قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر" * عرب ولاتينيون
دة: غزلان شهبون*
دراسة محكمة
مقدمة:
الكتاب يقع في 146 صفحة من الحجم المتوسط. يتضمن خمسة عشر نصا فلسفيا. تتصدره مقدمة المترجم وتركيبا مركزا له. ويختتم بلائحة مختصرة للمصادر والمراجع التي اعتمدها المؤلف حسب كل نص من النصوص التي عالجها في هذا الكتاب (ص -ص : 129 – 146)، وخلاصة تركيبية للكتاب ككل في الصفحة الأخيرة (ظهر الكتاب).
يصنف هذا الكتاب ضمن خانة كتب الفلسفة الغربية الحديثة، بتوثيق أصلي باللغة الفرنسية (Que veut dire penser ? : Arabes et latins)، لمؤلفه الفرنسي جان باتيست برونيه (Jean-Baptiste Brenet). فمن هو جان باتيست برونيه (Jean-Baptiste Brenet)؟
جان باتيست بروني (Jean-Baptiste Brenet) أستاذ وفيلسوف، ومستشرق يُدرس الفلسفة (العربية الإسلامية) باللغة العربية بجامعة السوربون، وُلد في 1972 بمرسيليا، مترجم للعربي واللاتيني، إضافة إلى عمله الجامعي، فهو مهتم بكتابة أعمال؛ تُعنى بالفكر الفلسفي في العصور الوسطى. وهو مشارك في مجموعة "ترجمة فلسفات القرون الوسطى". كما أنه عضو للمجلس العلمي بالمعهد الفرنسي لعلوم الإسلام. من آخر إصداراته "ماذا يعني أن نُفكر: عرب ولاتينيون" عن "بايو"- باريس 2022، له كتابات أخرى منها "ابن رشد المقلق" ترجمة جورج زيناتي.
عمل المترجم، محمد الأمين النواري (الشاعر والكاتب المغربي من مواليد مدينة تارودانت سمة 1991، والمقيم حاليا بباريز)، على تقديم هذا الكتاب من خلال مقدمة له، وملخص تركيبي بصدر الكتاب بعنوان "ماذا يعني أن نفكر". استهل المترجم مقدمته لهذا الكتاب بسؤال مركزي، يتمحور حول إمكانية كتاب واحد أن يجيبنا عن "ما ذا يعني أن نفكر؟". فإذا كان فعل التفكير ينحصر بين حدوده الدنيا (أبسط الأشياء في المعيش اليومي)، وحدوده القصوى (الأسئلة المعقدة العلمية والوجودية)، فإنه من الصعب أن يجيبنا كتاب واحد عن هذا التساؤل المركزي. ويحاول المترجم تعداد أوجه التفكير والأنشطة الوجودية ليخلص بأنه "يكفي للشيء بأن يوجد، لكي يكون موضوعا للتفكير، أو لكي يفكر هو نفسه".
ثم يعود المترجم إلى التركيز على محتوى الكتاب، حيث يعتبر أن جوهر التفكير ما تطرق إليه الفيلسوف الفرنسي "جان باتيست برونيه" في كتابه هذا، حيث رسم خريطة ذهنية وجغرافية وتاريخية لمعنى أن نفكر، مقدما إجابات رصينة ومتميزة؛ من خلال اقتراحات المفكرين الكبار؛ كأرسطو وابن رشد وغيرهما من المفكرين الذين انشغلوا بهموم التفكير. وهي الأجوبة التي كانت غير مقبولة في أوروبا لكونها "أجوبة الغريب أو أجوبة الجار اللدود"، ففندت وأهملت وأقصيت، لكن تطور المناهج الفلسفية سيعيد تسليط الضوء بمنظور جديد على مسيرة العرب واللاتينيين في سبيل تطوير الفلسفة.
يتطرق المترجم بعدها إلى طبيعة انتظام فصول الكتاب (النصوص) ضمن خيط متواصل من التفكير، بدءا من الفكر البدائي للطفل والحيوان، وصولا إلى القوة الفكرية التي تمكن الإنسان من التوصل إلى كنه الأشياء وجوهرها، ومن ثم؛ فإن الفكر أو التفكير هو عملية النفاذ إلى عمق الأشياء.
يرتبط التفكير كعملية مركبة بالمفاهيم وبالكليات وبالصور والتخيلات. ومن جانب آخر فالتفكير هو غياب عن العالم، وإدراك للأشياء في حضرة غيابها أو تغييب لها. لينتقل الكاتب للحديث عن "بعد الفكر العابر للأفراد"، وعن أطروحة ابن رشد حول العقل، والتي رفضتها أوروبا الوسطوية. كما يشير إلى مختلف "مقاربات التفكير" داخل التيارات الفلسفية والكلامية والروحية بالعالم الإسلامي وخارجه.
يشير المترجم إلى أهمية الكتاب؛ بوصفه أحدث كتب هذا المستشرق الفرنسي ضمن كتاباته المهتمة بالفلسفة العربية الإسلامية ومعالجة قضاياها، وحسب تعبير الكاتب فإن هذا الكتاب هو "بحر متوسط"؛ فضمن هذا الفضاء المتوسطي تنصهر فيه مختلف ثقافات وأفكار الحضارات المطلة على هذا الفضاء (الإغريق – الأندلس – العرب – اللاتنينين...). وهذا النمط التأليفي المرتكز على التفاعل الثقافي وعلى كيفية التعلم من الجار الغريب، هو أنموذج حي للحوار والتبادل الثقافي خاصة في عصرنا الحالي.
ـأولا: النص الأول: التفكير
يركز المؤلف في هذا المقال الأول على محاولة تأصيل مفهوم "التفكير" (معنى أن نفكر)، بإرجاع الكلمة إلى أصلها اللاتينية (pensare)، والتي تراجعت، مقابل تزايد استخدام الكلمة الفرنسية (penser). ويرى المؤلف أن الكلمة الأصلية اللاتينية) (pensare هي السابقة والمؤسسة لولادة المفكر. ويرجع المؤلف سبب تفسير هذا التناقض، إلى دور الحداثة بقطيعتها مع الماضي وعصرنتها للفكر من خلال نحت كلمة جديدة من أجل عالم جديد وهي كلمة "أن نفكر penser". فتعدد المنجزات البشرية وانفتاحها على الفضاءات المجالية الأخرى طرح مسألة علاقة المفكر بالمادة وبالأفراد الآخرين، وعلاقة الفرد بالطبيعة والكون، وجعل من كلمة التفكير وعاءً لكل هذا (وظيفة جديدة للإنسان). ويميز المؤلف بين كلمة الفكر (la pensée) كأداة لوزن الأشياء وضبطها وتقييمها وإمعان النظر فيها، والتفكير (penser) الذي هو فعل التأرجح والحمولة المرتبكة والمتوازنة على ظهر حصان يركض، ويفرض التفكير نفسه جهريا بين بني الإنسان. ويختتم المؤلف هذا المقال الأول بتساؤل حول أنماط التفكير وغاياته؟ وهو مقصد تأليف هذا الكتاب.
ثانيا: النص الثاني : اللمس (الفكر الأول لدى الجميع)
ينفي المؤلف بالقطع المشهد الزماني الأول للتفكير الخاص بكل ذات إنسانية. ويعتقد أن الباب الأول المفضي إلى هذا الفكر مفقود بالنسبة للجميع وغير موجود. فكل شخص يفكر ينسى فكره الأول، ويغفل عن بداية حياته العقلية، مسترشدا بمقولة "دانتبي عن فيرجيل" بأنه "نهر الكلام الواسع"، وداعما كلامه بقول "ابن رشد" عن المفاهيم الأولى التي هي معقولات "مشتركة بين جمع الكائنات"، نحصل عليها بالاستقراء وبالأحاسيس، وإدراك المعقولات بسبب عرضانيتها يتم بشكل مبكر باستخدام حواسنا وفكرنا التجريدي.
يتميز الفكر الأول بكونه فكرا شاملا وعاما وطبيعيا، حيث يعتمد الحواس في مواجهة الواقع العادي من أجل التفكير فيه. لذلك يرى أن تأريخ الفكر كحدث، يبدأ من بداية الحياة الحسية للطفل، ويؤكد أن "الفكر يحدث في اللقاء الذي يجمع الأشياء بأطراف أصابعنا".
يتطور الفكر الحسي التلقائي الأول لدى الطفل نتيجة عملية النضج والتأثر بالواقع المحسوس بكل مكوناته، وبالشعور والإحساس بالكم الهائل من الأشياء، يقول "أرسطو" " أن تتفلسف هو أن تتفاجأ، أن تفكر هو أن تتعثر بالأشياء وأن تقع عليها".
بعدما تمكن المؤلف من تحديد تاريخية الفكر الطفولي، طرح سؤالا آخرا "لماذا يفكر الجميع؟" أو لماذا بدأ كل إنسان بالتفكير؟ ليحيلنا إلى إجابة "ابن رشد" في هذا المجال : "لأننا جميعا نحس ونلمس".
لقد اهتمت النصوص القديمة بإبراز أهمية الحواس في عملية الفكر وبناء المعرفة. ويذهب المؤلف إلى أن حاسة اللمس هي الحاسة الأساس في عملية بناء الفكر، محددا كوجيطو خاصا به "أنا موجود، إذن أنا ألمس، وأنا ألمس، إذن انا أفكر". وهي الحاسة التي ترتقي بالعملية الفكرية لدى الإنسان، وتميزه عن الحيوان. ومن ثم؛ فولادة الفكر تتم من خلال حاسة اللمس إقبالا على الأشياء أو تجنبا لها. وينهي المؤلف هذا المقال بتأكيده على مقولة: "نحن نفكر، والعالم كله يفكر، فلا بد من ورود الأشياء لإطفاء عطش المعرفة".
ثالثا: النص الثالث : الوهمية والفكرية :
تستعمل الفلسفة العربية الإسلامية كلمة "وهم" بمعنى تكوين فكرة شخصية حول موضوع معين أو تقديره وتقييمه، والوهم أو التقدير سمة مميزة للحيوان، وكذا للإنسان بإعمال العقل. يرى "ابن سينا" أن تقديرنا للأشياء يأتي نتيجة قوة باطنة في الدماغ تجمع بين الذاكرة والخيال وهي "القوة الوهمية"، وهي المسؤولة عن إدراك المعنى في المحسوسات. والتفكير هو ما يسمح بالانتباه إلى دقائق الأشياء، وتزيده الوهمية إغناء واكتمالا ومنحه قطبية ما، وإعطائه دلالة ومعاني جديدة. وهو ما مكن "جاكوب فون أويكسكول" من تطوير نظريته عن المعاني. ويشير المؤلف إلى أن "أويكسكول" كان عليه في إطار تطوير هذه النظرية الاستفادة من درس "ابن سينا" الذي اعتبر أن ما يوجد في المحسوسات ما يحس ويستشعر فعلا وهي الخاصية المشتركة، بجانب المقاصد أو معاني المحسوسات، ما يجعل من الطبيعة فضاء متعدد الدلالات.
أما "ابن رشد" فيرفض هذه القوة الوهمية، ويرى أن الإنسان يمتلك قوة أخرى، تتكفل بالتقاط معنى المحسوسات، وهي "القوة الفكرية"، المتمركزة وسط الدماغ، ويتجلى دورها في إدراك معاني المحسوسات، باعتماد الإحساس والخيال والعقل (اللب داخل القشرة). وبذلك فالتفكر يمنحنا مدخلا ومسلكا إلى الكنه المتفرد للأشياء. كما يسمح لصورنا بأن تشتغل بورتريهات : "التفكر يحول كل الصور من ألبوم ذاكرتنا إلى أيقونات لهذا العالم".
تعمل هذه "القوة الفكرية" على تغيير كل شيء، فهي تسمح للإنسان بحياة واعية في عالم مشور بالأفراد، وبحقائق محددة يمكنه تسميتها واستحضارها، وتفضي به إلى المعرفة، من خلال تهييء المجال لفعل العقل وإظهار الموضوع الذي سيشتغل عليه العقل بشكل تجريدي. وهو ما مكن "طوما الأكويني" من إدراك النواة التي تقوم عليها هذه القوة الفكرية. فالقوة الفكرية المرتكزة على العقل الإنساني تحوله إلى الفعل، ومن "كائن كامن" إلى "كائن مفكر". وتشكل هذه "القوة الفكرية" الجنين الذهني لدور الإنسانية المفكرة المعتمدة على العقل ضمن كوجيطو التفكير الوجودي : "أنا أستعمل القوة الفكرية إذن أنا موجود".
رابعا: النص الرابع: العقل
أن نعقل هو أن نستهلك القدرات العقلية والذهنية؛ بوصفها القدرة العليا لدى الإنسان، ومعها تتعدد مميزات استخدام الإنسان للعقل (النبل – السمو – الفخر...). ويحاول المؤلف حقيقة تشخيص أهداف "التعقل"، ويربطها بهاجس الفلاسفة منذ القدم. إن فعل "العقل" يقوم على إدراك حقيقة الواقع كما هو. ويرصد المؤلف أصل فعل "عقل" منذ العصور الوسطى المستوحى من اللاتينية، بمعنى أن "تقرأ في الشيء". ومن ثم؛ فالتعقل هو الفعل الذي ينص على القراءة والتتبع في الموجودات، والولوج إلى أعماقها، وصولا إلى مركزها ونواتها، أما الحس فهو قوة تعني بالمظاهر الشكلية الخارجية للشيء، فتلتصق بالظاهر والسطحي.
وفق المنظور الفلسفي؛ إن فعل العقل هو الذي يلمح جوهر الأشياء وكينونتها من أجل التوصل إلى مفهوم كلي قابل للإدراك بنفس الطريقة من طرف الجميع. وتتجلى أهم أبعاد الفكر في التعقل بهدف الولوج إلى الكلي، وهو ما يعطي الانطلاقة الأساس للعلم والفلسفة وبناء التصورات حول العالم.
ومن هنا تأتي الفكرة الشهيرة القائلة بأن "الإنسان يصبح لا منتميا حالما يعقل، ويصبح لا متموضعا، ولا يستمر في الوجود هنا والآن". فالعقل عند الكائن البشري قوة بارزة تماما، وعبره يخرج الإنسان نفسه بنفسه من الوضعية التي تحدده وتعيقه وتكبل طاقاته، أكثر مما تحدده حواسه. التعقل إذن؛ سيكون بهذا الفعل الحقيقي خارج المكان والزمان.
ما هي القوة القادرة على ضمان الحياد المماثل؟ الإجابة تكمن في كون أن التعقل كفعل قوة يمكن أن تكون كلية غير متمايزة في انفتاح على الموضوعات والأشياء في كليتها. ويرى المؤلف أن الفلسفة الحديثة تجاهلت للأسف؛ إنتاجات القرون الوسطى وخاصة ما قدمه "ابن رشد" في هذا المجال، مستشهدا بمقال كتبه "فريجه" عام 1918 عن علاقة الفكر بالموضوع.
إن انفتاح العقل على الكلي يجعل فعل التعقل فكريا واحدا. ومن هنا تأتي أهمية نظرية "ابن رشد" حول "وحدة العقل"، التي وجدت صداها عند "مارسيل روست" من خلال قولته الشهيرة "الفكر هو سكن مشترك عالمي". إن العقل هو تجريد للكلي من ماديته، وهو ما يتبناه كل الفلاسفة، فالتفكير يقتضي الحذف وتعرية الأجسام، فالتعقل يتم عن طريق الإزالة والفصل، في أفق الاحتفاظ برواسب الفكر، وبالتالي فإن عملية التعرية هي الخطوة الأولى للتعقل، فالمفكر بعقله يستخرج جوهر الأشياء من خلال مكابدة الكلي. ومع تنوع أشكال المكابدة، أخذت الكلمة دلالات مختلفة، حيث نجد هذه الكلمة عند "أرسطو" تعني "التطور والتقدم"، بينما عند "الفارابي" تعني "الزيادة"، مما يقوي ويضاعف وجود الإنسان. وفي أفق بلوغ التعقل تمامه، يقترح "ابن رشد" نظرية "الفكر اللولبي"، وهي تطوير لفكرة "أرسطو" الداعية إلى التميز بين الشيء المادي وذاته. فالفكر حينما يستطيع الإلمام بصورة الشيء وتجريده، يصبح فكرا لولبيا حلزونيا، يجعل التعقل في حركة دورانية تصاعدية.
خامسا: النص الخامس : رؤية ليلية
مقولة التفكير تشبه الرؤية التي تجعل إبصار الألوان بدقة في وجود الضوء. يكون التفكير مماثلا لإبصار الألوان ليلا أو نهارا. ولتوضيح الأمر لا بد من تحديد الروابط لفعل العقل، وهو ما توصلت إليه الحركات الميتافيزيقية المهتمة بالروح، فالمرئي يتضمن اللون وأشياء أخرى، لا نستطيع تسميتها، ولكن نستطيع إبصارها ليلا، فهو المرئي المختلف، وهو مفتاح مهم للتفكير. فما المقصود بالفكر عندما ينطلق من منظور الرؤية الليلية؟ ماذا يعني أن نفكر حينما يصبح التفكير مماثلا للرؤية، وعندما نعرف الرؤية بأنها الإمساك بهذا الذي يظهر في ظلام الليل؟.
المرئي ليلا هو العنصر الفسفوري، فقد تحدث "أرسطو" عن أشياء لامعة ترى ليلا في غياب الضوء. ومن ثم؛ فهي تعاكس ظروف الرؤية. ويرجع كل من "ألبير الكبير" وتلميذه "توما الأكويني" سبب ظهور هذه الأجسام الفسفورية في الظلام إلى طبيعة تكوينها إلمتمثل في نورها الداخلي الخاص، وشفافية جزئها الخارجي. ومن ثم؛ فإن معنى "أن نفكر : أن ننفتح على كل وهج ينبثق من مصدر داخلي، وعلى كل ما يتألق من أعماق ذاته، هذا الذي يضره الخروج إلى العلن، ويبدده الظهور إلى الواجهة". ومع ضخامة قائمة الأجسام التي تتوهج بحلول الظلام الدامس، وإمكانية رؤية الأجسام حية ومتحركة، يشهد الليل على الرؤية، وهي تتحقق من خلال وجود رابط للتفكير بين مواضيع الفكر ومنازلها، لذلك امتلك المفكرون الوسيطيون حدسا أكثر دقة اتجاه الطبيعة وليلها الحالك. "إن التفكير لا يعني أن ننظر نحو الأعلى وأن نرنو إلى النجوم، بل هو النظر نحو الأسفل، نحو هذا الداني نحو صور الأشياء وحركاتها. نحن نفكر أمام وجه غير مرئي أمام وجه مفكر. "ويضيف "أرسطو" فكرة جديدة، وهي أن العين ترى نفسها ليلا. إن ما تراه أمامها ليس فقط العيون الأخرى، لكن ترى نفسها أيضا، فالليل مرآة عاكسة. فالرؤية ليلا تصلح لأن تكون نموذجا للتفكير.
لا شك أن الحقائق المضيئة والمبهرة ستظل تغري البشر إلى الأبد، ويفند المؤلف الشائعات حول عدم اهتمام المفكرين الوسيطين بالتفكير. فقد اهتم فلاسفة العصر الوسيط بدراسة الأجسام الفسفورية، "لقد كانوا يفكرون، وكانت حياتهم تدور حول التفكير، استطاعوا أن يوصلوا إلينا أفضل ما كان بالإمكان بخصوص معنى أن نفكر بفضل أفكارهم حول الليل" .لقد حاول المؤلف في هذا النص أن يضع تصورا عن التفكير بمقارنته بالرؤية وخاصة عندما ترى الآخر مضيئا (التحديق).
تتعدد مظاهر الترجمة العربية اللاتينية لنص "أرسطو" الأصلي (النص الذي انطلق منه المؤلف في بداية النص) حول المرئي الذي هو اللون، وكيفية شرحه وتأويله لدى "ابن رشد" (شيء يمكن أن يقال لكنه لم يقل)، فأمام عجز "أرسطو" عن تحديد مصطلح أو اسم خاص بالظواهر الفسفورية على الرغم من أنه تحدث عن خصوصيتها. ويعتبر المؤلف أن "اللوغوس" هو الحل لما لا يقبل التسمية، فهو الصياغة التي تعيد التوازن المفقود بغياب الكلمة المناسبة. "أمام غياب اسم ما، نحن نتكلم لنعوض عدم قدرتنا على تسمية الأشياء. نحن نتكلم، لكي نتمكن من قول اللامسمى، أو ما لا اسم له.... إن هذه الصياغة هي التي تعقد المقارنة بين الفكر وبين الرؤية الليلية، هي التي ستستخدم من أجل تحديد القابل للتفكير. إذا كان التفكير يشبه الرؤية الليلية، وإذا كانت الرؤية الليلية تعني إدراك ما يمكن قوله ولكن لم يقل، فالذي يهمنا في التفكير هو هذا أيضا الذي يمكن أن يقال دون أن يكون قد قيل".
ويعترف المؤلف أن هذه العبارة الأخيرة، يمكن قراءتها بطريقتين مختلفتين :
-الطريقة الطبيعية: حيث إن القابل للتفكير هو ما لم يقل، لكن يظل بالإمكان قوله.
-الطريقة الدقيقة أو الترتيبية للكلمات: التفكير يقوم على بلوغ ما يمكن قوله، دون أن يكون قد قيل، في ارتباط بقوة القول.
ويختتم المؤلف هذا الفصل المقالي بقوله "بأن الفكر يتجاوز اللغة ويمتد نحو كل شيء فالفكر شعر أعم".
سادسا: النص السادس : الربط والارتباط
يذهب المؤلف إلى أن "الفكر مسألة رابط"، يحدث في نقطة تثبيت محكمة. ويشير المصطلح العربي إلى ارتباط أو رباط، بينما في اللاتينية تستعمل كلمة الرابط أو الوصلة. ومن ثم؛ فإن الفرد يفكر بالارتباط مع المفهوم والصور التي يملكها ويستخدمها من أجل استخراجه. فالفكر هو عبارة عن علاقة أو رابط بين زوجين، رابط بين المعنى العام ومرجعه، بين الكلي وبين تخيله. فالعلاقات تؤدي دورا مهما في بناء الفكر.
ويرى "أرسطو" أن الروح لا تفكر من دون الصور المتخيلة. وهذا ما يطرح مسألة مكابدة هذه الأشياء وتخيلها بغية استخراج معانيها. لكن "ابن رشد" زحزح هذه الأطروحة للكشف عن العلاقة التي تربط المعقول بالمجرد، وبالتالي أصبحت الصورة هي المعلم الثابت للكلي فلا يمكن تصور الكلي إلا في عمليات الاشتقاق المستمرة من الصورة. إن العلاقة الثنائية بين الفكر والصورة، تعني أن الكلي لا يفكر فيه إلا وجها لوجه مع شيء آخر؛ أي عملية ثنائية بين الجوهر وأساس التخيلات التي يستخرج منها الجوهر. فالفكر يحل حلولا في الأجساد. وكل فرد يعيش تجربة الفكر مرتكزا على الواقع وعلى تجربته. ومن ثم؛ فالفكر يتوقد بنشاط الروح بكل جوارحها، وبتحرك الطاقات النفسية في كل الأعضاء وصولا إلى الدماغ. فالمعقول بوصفه وعاء عامرا وحيا مليئا بالتخيلات، يرتبط بروابط مع الأفراد، فكل معقول يتناسب مع كائن موجود في العالم الخارجي، وهو ما يمكن هذا الكائن من الإدراك. فالكائن والصور هما أساس الإدراك والتعقل. ومن هنا يتميز الفكر بكونه مركبا ونسبيا في آن واحد. ويستخدم "ابن رشد" كلمة عربية أكثر عمقا، وهي كلمة متلبس (في اللاتينية التي تعني المتصل بالشيء)، التي تعني مغطى بالشيء ومرتديا إياه. فالفكر لا يأخذ شكله الكلي إلا متلبسا بلباس ومرتديا لزي الصورة. كما نجد فكرة هذا التلبس لدى "طوما الأكويني" الذي يرى أن عقل الإنسان لا يملك موضوعا آخرا سوى طبيعة الأشياء الجسدية ولا يمكنه بلوغها. فعبر التخيلات يصل الإنسان إلى التفكير، فالتحول إلى التخيلات يمكن الفرد من استقبال الرسالة، ومن إدراك الكلي المستخرج منها، فالمفكر المكتمل يصبح موضوعه الكامل هو الواقع أو الطبيعة. إن التفكير هو حكم وإسقاط للكلي على الأشياء الفريدة وإخضاعها لاختبار الحقائق في علاقة دقيقة مع الصور ومبادئها وأسسها، في أفق إدراك الأشياء كما هي في طبيعتها الخاصة. ويرى المؤلف أن للفكر طيفا فضفاضا مزدوجا، فهو فعل عقلي وحسي (التخيل والإدراك)، يتم نتيجة تدخل الجسد وفي تفاعل مع الزمن، في سياق "نعقل مع" الخيال الزمن الذي يسمح لنا بتحديد الهدف المتمثل في الذات المجردة وفي كينونتها.
ويشير "فرويد" في نهاية كتابه "موسى والتوحيد" عن سمو الروح وتطور الروحانيات، أمام تراجع الرؤية الحسية، وانتصارا للحياة الروحية على الحياة الحسية والتجرد من الغرائز. وهذا النضج الروحي وتجاوز الصورة المفضي إلى "الأنسنة"، كل هذا نتيجة الارتقاء والقفز إلى الدرجة الأعلى، ليتحققا عبر التفكير ضد الصورة. لكن المؤلف يحصر الحديث عن الصورة المحرمة هنا في الجانب الديني المقدس فقط وليس في الجانب الفلسفي.
وسرعان ما يعود المؤلف للتأكيد على أن التفكير الإنساني، يتطلب تحولا مضاعفا من التخيلات (التجريد–التعميم–الاستنباط- الاستنتاج...)، فلن تستطيع الروح بلوغ تمامها بانفصالها عن الصورة، فالصورة هي التمثيل الحسي للشيء، عندما تحتفظ بعلاماته وملامحه الخارجية. ومن ثم؛ فإننا نفكر بالرجوع إلى هذه الصور، ولا يمكن الحديث عن التراجع التام عن التصور الحسي من أجل التمثيل التجريدي. فالتجريد يمكن الفرد من استيعاب أنصاف الأشياء. وهذا ما دفع المؤلف إلى دحض الطرح القائل بأن الروح تتطور في معارضتها للصورة عبر تخليها عن الغرائز. ويعود المؤلف مجددا إلى عنوان النص من خلال فكرة الرابط الذي انطلق منه؛ ليؤكد أن الفكر يحدث كرابط وكرباط وكمزاوجة بين الكلي والخيال، والتفكير يعتمد على تكوين وحدات نفسية تضم المبدأ إلى الصورة بشكل مستمر وشمولي، وهو ما يجعل الفكر غير محايد ومتواصل في علاقته بالتخيل. وفي نهاية هذا الفصل يعود المؤلف ليدافع عن أن الفكر الإنساني يحدث عبر الخيال في تقاطع بين الكلي والمفرد. وهذه الثنائية هي التي دافع عنها "ابن رشد" باسم واجهتي الفكر (واحدة تختفي والأخرى تبقى وتدوم). فالجزء الباقي هو الكلي والجزء الذي يختفي هو الخيال، وبواسطة الخيال يظهر الفكر/الرابط في لقاء اللامادي مع الجسد. ويظل هذا الارتباط قائما إلى النهاية، ويمتد ليشمل فكر الإنسان الحكيم، فحتى لو تمكن الإنسان من تجاوز الفيض للوصول إلى التفكير في المطلق فهو يقوم بذلك عن طريق الصورة، وهو ما دافع عنه "ابن رشد" من خلال نموذج العالم المتبحر والتحول الدائم في معرفته انطلاقا من الصور وباستخدام المفاهيم المجردة. ويعود المؤلف للاستشهاد بمقالة "فريجة" عن الفكر "فالفكر ليس إنتاج الأفكار ولكن استيعابها"، ليؤكد في النهاية على إمكانية فك الارتباط بين بين الجسد والزمان والمادة عندما يبلغ الفكر الإنساني أقصى حده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*باحثة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس-مكناس
* صدر الكتاب في طبعته الأولى، 2023م، مكتبة صوفيا، الكويت، لمؤلفه: جان باتيست برونيه، ترجمة محمد الأمين النواري.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_55df08_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_0b89fb_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_fb7406_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_5ae773_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20220418%2Fob_2cb6ef_.jpeg)
استراحة فكرية.. نديم الوزه/http%3A%2F%2Fwww.ugaritemagazine.com%2FUserFiles%2FImage%2Fnew%2Fsamialbadri.jpg)
/http%3A%2F%2Fwww.ugaritemagazine.com%2FUserFiles%2FImage%2Fnew%2FSaid-AlShaik.jpg)
/http%3A%2F%2Fwww.ugaritemagazine.com%2FUserFiles%2FImage%2Fnew%2FMejda1.jpg)
/http%3A%2F%2Fwww.ugaritemagazine.com%2FUserFiles%2FImage%2Fnew%2Fwathiq.jpg)
/http%3A%2F%2Fwww.ugaritemagazine.com%2FUserFiles%2FImage%2Fnew%2Fnajatz.jpg)
/http%3A%2F%2Fwww.ugaritemagazine.com%2FUserFiles%2FImage%2Fnew%2Fabedanoor.jpg)
جمعية الشـــــروق المكناسي
مكناس في 05 مارس 2010
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)