة أسس هي:

       معاملة كافة الفاعلين بالتساوي والعدل.

       الوفاء بالوعود اتجاه فريق العمل.

       التصرف بإيجابية وتماسك لحظة الشعور بالسلبية.

        القائدة مثال يحتذى في أجرأة فعل التغيير.

        القيادة الهادئة التي تعكس الأفكار مع فريق العمل.

        إتاحة الفرصة لمناقشة وتبادل الأفكار مع فريق العمل.

        التأكد من أن المعلومات مفهومة من قبل فريق العمل.

ومن السمات التي تحوزها كل عضوة في الفريق، أن كل واحدة تتوفر على صفات خاصة داخل المنظمة، لا بد من معرفتها من طرف القيادة، بحيث أن المرأة الفاعلة تملك من الصفات ما لا يشبه صفات الرجل الفاعل.

العضوة وصفاتها:

العادية تفضّل السلامة، تكون علاقات حميمة، تتغير ببطء، يمكن التنبؤ بسلوكياتها، صبورة، تحب الاندماج في الشركة، تحب التملك، تبحث عن الولاء، تحب البساطة، تدرك أهمية الفريق.

التحليلية: تحب إجراءات العمل، لا تحب التغيير المفاجئ، تحب الدقة، صاحبة مبادئ سامية في ذاتها وتجاه الآخرين، تميل أن تكون قلقة، لا تلقي بآراء الأخريات ما لم تتأكد من صحتها، يقظة الضمير، صانعة القرار ببطء، تتبع الأسلوب المنطقي في حل المشاكل.

المسيطرة: تحب الهيبة والاحترام، سريعة التفجر والتبرم، تحب التغيير والتحدي، تقارن بين القائدة والإنجاز، تحب الإجابات المباشرة، ثقتها بنفسها عالية، حازمة وجازمة، تلعب لتكسب، سريعة وعجولة، فعالة وراغبة في العمل.

الساحرة للألباب: تنجح في تكوين شعبية لها، لا تميل إلى معرفة التفاصيل أو أن تقاد، تستخدم البديهة، ودودة، تستخدم المهارات الشفوية، مؤثوق بها، جيدة في إقناع الناس، تجذب الألباب لها، تعمل بتهور وانفعالية،واثقة بنفسها وتطمح لتطوير نفسها، متحمسة.

ثامنا: المرأة القائدة ومقاومة التغيير.

تشتغل القائدة مع أصناف من الفاعلين، يشكل البعض منهم عنصرا سلبيا على مكان وبيئة العمل، يعملون على مقاومة أي تغيير بالمنظمة بشكل واع أو لا واع، لذا على المرأة القائدة أن تعي أن التعامل مع هؤلاء يتطلب مهارة خاصة، تبدأ بمعرفتهم وطرق التواصل معهم، سندرج في هذا هذا الجدول ما يحددهم وفق ما يميز سلوكياتهم وطريقة التعامل مع كل صنف على حدة:

الصنف والسلوك والإجراء:

المهاجمون: يؤكدون على وجهة نظرهم بقوة، ويدافعون عنها.       

الإجراء: خاطبي المهاجم باسمه، وبأسلوب يجمع بين الهدوء والحزم، واطلبي منه الجلوس والاستماع جيدا.

المغرورون: يقدمون وجهة نظرهم بقوة ولكنهم خبراء.        

الإجراء: احترمي خبرتهم ومعرفتهم، وحاولي الاستفادة مما يعرفون، وقدمي لهم الشكر على معلوماتهم القيمة.

الجبناء النمامون: يمارسون أسلوب الانتقاد والسخرية، وتدوين الملاحظات.      الإجراء: استخدمي أسلوبا مريحا مع توجيه الأسئلة المباشرة ليفهموا عدم رضاك، وأسلوب التعزيز الإيجابي.

الضحايا: يدونون كل شيء سلبي، ويتصورون بانهزامية.    

الإجراء: اطلبي تقديم مقترحات لتحسين الموقف، وكذلك توضيح الجوانب السلبية بأسلوب إيجابي ومنطقي.

المبطلون: يعتقدون طريقتهم في التعامل مع الأمور هي الصحيحة فقط.   

الإجراء: دعي هؤلاء يجتمعون مع زملائهم في مجموعة، واتركي زملاءهم يحاولون تنوير هؤلاء المبطلين بأن هناك حلولا أفضل من حلولهم.

المبالغون في الموافقة:.لديهم رغبة في كسب حب الآخرين، فهم ينفذون ما يطلب منهم، ولو كان على حساب أنفسهم، فهم سلميون.         

الإجراء: مراقبة المهام للتأكد من عدم زيادة حِمل العمل عليهم.

غير المستجيبين: من أصعب النوعيات، حيث يبدو استحالة لفت انتباههم.        الإجراء: استخدمي الأسئلة المفتوحة، وانتظري الإجابة، ولو كانت شفهية، تابعي ما عندهم من اهتمام ومهام، وادعيهم لحضور الاجتماعات القادمة.

تاسعا:  المرأة القائدة ومهارة التخطيط.

على المرأة القائدة أن تظهر أمام الفاعلين بصورة الواثقة الممسكة بزمام الأمور، وهذه الصورة يمكن أن تأتي من قوة المنصب الرسمي، لكن امتياز المنصب مؤقت يمكن أن يزول أثره بسرعة، لذا على المرأة القائدة أن تستخدم قوة المنصب بحكمة، وذلك وفق التمضهرات التالية:

الظهور بمظهر لائق.

التحرك بنشاط وحيوية.       

المشاركة بالأحاديث الطريفة.       

اتخاذ القرارات بثقة.

علاج المشاكل بهدوء.

إظهار القدرة على الإتصال بالإدارة الإقليمية للزيادة في طمأنة الفاعلين.   

اتخاذ مواقف إيجابية.

الإهتمام بالإتصالات غير اللفظية، وقد تكون:

المصافحة بقوة وثبات تدل على الثقة بالنفس والرغبة في الإتصال.

الضحكة المناسبة لها أثر إيجابي عدا القهقهة في مجال العمل.

استخدام تعبيرات الوجه، كحركات العين بالشكل الذي يجعل القائدة مقبولة عند الآخرين.

الوضعية الهادئة والمسترخية تدل على الاستعداد لمواجهة الصعاب.

الحركات المناسبة في المواقف المناسبة، لأن الإكثار من الحركات لا يريح الآخرين.

الاتصال البصري مع المتحدث يشعره بالإهتمام.

ومن بين الأدوات التخطيطية التي تضفي سمة النجاح على عمل المرأة القائدة نجد من بينها إدارة الوقت، حيث تتصرف القائدة بأساليب منظمة لتدبيره منها:

تحافظ على مستوى ثابت من الجهد.           

تتوقع ما لا يتوقع.      

تجيد مهارة التفاوض للوصول إلى نتائج ملموسة.    

لا تضيع وقت الآخرين.

تستخدم تقويما لكتابة خطوات العمل اليومية لتحقيق أهداف يومية.

تأخذ بمبدأ الأولويات عند تنفيذ الأعمال.

تخصص وقتا للرد على المكالمات الهاتفية، أوالمقابلات، أومهام محددة.

تتفاوض بصورة فعالة حول مهام محددة.    

القيام بتجميع الأنشطة المتشابهة في وحدات مستقلة.

الموازنة بين مسؤوليات العمل والحياة الخاصة.

التعامل مع المقاطعات بصورة فعّالة.

الإجابة بـ (لا) للمهام غير المهمة.

الخاتمـــة:

إن التربية والتكوين قضية مجتمعية مشتركة، يساهم الجميع في بلورة رؤيتها الإستراتيجية للنهوض به وتنميته، كما يسعى قادة التغيير إلى تطبيق الاستراتيجيات الميدانية المناسبة لتنزيل هذه الرؤية وترسيخ القيم والاتجاهات الجديدة والتجارب التطويرية داخل ثقافة المؤسسة التربوية.

ومن اجل التنسيق بين الجوانب التنظيمية ومشملات الثقافة المؤسسية من أجل تحقيق التغيير الفاعل يعتمد قادة التغيير قيما تشمل السلوكيات والممارسات القيادية المتعلقة بالقيادة بالأهداف والقيادة بالتمكين والتي تساهم في صناعة القرار التربوي بالنسبة لكافة أطر المؤسسة.

ويتبين أن عدم توفر قيادة فاعلة ومؤثرة داخل المنظمة المدرسية وعدم ممارسة دور قائد التغيير بالشكل العلمي، بالإضافة إلى ضعف كفاءة القيادات الممارسة، تعد من أبرز المعوقات التي تواجه عملية التغيير، لدى أصبحت الحاجة ملحة إلى تواجد قيادة قادرة على استيعاب التغييرات والتعامل مع ما تفرضه من تحديات.

ولكي تحوزالمنظمة تنافسيتها في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا بد من ملامسة الكيفية التي تتحول عبرها المنظمة من مؤسسة جيدة إلى مؤسسة" متميزة" وقد نستأنس في هذا المجال بطروحات العالم جيم كولينز الذي أشر على هذا التحول باتباع ما يلي:

ـ وضع استراتيجية واضحة تزاوج ما بين قيم الفرد وقيم المؤسسة.

ـ خلق مناخ من طرف القائد يتسم بالمصداقية تتفاعل مع ثقافة المؤسسة.

 ـ الإهتمام بثقافة الإنضباط بخلق قيود واضحة لا يشعر معها الفاعل بخنق حريته.

ـ مواكبة التغيرات التكنولوجية واستخدامها بشكل فعال دليل صحة وتميز المؤسسات وتفوقها.

يبقى أن نسلم بأن قيادة التغيير تثري عمل المنظمة، وتساعد على زيادة كفاءة الإطار الإداري، قائد التغيير، من حيث ضرورة العمل بها في المنظمة حتى تتمكن المنظمة من قيام بدورها الريادي في قيادة المجتمع.

ويظهر جليا أن القيادة النسائية تستطيع احتواء صراعات المنظمة فهي تتوقع الأزمات داخل فعل التغيير، فهي أكثر إنسانية وأكثر توازنا وإنصافا داخل المنظمة، بالرغم من الحصار الفكري والثقافي المدعم من طرف الصور النمطية التي أبعدت النساء عن القيادة. في حين عرف التاريخ قياديات بعضهن يمشي عليهن وصف أنطونيا فريزر بمتلازمة التذييل "متلازمة ذيل القيادة"، وهذا يعني أن هؤلاء النساء جئن إلى السلطة من خلال الروابط الأسرية، أو وصف "البقع العمياء" لروسبيث كانتر المختص في التحليل التنظيمي، وخاصة التي تخفي السمات الجنسية في القيادة والسلطة، وتسلط الضوء على أسلوب القيادة المتمحور على أساس النوع الاجتماعي الجنسي.

 إن التخطيط الجيد للموارد البشرية يساعد على زيادة فعالية الاستفادة من إمكانياتها التي تتميز بقدر عال من المقدرة والرغبة في العمل، مما ينتج عنه انخفاض في التكلفة المالية، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.

وتشتمل عملية التخطيط الإستراتيجي على عدة مراحل، تبدأ بتحديد الأهداف التنظيمية ثم التنبؤ بالطلب، ثم التنبؤ بالعرض، ثم التوازن بين جانبي العرض والطلب، ثم تطبيق الخطة، باللإضافة إلى عملية التغذية الراجعة المتوجة لعملية التخطيط الإستراتيجي الذي خصصا له جزءا خاصا به في كتاب قادم والله ولي

التوفيق.

 

المراجــع العربية

أردواي تيد، فن القيادة والتوجيه، ترجمة د.محمد عبد الفتاح إبراهيم، 1965.

د. جمجوم محمد هشام، سيكولوجية الإدارة، المكتبة الجامعية، دار الشروق.

د.عبد النور ادريس، التكنولوجيا الإدارية قيادة التغيير والتخطيط الاستراتيجي، الجزء الاول: قيادة التغيير"، مطبعة بلال ،فاس، الطبعة الثانية، يونيو 2018ـ 

د. القحطاني محمد بن دليم، إدارة الموارد البشرية.. نحو منهج استراتيجي متكامل، مكتبة العبيكان، والمكتبة العربية، 2008.

المراجــع الأجنبيـــة

Britton ,leola,an investigation into competencies Associated with change leadership, nelson Mandela university, 2010.

Heifetz, R. A., & Laurie, D. L. The work of leadership. Harvard Business Review,75(1) ; (1997).

Kotter, John. Leading Change: Why Transformation ; Efforts Fail. Harvard Business Review (March – April ; 1995 .

McCleary , L. E. and Hencley, S.P. : Secondary School Administration. Theoritical Bases for Professional Practice. Dodd, mead company inc. N.Y. 1965 .

Robert P. Vecchio “Leadership and gender Advantage” in the leadership quarterly, (2002).

Turgeon, B. La pratique du management (2ème édition). Montréal : Mc Graw Hill Editeurs ;(1989).

Yuki، G.A. “Leadship in organizations” New Jersey: Prentice-Hall International, (Second Edition) ; (1989).

المرأة وأنماط القيادة الإدارية Leadership Féminin
Partager cet article
Repost0
7 septembre 2023 4 07 /09 /septembre /2023 12:55
	اللغة والتفكير: مقاربة معرفية

اللغة والتفكير: مقاربة معرفية

دة/ حنان الغوات

دراسة محكمة

أستاذة التعليم العالي مساعدة

بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/ مكناس

elghhanan@gmail.com

ملخص البحث

يندرج موضوع هذا البحث ضمن مجال العلوم المعرفية. ويتخذ من العلاقة بين اللغة والتفكير مدار اهتمامه، وذلك عبر المناحي الثلاثة الآتية:

منحى معرفي: عبر إبراز نظريا سيرورة فهم اللغة، وعلاقتها بالتفكير.

منحى لغوي: من خلال رصد مظاهر التفاعل بين عمليات فهم اللغة في أبعاده المختلفة: معجمي، تركيبي، دلالي؛

منحى بيداغوجي: عبر الانفتاح على أهمية التفكير في بناء اللغة ومحاولة أخذها في الاعتبار أثناء تعليم/تعلم اللغة.

ويمكن لهذه المقاربة المتبعة في هذا البحث، أن تشكل مدخلا شاملا لفهم صعوبات فهم اللغة، وخاصة فيما يتعلق بالربط بين الكلمات والعبارات ومعانيها داخل نمط تفكير لغة معينة، كما من شأنها تعرف أهم النماذج المفسرة للسيرورات المعقدة التي تهم فهم اللغة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعالجة المعرفية للغة هي عبارة عن تركيب ذهني تنصهر فيه عدة تمثلات، وكثير من العمليات/ السيرورات، وتتدخل فيهما عدة عوامل قد لا تنتمي إليهما جوهريا، وذلك بحكم طبيعة المعالجة والفهم المعقدين. وهي عوامل تتعلق عموما بالذات، ثم السياق.

Abstract

The topic of this research falls within the field of cognitive science. He takes the relationship between language and thinking as the focus of his attention, through the following three aspects:

Cognitive approach: by highlighting theoretically the process of understanding language, and its relationship to thinking.

Linguistic approach: by observing the interactions between the processes of understanding language in its various dimensions: lexical, syntactic, semantic;

3- Pedagogical approach: through openness to the importance of thinking in building language and trying to take it into account during language teaching/learning.

 This approach used in this research can constitute a comprehensive approach to   understanding the difficulties of understanding the language, especially with regard to the link between words and phrases and their meanings within the thinking pattern of a particular language.

It should be noted here that the cognitive processing of language is a mental structure in which several representations and many processes are fused, and several factors that may not belong to them are involved, due to the complex nature of processing and understanding. They are generally related to the subject, and then to the context.

مقدمة

يقول ألدوز هاكسلي (Aldous Huxley):" إن الثقافة البشرية، والسلوك الاجتماعي، والتفكير لا توجد في غياب اللغة» (جمعة سيد يوسف، 1990). وعلى هذا الأساس، فاللغة أهم ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، ومن المتفق عليه الآن، أن الإنسان وحده، هو الذي يستخدم الأصوات المنطوقة في نظام محدد، لتحقيق الاتصال والتواصل، وهو ما يؤكده فيرديناند ديسوسير عندما أكد أن الإنسان وحده القادر على ترجمة أفكاره ومشاعره إلى ألفاظ وعبارات. ذلك أنه حاول استجلاء طبيعة الدال والمدلول داخل العلامة اللسانية، ليجد أن اللغة  ليست كما يبدو، عبارة عن  قائمة من الأسماء والعبارات تقابل قائمة أخرى من المسميات، بل إن الأمر يتعلق بمفهومين اثنين هما الدال والمدلول، حيث يتجاوز الأول كونه كلمة أو لفظا إلى اعتباره صورة سمعية، يشكل الفونيم  شكلها الخارجي المادي، الشيء الذي يتيح للإنسان مثلا باستظهار مقطع معين دون استخدام جهازه النطقي،  أما المدلول فيعتبره في هذا السياق  تصور ذهني أو لنقل  فكرة عن الشئ أو عن المعنى المجرد، فلا تتحقق الدلالة اللغوية إلا عندما تقترن الصورة السمعية بالتصور الذهني لها (فردناند دي سوسير، 1984، ص90)، وهكذا تصبح العلاقة بين الأشياء وتصوراتها الذهنية هي علاقة طبيعية تكاد تكون  كونية، أما طبيعة العلاقة في شكلها المعكوس فهي علاقة اعتباطية يحكمها ما هو جمعي ((فردناند دي سوسير، 1984، ص91) .

وقد يثير هذا القول تساؤلات عن وجود لغة لدى الحيوانات، حيث من المعروف أن الحيوانات الأخرى تتصل ببعضها البعض عن طريق الرموز والأصوات، والإشارات...إلا أنها لا ترقى إلى مستوى التواصل اللغوي الإنساني. وهي نتيجة أكدتها تجارب لمجموعة من الباحثين (غرادنير وطوماسيلو، وفوكلير)، حين أرادوا تعليم قردة الشامبانزي أنواعا من اللغات، فتم التوصل إلى مجموعة من النتائج من بينها : وجود اختلاف كبير بين المهارات الرمزية للشامبانزي، والمهارات الرمزية للكائنات البشرية، حيث لا تتوفر الأولى على عنصري الإنتاجية والإبداعية المميزين للغة الإنسانية، مما يبين أن الإنسان وحده بإمكانه استعمال أنظمة لغوية شديدة التعقيد.(2008 ,Tomasello ). 

وقد تعددت العلوم والحقول المعرفية التي تناولت دراسة اللغة، كل من زاويته، أهمها وأحدثها الدراسات التي  تناولت اللغة كعلم قائم بذاته من الزاوية المعرفية " الدراسة المعرفية  للغة" والتي تجمع بين علم اللغة وعلم النفس اللغوي:  

علم اللغة

علم النفس اللغوي

- الدراسة الوصفية للغة كنظام من الرموز والقواعد التي يجب تحديد وظائفها بدقة.

- دراسة اللغة كتحرير أصوات.

- دراسة نطق اللغة.

دراسة كيف يتم إنتاج اللغة ذهنيا:

تمثل المعارف اللغوية.

اكتساب المعارف اللغوية.

فهمها.

استعمالها.

وكيف ترتبط هذه  المعارف اللغوية بالتصورات والتمثلات العقلية الأخرى.

جدول (1): يبين الفرق بين علم اللغة وعلم النفس اللغوي

وقد جاءت هذه الدراسة العلمية للغة انطلاقا من:

1 - نتائج الأبحاث اللسانية، فمعرفة طريقة اشتغال الجهاز اللغوي، ينبئنا بطريقة عمل نظام التحليل الإنساني للمعلومات.

2 - نتائج الأبحاث اللسانية وخاصة ما يتعلق منها بطريقة تشكل اللغات وطريقة تداولها يوحي عادة ببعض أشكال الإدراك المعرفي.

3 - اعتبار بنية اللغة ما هي إلا تعبير عن بنية العقل.

من هذا التقديم يمكن طرح الإشكال الآتي:

- ما اللغة؟ وأين تتجلى وظائفها وخصائصها؟ وما هي مستوياتها بدءا بالأصوات ووصولا للخطاب؟

- كيف يتم فهم اللغة؟ وما هي طرق دراسة هذه العملية؟

- كيف يتم إدراك الكلام؟ وكيف نتعرف الكلمات؟

- كيف يتم تعلم اللغة ثم إنتاجها؟

- اللغة والتفكير أية علاقة؟

أولا: تعريف اللغة، خصائصها ووظائفها

1-تعريف اللغة

تتعدد تعريفات اللغة بتعدد مجالات البحث، وتعدد العلوم التي اهتمت بها، وتطور هذه البحوث والعلوم.

تعريف ابن جني: "باب القول على اللغة وما هي: أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" (محمود فهمي حجازي، 1973، صص 10-9) .

تعريف دوسوسير: "نظام من العلامات (SIGNS) التي تعبر عن أفكار "- البنيوية              (p 298. ,Rechardkearney)    كما عرفها أيضا "أنها نظام، فهي ظاهرة اجتماعية لتحقيق التفاهم بين الناس.

تعريف سكينر ((396 p . ,Rechardkearney) : اللغة مجموعة من العادات السلوكية، التي قد تكتسب عن طريق إشراطات، وهذا ما يحيل إلى النظرية السلوكية التي تعتبر اللغة سلوكا لفظيا يكتسب عن طريق التثبيت، وخاضع لإشراطات.

تعريف تشومسكي-التوليدية -  (396 p . ,Rechardkearney): اللغة في رأيه هنا فئة، أو مجموعة من الجمل المحدودة، أو غير المحدودة، ويمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر.

تعريف جون ديوي: (عدنان يوسف العتوم، 2017، ص 290)  ”إنها اتصال، وتعبير، تحتوي على عدد من الكلمات بينها علاقات تركيبية، تساعد على نقل الثقافة والحضارة عبر الأجيال“.

تعريف تراجر ( ;p3961989،Crystal, D)  :  اللغة هنا نظام من الرموز المتعارف عليها، وهي رموز صوتية، يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم.

التفاعل هنا هو الهدف، والتفاعل درجة أعلى من الاتصال. فإذا كان الاتصال مجرد نقل فكرة من طرف إلى آخر، فإن التفاعل يعني المشاركة الوجدانية.

تعريف ميكائيل هاليداي. (Halliday, Mak2003): اللغة نظام من المعاني أو الدلالات. ذات وظيفة تواصلية اجتماعية.

تعريف قاموس وبستر Webster ( ;p3961989،Crystal, D)   : اللغة هي عملية الاتصال، ونقل الأفكار والمشاعر عن طريق إشارات وأصوات وملامح وعلامات يفهم معناها.  

يتضح من خلال هذه التعريفات المتعددة أن اللغويين في تعريفهم للغة، أكدوا على قواعد النحو والصرف، والتركيب اللغوي، مع اهتمامهم بالرموز المنطوقة فقط، في حين نجد علماء الاجتماع أكدوا في تعريفهم، على الوظيفة التفاعلية، في الوقت الذي لم  يهملوا الرموز غير اللفظية، أما علماء نفس اللغة، فقد أكدوا على عمليات الاكتساب والارتقاء والإنتاج اللغوي، بالإضافة إلى المعاني والدلالات والعمليات النفسية المرتبطة بها.

هذا التعدد في التعاريف هو بالأساس ناتج على تعدد خصائص اللغة من جهة، ووظائفها من جهة أخرى.

2-خصائص اللغة:

تتميز اللغة الإنسانية بخاصيتين هامتين، تقود الأولى إلى القدرة التنظيمية، وتقود الثانية إلى القدرة الإبداعية (باتريك لومان، 2011، صص 359/360) .

نسقية اللغة: حيث إن اللغة تخضع لقواعد هي التي تحدد طريقة تجميع الحروف والأصوات...وفق نظام وترتيب محددين.

إبداعية اللغة: كونها تتوفر على إمكانية تنظيم وترتيب وتوظيف كلمات بكيفيات مختلفة، ومواقع متعددة،ومن تم إنتاج عبارات مختلفة، وجديدة.

و قد أضاف تشومسكي، خصائص أخرى كلية للغة منها (2000، Noam Chomsky ،) :

الكونية: استعمال جميع الكائنات البشرية السليمة على المستوى الاجتماعي والفيزيولوجي للغة.

التعقيد: توفر اللغة على قواعد وتوفرها على قدرة تعبيرية كبيرة.

الاعتباطية: عدم توفر كلمات لغة معينة على روابط مع العناصر التي تشير إليها، (مثلا كلمة كرسي، لا توحي لما تشير إليه الكلمة فعليا بالنسبة لغير الناطقين بالعربية).

طابع الحذر: احتفاظ الكلمات بكيانها رغم النطق المختلف لها، واستعمالاتها المختلفة في مواقع مختلفة.

الإنتاجية: أي انطلاقا من عدد محدود من الأصوات (غالبا لا يتجاوز 50 صوتا أساسيا في كل اللغات) يمكن إنتاج عدد لا متناهي من الكلمات.

وجود عناصر مشتركة: اشتراك جميع اللغات في بعض العناصر (مثل الاسم، الفعل،الصوامت، الحروف الصوتية...).

هذه الخصائص يمكن أن تشكل إجابة عن سؤال نطرحه باستمرار، هل للحيوانات لغة؟ ليتبين أن الحيوان لا يستطيع اكتساب أو إنتاج لغة، في مقابل الطفل الذي سيكتسب دوماً القدرة على فهم وإنتاج اللغة، وقد سمى تشومسكي هذه القدرة الإنسانية التي يفتقدها الحيوان "جهاز اكتساب اللغة" ((2000، Noam Chomsky،) .

3- وظائف اللغة

مواقف استعمال اللغة للاتصال كثيرة، يجملها هاليداي Halliday في ثمان وظائف أساسية هي: (الرافع النصير زغلول، عماد عبد الرحيم الزغلول، 2014، صص 227/228) .

الوظيفة النفعية: Instrumental fonction: أي استخدام اللغة للحصول على الأشياء المادية مثل: الطعام، والشراب: "أنا أريد".

الوظيفة التنظيمية: regulatoty function أي استخدام اللغة من أجل إصدار أوامر للآخرين، وتوجيه سلوكهم. "افعل كما أطلب منك".

الوظيفة التفاعلية: Interactional function: أي استخدام اللغة من أجل تبادل المشاعر، والأفكار بين الفرد والآخرين. "أنا وأنت".

الوظيفة الشخصية: Personal function: أي استخدام اللغة من أجل أن يعبر الفرد عن مشاعره، وأفكاره. "إنني قادم".

الوظيفة الاستكشافية: Heuristic function:  أي استخدام اللغة من أجل الاستفسار عن أسباب الظواهر، والرغبة في التعلم منها:  "أخبرني عن السبب".

الوظيفة التخيلية: Imaginative function : أي استخدام اللغة من أجل التعبير عن تخيلات، وتصورات من إبداع الفرد، وإن لم تتطابق مع الواقع :"دعنا نتظاهر أو ندعي".

الوظيفة البيانية: Representational function : أي استخدام اللغة من أجل تمثل الأفكار والمعلومات، وتوصيلها للآخرين:  "لدي شيء أريد إبلاغك به" .

وظيفة التلاعب باللغة: Play function : أي  اللعب باللغة، وبناء كلمات منها حتى ولو كانت بلا معنى، ومحاولة استغلال كل إمكانات النظام اللغوي.

هذا التنوع في وظائف اللغة، يحيل إلى البعد الفكري، والعقلي/ المعرفي لها، على اعتبار أنها سيروات ومستويات معرفية تختلف حسب الأشخاص، وقدراتهم الذهنية.

4- مستويات تحليل اللغة

تحلل اللغة من خلال مستويات عديدة، تتعدد بتعدد الوحدة اللغوية القاعدية التي يتم الانطلاق منها، فنجد أربع مستويات أساسية لتحليل اللغة هي: (باتريك لومان، 2011، ص 362).  

المستوى الصوتي: أي التحليل من خلال دراسة الأصوات (الخصائص المادية للأصوات-الفونيتيقا-)، أو دراسة الوحدات الصغرى، المقاطع، (الفونيمات في الملفوظ، - الفونولوجيا-)،

مستوى الكلمات: أي تحليل الكلمات و دراسة كيفية تكونها انطلاقا من عناصر أولية (المورفيمات أو المقاطع،-المورفولوجيا-)،يدرس البنية الداخلية للكلمة .

المستوى التركيبي: التحليل من خلال الجملة، من حيث ترتيب الكلمات. (النحو )، أو من حيث دلالة الكلمات، (السيمونتيقا).

تحليل النسق: من حيث الوحدات الأكبر، مثل الفقرة، أو النص، أو الأحاديث. أو السياق،(البراجماتية).

و كل نوع من هذه المستويات يحدد فرعا من فروع اللغة كما يبين الشكل:

اللغة

تحليل الأصوات

-الفونيطيقا                              تحليل الكلمات                          تحليل الجمل       تحليل الخطاب

-الفونولوجيا                 -المرفولوجيا الإعرابية                           -النحو                  -البرجماتية

                             -المرفولوجية الاشتقاقية                 -السيمانطيقا

الشكل (1) يبين مستويات تحليل اللغة وعلاقتها بفروع اللغة

ثانيا: بنية اللغة

بما أن الإبداعية أحد أهم خواص اللغة، بالإضافة إلى النسقية، فهذا يعني أن العبارات تحتكم إلى قواعد، فتشكل هذه القواعد قيودا للعبارة المراد تكوينها، هذه القيود لها علاقة بكل مستوى من مستويات تحليل اللغة، وذلك على النحو الآتي: (باتريك لومان، 2011، صص 361/370).

قيود معجمية:

وهي نوعان:

ما لها علاقة بالتغيرات المنتظمة للعناصر المكونة لكلمة معينة، حيث يمكن تفكيك الكلمة إلى مقاطع مكونة للأصوات(فونيمات).

و تتم دراسة هذه الأصوات في علم اللغة في إطار الفونيطيقا،أو الفونولوجيا، فتهتم الأولى بنطق وإدراك الأصوات وخصائصها كشكل الموجات،(مثل كلمة واحدة تنطق بكيفيات مختلفة حسب الجهات)، أما الفونولوجيا فتحلل سمات فونيمات[1] اللغة.

ماله علاقة بالتغيرات المنتظمة للخصائص المميزة للكلمات (تواترها،أو طولها)، وأشكال الكلمة الواحدة، أي يتم تحليل شكل الكلمة في إطار المرفولوجيا، إما إعرابية[2] أو اشتقاقية[3].

القيود التركيبية

هي عبارة عن القواعد التي تحكم نظام ترتيب الكلمات لبناء جملة صحيحة، (النحو)، ومن أهم هذه المقاربات في علم اللغة نذكر:نعوم تشومسكي : ونظريته المسماة "النحو التوليدي"، والتي تركز على فكرتين أساسيتين هما:

التمييز بين الكفاية والإنجاز اللغويين، حيث تشير الكفاية اللغوية إلى ما يمكن للفرد أن يفعله باللغة، أما الإنجاز اللغوي، فهو ما يفعله فعلا باللغة، وهذا التمييز، يميز أيضا قدرات الفهم، وقدرات الإنتاج اللغوي.

التمييز بين البنية السطحية والبنية العميقة للعبارة، فالأولى تتعلق بالصياغة، أما البنية العميقة فتتعلق بالمحتوى، (مثلا جملتي: "أكل الطفل الحلوى"،"الحلوى أكلها الطفل ") لهما نفس البنية العميقة لكنهما يختلفان في البنية السطحية.

و انطلاقا من التحليل التركيبي للجمل، (من بنية سطحية إلى عميقة، والعكس)، تم وضع مجموعة من القواعد الأساسية لتنظيم الجمل حسب تشومسكي (باتريك لومير ،2011 ،صص 367-369)

القاعدة الأولى: تحليل بنية الجملة من خلال تنظيمها: ويتم ذلك من خلال تقسيم الجملة إلى وحدات صغرى هي التركيب التعبيري، فهو عبارة عن تحليل الجملة في شكل شجرة مقلوبة، لاستخراج البنية التركيبية للجملة وفيه الانتقال من بنيتها السطحية إلى العميقة والعكس.

الجملة

مركب اسمي                                                                                     مركب فعلي

  قبل                                       ال    فتاة   الجميلة

الشكل (2) يبين بنية أنواع الجمل

القاعدة الثانية: تحليل قواعد بناء الجملة: وفي هذا التحليل ندخل إلى البنية العميقة للجملة، ليسهل إدراك الانتقال من مستوى لآخر، وفقا لقواعد البناء وإعادة الكتابة، وذلك عبر إدراك صفة كل كلمة ومدلولها، لإمكانية تغيير مكانها، والحصول على عدد أكبر من المحاولات والإمكانات في الجمل.

القيود البرجماتية: (باتريك لومير ،2011، صص369-370)

هنا نتحدث في مستوى ثالث من القيود التي تتدخل أثناء الحديث، وهو مستوى اللغة، كما تتداول في الحياة اليومية، وفي الوضعيات المختلفة، فعندما نتحدث فإننا نرسل أفعالا لغوية هي كالآتي:

الأفعال اللغوية: وقد اقترحت نظرية الأفعال اللغوية من لدن جون أوشين، جون سيرل، حيث تصف لنا هذه الأفعال اللغوية الملفوظ وهي نوعان:

من حيث هو فعل مباشر عندما نستعمل اللغة بكيفية اتفاقية وبصراحة مثل (أنجز تمارينك).

فعل غير مباشر كأن أخبر بعكس ما تشير إليه العبارة مثل قول (الجو بارد في هذه الغرفة).

مبادئ المحادثة: حدد الفيلسوف جريس، القيود المرتبطة بالتواصل، وسماها مبادئ الحديث وهي أربعة:

مبدأ النوعية (الصحة في الكلام).

مبدأ الكمية (ألا تتجاوز الحد المطلوب وألا نتحدث عن أمور لا يفهمها المخاطب).

مبدأ الملاءمة (أن تكون لكل عبارة علاقة بموضوع الحديث).

مبدأ الوضوح (أي وضوح العبارات).

باستثمار ما تقدم من داخل العلوم اللغوية، وفي العلاقة مع النظرية المعرفية، يتبين ضرورة معرفة الكيفية التي ينسق من خلالها النظام المعرفي الإنساني بين مجموع هذه المستويات اللغوية، أثناء استعمال اللغة، ومنه ضرورة تعرف الميكانزمات الذهنية المتدخلة في معالجة اللغة.

ثالثا: فهم اللغة

إن فهم عبارة معينة يتطلب توظيف العديد من السيرورات المعرفية، الموزعة إلى مجموعة من الأنشطة، حيث ينبغي أولا تعرف الكلمات المدركة منفردة، أي ترميزها، (مستوى الإدراك)، ثم تمييزها عن الكلمات المتشابهة لها فونولوجيا، وفهم دلالاتها، ثم تحليل نظام ترتيب الكلمات داخل الجملة (مستوى الفهم).

مناهج دراسة فهم اللغة

يعتمد علماء النفس حاليا فئتين من المناهج لدراسة الكيفية التي يتعرف بها النظام المعرفي ويفهم المادة اللغوية، والكيفية التي ستخرج بها المعلومات من هذه المادة اللغوية، وهما (باتريك لومير ،2011، ص 372)

نموذج التعرف البصري

نموذج الحركات البصرية

ويتم انطلاقا من عرض بصري لنص معين، إما عرض ذاتي متقطع، أو عرض بصري متسلسل، فيطلب من الأفراد ثلاث مطالب:

-التعرف على كلمة ما ونطقها بصوت مرتفع.

-القرار التركيبي بأن يلاحظ مثيرا على الشاشة، إما كلمة أو لا كلمة.

-التصنيف، أي تحديد الفئة التي ينتمي إليها المثير .

هو عبارة عن فحص لحركات العين لتعرف موقع العين بالنسبة للكلمة، والمدة التي يتم استغراقها في التركيز على المثير، وعدد المرات التي يتم فيها قراءة المثير، فاتضح أن العين تقوم بقفزات، ثم تتوقف حوالي 250 جزء من الألف للثانية، إضافة أنه أثناء القراءة يمكن أن نتوقف حتى نفهم ثم نسترسل في القراءة.

الجدول (2) يبين الفرق بين النموذج التعرف البصري ونموذج الحركات البصرية

فهم الكلام

كيف يستطيع النظام المعرفي ترميز الأصوات المكونة للكلمات؟

إن المعالجة المعرفية للكلام تتم داخل تمثل معين، ضمن تفاعل بين بنيات الفرد المعرفية مع بنيات الكلام، هذا التفاعل قد ينتج تمثلا دلاليا لمضمون منطوق الكلام المسموع، والذي سيحتفظ به في الذاكرة، من اجل استعماله في فهم لاحق...وهكذا.. مما يمنح أهمية للذاكرة في نجاح السيرورات المعرفية المتعلقة بفهم الكلمات والجمل، في مستوياتها من الادنى إلى الأعلى (LE NY, j.-F. (1997) ; pp 35-53).

وكما هو الشأن بالنسبة للإدراك، فعملية الترميز توظف نوعين من العمليات: عمليات صاعدة وأخرى هابطة.

إدراك الكلام:

إن تعرف الأصوات يتم من خلال مفعول الترميز الفونيمي من جهة، ثم مفعول السياق من جهة ثانية    (Fowler, Californie (1995).).

ذلك أن إدراك الكلام هو العملية التي يتم من خلالها سماع أصوات اللغة وتفسيرها وفهمها. لذلك نجد أن هناك ارتباط بين إدراك الكلام مجالات علم الأصوات والصوتيات في علم اللغة وعلم النفس المعرفي. بحيث تبدأ عملية إدراك الكلام على مستوى الإشارة الصوتية وعملية السمع. (للحصول على وصف كامل لعملية السمع) بعد المعالجة الأولية للإشارة السمعية، تتم معالجة أصوات الكلام بعد ذلك لاستخراج الإشارات الصوتية والمعلومات الصوتية. ويمكن بعد ذلك استخدام هذه المعلومات الصوتية لعمليات اللغة ذات المستوى الأعلى، مثل التعرف على الكلمات.

نموج إدراك الكلام (نموذج ديفيد بيسوني) (باتريك لومير، 2011، ص 376)

تتم معالجة الكلام عبر المراحل التالية:

المثير        المعالجة السمعية            المعالجة الفونيطيقية               المعالجة الفونولوجية استجابة

التمثل العصبي للعلامة الصوتية تحول العلامة الصوتية إلى تمثل عصبي يحتفظ بسمات العلامة المادية، مثل وثيرة الصوت وشدته والبنية الهرمونية للصوت، يؤدي هذا التحول إلى تكون الشفرة الخامة.

تنشيط نطق الأصوات

حيث يعين النظام المعرفي علامات فونيطيقية بالعلامات الصوتية التي تم إدراكها، تتوافق هذه العلامات مع مقاصد المتكلم، وينبغي في هذه المرحلة تجاوز تقطيع العلامة، (مثال اللغة الإنجليزية ونطقها من طرف أشخاص لم نتعود على نطقهم لها) ففي هذه المرحلة يتعرف نظامنا المعرفي على الحدود الفونيطيقية للعلامة.

المطابقة بين المقاطع الفونيطيقية التي تم التعرف عليها وقواعد الفونولوجية المجردة التي تسمح باستخلاص الجوهر الحقيقي للمقطع الفونيطيقي،(أي معلومات حول الفونيم)،ففي بداية هذه المرحلة يتم ترميز المقاطع و تحليلها إلى مكونات فونيمية،و أخرى فونولوجية .

الشكل (3) يبين سيرورة معالجة الكلام حسب نموذج بيسوني

تعرف الكلمات، (تجربة Lively et pissoni)

لتعرف كلمة معينة نوظف العديد من المعلومات المتعلقة بهذه الكلمة، (مثل طول الكلمة، وثيرة ظهورها...) ويمكن تكوين فكرة عن مفاعيل الخصائص المعجمية على عمل النظام المعرفي من خلال ثلاث مفاعيل: (باتريك لومير،2011، صص  379/380).

مفعول البدء

Meyer et schvaueveldt

مفعول التواثر

Wholey

مفعول المجاورة الإملائية

Jonathan grainge

هو أكثر المفاعيل تعرفا على الكلمات بسرعة، من خلال القدرة على أخذ القرار بسرعة،أمام كلمة ما تكون مسبوقة بكلمة مرتبطة بها سيمانطيقيا، فتشير الأولى إلى البدئ أما الثانية فهي الهدف.

وهو توافر الاستعمال الاتفاقي لكلمة ما في لغة معينة، (أي المعدل النسبي للاستعمال)، ومدى أهميته في التعرف على الكلمات.

أي الكلمات التي تختلف فقط في حرف واحد (همل كلمتان متجاورتان)،تستغرق وقتا أطول في التعرف عليها مقارنة مع الغير متجاورة، إلا أنه يعادل مفعول التحمس على مستوى الذاكرة طويلة المدى.

الجدول (3) يبين مراحل تعرف الكلمات حسب ليفلي وبيسوني

مفعول الكلمات والمكونات (السيمانطيقا)

لا يتطلب فهم جملة معينة استرجاع الأصوات من الذاكرة فحسب، أو استعادة شكل أو صوت، أو حتى مجموعة من الكلمات فقط، بل يتطلب أيضا تعرف وتحديد مكوناتها، وإضفاء الدور التركيبي المناسب على الكلمات، ورفع الغموض الناتج عن بنية الجمل. فكيف يستخرج الأفراد مكونات الجمل وبنيتها؟

مكونات الكلمات

يمكن إجمال مكونات الكلمات، في طول الكلمة، تواثرها، وضعها الإعرابي والدلالي.

استخراج البنية التركيبية (باتريك لومير، 2011، صص 390/391)

لقد اختلف علماء النفس حول لمن الأسبقية، هل للمقيدات التركيبية (بنية الجملة)، أم للمقيدات السيمانطيقية والبراجماتية (المعنى والسياق).

لكن وعلى العموم تم التوصل إلى نتائج تساهم في الفهم السليم للجمل من قبيل:

أن الثوابت المعرفية هي التي تعدل المعلومات اللغوية التي تؤخذ في الاعتبار أثناء فهم رسالة ما،إضافة إلى الهدف الذي يرسمه الأفراد لأنفسهم خلال قراءة النصوص، ثم تنظيم الذاكرة طويلة المدى، فعالية معالجة المعلومات، قاعدة المعلومات...

استعمال علامات المساعدة مثل علامات الترقيم، لأنها توجه الفهم...

 فهم النصوص

إن سيرورة فهم النص تتضمن عملية الفهم، وتعرف الكلمات والتحليل والتركيب، ونضيف لها عمليات جديدة أكثر تعقيدا، تتدخل في أنشطة أخرى مثل التعلم، ويعد برنامج والتر كينش الأكثر تطورا في مجال فهم النصوص، ويسمى هذا النموذج "البناء-الإدماج"، فتتم عملية فهم النصوص عبر العمليات التالية (باتريك لومير، المرجع السابق، ص 395).

ترميز وبناء تمثل قضوي[4]: حيث ترمز الكلمات مع التنشيط الأولي لمختلف دلالات الكلمات، ثم يبدأ الفرد في بناء تمثل قضوي عن الجمل المتضمنة للكلمات المرمزة.

إعداد شبكة قضوية: حيث يتم تحويل القضايا إلى الذاكرة العملية في صيغة شبكة من القضايا المترابطة فيما بينها، مع حذف الزوائد، إضافة إلى تنشيط العناصر المرتبطة بالقضايا المتضمنة في الشبكة في الذاكرة طويلة المدى(التنشيط المنتشر).

تحويل المعلومات إلى الذاكرة العملية: حيث يتم انتقاء القضايا المختارة والمعلومات المنشطة لتكوين تمثل متناسق، ويتم هذا الانتقاء وفق التناسق بين القضايا.(حيث تدعم العناصر المتوافقة وتقصى العناصر المتناقضة)هذا التمثل الناتج (تمثل نصي أو بنية كبرى)يتم تخزينه في الذاكرة النصية المرحلية.

يتبين إذن أن إرساء هذه العمليات يؤدي إلى تمثلات متعددة للنص من قبيل:

تمثل ظاهرة (النص ذاته) و تنسى بسرعة، ويمكن أن تختلف  حسب الأشخاص .

تمثل قضوي (عناصر النص و دور هذه العناصر) أيضا قد تختلف حسب الأشخاص.

تمثل لنموذج ذهني (متضمن للوضعية الموصوفة في النص) وهو ما يتم الاحتفاظ به في الذاكرة طويلا.

رابعا: إنتاج اللغة

إنتاج اللغة الشفهية:

نموذجي كل من بوك ويليفيلت، ونموذج دل (باتريك لومير، 2011، صص 397/399)

نموذج بوك ويليفيلت

نموذج دل

-إنشاء محتوى الرسالة المراد تبليغها.

-المعالجة الوظيفية: انتقاء المفردات وتحديد دورها النحوي في الجملة (ليس الاقتصار فقط على اختيار كل كلمة على حدة بل حتى موقعها الإعرابي في الجملة)

-المعالجة الموقعية: يرتب الكلمات المنتقاة لتكوين جملة، وتحويل تلك المفردات (مثل تصرف الأفعال، التأنيث، الجمع...).

-المعالجة الفونولوجية: انتقاء الأصوات المكونة لكلمات الجمل التي أنشأهاثم انتقاء الثوابت الأخرى المرتبطة بالإنتاج الشفهي، مثل العروض أو الإيقاع.

-المعالجة السيمانطيقية: إنشاء معنى الرسالة المراد تبليغها.

-المعالجة التركيبية: تخطيط البنية النحوية لما يسعى إلى تبليغه، فيرتب الكلمات لإنشاء جمل.

-المعالجة المرفولوجية: تخطيط المورفيمات، انتقاء العناصر التي تتيح التعرف إذا كانت الجملة تشير إلى فعل أو عدة أفعال، أو أن الفعل تزامن مع زمن الحديث.

-المعالجة الفونولوجية: انتقاء أصوات الكلمات وإيقاعها ونبرتها.

مراحل المعالجة تتم متزامنة وليس متتالية.

الجدول (5) يبين الفرق بين نموذجي كل من بوك ويليفيلت، ونموذج دل

بصفة عامة فالإنتاج الشفهي يبدأ بإعداد المحتوى، وينتهي بإعداد العبارة الملفوظة.

الإنتاج الكتابي:

نموذج هايس و فلاور (باتريك لومير، 2011،صص  402/403)

التخطيط

إنتاج أفكار، تنظيم الأفكار وتحديد الأهداف

إنشاء النص

إنتاج النص، تشكيل الجمل، ترتيب الكلمات

                                                                   

المراجعة

إعادة القراءة وتصحيح الأفكار، تعديل ترتيب الكلمات

الشكل(4) يبين نموذج هايس وفلاور للإنتاج الكتابي

يتضح أن هذا النموذج بمثابة إطار تصوري لإنتاج اللغة المكتوبة.

خامسا:  علاقة اللغة بالتفكير

من وجهة نظر معرفياتية، فالتفكير عبارة عن نشاط معرفي يتضمن سلسلة من العمليات العقلية المعقدة التي تتضمن معالجة المعلومات من حيث استقبالها، وترميزها وتفسيرها، واستخلاص المناسب منها، وتقوم أيضا، على استخدام الرموز والتصورات والمفاهيم المادية، والمجردة بهدف الوصول إلى نواتج معينة (الرافع النصير زغلول، عماد عبد الرحيم الزغلول، 2014، ص 258) .

تطرح إشكالية علاقة اللغة بالفكر مجموعة من الأسئلة بالنسبة لعلماء النفس المهتمين بدراسة اللغة، ومن أمثلة هذه الأسئلة:

- هل نحن في حاجة إلى لغة لكي نستطيع التفكيٍر، أم نحن في حاجة إلى تفكير لنستطيع الكلام؟

- هل مهارات التفكير واللغة تنمو ككيانات منفصلة؟ أم أنها ترتبط ببعضها البعض منذ البداية؟

- أيهما يعتمد على الآخر؟ اللغة أم التفكير؟ وأيهما يسبق الآخر؟

- هل نستطيع أن نتكلم دون تفكير؟ وهل هناك تفكير بلا كلام؟

وإذا حاولنا أن نصوغ في كلمات موجزة نتائج الدراسات السابقة لهذه المشكلة فسنجد أنها تتأرجح دائما بين ثلاثة أقطاب مختلفة:

الاتجاه الأول: التطابق والامتزاج التام.

 تعد المدرسة السلوكية أفضل ممثل لهذا الاتجاه. فقد انتهى واطسون مؤسس السلوكية القديمة، إلى أن التفكير هو اللغة. وبناء على ذلك فان التفكير عبارة عن تناول الكلمات في الذهن، أو أن التفكير عبارة عن عادات حركية في الحنجرة، أو هو حديث داخلي يظهر في الحركات قبل الصوتية لأعضاء الكلام، أي أن التفكير كلام ضمني. وربما يكون ذلك هو الذي قاد المدرسة السلوكية الأمريكية في مراحلها المبكرة إلى رفض التسليم بوجود أي متغيرات وسيطية بين المنبهات والاستجابات (جمعة سيد يوسف 1990، ص 144) .

الاتجاه الثاني: التباعد والانفصال.

وهو اتجاه تم تأييده من طرف مجموعة من النظريات على النحو الآتي:

وليام شترن WELLIAM STERN والذي ميز في التصور العقلي لنمو اللغة بين ثلاثة أصول للكلام: الميل التعبيري، والميل الاجتماعي، والميل القصدي، ويرى أن الثالث هو الذي يميز الإنسان على وجه الخصوص. فالإنسان في مرحلة معينة من مراحل نموه النفسي يكتسب القدرة على أن يعني شيئا من الأشياء عند تلفظه بأصوات معينة، وعلى أن يشير إلى شيء موضوعي من الأشياء. وفي الحقيقة تمثل هذه الأفعال القصدية أفعالا للتفكير، وبالتالي فإن ظهورها يشير إلى تعقيل وتوضيح للكلام. ولذا يؤكد" شتون " على أهمية عامل المنطق في نمو اللغة، ويقرر انه في المنطق الطفلي تتضح القصدية ويصطبغ الكلام بالخاصية الإنسانية المميزة (ليف فيكوتسكي،2012، ص 73).

جون بياجي الذي رأى بأن الارتقاء المعرفي يحدث أولا ثم يتبعه الارتقاء اللغوي.  فالكلام المتمركز حول الذات يظهر لدى الطفل الذي يسلك، ويتحدث كما لو كان كل ما يراه ملكه هو، ويبدو غير قادر على فهم وجهة نظر الآخرين، وان يدرك الأشياء من الوضع المختلف. إن الحوار المتمركز حول الذات يمضي حسب موقف الطفل الحالي، كما أنه يقوم بوظيفة تنظيم وتوجيه الذات. وفي الثالثة من العمر يكون نصف منطوقات الطفل متمركزا حول الذات. وينخفض هذا بسرعة إلى الربع في حوالي السابعة. والكلام المتمركز حول الذات لا يشار إليه بالضرورة باستخدام الضمير «أنا». ويركز بياجي على وصف وبنية النمو المعرفي «أو ما يحدث في تكوين المفهوم» . وبنمو القدرة على استخدام الصور الذهنية، والرموز عند الطفل، فإنه يدخل (في رأي بياجيه) إلى مرحلة ما قبل العمليات، وهي المرحلة التالية للمرحلة الحسية الحركية وتبدأ من سن الثانية حتى السابعة تقريبا. ذلك انه مع بداية التمثيل الرمزي للبيئة، ونمو القدرة على التصور الذهني للأشياء والأحداث فإنه يتكون لدى الأطفال مفاهيم غير ناضجة يسميها بياجي ما قبل المفاهيم- مثلا قد يكون لدى الأطفال في هذه المرحلة فكرة عامة وهي أن الطيور لها أجنحة وتطير وغالبا ما توجد على الشجر، أو أن السيارات لها عجلات وأبواب وتوجد في الشوارع- إلا أنهم لا يستطيعون أن يميزوا بين الأنواع المختلفة من الطيور أو السيارات، وبمجرد وصول الطفل إلى هذه المرحلة تأخذ القدرة على استخدام الرموز والصور الذهنية في الازدياد بشكل واضح، وبسرعة كبيرة، فتزداد قدرته اللغوية، ويصبح في إمكانه أن يتصور أساليب جديدة للعب الإبداعي (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 146).

أما ليف فيجوتسكي فقد ركز على المنظور الارتقائي، حيث يتصور أن الكلام- لدى الطفل- يكون اجتماعيا في البداية ثم يليه الكلام المتمركز حول الذات وبعده الكلام الداخلي (أو التفكير) وهو بالطبع يناقض التصور السلوكي والتتابع الارتقائي لدى بياجيه (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 145).

ويقرر فيجوسكي صراحة «أن تدفق التفكير لا يصاحبه ظهور متزامن للكلام. فالعمليتان ليستا متماثلتين، ولا يوجد تطابق كبيربين وحدات التفكير ووحدات الكلام. ويتضح ذلك عندما يساء تنفيذ عملية التفكير. وينظر فيجوتسكي للكلام المتمركز حول الذات على أنه مرحلة انتقالية من الكلام الاجتماعي إلى الكلام الداخلي. وتخيل الكلام (أي تحويله إلى كلام داخلي) يعني أن عمليات التفكير تحدث وتوجه بدون الحاجة للكلام الصريح، ويمكن أن نتصور، من الناحية التخطيطية، التفكير والكلام كدائرتين متداخلتين، في أجزائهما المتداخلة يتحد الكلام والتفكير لينتجا ما يسمى التفكير الكلامي، لا يتضمن كل أشكال التفكير أو كل أشكال الكلام (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 148).

دون أن ننسى السياق التحويلي في هذا الاتجاه حيث يعد كل من تشومسكي، وفودر من بين أهم مؤيديه، ذلك أنهم أكدوا على أن اللغة والفكر شيئان مستقلان عن بعضهما البعض، وأنهما ينبعان من أصول مختلفة، حيث يعتبر اللغة بمثابة وحدة تعمل على نحو منفصل ومستقل عن الفكر، وينطلق هؤلاء في تفسيرهم لهذه العلاقة وفقا لظاهرتين هما:

-التفكير ما قبل اللغوي

- الكلام السابق على التفكير.

فبالرغم من أنهم رأوا بأن التفكير واللغة يسيران على نحو مستقل عن بعضهما بعضا، ليندمجا معا في مرحلة ما قبل العمليات، إلا أنهما يؤكدان أن هذا لا يعني بالضرورة أن اللغة والفكر منطبقان، بل مستقلان، فغالبا ما يكون الاندماج في الجوانب الداخلية للمفردات، أي في معناها، إذ أن المعنى هو وظيفة التفكير، وهذا المعنى لا يتجزأ عن الكلمة لأنها لا تعد كلمة بدون معنى ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 262).

الاتجاه الثالث القائل بأن اللغة والتفكير مترابطان ارتباطا وثيقا:

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن اللغة والتفكير مترابطان ارتباطا وثيقا، باعتبار أن اللغة هي الوعاء أو المظهر الخارجي الذي يتم تقديم الفكر من خلاله.

 وما نقصده هنا بالتفكير هو:

الأفكار سواء كانت صورا ذهنية أو أفكارا مجردة

الاتجاهات العامة للتفكير، وطرائق التفكير وأساليبه.

وهذان المحوران هما اللذان يتبدى من خلالهما بشكل واضح العلاقة بين التفكير واللغة. فألفاظ اللغة تعبر عن الأفكار المناظرة لها في عقل الإنسان. وقد عبر عن هذا المعنى «دي سوسير» عندما عرف اللغة بأنها «مجموعة من العلامات تعبر عن الأفكار» غير أن التفكير لا يكون تفكيرا إلا إذا مارس العقل وظيفته الأساسية، وهي «الربط»، أي إذا تم الربط بين عدة أفكار. واللغة ترتبط بالتفكير من هاتين الزاويتين، زاوية الأفكار، وزاوية الاتجاهات الفكرية. فالأفكار يتم التعبير عنها بالألفاظ وبالسياقات التي ترد فيها تلك الألفاظ. كما يتم التعبير عن الاتجاهات الفكرية بالتعبيرات اللغوية المختلفة (جمعة سيد يوسف، 1990، ص 151)..

 وينبثق من هذا الاتجاه- بصفة عامة –ثلاث اتجاهات فرعية:

الاتجاه الفرعي الأول:

 يرى أصحابه تغليب جانب التفكير في تأثيره على اللغة. فبرونو يرى أن التفكير سابق على اللغة التي ينحصر دورها في التعبير عن الذات، حيث يناسب كل حدث فكري حدثا لغويا ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 152).

 ويقرر كورزيبسكي أن طريقة التفكير لدى مجتمعات معينة هي التي تحدد أسلوب تراكيبهم اللغوية. فعلى سبيل المثال: لأن التفكير عند العرب والفرنسيين يغلب عليه الطابع الاستدلالي فان الصفة في لغتيهما تتبع الموصوف بينما التفكير عند الإنجليز تفكير استقرائي، فتأتي الصفة قبل الموصوف ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 153).

الاتجاه الفرعي الثاني:

حيث اللغة أكثر تأثيرا في التفكير خصوصا لدى الجماعات. فاللغة لا توجد في فراغ. إنها تخدم أنساقا أخرى في العقل البشري (وتتأثر بها)، ولأنها تستخدم لنقل الأفكار فينبغي أن يعكس بناؤها ووظيفتها هذه الأفكار. ولأنها تستخدم في التواصل داخل أنساق اجتماعية وثقافية معقدة فان وظيفتها وبناءها يتأثران بهذه القوى أيضا. وبالتالي بمجرد أن نتعلم كيفية استخدام اللغة فإنها تصبح قوة في حد ذاتها فتساعدهم على التفكير ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 153).. فاللغة هي التي تجعل مجتمعا ما يتصرف ويفكر بالطريقة التي يتصرف ويفكر بها.

الاتجاه الفرعي الثالث:

 هو اتجاه توفيقي، وهو الأكثر شيوعا لدى المعاصرين، يقدم حلا وسطا لقضية علاقة اللغة بالتفكيرٍ، ويتحاشى الانتقادات التي توجه إلى الاتجاهات الأخرى. ويرى مؤيدوه أن العلاقة بين اللغة والتفكير علاقة دينامية متبادلة من حيث التأثير والتأثر، فكل منهما يؤثر في الآخر، ويتأثر به. فنحن لا نستطيع أن نتكلم بما لا نقدر أن نفكر فيه، ولا نستطيع أن نفكر بعيدا عن قدرتنا اللغوية ((جمعة سيد يوسف، 1990، ص 155).  

ومن هذا المنطق ينبغي أن تتعدل الأسئلة التي تشغل بال العلماء المهتمين بقضية اللغة والتفكير، بحيث ينشغلون بتوفير الأساليب الموضوعية الدقيقة التي تقيس العلاقة بين اللغة والتفكيرٍ، وكيفية التعرف على أشكال الترابط بين الوظيفتين، وهو ما يتجسد داخل الكلمة.

خاتمة  

عموما، وانطلاقا مما تضمنه هذا البحث، يمكن القول بأن وحدة اللغة والتفكير أو ارتباطهما يتجلى بشكل خاص في الجانب الداخلي للكلمة، أي في معناها.

ومعنى الكلمة واكتشافه يعتبر عملا للتفكير. وبجانب ذلك يعتبر المعنى جزءا لا يتجزأ من الكلمة. فالكلمة من دون معنى ليست كلمة، وإنما هي صوت فارغ. والكلمة بافتقارها إلى المعنى لا تنتمي لعالم الكلام. وعليه فإن المعنى يمكن اعتباره- بدرجة متكافئة- ظاهرة كلامية وظاهرة منتمية إلى مجال التفكير وهو يمثل وحدة التفكير اللغوي.

إن هدف هذا البحث ليس فقط الكشف عن العلاقة بين اللغة (الكلام) والتفكير، عبر إعادة طرح الإشكالات التي سبق لفلاسفة وعلماء اللغة وعلماء النفس طرحها، ولا تحديد طبيعة السيرورات الذهنية التي من شأنها تحقيق فهم اللغة فحسب، وإنما هدفه الضمني هو بسطه كأرضية نظرية للتفكير بيداغوجيا في مداخل لتفسير اضطرابات اكتساب اللغة، سواء اللغة الأم، أو اللغة الأجنبية.

ذلك أن كل مشتغل في الحقل التربوي، واع بالضرورة بطبيعة وتنوع الصعوبات التي تواجه المتعلمين أثناء بنائهم لتعلماتهم المتعلقة باللغة، فيتبين أنه لا بد من ربط اللغة المكتسبة، أثناء التدريس، بنمط الاشتغال الفكري والثقافي لها، حتى يتمكن المتعلم من اكتاب اللغة ثم إعادة إنتاجها من داخل اللغة نفسها.

قائمة المراجع

المراجع العربية

باتريك لوميك "علم النفس المعرفي،المرجعية السيكولوجية للكفايات و بيداغوجيا الإدماج" ترجمة عبد الكريم غريب،منشورات عالم التربية،ط 1 سنة 2011

جمعة سيد يوسف"السيكولوجية و المرض النفسي"عالم المعرفة، عدد 145، سنة 1990

الرافع النصير زغلول وعماد عبد الرحيم زغلول"علم النفس المعرفي"دار الشروق، الأردن 2014

فردناند دي سوسير: محاضرات في الألسنية العامة، ترجمة: يوسف غازي، مجيد النصر، دار نعمان للثقافة، لبنان 1984،

ليف فيكوتسكي:"الفكر و اللغة، النظرية الثقافية التاريخية" ترجمة عبد القادر قنيي،إفريقيا النشر،2012

محمود فهمي حجازي: علم اللغة العربية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1973

عدنان يوسف العتوم "علم النفس التربوي، نظريات و تطبيق"دار النشر المسرة، 2017

المراجع الأجنبية

Crystal, D. : The CambridgeEncyclopedia of Language, Cambridge, Cambridge University Press, 1989-

Finocchiaro, M. : English asa Second Language from Theory to Practice, New York, Regents Publishing Company, SNC, 1974

Fowler, Californie (1995). "Production de discours". Dans JL Miller; PD Eimas (éd.). Manuel de perception et de cognition : parole, langage et communication . San Diego : Presse académique

LE NY, j.-F. (1997), Sciences cognitives et psychopédagogie, cahier Binet-Simon, 650. 35-53.

Halliday, Mak2003” On ;on the architecture of human language;on language and luinguistiques: the collected works ;London and newyork;quinox.

Noam Chomsky ; L’ère Chomskyen; Extrait de L’architecture du langage, 2000 ; article publié sur :

L’ère Chomskyenne, par Noam Chomsky (Extrait de The Architecture of Language) (archive.org)

Rechardkearney : the continental philosophy reader.

Thornbury;scott (2006) –AN A-Z of ELTOxford ;Macmillan;p 24 IS BN 1405070633.

Tomasello, M., Origins of Human Communication. cambridge, MiT press, 2008

 

[1]الفونيم هو أصغر وحدة في سلسلة الملفوظات، وهناك الفونيمات الصوتية VOCALIQUES  ،و الصامتة CONSONNE ،و تتميز هذه الفونيمات بمجموعة من المميزات هي:

-أنفية أو فمية:Orales ou nasales منها ما هو متصل بمؤخرة الفم مثل (m)،أو حرف فمي مثل (p)

-رنانة أو غير رنانة sonores ou sourdes  متوافقة مع اهتزازات الحنجرة (d) أو غير رنانة مثل (t).

-مقفلة أو منقبضة:occlusives ou constrictives أي أن انغلاق القناة الفمية متبوع بانفتاح مباغت مثل (b)،أو أن الانقباض يضيق مثل (f).

-في الأمام أو في الخلف:منه الصامت الشفهي مثل (p)،و الصامت الأسناني مثل (d)،أما فيما يخص الخلفي  فنذكر الصامت اللهوي مثل (k).

[2]الإعرابية :تدرس تغيرات الكلمة التي لا تشكل أي  تأثير كبير على معناها (مثل  التحول من المفرد إلى الجمع، أو التصريف..)

[3]الاشتقاقية:تبحث في تغيرات الكلمة و التي تحدث تعديلا في معناها العام،(مثل الإلحاق suffixation norme/normale : ،أو التصدير préfixation  possible/impossible : أو الزوائديةpara synthétisation croire/incroyable : ).

[4]التمثيل القضوي هو تمثيل يتضمن دلالة الجملة بفضل ترميز العناصر والأدوار التي تؤديها

Partager cet article
Repost0
9 juillet 2023 7 09 /07 /juillet /2023 19:27
الخطاب الثقافي العربي: من النسق الثقافي إلى الرسم السردي للجسد المؤنث

 

من النسق الثقافي إلى الرسم السردي للجسد المؤنث

The Arab cultural discourse

from the cultural model to the narrative drawing of the female body

د. ادريس عبد النور: أستاذ مادة اللغة العربية والدراسات الجندرية، أستاذ مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس – مكناس /المغرب

Email : Abdennour.driss@gmail.com

ملخص:

ركزت المرأة داخل منطقة صراعها مع ذاتها ومع المجتمع على سلاح الجسد، جعلت منه سؤال خصوصية يُقحم الذات طرفا أساسيا في مشروع الكتابة، باعتبارها غاية ومشروعية في المطالبة بحقوقها وواجباتها، فعكست بذلك أساسا، توجها أنثويا جديدا يتفرد في الرؤيا والتجربة، واقترنت العلاقة بين الجسد والكتابة باقتران الوعي الفعلي بالجسد والوعي الممكن للكتابة، واستدعى هذا الوعي إلغاء الانقسام الحاصل بالذات النسائية، كما استدعى ذلك تبني موقف جديد من الذات، أدى بدوره إلى انبثاق رؤية جديدة للعالم، فكان من المحتمل أن يأتي نص المرحلة الأولى في كتابة النساء داعيا إلى تفجير المسكوت عنه بإعادة صياغة مضامينه اللاواعية في أقوال أدبية جمالية خلاقة، واستطاعت الكتابة بذلك أن تُنَفِّس عن الكبت التاريخي للمرأة، فامتلكت بذلك الموروث الثقافي عبر استدعائه واستحضاره وذلك بإطلاق سراح رغبات الجسد، فكان حضور الجسد الأنثوي قويا ضمن هذا الانفتاح على لغة اللاوعي التي تساهم في بروز ثلثي جبل الجليد، وتعمل على تشريح الداخل وعرضه، كما تحضر علاقة الجسد بالكتابة في المكون السردي أساسا باعتباره تقنية مثلى تنجلي فيها ذات الكاتبة وتطفو معها مكبوتات الوعي العقلية والجسدية.

الكلمات المفتاحية: ثقافة، الأدب العربي ، الجسد الأنثوي ،النقد الأدبي، كتابة الجسد.

المقدمة:

تلعب الثقافة في البناء الاجتماعي ركنا أساسيا في حياة المجتمع، فهي بما تحتوي عليه من أشكال، تتدخل في بلورة ملامح شخصيته، وبالتالي في شخصية الفرد والتأثير على سلوكه ونمط عيشه أحيانا بالسلب وأحيانا أخرى بالإيجاب.

ولقد كان للثقافة أن تمر عبر المنعطف الأنثروبولوجي لتحديد الإطار النظري العام الذي يشمل تعدد التعاريف التي تعطى لمفهوم الثقافة خلال المئة سنة الأخيرة. 

فكلمة ثقافة، ونظرا للانتشار والنجاح الذي حظيت به، أصبحت ضحية تنوع السياقات التي استعملت فيها الشيء الذي جعل إدغار موران Edgar Moran يصفها بالكلمة الفخ يقول: "الثقافة بداهة خاطئة، كلمة تبدو وكأنها كلمة، ثابتة، حازمة، والحال أنها كلمة فخ، خاوية، منومة، ملغمة، خائنة"([1]).

إن صيغة "الثقافة" قد ابتدعها ألفريد فيبر الذي عرف الحضارة على أنها جملة من المعارف النظرية والتطبيقية غير الشخصية، معترفا بإنسانيتها وصلاحيتها، بينما عرف "الثقافة" على أنها جملة من العناصر الروحية والمشاعر والمثل المشتركة التي ترتبط في خصوصيتها بمجموعة وزمن معينين.

لقد انتقلت لفظة الثقافة في تعريف ألفريد فيبر من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع حيث دخل مصطلح "ثقافة" في صيرورة التنشئة الاجتماعية"socialisation" على اعتبار أن ما هو ثقافي لا يورث بيولوجيا، وإنما يُنقل عن طريق التعلم، فالثقافة إرث اجتماعي وهي ما يتعلمه الفرد للعيش في مجتمع خاص، على اعتبار أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يخلق ثقافة، وهو التعريف الذي اعتمده هرسكوفيتش عندما قال: "الثقافة هي ما يصنعه الإنسان في البيئة"([2]). غير أن إدغار موران دعا إلى الربط المنهجي لكل الثنائيات التي يمكن أن تخلق الالتباس في دراسة الإنسان من جملتها الثنائية الضدية إنسان/حيوان، ثقافة/طبيعة، حيث قال: "من المفروغ منه أن الإنسان لا يخترقه أي سور صيني يفصل بين جزئه البشري وجزئه الحيواني، من المفروغ منه أن كل إنسان هو كلية بيولوجية بسيكولوجية سوسيولوجية"([3]).

لقد ساهمت أسئلة النقد الأدبي بشكل متميز في تحليل أشكال العلاقة بين الإنتاج الفكري والثقافي ومعطيات البنية الاجتماعية، فقد ساهم لوسيان غولدمان في بلورة العلاقة المباشرة بين مضمون النص الأدبي والواقع المعطى، حيث اعتبر أن العلاقة الأساسية بين الحياة الاجتماعية والخلق الفني لا تهم مضمون هذين القطاعين في الواقع البشري، وإنما تهم فقط البُنى العقلية، أو ما يمكن أن نسميه المقولات التي تنظم في الوقت نفسه الوعي التجريبي لمجموعة اجتماعية معينة والعالم الخيالي الذي يخلقه الكاتب"([4]).

  إن المبدعين للقصة والقصيدة والمسرحية والرواية..."ينتمون إلى فئات بين المثقفين يؤدون أدوارا قد يعونها وقد لا يعونها لصالح أصناف أو طبقات معينة"([5])، فلا يمكن تفسير حدث فكري بدون التطرق للوظيفة الاجتماعية والسياسية لهذا الانتاج لأنها تشخص بعدا من أبعاد الواقع.

ويعتبر الجمال الأنثوي المبثوث داخل هذا المنتوج الأدبي محط اهتمام الثقافة كنسق ومن ضمنها الثقافة العربية التي تشكل فيها الجسد الأنثوي في اتجاه اعتباره كأحد رموزها القوية في الإنتاج والتلقي.

  1. الجمال الأنثوي والنسق الثقافي

لقد تم الاعتراف بالجمال الأنثوي في المجتمعات المعاصرة، باعتباره قيمة ثقافية واجتماعية في ذاتها، فبالموازاة مع عشق الانسان للحياة ورموزها، يعتبر الجسد في حد ذاته أهم رموزها الثقافية، حيث أصبح يشكل قيمة رمزية بذاته ولذاته، ثم تلا ذلك مرحلة أصبح فيها الجزء معبرا رسميا عن الكل، وأصبحت بعض سمات الوجه أكثر دلالة من سائر الجسد باعتبارها جزءً أكثر فردية وأكثر خصوصية، ومرتبطة عضويا بتحديد الأنثوي، وبذلك احتلت أعضاء الجسد : الوجه والعجيزة، قطب اهتمام النسق من حيث شيوع تداولهما في الخطاب الجمالي المتعلق بجسد المرأة، ولمّا تلخَّص جمال الأنثى في تركيز النسق على جمال الوجه، استغرق هذا الاهتمام حقب تاريخية مهمة ووقتا طويلا في التشكل، وبذلك كان جمال الوجه مصدر كل حقول التمثلات الثقافية العامة المتجذرة في المجتمع العربي: في أقوالنا وأفعالنا وخطاباتنا ولا وعينا، وكذا في الأشكال المتخيلة التي يستبطنها الفرد عن نفسه، كما حدث في العصور الأدبية التي مرت معنا، ونأخذ هنا على سبيل المثال ما جاء في بهجة المجالس من تأكيد على جمال الوجه باعتباره من محددات الجمال الأنثوي، فغالبية أوصاف النسق الثقافي، حددت جمال الوجه وركزت عليه، هذا مع العلم أن العجيزة استُهلكت بنفس قوة التعاطي مع جمال الوجه :" قال بعض حكماء أهل الأدب: كمال حسن المرأة أن تكون أربع أشياء منها شديدة البياض، وأربعة شديدة السواد، وأربعة أشياء شديدة الحمرة، وأربعة أشياء مدورة واسعة، وأربعة ضيقة وأربعة رقيقة، وأربعة طيبة الريح، فأما الأربعة الشديدة البياض فبياض اللون وبياض العين وبياض الأسنان وبياض الظفر، وأما الأربعة الشديدة السواد فسواد الرأس والحاجبين والحدقة والأهداب، وأما الشديدة الحمرة فاللسان والشفتان والوجنتان واللثة. وأما المدورة فالرأس والعين والساعد والعرقوبان. وأما الواسعة فالجبهة والعين والصدر والوركان. وأما الضيقة فالمنخران والأذنان والصرة والفرج. وأما الصغار فالأذنان والفم والرجلان. وأما الرقاق فالحاجب والأنف والشفتان والخصر. وأما الطيبة فالأنف والإبط والفرج. وأما العظيمة: الهامة، المنكبان والأضلاع والعجز." ([6]). كما أخذ الوجه حيزا مهما من الوصف والتركيز على تقاطيعه في "تحفة العروس" ، حيث استقطب أوصافا جسدية تشهد للمرأة بالجمال والكمال الجسدي، فقد قال صاحب التحفة واصفا المرأة بأوصاف تتعلق ب:" الصباحة في الوجه، والوضاءة في البشرة، والجمال في الأنف، والحلاوة في العينين، والملاحة في الفم، والظرف في اللسان، والرشاقة في القد واللباقة في الشمائل وكمال الحسن في الشعر"([7]).

وقد عبَّرت امرأة كل العصور بجمال الوجه عن انخراطها الاجتماعي والثقافي، هذا الجمال الأنثوي الذي قورن بعمل الشيطان في العصور السوداء([8]). كما سمح للمرأة أيضا بأن تنتقل من وضعية الشيء إلى وضعية الموضوع، دون أن يتجاوز بها الجمال الوضعية الشهوية نظرا لطابعه الأنثوي، وهو نفس الشيء الذي تأكد في جسم الثقافة العربية من خلال: طوق الحمامة، حيث نحث ابن حزم مكانة متميزة للوجه في مفهوم الجمال الأنثوي، مفهوم الجمال تأثر كثيرا بعلاقة المرأة بالطبيعة والحضارة. فبياض البشرة دلالة على أن المرأة تُخْدَم ولا تَخْدُم. ومن ثم كانت المرأة "المدينية" في أعين العرب أكثر جمالا من المرأة الريفية التي تتعرض لعوامل الطبيعة.

 ولهذا كانت الأهمية التي تعطى للمرأة على المستوى الثقافي ممثلة في المضمون الأنثوي المقرون بالجمال، حيث يكون الوجه عنوانا لهذا الجمال، هذا ما رسخته الثقافة الفحولية حسب شروطها التاريخية عند توصيفها لصورة المرأة وهي تسوق الجسد الإمتاعي باعتباره شرطا وجوديا ووظيفيا، فيصبح الوجه علامة وأيقونة تختزل كل جسد الأنثى، بما فيه نتوءاته وفجواته الشبقية، إن هذا الاختزال يجعل المرأة صفحة بيضاء قابلة للانكتاب بقلم مذكر بحسب املاءاته الاستيهامية، حيث يتم تفحيل المضمون، بالرغم من أن دمغة الشكل يحتلها التأنيث بامتياز.

  1. التفحيل الثقافي للجسد في الخطاب الأدبي العربي

لقد صاغ الخطاب الثقافي العربي متخيله حول الجسد الأنثوي بداية، من خلال الصورة الشعرية التي اتسمت بفاعليتها في رسم صورة المرأة الجميلة، ليس فقط من حيث تأكيدها شعريا، كما مثل ذلك الشاعر الدارمي في بيته الشعري المشهور([9])، بل أيضا من حيث الصورة السردية، وذلك عبر تسريد الجسد من خلال الأنثى ذاتها، وهو يمرّ عبر ممكنات الوصف التي تحتفي بالتفاصيل ، فقد جاء في وصف الأنثى التي تُغْرِي للرجل ما قالته عجوز يقال لها عصام، أرسلها الحارث ابن عمرو بن حجر جد امرئ القيس ملك كندة لتخبره عن أوصاف ابنة عوف بن محلم الشيباني، وقد أُخبر بكمالها وجمالها وقوة عقلها، ولما عادت استنطقها بالقول المأثور:" ما ورائك يا عصام "، قالت :" رأيت وجها كالمرآة المصقولة يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضهورة إن أرسلته خلتها سلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل، ومعه حاجبان كأنهما خطا بقلم أو سودا بفحم قد تقوسا على مثل عين العبهرة [ البقرة الوحشية] التي لم يرعها قانص... وبينهما أنف كحد السيف الصنيع، حفت به وجنتان كالأرجوان في بياض كالجمان شفافية فم كالخاتم، لذيذ المبسم، فيه ثنايا ثغر، ذات استر، تقلب فيه لسان بفصاحة وبيان، بعقل وافر وجواب حاضر، تلتقي فيه شفتان حمراوان تجلبان ريقا كالشهد إذ ذلك، وفي رقبة بيضاء كالفضة ركبت في صدر كتمثال دمية ، وعضوان مدمجان، يتصل بهما ذراعان ليس فيهما عظم يمس ولا عرق يحبس.. نتأ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين يخترقان عليها ثيابها، تحت ذلك بطن طوى على القاطي المدمجة، كسر عكنا كالقراطيس المدرجة، تحيط بتلك العكن سترة كالمدهن المجلو ..."([10])، وتختم وصفها متجاوزة وصف الباقي بحجة أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو شعر.

تعتبر هذه الصورة التي نسجتها عجوز ملك كندة عن الجسد الأنثوي نموذجا مسكوكا في الذهنية العربية، فالوصف هنا لا يفرق بين الوصف البلاغي الآتي من المتخيل وما بين المستوى الإبلاغي التواصلي أمام الملك، فالواصفة هنا: " تتكلم في زمن غير زمن الرؤية المباشرة للجسد الأنثوي تصفه لجسدها وذاكرتها، أي بقدرتها الأنثوية على تعرية جسد الآخر باللغة في حضرة المتلقي" ([11])، فهي بذلك قد وافقت الصورة التي ينتجها النسق الثقافي عن الجسد الأنثوي وأكدت حمولته المتمثلة على شكل صورة ذهنية لغوية، باعتبار تلاحمها مع المتخيل حيث تُبنى بلاغيا.

لقد أتت الصورة الأدبية للمرأة في ذاكرة الشعر العربي مماثلة لصورة المرأة في العصر الجاهلي نظرا للتشابه في المحاسن المعتمدة على مغازلة المخيال الذكوري من خلال مرجعية اللغة: "ومن هنا نستطيع أن نزعم أن اليعْرُبِي امتزج مع بعيره امتزاجا فذَّاً بل إنه تماهى فيه حتَّى يمكن أن يقال إن هناك عملة واحدة لها وجهان: وجه إنساني هو اليعربي وآخر حيواني هو البعير"([12])، حتى أن عجوز ملك كندة لم يخل وصفها للمرأة من وصف الخيل وشعر أذنابها والبقرة وعينيها، ولهذا كان سحر المرأة الجاهلية والصورة التي رسمها الشعراء لها، تمثل الذوق العربي أصدق تمثيل، تُجسد تلك الوحدة المشتركة للوجدان العربي والتي تأكدت في الثوابت الفنية والتخيُّلية التي تنتظم ببنية القصيدة العربية، بنية حية للخلق الفني تُشكلها الوحدة النفسية والشعورية التي جعلت من مقومات الجمال خاصية مشتركة في شعر الغزل ف:" كل حبيبة، صورة مثالية للمرأة العربية التي لفتت الأنظار وسلبت الألباب ودخلت القلوب دون استئذان "([13]). وقد تحدث خليل رفيق عطوي عن هذا السحر الذي "يكمن في تكامل أوصافها، فالعيون نرجس تفعل في المرء فعل الخمر والسهام، والحواجب قسيّ على الجبين الصبوح، والشعر ليل يتدلى على المثنين فيحيط وجها كأنه الشمس أو القمر نورا يشعشع في الخدود الوردية والثغر أقحوان واللَّمى خمر، والريق شهد والأسنان لؤلؤ"([14])، كل هذا يدفع بالبحث إلى تأكيد الصورة المثال للمرأة العربية وجسدها، فهوس العربي بثقل العجز وامتلاء الساق يؤكد الرؤية الشبقية للمجتمع العربي الذي رسخت فيه اللحظة الجنسية ولو على صعيد المتخيل، ذلك الترابط القوي ما بين الشهوة والمتعة والنموذج الجمالي، وقد شهدت العصور اللاحقة حتى حدود العصر العباسي تحولا في وضعية الليبيدو الذي تحول من النموذج الجسدي المكتنز إلى النموذج الجسدي المجدول والممشوق حيث تم تشبيه المرأة بالغصن البان، لهذا "فإن اليعاريب قد ابتدعوا ما يمكن أن نسميه (تناسخ الأجساد ) وخلاصته أن تغدو الامرأة على هيئة الناقة في بعض الأجزاء وعلى صورة الفَرْسَة أو الحجر أو الفُريسة في سائر الأعضاء" ([15]) .

إن حضور النموذج السائد والمألوف والتعامل معه على مستوى المثال استطاعت الذات العربية استحضاره في جل الموضوعات الممثلة له، بما أن الذات هي الضامنة لوحدة هذه الموضوعات، "فإذا كان الشاعر العربي قد بلغ الذروة في التخييل القصصي من خلال وصف الناقة وتصورها بقرة أو ثورا أو نعامة أو قطاة، فإنه قد ظل ملتزما بهذا الاتجاه العام، مما يدل على أن وصف الناقة كان محكوما بتقليد تخيلي ترسخ منذ الزمن " ([16]) .

إن أنْوَقَة صورة المرأة الجاهلية لدى الأعرابي حقيقة وعتها المرأة الأعرابية : "فجهدت جهدها لتشكيل بدنها على مثال بدن الناقة في بعض وعلى رسم بدن الفرسة في بعض الآخر"([17])، فأصبحت تقبل بأربع وتدبر بثمان، عجزاء مدبرة وهيفاء مقبلة كما جاء على لسان كعب بن زهير. فالعربي لا ينظر إلى امرأته إلا من خلال ملامح الناقة والفرسة اللتان يملآن عليه حياته وتشكيلات حواسه، وقد كان من الطبيعي أن يصبح المقياس" الناقوي" هو المقياس الذي يقيس به الأعرابي المرأة. وكانت صورة المرأة في الأدب كما في الواقع مقرونة بالبدانة التي تؤهلها للقيام بوظيفة الأمومة والخصوبة الجنسية. إن الأعمال الفنية اللافتة للنظر في تماثيل ما قبل التاريخ كانت تماثيل المرأة المصنوعة من الحجر الجيري، تمثل امرأة بدينة في كل أعضائها تلميحا لوظيفة الأمومة. واستمرت المرأة صدىً لتهويمات الأديب، حين غلغل النظر في جسدها وتمادى في التعبير عن ميله إلى هذا الجسد، بما فيه من إغراء وفتنة ألهبت أنينه فكشفت ظنونه، فالمرأة عنده سمينة، ضخمة العجيزة، ثقيلة الأرداف، ولهذا فلو كانت نساء الأعراب رسحاوات لما احتاج الإسطير إلى هذا الكم الهائل من المنع والتضييق على المرأة في لباسها وزينتها، ولما انتمى الجسد الأنثوي لدائرة المقدس.

إن العين الليبيدية للأدب العربي كانت منخرطة في تشكيل التقطيعات الجسدية لنحث صورة المرأة المثال التي اكتملت فيها أوصاف الجمال، فرسم النسق خطوطها العامة والخاصة، فبلغت حد الكمال بين الوصف الواقعي والمتخيل، حيث عبّر الشعر القديم عن قمة ما أنتجته حضارة العين، باعتبارها أداة الاستقبال التي يجري التركيز عليها كمركزية ثقافية تُزكي الاشتغال على حاسة البصر وتهمش الباقي، حيث أصبح الجسد يستقبل العالم عبر حس واحد، البصر، ويرسخ نفس الصورة عن الجسد الأنثوي على المستوى البلاغي، ف:" تخييلية الجسد الأنثوي تقف وراء متعة مزدوجة بصرية وخطابية تسامت بالجسد الواقعي وخلقت منه جسدا ثقافيا خاضعا لتطور السنن الجمالية وتحولاتها " ([18]).

ويظهر مع ذلك أن صورة المرأة تلك قد عُرضت مثالا منزوع الحركة أو أداة رمزية قابلة للتوظيف خارج حضورها المُنتج، فهي في كثير من التمثلات سلبية وعاجزة عن الحركة:" فكل ما نتلقاه من آداب وتراث عن المرأة هو نتاج هذه الصورة الخرساء لذلك الجسد النائي" ([19]). فتساوت المرأة العادية بالمرأة المؤلهة في الثقافة العربية، إن النسق الثقافي لم يردهن للكلام في الواقع المحسوس، بل اصطفاهن ليحلِّقن صامتات ساكنات في سماء الخيال، في حين حافظ الجسد بين هذا وذاك على خصوبته وحضوره الجنسي الشبقي والأيروسي في الواقع كما في التمثلات.

  1. الجسد الأنثوي وأسبقية الثقافي على الوظيفي

يملك الجسد الأنثوي من الإمكانيات ما يجعله موحيا بمجموع النسق الثقافي وهو في حالة جمود ومستغن عن الوحدات الإيمائية، وقد يوحي بالمكونات الثقافية وهو على طبيعته يمشي أو يشرب أو يأكل، ويخبر بالجسد ومكانته الاجتماعية في رسائل قد ترتبط غالبا بالملابس والحلي وحالاته الطبيعية أو التجميلية، وقد فرضت الطبيعة على المرأة كما يقول مؤلفا "الإشارات الجسمية": " أن تفوق الرجل في استنطاق الجسم لتوجيه الرسائل والرموز المختلفة للآخرين، فهي تصفف الشعر وتلون الشفتين والخدين، وما حول العينين بألوان الصباغة والرسم، وهي قد تفلح السن بين الشفتين، وقد تضع نقطة الخال تحتهما، وتزين العنق واليدين والرجلين بالمحالي، وتختار من أنماط الزي واللباس التي تخفي أو تكشف عن أجزاء معينة من الجسم تتفق وعرف المجتمع الذي تنتمي إليه. كما تلجأ أيضا إلى وشم مثل الرجل وتختار من الأشكال والخطوط ما يناسب أنوثتها، وهي تعمل بذلك لتوجيه أول وأهم رسائلها التي تتمثل في لفت نظر الرجل"([20]).

فالسياق الثقافي يعتبر من المكونات الأساسية للنسق الثقافي الذكوري وغالبا ما تحصره رؤية الرجل للعالم في طبيعته الثقافية ويتم الاستغناء عن الفعل الوظيفي مما يخلق للجسد الأنثوي وانفراجاته سيمياء مهووسة بالتأويل. فالحركات الثقافية أنتجتها هذه الرؤية وفق قوانينها الخاصة مدعمة لما يمثله الجسد، ويختفي في لاوعي هذه الرؤية التركيز على جسد الرجل، بما هي أسس ثابتة من شأنها أن ترسخ هذه الرؤية للعالم باعتبار الجسد الأنثوي متلقِ فقط لا صانع التمثلات، بالرغم من أن مجمل مدركات الجسد لا تعكس حسب هذا المنظور الذكوري سوى اكتمال المشروع الثقافي الذي سهر الرجل على تأسيسه، وترسيخه في الأسطورة والميتافيزيقيا، والفلسفة والدين والقانون والفن، وجمده في اللغة فأصبح جسدا من مقوماته الإبستيمولوجية الإيحاء في الصمت والحركة.

إن وجود الجسد الأنثوي مرتبط بفضاء التوقعات التي يُحمل عليها كقراءة للنسق الثقافي المسبق، وإذ هو يخضع للسكون، ينتظر المعنى من العين التي ترى، المعنى الذي يأتيه من النسق، المعنى الذي يحمله ويبعده عن الجسد المحسوس، وتستعمل المرأة كل أنواع الحُجُب لإخفاء المعطى الوظيفي المحسوس من الجسد لتلائم تصورات الثقافة الذكورية: " فليس في طبع الثقافة الذكورية أن تتحمل أو تقبل "واقعية" الجسد المؤنث، ومن الضروري لهذه الثقافة أن يكون التأنيث قصيا ووهميا لكي تظل الأنوثة "مجازا" ومادة للخيال. وفي هذه الحالة فقط تكون الأنوثة جذابة ومطلوبة في المخيال الثقافي، وتنتهي جاذبيتها بمجرد تحولها إلى واقع محسوس"([21]). وهذا ما تعيه المرأة جيدا وتحاول أن تغلف به واقعية جسدها، حتى يمكنها أن تتاجر بمفاتنها التي سما بها النسق الثقافي نحو المثال، تقول لوسي إيريغاري في ذلك:"على الرغم من جمال جسدها[المرأة]، وعلى الرغم من أنها تتزين بالذهب من أجله[الرجل]، فهي تبقى متحفظة ومتواضعة ومحتشمة فيما يخص عضوها. فهي شريكة في إخفائه. ففي هذه اللعبة المزدوجة، تعري المرأة جسدها، وتتبرج، وذلك لكي تحفظ فرجها بصورة أفضل، ولئن كان لـ"لجسد" المرأة من "فائدة" أو "قيمة" تذكر، فإن ذلك يتم شريطة أن تستر عضوها، هذا "اللاشيء" المعد للاستهلاك والمتخيل Fantasmé. فكيف يمكن المتاجرة بهذا الشيء الهزيل والأجوف؟ ينبغي على المرأة كي تلقى رواجا، أن تحجب هذا الشيء المهين والبخس mé-prix الخاص بها"([22]). إن واقعية الجسد إذن تضعه موضعا متدنيا في سُلم الاهتمام، ومن ثم تصبح الرغبة من المعطيات الأساسية التي تشغل فراغ الجسد وتشعره بالحياة، حيث يتنكر الجسد لتصرفاته الآلية ويموقعها ضمن الأنساق الرمزية. يقول روجي دادون: "بالرغبة يتملص الجسد من تصرفاته الآلية ويجعلنا نتذكر بقوة، بالرغبة يتحين الجسد، يهتز، ويدرك نفسه باعتباره نبضا حيا، بها يجعل نفسه حاضرا ثقيلا رشيقا متوسلا أو آمرا"([23]).

  1. تسريد الجسد في النص الأدبي العربي

تسرد المرأة الأديبة الجسد الأنثوي وهو مُتخم بفضاءات رمزية متعددة، معتمدة على ألق اللغة وشاعريتها وإنسانيتها، إنها تضع رغبتها في اللغة قبل أن تودعها جسدها، إن الجسد يلخص في نفس الآن تطلعات النساء، إحباطاتهن ومظاهر استعبادهن، فكما عرفنا مع سرد عجوز ملك كندة الكيفية التي بنت بها الجسد الأنثوي ماديا، نعرف مع الروائية غادة السمان بناءها للجسد الأنثوي ثقافيا، تقول في قصتها "الخاطبة" واصفة التراث الأنثوي، وهو يشتمل على أمنيات لاواعية للعريس، وعلى أوصاف العروس المثالية في المجتمع العربي الحديث، تقول: " عروس نادرة يا ابني. لها فم تأكل وليس لها فم يحكي. ما قبّل فمها غير أمها. لاتغادر البيت دونما استئذانك إلا إلى قبرها. لا تلد إلا الصبيان. خادمة في النهار وجارية في الليل. خاتم في أصبعك تديره كما تشاء وتخلعه حين تشاء. وإذا فركته قال لك شبيك لبيك عبدتك بين يديك" ([26]). وتتابع الخاطبة عرض "سلعتها" التي تستحي من أكل الموزة أمام الناس تقول:" عروس نادرة بيضاء شق اللفت، تقول للقمر قم لأجلس مكانك. لا تفك الحرف كي لا تفسد القراءة أخلاقها ولا ترى التلفزيون إلاّ بأمرك. لا ترتدي الأحمر إلا في البيت أمامك. لا تنشر الغسيل على السطح إلا محجبة خوفا من كلام الناس وعيون الجيران والشيطان . الكلمة في البيت لك والسكوت والسمع والطاعة لها. أيا كان ما تقول تجيب: أمرك سيدي يا تاج رأسي. لا تستمع في الراديو إلا إلى البرامج الدينية وبرامج الأطفال مع أولادها. لا تقول كلمات مثل "موزة أو خيارة أو بيضة" إلاّ وتضيف عبارة " بلا معنى" بعدها لكي تتبرأ من الإيحاء بمعنى جنسي. بنت 14 سنة تصلح لزيجة الدهر." ([27]).

  وقد سردت المرأة المغربية كأختها العربية الجسد معبرة عن الفرح والحزن جاعلة جسدها متورطا في هذا الاحتفال منتشيا أو متشكيا، وهي تنخرط في موجة الجسد الأنثوي المتخيل التي تجتاح حاليا المجتمعات الحديثة، باعتباره أنموذجا للجسد الجميل، الممتلئ، المعافى والقوي.

 لقد كتبت المرأة بالأدوات السائدة والمتمثلة في القول الذكوري الوحيد والمهيمن، وهذا القول الخاص جعل منها موضوعا، لأنها عندما تكتب تقول قولا يمتلك الرجل ناصيته وبداياته التاريخية على الأقل، ففيما راكم الرجل القول اللغوي عبر العصور، شكّل ملامح العالم وصاغ إثر ذلك أدواته اللغوية والمعرفية، ولما تريد المرأة الكاتبة، أن يُنظر لها باعتبارها ذاتا وليس موضوعا لزمها، البحث عن الأدوات التي يتم بها تشكيلها للعالم على صورتها، وإذ تستعمل المرأة الجسد بصفته أداة للتواصل مع العالم، يعتبر من أكثر الأدوات إظهارا لاختلافها، كما يجعلها منسجمة مع ذاتها الحقيقية، ويعطي لقولها طابع الحضور باعتباره امتدادا للجسد، وبذلك توزعت صورة المرأة من خلال الوضعية التسلطية للمجتمع إلى صورتين:

1) صورة المرأة المثال وهي تسكن المجرد وتبيح في علاقتها الاستيهامية مع الرجل كل شيء.

 2) صورة المرأة في وضعية اجتماعية واقعية تحكمها قوة القهر وسلطة الملكية .

إذن:

  • أين المرأة من جسدها وأنوثتها ؟
  • ماهي علاقة جسد المرأة بالكتابة؟
  • هل كتابة المرأة انفتاح للغة اللاوعي أو خضوع للسلطة؟.
الخاتمة:

لقد نادت النساء في بداية الحركة النسوية بقلب الأدوار ونقل السلطة من تسلط الرجل على المرأة إلى تسلط المرأة على الرجل، واستقر الرأي أخيرا على إعادة العلاقة المتكافئة والمتحررة بينهما، وهذا النضال يجد منطقه في المستوى الثقافي، غير أن المرأة بدأت تركز داخل منطقة الصراع على سلاح الجسد، جعلت منه سؤال خصوصية يُقحم الذات طرفا أساسيا في مشروع الكتابة، باعتبارها غاية ومشروعية في المطالبة بحقوقها وواجباتها، فعكست بذلك أساسا، توجها أنثويا جديدا يتفرد في الرؤيا والتجربة، ذلك أن تمايز كتابات المرأة، واختلافها عن كتابات الرجل يرجع بالأساس إلى الاختلاف الكائن في تفاصيل رؤيتها للعالم، واقترنت العلاقة بين الجسد والكتابة باقتران الوعي الفعلي بالجسد والوعي الممكن للكتابة، واستدعى هذا الوعي إلغاء الانقسام الحاصل بالذات النسائية، كما استدعى ذلك تبني موقف جديد من الذات، أدى بدوره إلى انبثاق رؤية جديدة للعالم، فكان من المحتمل أن يأتي نص المرحلة الأولى في كتابة النساء داعيا إلى تفجير المسكوت عنه بإعادة صياغة مضامينه اللاواعية في أقوال أدبية جمالية خلاقة، واستطاعت الكتابة بذلك أن تُنَفِّس عن الكبت التاريخي للمرأة، فامتلكت بذلك الموروث الثقافي عبر استدعائه واستحضاره وذلك بإطلاق سراح رغبات الجسد. 

قائمة المصادر والمراجع:
  • العربية
  • بهجة المجالس، تحقيق محمد مرسي الخولي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القسم الثاني ص13. نقلا عن: دة. نادية العشيري، ملامح في صورة المرأة من خلال بعض مصادر الأدب الأندلسي ، المرأة والكتابة، سلسلة ندوات 8 ، سنة 1996.
  • التيجاني، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم، تُحفة العروس ونزهة النفوس، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، سنة 1987.
  • حميد لحمداني، الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم (العصر الجاهلي)، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط1، 1997 .
  • حسام الدين، كريم زكي، الإشارات الجسمية، دراسة لغوية لظاهرة استعمال الجسم في التواصل، المكتبة الأنجلو مصرية، ط1، سنة 1991.
  • خليل عبد الكريم ، العرب والمرأة، حفرية في الاسطير المخيم ، الانتشار العربي سينا للنشر ، سنة 1997.
  • رفيق خليل عطوي، صورة المرأة في شعر الغزل الأموي ، دار العلم للملايين، بيروت لبنان، ط1، اكتوبر 1986.
  • السمان غادة، المجموعة القصصية "القمر المربع"، قصة الخاطبة، منشورات غادة السمان، بيروت، سنة 1994.
  • الطاهر لبيب: سوسيولوجيا الثقافة، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط2، سنة 1986.
  • الغذامي محمد عبد الله، "المرأة واللغة – 2 – ثقافة الوهم مقاربة حول المرأة والجسد واللغة"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، سنة 1998.
  • فريد الزاهي ، الجسد الأنثوي في الثقافة العربية من البلاغي إلى المتخيل، ندوة المرأة والكتابة، سلسلة ندوات 8، كلية الآداب بمكناس ، مطبعة فضالة ، المحمدية، المغرب، سنة 1996.
  • كمال علي، الجنس والنفس في الحياة الإنسانية، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سلسلة أبواب العقل الموصدة، ط3، سنة 1994 .
  • مسكين الدارمي، ديوان، جمع وتحقيق عبد الله الجبوري وخليل ابراهيم عطية، مطبعة  دار البصري ، بغداد ، ط1 ، سنة 1970.
  • ندوة المرأة والكتابة، سلسلة ندوات 8 جامعة المولى إسماعيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، سنة 1995.
  • المترجمة
  • إيريغاري لوسي "سيكولوجية الأنوثة مرآة المرأة الأخرى"، ترجمة د.علي أسعد ، دار الحوار سوريا، ط1،سنة 2007.
  • جوليان هيلتون: نظرية العرض المسرحي، ترجمة: نهاد صليحة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، سنة 1994.
  • روجي دادون: "الرغبة والجسد"، ترجمة: د. محمد أسليم، مجلة علامات، عدد 4، سنة: 1995.
  • الأجنبية
  • Edgar Moran “de la culture analyse à la politique culturelle, communication, N° 14, Paris, 1969.
  • Edgar Moran “le paradigme perdu : la nature humaine, Seuil, Paris, 1973.
  • -Goldman (Lucien) “pour une sociologie du roman », Gallimard, col, “Idées » Paris, 1964.
  • M.J. Herskovits ” les bases de l’anthropologie culturelle », Payot, Paris, 1967.

 

الخطاب الثقافي العربي: من النسق الثقافي إلى الرسم السردي للجسد المؤنث
Partager cet article
Repost0

مجلة العلوم الإنسانية و الاجتماعية،مغربية ثقافية شاملة مصنفة ومحكمة

  • : Revue Cahiersdifference مجلة دفاتر الإختلاف
  • : مجلة دفاتر الإختلاف Revue Cahiersdifference مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية مغربية-دولية ثقافية مصنفة ومحكمة رخصة النشر رقم:07\2005 الايداع القانوني:2005/0165 تصدر عن مركز دراسات MLM وتحمل الرقم الدولي المعياري/ p-2028-4659 e-2028-4667 المجلة حائزة على معامل التأثير العربي Arab Impact Factor لسنة 2023 بمعامل 1.22 وسنة 2024 بعامل التأثير 1.83 كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH
  • Contact

الهيئة الاستشارية العلمية

i أعضاء الهيئة الاستشارية العلمية

د.محمد زرو أستاذ التعليم العالي ( اللغة العربية عميد كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.مولاي عبد الملك الداودي أستاذ التعليم العالي ، رئيس شعبة اللغة العربية بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.عبد المجيد بنجلالي أستاذ التعليم العالي (أدب ونقد)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د.الطيب الوزاني (ادب ونقد)،  كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د.محمد التاقي أستاذ التعليم العالي (لسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

دة.سعاد اليوسفي أستاذة التعليم العالي (أدب) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د. ادريس الذهبي أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. رضوان الخياطي، أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. فريد أمعضشو أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية، مركز تكوين مفتشي التعليم ، الرباط.

د. محمد بنلحسن  أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها،المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ، فاس.

د. عبد الرحيم أخ العرب، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

 الأستاذة الدكتورة/ عائشة الخضر/ رئيسة الاتحاد العربي للثقافة/ تركيا

بحث

الهيئة العلمية والتحكيم

أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم

د.عبد المنعم حرفان، أستاذ التعليم العالي، تخصص اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب

.والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس المغرب

د. خالد قدروز، تخصص أدب  ونقد ، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

د. عبد الواحد المرابط، أستاذ التعليم العالي،  تخصص السيميائيات ومناهج النقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق الدار البيضاء.

د.عبد الكامل أوزال، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/.المغرب

د.الشرقي نصراوي أستاذ التعليم العالي  تخصص (السيميائيات والتأويليات) جامعة السلطان مولاي سليمان - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة.

د.الحسني عبد الكبير أستاذ مؤهل تخصص (اللسانيات) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال.

دة.الزهرة براهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (مسرح وأنثروبولوجيا وديدكتيك) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط- سلا- القنيطرة.

د.الغالي بنهشوم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب)، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل مكناس

د. لخلافة كريم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي 

إسماعيل مكناس

د.أحمد دكار، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علم النفس وعلوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

.فاس/المغرب

دة.لطيفة بلخير ،التخصص: أدب حديث ، أستاذة التعليم العالي ،كلية الٱداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ـ فاس ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

دة.جناة سفضار، تخصص تدبير الموارد البشرية، جامعة لافال، كيبيك كندا

د. عبد الله الروملي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الأدب العام والمقارن، التمثلات الثقافية والاجتماعية والإعلامية، مدير مركز دراسات الدكتوراه بكلية اللغات والآداب والفنون ، جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب.

د. عبد الرحمان إكيدر،  أستاذ محاضر مؤهل،  تخصص: (النقد الأدبي والبلاغة)، كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض مراكش.

د. عادل ضرغام ، أستاذ الأدب والنقد كلية دار العلوم جامعة الفيوم، مصر.

دة. سهام حسن جواد السامرائي،  أستاذة مساعدة تخصص: (النقد الأدبي الحديث)، كلية الآداب، جامعة سامراء، العراق.

دة. بشرى سعيدي. أستاذة محاضرة مؤهلة، تخصص (المسرح وفنون الفرجة) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية جامعة مولاي إسماعيل - مكناس.

دة. سعاد مسكين أستاذة التعليم العالي. تخصص: (السرد العربي) المدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د. هشام بُحَيْري، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص: (النحو واللسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان.

دة. سلوى السعداوي، تخصص: (السرديات والنقد الأدبي، مهتمّة بتحوّلات كتابات الأنا)، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس.

دة. نوال بنبراهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (الدراماترجيا والنقد)، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط.

د. محمد تنفو، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص ديدكتيك اللغة العربية والسرديات ،  المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش آسفي/المغرب

د.محمد أبحير، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال/المغرب

د.محمد الأزمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

د. عبد الرحمن علمي إدريسي، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

محمد زيدان، أستاذ التعليم العالي ، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز  الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد العلمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الدراسات الاسلامية والديدكتيك، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد سوسي، أستاذ مبرز ، دكتور في الفلسفة، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.سميحة بن فارس، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الديدكتيك علوم الحياة والارض ، المدرسة العليا للأساتذة فاس / المغرب

د.عزالدين النملي، أستاذ محاضر ، تخصص اللغة العربية والديدكتيك ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم/المغرب

دة.صليحة أرزاز ، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص لغة فرنسية، ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.المصطفى العناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الاجتماعيات ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.حسان الحسناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فنيطرة/المغرب

د.عمرأكراصي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.حنان الغوات، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش/المغرب

د.حميد مرواني، أستاذ محاضر مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس المغرب

.مكناس المغرب

د.محمد تمي،أستاذ باحث في مجال المعلوميات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم (TICE) وتحليل البيانات لتعزيز ودعم التعلم الرقمي، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس. 

هيئة التحرير وشروط النشر

 

أعضاء هيئة التحرير

اسم مدير التحرير

د.ادريس عبد النور

اسم رئيس التحرير

د.خالد قدروز

هيئة التحرير​​

د.طريق زينون-د.نورالدين محقق-ذ.هواري الأمين
ذ.محسن لوميكي-دة.نجاة سفضار-دة.مهدية بنعبيد
د.أيوببن مسعود-د.محسن الطوصي-
د.مراد بلمودن-د.عبدالرحيم بلكاني

المسؤول التقني والفني

ذ.ياسين مفتاح

ذة.فاطمة نافل

الشروط العامة لنشر البحوث بالمجلة ومنشوراتها:

  • مجلة دفاتر الاختلاف للنشر العلمي مجلة علمية مصنفة ومحكمة ورقية وإلكترونية تعنى بنشر البحوث العلمية في الحقول التالية: العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم التربوية، علوم الشريعة والقانون.
  • تنشر مجلة دفاتر الاختلاف البحوث العلمية الأصيلة للباحثين في هذه التخصصات كافة، من داخل المغرب  وخارجه، مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية. ويشترط في البحث ألا يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر، وعلى الباحث أن يتعهد بذلك خطياً عند تقديم البحث للنشر، وتخضع جميع البحوث للتقويم حسب الأصول العلمية المتبعة.

قواعد النشر:

  • يقدم البحث المقترح للنشر مكتوب بصيغة word بخط Sakkal Majalla حجم 15 دون تضخيم وبالخط نفسه بحجم 12 في الهوامش، شريطة ألا يزيد عدد صفحاته على 20 صفحة (وبواقع 5000 كلمة) بما في ذلك الجداول والصور والرسومات ويستثنى في هذا العدد الملاحق والاستبيانات.
  • تكتب العناوين الرئيسية بحجم 15 والفرعية للفقرات بحجم 14 مع التضخيم (Gras
  • يرفق مع البحث ملخص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية، على ألا تزيد عدد كلمات الملخص على 205 كلمة.
  • تكتب بعد الملخص الكلمات الدالة للبحث (Keywords) في حدود 5 كلمات.
  • تطبع الجداول والأشكال داخل المتن و ترقم حسب ورودها في المخطوط، وتزود بعناوين، ويشار إلى كل منها بالتسلسل، وتستخدم الأرقام التالية: (1,2,3…) في كل أجزاء البحث.
  • كل بحث يجب أن يشمل على مانسبته 20% من المراجع الأجنبية
  • يعطى الباحث مدة أقصاها أسبوعا لإجراء التعديلات على بحثه إن وجدت، وللمجلة بعد ذلك إلغاء الملف البحثي تلقائيا في حال تجاوز المدة المذكورة أعلاه.
  • لا تجيز المجلة بأي حال من الأحوال سحب الأبحاث بعد قبولها للنشر ومهما كانت الأسباب.
  • تكتب الهوامش والإحالات أسفل كل صفحة، وتكون حسب النموذج التالي:

- الكتب: لقب واسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، البلد، الطبعة، السنة، الصفحة.

- الدوريات: لقب واسم المؤلف، عنوان المقال، عنوان الدورية،  دار النشر، العدد، السنة، الصفحة.

  • ضبط لائحة المصادر والمراجع وفق ما يلي: اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، المطبعة، مكان النشر، رقم الطبعة. السنة.

توجيهات عامة:

  • لهيئة التحرير الحق بإجراء أي تعديلات من حيث نوع الحرف ونمط الكتابة، وبناء الجملة لغوياً بما يتناسب مع نموذج المجلة المعتمد لدينا.
  • قرار  هيئة التحرير بالقبول أو الرفض قرار نهائي مع الإحتفاظ بحقها بعدم إبداء الأسباب.
  • ترسل البحوث وجميع المراسلات المتعلقة بالمجلة إلى:

cahiers.difference@gmail.com

cahiersdifference1@gmail.com

مواضيع العدد

من نحن؟

من نحن؟

مجلة دفاتر الإختلاف

Revue Cahiersdifference

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مغربية- دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

رخصة الصحافة رقم:2005/07

الايداع القانوني:2005/0165

 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ISSN

 P-2028-4659

 E-2028-4667

المجلة حائزة على معامل التأثير العربي

 Arab Impact Factor

لسنة 2023 بمعامل  التأثير 1.22

وسنة 2024 بمعامل التأثير 1.83

وسنة 2025 لمعامل التأثير 1,88

كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH

دعوة للنشر بالعدد 23

📢 دعوة للنشر في العدد رقم 23 ) 📢

يسر مجلة دفاتر الاختلاف   REVUE CAHIERS DIFFERENCE  المغربية-الدولية للنشر العلمي والأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغوية والتربوية والقانونية والشرعية، أن تدعو الباحثين والأكاديميين إلى إرسال أبحاثهم للنشر في العدد رقم 23 /يوليوز 2026

📌 مجالات النشر:

العلوم الإنسانية والاجتماعية (الدراسات اللغوية، الأدبية، التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، وغيرها).

جميع التخصصات التربوية (المناهج، طرق التدريس، الإدارة التعليمية، التقويم، التكنولوجيا التعليمية، علم النفس التربوي، وغيرها).

⚡ ما يمتاز به النشر في المجلة:

✔ نشر ورفي وإلكتروني واسع الانتشار

✔نشر وفق معايير علمية و أكاديمية رصينة.

✔ تحكيم علمي بمعايير دولية من قبل خبراء متخصصين.

✔ رسوم رمزية.