Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
9 novembre 2024 6 09 /11 /novembre /2024 16:17
قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر" عرب ولاتينيون

قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر" * عرب ولاتينيون

دة: غزلان شهبون*

دراسة محكمة

 

مقدمة: 

الكتاب يقع في 146 صفحة من الحجم المتوسط. يتضمن خمسة عشر نصا فلسفيا. تتصدره مقدمة المترجم وتركيبا مركزا له. ويختتم بلائحة مختصرة للمصادر والمراجع التي اعتمدها المؤلف حسب كل نص من النصوص التي عالجها في هذا الكتاب (ص -ص : 129 – 146)، وخلاصة تركيبية للكتاب ككل في الصفحة الأخيرة (ظهر الكتاب).

يصنف هذا الكتاب ضمن خانة كتب الفلسفة الغربية الحديثة، بتوثيق أصلي باللغة الفرنسية (Que veut dire penser ? : Arabes et latins)، لمؤلفه الفرنسي جان باتيست برونيه (Jean-Baptiste Brenet). فمن هو جان باتيست برونيه (Jean-Baptiste Brenet

 جان باتيست بروني (Jean-Baptiste Brenet)  أستاذ وفيلسوف، ومستشرق يُدرس الفلسفة (العربية الإسلامية) باللغة العربية بجامعة السوربون، وُلد في 1972 بمرسيليا، مترجم للعربي واللاتيني، إضافة إلى عمله الجامعي، فهو مهتم بكتابة أعمال؛ تُعنى بالفكر الفلسفي في العصور الوسطى. وهو مشارك في مجموعة "ترجمة فلسفات القرون الوسطى". كما أنه عضو للمجلس العلمي بالمعهد الفرنسي لعلوم الإسلام. من آخر إصداراته "ماذا يعني أن نُفكر: عرب ولاتينيون" عن "بايو"- باريس 2022، له كتابات أخرى منها "ابن رشد المقلق" ترجمة جورج زيناتي.

عمل المترجم، محمد الأمين النواري (الشاعر والكاتب المغربي من مواليد مدينة تارودانت سمة 1991، والمقيم حاليا بباريز)، على تقديم هذا الكتاب من خلال مقدمة له، وملخص تركيبي بصدر الكتاب بعنوان "ماذا يعني أن نفكر". استهل المترجم مقدمته لهذا الكتاب بسؤال مركزي، يتمحور حول إمكانية كتاب واحد أن يجيبنا عن "ما ذا يعني أن نفكر؟". فإذا كان فعل التفكير ينحصر بين حدوده الدنيا (أبسط الأشياء في المعيش اليومي)، وحدوده القصوى (الأسئلة المعقدة العلمية والوجودية)، فإنه من الصعب أن يجيبنا كتاب واحد عن هذا التساؤل المركزي. ويحاول المترجم تعداد أوجه التفكير والأنشطة الوجودية ليخلص بأنه "يكفي للشيء بأن يوجد، لكي يكون موضوعا للتفكير، أو لكي يفكر هو نفسه".

ثم يعود المترجم إلى التركيز على محتوى الكتاب، حيث يعتبر أن جوهر التفكير ما تطرق إليه الفيلسوف الفرنسي "جان باتيست برونيه" في كتابه هذا، حيث رسم خريطة ذهنية وجغرافية وتاريخية لمعنى أن نفكر، مقدما إجابات رصينة ومتميزة؛ من خلال اقتراحات المفكرين الكبار؛ كأرسطو وابن رشد وغيرهما من المفكرين الذين انشغلوا بهموم التفكير. وهي الأجوبة التي كانت غير مقبولة في أوروبا لكونها "أجوبة الغريب أو أجوبة الجار اللدود"، ففندت وأهملت وأقصيت، لكن تطور المناهج الفلسفية سيعيد تسليط الضوء بمنظور جديد على مسيرة العرب واللاتينيين في سبيل تطوير الفلسفة.

يتطرق المترجم بعدها إلى طبيعة انتظام فصول الكتاب (النصوص) ضمن خيط متواصل من التفكير، بدءا من الفكر البدائي للطفل والحيوان، وصولا إلى القوة الفكرية التي تمكن الإنسان من التوصل إلى كنه الأشياء وجوهرها، ومن ثم؛ فإن الفكر أو التفكير هو عملية النفاذ إلى عمق الأشياء.

يرتبط التفكير كعملية مركبة بالمفاهيم وبالكليات وبالصور والتخيلات. ومن جانب آخر فالتفكير هو غياب عن العالم، وإدراك للأشياء في حضرة غيابها أو تغييب لها. لينتقل الكاتب للحديث عن "بعد الفكر العابر للأفراد"، وعن أطروحة ابن رشد حول العقل، والتي رفضتها أوروبا الوسطوية. كما يشير إلى مختلف "مقاربات التفكير" داخل التيارات الفلسفية والكلامية والروحية بالعالم الإسلامي وخارجه.

يشير المترجم إلى أهمية الكتاب؛ بوصفه أحدث كتب هذا المستشرق الفرنسي ضمن كتاباته المهتمة بالفلسفة العربية الإسلامية ومعالجة قضاياها، وحسب تعبير الكاتب فإن هذا الكتاب هو "بحر متوسط"؛ فضمن هذا الفضاء المتوسطي تنصهر فيه مختلف ثقافات وأفكار الحضارات المطلة على هذا الفضاء (الإغريق – الأندلس – العرب – اللاتنينين...). وهذا النمط التأليفي المرتكز على التفاعل الثقافي وعلى كيفية التعلم من الجار الغريب، هو أنموذج حي للحوار والتبادل الثقافي خاصة في عصرنا الحالي.

ـأولا: النص الأول: التفكير                             

يركز المؤلف في هذا المقال الأول على محاولة تأصيل مفهوم "التفكير" (معنى أن نفكر)، بإرجاع الكلمة إلى أصلها اللاتينية (pensare)، والتي تراجعت، مقابل تزايد استخدام الكلمة الفرنسية (penser). ويرى المؤلف أن الكلمة الأصلية اللاتينية) (pensare هي السابقة والمؤسسة لولادة المفكر. ويرجع المؤلف سبب تفسير هذا التناقض، إلى دور الحداثة بقطيعتها مع الماضي وعصرنتها للفكر من خلال نحت كلمة جديدة من أجل عالم جديد وهي كلمة "أن نفكر penser". فتعدد المنجزات البشرية وانفتاحها على الفضاءات المجالية الأخرى طرح مسألة علاقة المفكر بالمادة وبالأفراد الآخرين، وعلاقة الفرد بالطبيعة والكون، وجعل من كلمة التفكير وعاءً لكل هذا (وظيفة جديدة للإنسان). ويميز المؤلف بين كلمة الفكر (la pensée) كأداة لوزن الأشياء وضبطها وتقييمها وإمعان النظر فيها، والتفكير (penser) الذي هو فعل التأرجح والحمولة المرتبكة والمتوازنة على ظهر حصان يركض، ويفرض التفكير نفسه جهريا بين بني الإنسان. ويختتم المؤلف هذا المقال الأول بتساؤل حول أنماط التفكير وغاياته؟ وهو مقصد تأليف هذا الكتاب.

ثانيا: النص الثاني : اللمس (الفكر الأول لدى الجميع)

ينفي المؤلف بالقطع المشهد الزماني الأول للتفكير الخاص بكل ذات إنسانية. ويعتقد أن الباب الأول المفضي إلى هذا الفكر مفقود بالنسبة للجميع وغير موجود. فكل شخص يفكر ينسى فكره الأول، ويغفل عن بداية حياته العقلية، مسترشدا بمقولة "دانتبي عن فيرجيل" بأنه "نهر الكلام الواسع"، وداعما كلامه بقول "ابن رشد" عن المفاهيم الأولى التي هي معقولات "مشتركة بين جمع الكائنات"، نحصل عليها بالاستقراء وبالأحاسيس، وإدراك المعقولات بسبب عرضانيتها يتم بشكل مبكر باستخدام حواسنا وفكرنا التجريدي.

يتميز الفكر الأول بكونه فكرا شاملا وعاما وطبيعيا، حيث يعتمد الحواس في مواجهة الواقع العادي من أجل التفكير فيه. لذلك يرى أن تأريخ الفكر كحدث، يبدأ  من بداية الحياة الحسية للطفل، ويؤكد أن "الفكر يحدث في اللقاء الذي يجمع الأشياء بأطراف أصابعنا".

يتطور الفكر الحسي التلقائي الأول لدى الطفل نتيجة عملية النضج والتأثر بالواقع المحسوس بكل مكوناته، وبالشعور والإحساس بالكم الهائل من الأشياء، يقول "أرسطو" " أن تتفلسف هو أن تتفاجأ، أن تفكر هو أن تتعثر بالأشياء وأن تقع عليها".

بعدما تمكن المؤلف من تحديد تاريخية الفكر الطفولي، طرح سؤالا آخرا "لماذا يفكر الجميع؟" أو لماذا بدأ كل إنسان بالتفكير؟ ليحيلنا إلى إجابة "ابن رشد" في هذا المجال : "لأننا جميعا نحس ونلمس".

لقد اهتمت النصوص القديمة بإبراز أهمية الحواس في عملية الفكر وبناء المعرفة. ويذهب المؤلف إلى أن حاسة اللمس هي الحاسة الأساس في عملية بناء الفكر، محددا كوجيطو خاصا به "أنا موجود، إذن أنا ألمس، وأنا ألمس، إذن انا أفكر". وهي الحاسة التي ترتقي بالعملية الفكرية لدى الإنسان، وتميزه عن الحيوان. ومن ثم؛ فولادة الفكر تتم من خلال حاسة اللمس إقبالا على الأشياء أو تجنبا لها. وينهي المؤلف هذا المقال بتأكيده على مقولة: "نحن نفكر، والعالم كله يفكر، فلا بد من ورود الأشياء لإطفاء عطش المعرفة".

ثالثا: النص الثالث : الوهمية والفكرية :

تستعمل الفلسفة العربية الإسلامية كلمة "وهم" بمعنى تكوين فكرة شخصية حول موضوع معين أو تقديره وتقييمه، والوهم أو التقدير سمة مميزة للحيوان، وكذا للإنسان بإعمال العقل. يرى "ابن سينا" أن تقديرنا للأشياء يأتي نتيجة قوة باطنة في الدماغ تجمع بين الذاكرة والخيال وهي "القوة الوهمية"، وهي المسؤولة عن إدراك المعنى في المحسوسات. والتفكير هو ما يسمح بالانتباه إلى دقائق الأشياء، وتزيده الوهمية إغناء واكتمالا ومنحه قطبية ما، وإعطائه دلالة ومعاني جديدة. وهو ما مكن "جاكوب فون أويكسكول" من تطوير نظريته عن المعاني. ويشير المؤلف إلى أن "أويكسكول" كان عليه في إطار تطوير هذه النظرية الاستفادة من درس "ابن سينا" الذي اعتبر أن ما يوجد في المحسوسات ما يحس ويستشعر فعلا وهي الخاصية المشتركة، بجانب المقاصد أو معاني المحسوسات، ما يجعل من الطبيعة فضاء متعدد الدلالات.

أما "ابن رشد" فيرفض هذه القوة الوهمية، ويرى أن الإنسان يمتلك قوة أخرى، تتكفل بالتقاط معنى المحسوسات، وهي "القوة الفكرية"، المتمركزة وسط الدماغ، ويتجلى دورها في إدراك معاني المحسوسات، باعتماد الإحساس والخيال والعقل (اللب داخل القشرة). وبذلك فالتفكر يمنحنا مدخلا ومسلكا إلى الكنه المتفرد للأشياء. كما يسمح لصورنا بأن تشتغل بورتريهات : "التفكر يحول كل الصور من ألبوم ذاكرتنا إلى أيقونات لهذا العالم".

تعمل هذه "القوة الفكرية" على تغيير كل شيء، فهي تسمح للإنسان بحياة واعية في عالم مشور بالأفراد، وبحقائق محددة يمكنه تسميتها واستحضارها، وتفضي به إلى المعرفة، من خلال تهييء المجال لفعل العقل وإظهار الموضوع الذي سيشتغل عليه العقل بشكل تجريدي. وهو ما مكن "طوما الأكويني" من إدراك النواة التي تقوم عليها هذه القوة الفكرية. فالقوة الفكرية المرتكزة على العقل الإنساني تحوله إلى الفعل، ومن "كائن كامن" إلى "كائن مفكر". وتشكل هذه "القوة الفكرية" الجنين الذهني لدور الإنسانية المفكرة المعتمدة على العقل ضمن كوجيطو التفكير الوجودي : "أنا أستعمل القوة الفكرية إذن أنا موجود".

رابعا: النص الرابع: العقل

أن نعقل هو أن نستهلك القدرات العقلية والذهنية؛ بوصفها القدرة العليا لدى الإنسان، ومعها تتعدد مميزات استخدام الإنسان للعقل (النبل – السمو – الفخر...). ويحاول المؤلف حقيقة تشخيص أهداف "التعقل"، ويربطها بهاجس الفلاسفة منذ القدم. إن فعل "العقل" يقوم على إدراك حقيقة الواقع كما هو. ويرصد المؤلف أصل فعل "عقل" منذ العصور الوسطى المستوحى من اللاتينية، بمعنى أن "تقرأ في الشيء". ومن ثم؛ فالتعقل هو الفعل الذي ينص على القراءة والتتبع في الموجودات، والولوج إلى أعماقها، وصولا إلى مركزها ونواتها، أما الحس فهو قوة تعني بالمظاهر الشكلية الخارجية للشيء، فتلتصق بالظاهر والسطحي.

وفق المنظور الفلسفي؛ إن فعل العقل هو الذي يلمح جوهر الأشياء وكينونتها من أجل التوصل إلى مفهوم كلي قابل للإدراك بنفس الطريقة من طرف الجميع. وتتجلى أهم أبعاد الفكر في التعقل بهدف الولوج إلى الكلي، وهو ما يعطي الانطلاقة الأساس للعلم والفلسفة وبناء التصورات حول العالم.

ومن هنا تأتي الفكرة الشهيرة القائلة بأن "الإنسان يصبح لا منتميا حالما يعقل، ويصبح لا متموضعا، ولا يستمر في الوجود هنا والآن". فالعقل عند الكائن البشري قوة بارزة تماما، وعبره يخرج الإنسان نفسه بنفسه من الوضعية التي تحدده وتعيقه وتكبل طاقاته، أكثر مما تحدده حواسه. التعقل إذن؛ سيكون بهذا الفعل الحقيقي خارج المكان والزمان.

ما هي القوة القادرة على ضمان الحياد المماثل؟ الإجابة تكمن في كون أن التعقل كفعل قوة يمكن أن تكون كلية غير متمايزة في انفتاح على الموضوعات والأشياء في كليتها. ويرى المؤلف أن الفلسفة الحديثة تجاهلت للأسف؛ إنتاجات القرون الوسطى وخاصة ما قدمه "ابن رشد" في هذا المجال، مستشهدا بمقال كتبه "فريجه" عام 1918 عن علاقة الفكر بالموضوع.   

إن انفتاح العقل على الكلي يجعل فعل التعقل فكريا واحدا. ومن هنا تأتي أهمية نظرية "ابن رشد" حول "وحدة العقل"، التي وجدت صداها عند "مارسيل روست" من خلال قولته الشهيرة "الفكر هو سكن مشترك عالمي". إن العقل هو تجريد للكلي من ماديته، وهو ما يتبناه كل الفلاسفة، فالتفكير يقتضي الحذف وتعرية الأجسام، فالتعقل يتم عن طريق الإزالة والفصل، في أفق الاحتفاظ برواسب الفكر، وبالتالي فإن عملية التعرية هي الخطوة الأولى للتعقل، فالمفكر بعقله يستخرج جوهر الأشياء من خلال مكابدة الكلي. ومع تنوع أشكال المكابدة، أخذت الكلمة دلالات مختلفة، حيث نجد هذه الكلمة عند "أرسطو" تعني "التطور والتقدم"، بينما عند "الفارابي" تعني "الزيادة"، مما يقوي ويضاعف وجود الإنسان. وفي أفق بلوغ التعقل تمامه، يقترح "ابن رشد" نظرية "الفكر اللولبي"، وهي تطوير لفكرة "أرسطو" الداعية إلى التميز بين الشيء المادي وذاته. فالفكر حينما يستطيع الإلمام بصورة الشيء وتجريده، يصبح فكرا لولبيا حلزونيا، يجعل التعقل في حركة دورانية تصاعدية.

خامسا: النص الخامس : رؤية ليلية

مقولة التفكير تشبه الرؤية التي تجعل إبصار الألوان بدقة في وجود الضوء. يكون التفكير مماثلا لإبصار الألوان ليلا أو نهارا. ولتوضيح الأمر لا بد من تحديد الروابط لفعل العقل، وهو ما توصلت إليه الحركات الميتافيزيقية المهتمة بالروح، فالمرئي يتضمن اللون وأشياء أخرى، لا نستطيع تسميتها، ولكن نستطيع إبصارها ليلا، فهو المرئي المختلف، وهو مفتاح مهم للتفكير. فما المقصود بالفكر عندما ينطلق من منظور الرؤية الليلية؟ ماذا يعني أن نفكر حينما يصبح التفكير مماثلا للرؤية، وعندما نعرف الرؤية بأنها الإمساك بهذا الذي يظهر في ظلام الليل؟.

المرئي ليلا هو العنصر الفسفوري، فقد تحدث "أرسطو" عن أشياء لامعة ترى ليلا في غياب الضوء. ومن ثم؛ فهي تعاكس ظروف الرؤية. ويرجع كل من "ألبير الكبير" وتلميذه "توما الأكويني" سبب ظهور هذه الأجسام الفسفورية في الظلام إلى طبيعة تكوينها  إلمتمثل في نورها الداخلي الخاص، وشفافية جزئها الخارجي. ومن ثم؛ فإن معنى "أن نفكر : أن ننفتح على كل وهج ينبثق من مصدر داخلي، وعلى كل ما يتألق من أعماق ذاته، هذا الذي يضره الخروج إلى العلن، ويبدده الظهور إلى الواجهة". ومع ضخامة قائمة الأجسام التي تتوهج بحلول الظلام الدامس، وإمكانية رؤية الأجسام حية ومتحركة، يشهد الليل على الرؤية، وهي تتحقق من خلال وجود رابط للتفكير بين مواضيع الفكر ومنازلها، لذلك امتلك المفكرون الوسيطيون حدسا أكثر دقة اتجاه الطبيعة وليلها الحالك. "إن التفكير لا يعني أن ننظر نحو الأعلى وأن نرنو إلى النجوم، بل هو النظر نحو الأسفل، نحو هذا الداني نحو صور الأشياء وحركاتها. نحن نفكر أمام وجه غير مرئي أمام وجه مفكر. "ويضيف "أرسطو" فكرة جديدة، وهي أن العين ترى نفسها ليلا. إن ما تراه أمامها ليس فقط العيون الأخرى، لكن ترى نفسها أيضا، فالليل مرآة عاكسة. فالرؤية ليلا تصلح لأن تكون نموذجا للتفكير.

لا شك أن الحقائق المضيئة والمبهرة ستظل تغري البشر إلى الأبد، ويفند المؤلف الشائعات حول عدم اهتمام المفكرين الوسيطين بالتفكير. فقد اهتم فلاسفة العصر الوسيط بدراسة الأجسام الفسفورية، "لقد كانوا يفكرون، وكانت حياتهم تدور حول التفكير، استطاعوا أن يوصلوا إلينا أفضل ما كان بالإمكان بخصوص معنى أن نفكر بفضل أفكارهم حول الليل" .لقد حاول المؤلف في هذا النص أن يضع تصورا عن التفكير بمقارنته بالرؤية وخاصة عندما ترى الآخر مضيئا (التحديق).

تتعدد مظاهر الترجمة العربية اللاتينية لنص "أرسطو" الأصلي (النص الذي انطلق منه المؤلف في بداية النص) حول المرئي الذي هو اللون، وكيفية شرحه وتأويله لدى "ابن رشد" (شيء يمكن أن يقال لكنه لم يقل)، فأمام عجز "أرسطو" عن تحديد مصطلح أو اسم خاص بالظواهر الفسفورية على الرغم من أنه تحدث عن خصوصيتها. ويعتبر المؤلف أن "اللوغوس" هو الحل لما لا يقبل التسمية، فهو الصياغة التي تعيد التوازن المفقود بغياب الكلمة المناسبة. "أمام غياب اسم ما، نحن نتكلم لنعوض عدم قدرتنا على تسمية الأشياء. نحن نتكلم، لكي نتمكن من قول اللامسمى، أو ما لا اسم له.... إن هذه الصياغة هي التي تعقد المقارنة بين الفكر وبين الرؤية الليلية، هي التي ستستخدم من أجل تحديد القابل للتفكير. إذا كان التفكير يشبه الرؤية الليلية، وإذا كانت الرؤية الليلية تعني إدراك ما يمكن قوله ولكن لم يقل، فالذي يهمنا في التفكير هو هذا أيضا الذي يمكن أن يقال دون أن يكون قد قيل".

ويعترف المؤلف أن هذه العبارة الأخيرة، يمكن قراءتها بطريقتين مختلفتين :

-الطريقة الطبيعية: حيث إن القابل للتفكير هو ما لم يقل، لكن يظل بالإمكان قوله.

-الطريقة الدقيقة أو الترتيبية للكلمات: التفكير يقوم على بلوغ ما يمكن قوله، دون أن يكون قد قيل، في ارتباط بقوة القول.

ويختتم المؤلف هذا الفصل المقالي بقوله "بأن الفكر يتجاوز اللغة ويمتد نحو كل شيء فالفكر شعر أعم". 

سادسا: النص السادس : الربط والارتباط

يذهب المؤلف إلى أن "الفكر مسألة رابط"، يحدث في نقطة تثبيت محكمة. ويشير المصطلح العربي إلى ارتباط أو رباط، بينما في اللاتينية تستعمل كلمة الرابط أو الوصلة. ومن ثم؛ فإن الفرد يفكر بالارتباط مع المفهوم والصور التي يملكها ويستخدمها من أجل استخراجه. فالفكر هو عبارة عن علاقة أو رابط بين زوجين، رابط بين المعنى العام ومرجعه، بين الكلي وبين تخيله. فالعلاقات تؤدي دورا مهما في بناء الفكر.

ويرى "أرسطو" أن الروح لا تفكر من دون الصور المتخيلة. وهذا ما يطرح مسألة مكابدة هذه الأشياء وتخيلها بغية استخراج معانيها. لكن "ابن رشد" زحزح هذه الأطروحة للكشف عن العلاقة التي تربط المعقول بالمجرد، وبالتالي أصبحت الصورة هي المعلم الثابت للكلي فلا يمكن تصور الكلي إلا في عمليات الاشتقاق المستمرة من الصورة. إن العلاقة الثنائية بين الفكر والصورة، تعني أن الكلي لا يفكر فيه إلا وجها لوجه مع شيء آخر؛ أي عملية ثنائية بين الجوهر وأساس التخيلات التي يستخرج منها الجوهر. فالفكر يحل حلولا في الأجساد. وكل فرد يعيش تجربة الفكر مرتكزا على الواقع وعلى تجربته. ومن ثم؛ فالفكر يتوقد بنشاط الروح بكل جوارحها، وبتحرك الطاقات النفسية في كل الأعضاء وصولا إلى الدماغ. فالمعقول بوصفه وعاء عامرا وحيا مليئا بالتخيلات، يرتبط بروابط مع الأفراد، فكل معقول يتناسب مع كائن موجود في العالم الخارجي، وهو ما يمكن هذا الكائن من الإدراك. فالكائن والصور هما أساس الإدراك والتعقل. ومن هنا يتميز الفكر بكونه مركبا ونسبيا في آن واحد. ويستخدم "ابن رشد" كلمة عربية أكثر عمقا، وهي كلمة متلبس (في اللاتينية التي تعني المتصل بالشيء)، التي تعني مغطى بالشيء ومرتديا إياه. فالفكر لا يأخذ شكله الكلي إلا متلبسا بلباس ومرتديا لزي الصورة. كما نجد فكرة هذا التلبس لدى "طوما الأكويني" الذي يرى أن عقل الإنسان لا يملك موضوعا آخرا سوى طبيعة الأشياء الجسدية ولا يمكنه بلوغها. فعبر التخيلات يصل الإنسان إلى التفكير، فالتحول إلى التخيلات يمكن الفرد من استقبال الرسالة، ومن إدراك الكلي المستخرج منها، فالمفكر المكتمل يصبح موضوعه الكامل هو الواقع أو الطبيعة. إن التفكير هو حكم وإسقاط للكلي على الأشياء الفريدة وإخضاعها لاختبار الحقائق في علاقة دقيقة مع الصور ومبادئها وأسسها، في أفق إدراك الأشياء كما هي في طبيعتها الخاصة. ويرى المؤلف أن للفكر طيفا فضفاضا مزدوجا، فهو فعل عقلي وحسي (التخيل والإدراك)، يتم نتيجة تدخل الجسد وفي تفاعل مع الزمن، في سياق "نعقل مع" الخيال الزمن الذي يسمح لنا بتحديد الهدف المتمثل في الذات المجردة وفي كينونتها.

ويشير "فرويد" في نهاية كتابه "موسى والتوحيد" عن سمو الروح وتطور الروحانيات، أمام تراجع الرؤية الحسية، وانتصارا للحياة الروحية على الحياة الحسية والتجرد من الغرائز. وهذا النضج الروحي وتجاوز الصورة المفضي إلى "الأنسنة"، كل هذا نتيجة الارتقاء والقفز إلى الدرجة الأعلى، ليتحققا عبر التفكير ضد الصورة. لكن المؤلف يحصر الحديث عن الصورة المحرمة هنا في الجانب الديني المقدس فقط وليس في الجانب الفلسفي.

وسرعان ما يعود المؤلف للتأكيد على أن التفكير الإنساني، يتطلب تحولا مضاعفا من التخيلات (التجريد–التعميم–الاستنباط- الاستنتاج...)، فلن تستطيع الروح بلوغ تمامها بانفصالها عن الصورة، فالصورة هي التمثيل الحسي للشيء، عندما تحتفظ بعلاماته وملامحه الخارجية. ومن ثم؛ فإننا نفكر بالرجوع إلى هذه الصور، ولا يمكن الحديث عن التراجع التام عن التصور الحسي من أجل التمثيل التجريدي. فالتجريد يمكن الفرد من استيعاب أنصاف الأشياء. وهذا ما دفع المؤلف إلى دحض الطرح القائل بأن الروح تتطور في معارضتها للصورة عبر تخليها عن الغرائز. ويعود المؤلف مجددا إلى عنوان النص من خلال فكرة الرابط الذي انطلق منه؛ ليؤكد أن الفكر يحدث كرابط وكرباط وكمزاوجة بين الكلي والخيال، والتفكير يعتمد على تكوين وحدات نفسية تضم المبدأ إلى الصورة بشكل مستمر وشمولي، وهو ما يجعل الفكر غير محايد ومتواصل في علاقته بالتخيل. وفي نهاية هذا الفصل يعود المؤلف ليدافع عن أن الفكر الإنساني يحدث عبر الخيال في تقاطع بين الكلي والمفرد. وهذه الثنائية هي التي دافع عنها "ابن رشد" باسم واجهتي الفكر (واحدة تختفي والأخرى تبقى وتدوم). فالجزء الباقي هو الكلي والجزء الذي يختفي هو الخيال، وبواسطة الخيال يظهر الفكر/الرابط في لقاء اللامادي مع الجسد. ويظل هذا الارتباط قائما إلى النهاية، ويمتد ليشمل فكر الإنسان الحكيم، فحتى لو تمكن الإنسان من تجاوز الفيض للوصول إلى التفكير في المطلق فهو يقوم بذلك عن طريق الصورة، وهو ما دافع عنه "ابن رشد" من خلال نموذج العالم المتبحر والتحول الدائم في معرفته انطلاقا من الصور وباستخدام المفاهيم المجردة. ويعود المؤلف للاستشهاد بمقالة "فريجة" عن الفكر "فالفكر ليس إنتاج الأفكار ولكن استيعابها"، ليؤكد في النهاية على إمكانية فك الارتباط بين بين الجسد والزمان والمادة عندما يبلغ الفكر الإنساني أقصى حده.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحثة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس-مكناس

صدر الكتاب في طبعته الأولى، 2023م، مكتبة صوفيا، الكويت، لمؤلفه: جان باتيست برونيه، ترجمة محمد الأمين النواري.

تابع

قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر" عرب ولاتينيون
Partager cet article
Repost0
9 novembre 2024 6 09 /11 /novembre /2024 14:29
تتمة // قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر"  عرب ولاتينيون

تتمة // قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر"  عرب ولاتينيون

دة: غزلان شهبون

دراسة محكمة

تتمة

النص السابع : التفكير في حضرة الغياب

يحاول المؤلف مع بداية هذا الفصل، الربط بين نمط تفكيرنا والأشياء المنقرضة أو المنتهية أو الماضوية. ويحيلنا إلى جماعة من العصور الوسطى المعروفين بالحاليين (منظرو الحال) الذين اعتبروا أن "الدلالة لا تفنى بفناء المدلول"، باعتبار أنها لا تتضمن مفهوم الزمن. ويطرح المؤلف العديد من التساؤلات حول مصدر استقلالية التعقل، لماذا لا يتغير الفكر المتعلق بشيء ما عندما يغيب هذا الشيء؟ ليخلص إلى استنتاج أساسي، مفاده أنه على الرغم من فقدان الشيء، فإن صورته تبقى ليولد منها المفهوم الذي يتحكم في الدلالة، معتبرا أن الخيال له دور أساسي في إنقاذ المعنى من الضياع.  ويرى المؤلف أن التفكير الذي استحدثه المفكرون الحاليون حول الدلالة هو في تراجع. وبالمقابل فإن الحديث عن الأشياء المفقودة، انطلاقا من بقاء الصور التي تحدد دلالات هذه الأشياء، تجعلنا في تفكير دائم حول الأشياء والكائنات الفانية، انطلاقا من التخيلات والصور المرتبطة بها، باعتبار أن التفكير يعتمد على الخيال لضمان استمرار وجود المفهوم على الرغم من غياب الشيء، في أفق إدراكه عبر هذا الغياب نفسه وداخله. ويركز المؤلف على هذا التناقض الذي يمثل الشرط العادي في الفكر، فالخيال المنفصل عن الوجود المادي، يتدخل لكي يعوض اختفاء الشيء، فالخيال يتدخل في كل فكر على شكل بدائل حرة لا زمانية. ويرى بأن "قوة القول" تدعم الطرح القائل بأننا نتحدث ونتكلم من أجل حفظ الواقع من الزوال (الذكريات والذاكرة)، فعبر الفكر والكلام نوجد ما لم يعد موجودا ونعيد إحياء الماضي من خلال استحضار له.

ويصل المؤلف في نهاية هذا الفصل إلى فكرة محيرة ومعاكسة، يمكنها تفسير هذا التناقض، فالكلمة وما تحمله من دلالات عبر الخيال، تدل على اختفاء الشيء وإلغاء وجوده، وتغييب العالم، ومحو الواقع الأصلي. فالتخيل يخرج الشيء من نظام الوجود، ومن الحضور ومن الزمن. إن المفهوم باعتباره فكرا متخيلا هو إدراك لشيء قد اختفى بالفعل، لذلك يجب علينا أن نسعى للتفكير في الماضي من أجل تذكره، لنجعل من الفكر ذكرى والفكر في جوهره حنين إلى الماضي.

النص الثامن: الاكتساب والاستفادة

ينطلق المؤلف من مقولة أن "التفكير هو الاكتساب". وهذا ما أدركه فلاسفة العصور الوسطى ودافعوا عنه في كتاباتهم، فالعقل البشري الذي يشتغل فعلا هو "عقل مكتسب أو عقل مستفاد". فالتفكير أمر يستفاد ويتعلم، لكن العقل المستفاد يمثل شيئا آخرا.  ويرى المؤلف أن أول ظهور لمفهوم "العقل"، تجلى في نصوص "الإسكندر الأفروديسي"، من خلال إبراز الدور التأسيسي "لله"، الذي يعتبره "العقل الفعال أو العقل الخارجي". ويرى "الإسكندر" أن فكر الإنسان يتطلب تدخلَ هذا العقل الإلهي الخارجي لكي يخرج إلى الفعل. فالعقل المستفاد/الفعال هو بداية العقل الإلهي الذي يتسرب إلينا منذ طفولتنا. ويقارن المؤلف بين موقف الفلسفة الإسلامية الرافض لفكرة الحلول عند المتصوفة، ولفكرة الاتحاد والانصهار وتداخل الإلهي مع البشري، عكس الفلسفة المعاصرة التي تتناول هذه القضايا بأريحية، مستخلصا أن الإنسان ليس هو الكائن المفكر الوحيد في هذا الكون، فكل ما يحيط بالإنسان يفكر (الأجسام – الكواكب...).

يتجاوز "ابن رشد" مفهوم العقل المستفاد، ليركز على مفهوم "العقل المكتسب" الذي هو العقل الذي يمتلك في النهاية، إنه العقل الكوني، الذي يتحول في أوج حياتنا الفكرية إلى عقلنا الخاص. "فالعقل المكتسب" يقصد به مرحلة النضج الأقصى الذي يمكن العقل البشري من معرفة الواقع بدون عوائق، أما "العقل المستفاد"، فهو عقل من خارج (العقل الشامل – العقل الفاعل)، ويخلص "ابن رشد" إلى أن تغيير مكانة الإنسان وموقعه في الكون من ثانوي غير فعال باعتماده على العقل المستفاد، إلى إنسان فاعل وأساسي باعتماده على العقل المكتسب.  إن الاستفادة بالنسبة للإنسان هي عملية التفكير التدريجي في مجال الحقيقة، في أفق تزايد معرفته بالواقع، انطلاقا من التخيلات والصور لبناء المفاهيم. ويقر "ابن رشد" في "فصل المقال" بكون الحقيقة واحدة (الفلسفية – الدينية...)، لكن سبل الوصول متعددة، نتيجة تعدد تخيلاتها  وتصورها. ويشير المؤلف إلى أن الفلاسفة اللاتينيون عارضوا الأطروحة الرشدية القائلة بانبجاس فكر الإنسان انطلاقا من نشاطه التخيلي فقط. فليس على أساس امتلاكه لعقله الخاص منذ ولادته ولروحه. فملكة الفكر كامنة في أعماق ذاكرة كل إنسان، يحركها الفرد من خلال تخيلاته التي يسميها "ابن رشد" "بالتفكير". ويضيف المؤلف أن عملية اكتساب المفاهيم تظل فردية وخاصة، لكنها تجرد الإنسان من فرديته نحو الكلية، هو ما يجعل المفهوم نقطة تقاطع بين الشخصي والعام. ضمن هذا السياق العام، يضع "ابن رشد" "أصحاب البرهان أو الفلاسفة" في قمة المجتمع بهدف التدبير الجيد للمدينة، في إطار ارتكاز المجتمع على إنتاج الفلسفة والفكر، وتمكين العامة من بلوغ الحقيقة قدر الإمكان، وينتقد المؤلف هذه الهرمية الاجتماعية الرشدية والامتيازات الممنوحة للفلاسفة على حساب باقي طبقات المجتمع، مركزا على أهمية الفكر المكتمل وعلى أن الفيلسوف يتجسد في النوع البشري بأكمله بهدف تحقيق السعادة.

النص التاسع: وجه وفم ولسان

يسرد المؤلف بنوع من السخرية قصة رحلة الإسراء والمعراج للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، رغم فقدان الكتاب اللاتيني ذي الأصل العربي عن هذه الرحلة والمسماة "بمعراج محمد". ويرى المؤلف أن المتصوفة والفلاسفة استلهموا من هذه التجربة الروحية، معنى التفكير، ويربط المؤلف هذه التجربة برسالة "حي بن يقضان" وتفكير "ابن طفيل"، وكيفية تعامله مع صورة الكائن العجيب الواحد والمتعدد في آن واحد (الكائن الذي له سبعون ألف وجه، وسبعون ألف فم، وسبعون ألف لسان). وانطلاقا من تجربة هذه القصة، يرى المؤلف أن طبيعة الإنسان لا تتكون إلا انطلاقا من هذا الإدراك الفوري الذي ينشأ مع الفرد، معتبرا أن الفرد هو جزء من العقل الفعال. ويختتم المؤلف هذا الفصل بتأكيده على أن "الفكر ليس وحيا منزلا، ولا نصا مقدسا تتم تلاوته، إنه مبادرة بالكلام، ومحاولة للنطق".

النص العاشر: الاتصال

يستشهد المؤلف حول نموذج الاتصال/ أو انقطاع التواصل برسالة للفيلسوف الأندلسي "ابن باجة" التي أرسلها إلى صديقه الوزير "ابن الإمام"، وطابعها الفلسفي المركز على مبدأ التنائي(الابتعاد) بين الأفراد، معتبرا أن التفكير هو الاتصال. ويعمل المؤلف جاهدا على تأصيل الكلمة العربية "اتصل" ومصدرها "اتصال" وكذا في اللاتينية، معتبرا أن الاتصال هو الاستمرار والامتداد، وسد الفراغ، وتقليص المسافة الفاصلة وإلغائها. في مقابل تراجع استخدام كلمة اتصال في علم النفس المعاصر، وغيابها في الكتابات الفكرية الغربية المعاصرة، فإن تيارات الفكر العربي ما زالت تستخدمها بكثافة. ويركز المؤلف على أن مسألة الفكر لا تنحصر في حدود جسد الفرد، فالفكر يندرج ضمن إطار واسع وهو الكون بأكمله.

ويشير المؤلف إلى عملية ترتيب العقول البشرية والجماعات، فقد صنف الفلاسفة العرب الأدنى درجة بين العقول السماوية، بسبب نمط التعليل الذي تعتمده في تفسيرها لهذا العالم، ويعتبر أن التفكير هو اتصال، وبالأخص اتصال بعقل الكون، مشيرا إلى تعددية أشكال هذا الاتصال وأهدافه، مستحضرا مقولة "ابن رشد" في هذا المجال "أننا نؤول إلى درجة لا نغدو فيها نفكر بواسطة العقل، بل إننا نستوعبه، ونكونه أثناء التفكير". مرجحا فكرة "ابن طفيل" حول كيفية تكوين التفكير، بالدلالة على مادية الفكر. ويعود المؤلف إلى اللاتينية وخاصة كتاب الطبيعة "لأرسطو"، ثم إلى "ابن رشد" لتدقيق كلمات "الاتصال" و"الملاصقة" و "الائتلاف"، والعلاقة بينهما، معتبرا أن الاتصال يأتي عبر توحيد الأشياء المتلاصقة وذلك بائتلاف حوافها وحواشيها المتماسة.

النص الحادي عشر: في ضرورة جزيرة:

يربط المؤلف بين مغزى قصة الطفل (حي بن يقضان) "لابن طفيل" في الجزيرة، ودور "الفيلسوف العصامي" بأوروبا خلال القرن 17، واعتمادهما على العقل في تعاملهما مع الواقع المتعدد المستويات، بمعاكسة المسار التوجيهي المعتمد على التعليم وتمرير المعارف. فالفيلسوف العصامي هو الرجل الذي لم يتلق تعليما قط، والفيلسوف الذي لا معلم له، المرتكز على الحدس، إنه رجل الحدس. ورغم انتقاد المؤلف لقصة ابن طفيل حول عصاميته وحدسه، إلا أنه يستشهد بالسيرة الذاتية لعبقرية "ابن سينا" في تعلمه للعلوم، والتي اعتبرها موهبة حدسية، ويشير المؤلف إلى أن المرتبة الاستثنائية للحدس تملكها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهي أعلى الدرجات. فحسب قول "ابن سينا" "يعرف من نفسه مبدأ كل ما يتعلمه الناس"، والتي يسميها ابن سينا "بالعقل القدسي".

ويحاول المؤلف تتبع أصل كلمة "حدس" التي نقلت إلى اللاتينية في صيغة تعني "الموهبة أو العبقرية"، وهما كلمتان قريبتان من كلمة الذكاء (الدقة والنفاذ). ويشير "ابن سينا" إلى إمكانية حصول الفرد على المعرفة عن طريق التعليم، لكن كل تعليم راجع إلى الحدس. وأن المفكر على الجزيرة يعتمد على الإدراك الأولي للأشياء لبناء المعرفة ضمن هذا الفضاء المفتوح، في سياق بناء الفكر التلقائي المرتكز على الحدس وبغير مساعدة أحد، ووفق النسق الديكارتي "لتأسيس المعرفة لا بد من طرق باب الميتافيزيقا ولو لمرة واحدة في حياة الفرد"، ويعتبر المؤلف أن أفضل مجال جغرافي لذلك هو الجزيرة.         

ويتساءل المؤلف عن التحول الذي حصل في أصل كل تعليم وربطه بالحدس؟ ولماذا يجب التسليم بوجود المعلمين الأوائل ذوي العقول النيرة التي لم تمر بمرحلة التلمذة لبناء مواقفها وعاداتها الفكرية؟ لكن باستخدام آلية العودة إلى الوراء فمن الصعوبة بمكان تحديد أصل العملية والتحقق منها (لمن ينسب الدرس الأول)، رغم افتراض المؤلف بوجود سلسلة متواصلة من المعلمين الأولين واستمراريتهم، واحتمالية فناء البشرية كما تصورها كل من "أفلاطون وأرسطو وابن سينا".   

ويعود المؤلف مرة أخرى إلى رمزية الجزيرة في علاقتها بالفكر، ويعتبرها المكان لذي سينبثق منه مجددا النوع البشري، كما أنها الفضاء التأسيسي الثابت والدائم للمعارف وللفكر، إنها الفضاء المنقذ للبشرية من الانقراض وفي حفظ الفكر من الزوال.                 

النص الثاني عشر: الصيرورة (أن نصير، بمعنى من المعاني، كل الأشياء)       

ينطلق المؤلف من كلمة الصيرورة اللاتينية، وصيغتها باللغة العربية "صار"، ليحيلنا على طبيعة النفس البشرية ضمن كتاب النفس "لأرسطو". فالنفس البشرية تدرك العالم من خلال تلقي واستيعاب كل الأشياء، ويمكن اعتبار هذا الاستيعاب كنتيجة لصيرورة، ودور العقل في أن يصير كل الأشياء. وتعمل النفس البشرية على تصيير الأشياء وتشكيلها، وهي قوة مصورة متعددة الإمكانات. فالنفس بمقدورها أن تصير الكل عبر الإحساس والعقل، تعمل النفس على استيعاب الكون الرحب وتضعه في داخلها. وتتلقى الصور ثم تتغير وتتحول إلى هذه الصور المستقلة. ويمكن للنفس المفكرة في مكابدتها للأشياء أن تصرح "بتصيير العالم"، لكن هذا التحول حسب وجهة نظر "ابن سينا" يعد "مجرد شعر".

ويرى "ابن سينا" أن النفس عاجزة عن تصيير لنا ما تستقبله وتحويله، وما تفكر فيه، بحكم تجاوزه للجانب النفسي واهتمامه بالجانب الجسدي، فالذات العاقلة لا تصير على هيئة ما تعقله من مواضيع خارجية، بسبب التغيرات الطارئة على الكائنات في الطبيعة. فقد تساءل "ابن سينا" في كتابه الشفاء، عن كيفية أن يصير الشيء شيئا آخرا؟ ورغم تعدد إجاباته عن هذا التساؤل (الصيرورة، أو التكون وإعادة التشكيل)، فإن المؤلف يعتبر صيرورة الشيء نحو شيء آخر مسألة فارغة من كل معنى.

إن القبول بتغير وتبدل الفكر يفترض تغير خصائص النفس المفكرة، لكن النفس لا تصير شيئا آخرا، حيث تبقى محافظة على ماهيتها وحقيقتها، لكن الذي يتغير هو حالتها ووجودها. والقول بصيرورة النفس نشأة وتكوينا في علاقتها بالفكر. ويعارض "ابن سينا" النظرية القائلة إن النفس تتطابق مع مواضيعها، وبالتالي يدحض فكرة التنوع الفكري. ويسرد المؤلف موقف "الفارابي" في رسالته عن العقل ممعنا المقارنة بين العقل والموضوع، منتقدا "الغزالي" في إسقاطاته الدينية في كتابه "شرح الأسماء الحسنى". ولاستعاراته من "ابن سينا" لمبدأ "هو هو"، ومنتقدا "أبو يزيد البسطامي" عن فكرة الاتحاد (الاتحاد عبر الصيرورة)، ومعه "الحلاج" في مبدأ الانصهار في أحد أبياته الشعرية (أنا من أهوى ومن أهوى أنا)، معتبرا إياها حالات من الوجد. ويختتم المؤلف هذا الفصل بقوله إن علاقة الفكر البشري بالشيء تظل ثانوية، فالفكر لا يعني أن نصير الشيء ونكونه، وبالمقابل يدعو إلى الاعتماد على الاستبصار طبقا للمبدإ القائل : "الفكر انعكاس".

النص الثالث عشر: الخلود (أن تصير خالدا ثم تموت) 

يستهل المؤلف هذا الفصل بموقف كل من "سارتر" و "الفارابي" حول الفكر، وكيفية الخلاص من الموت.  فقد راهن الفارابي على هذا الطموح بكلمة واحدة وهي: "تجوهر". ويجتهد المؤلف في تأصيل هذه الكلمة (تجوهر بمعنى تحول على جوهر). وانطلاقا من كتاب الحروف "للفارابي"، يرى أن "الجوهر يشير إلى الطبيعة الأساسية للشيء وإلى حقيقته وماهيته". ويتطلب تحول الإنسان نحو الجوهر الإعداد وتهييء مقومات التفكير عن طريق إنماء قدراته العقلية. وعملية انبثاق الفكر إلى الوجود وفق الكوجيطو الديكارتي "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، فكثرة التفكير وإنتاج المفاهيم يؤدي إلى تكثيف وجود الفرد، باعتبار أن الفكر مبدأ أساسي في التكوين البشري. ويتطلب استهداف الكمال أن نجعل من كياننا عقلا وفكرا. والمفكر المكتمل هو من يملك عقلا خالصا متحررا من الخيال. ويعود المؤلف إلى "الفارابي" في كتابه عن السياسة المدنية للحديث عن الإنسان عبر بلوغه الذات، وإدراكه الجوهر "يصير إلهيا بعد أن كان هيولانيا". وهي المرحلة التي تعتبرها الصوفية "مرحلة ما بعد الفناء بالبقاء". وفي ظل هذه الديمومة تأثر "الفارابي" بالنسخة العربية "للأخلاق النيقوماخية" (ق 7م) من خلال دعوة البشر إلى الاهتمام بكل شيء ممكن من أجل أن "يعيشوا وكأنهم يعيشون أبدا". وإلى جانب هذا تتحدث النصوص العربية عن الهمم، وعلى أن مصيرها عادمة للموت، يستهدف الإنسان الخلود عبر شهية العقل والتفكير. وفي هذا السياق يقول "الفارابي" "الممكن وجود". ويطرح المؤلف سؤالا جوهريا هل المفكر يغير وجوده؟  ليصطدم بجوابين مختلفين ضمن التراث العربي الإسلامين؛ أولهما يتعلق بموقف "الغزالي" في كتابه المنقذ من الضلال وأطروحته حول تبدل الصفات، وموقف "ابن رشد" القائل بعدم تحرر المادي من المادة، وبغياب الخلود عن الآيل للزوال. ويفند أطروحة "ابن سينا" حول قدرة الاني على اكتساب الأبدية.

ويخلص المؤلف إلى نتيجة حتمية حول مصير كل كائن حي (الفناء)، واستمرارية الحياة فوق الأرض بين موت الكائنات وولادة كائنات أخرى، في غياب وجود تحول تام، أو طفرة تطرأ على الماهية، "فكل ما يدخل للوجود عبر الفكر لا يمكن أن يصير أبديا". ويستشهد المؤلف بالرد على هذا الموقف الرشدي، بطرح القديس "بونافنتورا" الذي يعتبر هذا الطرح بمثابة هدم للعقيدة المسيحية المؤمنة بقيامة الجسد، وبعودة المسيح.

النص الرابع عشر: الذوق

يرى المؤلف أن التفكير هو تذوق، خاصة إذا علمنا أننا نصف الفكر عبر حاسة من الحواس. وفي الوقت نفسه؛ يذهب المؤلف إلى أن الذوق لا يعد مصطلحا فلسفيا، ولكن مفردة شائعة الاستعمال في الأدب الروحاني، عملت الفلسفة على ترويضه، ويستشهد المؤلف بقصة "حي بن يقضان" وتذوقه للوجود. التفكير بهذا المعنى هو تجاوز للتفكير إلى حد التذوق والتلذذ بالحقيقة نفسها. ويطرح المؤلف سؤالا عريضا حول أبعاد الذوق؟ ويقدم جوابا شاسعا جدا، يتعلق بالذوق في الظروف العادية المتعلق بالحصول على البديهي المباشر من الشيء.

ويتجلى الفعل المقابل للذوق في هذا السياق في "المشاهدة"، أو الشهادة المباشرة وحضور الذات نفسهما أمام ما يقدمه لنا الوجود. أما عن مرحلية الذوق، فيشير المؤلف إلى أن الذوق يأتي في النهاية وفي الختام؛ كأنه تتويج لتجربة شخصية. من هذا يستشف المؤلف على الطابع الذاتي للإدراك. وكما أشار إلى ذلك "ابن طفيل"؛ فالفكر لا يكتمل إلا مع الذوق. ولكي يتذوق المفكر عليه أن ينعدم وأن ينطفئ، وأن يتلاشى في هذا الفناء، وهو ما تعبر عنه اللغة العربية بأصدق المعاني "فناء الفناء" التي يمكن قراءتها قراءة أخلاقية وميتافيزيقية. ويعرج المؤلف على انتقاده لكتابات "رينان" خلال القرن 19 حول خصوصيات الفكر العربي (فكر كلي – فكر انغماس...). وأشار إلى أهمية الفناء في الذوق من الناحية النفسية، واعتباره تجليا أو تمظهرا خالصا للمتذوق، مختزلا أهميته في عبارة "أنا أتذوق". ويبذل المؤلف جهده في شرح عبارة "الحلاج" "أنا الحق"، من خلال تدقيق مفهوم الاتحاد، واعتباره توحيدا بالمعنى الديني. ويستدل المؤلف كلامه على الفناء، بموقف "إيزوتسو" الذي يعتبر "التجربة الإنسانية للفناء أو الخروج الذاتي للحقيقة نفسها إلى الفعل".

ويعود المؤلف مرة أخرى إلى وصف عملية المشاهدة التي تحدث عنها "ابن سينا"، من خلال حديثه عن "الموصل"، ودوره في التفكير وفي الذوق. كما يستحضر في هذا المجال أفكار "الغزالي" حول الذوق ولحظة الكشف الإلهي (كان ما كان)، ليربطها بالنسخة العربية من سفر الخروج لموسى. ويختتم المؤلف هذا الفصل بالحديث عن الفينومينولوجيا الحديثة، وخصوصا عند "باتوتشكا" حول عملية الذوق باعتباره كشفا أو انكشافا، معرجا على موقف القرآن الكريم القائل بأن : "كل شيء هالك إلا وجهه"، ويعزز موقفه هنا بقول الغزالي أن الذين يصلون إلى النهايات هم الذين يفكرون فوق العادة والذين يستوعبون المعنى.

النص الخامس عشر: النقل

ينطلق المؤلف من مقارنة بين "ابن رشد" (تهافت التهافت)، و"الغزالي" (تهافت الفلاسفة)، حول الحياة الأخرى وانبعاث الأجساد، واختلاف تصورهما حول هذه المسألة. ويقر المؤلف بالفعل أن هناك حياة بعد الموت وخلودا، من خلال تلاشي الأجساد والأرواح. لكن الباقي هو العقل والقدرة على التفكير، من خلال استمرارية عناصر بشرية أخرى على استعمال هذا التفكير. ويذهب "ابن رشد" استنادا إلى الدين الإسلامي عن الحياة الأخرى، وعن صعوبة تخيل طبيعة الآخرة، إلى أن الوجود الأخروي هناك، سيكون أشبه بنشأة أخرى متطورة وسامية عما هي عليه في هذا الطور. ويستند "ابن رشد" إلى هذا التحول باستخدام العقل والتفكير، ليخلص المؤلف أن "التفكير ليس إلا عملية نقل".

لقد عمل المؤلف على تدقيق كلمة النقل (إجراء تغيير في الحالة)، وعلى مراحل حياة الأجسام والتفكير. وقد تميزت اللغة العربية بالجمع بين العقل والنقل. ودافع كل من "ابن رشد وابن طفيل" عن عدم تناقض هذين المبدأين، لكن المؤلف يذهب بعيدا، حينما يقترح أن العقل لا يوافق النقل في جوهره ولبه، بل فعل الفكر بحد ذاته يشكل نقلا وتحويلا. إن الفكر كله يحدث ضمن هذا المسار الذي يبدأ من التصور ويصل إلى التعقل، وعبر الصقل والتصفية يتحول الفكر إلى طور آخر، والفكر الإنساني الشاسع ليس اختزالا أحاديا، بل هو مزاوجة وربط دائمان جيئة وذهابا، مستمران داخل المجال الحيوي لجسم متفكر.

ويعدد المؤلف أشكال مرحلة الانتقال داخل حيز وجود الفرد المفكر، وأن النقل ينضج ويتجاوز نفسه. ويمكن التطلع إليه على مستوى المعرفة الكلية، وعلى مستوى الكون بأكمله. وهذا ما نجحت فيه الفلسفة العربية في إطار العلم والمعرفة ونشرهما بين الأمم. ويشيد كل من "ابن رشد والفارابي" بإنسيابية العلم بين الأمم، من خلال استفادة المتأخر بما قدمه المتقدم في إطار هجرة كونية للفكر العالمي، وتقاسم هذا المشترك الإنساني. فالإطار الكوني للمعرفة، هو ما يطلق عليه فلاسفة العرب: "بالفلك العقلي". وفي ها السياق يقول "ابن رشد": "الجنس البشري هو كرة أو فلك مماثل للأجرام السماوية، وبنفس الطريقة التي ترتبط بها كل هذه الأجرام مع عقل يحركها، تمتلك كرة الحياة البشرية، عقلا بفضله يدير البشر كل العمليات السامية التي تنضوي تحت شعبة التعقل".

ختاما يعتبر المؤلف: أن الفكر البشري عبارة عن حركة انتقال للصور، يحدث داخل هذا الكون، وعبر كل شيء فيه كأنه تمرير لما يعنيه الحقيقي، مركزا على أن إعلاء الفكر وتحفيزه ونقله بشكل متواصل ومسترسل من أجل إبقاء النفس البشرية منتعشة ومليئة بالحياة، ودور المفكر فيه يشبه بحرا كالمتوسط

تتمة // قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر"  عرب ولاتينيون
Partager cet article
Repost0
14 janvier 2024 7 14 /01 /janvier /2024 08:04
من معالم الفكر التربوي الإسلامي

من معالم الفكر التربوي الإسلامي

دراسة محكمة

د.عبد الجليل بوسيف

 

أستاذ مكون بشعبة التربية الإسلامية

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين – جهة فاس مكناس - فرع مكناس

ملخص المقال:

إن التراث التربوي الإسلامي الذي كتبه العلماء المسلمون عبر العصور التاريخية المتعاقبة في قضايا التربية وموضوعاتها وكل متعلقاتها، كثير وغزير ومتنوع ومتعدد، ومفيد في رسم معالم خطة تربوية معاصرة بانية.

وإن حاجة الإنسان إلى التربية في مختلِف مراحله وأطواره، تعد ضرورة ملحة في كل العصور، لتقويم اعوجاجه، وتعديل مساره، والرقي به في مدارج الكمال، بما يجعل منه الإنسان الصالح في نفسه، النافعَ لغيره في بناء الحضارة وعمارة الأرض.

الكلمات المفاتيح:

الفكر – التربوي – الإسلامي – التعليم – إجبارية – مجانية – إشراك – الأسرة .

résumé

L'héritage éducatif islamique, qui a été écrit par les érudits musulmans à travers les âges historiques successifs sur les questions d'éducation et ses sujets et toutes ses questions connexes, est abondant, abondant, varié et nombreux, et est utile pour dessiner les paramètres d'un projet éducatif contemporain. .

Le besoin humain d'éducation dans ses différentes étapes et phases est une nécessité urgente à toutes les époques, pour corriger sa torsion, modifier son cours et l'avancer dans les voies de la perfection, d'une manière qui en fait une personne bonne en elle-même. , utile aux autres pour construire la civilisation et construire la terre.

Mots clés:

Pensée - éducative - islamique - éducation - obligatoire - gratuite - implication - familiale.

                                                                                                 

إن  الإسهام في عودة الأمة إلى التمسك بكتاب ربها وسنة نبيها في تربية أجيالها، يمكن أن يتحقق في  التقريب لجهود علمائنا المسلمين في مجال التربية والتعليم، الذين كان لهم الحضور البارز في هذا المجال بما ألفوا من تآليف وصنفوا من مصنفات، بدءا من الأئمة المؤسسين رحمهم الله، مرورا بتلامذتهم الآخذين عنهم، والتلاميذ الآخذين عنهم إلى عصرنا وزماننا، ومن خلال رصد معالم الإصلاح الثابتة في جهودهم الصالحة لزمانهم وزماننا، ورصد اجتهاداتهم المختلفة في القضايا التربوية المتغيرة، كي نستنير بها ونستفيد منها لقضايانا التربوية الاجتهادية المعاصرة.

وكذا الكشف في جهودهم على أن منهج التربية في الإسلام جاء لكل زمان ومكان،  وأن له أثرا كبيرا في الأمة صلاحا واستقرارا وتقدما وتطورا وازدهارا. وسأعرض في هذا المقال بعض معالم الفكر التربوي على سبيل الذكر لا الحصر ومنها:

1-  إجبارية التعليم

عبر علماء التربية الحديثة عن هذا المبدأ بـ: ( إلزامية التعليم)  وكان صدور هذا المبدأ التربوي الإسلامي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - مصحوبا بوازع ديني في المجتمع الإسلامي، فلا يحتاج إلى رقيب من البشر، ولا إلى جنود أو موظفين يجبرون الناس على تطبيقه، فصار جميع الآباء يذهبون بأولادهم إلى الكتَّاب لتعلم القرآن والصلاة والعقيدة.

وقد عقد معظم علماء الفقه والحديث أبواباً وبحوثاً من كتبهم ومؤلفاتهم لدعم هذا المبدأ وبيان أهميته عند الله، ومكانته في الإسلام، لما لَمَسوه من حضّ القرآن والسنة عليه، وقيام أمر الدين والدنيا على تحقيقه.

 فتحدث عنه "القابسي" (ت 403 ه)  مبينا أنه واجبُ الآباء ومسؤوليتُهم تجاه الأبناء، واعتبر أنه من الشح البخل على الأولاد بالتعليم، فقال : "وقد مضى أمر المسلمين أنهم يُعَلِّمون أولادهم القرآن ويأتونهم بالمعلمين، ويجتهدون في ذلك، وهذا مما لا يمتنع منه والد لولده وهو يجد إليه سبيلا إلا مداركةَ شح نفسه، فذلك لا حجة له"[1].

إن إجبارية التعليم في الإسلام، لا تتم إلا بتعليم جميع أبناء الأمة من مختلف الطبقات الاجتماعية ، ولهذا راعى "القابسي" مسألة تعليم اليتيم الذي غالب الظن به أنه فقير محتاج، فأبرز أن تعليمه على أقرب أقربائه، فإن لم يكن لذلك فلوصي المسلمين وحكام أمرهم، فإن لم يكن ذاك، فتعليمه على من علِمَ حالَه من المسلمين وهو على ذلك قادر، وأجره على الله، وإلا فليحتسب المعلمُ أجر تعليمه عند الله وحده . قال القابسي:

« وإن لم يكن لليتيم من أهله من يعنى به في ذلك، فمن عُنِي به من المسلمين فله أجره»[2]  .

وأفرد "ابن عبد البر" لهذا المبدأ باباً خاصاً عنْوَنه بقوله:  ( باب قوله صلى الله عليه وسلم   « طلب العلم فريضة على كل مسلم»)[3].

ثم ساق كلام إسحاق[4]: « قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعَيِّن على كل امرئ في خاصته بنفسه».  وفصَّل ما تضمنه من إجمال حيث قال: "من ذلك ما لا يسع الإنسان جهلُه من جملة الفرائض المفترضة عليه، نحوُ الشهادةِ باللسان والإقرارِ بالقلب بأن الله وحده لا شريك له، والشهادةِ بأن محمداً عبدُه ورسوله وخاتمُ أنبيائه حق، وأن البعث بعد الموت للمجازاة بالأعمال، والخلود في الآخرة لأهل السعادة بالإيمان والطاعة في الجنة، ولأهل الشقاوة بالكفر والجحود في السعير حق، وأن القرآن كلام الله، وما فيه حق من عند الله، يجب الإيمان بجميعه ، واستعمالُ مُحكمِه، وأن الصلوات الخمسِ فرضٌ، ويلزمه أن يعرف ما تجب فيه الزكاة، ومتى تجب، وفي كم تجب؟ ويلزمه أن يعلم بأن الحج عليه فرض مرة واحدة في دهره، إن استطاع إليه سبيلا...إلى أشياءَ يلزَمُه معرفة جُمَلها، ولا يعذر بجهلها، نحوُ تحريمُ الخمرِ والخنزيرِ، وتحريمُ الزنا والغَصْبِ والرشوة على الحكم، والشهادة بالزور، وأكل أموال الناس بالباطل... وتحريم الظلم كله، وتحريم نكاح الأمهات والأخوات ومن ذكر معهن، وتحريم قتل النفس».

 ومن أهم ما أورده ابن عبد البر، من نصوص حول هذا المبدأ التربوي الإسلامي العظيم.

حديث: «ما من رجل يسلك طريقا يلتمس به علماً إلا سهَّل الله له طريقا إلى الجنة ومَن أبطأ به عملُه لم يسرع به نسبه»[5].

وحديث:« ما من قوم يجتمعون في بيت من بيوت الله يتعلمون القرآن ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده... »[6].

ففيه بيان مكانة طلاب العلم ومنزلتهم العظيمة عند الله ، حتى سخر لهم الملائكةَ تحفهم – أي تحيط بهم – وأنزل عليهم رحمته وسكينته، وهذا ما يلاحظ من سِيَمَا الوقار والسكينة على المخلصين العاملين من العلماء[7].

وفي هذا كله حضٌّ على طلب العلم والاهتمام به. مما جعل أبناء الأمة يتسابقون في هذا المضمار، حتى أصبحت حاملة مشعل الحضارة والعلم في العالم، فقد كان من القيم الاجتماعية أن قيمة الإنسان فيما يتقن من علم ، لا فيما يجمع من مال.

بل إن قيمة العلم فاقت قيمة العبادة في التقرب إلى الله. وقد عقد "ابن عبد البر" باباً بهذا المعنى سماه:( باب تفضيل العلم على العبادة) أورد فيه أحاديث وأخباراً من أهمها ما رواه ابن عبد البر عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« خير دينكم أيسرُه، وخير العبادة الفقه»[8].

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي»[9] . وعن عمرَ بن قيس الملائي قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العلم خير من فضل العبادة ومِلاَك الدين الورع »[10].

هذه بعض الأحاديث من هذا الباب، وهي صريحة في أن الإسلام يرفع من درجة العلم والتعلم فيجعله عند الله خيراً وأفضل من العبادة النافلة.

أما الأخبار عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم فكثيرة، منها ما روي عن ابن عباس « نِعْمتِ العطيةُ ونعمتِ الهديةُ كلمةُ حِكمة، تسمعها فتنطوي عليها، ثم تحملها إلى أخ لك مسلمٍ تعلمه إياها تَعْدِل عبادة سنة».

 وعن قتادة قال: ( باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بَعْدَه أفضل من عبادة حول)[11]، وعن عبد الله بن الشِّخِير قال: « حَظٌّ من عِلْمٍ أحب لي من حظٍّ من عبادة» وقال قتادة: قال ابن عباس: « تذاكرُ  العلم بعضَ ليلة أحب إليَّ من إحيائها»[12].

 وعن أبي هريرة وأبي ذر قالا: « باب من العلم يتعلمه ويعمل به أحبُّ إلينا من ألف ركعة تطوُّع ، وباب من العلم يعلمه، عَمِل به أو لم يعمل به أحب إلينا من مئة ركعة تطوُّع، وقالا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على تلك الحال مات شهيدا»[13].

وعن محمد بن يوسف سمعت الربيعَ بنَ سليمانَ يقول: « سمعت الشافعي يقول: لطلب العلم أفضل من الصلاة النافلة». وعن سفيان الثوري: « ما من عمل أفضلُ من طلب العلم إذا صحت النية»، وقال، « لا أعلم من العبادة شيئاً أفضلَ من أن يُعَلَّم الناس العلم»[14] .

ومن العلماء الداعين إلى "مجانية التعليم" "علال الفاسي" (ت 1394 ه) الذي اقترح في عصره لتنزيل هذا المبدأ مشروعا يتم إنجازه على مدى عشر سنوات، « تُوَزَّع فيها المملكة الشريفة على عشر مناطق تعليمية بحسب عدد الأطفال الذين في السن المدرسي، بحيث لا تقل كل منطقة عن مائتي ألف تلميذ، ثم تقوم بإجبار التعليم لتلاميذ منطقة واحدة في كل سنة، وذلك ما يتطلب منها إنشاء أربعمائة مدرسة في كل عام»[15].

إن القارئ المهتم بفكر "علال الفاسي" يدرك عمق تصوره الديني والوطني لمسألة إجبارية التعليم، والحس التربوي لاختياراته ومبادئه، التي تقر أن مسؤولية الدولة تكمن في ضمان تعليم شامل ومجاني للمواطن، تقوم على تدبيره وحسن رعايته، بما يحقق المصلحة للفرد والمجتمع.

 إذ يؤكد: «أن الحكومة التي لا تُعنى بالمعرفة، ولا تجعلها في متناول جميع الطبقات، ولا تحمل الجاهلين على أن يتعلموا، لَهِيَ حكومةٌ لا قيمة لها في الاعتداد العصري، ولا تستحق من المواطنين أي احترام أو تقدير»[16].

التعليم الإجباري، في نظر "علال الفاسي" يجب أن يحترم تخطيطا يحقق عملية تعميم التعليم ودَمَقرَطته على امتداد عشر سنوات.

والإجبارية لن تتم دفعة واحدة في سائر الجهات، لأن الوضعية المالية والبيداغوجية لا تسمح بذلك. والحلّ الممكنُ هو فرضُ التعليم الإجباري سنة واحدة في منطقة ما، ثم الانتقال في السنة الموالية إلى منطقة أخرى... وهكذا دواليك إلى أن يشمل الهدف جميع المناطق. طبعا، ينتج عن مثل هذا التخطيط تأخرُ المنطقة الأخيرة، بمدة عشر سنوات، عن الجهة الأولى.

يَعرف "علال الفاسي" هذا الاعتراض ويتوقعه، فيرد بأن أي منظور آخر غير ممكن، وأنه ما لم يُوضع هذا التخطيط فسيظل الحال على ما هو عليه الآن، وسيبقى هناك تفاوت بين أطفال المنطقة الواحدة، والحال أنه من الأفضل الحفاظ على التفاوت بين المناطق، بدل الإبقاء عليه داخل الجهة الواحدة"[17].

وهذا المشروع الذي اقترحه "علال الفاسي" ورأى أن يُتَدرج في تنزيله، لا يفهم منه ضرورةُ التدرج في تنزيل كل المبادئ التربوية، مهما اختلفت الإمكانات في تنزيلها، فحيث تكون موارد الدولة الماليةُ والبشرية ضعيفة، يكون من المناسب سلوك مسلك التدرج، وحيث تكون الموارد وافرة، يعمم التنزيل على كل ما يصلح أن يتنزل عليه.

وإنما المقصود هنا التنبيه على كفاءة العلماء في قيامهم بدورهم المطلوب في أزمانهم، حيث كان لهم الدور البارز في توجيه وإرشاد العملية التعليمية التعلمية، في جوانبها المختلفة.

وهكذا سبق ديننا وعلماؤنا إلى تحقيق (إلزامية التعليم) على جميع المستويات والأجناس والأعمار، فلم يخلُ مسلم ولا مسلمة من تعلم أهم مبادئ الإسلام وواجباته ومحرماته، وأركانه، وأركان الإيمان، وبعض آيات القرآن، ومعرفة أهم الحقوق والواجبات الاجتماعية الإسلامية، وعمَّ ذلك جميع أفراد الأمة الإسلامية، حتى صار كل فرد على جانب من الثقافة الاجتماعية والدينية، والمدنية، يَمْحُو به الأمّية، ويعرف حقوقه وواجباته.

2 -  مجانية التعليم

تنص دساتير معظم الدول اليوم على أن التعليم الابتدائي إلزامي ومجاني. وهذا يُلزم الحكومات في كل دولة بتهيئة كل وسائل التعليم؛ من معلمين أكفاء ومديرين وكتب وأبنية مدرسية ووسائل تعليمية ونحوِ ذلك. وهذا يكلف الحكومة ميزانية ضخمة ومبالغ باهظة.

وقد حضَّ الإسلام على التعليم مجانا، وكان هذا الحض نتيجة لما ورد من النهي عن جعل القصد من التعليم مجرد جمع المال، أو كسب الرزق، أو الجاه.

ولقد عني فقهاء الفكر التربوي الإسلامي بهذا المبدأ فتحدثوا عنه وأبانوا أهميته في قيام التربية والتعليم وعمومها في أنحاء المجتمع، مستدلين بما يدل على إقراره في الشريعة الإسلامية،  فكان  "ابن عبد البر" ممن تحدث عنه في معرض الكلام عن مبدأ الإخلاص، لصلته به وارتباطه به، فروى

 « عن أبي العالية قال: مكتوب عندهم في الكتاب الأول: ابنَ آدم عَلِّم مجانا كما عُلِّمت مجاناً، قال أبو عمر (يعني ابن عبد البر ) معناه عندهم: كما لم تُغرّم ثمناً، فلا تأخذ ثمناً. والمجّان الذي لا يأخذ ثمناً».

ثم أيَّد هذا المبدأ بحديث أبي هريرة مرفوعا: « من تعلم علما مما يُبتغى به وجهُ الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرف الجنة»[18].

 فدل الحديث على  تحريم تعلم العلوم الربانية، كالحديث والتفسير  والفقه والتوحيد، لمجرد كسب الدنيا لا لقصد آخر. أما العلوم الأخرى، كبعض الحرف والصناعات، فلا يشملها هذا التحريم.

 ويورد "ابن عبد البر" حديثا آخر في التعليم مجانا، مرويا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « علماء هذه الأمة رجلان: فرجل أعطاه الله علماً، فبذله للناس، ولم يأخذ عليه صُفراً[19] ولم يشترِ به ثمناً، أولئك يصلي عليهم طير السماء ، وحيتان البحر، ودوابُّ الأرض، والكرام الكاتبون. ورجل آتاه الله علما ، فضربه عن عباده وأخذ به صُفرا ، واشترى به ثمنا ، فذلك يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار»[20].

ومن هذه النصوص يتبين أن الإسلام يدعو إلى بذل العلم ابتغاء وجه الله وابتغاء مرضاته، ويمنعُ أن يتخذه الناس سلعة تباع وتشترى.

وتطبيقا لتعاليم الإسلام بهذا الخصوص، يبين "النحلاوي" النتيجة التي أعقبت هذا التطبيق، موضحا كيف كانت مجانية التعليم في أول الأمر وكيف تطورت من خطوة شعبية إلى خطوة مركزية حيث قال: "وبهذا سارت التربية الإسلامية شوطا بعيدا في تحقيق مجانية التعليم، وكانت هذه الخطوة في أول الأمر شعبية، لا مركزية، إذ كان العلماء يجودون بالعلم، ويقيمون حلقات التعليم من غير أجر ، ثم جاد الخلفاء عليهم بالعطايا تقديرا لجهودهم، فكان بعضهم يقبلها ليستعين بها على مشاريعه العلمية، وينفق أكثرها على طلابه، ثم نظِّم الأمر تنظيما شعبيا آخر، فكان الأغنياء يوصون بأموالهم أو يتبرعون بعقاراتهم لتكون وقفا ينفق ريعها على طلاب العلم"[21].

وهكذا ظلت المجانية في التعليم سائدة في المجتمعات الإسلامية إلى عهد قريب، فكان نتيجة لذلك أن ساد الرخاء العلمي وانتشر العلم في عموم الأمة، وبين مختلف طبقاتها وأطيافها.

-  وجهة نظر أخرى في مجانية التعليم لأبي جمعة المغراوي ( ت 920 ه ) ودارسِ كتابه ومحققه، عبد الوهاب التازي ( ت 1437ه)

بينما يميل "ابن عبد البر" إلى القول بمجانية التعليم بما أورده من نصوص في مبدأ الإخلاص، حسبما أوضحه "النحلاوي" في دراسته، نجد "أبا جمعة المغراوي" ينتصر للقول بعدم مجانيته مستندا إلى جملة من الدلائل التي يراها تؤيد هذا الرأي وتقوي جانبه، وهو الرأي الذي تابعه عليه دارس كتابه ومححقه "عبد الوهاب التازي" إلى حد أنه اعتبر الأداء عن التعليم بدعة القرن الحاضر حيث قال:

"المبدأ الذي يظل  ـــــ و خاصة اليوم ــــ مشغلة للحكومات  ورجال التربية  في سائر جهات  الدنيا ، ويُهِمنا  منها  العالم الإسلامي.

   ويتعلق  الأمر  ببدعة  القرن الحاضر : التي تقتضي  بمجانية  التعليم ـ أي  إعفاء الأولياء من  أداء  تعويض مالي مقابل  تلقين  أبنائهم، على  أن تتكفل  الحكومات  بالنفقة  على  الأبناء من  الروضة إلى الدكتوراه"[22].

لقد أولى عبد الهادي التازي هذا  الموضوع اهتماما كبيرا، وأشاد بذكاء "المغراوي" في التنبه إليه والاهتمام به، حيث جعله محل الصدارة في المبادئ التي تناولها، إذ يقول: "لقد  كان  في صدر ما  اهتم  به  المغراوي وعني به : هذا المبدأ الذي  يقول بوجوب  الأداء عن التعليم  ابتداءً  من أول مرحلة  فيه  إلى آخرها، أي   أنه  على  الأب أو  الوليّ أو الصغير  ألا يعتمدوا على  الحكومة  لتؤدي عنهم  من أجل أن يتعلموا"[23].

 ومن اهتمام "المغراوي" بهذا المبدأ، أنه كرر الحديث عنه في مواضع عدة من كتابه، وهو ما ذكره "التازي" حيث قال:  "وقد شغل أمرُ الأداء حيزاً مهما  في تأليف المغراوي، حتى لَكُنَّا نلاحظ أحياناً أنه ربما يكرر القول، ولكنه كان يقصد دون  شك إلى ترسيخ المبدأ في أذهان الناس، فليس الكل مهيئاً للتعليم  وليس في استطاعة قدرة الـمُـعلم استيعابُ  سائر الذين  يرغبون .

   وهكذا ففي صفحة (5) و (7) و (8) و (9) و (10) و(16) و(19)و(42) و(43) في كل هذه الصفحات  حديث عن  المال المدفوع :  مشاهرة أو مسانهة أو مقاطعة أو مهاداة،  بمناسبة الأعياد و المواسم و المناسبات، علاوة  على  ما يؤدى بمناسبة "الحِذْقات" أي حفظ  الصبي لحصة معينة من القرآن الكريم نظراً أو ظاهراً أي  تلاوة و حفظاً [24].

يقول "التازي" "وهذا مبدأ  ينم  عن ذكاءِ  و حكمة  وبُعدِ نظرِ المتقدمين  الذين كانوا يرجعون  إلى استشارة  مواردهم ، فإن  كانوا يستطيعون تحمل  العبء تقدموا، وإلا سلكوا  طريقاً آخر"[25] .

وقبل أن يذكر "التازي" الأدلة التي استند إليها المغراوي ، ذكر جملة من المسوغات للقول بهذا الرأي في هذا العصر خاصة، وهو تخفيف العبء عن الدولة في كثرة ما تقوم به من مهامَّ وتُقدمه من خدمات مجتمعية من ميزانيتها، مثل بناء الجسور وتعبيدِ الطرقات، وإنارةِ السبل.... فإذا أضيف إليها إنفاقها على التعليم لوحدها كان الحمل كبيرا والعبء عليها ثقيلا.

كما أنه استخلص من كلام "المغراوي" في الفصل الأول من كتابه، أن التعليم اختياري يعتمد على الاستعداد النفسي والقدرة المالية على الأداء عنه.

ويقرر أيضا أن ما ذهب إليه "المغراوي" في هذا الموضوع، هو نفسه مذهبُ العلماء قبلَه كالقابسي وابن سحنون وغيرهما،  وفي هذا يقول التازي: "إن  الحكومة  تضطلع بعدد من المسؤوليات التي لا مفر لها منها:

   بناء الجسور وتعبيد الطرقات وإنارة السُبل  وإغاثة  المحتاجين، وإنقاذ المرضى ، وقبل هذا وبعد هذا إعداد الجيش الإسلامي للطوارئ التي تهدد المجموعة الإسلامية في كل وقت .

     وفي نظري-يقول التازي- أن بداية المغراوي بهذا الموضع الحيوي له دلالته البعيدة، فإن الرجل ــ كسائر المربّين الذين سبقوه ــ لم  يريدوا أن يلقوا بأمر التعليم على جهةٍ قد  لا تستطيعه، بقدر ما قصدوا أن يجعلوه محل تنافس بين المستطيعين و المريدين و الراغبين و الصادقين في طلبهم"[26].

 ومن ثمت تحررت  الدولة  من هذا العبء  الذي ظل  عبر التاريخ الإسلامي ملقى على كاهل الأسرة، والأسرة وحدها.

 ومن هنا  وجدنا أن الذين  يتقدمون  للتعليم "نفر" أهَّلهُ  استعداده الفطري أو استطاعته المادية أو ساعدته أريحية مُتَطَوِّع عنه من المتطوعين لدفعه إلى الكتاب.

   ولم يكن  "المغراوي"  إلا مردداً للرأي الذي أخذ به  السلف من ذي قبل  حول هذا المبدأ، وقد قرأنا هذا  في "آداب المعلمين" لابن سحنون (ص 96) ، و كذلك في " الرسالة المفصلة " للقابسي (ص291) وفي الفوائد الجميلة للشوشاوي (ص411-412) و في " المعيار" للونشريسي(8/236 ـــ 251 ــــ 254).

وهذا الحال هو الذي نجد  عليه  اليوم معظم دول العالم، سواء في القارة الأروبية بسائر دولها أو القارة الأمريكية كذلك بسائر حكوماتها، أو حتى  في  القارة الأسيوية، فلقد قرأنا منذ شهور: أي أوائل شهر يونيه 1950 م، أن الصين أخذت في تطبيق توصية الحزب بوضع حد  لنظام المجانية، وهو التطبيق الذي سيسبب زيادة  عدد المدارس الحرة  للتعليم  في مختلف أطواره.

لقد ركز الفصل الأول من  كتاب "المغراوي" على  ما يفهم منه أن الدراسة اختيارية، تعتمد على الحافز النفسي و القدرة المالية، ولو أن الدولة  كانت تشجع أحيانا بإنشاء المدارس لكن الأمر، في الانطلاق و أخذ الطريق ، يبقى لاختيار  الإنسان"[27].

ورصد "التازي" أدلة "المغراوي" التي استند إليها، في الأداء عن التعليم،  المباشرة وغير المباشرة، والصريحة وغير الصريحة.

فمن المباشرة الصريحة: الأحاديث التي استند إليها القابسي وابن سحنون في أخذ  الأجرة عن التعليم، وأن ذلك مما جرى به العمل وتلقاه العلماء بالقبول، وكذا تحديد الإمام مالك للمبالغ المستحقة التي على  الصبي أو وليه أن يدفعها للمعلم.

ومن المباشِرَة غير الصريحة: عدد من المسائل ذات الصلة بالموضوع، ينشأ عنها الخلاف ويُستفتى فيها العلماء، كما استفتي مالك رحمه الله، أو يقع الترافع فيها إلى القاضي.

   وهو ما عبر عنه "التازي"  بقوله: "واهتم "المغراوي" بأمر تحديــــــد الإمام مالك ـــ رضي الله  عنه ــــ للمبالغ المستحقة  التي على  الصبي أو وليه أن يدفعها للمعلم ، وذلك نقلاً عن المربي المغربي الشيخ ــــ أبي عمران موسى الزناتي في كتابه الحُلَلُ[28]، وأكـــد  أن أمر دفع التعويض في مقابلة "الاستظهار" أمر جرى به العمل وتلقاه العلماء بالقبول.

    وقد سئل النبي (صلى الله عليه و سلم) حول نازلة تتلخص في أن بعض الصحابة تردد في قبول أجرٍ عوضاً عن مساعدة قدمها بما تيسر له من القرآن، فقال :" قد أصبتم ! اقسموا و اضربوا لي معكم سهماً.....  !".

   وحتى يتجلى مبدأ "الأداء" كما يجب أن يتجلى، وجدنا "المغراوي" يعالج عدداً من  الجزئيات التي يمكن أن تحدث؛ مثلاً لمن يُوكَل إليه أمر تحديد الأجرة؟ هل العرف و العادة المتعارف عليها بين الناس؟ أم الأمر يتعلق بأريحية الأولياء الآباء، أم أنه خاضع للحالة المادية للطفل، أم أن الأمر يعتمد أولاً و أخيراً على الشرط أي على ما يَتفق عليه الطرفان و يلتزمان به (ص 42،39،35،31،31،28،20،19،14،13،8،5) ثم تحدث عن حكم فسخ العقدة من جانب واحد (ص35)  وحكم انتقال التلميذ من مدرسة إلى أخرى و على أي أساس يعطى الحقَّ في التعويض المالي؟(ص 11،10،8) ، (سحنون، ص 107-108) وهل للمعلم إذا غير مكان تعليمه، دون استشارة الأولياء، حق التعويض المتفق عليه أم لا( ص 39)، وكذا إذا مرض فتخلف عن أداء مهمته(ص43) ، وفي حالة ما إذا ظهر للتلميذ أن يعيد الكرة فيما حَذَقه من ذي قبل ، هل تكون الأجرة نفسَ  الأجرة سيما ونحن نعلم أن مشقة  العلم تَخِفُّ بالنسبة للمرة الثانية؟(ص 11-12).

   ولم يُغْفِل المغراوي ما قد يطرأ من تقديم "هدايا" إلى  المعلم علاوة على أجرته المعلومة بالعرف أو بالشرط، و الأمر في نظره  موكول إلى حسن النية أو سوئها (ص 20-34، المعيار 8/251) لكنه في معرض آخر ينص مرتين اثنتين على أن طمع المعلم في أخذ أزيد ما وقع عليه الشرط يعتبر  من باب السحت ( ص 10-38).

ومن المسائل ذات الصلة بالأداء عن التعليم التي عالجها المغراوي: ما يحكم  به القاضي على الولي و ما لا، وما يُرجع فيه  للعرف أو لحالة الوالد من يُسر و عسر، و ما يُحْكَم به  في حالة  وفاة المعلم أو المتعلم في أثناء  المدة الـمُشَارَطِ عليها، و ماذا عن موقف الشرع في أخذ الزائد على الواجب المتفق عليه.

لقد ظلت فكرة " الأداء على التعليم" هي الفكرةَ السائدة طيلة العصور  الخالية للدولة الإسلامية ، ومع ذلك فقد أتت  أكلها بما أنتجته من رجال أفذاذٍ و سيدات كاملات"[29].

والذي تبين من المقارنة بين ما تقرر مذهبا لابن عبد البر، وما ذهب إليه "المغراوي" وانتصر له التازي" في موضوع الأداء عن التعليم، أن الأقرب – والله أعلم – أن تراعى المصلحة والمفسدة في تقرير أي المذهبين أنسب بكل عصر وكل دولة، حسب قوة اقتصادها أو ضعفه، فتكاليف التعليم اليوم ومراحلُه ومتطلباتُه أكثر من الأزمنة الماضية، وما يمكن أن يعتبر أداء عن التعليم في الأحاديث المستدل بها، إنما هي حالات عرضية تطوعية في غالبها، كما أن استناد "التازي" إلى اختيارية التعليم لا إلزاميته، لا يُسَلَّم بها، وهو ما لا ينسجم مع القول بتعميم القول بلزوم الأداء عن التعليم.

وأما تخفيف العبء عن الدولة، فهذا النظر صحيح، حيث لا تفرض أنواع الضرائب على المجتمع في مختلف المجالات، وحيث تكون مجانية التعليم خالصةً من أي أداء، وإلا فتخفيف العبء عن الأسرة أمر مطلوب كذلك.

وكذلك ينبغي أن يراعى في القول بالأداء عن التعليم، ما يترتب عنه من الطبقية في التعليم وتمكين أبناء الأغنياء منه دون أبناء الفقراء، مما ينتج عنه الإضرار بمصلحة الأمة العامة في إهدار الطاقات، وتعطيل القدرات، وإيجاد نوع من الاحتقان والتنافر بين أفراد المجتمع.

  و"التازي" وإن كان يذهب مذهب الأداء عن التعليم، فقد جرى في  مستهل كلامه ما يؤيد الوجهة التي أميل إلى القول برجحانها.

3 - إشراك الأسرة في تدبير  شأن المتعلم

مما هو جدير بالذكر هنا ما أشار إليه "ابن سحنون" ( ت 256 ه ) في حديثه عن عقاب المتعلم، وهو تأكيده على ضرورة إشراك الأسرة في تحديد عدد الضربات إن أراد الزيادة فوق ثلاث. إذ قال في هذا الصدد: "ولا بأس أن يضربهم على منافعهم، ويؤدبهم على اللعب والبطالة، ولا يجاوز بالأدب ثلاثا، إلا أن يأذن له الأب في أكثرَ من ذلك"[30] .

وبهذا يكون "ابن سحنون" قد دعا إلى التعاون بين البيت والمدرسة لإنجاح التعليم ، ويؤكد هذا – أيضا - حيث قال: "وعلى المعلم أن يخبر أولياءهم إن لم يجيئوا.. ولا يرسل بعضهم في طلب بعض إلا بإذن أوليائهم"[31].

وانطلاقا من المبدأ الراسخ بأن الصبي يولد صفحة بيضاء قابلا لكل نقش، وأنه أمانة عند والديه، نجد "ابن عرضون" (ت 992 ه) يُحمل الأهل مسؤولية تربية الولد على الخير ليسعد في الدارين، وإلا نَالَهُم شقاؤه ووزرهُ، لمخالفتهم قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين منوا  قُوا أنفسَكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون﴾[32].

وهو ما تُعنى التربية الحديثة به من خلال تكوين جمعية آباء وأولياء التلاميذ في المؤسسات الأساسية، لكنها تظل حاضرة على مستوى الشكل والظاهر في عدد من المؤسسات، ولا تقوم بالدور الحقيقي المنوط بها، بل إن بعضا من أولياء التلاميذ يستميتون في الدفاع ضدا على مصلحة أبنائهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، مما يُضْعِف حرصَ المدرسين على مصلحة بعض التلاميذ نتيجة لوقوف أوليائهم ضدها.

وهنا يأتي دور الدولة في تقويم العوج وإصلاح الخلل وتوجيه المسار، من خلال توعية الآباء والأمهات والأولياء للقيام بدورهم على الوجه المطلوب.

4 - اقتران العلم بالعمل

يكتسب العلم الذي يتعلمه الإنسان قيمته من العمل به، وإلا فبدون ذلك، فهو والجهل سواء، وربما كان الجاهل أقل ملامة في عمله بخلاف مقتضى العلم من العالم العامل بخلاف علمه، ومن ثم نجد الإسلام يحث على العمل بمقتضى العلم  في نصوص كثيرة، وتحدث العلماء عن هذا الموضوعِ في تصانيفَ عديدةٍ، أبرزُها وأخصُّها: تأليف الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ) الذي أسماه: "اقتضاء العلمِ العملَ"[33]، وكان لفقهاء المالكية دورُهم في العناية بهذا المبدإ والحث على تطبيقه، حيث عقد "ابن عبد البر" ( ت 423 ه ) له بابا بعنوان: (باب: ما جاء في مساءلة الله عز وجل العلماء يوم القيامة عما عملوا فيما علموا )[34]  أورد فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «أول الناس يقضى يوم القيامة ثلاثة... ورجل تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأُتِيَ به، فعرّفه نعمه، فعرفها  فقال فما عملت فيها...»[35]  وأورد حديث ابنِ عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس خصال : عن شبابه فيما أبلاه؟ وعن عمره فيما أفناه؟ وعن ماله: من أين اكتسبه وأين أنفقه؟ وعن عمله ماذا عمل فيه؟[36].

ويتبين من خلال الحديثين، أن العمل بهذا المبدأ في التربية الإسلامية ينبني أساسا على الشعور بالمسؤولية أمام الله والخوفِ من السؤال بين يدي اللهِ يوم القيامة، إذا لم يَقرِنِ الإنسان علمه بالعمل به، وكذا الشعورِ بالخيبة من التناقض في ذلك، وهذا ما أوضحه "ابن عبد البر" حيث قال: "قد ذم الله في كتابه قوما كانوا يأمرون الناس بأعمال البر ولا يعملون بها، ذما وبخهم الله به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: ﴿أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب. أفلا تعقلون﴾[37].

وأكد "الحازمي" ضرورة المزاوجة بين العلم والعمل، بما من شأنه أن يعكس القدوة الحسنة للمتعلمين، ويؤديَ حق الشكر على نعمة العلم لله رب العالمين، ويجنب الخيبة عند السؤال يوم الدين حيث قال: "إن تعلم العلمِ لا يكفي ليستقيم الإنسان، فلابد للمربي أن يعمل به حتى يكون قدوة صالحة، جاعلا ظاهره موافقا لباطنه، متحليا بالأخلاق الحميدة من العفة والصدق والإخلاص والأمانة والنصح وحب الخير للناس، وحثهم على فعله، ومتجنبا للرذائل من قول الزور والكذب والخيانة والحسد وبغض الناس وكافة منكرات الأخلاق، ويرتفع عنها ويسمو بأخلاقه لأسمى الدرجات.

وعليه أن يتيقن أنه سوف يُسأل عن علمه فيما فعل، كما جاء في الحديث:( لا تزول قدما عبد يوم القيامةِ حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)[38].

وقال من تربى في مدرسة الرسول– صلى الله عليه وسلم -  أُبي بن كعب: تعلموا العلم واعملوا به ولا تتعلموه لتتجملوا به. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا[39].

الآثار العلمية والحضارية لهذا المبدأ.

نقل "ابن عبد البر" آثارا عن الصحابة وأقوالا للتابعين تدل على حرصهم على تطبيق هذا المبدأ، وتربية المتعلمين والناشئين عليه. منها قول أبي الدرداء: « إنما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أو جهلت؟ فأقول: علمت، فلا تبقى آية من كتاب الله آمرةً أو زاجرةً إلا جاءتني تَسألُ فريضتها. فتسألُني الآمرة : هل ائتمرت؟ والزاجرة: هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع»[40]. ومنها قول سفيان الثوري: «ودِدت أني قرأت القرآن ثم وقفت» وقوله:« وددت أني أفلت من هذا الأمر» ثم قال« وما أدركت أحدا أرضاه إلاّ قال ذلك»[41].

وعقد "ابن عبد البر"  لهذا المبدأ( بابٌ جامعُ القول في العمل بالعلم)[42] استفتحه بحديث: «طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل نفسه في غير مسكنة، وأنفق مالاً  جمعه في غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكمة، ورحم أهل الذل  والمسكنة... طوبى لمن عمل بعلمه، وأمسك الفضل من قوله»[43] .

وأورد فيه قولَ المأمون: «نحن إلى أن نوعظ بالأعمال أحوج منا أن نوعظ بالأقوال»[44]. وقولَ أنس بن مالك: «تعلموا ما شئتم تعلموا فإن الله لا يأجركم على العلم حتى تعملوا به، إن العلماء همتهم الوعاية وإن السفهاء همتهم الرواية»[45] .

ثم روى عن علماءِ التابعين أقوالا وحكماً مفيدة منها:« قال رجل لإبراهيم بن أدهم[46] : قال الله عز وجل:﴿اُدعوني أستجبْ لكم﴾[47] فما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال إبراهيم: من أجل خمسة أشياء: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، وقرأتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وقلتم نحب الرسول وتركتم سننه، وقلتم نلعن إبليس وأطعتموه، والخامسة تركتم عيوبكم وأخذتم في عيوب الناس»[48].

إن الانفصال بين هذا الترابط الوثيق بين العلم والعمل في المناهج التربوية الحديثة، هو ما أفقد التعلم فائدته الحقيقية المرجوة، فتجد المتعلم مثلا يمتحن في شرح حديث النهي عن الغش، وإذا به يمارس الغش في امتحانه، ولربما حصل على أعلى الدرجات في بيان معنى الحديث وشرحه.

 وعلى هذا فقس كثيرا من القيم والمبادئ الضائعة في ميدان التربية والتعليم؛ لأن المناهج الحديثة إنما تقيس التعلمات فقط إن صح وسلِم قياسها لها، أما العمل، أما القيم والأخلاق فشيء آخر لا يعنيها كثيرا

المصادر المراجع:

  1. [1]) الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، أبو الحسن علي القابسي ( ت 403 هـ) ص 92، 
  2. [1]) المصدر نفسه ص: 94.
  3. [1]). جامع بيان العلم وفضله، أبي عمرو يوسف بن عبد البر، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 0303 ه 0333 م. ص: 23.
  4. [1]) هو الإمام الحافظ الكبير أبو يعقوب التميمي. نزيل نيسابور وعالمها، يعرف بابن رهويه، ولد سنة 166هـ . قال الطوسيّ: ما أعلم أحداً أخشى لله من إسحاق وكان أعلم الناس، وهو في رواية الحديث ثقة مأمون إمام، روى عنه أبو داود الخفاف قوله: كأني أنظر إلى مئة ألف حديث في كتبي وثلاثين ألفاً أسردها، قال وأملى علينا إسحاق من حفظه أحد عشر ألف حديث، ثم قرأها علينا فما زاد حرفا ولا نقص. مات 238هـ، تذكرة الحفاظ للذهبي 1/433
  5. [1]) جامع بيان العلم وفضله 1/ 63. صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، 4/2074 رقم 2699.
  6. [1]) جامع بيان العلم وفضله 1/65  وهذا الحديث جزء من حديث طويل أوله: « من نفَّس عن مؤمن كربة... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله...» أخرجه الترمذي، أبواب القراءات، باب بدون ترجمة 5/195 رقم 2945.
  7. [1]) جامع بيان العلم وفضله1/416.
  8. [1]) أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكيين، حديث أعرابي، 25/ 284 رقم 15936 بدون: وخير العبادة الفقه.
  9. [1]) جامع بيان العلم وفضله1/101. والحديث أخرجه الترمذي بلفظ: " كفضلي على أدناكم" أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، 5/ 50 رقم 2685.
  10. [1]) المصدر نفسه 1/106 والحديث أخرجه الطبراني (المتوفى: 360هـ) في المعجم الكبير، باب بدون ترجمة، طاوس عن ابن عباس، 11/ 38 رقم 10969 .
  11. [1]) جامع بيان العلم وفضله1 / 110، 111.
  12. [1]) المصدر نفسه 1/ 117.
  13. [1]) المصدر نفسه 1/121،  والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط باب الألف، باب من اسمه إبراهيم  3/ 64 رقم 2492.
  14. [1]) المصدر نفسه 1/ 124.
  15. [1])  النقد الذاتي، علال الفاسي، المطبعة العالمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 0356 م. ص: 345.
  16. [1]) المصدر نفسه، ص 342.
  17. [1]) الأطروحات التعليمية في الحركة الإصلاحية بالمغـرب، نموذج علال الفاسـي، ترجمة محمد اسليم. موقع محمد أسليم انظر النقد الذاتي ص 346.
  18. [1]) جامع بيان العلم وفضله  1/ 658  والحديث أخرجه أبو داود، كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله، 3/323 رقم 3664.
  19. [1]) الصُّفر بالضم نحاس يعمل منه الأواني. مختار الصحاح، مادة: ص ف ر. وهو هنا كناية عن قليل المال وكثيره ، لأن بعض النقود كان يصك من النحاس كالفلوس وبعضها من الذهب كالدنانير.
  20. [1]) جامع بيان العلم وفضله 1/ 172، والحديث اخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، باب الميم، من اسمه محمد، 7/171 رقم 7187.
  21. [1]) أعلام التربية في تاريخ الإسلام، ابن عبد البر، للنحلاوي ص 48، 50.
  22. [1]) المغراوي وفكره التربوي، من خلال كتابه: جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما بين المعلمين والصبيان ص 32.
  23. [1]) المصدر نفسه، ص 32.
  24. [1]) المغراوي وفكره التربوي، من خلال كتابه: جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما بين المعلمين والصبيان، ص: 34
  25. [1]) المصدر نفسه، ص 32.
  26. [1]) المصدر نفسه، ص: 33.
  27. [1]) المصدر نفسه، ص 33.
  28. [1]) أحد أعلام المدرسة المالكية في المغرب في المائة الرابعة من الهجرة وأول الخامسة منها، (ت 430 هـ) جمع فتاويه وقدم لها محمد البركة وهي مطبوعة عن أفريقيا الشرق ـ المغرب، سنة 2010م. ولم أقف عند المترجمين له على كتاب له بالاسم المذكور. 
  29. [1]) المغراوي وفكره التربوي، من خلال كتابه: جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما بين المعلمين والصبيان ص 33، 36.
  30. [1]) آداب المعلمين، ابن سحنون. ص 117 .
  31. [1]) المصدر نفسه، ص: 97-98 .
  32. [1]) سورة التحريم، الآية: 6. انظر: الدليل التربوي، نصوص وتطبيقات، دراسات في الفكر التربوي الإسلامي، تأليف نخبة من الأساتذة، إشراف محمد الدريج 3/ 149.
  33. [1]) طبع عدة طبعات منها: طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الرابعة، 1397هـ.
  34. [1]) جامع بيان العلم وفضله 1/ 679. أعلام التربية في تاريخ الإسلام ، ابن عبد البر، للنحلاوي ص 35، 37.
  35. [1]) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، 3 / 1513 رقم 1905.
  36. [1]) جامع بيان العلم وفضله 1/ 683 والحديث أخرجه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة، 4/612 رقم 2417.
  37. [1]) سورة البقرة 44. انظر: جامع بيان العلم وفضله 1/ 671.
  38. [1]) أخرجه الترمذي، باب في القيامة (4/ 612)، رقم: (2416)، وقال الألباني: صحيح لشواهده، المشكاة، رقم: (5197).
  39. [1]) جامع بيان العلم وفضله 1/ 693.
  40. [1]) المصدر نفسه 1/ 683.
  41. [1]) المصدر نفسه 1/ 686.
  42. [1]) المصدر نفسه 1/ 688.
  43. [1]) المصدر نفسه 1/ 688 والحديث أخرجه الطبراني في معجمه الكبير باب الراء، ركب المصري 5 / 71 رقم 4615.
  44. [1]) المصدر نفسه 1 / 696.
  45. [1]) المصدر نفسه 1/ 695.
  46. [1]) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي ، أبو إسحاق البلخي الزاهد، سكن الشام، وهو ثقة في رواية الحديث، مأمون وأحد الزهاد، وكان من الخيار الأفاضل، مات سنة 162هـ في بلاد الروم ، وكان صابرا على الجهد والفقه والورع الدائم، والسخاء الوافر .. ) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني 1/102.
  47. [1]) سورة غافر 60.
  48. [1]) جامع بيان العلم وفضله 1 / 689.
Partager cet article
Repost0
6 janvier 2012 5 06 /01 /janvier /2012 17:51

 

البرنامج الإذاعي طنجة نت / المغرب وكتاب الثقافة الرقمية للدكتور عبد النور إدريس

هذا هو الرابط الإلكتروني لحلقة برنامج طنجة نت - المغرب الذي ينجزه الإذاعي المتميز خالد اشطيبات والتي تم فيها الحديث عن  إصدار الدكتور عبد النور إدريس الموسوم ب:  الثقافة الرقمية من الفجوة الرقمية إلى الأدبية الإلكترونية.... حيث يمكن الاستماع أو التحميل…

http://www.4shared.com/audio/QsfpzoxD/_________.html

 

 

Partager cet article
Repost0
15 décembre 2010 3 15 /12 /décembre /2010 22:54
كلية الطب والصيدلة تحتفي بمهرجانها الوطني الأول للقصة والشعر

الجمعية الثقافية الاجتماعية والرياضية لموظفي كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء

بمناسبة اليوم السنوي الخامس للموظف تنظم الجمعية الثقافية والاجتماعية والرياضية لموظفي كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء أيام الأربعاء والخميس والجمعة 5/6/7يناير2011 المهرجان الوطني الثقافي الأول للقصة والشعر:
بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء ..
تحت شعار :
” الخلق والإبداع الأدبي في الفضاء الجامعي”
وذاك وفق البرنامج التالي :
يوم الأربعاء 5 يناير 2011
الفترة الصباحية
من 9إلى 9و30 حفل شاي
من 9و30 د إلى 10
** كلمة الجمعية
**كلمة لجنة التنظيم
**كلمة لجنة التنسيق
من 10 إلى 12 ندوة الشعار :الشعر ومهنة الطبيب إلى أين ؟؟؟؟
***ما جدوى الشعر؟-وظيفته؟ الحاجة إليه؟ الشاعر .سعيد بوعثماني
*** الجامعة فضاء للإبداع : الدكتور المهدي لعرج
*** إبداعات الشباب الجامعي:الباحث والناقد والشاعر المصطفى فرحات
تسيير المبدع إدريس عبد النور
الغذاء
فترة ما بعد الزوال
من 15 إلى 16 و30 قراءة شعرية
نعيمة زايد
إدريس عبد النور
ابراهيم قهوايجي
محمد فرح
أحمد بهيشاوي
حسن مزهار
مصطفى فرحات
رشيد الخديري
إدريس زايدي

من 16و30 إلى 17 استراحة شاي
من 17 إلى 18و30د تتمة القراءة الشعرية
محمد زرهوني
شنوف محمد
مليكة صراري
طالبي مصطفى
زين العابدين اليساري
بابا هواري خليفة
احميدة بلبالي
قاسم لوباي
ثورية قاضي
تسيير مالكة عسال
تسليم شهادات الحضور والمشاركة مع شهادات التقدير
الخميس 6 يناير 2011
الفترة الصباحية
من 9و30 د إلى 10 شاي
من 10 إلى 12 ندوة الشعار :
***الآداب والجامعة أية علاقة ؟؟؟محمد رمصيص
*** دور البحث الجامعي في تطوير الأدب :محمد يوب
*** البحوث الجامعية والأدب أية علاقة ؟؟؟:عبد المجيد عابد
تسيير ابراهيم قهوايجي
الغذاء
الفترة ما بعد الزوال
من 15 إلى 16و30 قراءة قصصية
عبد الحميد الغرباوي
ليلى الشافعي
عبد الله المتقي
حسن بقالي
محمد فجار
ريحانة بشير
المهدي لعرج

من 16و30 إلى 17 شاي
من 17 إلى 18و30د تتمة القراءة القصصية
محمد فري
نعيمة قصباوي
كمال دليل الصقلي
حسن برطال
سعدية باحدة
محمد بوغنيم بلبال
عبد الغفور الخوى
تسيير محمد منير
تسليم شهادات الحضور والمشاركة مع شهادات التقدير

يوم الجمعة 7يناير 2011
من 15 إلى الساعة 18 مساء
اليوم السنوي الخامس للموظف الحماية الاجتماعية
دور مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين في المجال الاجتماعي بقطاع التعليم العالي :الأستاذ عبد اللطيف العبدلاوي

ملحوظة:
ـــــ اللقاء بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء
ـــــ كل يوم مستقل بنفسه :التغذية متوفرة مع فترات شاي دون مبيت
ـــــ سيرافق طيلة فقرات المهرجان توقيع الكتب

تنسيق وتنظيم السيد محمد بوهلال والسيدة مالكة عسال

Partager cet article
Repost0
12 novembre 2010 5 12 /11 /novembre /2010 21:13

تغطية للندوة الدولية للنقد التطبيقي بسورية:

نبيل لهوير و  آمال الحسني

                            النقد الأدبي بلغة الحياة

احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية (قسم اللغة العربية), جامعة حلب, في الفترة الممتدة بين الأول والرابع من نونبر- تشرين الثاني 2010, على مدرج إيبلا, فعاليات الندوة الدولية للنقد التطبيقي, بمشاركة باحثين وأكاديميين ونقاد من سورية وبلدان عربية أخرى، تحت شعار" لنغرس ما يغني الإنسان".

جاءت الندوة – بحسب اللجنة العلمية المنظمة- في سياق السعي وراء خلق تواصل فعال بين الدراسات الأكاديمية النظرية, والواقع الاجتماعي العربي بمختلف تجلياته الحياتية والفكرية والفنية, وفي زمن يطرح فيه السؤال حول مدى إسهام النقد العربي وفعله في الأدوات والمناهج النقدية المستخدمة, وتجريب قدراته على تحقيق خصوصية معرفية وجمالية مؤثرة.

هذا, وقد وضعت الندوة النقد التطبيقي أولوية أولوياتها في انفتاحه على نصوص عربية وعالمية (غنائية, سردية ودرامية) عبر العصور قديمها وحديثها, هادفة تبيان مدى فعالية المناهج النقدية في إضاءة التجارب الأدبية وكشف قدراتها التواصلية ونسج علاقات متجددة مع المتلقي المعاصر.

فكانت محاور الندوة على الشكل الآتي:

1-   نقد النصوص الغنائية العربية والأجنبية (شعرية ونثرية).

2-   نقد النصوص السردية العربية والأجنبية (القصة القصيرة والقصة والرواية).

3-   نقد النصوص الدرامية (المسرحية, الإذاعية, سيناريو السينما, سيناريو المسلسل).

4-   نقد النصوص في إطار الأجناسية والأدوات النقدية المستخدمة فيها.

5-   نقد النقد التطبيقي: استعراض تجربة ناقد تطبيقي أو مجموعة دراسات تطبيقية لنقاد عرب أو أجانب.

بعد الجلسة الافتتاحية التي شهدت كلمات مختلف الجهات المنظمة والتي ركزت على أهمية المؤتمر وراهنيته بالنسبة للنقد العربي، استهلت الجلسة العلمية الأولى التي ترأسها الدكتور "وهب رومية" بورقة د. عبد الجواد البدراني (العراق) الموسومة بالتوازي وأثره الإيقاعي والدلالي (حميد سعيد نموذجا), وحاول الباحث  خلالها معالجة خصوصية ظاهرة التوازي بعدّها تقنية أسلوبية مائزة في التجربة الشعرية لحميد سعيد.

اشتغل الباحث على مجموعة "فوضى في غير أوانها" حيث قسم أنماط التوازي – كما تجلت في الديوان- إلى مستوياته (الصوتي, التركيبي, الدلالي, التصاعد الذروي ومستوى القافية) المتجاوبة مع حاجة النص ومتطلبات الدلالة.

تلتها ورقة د. لطفية برهم (سورية). "سنية صالح: موقع الشعر ودلالة الاختلاف"، فكان الاختلاف تمردا على الأشكال الشعرية المألوفة, وخالقا لحالة متفردة تمثل لانتقال الصوت الشعري النسائي السوري من الصمت إلى بلاغة البيان.

تعرض د. فايز الداية في الورقة الثالثة المعنونة ب "الأسلوبية الدلالية في الشعر المعاصر" لتحليل الجوانب النظرية لمنهج التحليل الدلالي التي أجملها الباحث في أمرين:

-       كشف جوانب الوعي بالعالم لدى أدباء الغنائية.

-       التأثير في المتلقي العربي المعاصر من خلال الأدوات الدلالية في الإبداع الفني, مشيرا إلى توسع المنهج المعتمد في تطبيقاته ليمتد إلى الأعمال السردية والمسرحية العربية المعاصرة.

ختمت الجلسة الأولى ورقة د. سيد علي اسماعيل (مصر) متسائلة عن مصداقية الناقد عندما يتناول بالنقد أعماله الإبداعية، ممثلا لذلك بتجربة الكاتب والناقد المسرحي الكويتي "علاء جابر" من خلال دراسته النقدية "مسرحياتي كما أراها الآن".

وكانت ورقة "الغنائية في قصيدة النثر الليبية" لسليمان الزيدان (ليبيا) مفتتح الجلسة الثانية لليوم الأول، حيث تناول الباحث بالدراسة مفهوم الغنائية بوصفه دعامة من دعامات بناء النص الشعري، محاولا القبض على مواطن الغنائية في قصائد شعراء النثر الليبيين، مستعينا في ذلك بتجارب سابقيه في مجال النقد التطبيقي.

 في حين تقدم د. عشتار محمد داود بالورقة الثانية "شعرية الجنون في سيرة ممدوح عدوان" إذ يظهر الجنون رؤية تمتح من الصوفي مجاوزا عتبة العقل في محدوديته، رؤية خالقة تفكيرا استباقيا للتغيير الحتمي في الاتجاه الفكري، يغدو معها الجنون ثورة تتحول بدورها لضرورة من ضرورات الإدامة الحياتية للفكر الإنساني.

 تلتها ورقة د. هيثم سرحان "بلاغة الحجاج: مقاربة تداولية في مقامات الحريري" سعت إلى رصد البنيبة الحجاجية في ثلاث مقامات للحريري تتضمن خصومة أبي زيد السروجي مع امرأته في مجالس القضاء، واعتبر الباحث البناء الحجاجي القائم على الإقناع والمراوغة والاستدراج أبرز العناصر تأثيرا في بنية المقامة، متوسلا لأدجل إبرازذلك منهج تحليل الخطاب في أبعاده التداولية.

وشكلت ورقة "سمر الديوب" (سورية) المعنوية ب "الوصف ووظائفه في "منظر صيد" لعبد الحميد الكاتب "آخر تدخل في الجلسة الثانية، انطلق الديوب من فكرة كون الوصف فضاء تتحرك فيه العناصر الدلالية للنص، متوسلا للتدليل على فكرته برسالة وجهها عبد الحميد الكاتب إلى أمير المؤمنين تتحدث عن رحلة صيد، وقد آثر الباحث دراسة وظائف الوصف في هذا النص وفق الآليات النقدية الحديثة، محددا أربع وظائف ينهض بها (التصويرية، التفسيرية، التزيينية والفكرية) وخلص إلى اعتبار لغة الوصف في هذه الرسالة لغة كاشفة، تخضع لمنزع جمالي متعلق بشعرية الخطاب.

آخر جلسات اليوم الأول عرفت مشاركة د. عبد اللطيف محفوظ (المغرب) بورقته "الرمز وبناء المعنى في القصة القصيرة" قرأ فيها المجموعة القصصية "بيت النعاس" للكاتب المغربي إدريس الخوري، قراءة سيميائية اعتمدت تحليلا يتأسس على مفهوم الرمز السوسيري، ويعمل على وصف بناء المعنى بوصفه جزءا من الدلالة، وعبر التمييز بين مستوى المعرفة باللغة ومستوى المعرفة بالعالم، مما يتيح التعرف على مستويات الرمز والترميز التي راهن عليها الخوري كي يبني معنى النص، وركز الباحث على تحليل العنوان بوصفه من جهة انموذجا لعدد من الأدلة المشابهة سواء في المجموعة أو القصة المعنوية ببيت النعاس، ومن جهة ثانية لأنه يشكل موضوعا ديناميا لمختلف سياقات المجموعة.

وقد تدخل في هذه الجلسة أيضا د طاهر رواينية (الجزائر) بورقة حول توترات المحكي وتداعيات أزمنة الموت والرغبة في رواية مرايا النار ( فصل الختام ) لحيدر حيدر . وقد استهل ورقته بتقديم الرواية التي يرى أنها تعد من النصوص الروائية العربية التي تبدو غير مألوفة ، والتي تحاول أن تنفلت من أسر التقاليد السردية العربية التي تجمع بين الإمتاع والمؤانسة ، وتنقلب على مواضعاتها وتتمرد على سننها ، مؤسسة لمحكي روائي ملتبس ومنشطر ، تغلفه سلبية شاملة مبرمجة على مستوى المحكي وفق استراتيجية حكائية تجعل الحس المأساوي مهيمنا ، ومأزقا متحكما في مصائر الشخصيات ، يثير الإحساس بالفقد والخيبة والعجز عن المواجهة ، وهو معنى مسجل على مستوى المسار السردي للشخصية المركزية ناجي العبد لله التي تشكل موضوعا للسرد يتكون منه محك رئيسي ذو صبغة سيرية ، تجعل من موضوع العنف السياسي في الواقع العربي انطلاقا من الحرب الأهلية اللبنانية . ثم بعد ذلك قارب الرواية انطلاقا من تحليل عتباتها.

وفي قراءة لمجموعة قصصية أخرى أبرز د.صلاح صالح (سورية) ما تتيحه مجموعة "دمشق الحرائق" لزكريا تامر  من مداخل مغوية لارتياد عوالمها شديدة البساطة، والمتسمة بتجاذب ثنائية القسوة والعذوبة، فكان بذلك زكريا تامر راسما لملامح تجرية متفردة تُحتذي....

وكان آخر متدخل في هده الجلسة د. أحمد ويس (سورية) حيث قدم مداخلة تحت عنوان " جماليات النادرة عند الجاحظ وفق تعريف مونتاندون" وقد استهل مداخلته بفرش نظري حول الناذرة بوصفها فنا سرديا تميز بالقدرة على الذيوع و الانتشار بين الناس سواء بطريق السماع أم بطريق القراءة، مؤكدا انه سيعتمد في التحليل التصور الذي صاغه الناقد فرنسي آلان مونتاندون، وفحواه أن للنادرة أربعة عناصر أساسية هي : السهولة و الإيجاز و التمثيلية و الوقع الدافع إلى التفكير .    

 

تتالى تقديم الورقات في اليوم الثاني للجلسة العلمية الرابعة التي تسيدتها الرواية، بداية مع د.قاسم حسن القفة (ليبيا) حيث قارب تقنيات السرد في رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي التي اتخذت من اللغة الشعرية وعاء لكتابتها الروائية، فتنوعت الصيغ السردية في معالجتها للموضوع وبناء الحدث، والتعبير عما يجول أعماق الشخوص من مشاعر متناقضة، مركزا على اشتغال ضمير المخاطب داخل نص ممتع لغة وشكلا.

وكان النص المشاكس "أولاد حارتنا" محط اهتمام الورقة الثانية التي تقدم بها د.غسان غنيم (سورية) مسلطا الضوء على الأنماط الأولية بوصفها جزءا من ذاكرة الجماعة الإنسانية، وعلى الأخص في منطقتنا العربية، في محاولة لبناء وعي حقيقي للصراعات القائمة، وفق رؤية جدلية ترى الحل في العلم، نبي هذا العصر الذي لا يموت.

أما د مرشد أحمد (سورية) فقد تدخل حول رواية نزيف الحجر، وكانت مداخلته تحت عنوان: "آليات عرض الحكاية في رواية "نزيف الحجر" لإبراهيم الكوني، وقد حاول أن يقدم من خلالها الآليات التي اعتمدها السارد وهو يعرض الحكاية، ومن ثمة مستوى اتساق آلية العرض مع المحكي عبر مدار تشكل المنظومة السردية، كما تعرض بالتساوق مع ذلك إلى قضايا التكثيف والانتشار، وقد تركزت مقاربته على بنية العنوان النصية، والعناوين الداخلية إضافة إلى الحواشي والهوامش.

انطلقت مداخلات الجلسة العلمية الخامسة من صورة الآخر في رواية سحر خليفة "ربيع حار" التقطتها د.ماجدة حمود (سورية)، جاعلة العنوان معادلا لفظيا لحكاية ربيع علاقة نشأت بين أنا عربية وأخرى يهودية، سرعان ما انقلبت جحيما حارا يشابه انقلاب أجمل الفصول (الربيع) إلى جحيم.

وقدم د جمال مقابلة  (الأردن ) مداخلته الموسومة ب "ضدّ من ؟" رواية العشق و نشيد الموت . مركزا على تحليل  ثلاث قضايا  أجملها في:

1.  أولاً أن الرواية هي رواية الصوت الواحد ، وهو صوت البطل حامد الذي يمثّل صوت الضمير الجمعي للفلسطينيين في تشرّدهم و ضياعهم .

2.    ثانياً أن الرواية تحتفل بمختلف أنواع التناص وخاصة مع نصوص الشعر القريب من الوجدان العربي.

3.  ثالثاً أن هذه الرواية تحمل رؤية مأساوية، وحسّاً مأساوياً عميقاً ، فإلى جانب ما فيها من عشق تقترح الموت حلاّ مرحلياً ،يقوم البطل و معه آخرون من خلاله بمعانقة الأبدية . 

 

صورة أخرى من صور العلاقة بالآخر يلتقطها د.عبد القادر بموسى (الجزائر) من علاقة الأنا بالآخر الغربي في الرواية العربية – رواية "ما لا تذروه الرياح" لعرعار محمد العالي أنموذجا، محاولا قراءتها في ضوء تناصها مع نصوص روائية عربية ومغاربية تناولت تيمة الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، وبين الشمال المسيحي والجنوب المسلم، كاشفا تجليات السادية فيها.

أما د أسماء معيكل فقدمت مداخلة موسومة ب "تجلّيات النصّ المفتوح( رواية التبر لإبراهيم الكوني)، وقد قاربتها من مداخل دلالية عدة لتؤكد في النهاية أن الرواية تنتمي بامتياز إلى النوع المتسم بالانفتاح على آفاق دلالية متعددة وأن هذا التعدد الغني يساهم في تعدد التأويلات التي يمكن لكل متلق أن يسندها إلى النص.

 وقاربت ورقات الجلسة العلمية السادسة النص الشعري القديم، أعطى انطلاقتها د.يوسف الإدريسي (المغرب) بملامسة شعرية الحجاج لدى المتنبي/ قصيدة "واحر قلباه" أنموذجا، متسائلا حول ما إذا كانت المناهج متفرقة ومجتمعة تستطيع الإحاطة بكل عناصر النص الشعري، والكشف عن كل أبعاده الفنية والتخييلية، وذلك استنادا إلى تحليل أسلوبي يستعرض أبرز الخلاصات التي انتهت إليها الدراسات السابقة للقصيدة المذكورة، ويبرز – في الوقت ذاته – الدلالات الإيحائية الكامنة وغير المنكشفة إلا بفضل التحولات التي عرفتها المناهج الأدبية.

ومع المتبني أيضا آثرت د.مها خير بك ناصر (لينان) الوقوف على البنية الفنية البرغماتية في نص "أطاعن خيلا" الذي جسد نمطا برهانيا / برغماتيا، قوامه الترابط الموضوعي المنطقي بين الفكر المبدع والمنتج اللغوي، فتجلت فاعلية أنماط التداولي في عملية التواصل وإنتاج الدلالة، حوارا خفيا بين ظاهر وباطن، حاضر وغائب، وبين عدد لا حصر له من قيم معرفية وإنسانية آمن بها المتنبي وأحياها في نبض الحروف وظلال الرؤيا.

اختتمت الجلسة بمداخلة د.وفيق سليطين (سورية) آليات النص ووظائف التناص: دراسة تحليلية لأنموذج من الشعر الملوكي، إذ عكف على دراسة نص لابن مليك الحموي، قاصدا الوقوف على الآليات النصية العاملة فيه، وتحديد أنواعها ودرجات تفعيلها في بنائه وإنتاج دلالاته الممكنة، في ضوء استحضاره لنصوص أخرى يستدعيها ويحيل عليها...

في اليوم الأخير، وفي ثامن الجلسات تقدم د.رشا ناصر العلي (سورية) بقراءة ثقافية في مجموعة من النصوص السردية النسوية المنتمية لبيئات عربية مختلفة في السنوات العشر الأخيرة، فتوصلت القراءة إلى كشف الأنساق الثقافية داخل هاته النصوص واستخلاص ما فيها من ركائز أساسية تشير إلى خصوصيتها.

كما تقدمت د.شهلا العجيلي (سورية) بورقتها "الإنتاج الثقافي للمدينة الإسلامية في الرواية العربية: مكة كما أنتجها الكون الروائي للروائية السعودية "رجاء العالم" وغرناطة كما رسمتها ثلاثية رضوى عاشور، وصنعاء كما هندسها نص الروائي اليمني محمد الغربي عمران "صحف أحمر".

توسلت د شهلا إمكانيات النقد الثقافي للكشف عن العيوب النسقية المتخفية وراء قناع الجمالي الروائي.

ثم تدخل د.أحمد جاسم الحسين/سورية  بمداخلة تحت عنوان الميتا سردي في رواية "ليلة إفريقية/مصطفى لغتيري" حيث ركز على مفهوم الميتا سرد ومردوديته الجمالية في الروايات التي استعملته بوصفه تقنية تحديثية، ثم خلص إلى كيفية استثمار رواية ليلة إفريقية له. وقد فضل عوض تقديم حكم أو رأي طرح تساؤلات شتى حول الميتا سرد وحول الرواية المدروسة.

وفي نفس الجلسة تدخلت د نجوى الرياحي القسنطيني (تونس) مقدمة ورقتها الموسومة ب "دراسة تحليلية لعتبات روائية – سيميائيّ وقد عملت على إدراك آلية بناء الخطاب الروائي و انكشاف الدلالة عبر ضرب من الحوار المتجدد بين الباثّ والمتلقي، ونظرت بناء على ذلك في عتبات النصيين الروائيين الذين شكلا موضوع مداخلتها عبر أنظمة علامية ثلاثة يتشكل وفقها النصان وهي:

·        نظام في تحويل التجربة المحكية إلى سياق جمالي مفترض يتيح استكشاف الواقع و لا ينقله.

·        نظام في افتراض وجود المتلقي ثنايا النص فاعلاً في التقاط الإشارات الدالة  وتفكيك الرموز.

·   نظام في بلورة استراتيجية النص وفق إشارات و رموز بقدر ما تقترح رؤية كلية للنص تتيح للقارئ أن يتوقع رؤية أخرى مماثلة أو مخالفة.

 

تواصل حضور الرواية في الجلسة العلمية التاسعة بورقة د.حليمة عمايرة (الأردن) الرواية في ضوء اللسانيات الحديثة، قاربت فيها رواية "رجال في الشمس" لغسان كتفاني من زاوية الكشف عن قدرة الخطاب النثري على البرهنة عن تميزه، ومن خلال تحليل نماذج من تراكيب الرواية من منظور لساني تكاملي يستحضر مستويات النظر إلى الظاهرة اللغوية (النحوية، الدلالية، والتداولية) بغاية الوقوف على أسرار خلود النص.

بدأت ورقات الندوة شعرا، لتنتهي رواية كتبت فصلها الأخير اللغة من خلال مداخلة د.ندير جعفر (سورية): اللغة في الرواية العربية: مستوياتها ووظائفها. قامت الدراسة على تحليل أعمال عدد من الروائيين العرب منطلقة من التأكيد على أن للغة في الرواية نظامها العلاماتي الخاص بها والمميز لها عن لغات الأجناس الأدبية الأخرى.

وتميزت مداخلة د مرشد أحمد (سورية) فقد تدخل حول رواية نزيف الحجر، وكانت مداخلته تحت عنوان: "آليات عرض الحكاية في رواية "نزيف الحجر" لإبراهيم الكوني، وقد حاول أن يقدم من خلالها الآليات التي اعتمدها السارد وهو يعرض الحكاية، ومن ثمة مستوى اتساق آلية العرض مع المحكي عبر مدار تشكل المنظومة السردية، كما تعرض بالتساوق مع ذلك إلى قضايا التكثيف والانتشار، وقد تركزت مقاربته على بنية العنوان النصية، والعناوين الداخلية إضافة إلى الحواشي والهوامش.

خصصت الجلسة الأخيرة لتقديم شهادات أدبية نقدية في حق الأدباء خيري الذهبي، شوقي البغدادي، فرحان بلبل، وليد إخلاصي.

هذا وقد أوصى المنتدون المجتمعون في الندوة الدولية للنقد التطبيقي بتوصيات، يمكن إجمالها في ضرورة اهتمام  الكليات العربية بالنقد التطبيقي في مناهجها الدراسية وندواتها العلمية والثقافية، وكذلك تمكين الدراسين فيها من نقل الإبداع الأدبي إلى جمهور المدارس والمعاهد والدائرة الثقافية الواسعة في محاولة لغرس ما يغني الإنسان.

 



Partager cet article
Repost0
4 novembre 2010 4 04 /11 /novembre /2010 19:49
Partager cet article
Repost0
9 octobre 2010 6 09 /10 /octobre /2010 19:54

المثقف، الصوت بلا صدى.

الناقد الأدبي: محمد معتصم

 

تقديم:

منذ فترة تقارب العام ارتفعت العديد من الأصوات للحديث عن الوضعية الثقافية في بلادنا، تراوحت تلك الأصوات بين جادة تسعى إلى فهم ما جرى وما يجري الآن، وبين ردود فعل تلامس السطح دون تحديد فعلي للأسئلة الحقيقية، وفي غياب خطة عمل توحد حولها كل المثقفين الفعليين المهتمين بالشأن الثقافي في المغرب اليوم. عموما أعتبرها جميعا قد انتبهت إلى الوضعية المزرية التي وصلت إليها منظومة القيم على إثر تحولات كثيرة محلية ودولية، مما سمح للعديد من الظواهر الشاذة بالتسرب إلى الحياة الثقافية، وشل حراكها وتأثيرها في حياة المواطن المغربي الذي تضخم عنده اليوم سؤال المصير وتعمق عنده سؤال الهوية، ففي الوقت الذي كان فيه المثقف المغربي واضح الملامح، وعارفا بأهدافه، ساعيا وراء تحقيق مراميه حتى حدود العقد الأخير قبل بداية الألفية الثالثة، وانتشار ثقافة الاستسلام، والانسحاب الطوعي لمناطق الظل ومصارعة المستجدات، وتضميد جراح الخذلان السياسي والثقافي، و مكابدة آلام التخلي، وعنف الاصطدام بجدار اللاجدوى العتيد، بات اليوم مجرد ظل، وقد أقول أصبح ضالا، تائها في امتدادات لا منتهية، منتكسا بلا صوت، فقط يشاهد نهايته حتى بدون حسرة أو ألم، بله يرفع عقيرته بالاحتجاج. عفوا لقد بات الاحتجاج العقلاني والموضوعي وبات النقد من مصطلحات العهود السابقة، الموؤودة.

ومساهمة مني في هذا الحراك الذي تحدثه الجهتان معا، الفاعلة والمنفعلة، أنشر اليوم مقالة كانت كما أراها تنبؤية، لأن ما يجري اليوم في الساحة الثقافية نتيجة لتلك الوضعية التي استخلصتها من الواقع، ووضعية المثقف المغربي، ومن كتابات إبداعية كانت لها القدرة على استشراف المستقبل، والحدس القوي بالآتي، المقالة منشورة بكتابي كملحق؛ "الرؤية الفجائعية في الرواية العربية نهاية القرن العشرين"، تحت عنوان:" المثقف، الصوت بلا صدى".

وستكون لي وقفات فيما بعد حول قضايا تخص الأسئلة التي ينبغي طرحها في اللقاءات العامة أو الخاصة ومن قبل جميع الفئات التي لها غيرة حقيقية على الوطن، وعلى مخزونه الفكري والثقافي، والفئات التي تقدر جهود المبدعين والكتاب والمثقفين المغاربة الذين أسهموا في بناء الصرح الجمالي للمتخيل المغربي، والذين وضعوا كل ثقتهم وجهدهم في الرأسمال الإنساني، واستثمروا ثرواتهم القليلة أو الكثيرة في تنوير المواطن المغربي، وسعوا إلى تحريره من التبعية والاستلاب اللغوي والثقافي والسياسي، وقاموا بالتضحية، هذه اللفظة الغريبة عن قواميس السياسات الحالية، من أجل مغرب ثقافي فاعل، حيوي، منتج، منافس، ومغرب قارئ، ومنافس، ومبادر ومقتحم لكل المعيقات التي انتشرت حول عصبه كالصدأ وكالشمع تكاد تمنع عنه التفكير والإبداع، والنقد والتنفس بحرية في بلد حر.

تذهلني نتائج القراءة في بلد بتجاوز سكانه ثلاثة ملايين، تخيفني أرقام تداول الكتاب التي يصرح بها الناشرون، ولا أحد ينفي أو يؤكد هذه الأرقام المنحطة، أتساءل بحكم عملي يوميا عن مستوى التعليم ونتائجه في جل المستويات، أقف في كثير من الأحيان عاجزا على تحديد الهوية الحقيقية للمثقفين والقائمين على الشأن الثقافي في العديد من المؤسسات والأندية الثقافية وجمعيات المجتمع المدني وانتهازية الكثير منهم وتقلبهم بتقلب الرياح، تلك الجمعيات التي كان لنا الحضن الدافئ وكان القائمون عليها منارات هادية ومرشدة، تقوم بأدوار عديدة تثقيفية وتربوية وتأطيرية...والبقية تأتي.

 

المثقف، الصوت بلا صدى.

 

   لا يمكن اعتبار الرؤية الفجائعية مفهوما بلا جذور وقواعد راسخة في التاريخ وفي المجتمع، وفي الذات وفي أنماط الفكر السائدة وأنماط التفكير الرائجة اليوم وبالأمس القريب والبعيد. من المظاهر الأكثر تأثيرا، تفككُ المنظومات ذات الطابع الكلياني، وتلك اليقينيات التي تربى عليها العقل الحديث. قيم الحرية، والمنظومات الخلقية، سواء أكانت ذات منحى اجتماعي أو ديني أو سياسي أو فكري. إن ما فقده الإنسان المفجوع هو الارتباط والتواصل بينه وبين ذاته أولا، ثم بينه وبين الآخرين ثانيا. ومن ثمة جاء الحديث عن الآخر الجحيم و الأنا الجحيم.

   إن ظهور فكرة الانتحار في الكتابات الروائية العربية المعاصرة يجد تبريره في الصدع العميق الذي أحدثته الهزات العنيفة الخارجية، وتبدد الأحلام واضمحلال الآمال وانهيار الأنظمة وتفكك النسقية، وتلاشي المعنى وصعود الضبابية، والنفاق الاجتماعي، والحَوَلِ السياسي الذي يستند إلى القوة، والقوة المطلقة، وقوة المصلحة والذاتية المفرطة، وضعف التاريخ و إخجال الشعوب الأوروبية الخارجة من أوار النازية. بل عبادة السلعة الرائجة، لأن العالم أصبح سلعة. وأن العالم سوق كبيرة للنخاسة، والأفكار عملة فاسدة، والفلسفة سلعة بائرة، والإنسان بلا قيمة فلسفية بل هو بضاعة أيضا. فلتحي التفاهة. هذا المنطق الجديد سيكبر ويعلو حتى أن لا شيء يعلو عليه. إن الانهيارات الكبرى في العالم المعاصر؛ فكرا وسياسة ومنظومات وأنساقا ،،، ستؤدي إلى تقوقع الذات، وانخساف الأنا. تلك التي تعاف ذاتها. كيف لها أن تقبل، بل كيف لها أن تُلْحِمَ الصدع بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ولكي تتحمَّلَ الوجود عليها أن تنخرط في التفاهة، وأن تفلسف اللاشيء بل وتبرر العجز، وأن تجانب الحقيقة.

   إن الانهزامية ملمح من ملامح الرؤية الفجائعية. والشخصيات الروائية في الرواية العربية المعاصرة منهزمة غارقة في الذل. وعيها يثقل عليها، وذاكرتها جحيم، التاريخ حد سيف على الرقبة. كيف لكاتب أن يجلس إلى نفسه، ويخلو لذاته ويكتب بضمير مرتاح وهو وسط الخراب. وهو يشعر في داخله بالاقتلاع. واسيني الأعرج يقذف بالإنسان الواعي، والفنان، وأستاذ الموسيقى في المباءة، مهملا بين النفايات والفضلات. أيُّ فاجعة هذه! المثقف الذي يحيا في البرج العاجي، ويسبح خياله حرا في الفضاءات الواسعة الرحبة، ويتوسد ندف الغيوم البيضاء. لم يعد قادرا على العثور على موطئ قدم. يُلاحقُ من الداخل أولا. لأن الداخل هو الجحيم الأكبر. هكذا يعرِّفُ (فوكو) الاضطهاد. إنه في الداخل. المضطهد لم يعد كائنا اجتماعيا، لأنه انفصل عن المجتمع. بل فصله المجتمع وهمشه وأهمله واستأصله كالزائدة الدودية. المثقف لا دور له في العالم الجديد. العالم الجديد يتربَّعُ على قمته (أفلاطونات) جدد. لا يقبلون إلا الدواجن. يعجبها ويطربها النقيق، وتسريها القوقآت. لذلك فشخصيات مؤنس الرزاز تشعر بالخواء الداخلي، وباللاجدوى. بل هي كائنات مطرودة من القبيلة. إنها حركة صعلكة جديدة. في الزمان الجديد. عبد الله الديناصور في (مذكرات ديناصور) شاعر مقتلع ولا قيمة له. حتى صاحبه (الذبابة) لا يشعر بأنه ذبابة بل حشرة. أي أن الإحساس الفاجع يقود صاحبه إلى الازدراء، كافكا اللحظة العربية والعولمة. والذات تزدري نفسها. إنه الجحيم الداخلي، وقوده الذكريات الاقتلاع. لا ينفي الرزاز أثر الخارج:موت عبد الناصر، انهيار الاتحاد السوفياتي، وحرب الخليج الثانية، الوحدة العربية، وتسوية مدريد... الخ. الخارج يذكي النار، ويؤجج أوارها. إن الأرض التي كانت الأقدام تقف عليها قد زلزلت. والعالم، والأرض، واليابسة عبارة عن رمال متحركة، والذات والمثقف، والإنسان، والقيم كلها تغرق، تنزل ببطء وهي في حال من الذهول والأخذ. إنها الحالة الشعورية الحادة التي عبر عنها أحمد بوزفور في قصص مجموعته الأولى (النظر في الوجه العزيز). إنها حالة الهبوط النفسي الحاد. ( la dépression  ). استسلام الضحية لحد السيف. استسلام يشل حركة الجسد، ويخدر الأعصاب. تغوص الأقدام في عَسَلٍ رَخْوٍ لزجٍ بمذاق الشهوة. تدعو الحبيبة حبيبها عند بوابة السجن للعناق، لوصل ما انفصل، فيجيبها (أريد أن أنام). جسد منهك، وروح فقدت كل رغبة في الحياة. هذا ما تعبر عنه الكتابة المعاصرة. هل هو انهزام الكاتب؟ إنه انهزام العالم. انهزام القيم النبيلة أمام قيم الجبن. ويعلمنا التاريخ أن (الجبناء قساة). لذلك نقسوا على ذاكراتنا. المثقف مدانٌ، الفكر مدان، الفلسفة مدانة، التاريخ مدان. الجغرافيا مدانة. لماذا نحن هنا ؟ لماذا نحن جنوب العالم ؟ عالم مليء بالتناقضات، بلا إرادة، بلا قوة، فقط استسلام الضحية للجزار.

   على مدى العقد الأخير من القرن الماضي والرواية، السرد العربي يجهر بالكارثة. التصدع القوي الغائر في الذات، ليس إلا أثرا لشرخ عميق في الوجود. يكاد (الكوسموس) أن تنفلت عراه. ويحدث ما تنبأ به أرسطو (  le chaos  ). الكوسموس نظام محكم. بناء محكم. يتهاوى فقط عندما يفقد صرامته، أي توازنه، وتماسك عناصره. وليست العناصر قائمة على التماثل بل على الاختلاف. الكوسموس بنية متناغمة لا متماثلة. والعالم اليوم بنية، بناية متماثلة لا متناغمة، بل بناء واحدي مائل جهة القوة الشمولية المطلقة. والمثقف ذات ووعي يتنبأ ويحدس ويحس هول الفاجعة، وهول الدمار وقاع العالم المظلم اليباب لذلك يستسلم ويصبح صوته بلا صدى، فيهوي الجسد، جسد الأستاذ من أعلى جسر (تنيميلي) بالجزائر مغمض العينين، وصوت ارتطام الجمجمة بالأصص، بالصخر، بأي شيء يدوِّي عاليا في الخواء. إنها الفاجعة. صوت بلا صدى. إنه احتجاج ضد اللامبالاة.

 

   ليس أعنف على الذات من أن تجتث جذورها. أين تتجه ؟ على أي الأعمدة تستند ؟ وعبد الله الديناصور في رواية مؤنس الرزاز (مذكرات ديناصور) تعبِّرُ عن ذلك. يقول النص:" وأقبل ابن عمي. أين كنتُ أنا ؟ في "الغور" أم في "الشياح" ؟ وجه انحدر من تضاريس البداوة الناتئة كالصخر إلى أخاديد الفلاحة والزراعة. بدا وجهه صارما في وقدة الليل ذي القذائف المنيرة. قال إنه يحمل لي رسالة من الشيخ. يتراجع الشيخ عن خلعي من القبيلة، ويصفح عني، ويضمني إلى شجرة القبيلة مرة لأخرى، وإلى صدره      إذا استنكرت خروجي على لغة القبيلة جهارا نهارا".ص(73).

   ككل الأنظمة العرفية، والإيديولوجية،،، لكي تنتسب إلى القبيلة عليك الانصياع، والخضوع وأن لا تخرج بالرأي المضاد والمخالف. لكن ما يحدث للذات بعد الاقتلاع رهيب جدا. لأن الذات لا تجد مرجعا ومصدرا تعود إليهما طلبا للملاذ والحماية. وفي حال غياب الحماية تسقط الذات في الفجائعية. أي أن الشعور الحاد بالعراء تحت سماء بعيدة واسعة، وفي أرض خلاء، فكل الذوات الأخر أعداء ويجب الحذر منها. حتى الذات تهتز ولا تثق في نفسها. وأول آثار هذا الاهتزاز والانخلاع تشوش الذاكرة. والنص أعلاه يعبر على ذلك "أين كنتُ أنا ؟". لا تستطيع الذاكرة الاسترجاع ولا الاستذكار، لأن الشرخ عظيم والهوة محيطة بالذات. الوقائع مضطربة. والنسقية المنطقية والحدثية (من الحدث) تتخلخل. وتحل محلها الفوضى. وهو ما انصاعت نحوه الكتابة الروائية المعاصرة. فالرواية عبارة عن قصص متفرقة، يضمها غلاف وعنوان واحد. والرواية عبارة عن أوراق مبعثرة تدروها الرياح. هذا ما فعله أستاذ الفنون، والموسيقى في رواية (سيدة المقام) لواسيني الأعرج قبل أن يؤرجح جسده في الهواء ويقذف به إلى الهاوية. وهو الخيار ذاته الذي ارتآه مؤنس الرزاز. يقول في (مؤخرة لا مقدمة لها لحكاية حب):" وأرجو أخيرا أن ينتبه القارئ إلى أن هذه الأوراق كلها ليست سوى مجموعة متداخلة من كوابيس اليقظة أو كوابيس المنام .. وهذا ما يفسر غياب المنطق الواقعي حينا .. وقد لا يفسره في أغلب الأحيان ؟!".ص(5).

   وتنبيه القارئ إلى صيغة الخطاب الروائي يندرج ضمن ما يسميه هنري متيران في دراسته السوسيولوجية الإيديولوجية للرواية "الخطاب المقدماتي". وهو خطاب يبرر، ويقرر، ويؤكد، ويستدرج القارئ إلى المناطق التي يرتئيها الكاتب. والكاتب عندما ينبه القارئ يود في الوقت ذاته الافصاح عن وعيه المطلق والواقعي بما يقوم به من تفكيك ومن تشظية، وخلخلة للمنطق الخارجي الصارم القائم على الترابط والانسجام. لأن الخارج لم يعد مقْنِعًا تفككتْ منظومته. وأصبح المبدع، وهو الوتر الحساس في المجتمع، وتيرموميترهُ، غير قادر على تجميع الأجزاء وإخضاعها إلى منطق سليم ومتسلسل يمكن تفسيره، ويمكن إرجاعه إلى أصول ذاتية أو موضوعية أو هما معا.

   إن المبدع العربي المعاصر لم يعد قادرا على ملاحقة ما يحدث. وهذا نوع من الاقتلاع. لأن جذور المبدع والمفكر ليستْ مرتبطة فقط بالعِرْقِ (القبيلة) بل بالوعي والفكر (القبيلة الإيديولوجية). إن ما يسميه عبد الله الديناصور "كابوس فانتازي لا معقول" ص(65)، يعبر عن الحيرة التي أصابت العقل، المنسجم، المنطقي، المطمئن. والاقتلاع ناجم عن الزلزال القوي الناس قذف بالجذور إلى الفضاء الواسع الخلاء. إن منطقا جديدا يتهيأ. وأن عالما جديدا يتكون. وأن أسئلة جديدة تجابه المثقف. أسئلةٌ إشكاليةٌ تتراكم فوق أسئلةٍ أخرى لم يتم حلها والإجابة عليها. ليس الاقتلاع العرقي هو الأهمّ هنا، لكن الاقتلاع الفكري، اقتلاع الوعي وأنظمته. عندما تطرح أسئلة الهوية فالصراع له محاوره وأطرافه وله أرضيته أيضا. أسئلة الهوية متصلة بالأنا والآخر. صراع الأقليات كما تجلى ذلك في رواية (سلالم الشرق) لأمين معلوف؛ صراع الأتراك والأرمن. سؤال الهوية متصل باقتلاع الهوية الدينية إلى جانب الهوية العرقية، ويتجلى ذلك في رواية إدوار الخراط (يقين العطش). فالأقباط المسيحيون كأقلية تضطر إلى إعادة طرح سؤال الهوية والدعوة إلى الاحتماء بالخصائص الدينية كسند وملاذ وحماية أو بالخصائص العرقية كسند وملاذ كذلك. إن للمبدع قدرة على التنبؤ. وبعد زلزال 11 شتنبر 2001م أثار اهتامي السقوط المدوِّي للأنظمة الغربية. لم يسقط البرجان العالميان الشهيران، بل سقط برج العقل، ولاذ الغربيون إلى سنداتهم العرقية والدينية. انهارت الأنظمة العلمانية، وكشفت عن لاوعي الحضارة، وهرول القادة إلى الكنائس، وفتش العامة في كتب التنجيم. وانهار العقل، تخبط في حيرته. رفعت دعوات الثأر باسم المسيح. وانتهزت الصهيونية العالمية والمحلية المستطينة الفرصة وكالعادة استفادت من الوضع ورقصت على جثت الأمريكان وجثت الفلسطينيين، ولاكتْ لحمَ الإسلام والمسلمين والعرب والعروبة أينما وجدوا. أوقدتِ الشموع في الكنائس، وأذرفتِ الدموع، وصوبت الخناجر والبنادق والصواريخ ،،، وآلات الجحيم الأرضي إلى الجسد الضئيل الذي لم يتعافَ من رضوض الحملة الإمبريالية والاستنزاف، ومن انتكاسات الأحلام والإحباطات الإيديولوجية، ومن انهيار القطب الثاني في المنظومة السياسية العسكرية العالمية. وتَمَّ إحياء فيلهيم رايش من خلال قانونه الجذري المتحكم المترسب في لا وعي الإنسان، إنه ما يسميه "الطاعون الانفعالي"، وهرع الجميع في كل اتجاه. هذا كله يقوله الرواية العربية المعاصرة. تقوله مجزءا ومجتمعا. تقوله عبر اللغة، وباللغة كلغة؛ لغة تظل هي أيضا في هذا العالم الكلياني، وفي نظام السوق، والقيمة، والمردودية، بلا قيمة. لا أحد يلتفت إلى صوت المثقف. لا أحد يقرأ الكتاب لأن زمن الكِتَابِ ولَّى تحت وابل الحملات الإشهارية والتشهيرية، ولأن العالم يسرع. ولأن العالم أُخِذَ بالسرعة وصارت الإله الذي اقتلع زيوس (  zeus  ) من قمته ومن انتظاره وبطئه، ومن تأملاته. لم تعد هناك (أولمبيوس) جديدة أو قديمة. الواقع اليوم أسطورة الأساطير. لهذا يبدو أن العالم ليس إلاَّ استعارة. وأن الكائن الاستعاري الذي تم تحقيره وإهماله وتركه للتيه والعزلة والخواء واللاجدوى واللاقيمة، والانتحار، وتم قذفه في المزبلة، يستحق اليوم من العالم وقفةً. إنه الكاتب، والمبدع، والمفكر، والدارس، والباحث،،،

 

   من مظاهر الفجائعية كذلك انعزال المثقف في مكان بعيد متحاشيا العالم الخارجي. إلا أن الانعزال يشمل الذات المزدراة. الذات المصدومة، المنهزمة أمام واقع صلب كالصخر. الذات المهزوزة وقد مورس عليها أعنف فعل ممكن؛ إنه الإهمال والإقصاء وتحسيسها بالدونية وباللاجدوى. يلي الانعزال؛ أي تحاشي العالم والذات، الاعتزال. وهو أن تكون الذات رهينة حالة من التشنج الفكري أو حالة من الموت الإكلنيكي. موت الحركة بل موت الفعل والتأثير في/على الآخرين وفي/على الذات والجسد. هذه الحالة المزدوجة من المعاناة يرصدها محمد عز الدين التازي في روايته الصغيرة (ضحكة زرقاء). تمثل شخصية المثقف الانعزال بعيدا في غار حراء، في بيته. حالة قصوى من التردي، والإهمال. تخرج الشخصية الروائية من تجربة الاعتقال مفرغة من الداخل. بلا ثقة. بلا إيمان. بلا هدف. فتحصر الجسد الضئيل في غرفة منزوية كتب على بابها غار حراء. حتى الوظائف الاجتماعية تصبح عبئا يثقل على كاهل الذات. (الزوجة/الرفيقة) لعنة، لأنها الصوت الاجتماعي الذي يذكر الشخصية الروائية بوظائفها وبمسؤولياتها. حتى مسؤوليات حاجات الجسد تصبح سيفا موضوعا على رقبة الجسد المنهك. أما الشخصية الروائية الثانية التي تمثل الاعتزال، فإنها تنزوي في المصحة لا تأبه لشيء. تستسلم لمرضها، وتستسلم للانتظار. لا أمل لها، ولا وسيلة أمام الشخصية غير الانتظار. والوقت لا قيمة له. شخصية في حالة موت إكلنيكي. لا تبدي رأيا، لا تطلب من العالم غير السقوط في الهوة؛ هوة بلا قرار. إنه نوع من الإقصاء المضاعف. أو إقصاء الذات والعالم في آن، والعيش في المطلق الأبدي. إن اعتزال العالم والذات تعبر عنه رواية إلياس خوري (باب الشمس). الشخصية مسجاة على السرير. ماذا يجول في داخلها ؟ هل تحس بما يحدث للعالم من تغيرات ؟ هل تشعر بما يحدث لها من تحلل، وانزلاق نحو الهاوية ؟ إن الشخصية الاعتزالية إشكالية في حد ذاتها. إنها مجسَّمُ الصمت. نحتاج إلى لغة أخرى لمعرفة ما يجري في تلك المناطق البيضاء. تلك التي تقف في الما بين، في البرزخ بين الهنا والهنالك. منطقة جذَّابة، ساحرة تغري المثقف اليوم، ما دام الهنا لا يحتمل، في سرعة تحوله، في عنفه، في قسوته. وما دام الهنالك مجهول، والخيال متعب، والفكر مدان. هذه الحالة من البياض أو الوقوف في البرزخ تعبر عنها جدارية محمود درويش. ما بين الهنا والهنالك عالم من الذكريات، ومحاسبة شديدة للذات، ومحاكمة شديدة للعالم الما قبلي، وللتاريخ، وللوقت. لكن محمودا لم يكن منهزما كعادة الشعراء، كان عنيدا قوي الشكيمة، يحاجج، يقاوم، يدين. هنا الفرق بين الخطاب الشعري والخطاب الروائي. بل هنا الفرق بين الشاعر وبين الروائي. بين الوعي وبين الانفعال. قليلة هي الروايات التي كتبت بحدة وعي، وبتعقل. وكثيرة هي الروايات التي كتبت بالرؤيا الاستشرافية والنبوئية. ليس المجال هنا للمفاضلة، بل نحن أمام عالم منهار، وعالم آيل للانهيار، وذات تعي لحظات الانهيار، وتؤرخ لها، وتتوقع الكارثة قبل حدوثها. هنا الفرق بين سؤال الهوية وسؤال المصير. وهنا الفرق بين الكتابة الرؤيوية والكتابة التي تقاوم، تلك الكتابة التي تبحث عن مخرج للذات، وللعالم، ترى الهاوية تشيح عنها مؤملة النفس. كتابة لا تريد المساهمة في التدمير الشامل، التدمير النووي للكون، والذات، والفكر بل تُبْقي على بعض الأحياء وإن دمرت البناء.

   في الكتابات الاعتزالية والانعزالية تعبير قوي على وضعية وحالة المثقف وقد تخلى عنه العالم، وقد أصبحت وجبة هامبرغر أهمَّ من قصيدة، والكلمة التي مزقت الصمت بداية الخلق عادت إلى مخابئها، وحوصرت في جحور ضيقة، لتعتزل الناس، لتعتزل بعيدا وترقب الانهيار الشامل، في عالم أبكم، أصم، أعجم.

   هذه العجمة تتحدث عنها رواية (ضحكة زرقاء) عندما يصبح التلفاز نافذة المريضيْنِ على العالم الخارجي، وعدستهم السحرية بل تصبح شاشة التلفزة العالم ذاته، ولا شيء خارج هذا الإطار. ترى فيه الذات المسجاة على السرير في قاعة الانتظار، ما حدث وما يحدث وما سيحدث. وتصبح الشاشة بديلا عن العالم عند الذات المنعزلة والاعتزالية.

   والعجمة هنا فقدان خيط ورابطة التواصل بين أفراد المجتمع، لأن المجتمع لا حقيقة فعلية له في تصور الذات الاعتزالية و الانعزالية. الواقع مؤلم، وقد أصبح جحيما كما الذات والعالم والآخر. إنَّ الاعتزال والانعزال يقويان هذا الإحساس، فيتناسى الشخص العالم والواقع والناس والذات والآخر ... حتى الانمحاء والإلغاء. الإلغاء المتبادل. ويهمل المجتمع المثقف، فيهمل المثقف المجتمع. وهذه الوضعية المزرية يعبر عنها محمد عز الدين التازي في روايته الصغيرة (ضحكة زرقاء)، ويتخذها تجليا إبداعيا لآثار حرب الخليج الثانية على المثقف الذي تأكد أن لا حول ولا قوة له. وأنه غير قادر على الفعل، عاجز أمام قوى خفية أكثر تأثيرا في مجريات الحياة والواقع والأحداث. إن هذا الإحساس العنيف يصيب المثقف في الصميم. وإن الاعتزالية والانعزال ردَّا فعلٍ على ما وقع؛ على الإهمال والتهميش والحبس والتحقير والإخصاء الرمزي. ثمَّ إن الاعتزالية والانعزالية ليستا إلاَّ صورة أخرى وإجراء آخر للدلالة على الرؤية الفجائعية، فالانتحار والتيه والنفي ورمي المثقف بين النفايات هي الوجه الآخر والصورة الأخرى للرؤية ذاتها، وليس أعنف على المثقف أيضا غير إهانته بقذفه مع المهملات كما في (سيدة المقام) وقذفه تحت عجلة سيارة كما في (تباريح الوقائع والجنون) لإدوار الخراط.

   فهل آن الأوان لإعادة الاعتبار للكاتب والكتاب، والمثقف والثقافة ؟ وهل آن الوقت لأن يقوم المثقف بدوره الاجتماعي والحضاري بعيدا عن التزلف، وارتداء قناع المهرج والهروب إلى كل الجهات عدا الجهة الحقيقية ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

Partager cet article
Repost0
11 mai 2010 2 11 /05 /mai /2010 20:28

 

 

 

 

مجموعة البحث والتوثيق Mediologie

  " الوسائطيات في الآداب والعلوم الإنسانية "

تنظم

يوما دراسيا

في موضوع

" الوسائط الجماهيرية المسموعة والمرئية والمكتوبة المعاصرة "

يوم الاثنين 24 ماي 2010

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس

ديباجــة :

تنفيذا للدعامة العاشرة من ميثاق التربية والتكوين الداعية إلى استعمال التكنولوجيات الجديدة للإعلام والتواصل ، وعملا بالدعامة الحادية عشرة القاضية بتوجيه البحث العلمي والتكنولوجي الوطني أساسا نحو البحث التطبيقي والتحكم في التكنولوجيات وملاءمتها مع دعم الإبداع فيها ، وسعيا منا إلى تكييف منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي مع الإبداع الرقمي ومع الثورة التقنية الهائلة الشاملة في الإعلام والاتصال ودعما لمسار التكوين الجامعي الجاري في الإعلاميات وفي تقنيات التواصل ورغبة في تقوية التكوين المهني والتقني وتطوير ثقافة المقاولة والتدبير وتنمية القدرات وتأهيل الكفاءات الملبية لحاجات المحيط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والمؤدية إلى الاندماج في سوق الشغل أو في الحياة العملية...تنظم مجموعة البحث والتوثيق " الوسائطيات في الآداب والعلوم الإنسانية " بكلية الآداب مكناس يوما دراسيا في موضوع " الوسائط الجماهيرية المسموعة والمرئية والمكتوبة المعاصرة "

المحاور :     thèmes                                                                Les                                                                                                               

-       الثورة التقنية وفنون الأداء الجماهيري : مسرح - سينما – موسيقى- تشكيل –  

تصوير – إشهار...        Revolution technologique et modes d’expressions  publics            

-         العلوم الإنسانية وتكنولوجيا الإعلام والتواصل   Sciences humaines et technologies d’informations et de communications                                                                       

-        الوسائط في التعليم والبحث العلميMedias dans l’enseignement et la recherche     scientifique                                                                                                                    

-        الإعلام الالكتروني La presse électronique                                                                     

    - الخزانة الوسائطية          La médiathèque                                                         

Partager cet article
Repost0
14 avril 2010 3 14 /04 /avril /2010 01:58

----------------.jpgجمعية الشـــــروق المكناسي

للثقافة و الرياضة و السياحة

            مكناس

 

البرنامج التفصيلي لملتقى الشروق العربي الثامن للمبدعين:

 

الجمعة 23 أبريل 2010،

 

الساعة الثالثة و النصف مساء:

 حفل افتتاح اللقاء:

 - كلمة جمعية الشروق المكناسي.

- كلمة إدارة الخزانة الوسائطية محمد المنوني.

- كلمة باسم المشاركين.

- افتتاح معرض الفن التشكيلي بمشاركة شامة عمي، جميلة إلغمان، محمد مغيلف، يوسف عياط، وسام بن مخلوف

- حفل شاي على شرف المشاركين و المدعوين.

الساعة الرابعة مساء:

 قراءات شعرية: تنشيط أسماء أقريق و محسن ماني.

مسلك ميمون،سطام العوني ( السعودية)، خديجة موادي، عياد أبلال، عبد الهادي روضي، عبد الرحمن معيض سابي ( السعودية)، عبد الرزاق سطيطو، مليكة معطاوي، رشيد الخديري.

استراحة: معزوفات موسيقية.

خليفة ببــاهواري،حواء عبد الرحمن موكلي(السعودية)، نعمة بنحــلام، إدريس عبد النــــور، غــرم الله الصقاعـــي ( السعودية)، عبد الإله صحافي (بريطانيا، بالنيابة) .

 

السبت 24 أبريل 2010،

 

الساعة العاشرة صباحا:

ندوة مستقبل الإبداع الشعري، الجلسة الأولى يديرها الناقد محمد إدارغة.

- غرم الله الصقاعي  :   ماذا ينتظر الشعر من شعراء المرحلة؟.

-  فؤاد افراس: مستقبل الشعر.

  -  د. محمد العمارتي: راهنية القصيدة الشعرية المغربية: الواقع و التجليات و الرهانات

  - د. مسلك ميمون:  الشّعر المغربي الحديث : الحال و المآل.

  - مناقشة العروض

 

الساعة الرابعة مساء:

 قراءات شعرية: تنشيط  زينب بباهواري و رضوان الساخي

مليكة صيراري، محمد الإمام ماء العينين، منى بنحدو، عبد السلام مصباح، حسن عزيز بوشو، كريمة دالياس، ابراهيم بورشاشن، فؤاد أفراس، زينب القرقوري

استراحة: معزوفات موسيقية.

عبد الرحمن موكلي ( السعودية)، إسمهان الزعيم، خليفة بباهواري، محمد البلبال بوغنيم، غرم الله الصقاعي ( السعودية)، عبد الرحمن معيض سابي ( السعودية)، سطام العوني ( السعودية).

 

الأحد 25 أبريل 2010،

العاشرة صباحا:

ندوة مستقبل الإبداع الشعري، الجلسة الثانية يديرها الناقد خليفة بباهواري:

- إدريس عبد النور: الفصيدة الرقمية المغربية ومفهوم الشاعر الرقمي.

- عبد الرحمن معيض سابي: العوالم الشعرية المعاصرة هوية أم هويات متعددة.

- عمر الفاتحي: السينما و الشعر.

- مناقشة العروض

الواحدة زوالا:

حفل اختتام اللقاء و توزيع شهادات المشاركة

Partager cet article
Repost0
28 mars 2010 7 28 /03 /mars /2010 00:20

الدورة الثانية لجائزة 'اليس ن دادس '

2ème édition du Prix ‘illisse n Dades ‘

تحث شعار :

إنصاف المرأة أساس التنمية

تنظم  جمعية السنابل الثقافية  الدورة الثانية من جائزة "إلِيسْ ن دادس" خلال الأيام 01/03 أبريل 2010 تحت شعار إنصاف المرأة أساس التنمية.و ذلك  بشراكة مع الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة فرع  ورزازات و بتعاون مع ANBYI TOURS  ، المجلس البلدي ، شركة ننار ، طلبة معهد الممرضين بورزازات ، جمعية دادس للمعاقين ، جمعية نساء دادس ،جمعية نساء المبادرة ، جمعية حكيمة دادس ، ثانوية بومالن دادس ، و Fondation WWSF  .

ففي إطار الأهداف العامة للجمعية و المتمثلة في خلق مجتمع مدني محلي حداثي، و سعيا منها إلى تعزيز قيم المواطنة الايجابية، بإنشاء فرص و فضاءات للتبادل و التعارف و التضامن والحوار قامت الجمعية بتأسيس جائزة تكريمة للمرأة بمنطقة دادس

و في إطار فعاليات هذه الدورة، سينظم معرض للمنتوج النسوي خلال الأيام: 01/03 أبريل و ورشات تكوينية في المقاربة الحقوقية، وفي التربية الصحية الأسرية  بالإضافة إلى أمسية فنية ثقافية.

كما ستنظم مساء يوم فاتح  أبريل 2010،  ندوة ثقافية حول موضوع : المرأة القروية و الإعلام. يتعلق الأمر بمناقشة علاقة المرأة القروية بوسائل الإعلام بأنواعها ( المكتوبة والمسموعة والمرئية و الرقمية ) لا من حيث خصوصية واقع هذه الشريحة  الكبيرة من المجتمع بل كذلك  عبر تطلعاتها و أيضا الأدوار المنتظرة منها وما تنتظره لتلبية حاجاتها.


ستتم مناقشة صورة المرأة القروية التي يقدمها الإعلام، و التأثيرات والتغييرات التي أحدتها و يحدثها الإعلام في سلوكات و مواقف المرأة القروية بصفة خاصة، عبر طرح السؤال:  إلى أي حد يقدم الإعلام المغربي بوسائله المتنوعة مادة إعلامية حقيقية حول واقع المرأة القروية و مستجيبة لرغباتها، أم أنه يظل عاجزا عن فهم همومها الحقيقية  وجوهر المشكلات و مضمونها أم أنه أكثر من ذلك يكرس نفس الأدوار  الاجتماعية و نفس الصور النمطية المكبلة والمعوقة لأي تغيير مأمول؟  باعتبار أنه ينحاز للأسر الغنية والفئات المحظوظة من المجتمع ولا يعطي النساء القرويات ما تستحقه قضاياهن من اهتمام ، و لا يطرح رؤية متوازنة لأدوار ووظائف ومسؤوليات وحقوق المرأة والطفل والرجل داخل الأسرة بل يتجاهل الإشارة إلى واجبات ومسؤوليات الرجل ويركز على الواجبات والمسؤوليات التقليدية للمرأة القروية، فحضور المرأة القروية غالبا ما يكون من منظور ذكوري استعلائي فلا تبرز إلا كنموذج للإضحاك و السطحية والبلادة و السلبية . أو عبر ثلاث صور متكررة إما الأم المعطاءة أو الزوجة الخاضعة أو الابنة المطيعة. اذ يهدف النقاش الى التنبيه إلى ضرورة إرساء سياسيات إعلامية منصفة للمرأة القروية ، سياسات إعلامية تأخذ في الاعتبار المسؤوليات العديدة التي تتولاها المرأة في مجالات الإنتاج والتعليم والإبداع الفني والثقافي، وتراعي طرح آراءهن في كافة القضايا المجتمعية بجرأة ودون عقد نقص، وتبرز العوائق الفعلية التي تحول دون إطلاق طاقاتها الكامنة كالأمية والفقر والبطالة و العديد من الموروثات الثقافية والاجتماعية. التحسيس بضرورة التعامل النقدي مع المواد الإعلامية المختلفة و عدم الاكتفاء بالاستهلاك السلبي الغير واعي.

 و قد منحت جائزة  "إلِيسْ ن دادس "  في دورتها الأولى – أبريل 2009  - لكل من :

الدكتورة مليكة ناعيم أول فتاة  من المنطقة تحصل على دكتوراه الدولة، ناشطة جمعوية و فتاة معطاء اختارت الطريق الصعب ، و استطاعت أن تشقه بالرغم من كل شيء.

نوال العال من نساء دادس اللواتي يواجهن التهميش بالمتوفر بين اليدين ،  تبدع في ميدان  الخياطة و الطرز والديكور ،تنقش بيديها أشياء تخبر الإنسان أن ما حك ظهرك مثل ظفرك.

بية ناعيم فتاة تمكنت من مواجهة التهميش و الإقصاء حصل على الرتبة الأولى في برنامج الجمعية لمحاربة الأمية.

 

تعمل الجمعية على كل ذلك مسترشدة بالمقاربة التشاركية المبنية على النوع الاجتماعي و المقاربة الحقوقية لإشراك الجميع و الانفتاح على كل الجهات و المؤسسات لتوحيد الطاقات و الجهود من اجل تنمية محلية مبنية على المساواة و إشراك المرأة  و بالتالي الأسرة و الطفل في عملية النمو السوسيو اقتصادي و الثقافي خاصة .

 

 كريم اسكلا  -  بومالن دادس -

08 /03/2010

http://www.assanabil.asso.st

Partager cet article
Repost0
27 mars 2010 6 27 /03 /mars /2010 23:39

تنظم سلسلة المعـرفة للجـميـع
و جمعية "أتـيـل" للمبادرات المهنية والاجتماعية

المناظرة المتوسطية

الأطفال في وضعية صعبة
وأطفال الهجرة السرية

بمدينة طـنجة ، 2010 أكتوبر / 23-22-21 أيام

الإطار العام

تشكل مرحلة الطفولة إحدى أهم المحطات في حياة الإنسان، تترك عبر أحداثها وتجاربها أعمق البصمات في بناء شخصيته. فإما أن تجعل منه كائنا اجتماعيا متكيفا مع محيطه وإما أن تغرس فيه بذور التفكك والتي تفضي إلى خلق شخصية غير سوية ،عاجزة عن الاندماج والمشاركة في دفع عجلة التنمية.
وكما هو معلوم تنتشر حاليا في مجتمعاتنا المتوسطية ، وإن كان بنسب متفاوتة الخطورة ، مشكلات عديدة تعكر صفو الطفولة وتجعلها في وضعية صعبة، لعل من أبرزها سوء معاملة الأطفال وعدم احترام حقوقهم الأساسية ،الهدر المدرسي ، الأمية ، تشغيل الأطفال، المشكلات الصحية و الإعاقة بجميع أشكالها، التشرد وحياة الشوارع ، الهجرة السرية ، وكذا ظواهر الانحراف والاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي و التي يمكن أن تصيب شريحة من الأطفال في بلدانهم الأصلية أو في بلدان المهجر...مشكلات باتت تسجل معدلات متزايدة ومقلقة في العقود الأخيرة .
في هذا الإطار يندرج تنظيم هذه المناظرة المتوسطية تحت شعار " الأطفال في وضعية صعبة وأطفال الهجرة السرية " ، بمشاركة العديد من الهيآت الحكومية المختصة والمؤسسات الجامعية وفعاليات المجتمع المدني والمنظمات الدولية في بلدان غرب المتوسط.
ويأتي اهتمامنا بهذا الموضوع ، نتيجة تحول عدم احترام حقوق الأطفال وسوء معاملتهم واستغلالهم غير المشروع، إلى ظواهر لها تجليات متشعبة وآثار خطيرة من مثل التشرد والانحراف والهجرة السرية وغيرها، تستوجب دراستها وتبادل الخبرة حولها والتعاون، لإيجاد الحلول الكفيلة بالقضاء عليها . في الوقت الذي أصبح فيه الأطفال يمثلون اكبر القطاعات السكانية في دول ضفاف المتوسط وخاصة في جنوبه.

محاور المناظرة

ستتناول المناظرة بالتحليل والمناقشة ،المحاور التالية :
-1سوء معاملة الأطفال وعدم احترام حقوقهم في الأسرة والمدرسة وفي عموم المجتمع بدول غرب المتوسط وعلاقته بظواهر الانحراف والتشرد.
-2مشكلة الأطفال المهملين وأطفال الشوارع.
-3 الوضعية الصعبة للأطفال ومشكلة الهجرة السرية وظاهرة القاصرين غير المرافقين في دول المهجر بالمنطقة.
-4القوانين والمعاهدات المرتبطة بالوضعية الصعبة للأطفال وبعدم احترام حقوقهم .
-5دور الأجهزة الحكومية و الجمعيات والمنظمات الدولية، في مكافحة سوء معاملة الأطفال واستغلالهم وتدابير تحسين الوضعية الصعبة لأطفال المنطقة وإعادة إدماج المنقطعين منهم عن الدراسة ( عرض التجارب).
-6خطط وبرامج القضاء على هجرة الأطفال السرية و الحلول المقترحة لوضعية القاصرين المغاربيين غير المرافقين ببلدان المهجر.

أهداف المناظرة
تسعى هذه المناظرة إلى برنامج تقويمي - تركيبي :
- يصنف ويحلل ويغني نتائج آخر الدراسات حول واقع الأطفال في وضعية صعبة وخاصة ما ارتبط منها بظواهر الإهمال والاستغلال والتشرد والهجرة السرية، في الدول غرب المتوسط في ضفتيه الجنوبية (المغاربية تحديدا) والشمالية وخاصة إسبانيا وفرنسا وإيطاليا ؛
- يثمن ويناقش دور الحكومات وفعاليات المجتمع المدني والمنظمات الدولية، الرامية إلى تحسين الوضعية الاقتصادية و الاجتماعية والعوامل النفسية والتربوية لفائدة الأطفال؛
- يقوم حصيلة الجهود الرامية للحفاظ على حقوق الأطفال والصعوبات التي تعترضها؛
- يساهم في بلورة و تطوير برامج وآليات القضاء على سوء معاملة الأطفال و مكافحة الهجرة غير الشرعية عموما وهجرة القاصرين خصوصا والتشرد ومختلف أشكال استغلال الأطفال.
ويمكن اختصار أهداف هذه المناظرة في النقاط التالية :
• التعرف بعمق على إشكالية الأطفال في وضعية صعبة عموما وأطفال الهجرة السرية خصوصا، في جميع جوانبها :
-المظاهر الكمية والنوعية– الأسباب – الآثار على الأفراد والمجتمعات ...
• ربط الاتصال وتبادل التجارب بين المختصين المشاركين من بلدان غرب المتوسط.
• توجيه الاهتمام لدى الأطراف المعنية وعموم الرأي العام في المجتمعات المتوسطية ، بخطورة مشكلات الأطفال في وضعية صعبة وسوء معاملتهم واستغلالهم وهدر حقوقهم وما ينتج عنها من ظواهر.
• اقتراح الحلول لهجرة الأطفال السرية والهجرة غير الشرعية عموما وللوضعية الهشة للقاصرين المغاربيين غير المرافقين في دول المهجر.
• المساهمة في مراجعة القوانين والمعاهدات وتحيينها و تطوير الإجراءات الوقائية والعقابية ذات الصلة.
• اقتراح آليات التعاون بين دول المنطقة ، لإعادة إدماج المنقطعين مبكرا عن الدراسة ومحاربة استغلال الأطفال وسوء معاملتهم والتقصير في الاستجابة لحقوقهم.
• إيجاد خلفية وضع إستراتيجية متوسطية شاملة ،لمكافحة استغلال الأطفال وتحسين ظروفهم المعيشية واحترام حقوقهم وإنقاذهم من الوضعية الصعبة .
• المساهمة في تطويرالبحوث النظرية والتطبيقية و الأساليب الإجرائية لمواجهة المشكلة ووضع برامج إرشادية ونشرات وأدلة توجيهية .

شروط المشاركة

- تقبل البحوث/المداخلات في المناظرة ، إذا كانت تقع ضمن محاورها وتخدم أهدافها ،مع التزام الباحث بالمنهج العلمي في إعداد البحث وكتابته .
- يرسل ملخص البحث في حوالي صفحة واحدة ، بالايميل أو بالبريد العادي ، قبل نهاية شهر مايو 2010 ، وهو آخر اجل لقبول مقترحات المشاركة ببحث (أي لقبول المواضيع ) .
- يكتب البحث على الكمبيوتر (word) سواء باللغة العربية أو الاسبانية أو الفرنسية، في حدود 30-25 صفحة من القطع المتوسط بخط Times New Roman بحجم 16 .
- يبعث البحث في صيغته النهائية ( التي سينشر بها ضمن كتاب سيضم أشغال المناظرة )إلى اللجنة المنظمة ، إما مستنسخا على قرص أو على الايميل قبل نهاية شهر سبتمبر2010 .

اليوم الدراسي التحضيري

يعقد يوم دراسي تحضيري في السبت 19 يونيو 2010،بكلية علوم التربية بمدينة الرباط،
يجمع كافة المتدخلين المغاربة ، بهدف :
-عرض النتائج الأولية لأبحاثهم و خلاصات أفكارهم في الموضوع .
- اقتراح التصورات العامة للمناظرة المتوسطية و التوجيهات الكفيلة لإنجاح أشغالها .

أنشطة مواكبة

تنظم مواكبة لأشغال المناظرة المتوسطية وخلال مدة انعقادها، أنشطة اجتماعية وتربوية و ترفيهية لفائدة أطفال مدينة طنجة والنواحي . ويستفيد المعوزون منهم والأطفال في وضعية صعبة ،من فحوصات طبية ومن الختان وفحوصات البصر والنظارات والأدوية و الألبسة واللعب والكتب.
كما سيلتإم خلال فترة المناظرة معرض المؤسسات والجمعيات المغربية والمتوسطية المهتمة برعاية الأطفال .
و ستنظم يوم الجمعة 22أكتوبر2010 ،بمدينة طنجة ، سهرة فنية كبرى ، سيعود ريعها لمراكز وجمعيات رعاية الأطفال بالمدينة والإقليم .

للاستفسار والمشاركة

د محمد الدريج (عن سلسلة المعـرفة للجـميـع).
00212537632976 - 00212537682369 - 00212674324351 (محمول)
mderrij@hotmail.com

د حسن المجدوبي (عن جمعية أتـيـل ( ATIL 00212 661102493 - 00212 539700416
hmejdoubi@yahoo.com

للمراسلة بالبريد: ص. ب. 5502 بريد حي النهضة
الرباط – المغرب

والله ولي التوفيق
حرر بالرباط في 2010-03-10

Partager cet article
Repost0
24 mars 2010 3 24 /03 /mars /2010 00:00

"من الفكر الموسوعي إلى فن الترجمة"

ندوة علمية تنظمها كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز- فاس

تكريما للأديب مصطفى القصري (2009-1923)

 

تحت شعار "من الفكر الموسوعي إلى فن الترجمة"، تنظم كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بجامعة محمد بن عبد الله بمدينة فاس  المغربية يوما  دراسيا لتكريما للأديب والمترجم  الراحل مصطفى القصري (1923-2009) الدي أغنى المكتبة العربية بترجماته المميزة لعيون الإبداع العالمي.  فقد ترجم الأديب الراحل مصطفى القصري إلى اللغة العربية:

 

Ch. Baudelaire - زهور الألم: ترجمة إلى العربية لديوان شارل بودلير

. الطبعة الأولى دار الكتاب 1962 . Les fleurs du mal :

 

« S.J.Perse » - الفلك ضيقة: ترجمة إلى العربية لديوان سان جون بيرس

. الدار التونسية للطباعة 1973 .« Etroits sont les Vaisseaux » : الموسوم ب

Toast Funèbre de S. - "تأبين تيوفيل غويتي" لتيوفيل كوتيي ترجمة ل

. منشورة من لدن وزارة الثقافة المغرب 1978 Mallarmé

لأنطوان دو سانت اكزوبيري Le petit prince : - الأمير الصغير: ترجمة ل

مرفقة بلوحات الفنان الرسام محمد بنعلال في ،Folio -Antoine de Saint Exupery

نسخ مرقمة...

 

Paul لبول فاليري « Fragments de Narcisse » - " نرجس" ترجمة

منشورة من لدن وزارة الثقافة المغرب. ،Valery

 

. Les fleurs du mal : - زهور الألم : ترجمة كاملة لديوان شارل بودلير

. الطبعة الثانية منشورات مرسم 1998

 

المقبرة البحرية و القصائد الأخرى ترجمة لأشعار بول فاليري

« Dialogue sous l’arbre » “ l’ame et la dance” ، “ Le cimetière marin

. منشورات جدور 2008 “ Eloge de l’eau” de Paul Valery.

 

R.Tagore - القربان المرتل" ترجمة لنص رابندرانات طاغور

انطلاقا من الانجليزية- منشورات جذور 2005 ANDRE GIDE ترجمة فرنسية لأندري جيد

 

 LE FLORILEGE DE MUSTAPHA EL KASRI / * باقة مصطفى القصري

لمقتطفات أشعار بودلير، سان جون بيرس، فاليري و مالارمي، مرفقة FOLIO منشور

COPERNICO - . بلوحات الفنان الرسام محمد الأدريسي المنصوري في نسخ مرقمة

2009 -

 

كما أصدر الأديب الراحل مصطفى القصري كتبا ونشر نصوصا ومقالات بالعربية والفرنسية:

 

- كتاب الورد : انطولوجيا للوردة من خلال الآداب العالمية : العربية والفارسية

بشكل خاص..يحتوي الكتاب ترجمات لنصوص شعرية من أوربا وأمريكا اللاتينية، حول

وفريديريكو غارسيا لوركا Ronsard et Du Bellay الوردة: رونسار و دوبيلاي

وبابلو نيرودا Rainer Maria Rilke ورينرماريا ريلكي Federico Garcia Lorca

وشعراء معاصرون آخرون... Pablo Neruda

 

- كتابات أدبية عديدة نشرت بمجلة البحث العلمي و المناهل وعلى سبيل

الذكر: ابن زيدون، محمد ابن إبراهيم، ابن البنا، والمتنبي...

 

- نشرت له أيضا العديد من المقالات الثقافية في جرائد وطنية ( العلم، الاتحاد

.( LE TEMPS DU MAROC ، الاشتراكي، الصحراء المغربية

 

- الكشاف البيبلوغرافي لمدينة فاس: دليل بيبليوغرافي حول كل ما كتب من

أبحات و مؤلفات عن مدينة فاس: عربي فرنسي- انجليزي- اسباني-" من منشورات

وزارة الثقافة المغربية".

 

- قصائد مغناة وروائع أخرى (أشعار. فرنسي وعربي. مختارات) لنزار قباني،

تقديم و ترجمة مصطفى القصري و عبد الكريم القصري منشورات مرسم 2007

Nizar Kabbani, Poèmes chantés et autres succès / présentation et traduction

Mustapha & Abdelkrim El Kasri.

 

 

كما توجد أيضا أعمال عديدة له لا زالت تنتظر النشر نذكر أهمها:

حكم دولا روش فوكو - LES MAXIMES DE LA ROCHEFOUCAULD -

LES CARACTERES DE LABRUYERE

 

- أشعار باللغتين، العربية والفرنسية، من تأليف مصطفى القصري، الشاعر الأديب.

 

 

لدلك، وتكريما لهده المعلمة المتفردة في سماء الترجمة العربية، سيحل بفاس يوم الخميس 08 أبريل 2010 نخبة من المترجمين والمهتمين بالشأن الترجمي في المغرب ضيوفا على كلية الآداب لتنشيط الندوة العلمية بمداخلات باللغتين العربية والفرنسية

 

* عبد الحق بلخضر ، كاتب و أستاذ باحث بكلية علوم التربية جامعة محمد الخامس السويسي بمداخلة El Kasri, traducteur et créateur: Un homme entre deux langues, face à plusieurs langages

 

* عبد المجيد بن جلون ، رئيس نادي المرآز المغربي للقلم الدولي بمداخلة Approche critique de la traduction par Feu Mustapha El Kasri du 'cimetière marin'

 

* أسية بوعياد ، أستاذة باحثة بكلية الآداب والعلوم الانسانية فاس- ظهر المهراز- جامعة سيدي محمد بن عبد الله ومداخلتها La traduction et les compétences interculturelles : quels enjeux ?

 

* عبد الرحمان تنكول، رئيس بيت الشعر بالمغرب وعميد كلية الاداب والعلوم الانسانية فاس- ظهر المهراز- جامعة سيدي محمد بن عبد الله

 

* محمد الداهي، كاتب و اعلامي وأستاذ باحث بكلية الاداب والعلوم الانسانية عين الشق- الدار البيضاء

جامعة الحسن الثاني. /موقع المجلة الإلكترونية بوزارة الثقافة ومداخلته "مصطفى القصري في المناهل"

 

* فرانسوا دوفاليير ، كاتب  و مدير خزانة " المنبع" بالرباط- حسان LA SOURCE  ومداخلته Eloge du pas sage

 

 

* حميد الحميداني، كاتب وناقد أدبي و أستاذ باحث بكلية الآداب والعلوم الانسانية فاس- ظهر المهراز- جامعة سيدي محمد بن عبد الله         بمداخلة "الترجمة العربية لمقطوعة ترنيمة المساء لبودليردراسة تحليلية مقارِنة لترجمتي مصطفى القصري وخليل الخوري"

 

فريد الزاهي ، كاتب متخصص في الترجمة وأستاذ باحث بالمعهد الجامعي للبحث العلمي- جامعة محمد الخامس السويسي ومداخلته "لترجمة المضاعفة ومغامرة المعنى"

 

* محمد سعيد الريحاني، قاص يكتب باللغات: العربية واالأنجليزية والفرنسية  ومداخلته ور الترجمة في الإقلاع الحضاري والتقريب بين الشعوب ودعم حوار الثقافات وتعايشها"

 

* مصطفى الشادلي، كاتب متخصص في سيميائيات الخطاب وأستاذ باحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط - جامعة محمد الخامس أكدال ومداخلته Le traducteur, un étranger dans la demeure ?

 

* د. علي القاسمي، أديب وباحث عراقي مقيم في المغرب استاذ جامعي عمل بعدة جامعات عالمية مسؤول سابقا بمنظمة الأسيسكو ومداخلته صطفى القصري في موسوعة: مذآرات من التراث المغربي"

 

* حسن الصقلي، كاتب وأستاذ باحث سابقا بكلية الحقوق عين الشق - الدار البيضاء - جامعة الحسن الثاني ومداخلته L’érudition : atout puissant dans la méthode de traduction

 

* مليكة العاصمي، شاعرة وأديبة - أستاذة جامعية سابقا بالمعهد الجامعي للبحث العلمي- جامعة محمد الخامس -السويسي        

 

* محمد العربي المساري، كتب و إعلام - وزير الإعلام سابقا

 

* سلمى المعداني، أستاذة باحثة بكلية علوم التربية - جامعة محمد الخامس السويسي ومداخلتها

Le poète traducteur: entre les réseaux de sens fondateurs et la littéralité assassine

 

ستفتتح أشغال اليوم الدراسي بجلسة أولى على الساعة التاسعة صباحا بكلمة الأستاذ عبد الرحمان طنكول، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية - ظهر المهراز فاس تليها  محاضرة افتتاحية يقدمها الأستاذ محمد العربي المساري ثم  كلمة عبد الكريم القصري في تقديم باقة مصطفى القصري مع فيلم 20 دقيقة من إخراج وطارق العمراني (ISCA) الأستاذ محمد بن الفقيه.

تليها على الساعة العاشرة والنصف صباحا أشغال الجلسة الثانية ومحورها "فن الترجمة وحوار الحضارات" وتستمر الجلسة مع المناقشة حتى حدود الساعة الثانية عشر والنصف زوالا.

أما أشغال الجلسة الثالثة والتي محورها "التوسع في المعارف وصنعة الترجمة" فتنطلق على الساعة الثالثة زوالا وتستمر مع المناقشة إلى حدود الساعة الخامسة مساء.

وتستمر الجلسة مع المناقشة حتى حدود الساعة الثانية عشر والنصف زوالا.

تليها على الساعة الخامسة والنصف مساء أشغال الجلسة الرابعو والأخيرة ومحورها "فن الترجمة وحوار النصوص الأدبية" وتستمر الجلسة مع المناقشة حتى حدود الساعة السابعة والنصف مساء.

 

Partager cet article
Repost0
7 mars 2010 7 07 /03 /mars /2010 00:28

she3r.gifمكناس في 05 مارس 2010

جمعية الشروق المكناســـــي

للثقافة و الرياضة و السياحة

مكناس

 

إلى الإخوة المبدعين و النقاد و الباحثين

 

 

الموضوع: تنظيم ملتقى الشروق العربي الثامن للمبدعين

 

 

تحية إبداعية أخوية

 

 

         و بعد، يسرنا أن نخبركم أننا في جمعية الشروق المكناسي  للثقافة  و الرياضة و السياحة سننظم ملتقى الشروق العربي الثامن للمبدعين أيام 23 و 24 و 25 أبريل 2010 بمكناس تحت شعار: " مستقبل الإبداع الشعري"

         فعلى الإخوة الراغبين في المشاركة في الملتقى بمساهماتهم الشعرية أو دراساتهم النقدية أن يتصلوا بالجمعية في أقرب أجل مبينين نوع مشاركتهم- و إذا أمكن إرسال نسخة عن العمل الإبداعي أو النقدي إلى الجمعية على العنوان الالكتروني التالي kababama@gmail.com 

و ستوفر الجمعية للمشاركين الذين تتوفر لهم إمكانية السفر إلى مكناس ظروف الاستقبال من إقامة و تغذية و نقل داخل المدينة.

 

و ستجدون رفقته الورقة التقنية للقاء.

                   و في انتظار ردكم تقبلوا فائق احترامنا و تقديرنا .

 

                                                         و السلام.

 

                                              إمضاء رئيس جمعية الشروق المكناسي للثقافة و الرياضة و السياحة

 

                                               خليفة بباهواري

 

 

الورقة التقنية لملتقى الشروق العربي الثامن للمبدعين

 

 

شعار الملتقى: " مستقبل الإبداع الشعري"

 

التاريخ: 23 و 24 و 25 أبريل 2010

 

المكان:   الخزانة الوساطئية محمد المنوني بالمديرية الجهوية للثقافة بمكناس

 

الأنشطة:

-         اليوم الأول: الجمعة 23 أبريل 2010

 

النشاط

المشاركون

قراءات شعرية

مجموعة من الشعراء و المبدعين العرب

 

-         اليوم الثاني : السبت 24 أبريل  2010

 

* الصبيحة

النشاط

المشاركون

ندوة " مستقبل الإبداع الشعري"

مجموعة من الأساتذة و الباحثين

 

* المساء

النشاط

المشاركون

قراءات شعرية

مجموعة من الشعراء و المبدعين العرب

 

 

-         اليوم الثالث: الأحد 25 أبريل 2010

النشاط

المشاركون

مائدة مستديرة: إلى أين يسير الشعر و الشعراء في العالم العربي

المبدعون و الأساتذة الباحثون المشاركون في الملتقى

 

 

( يمكن أن تضاف أمسية شعرية ثالثة حسب الظروف و الإمكانيات و حسب المستجدات التنظيمية)

 

** ستنظم على هامش الملتقى أنشطة موازية مرتبطة بالعمل الإبداعي و الفني.

 

 

أرضية الندوة

" مستقبل الإبداع الشعري"

 

 

ما الشـعر مـا سـحره ما الخمر ما السكر ####   ينـدى على ثـغرك من أنفاسك العنبر

(الشاعر اللبناني نيقولا فوستاس).

هل ما زال الشعر يحتفظ بسحره الذي رافقه منذ الأزل و رافق الإنسانية منذ نعومة أظافرها؟

أم هل يصير / يسير الشعر إلى حتفه كما انقرضت أنواع و أجناس أدبية أخرى؟

و قبلا عن أي شعر نتحدث؟ هل ما زال الشعر هو الشعر؟ هل أصبح شيئا آخر غير ما هو الشعر؟

كيف يمكن أن نقرأ المفارقة التي أصبحت تلبس عالم الشعر و يتلبس بها: تراجع القراءة ( هل فعلا هناك تراجع للقراءة؟) و ارتفاع عدد الشعراء و عدد المشاريع الشعرية أو على الأقل الكتابات الشعرية؟

هل يمكن فعلا الحديث عن صراع بين الأجناس الأدبية، كما يروج له؟ أم أن الأجناس الأدبية كلها في ساحة حرب / في سلة واحدة؟

هل يمكن القول بأن للشعر أن يحقق حياته و توهجه من جديد من خلال خلق علاقات جديدة مع الأجناس الأدبية الأخرى و مع الفنون الأخرى؟

هل يمكن للغناء و الطرب أن يأخذ بيد الشعر إلى قلوب الأجيال الجديدة مطورا أدوات تواصله و توصيله كما اعتنى كثير – بواسطة الشعراء – بتطوير أساليبه و آلياته خلال القرون؟

ماذا يُنتظر من شعراء المرحلة لخدمة الشعر؟

و ماذا يُطلَب من محبي الشعر و هواته و مريديه للسير به إلى الأمام و الاستمرار في تمجيده و إعطائه المكانة اللائقة به؟

أسئلة من ضمن أخرى لمقاربة موضوع مستقبل الإبداع الشعري ... المجال مفتوح للإجابة عليها أو على الأقل محاولة الإجابة عليها ... فالكل يدري أنه لا شيء ثابت في عالم الشعر و الشعراء...

 

Partager cet article
Repost0
4 mars 2010 4 04 /03 /mars /2010 22:59

 

ملف القصة القصيرة

إعداد : جميلة طلباوي

تَعرّف القصة القصيرة على أنّها لون سردي قد لا يقل عن عشرة آلاف كلمة  يهدف إلى إحداث تأثير مفرد مهيمن ويمتلك عناصر الدراما. وفي أغلب الأحوال تركز القصة القصيرة على شخصية واحدة في موقف واحد في لحظة واحدة. وحتى إذا لم تتحقق هذه الشروط فلا بد أن تكون الوحدة هي المبدأ الموجه لها. والكثير من القصص القصيرة يتكون من شخصية

(أو مجموعة من الشخصيات) و رغم أنّها عرفت انتشارا كبيرا في القرن الماضي إلا أنّنا نلاحظ  في القرن الحالي تحوّل بعض كتاب القصة القصيرة إلى كتابة الرواية و القصة القصيرة جدا ،الشيء الذي جعلنا نفتح ملف القصة القصيرة لنطرح من خلاله إشكالية : أيّ مستقبل للقصة القصيرة ؟

  هل نحن نعيش تحولا سرديا ليصير عصرنا عصر الرواية بلا منازع؟

أسئلتنا طرحناها على مجموعة من النقاد و الروائيين و كتاب القصة القصيرة ضمن هذا الملف:

الدكتور منسي حبيب- جامعة سيدي بلعباس - الجزائر

القصة القصيرة أي مستقبل؟

ليس غريبا أن يظهر جنس أدبي تستدعيه ظروف خاصة، وتسرع في إيجاده، فيقبل عليه كثير من الكتاب، لأنه يناسب الوضعية التي يحيونها، من جهة ويناسب حجم المساحة المتاحة للنشر  من جهة أخرى، فإذا اختفت الدواعي المشار إليها فقد يختفي الجنس الأدبي كلية. وقد شهدنا ذلك على سبيل التمثيل في جنس الموشح في الأدب الأندلسي، حتى وإن استمر البعض في كتابة الموشح في أشكال أخرى من الشعر الحديث.

 وإذا كانت القصة القصيرة تساير ظهور الصحافة وتجد لنفسها على صفحاتها القليلة فسحة للنشر، فإنه قد تحتم عليها منذ البدء أن يكون لها من الخصائص الفنية والقواعد الكتابية: أسلوبا وعرضا، ما يناسب تلك المساحة في الصحف والمجلات. بيد أننا مع القصة القصيرة ننظر أولا إلى مجالها الخاص نشرا، قبل أن ننظر إلى طبيعتها باعتبارها فنا اكتسب من المقومات ما يجعله جنسا متفردا، يغاير القصة والرواية.

كانت هذه الطبيعة الخاصة في القصة القصيرة عاملا دفع برؤساء تحرير المجلات والصحف إلى التشدد في المعايير، فلا يسمحون إلا بظهور العمل الذي لن يزري بقدر المجلة، ولا يحط من قيمتها، فاستكتبوا أولا أسماء لها من الشهرة والمكانة الأدبية ما يدفع بالمجلة إلى أعلى أرقام المبيعات، كما عمد بعضهم إلى نشر قصص مسلسلة اتخذت في كتابة حلقاتها طابع القصة القصيرة محترمة التكثيف اللغوي، والاكتفاء بالفكرة الواحدة، والغوص عميقا في الدلالات المرتبطة بها. حتى لكأنك  تحتاج إلى قراءات متعددة للنص الواحد لتبلغ أقاصيه. وشكلت لجان قراءة من كبار الكتاب لمراقبة الوافد في الأقلام الجديدة.

لقد كان ذلك العمل الدقيق، الباب الذي فتح أمام العديد من الأسماء في أمريكا وإنجلترا وفرنسا، وغيرها من الدول التي انتهجت السبيل عينة، فعُرفت الأسماء الجديدة وأقبل عليها القراء من جهة، وشجعتها المجلات والصحف من جهة أخرى، وأجرت لها الجوائز والألقاب.. حينها التفت أصحاب دور النشر إليها، فكان إغراء التحول من القصة القصيرة التي هي بعض صفحات في مجلة إلى كتاب قائم بنفسه يحمل اسم صاحبة..  لقد كان الإغراء شديدا، وكان التحول سريعا.

هناك حقيقة أخرى لابد من الإشارة إليها.. ذلك أن المعايير التي وضعت للقصة القصيرة، معايير كلاسيكية، بمعنى أن واضعوها كانوا مرتبطين في تشخيصهم للجنس الجديد بالرواية العتيدة، فانتهى بهم المطاف إلى تسطير خصائص لا تبتعد كثيرا عن عما هو معروف في الرواية الرومنسية والواقعية وغيرها.. أما الإغراء الذي تقدمه الرواية فهو إمكانية التجريب خاصة مع الرواية الجديدة التي فسحت المجال أمام الكاتب ليتجاوز المتعارف عليه إلى إثبات ما يريده هو من الفن. بعيدا عن التقنينات والمعايير التي يراها البعض أنها تثقل كاهل الرواية، وترغمها على استكتاب نص واحد أبدا.  وربما أغرى هذا الزعم كثيرا من الكتاب للتحول من القصة القصيرة إلى الرواية ظنا منهم أنهم سيدخلون مجالا سهلا يتمتع بحرية لا يحدها حد ولا يشترط فيها شرط. فكان هذا الوهم سببا في وجود كثير من السخافات التي تمتلئ بها صفحات الروايات اليوم بزعم أو بآخر.

هل يحق لنا أخيرا أن نسأل هذا السؤال؟ هل انتهت القصة القصيرة؟

إنني من الذين يؤمنون أن الموضوع الفني يختار شكله، وليس أمام الفنان إلا الاستجابة. فالموضوع الذي يريد أن يتمظهر في الرسم كان له ذلك لأنه لن يكون أكثر جودة وتأثيرا في غيره من الأشكال. والذي يختار أن يكون صوتا فلأن الصوت أنسب له من غيره. وهكذا.. صحيح أننا نستطيع أن نعالج الموضوع الواحد في الفنون كلها، ولكن الذي لا نستطيعه حتما هو أن نلمس عين الجوهر فيه ونحن نفعل ذلك. إن جوهر الفكرة في الفنون شبيه بالماسة التي تتعدد صفحاتها ولكل صفحة منها بريقها الخاص ولونها المتميز، فإذا زعم زاعم أنه أمام الماسة يشاهد وجوها واحدة قلنا له لقد فاتك ما في الماس من روعة التعدد في الجوهر. إني أخال الفكرة على هذا النحو يكتب فيها هذا فيجلي بريقا، ويكتب فيها ذاك فيجلي بريقا آخر. وهكذا دواليك من فن إلى فن. وتتجلى العبقرية في صفاء الرؤية ووضوح التجلية وهنا يتمايز الكتاب والفانون.. إنه مجال الصفاء واكتمال التجربة.

فإذا شعر الأديب أن فكرته لا تحتاج إلى كثير من الثرثرة، ولا إلى واسع من البسط، وأنها إن خرجت مكتنزة ممتلئة كانت أكثر تأثيرا في قارئها اختار لها شكل القصة القصيرة، واستجاب لداعي التكثيف فيها، واقتصد في اللفظ، وأخرج الجملة على مقاس العبارة، وجعل الأساليب خادمة لا مخدومة، وانتهى به المطاف إلى فكرة تتحدث بنفسها عن نفسها، قلنا له هنيئا إنك من كتاب القصة القصيرة.

وللقصة القصيرة على صفحات المواقع والأندية ما كان لها في الصحف والمجلات شريطة أن تحتفظ لنفسها بطابع الصرامة الذي اكتسبته من قبل وأن لا تسف باعتمادها لغة الشعر الحديث، في سج جمله، وإغراقه في الذاتية النرجسية المريضة، التي لا تتعدى الحديث عن هو وهي. وكأن العالم وهمومه قد اختصرت في هذا الفضاء الخلابي.. إنها الورطة التي وقع فيها الشعر الحديث والسجن الذي سجنه في كبار شعرائه ابتداء من نزار وانتهاء بآخر قصيدة يكتبها شاب في مخدعه.

إن القصة القصيرة لا تصلح أبدا لمثل هذا التأنيث المريب لأنها أشبه بفلسفة فكرة رأت أن تتمظهر في ثوب القص.

حبيب مونسي

 

 الأستاذ عبد القادر رابحي(أستاذ بجامعة سعيدة):عن منطق السرد

و تفريعات(شجرة الأجناس الأدبية)

 

    شغلت إشكالية تطور الأساليب الإبداعية النقاد و المفكرين منذ القدم. وقد تحول الانشغال بهذا التطور إلى اشتغال على أسبابه الفنية والجمالية و دواعيه الفكرية و التاريخية، فبحث النقاد في نشأة الجنس الأدبي و تبلور أشكاله و تمظهراته اللغوية و الدلالية عبر مختلف المراحل و العصور.

    ولم يكن الاهتمام بإشكالية الهاجس الجمالي التي تدفع المبدع إلى إبداع هذه الأجناس الجديدة وتوليدها من بعضها ليفلت من دائرة اهتمام الفلاسفة اليونانيين ومن جاء بعدهم ،نظرا لما يحمله العمل الأدبي من قيمة أخلاقية وفلسفية نظر إليها الفلاسفة اليونانيون كما نظر إليها غيرهم، من باب ما يمكن للعمل الأدبي أن يمرره إلى المتلقي من هذه القيم، فيتم بذلك ما يسعى الفلاسفة إلى توصيله على هذه المتلقي.

    وإذا كانت الأساطير اليونانية – على الأقل من وجهة نظر الفكر الغربي- هي أقدم ما وصلنا من مرويات دُونت فيما بعد و أصبحت معروفة بهذا الاسم، فإن تسارع عملية تدوين المرويات في الحضارة اليونانية وفي غيرها من الحضارات، قد أدى إلى تسارع طرائق تسجيلها ومن ثمة تعدد تمظهراتها على مستوى الكتابة،مما أدى، مع مرور الأزمنة           و المراحل، إلى ميلاد أشكال جديدة للتعبير الأدبي الذي ما انفك يزداد اختلافا عن التعبير العادي العام نظرا لما يحمله من خصائص جمالية كانت في صلب اهتمام هؤلاء النقاد و هم يحاولون ضبط الأطر اللغوية و الدلالية التي تجعل من أية كتابة أدبية مختلفة عن الكتابة غير الأدبية من جهة، و مختلفة عن الكتابة الأدبية التي سبقتها من جهة أخرى.

    و على الرغم مما يمكن أن يحسب لهوميروس من سبْقٍ- من وجهة النظر الغربية دائما- في التأسيس لانتقال العمل الأدبي من الشفوية إلى التدوين، من خلال أعماله الشعرية المطولة (الإلياذة و الأوديسة)التي أعلنت ميلاد جنس أدبي جديد هو الملحمة، فإن ما يمكن تسميته بـ(شجرة الأجناس الأدبية) سيشهد تفريعات جديدة على مستوى أشكال التعبير الأدبي نظرا لما شهده الفكر البشري من تطور على مستوى ضبط المفاهيم الأخلاقية وتحديد المعايير الفنية و الجمالية التي يجب أن تتوفر في العمل الأدبي. نرى ذلك جليا في ما بذله الفلاسفة اليونانيون عامة و أرسطو خاصة في كتابه (فن الشعر) من مجهود تنظيري عميق  و هو يحاول أن يجد الغاية المثلى التي يمكن أن يستخلصها  الدارس لجنس أدبي جديد وُلِدَ بشكله الحالي في اليونان بطريقة تراكمية من صلب الشعر الغنائي الذي كان الشعراء الجوالون يلقونه في الأسواق و المحافل في الأعياد و المناسبات. و هذا الجنس الأدبي هو المسرح الذي طوّره رواد المسرح اليونانيون (أسخيلوس) و (سوفوكليس)              و (يوربيدس)، فأضافوا للفرجة التي كان يُحدِثها الشاعر الغنائي و هو يقرأ القصائد الطويلة التي كانت تحكي عن أمجاد اليونانيين و تاريخهم ممثلا واحدا، ثم ممثلين اثنين، ثم أكثر من ذلك من مستلزمات نقلت النص الأدبي مما يسميه النقاد المعاصرون بـ(السرد) الذي كان من خصائص الأسطورة إلى ( الحوار) الذي ولّدته متطلبات التطور التي شهدها المجتمع اليوناني، فانتقلت بذلك العملية الإبداعية من طرائق فنية و جمالية قديمة على طرائق فنية و جمالية جديدة للتعبير عن نفسها

    لقد أخذ فن المسرح بوصفه جنسا جديدا على المجتمع اليوناني، من جنس (الأسطورة) حكايتها، أي قصتها، و من الشعر بنيته، أي إطاره، و من الشعر الغنائي طرائق تعبيره القولية و الجسدية(Verbales et Gestuelles Expressions) و حاول من خلال كل ذلك أن يحافظ على ما سيسميه (غريماس) لاحقا بمنطق السرد المتوفر في كل أشكال التعبير القصصية، دون الخروج عن عناصر (الوحدة العضوية) و (الحبكة) و (العقدة) و( الحل) التي كانت متوفرة في الأجناس الأدبية السابقة بنسب مختلفة.

    و قد  أدى توفر هذه العناصر في العمل المسرحي بأرسطو إلى اعتباره عملا متكاملا يحقق الفرجة من خلال (المحاكاة) التي يقوم بها الممثل من جهة، و يحقق (التطهير) (Catharsis)الذي يحدث للمتفرج عند مشاهدته لمسرحية من المسرحيات من جهة ثانية. و لعله بسبب هذين العنصرين (المحاكاة و التطهير) أُطلق على المسرح اسم (أبو الفنون).

    و سنرى أنه، و منذ أن اكتملت البنية الفنية و الجمالية لفن المسرح بوصفه جنسا أدبيا جديدا أضيف على شجرة الأجناس الأدبية، لم تنفتح العملية الأدبية على مخاض يشي بميلاد جنس أدبي جديد. و قد بقيت أشكال التعبير الأدبي تعيد نفسها من خلال استعمالها للأجناس الأدبية نفسها طيلة الفترة التي شهدتها الحضارة اليونانية ثم الحضارة الرومانية وما تلاها من تراكم أدبي وفني و جمالي شهدته الحضارة الأوربية حتى العصر الكلاسيكي. و لم تكن (الأدبية) التي سادت خلال الحضارة الرومانية من وجهة نظر النقاد الغربيين أنفسهم، إلا مرحلة محاكاة للأجناس التي كانت موجودة في الحضارة اليونانية. فمثلما كان (فرجيل) الروماني و ملحمته (الإنياذة) التي تؤرخ لأمجاد الرومان يمثلان المعادل الموضوعي لـ (هوميروس) و ملحمته (الإلياذة) التي أرخت لأمجاد اليونان، كان (هوراس) الروماني   و كتابه (فن الشعر) يمثلان المعادل الموضوعي لـ(أرسطو) اليوناني و كتابه (فن الشعر).

      و على الرغم من مرور أزمنة طويلة على ميلاد هذه الأجناس و تبلورها، إلا أن منطق الحكم النقدي على الأعمال الأدبية الكثيرة التي شهدتها هذه الفترة كان يخضع للمنطق الجمالي نفسه الذي حددت معظم أُطرهِ  الفنية و الجمالية الفترةُ اليونانية و ما شهدته من تفاعل فكري و فلسفي و تلاقح تاريخي و اجتماعي انعكسا على العملية الأدبية، فتغيرت بموجب ذلك النصوص الأدبية في بنياتها الشكلية و أساليبها اللغوية         و أنساقها الدلالية في العصر اليوناني، وركنت إلى الجمود فيما تلاها من العصور الأخرى. و كأن ميلاد الجنس الأدبي الجديد إنما يجب أن يخضع لآلية تسارع تاريخية و فكرية        و فلسفية و اجتماعية لكي يتم بموجب كل ذلك تكوّن الرحم الذي يحمل هذا الجنس،    و خلق المكان الذي يستقبله، و تهيئة الشرط الإنساني الذي يدعمه بالرؤية النقدية المقنعة فيتهيأ له بذلك شرط البقاء و أحقية الاستمرار.

     و يلاحظ مؤرخو الأجناس الأدبية أن هذه الأجناس قد بقيت على حالها حتى       في العصر الكلاسيكي القريب من عصرنا الحالي، لا في تصنيفاها بوصفها أجناسا فحسب، و لكن في بنيتها الفنية و الجمالية التي تحيل إليها بوصها أجناسا، و ذلك على الرغم مما شابها من تغير في الموضوعات( غياب البعد الأسطوري الخرافي و حضور البعد الديني المسيحي)، و ما شابها كذلك من تغيّر في طرائق التعبير اللغوي (غياب البلاغات اللغوية المرتبطة باللغات القديمة اليونانية و اللاتينية و تبديلها ببلاغات مرتبطة بما يحمله العصر الكلاسيكي من مستجدات)،  و ما شابها من تغير في الموضوعات التي تطرحها هذه المستجدات.

    غير أن العصر الكلاسيكي(1550/1675) كان يحمل في طياته بذورا خفية لحركية إبداعية في غاية السرعة و التعقد بدأت تظهر في العديد من النصوص التي كانت تعتبر مهمشة أو مارقة في ذلك الوقت، و التي كانت إنذارا بقرب ميلاد هذه الحركية. و ذلك من خلال تخلي أصحابها عن الأسس التي بني عليه المذهب الكلاسيكي في تطبيقه المفرط و الصارم لقواعد الفن الأدبي كما جاء بها أرسطو في كتابه الشهير (فن الشعر). وقد مكن هذا (الخروج) عن (الأدبية) التي سنّها أرسطو و احترمها الكلاسيكيون، من التمهيد لما سيحدث من وعي في دينامية الفكر الغربي التي لم ترضخ للقراءة الكلاسيكية للموروث اليوناني التي دامت ما يقارب السبعة قرون، و إنما حاولت جاهدة أن تعيد قراءة هذا الموروث قراءة جديدة وفق ما مكنته منها تجليات التفكير العقلي في عصر النهضة ممثلة في الفيلسوف ديكارت، بناء على الاكتشافات العلمية و الثورة الصناعية و التغير الاجتماعي.

     و لعل هذه العناصر الثلاثة هي التي مكنت بطريقة أو بأخرى من ميلاد المذهب الرومانسي الذي سيحمل بوادر التغيير على مستوى إعادة تشكيل النظرية الأدبية وفقا للمعطيات الإبداعية التي كانت موجودة في أرض الواقع، و المرتبطة هي الأخرى بالتغير الاجتماعي الحاصل  في بنية الفرد الأوربي. لقد أدت دينامية الحراك الحضاري المتولد عن التفكير العقلي من جهة و التطبيقات العلمية من جهة ثانية إلى إعادة النظر في العديد من المفاهيم الفنية و الجمالية التي لم  تعد تطبيقاتها على مستوى النص الأدبي تتناسب مع روح العصر.

  و قد ظهرت في خضم  التغييرات في النظرة للعمل المسرحي إلى التخلص من القالب الذي كان يُصبُّ فيه وهو الشعر، فأبصح المسرح يُكتب نثرا ، و انفصل الشعر في الإبداع الغربي لأول مرّة عن الأجناس الأخرى اللصيقة به. و بات يُنظر إليه على أنه جنس أدبي لوحده. و بناء على ذلك ، ونظرا لاعتبارات تاريخية مرتبطة ببداية استعادة أوروبا لقوتها، انفصلت حكايات البطولات الجديدة  للإنسان الغربي عن الشعر و أصبحت هي الأخرى تُكتب نثرا ( روايات الفرسان)، مثلما قلت الملاحم الأدبية بشكلها الذي كانت تظهر به سابقا.

  و لعل أهم عامل حاسم في تغير الأجناس الأدبية في العصر الرومانسي (1675/1800) هو تخلي الأجناس الأدبية الأخرى عن الشعر بوصفه إطارا و قالبا لصيقا بها. و قد مكّن هذا التخلي الشعرَ من أن يصبح جنسا أدبيا يكتب بذاته و من أجل ذاته. و قد وجد الرومانسيون في ذلك حرية كبرى للتعبير عن عواطفهم بطريقة لا ترضخ لمعايير مسبقة مما أدى على تطور الشعر واستقلال نظريته الأدبية عن الأجناس الأخرى.

    و بالمقابل، مكن هذا الانفصالُ الكتاب و المبدعين من كتابة المسرح بأساليب نثرية في غاية التطور والاختلاف بالنظر إلى ما كان سائدا في المذهب الكلاسيكي. كما مكن هذا الانفصالُ كتاب الملاحم من كتابة قصصهم المطولة في شكل روايات كانت بمثابة النواة الأساسية لميلاد الجنس الجديد و هو الرواية التي ستترسخ في  القرن الثامن عشر بطريقة جذرية نظرا لما استطاعت أن تطوّره من بنية فنية وجمالية انعكست على موضوعاتها        و بنياتها و أساليبها. و لعل هذا ما جعل المذهب الرومانسي من أكثر المذاهب الأدبية ثورية، و ذلك بالنظر إلى تخليه عن الرؤية الإبداعية والنقدية التي كانت تسيطر على مفاهيم النظرية الأدبية بصفة عامة في العصر الكلاسيكي، و محاولته تجاوزها إلى آفاق إبداعية جديدة فتحتها مستجدات العصر الجديد الفكرية و الجمالية و فرضتها تغيراته  التاريخية و الاجتماعية.

    و لعل عودة النثر بوصفه عاملا أساسيا في أشكال التعبير الأدبي، قد أدت إلى صياغة النص الأدبي صياغة لغوية تعتمد على معايير بلاغية و فنية وجمالية غير مرتبطة بالبلاغات التي كان المنظر يفرضها على النص من خلال استعمال الكاتب للشعر بوصفه إطارا مفروضا. كما أن عودة النثر قد أحيت الرغبة في الحكي دون الخضوع لموازين الشعر،      و من ثمة أحيت عنصر السرد الذي أصبح أكثر اهتماما من طرف النقاد، و من طرف النظرية الأدبية. 

     و الأكيد أن هذه العناصر كلها قد أدت إلى بلورة نشأة الرواية بوصفها جنسا أدبيا أستطاع أن يعكس مجمل القيم الأخلاقية والفسلفية والجمالية التي حاول أرسطو أن ينظر لها  في فن المسرح. إن تغير النظرة إلى هذه القيم ناتج عن شمولية الحراك الاجتماعي الذي شهدته المجتمعات الغربية في أروربا. و هو ناتج كذلك إلى عمق المقاربات التي كان يحملها الفلاسفة والمفكرون في دراستهم لبنية هذه المجتمعات. و من هنا، كانت الرواية عبارة عن ملحمة حقيقية تعكس الحراك التاريخي والاجتماعي الذي شهده عصر النهضة. و لذلك، فهي لم تكن طفرة أدبية وليدة الصدفة التاريخية و لا وليدة التكديس المعرفي، و إنما كانت وليدة لحظة وعي عميق بما يمكّن العصر من التعبير عن نفسه بطريقة صادقة. و لعلنا بهذا نفهم التعريف الذي صاغه ناقد متأخر هو جورج لوكتش والذي يقول إن (الرواية هي ملحمة بورجوازية).

     إن انتقال المجتمع الأوروبي من البنية الإقطاعية التي كانت تحكم معظم اقتناعاته الفكرية و الجمالية،  إلى البنية البورجوازية المدعمة بالتفكير العقلي والتطبيقات العلمية، قد سرّع عملية الانتقال إلى صياغة هوية أدبية جديدة على مستوى الأشكال وعلى مستوى المضامين. و قد أدت هذه الهوية الجديدة إلى تفرّع جنس القصة القصيرة عنها بطريقة تحيل إلى تفرع (الخرافة) عن (الأسطورة) أو تفرع (القصيدة) عن ( الشعر الغنائي المطول).

    وإذا كانت الرواية قد اصبحت تمثل  الجنس الأكثر كتابة والأكثر قراءة  في العصر الحديث، فإنه يجب  التذكير بأن (شجرة الأجناس الأدبية) إنما انطلقت:

- من الأصل إلى الفرع من حيث المواضيع( من قصة خلق الإنسان في بداية التكوين إلى قصة أي إنسان كان في أي مكان)،

-و من الأكبر إلى الأصغر من حيث طرائق التعبير (من الأسطورة بوصفها جنسا مفتوحا بإمكان الأجيال أن تضيف إليه إلى القصة القصيرة المغلقة التي لا تحتمل أية إضافة)،

- و من المركب إلى البسيط من حيث عدد الأجناس ( الأسطورة التي تكتب شعرا، أو الملحمة التي تحكي أسطورة بقالب شعري، إلى القصة التي تحكي قصة بأسلوب قصصي).

 و بناء عليه، فإن تفريعات (شجرة الأجناس الأدبية ) عادة ما تحترم طبيعة النمو التي تخضع لمعايير غائبة عن رؤية الناقد الاستباقية، و لكن درْسَها حاضرٌ في رؤية الناقد الاستخلاصية. و هي معايير تَمكَّن الناقد من استخلاصها بناء على معاينته لهذه الشجرة معاينة مكنته من القول بأن تفرع أي جنس جديد عن هذه الشجرة إنما هو خاضع لأطر فنية و جمالية مرتبطة بشرط تاريخي خضع هو الآخر لفترة بيات شتوي(Hibernation)   لا يمكنه أن يعرف مدّته مسبقا. و لعله لهذا السبب كانت الإبداع يسبق التنظير للإبداع، و النص الإبداعي يسبق النص النقدي.

     و قد يكون تأخر الناقد عن العملية الإبداعية هو الذي جعله يلاحظ أنه  على الرغم من  اختلاف أشكال التعبير القصصية و اختلاف تجلياتها السردية ، إلا أن السرد يظل واحدا في منطقه الباطن لا يتغير . ذلك ما لاحظه أرسطو في كتابه فن الشعر من خلال حصر مساحة السرد بين وضعيتين أساسيتين: وضعية سعيدة و وضعية تعيسة.               و هما نقطتا البداية و النهاية التي يمر من خلالهما البطل بمرحلة (ارتكاب الخطأ) و من ثمّة (التحوّل). ولعل هذا ما جعل غريماس و الشكلانيين الروس عامة يجتهدون داخل المساحة التي حددها أرسطو لإيجاد واحد و ثلاثين وظيفة في كل قصة محكية مهما كان الجنس الذي حكيت به ومهما كان المكان،ومهما كان الزمان . و هي الوظائف نفسها التي شكلت ما سمّوه بـ(منطق السرد)( logique du récit) الذي لا يخرج عن التأريخ لحادثة ميلاد الإنسان و موته سواء عُبِّر عنها بأكبر الأجناس و أقدمها (الأسطورة)، أو بأصغر الأجناس و أحدثها (القصة القصيرة جدا).

د. علي القاسمي(قاص و ناقد)-عراقي مقيم بالمغرب الأقصى:تحوُّل الكتّاب من القصة القصيرة إلى الرواية لا يعني أبداً نهاية زمن القصة القصيرة.                    

 يبدأ معظم كتّاب السرد العرب بكتابة القصة القصيرة تمهيداً لكتابة الرواية، ظناً منهم بأن القصة القصيرة أسهل لقصرها. ولكن تحوُّل الكتّاب من القصة القصيرة إلى الرواية لا يعني أبداً نهاية زمن القصة القصيرة، فهي جنس أدبي قادت إلى مولده ظروف اجتماعية واقتصادية وإعلامية معينة، وهذه الظروف ما زالت قائمة. فالصحافة التي شجعت ظهور القصة القصيرة وازدهارها، ما تزال في حاجة لها لتُشبع نهم القرّاء الذين يستمتعون بها، حتى في الصحافة الإلكترونية. وتشير الدراسات الإحصائية، في أمريكا مثلاً، إلى أن ما يُنشَر من القصص القصيرة سنوياً يفوق بكثير ما يُنشر من الروايات، وأن ما يُرصَد من جوائز للقصة القصيرة أكثر بكثير من جوائز الرواية. وأخيراً فإن القصة القصيرة ملائمة لروح عصر السرعة، الذي فرض تناسل القصة القصيرة فولدت في أحضانها القصة القصيرة جداً. وعلاوة على ذلك، فإن طبيعة الإنسان الاجتماعية تدفعه إلى أن يحكي ما يقع له من أحداث طريفة فيبوح به لصديق حميم يأتمنه، ليخفف من وقع تلك الأحداث على نفسه."

د.علي القاسمي

 

 

 

عيسى بن محمود (قاص جزائري): راهن القصة القصيرة و توجه كتابها إلى كتابة الرواية

 

و قبل الإجابة لا بأس من الإشارة إلى مقولة روبرت لويس ستيفنسون أنه ليس هناك إلا ثلاثة طرق لكتابة القصة أن تأخذ الحبكة و من ثم تجعل الشخصيات ملائمة لها أو أن تختار الشخصية أولا ثم تختار لها الأحداث و المواقف التي تنتمي لها , أو أن تأخذ ثالثا جوا معينا و تجعل الفعل و الأشخاص في فلكه معبرين عنه مجسدين له-
و هو ما قد تشترك فيه الرواية مع أن هاته الأخيرة تتسع لأحداث فرعية و أبطال و شخصيات و زمان و مكان متعدد الوقت الذي يحد فيه كاتب القصة القصيرة من امتدادها عازفا عن المقدمات الطويلة و الزوائد و الاستطراد فهي في نظر البعض : ( وجبة غنية إذا توفر لها طاه<

 

Partager cet article
Repost0
5 janvier 2010 2 05 /01 /janvier /2010 20:36

كتابة بطعم الروح

"لكم أنتِ بي/ نكهة وطن – لرشاد داود"

كتبت – رانة نزال:

أبعد من عمر، وأدق من رحلة، وأقرب إلى عمق، وأمطر من سحابة، لربما هكذا يمكنني أن ألج عالم "لكم أنتِ بي/ نكهة وطن"، إذ لست متأكدة تماماً ما يمكن قوله في كتابة لا قول بعدها، إذ هي تستكمل تحضيرك، وتستنفر أعصابك، ثمة تقودك في سلاسة إلى حيث تشاء لتتركك عقب حرفها الأخير هكذا إما معلقاً – بالأسئلة – من عرقوبك، أو مغزغاً من الشحنة التي أصابتك، فالأسئلة الاستنكارية في المادة الكتابية تحمل في طياتها كُلَّ الأجوبة، لذا أنت هنا في حال هو حالك مع أي مقال صحفي تقرأ، بل ما يفعله المقال العجالة، التبعثر والتنقل من فكرة إلى فكرة مربوطة حسب الكاتب، والانشغال بهمٍّ جمعي قاتل ساحق ساخن كما هو الحال في الشأن السياسي أو الاقتصادي أو المعرفي، أو أنت محمول دونما جفار عبر افتتاحيات المقالات المختلفة لتعرف ما يُمرّ به الكاتب حبّاً أو هجراً، ميلاً أو بغضاً حسب ما يحصل معه ويقرر أن يطلعك عليه.

المقال مأزق، مأزق الكاتب ومأزق القارئ معاص، كلاهما يستسلم للآخر، يفكر به، يقرر عنه، يلتصقان في منطقة يقتضي الأدب من حيث هو فعل كتابة ألا يحصل هذا الالتصاق بل هو – أي الأدب – يستدعي التماهي، لا التلاصق الوجداني والشعوري والعقلي والتأملي الذي تمليه الكتابة الصحفية المقالية، وبينتها ودوماً برزخ لا يبغيان، لكنك وأنت تقرأ "لكم أنتِ بي، نكهة وطن" تتحصّل على معادلة مختلفة، أنت هنا مستلب بالكامل، مستسلم بإرادتك، منساب بحرية واعية، ولكأن مقالات الكتاب زورة تذهب إليها بملء جوارحك.

أنت في وقوعك بين دفتي هذا الكتاب الذي جمعت أوراقه مقالات كاتبه رشاد أبوداود وتقسمت داخل جسمه إلى ثلاثة أجزاء أو أقسام هي: "هنا.. هناك.. هؤلاء"، والإخوانية في الهنا، والسياسية الاجتماعية في الهناك، والإخوانية في الهؤلاء، ولكأن الكاتب يتصرف بملء وعيه في هذا التقسيم، ويشتاق أن يقدم خلاصاته الصحفية في ثلاثية تكثف رحلته الممتدة، وانهمامه الباذخ بالصحافة حتى صارت له بمثابة الأم والأب والأخ والأخت وكل ما في الحياة أناسها وجمادها جسده في اعتكافه على الصحافة مهنة وحرفة واختصاصاً، ولقد أبدع فيها، لكن الحنين الذي ظل طوال الرحلة يطاول برأسه، ويسأل صاحبه أيني فيك وأنت الكاتب؟ أين صوتك الأدبي، وحرفك الإبداعي، وهنا كان الرد دمعاً قاصماً بأن لا مكان لك إذ لا وقت في الوقت يسمح بوجودك، ولكن الأديب حاضر متجلٍّ لذا تكاد تكون بعض المقالات في الكتاب قطعاً أدبية مكتملة، وكل الكتاب هو رصيد هام وضخم من حيث أهميته يضاف إلى رصيد "فن المقالة"، وما به يدرس ويعتمد كمادة مرجعة تطبيقية للعديد من الأمثلة على المقالة سواء السياسية أو الثقافية الاجتماعية والوجدانية.

لقد أطل الكاتب برأسه، واعترف بقصوره في فنون الأدب الأخرى قصة ورواية وخاطرة ومسرحية ولكنه جسد هذه مجتمعة في مقالاته، مؤكداً على أن المقالة في هذا الزمن أم الفنون أجمعها.

ولقد قدم قاسم حداد الشاعر البحريني للكتاب بكلمات هي الأعمق والأقدر على ضبط الحالات الشعورية والاوجدانية العميقة في نفس الكاتب فقال قاسم: "هذا صباح يبدأ عن الظهيرة، هكذا سيتأخر الصديق رشاد أبوداود عن الالتفات الأدبي في نصه الصحفي، لمؤانسة وحشته في ورشة عمله المهني، الذي ظل يستغرقه معظم النهارات والليالي في انهماك ماراثوني لا يرحم".

ويتابع: "لكأن بين الأدب والصحافة مسافة مقالة واحدة، مقالة ما علينا إلا أن نتيقظ لندركها، ونتدارك بها شهقة الغريق بشرفة كريمة من الإصغاء".

وفي كتابة قاسم كشف حقيقي عن واقع الحال، عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الصحفي المحترف الذي تأكل الصحافة روحه وإبداعه يقول: "لكأن رشاد أبوداود يسعى لمقاومة الخسارة الفادحة بربح خجول، كأن الكاتب هنا يأتي إلينا من دفتر الأدب مباشرة، ليس لكي يستعرض لنا معرفته الأدبية وثقافته النشيطة، لكن كمن يريد أن يملأ رئتيه بشهيق عميق يغتسل به من جراء الصحافة ومن جرائرها على حبٍّ أول، هو الأدب" وليست أتفق تماماً هنا مع قاسم في كشفه إذ أني أرى أن الميزة التي يمتاز بها قلم رشاد أنه كاتب مقالة باحتراف، أي أن الرغبة في الأدب حاضرة والكتابة الأدبية حاضرة باقتدار وان كان قالبها المقال وذي حرفة، وذا من أدبي رفيع، قلّ تظهره بما لمعنى الاقتطاعي أي أن يقتصر قلم كاتبه عليه، وذا ما فعله رشاد عبر مسيرته الصحفية والأدبية، إنه أديب المقالة وهي بين يديه مقالة الأديب، أنت تقرأ مقالة السياسي والوجداني والاجتماعي بذات البصمة، بذات اللغة التي تنسجها أنامل خبرت الدنيا والحياة فانتصرت روحها للقيم العليا، وارتضت أن تظل بها ولها رهينة، وهنا يقول قاسم: "ثمة الرشاقة الرصينة في أسلوب هذا الرجل، وعليك أن تصغي إليه وهو يتحدث كمن يقول الكلام لنفسه، ليس مجازاً، ولكن بالفعل، لكي تلتقط منه أطراف الخيوط مجدولة بالأقاينم الثلاثة: العاطفة والمعرفة والتأمل إنه أي رشاد "تتفلت لغته الصحافية من تخومها فتصبَّ لنا أقداحاً منتخبة من نهر غير بعيد عن الأدب، وربما الشعر أحياناً" وإنه ليكتب "بامتياز المحترف، وولع الناسك، ولا مبالاة المكترث" وأنت إذ تقرأ فإنك لتستسلم في استرسال وسنٍ، ولن يمكنك إلقاء النص عنك، لن تشبع، يظل بك جوع للمزيد، لا على طريقة النار، بل على طريقة الماء العذب الزلال يروي فيزداد العطِش عطشاً، تكب على الكتاب وتقرأ نكهة الوطن بالمعنى الوجودي، بالمعنى الإنساني، بالمعنى الذي تصير فيه زيتونة فلسطين كل زيتون الأرض، وتسافر.. تسافر دون أن تنقل تدليك عن الأرض، وبدون أن تقطع تذكرة، أنت مدعو إلى رحلة تصطحبك منها القصص المودعة بطون المقالات أشخاصها يحضرون يتبادلون معك أطراف الحديث، وتكاد تشمّ روائحهم، وتمسك خيط أحلامهم الرفيع وهو يمر أمام عينيك. يقول رشاد: "نحن يا ابن دمي، مؤتمنون على الزيتونة والنخلة والنملة. نلملم حبات القمح والعرق. نضمها إلى صدورنا.. تنمو سنابل من جديد.. وعندما نتعب نهرب إلى حضن أمنا لنعود.. مضت تسع وخمسون سنة. تعبنا ولم نهلك.. لن نهلك" في المقالات يقين، هو يقين الحق، هو الصولات والجولات التي يمر بها التاريخ بأحداثه ورجالاته، هو الثابت اللامتحول، وهي الأرض والسامء في نواميسها الأزلية، ففلسطين عربية مسلمة، زيتونها كنعاني، وهواها – باني، وهي اللغة العذبة، ترفل في ثياب الأدبي، فتزدهي بما فيه من بلاغة وبيان، وتنساب إنسياباً، هي لغة من عرف بصمته، واختار لغته الرائقة يقول: "الغضب هو استسقاء الخطأ بالخطأ، واسدال للستارة على بسمة فجانبه هو إبكاء الفرح وإغلاق المرافئ أمام مراكب الحياة المتدفقة كنبض النهار".

ويتابع ساحباً إياك من يدك إلى عوالمه حيث الذاتي فيها جمعي، كل ما في كتابة لكم أنتِ بي، جمعي في إنسانيته، ورهافته، ونبله يقول:

"تمر الدقائق، لا يأتي الطبيب. ترى في الأفق الذي يضيق كحدقة عين تفقد نورها.. هل هو الوداع الأخير. يا إلهي من تودع؟ حسام رصده بجانبك، يأتي باسل ثم أمه. حاتم وداليا ثم محمد ثم الأصدقاء. كنت تنوي ألا تزعج أحداً منهم.

فقد أتقنت طيلة هذه السنين أن تكون ابناً وأباً, زوجاً ومحباً وصديقاً، ونسيت أن تكون أنت. أين أنت الآن؟"

مقالات يتمازج فيها فن القصة القصيرة دونما قصدية، هي إنسابية الدواخل وهي تسرد، هذا السرد التداعي، هذا التزاوج والتلاقح بين الفنون الأدبية مشتبكة حين يحتضنه قالب المقال فيقصر المقالة تركيبة سحرية تجمع بين القصة والخاطرة وتنجمع في قالب المقال، وبلغة لا صنعة فيها ولا تكلف، لغة تنحصر على جسم الورق برياش من الفل والياسمين في رقة لغوية لا تفهم بالرقة فتندلق ولا تحكي الواقع بخشونته فتجرح، لغة وسط في تنقلها بين هذا وذاك.

"لم تكن علاقتي بأندونيسيا تتعدى معرفتي بأحمد سوكارنو ثم ابنته ميجاواتي. ولم أكن أتخيل أن يشهد بيتي في ضاحية الرشيد قصة اندونيسية الشخوص عالمية الأبعاد.. وأن أكون شريكاً، رغم أنفي في أحداث تلك القصة" في الكلام ثقة بالخير عالية، ثقة بالبياض، ثقة بالحق ونورانيته، هي نقطة ارتكاز في الرؤية التي يصدر عنها الكاتب، لذا تأتي كتابته سخطاً كان أو غضباً أو ضيقاً أو ألماً مضواة بماء الورد، معجونة بالمحبة والأمل، تتساوق فيه وتتعالق الحروف في دراميته أو تصعيدها مع البساطة المقالية. إن صح التعبير – بساطة الحياة وجمالياتها الرفيعة في أشيائها الصغيرة مع عفوية صادقة مفعمة بالأمل، هذا الصدق لن يمكنك أبداً أن تفلت من عقاله، سيحاصرك بودٍّ وألفة ويأخذ عليك بتلابيب روحك، ويودعك منه فلّة أو ياسمينة: "أراك تنضجين – والحديث لابنته دالية – سريعاً كما لو كنت حبة لطاطا نبتت بلا تراب. كيف أشرح لك الطريقة الحديثة في زراعة البندورة في الهواء، وكيف جعلوا فقراء الطبقة الوسطى يحرثون الهواء حتى تعبت أيديهم فمدوها للتسول. زمان كان الفقير يتسول رغيفاً أو قطعة لحم أو قميصاً فيه متسع لرقعتين أو ثلاث، اليوم يتسول قسط سيارة، أو موبايل يا محسنين".

وتهمي الكتابة تهطل غيثاً نامضاً يقول: "والحياة أصبحت مجنونة. لم تعد تكفي الأولاد ملابس جديدة من دون ماركة قديمة، ولا مجال للاقناع بأن قطعة واحدة تكفي، وأن الموبايل ليس ضرورة. دعايات وإعلانات على شاشة الضيف المقيم في البيت، الحاضر أكثر من أهل البيت، تغري الأبناء، بأن كل ما يريدون في متناول اليد.. وأن العين بصيرة واليد قصيرة".

ولكن يمكنك إلا أن تبكي.. تبكي بصمت، تبكي بحرقة جوانية لاذعة وسخيفة وحارة حين يحكي فلسطين من قلب فلسطيني مطعم بالجراحات وأن ظل وسيظل ملؤه اليقين بأن لا عروبة بلا فلسطين ولا إسلام بل فلسطين ولا فلسطين بلا فلسطين:

"بيت حانون صبيحة الجمعة.. لا صباح ولا جمعة ولا طابور الصبيحة أمام بائع الفول والحمص، ولا رائحة فلافل تدغدغ الشهية. صبحة الجمعة لن تجمع الأولاد والبنات حول طبلية الفطور والخبز الساخن وأكواب الشاي الأحمر. لن تستحم الأمهات بماء البحر.. صبيحة هذه الجمعة حتى البحر أغلق عيونه" والحديث عن "أولئك الذين يفتحون بيت عرس لا بيت عزاء للشهداء. الشهداء الأحبة والرضع والأطفال والأمهات والآباء.. فرادى وجماعات، في الحارات وفي غرف النوم، على شاطئ البحر وتحت ظلال الزيتون".

 

Partager cet article
Repost0
24 décembre 2009 4 24 /12 /décembre /2009 15:43

دلوز و غتاري …الرغبة و الفلسفة

محمد أيت حنا 

1 – الرغبة وأصل الفلسفة:

تحتاج المفاهيم كما هو معلوم إلى شخصيات مفهومية تحملها وإلى مقام محايثة تحقق توطنها عليه. يشكل الصديق تلك الشخصية المفهومية التي نذهب معها إلى حد القول بأن الرغبة تشهد على أصل نشوء الفلسفة، فإذا كانت الحضارات الأخرى تتوفر على حكماء، فإن مجتمع الإغريق يتفرد بخاصية اشتماله على هؤلاء ” الأصدقاء “1. سيكون الإغريق إذن هم الذين أعلنوا موت الحكيم ( على النمط الشرقي)، واستعاضوا عنه بالفلاسفة، أصدقاء الحكمة، أولئك الذين ينزعون إلى الفلسفة ويرغبون فيها دون أن يمتلكوها2.

وبذلك يكون الإغريق قد أعادوا توطين حركة الفكر ضمن مقام محايثة خلصها من سلطة المتعالي لتصير تنقلا أفقيا تنجزه شخصيات “الأغورا” فيما بينها، بعد ما كانت تنقلا عموديا ينجزه العارف أو الكاهن ما بين السماء (المتعالي) والأرض (المحايث).

يشهد الاشتقاق اللغوي لكلمة فلسفة نفسه على هذه الرغبة اللا متناهية المنجزة بين حركة الذات، وحركة الفكر: < < أن أتكلم متفلسفاً أو أسمع فيلسوفا يتكلم تلك متعة ما بعدها متعة >>3، أليست الفلسفة في اشتقاقها اللغوي : فيلو- صوفيا، حبا / رغبة في الحكمة؟

للإجابة عن السؤال القائل: هل يمكن؟ أو هل يجب اعتبار الفلسفة إغريقية؟ يصر دلوز و غتاري على ربط نشوء الفلسفة بنشوء مفهوم الصداقة داخل المجتمع اليوناني. إن الصديق كما صاغته الثقافة اليونانية ليس شخصا غريبا، ليس ظرفا أو مثالا تجريبيا، وإنما يشكل حضورا داخل الفكر، شرطا لإمكانية الفكر نفسه ومقولة حية. لقد دفع الإغريق بالصديق من خلال الفلسفة إلى تجاوز العلاقة مع الآخر نحو علاقة مع كلية وموضوعية ومع ماهية4. فليس الصديقان هما اللذان يمارسان فعل التفكير، وإنما الفكر نفسه هو الذي يتطلب من المفكر أن يكون صديقا لكي يصير باستطاعته أن يتحقق في ذاته5 .

لكن إذا كان الفيلسوف صديقا للحكمة أو عاشقا لها، أليس ذلك راجعا لكونه يرغب فيها؟ ألا يكون الفيلسوف كذلك هو الراغب، والفلسفة موضوع رغبة، و التفلسف فعل رغبة؟6

إن تعلق الفلسفة بالرغبة، هي السمة التي تجعل من الفلسفة موضوعا إغريقيا يتواءم وإسهام المدن اليونانية. فبقدر ما حققت المدن اليونانية شروط الصداقة، بقدر ما حققت شروط الرغبة المتمثلة في تشكيلها مجتمعات أصدقاء أو أناس متساوين تجمعهم علاقات صراع وتنافس، تقيم تقابلا بين الراغبين في شتى المجالات: الحب، الحكمة، السياسة، مجالس القضاء، الرياضة…7

لم تكن أثينا في الواقع منشأ لكل الفلاسفة، فكل من آسيا وإيطاليا وكذلك إفريقيا تمثل المراحل الأوديسية للمسار الرابط بين الفلسفة و الفلاسفة.8 لكن كون الفلاسفة كانوا أجانب لا يلغي شيئا من كون الفلسفة كانت إغريقية، ذلك أن أثينا هي وحدها التي منحت لهؤلاء الفلاسفة مقام محايثة صالحا للسكنى فلسفيا. ماذا وجد هؤلاء الأجانب في الوسط الإغريقي؟ هناك على الأقل ثلاثة أشياء: 9

أولا: طابع اجتماعي خالص، تسوده المحايثة ويتعارض مع السيادة التي تفرضها الإمبراطورية.
ثانيا : نوع من المتعة التي يمنحها فعل الانضمام إلى الآخرين في إطار عقد الصداقة، ولكن أيضا متعة تمنحها إمكانية فسخ هذا العقد.

ثالثا: متعة خاصة يمنحا تذوق الرأي في إطار تبادل الآراء والحوار.

هكذا يعيد دلوز و غتاري الدفاع عن أصلية الفلسفة في اليونان من خلال ارتكازه على الخصائص الثلاث التي تفرد بها المجتمع الأثيني، وهي المحايثة والصداقة والرأي10. الرأي كموضوع للرغبة، والأصدقاء كراغبين ثم المحايثة كوسط يكفل الرغبة.

وعلى الرغم من أن رأي الفيلسوفين لا يخفي التمركز الذي ما انفك الغرب يمارسه حول ذاته، معتبرا أن المجتمع الغربي هو صاحب السبق، بل الوحيد ربما الذي استطاع أن يمارس فعل التفكير من خلال المعجزة اليونانية. فإن أطروحة دلوز و غتاري مع ذلك تبقى أكثر قابلية للاستساغة، من جهة أنهما يقران بأن ظهور الفلسفة في اليونان جاء نتيجة احتمال بدل ضرورة، نتيجة بيئة أو وسط بدل أصل، نتيجة صيرورة أكثر من تاريخ، نتيجة جغرافيا بدل تاريخ مرحلي، و نتيجة رعاية بدلا من طبيعة 11

2 – الرغبة ومستقبل الفلسفة.

من المعلوم أن الصديق أو العاشق كراغب لا وجود له في منأى عن أنداد منافسين. كل من يدعي صداقة أو عشق شيء ما، هو مضطر إلى تبرير عشقه بالقياس إلى مرجع منافس < < أنا أحبكِ أكثر منه...، أنا أكثر من تستطيع الوثوق به من بين الأصدقاء...>> . فإذا كان النجار يدعي صداقة الخشب فإنه مضطر للدفاع عن شدة صداقته للخشب، بالقياس إلى الحطاب وحارس الغابة، وصانع الخشب 12 .

وإذا ما تعلق الأمر بحب الحكمة فإن الفلسفة قد واجهت في بدايتها العديد من المنافسين، كل واحد يدعي لنفسه حب الحكمة، أو الفكر الصائب. بلغت المنافسة أشدها حين تنازع الفيلسوف والسفسطائي بقايا الحكيم القديم 13 . لقد أقام أفلاطون عبر أعماله مسرحا متكاملا يهدف تعيين هذا الصراع.

و لقد أنتجت الفلسفة تاريخا بكامله من خلال علاقات صراع مع ميادين أخرى. تجلى هذا الصراع بوثيرة أكبر في العصور الأخيرة، حين التقت الفلسفة بمنافسين جدد تمثلوا بداية في علوم الإنسان، وعلى الأخص في السوسيولوجيا التي أرادت أن تحل محلها 14 . ثم جاء دور الإبستمولجيا واللسانيات، بل حتى التحليل النفسي، وهكذا صارت الفلسفة تواجه منافسين وقحين أكثر فأكثر15 ، كلهم يرومون هدفا واحدا: سلب الفلسفة وظيفتها بما هي إبداع للمفاهيم. ثم بلغ العار منتهاه حين استولت علوم المعلوميات، والتسويق، وفن التصميم والدعاية على لفظ المفهوم نفسه، وصارت تقول : هذه مهمتنا، نحن خالقو المفهوم، نحن منتجوه 16 . فلم يعد المفهوم يعني أكثر من الصورة الوهمية،أو إيهام علبة المكرونة، وصار المقدم،العارض للمنتوج، هو الفيلسوف أو المفهومي أو الفنان 17. ثم جاءت الكارثة الكبرى حين تخلت الفلسفة نفسها عن وظيفتها الأساسية: إبداع المفاهيم، لترتمي في أحضان ميادين أخرى لا تصلح للسكنى فلسفياً. فصارت الفلسفة تأملا وتفكيرا و أخيرا تواصلا18.**

لكن، مع ذلك، فإن خطابا يبشر بموت الفلسفة لا يمكن إلا أن يبعث على الضحك. فكلما صادفت الفلسفة منافسين متهورين وأغبياء، كلما التقت بهم داخل حدودها، كلما نشطت لأداء مهمتها: خلق المفاهيم التي هي نيازك أكثر منها سلعا. لا يمكن بأي حال أن تموت الفلسفة، فكلما حدث أن كان هناك إبداع للمفاهيم فستسمى عملية الإبداع تلك فلسفة. وإن حدث – افتراضا- وماتت الفلسفة فسيكون من الضحك 19 .

ما دام هناك إبداع مفاهيم، أو على الأقل رغبة في إبداع المفاهيم، فستكون هناك فلسفة. لكن من يضمن استمرار إبداع المفاهيم؟ ومن يستطيع تمييز المفاهيم الصحيحة من الزائفة ساعة طرحها؟

لا يمكن للفلسفة أن تبدع مفاهيمها إلا داخل مقام محايثة صالح للتعمير الفلسفي، ووحدهم الأصدقاء يستطيعون ابتكار مقام للمحايثة كأرضية تنفلت من [ رقابة الأصنام]20. وحدهم باستطاعتهم منح المفهوم شروط التوطن و الترحل المستمرين. لكن مفهوم الصداقة تغير كثيرا، بحيث من الصعب تخيل مفهوم معاصر للصداقة يطابق ذاك الذي كانت تنتجه الأغورا. لهذا السبب يطرح دلوز و غتاري مفهوما جديدا هو مفهوم العشيرة، وحدها العشيرة تمنحنا شروط تنظيم جديد وتحمينا من لعنة الفوضى، علينا أن ننفلت من سلطة الأنظمة الفاشية: الدولة، الأسرة،… لكي نلتحق بالعشيرة، تلك التي تمنحنا شروطا جديدة للفكر والإبداع، علاقة جديدة بالرغبة، حيث تنمحي الذات كي تحقق كمالها ضمن تنوع الأغيار.

إن وجود الرغبة هو الضامن الأكيد لاستمرار الفلسفة. فالرغبة هي ما يمنحنا شروط معاكسة النظام،وهي الدافع الذي يحركنا كي ننتج المفاهيم ونشهرها سلاحا في وجه “الدوكسا”، ثم إن الرغبة هي ما يخط أفق ترحيلاتنا ما بين الفلسفة وغيرها من مجالات الإبداع، تماما كما كان يحدث مع دلوز.

3 – مدخل إلى فلسفة اليوميla pop philosophie

من المفاهيم الغامضة التي وضعها دلوز و غتاري مفهوم: ” فلسفة اليومي”، وهو مفهوم لا يتكرر بشكل كبير في أعمالهما، ولكنه مع ذلك يحتل مكانة بارزة لديهما. فقد كان دلوز و غتاري يطمحان إلى إنشاء ” فلسفة لليومي “21، ليس معنى ذلك أنهما كانا يطمحان إلى جعل كل الناس فلاسفة، وإنما كانا يريدان فقط من الفلسفة أن تنزل من تعاليها الميتافيزيقي، كي تصنع مقام محايثتها، ذاك الذي يؤهلها لأن تكون بحق علما للإنسان بما هو إنسان. ومن المعلوم أن الفلسفة ما هي إلا حركة الفلاسفة داخل مقام محايثة معين، الفلاسفة إذن هم المطالبون بالكف عن القيام بحركات تنقل عمودية وعن التمركز المتعالي حول الذات، واستبدال ذلك بحركة أفقية على صعيد المحايثة والانفتاح.

إن فلسفة اليومي لا تعني أكثر من هذا: المحايثة + الانفتاح. وهذا يناسب بشكل كبير وظيفتها التي كان دلوز و غتاري قد حدداها في إبداع المفاهيم، فالمفاهيم ليست أشياء بالغة التجريد كما يعتقد عادة، ذلك أن المفاهيم تحيل بالضرورة على أشياء واقعية وجد بسيطة، مما يجعلها قابلة للتعميم، ويجعل لها سوق تداول واسعة، دون أن تحتاج الفلسفة مع ذلك إلى السقوط في دواليب التواصل التي خطها هابرماس بعناية22، والتي تهدف خلق إجماع بدل خلق مفهوم، لا تحتاج الفلسفة إلى إجماع. ذلك أن فكرة الحوار الديمقراطي الغربي بين الأصدقاء، وإن كانت تشهد بالأصل اليوناني للفلسفة، فإنها مع ذلك لم تنتج أدنى مفهوم. لم يتخذ المفهوم موطنا على أرض الصراع الفلسفي، لقد كان بالأحرى مثل الطائر المتهكم الذي يناجي نفسه عابرا فوق ساحة صراع الآراء المتنافسة أكثر منه منخرطا فيها23.

أن يكون المفهوم قابلا للتعميم، ليس معناه أن يصير كل الناس فلاسفة، ليس معناه أن كل الناس قادرون على وضع المفاهيم، وإنما يعني فقط أن كل الناس قادرون على استقبال المفاهيم التي ينتجها الفلاسفة. وذلك ما يجعلهم منخرطين في حركة الفكر الفلسفي دون أن يحتاجوا إلى إجماع حول القضايا أو المفاهيم التي ينتجها هذا الفكر.

علينا أن نتوقف عن جعل التنظير مسألة مختصين24، علينا أن نمنح للناس شروط الإبداع، أن نمنحهم أفقا ومسارب للانفلات، من هنا فكرة ” التحليل اليومي” La pop –analyse25 التي جاء بها دلوز و غتاري ، والتي تهدف منح شروط الإبداع وصنع ترتيبات خاصة لكل شخص، بخلاف التحليل النفسي الذي يرى التنظير مسألة مقتصرة على “فرويد” و ما على الآخرين سوى أن يسلموا به و أن يخضعوا له.

تعيد فلسفة اليومي طرح إشكالية الآخر ضمن أفق أكثر انفتاحا، يَعتبر الآخر عالما ممكنا وأرضا قابلة للتعمير، وأفقا قابلا لممارسة الترحل. إن الفلسفة كأي شكل من أشكال الكتابة الجيدة لا يمكنها إلا أن تقحم الآخر ضمن صيرورات الكاتب نفسه، فأن نكتب معناه أن نصير أشياء أخرى، أن نصير امرأة، حيوانا، نباتا… فالكتابة هي كتابة من أجل الآخر: نكتب للأميين ، للمهمشين، للحيوانات، للطبيعة… ليس معنى هذا أننا نكتب كي تقرأنا الطبيعة أو تقرأنا الحيوانات…ولكن ذلك معناه أن نكتب بدل هؤلاء، أن نجعلهم يعبرون عن أنفسهم داخل سياق لا يملكون شروط الكتابة داخله. لم يكتب فوكو عن العاهرات والحمقى و المساجين كي يقرأه هؤلاء، وإنما فقط كتب عنهم لكي يصيروا هم أنفسهم مقروءين داخل سياق آخر…

إن فلسفة اليومي تفاعل مع الآخر، تكامل معه، فهي تأخذ منه صيرورات لا تمتلكها( صيرورة المتشرد، العاهرة، المسجون بالنسبة لفوكو)، وتعطيه بالمقابل أفقا للتعبير ومسربا للانفلات ( يصير المسجون مع فوكو ، قضية، تاريخا، واجهة، صوتا…)

و ليست فلسفة اليومي مجرد افتراض لا وجود له على أرض الواقع، فلقد مارس كل فيلسوف شعبيته على صعيد محايثته الخاص وبدرجات متفاوتة، ما دام جل الفلاسفة تقريبا يمتلكون مفاهيم خاصة بهم وموقعة من طرفهم، دون أن تشهد مع ذلك على ذاتية خالصة.

تهدف فلسفة اليومي أساسا تخليص المفهوم من ذاتيته الخالصة التي ألصقها به لاحقوا كانط من خلال سعيهم إلى إنشاء أنسكلوبديا شاملة للمفهوم. وبدل ذلك تحديد مهمة أكثر تواضعا للمفهوم، أي بداغوجيا للمفهوم تدرس شروط الإبداع كعوامل للحظات فريدة. فإذا كانت الحقب الثلاثة للمفهوم هي الأنسكلوبديا ( الموسوعية) والبداغوجيا ( التربية والتعليم) ثم التكوين المهني التجاري ( التسويق)، فإن الحقبة الثانية فقط من شأنها أن تحمينا من السقوط من قمم الحقبة الأولى إلى الكارثة المطلقة للحقبة الثالثة26

——————————————————————————————————-

1- Gilles Deleuze / Félix Guattari, qu´est-ce que la philosophie ? Les Editions de Minuit, 1991.p 7

2- نفس المرجع ، ص 8

3- Platon, le banquet et Phèdre, traduction et notes par E. chambry, garnier-flammarion, paris 1964.p32

4 – Qu’est ce que la philosophie ? P 9

5- نفس المرجع ، ص 68

* يدفع بروست بهذه العلاقة إلى أبعد الحدود ، حتى تتحول إلى علاقة من نوع آخر ، تجمع بين الحب والفن.

أنظر Gilles Deleuze , Proust et les signes.puf 1974. P 41

6 – Qu’est ce que la philosophie ? P 9

7- نفسه ، نفس الصفحة

8- نفس المرجع ص84

9- نفس المرجع ، نفس الصفحة.

10– نفس المرجع ، نفس الصفحة.

11– نفس المرجع ، ص 92.

12- نفس المرجع ، ص 14 .

13 نفس المرجع ، نفس الصفحة.

14– نفسه ، نفس الصفحة.

15– نفسه ، ص 16.

16 – نفسه ، نفس الصفحة.

17– المرجع السابق ، ص 15

18 المرجع السابق ص 16.

**- إشارة إلى نظرية التواصل عند هابرماس التي يخصصها دلوز بنقد ضمني ولكنه لاذع.

19- المرجع السابق ، ص 16

20- المرجع السابق ص 47 .

21- G. Ollendorff, Deleuze et Guattari, la machine à gazouiller.

http://www.lipshein.org/deleuze.html, P 1.

22 – qu’est ce que la philosophie ? P 11.

23- نفس المرجع ، نفس الصفحة.

24- Deleuze, L’île déserte et autres textes, Minuit, 2002, P303

25- Mille plateaux, p 35.

26- qu’est ce que la philosophie ?, P17

Partager cet article
Repost0
20 septembre 2009 7 20 /09 /septembre /2009 14:19

Partager cet article
Repost0
5 septembre 2009 6 05 /09 /septembre /2009 10:14

مهرجان بيت الأدب المغربي الوطني الرابع بمدينة خريبكة يومي : 15و 16شتنبر 2009

 

 

بيت الأدب المغربي ينظم بمناسبة افتتاح برنامجه الثقافي السنوي: 2010-2009 وبمناسبة شهر رمضان الأبرك

"مهرجان بيت الأدب المغربي الوطني الرابع بمدينة خريبكة"

 

دورة الشاعرين عبد السلام مصباح و زين العابدين اليساري

مع تكريم تجربة الشاعر عبد الله الطني

 

بتنسيق مع المديرية الجهوية لوزارة الثقافة

بجهة الشاوية ورديغة

وتحت إشراف مندوبية وزارة الثقافة بمدينة خريبكة

بشراكة مع المصلحة الاجتماعية للمكتب الشريف للفوسفاط

تحت شعار :

" الأدب المغربي المعاصر استمرار، مغايرة وتميز"

وذلك بالخزانة الوسائطية حي القدس شارع فلسطين (أمام مسجد عمر بن عبد العزيز ) يومي 15و 16شتنبر 2009

 

 

برنامج الأنشطة:

اليوم الأول:

استقبال المدعويين بالخزانة الوسائطية

افتتاح المهرجان

من9 إلى 9:30 ليلا

* كلمة بيت الأدب المغربي

*كلمة  المديرية  الجهوية لوزارة الثقافة بجهة الشاوية ورديغة

* كلمة المكتب الشريف للفوسفاط

 *كلمة مندوبية وزارة الثقافة بمدينة خريبكة

الجلسة الابداعية الأولى:  القراءات الشعرية

 الساعة من الساعة10 الى 12 ليلا

تنشيط: الناقد محمد رمصيص


·        ادريس أمغار مسناوي

·        عبد الله الطني

·        عبد السلام مصباح

·        المهدي لعرج

·        ادريس زايدي

·        مليكة بنمنصور

·        مالكة عسال

·        سي محمد البلبال بوغنيم

·         إدريس عبدالنور

·        عبد الحميد شوقي

·        ادريس الشعراني

·        مصطفى لهروب

·        أحمد الرجواني

·        احميدة بلبالي

·        زين العابدين اليساري

·        محمد شنوف

·        مصطفى فرحات

·        مليكة كباب

·        الحاج قدور السوالي


 

الصالون الليلي لبيت الأدب المغربي

ü    كلمات في حق المحتفى بهم

ü    قراءات شعرية وقصصية

ü    توقيع المجموعة القصصية"قوس قزح" للقاص حسن برطال

ü    توقيع المجموعة القصصية" شجرة الحكاية" للقاص عبد الهادي لفحيلي.

 

اليوم الثاني: الواحدة بعد الزوال

بدار الثقافة التابعة للمكتب الشريف للفوسفاط

الجلسة النقدية:

مائدة مستديرة لتأطير طلبة وتلاميذ المدينة

تحت موضوع: التواصل اللغوي بين الورقي والرقمي

·       بمشاركة: محمد رمصيص، المهدي لعرج ، محمد بوصباع، مالكة عسال وآخرون.

الجلسة الابداعية الثانية: القصة القصيرة

من  9:30 إلى 12ليلا:

تنشيط:


-حسن برطال

-حميد ركاطة

-محمد فري

- محمد البوزيدي

-عبد النور إدريس

-إبراهيم أبويه

-هشام عينو

-عبد الغني سيدي حيدة  

-المهدي لعرج

-اسماعيل

البويحياوي

-محمد أوموليد 

-مالكة  عسال

-كمال دليل  الصقلي

- عبد الهادي لفحيلي

-ابراهيم اوحسين

-أحمد هشيمي

 


ـــــــــــــــــــــــــ

اختتام المهرجان : حفل توزيع الشواهد التقديرية وتوديع المشاركين.

 

إمضاء: بيت الأدب المغربي

 

Partager cet article
Repost0

مجلة العلوم الإنسانية و الاجتماعية،مغربية ثقافية شاملة مصنفة ومحكمة

  • : Revue Cahiersdifference مجلة دفاتر الإختلاف
  • : مجلة دفاتر الإختلاف Revue Cahiersdifference مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية مغربية-دولية ثقافية مصنفة ومحكمة رخصة النشر رقم:07\2005 الايداع القانوني:2005/0165 تصدر عن مركز دراسات MLM وتحمل الرقم الدولي المعياري/ p-2028-4659 e-2028-4667 المجلة حائزة على معامل التأثير العربي Arab Impact Factor لسنة 2023 بمعامل 1.22 وسنة 2024 بعامل التأثير 1.83 كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH
  • Contact

الهيئة الاستشارية العلمية

i أعضاء الهيئة الاستشارية العلمية

د.محمد زرو أستاذ التعليم العالي ( اللغة العربية عميد كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.مولاي عبد الملك الداودي أستاذ التعليم العالي ، رئيس شعبة اللغة العربية بكلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل- القنيطرة.

د.عبد المجيد بنجلالي أستاذ التعليم العالي (أدب ونقد)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د.الطيب الوزاني (ادب ونقد)،  كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د.محمد التاقي أستاذ التعليم العالي (لسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

دة.سعاد اليوسفي أستاذة التعليم العالي (أدب) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس الرباط.

د. ادريس الذهبي أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. رضوان الخياطي، أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

د. فريد أمعضشو أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية، مركز تكوين مفتشي التعليم ، الرباط.

د. محمد بنلحسن  أستاذ التعليم العالي تخصص اللغة العربية وآدابها،المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ، فاس.

د. عبد الرحيم أخ العرب، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

 الأستاذة الدكتورة/ عائشة الخضر/ رئيسة الاتحاد العربي للثقافة/ تركيا

بحث

الهيئة العلمية والتحكيم

أعضاء الهيئة العلمية والتحكيم

د.عبد المنعم حرفان، أستاذ التعليم العالي، تخصص اللسانيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب

.والعلوم الانسانية ظهر المهراز فاس المغرب

د. خالد قدروز، تخصص أدب  ونقد ، كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل القنيطرة المغرب

د. عبد الواحد المرابط، أستاذ التعليم العالي،  تخصص السيميائيات ومناهج النقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق الدار البيضاء.

د.عبد الكامل أوزال، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/.المغرب

د.الشرقي نصراوي أستاذ التعليم العالي  تخصص (السيميائيات والتأويليات) جامعة السلطان مولاي سليمان - الكلية المتعددة التخصصات خريبكة.

د.الحسني عبد الكبير أستاذ مؤهل تخصص (اللسانيات) كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال.

دة.الزهرة براهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (مسرح وأنثروبولوجيا وديدكتيك) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط- سلا- القنيطرة.

د.الغالي بنهشوم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب)، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل مكناس

د. لخلافة كريم أستاذ التعليم العالي تخصص (أدب) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية، جامعة مولاي 

إسماعيل مكناس

د.أحمد دكار، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علم النفس وعلوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

.فاس/المغرب

دة.لطيفة بلخير ،التخصص: أدب حديث ، أستاذة التعليم العالي ،كلية الٱداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز ـ فاس ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

دة.جناة سفضار، تخصص تدبير الموارد البشرية، جامعة لافال، كيبيك كندا

د. عبد الله الروملي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الأدب العام والمقارن، التمثلات الثقافية والاجتماعية والإعلامية، مدير مركز دراسات الدكتوراه بكلية اللغات والآداب والفنون ، جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب.

د. عبد الرحمان إكيدر،  أستاذ محاضر مؤهل،  تخصص: (النقد الأدبي والبلاغة)، كلية اللغة العربية، جامعة القاضي عياض مراكش.

د. عادل ضرغام ، أستاذ الأدب والنقد كلية دار العلوم جامعة الفيوم، مصر.

دة. سهام حسن جواد السامرائي،  أستاذة مساعدة تخصص: (النقد الأدبي الحديث)، كلية الآداب، جامعة سامراء، العراق.

دة. بشرى سعيدي. أستاذة محاضرة مؤهلة، تخصص (المسرح وفنون الفرجة) الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية جامعة مولاي إسماعيل - مكناس.

دة. سعاد مسكين أستاذة التعليم العالي. تخصص: (السرد العربي) المدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد المالك السعدي تطوان.

د. هشام بُحَيْري، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص: (النحو واللسانيات)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان.

دة. سلوى السعداوي، تخصص: (السرديات والنقد الأدبي، مهتمّة بتحوّلات كتابات الأنا)، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس.

دة. نوال بنبراهيم أستاذة التعليم العالي تخصص (الدراماترجيا والنقد)، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط.

د. محمد تنفو، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص ديدكتيك اللغة العربية والسرديات ،  المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش آسفي/المغرب

د.محمد أبحير، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال/المغرب

د.محمد الأزمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

د. عبد الرحمن علمي إدريسي، أستاذ التعليم العالي، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس/المغرب

محمد زيدان، أستاذ التعليم العالي ، تخصص اللغة العربية وآدابها، المركز  الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد العلمي، أستاذ التعليم العالي ، تخصص الدراسات الاسلامية والديدكتيك، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.محمد سوسي، أستاذ مبرز ، دكتور في الفلسفة، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.سميحة بن فارس، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الديدكتيك علوم الحياة والارض ، المدرسة العليا للأساتذة فاس / المغرب

د.عزالدين النملي، أستاذ محاضر ، تخصص اللغة العربية والديدكتيك ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم/المغرب

دة.صليحة أرزاز ، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص لغة فرنسية، ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.المصطفى العناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص الاجتماعيات ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

د.حسان الحسناوي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص اللغة العربية وآدابها ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فنيطرة/المغرب

د.عمرأكراصي، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مكناس/المغرب

دة.حنان الغوات، أستاذ محاضر مؤهل، تخصص علوم التربية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش/المغرب

د.حميد مرواني، أستاذ محاضر مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس المغرب

.مكناس المغرب

د.محمد تمي،أستاذ باحث في مجال المعلوميات وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم (TICE) وتحليل البيانات لتعزيز ودعم التعلم الرقمي، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس. 

هيئة التحرير وشروط النشر

 

أعضاء هيئة التحرير

اسم مدير التحرير

د.ادريس عبد النور

اسم رئيس التحرير

د.خالد قدروز

هيئة التحرير​​

د.طريق زينون-د.نورالدين محقق-ذ.هواري الأمين
ذ.محسن لوميكي-دة.نجاة سفضار-دة.مهدية بنعبيد
د.أيوببن مسعود-د.محسن الطوصي-
د.مراد بلمودن-د.عبدالرحيم بلكاني

المسؤول التقني والفني

ذ.ياسين مفتاح

ذة.فاطمة نافل

الشروط العامة لنشر البحوث بالمجلة ومنشوراتها:

  • مجلة دفاتر الاختلاف للنشر العلمي مجلة علمية مصنفة ومحكمة ورقية وإلكترونية تعنى بنشر البحوث العلمية في الحقول التالية: العلوم الإنسانية والاجتماعية، العلوم التربوية، علوم الشريعة والقانون.
  • تنشر مجلة دفاتر الاختلاف البحوث العلمية الأصيلة للباحثين في هذه التخصصات كافة، من داخل المغرب  وخارجه، مكتوبة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية. ويشترط في البحث ألا يكون قد نشر أو قدم للنشر في أي مكان آخر، وعلى الباحث أن يتعهد بذلك خطياً عند تقديم البحث للنشر، وتخضع جميع البحوث للتقويم حسب الأصول العلمية المتبعة.

قواعد النشر:

  • يقدم البحث المقترح للنشر مكتوب بصيغة word بخط Sakkal Majalla حجم 15 دون تضخيم وبالخط نفسه بحجم 12 في الهوامش، شريطة ألا يزيد عدد صفحاته على 20 صفحة (وبواقع 5000 كلمة) بما في ذلك الجداول والصور والرسومات ويستثنى في هذا العدد الملاحق والاستبيانات.
  • تكتب العناوين الرئيسية بحجم 15 والفرعية للفقرات بحجم 14 مع التضخيم (Gras
  • يرفق مع البحث ملخص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية، على ألا تزيد عدد كلمات الملخص على 205 كلمة.
  • تكتب بعد الملخص الكلمات الدالة للبحث (Keywords) في حدود 5 كلمات.
  • تطبع الجداول والأشكال داخل المتن و ترقم حسب ورودها في المخطوط، وتزود بعناوين، ويشار إلى كل منها بالتسلسل، وتستخدم الأرقام التالية: (1,2,3…) في كل أجزاء البحث.
  • كل بحث يجب أن يشمل على مانسبته 20% من المراجع الأجنبية
  • يعطى الباحث مدة أقصاها أسبوعا لإجراء التعديلات على بحثه إن وجدت، وللمجلة بعد ذلك إلغاء الملف البحثي تلقائيا في حال تجاوز المدة المذكورة أعلاه.
  • لا تجيز المجلة بأي حال من الأحوال سحب الأبحاث بعد قبولها للنشر ومهما كانت الأسباب.
  • تكتب الهوامش والإحالات أسفل كل صفحة، وتكون حسب النموذج التالي:

- الكتب: لقب واسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، البلد، الطبعة، السنة، الصفحة.

- الدوريات: لقب واسم المؤلف، عنوان المقال، عنوان الدورية،  دار النشر، العدد، السنة، الصفحة.

  • ضبط لائحة المصادر والمراجع وفق ما يلي: اسم المؤلف، عنوان الكتاب، دار النشر، المطبعة، مكان النشر، رقم الطبعة. السنة.

توجيهات عامة:

  • لهيئة التحرير الحق بإجراء أي تعديلات من حيث نوع الحرف ونمط الكتابة، وبناء الجملة لغوياً بما يتناسب مع نموذج المجلة المعتمد لدينا.
  • قرار  هيئة التحرير بالقبول أو الرفض قرار نهائي مع الإحتفاظ بحقها بعدم إبداء الأسباب.
  • ترسل البحوث وجميع المراسلات المتعلقة بالمجلة إلى:

cahiers.difference@gmail.com

cahiersdifference1@gmail.com

مواضيع العدد

من نحن؟

من نحن؟

مجلة دفاتر الإختلاف

Revue Cahiersdifference

دورية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مغربية- دولية ثقافية مصنفة ومحكمة

رخصة الصحافة رقم:2005/07

الايداع القانوني:2005/0165

 وتحمل الرقم الدولي المعياري/ISSN

 P-2028-4659

 E-2028-4667

المجلة حائزة على معامل التأثير العربي

 Arab Impact Factor

لسنة 2023 بمعامل  التأثير 1.22

وسنة 2024 بمعامل التأثير 1.83

وسنة 2025 لمعامل التأثير 1,88

كما تنتمي المجلة إلى قواعد المعلومات العربية " المنظومة" AL MANDUMAH

دعوة للنشر بالعدد 23

📢 دعوة للنشر في العدد رقم 23 ) 📢

يسر مجلة دفاتر الاختلاف   REVUE CAHIERS DIFFERENCE  المغربية-الدولية للنشر العلمي والأكاديمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغوية والتربوية والقانونية والشرعية، أن تدعو الباحثين والأكاديميين إلى إرسال أبحاثهم للنشر في العدد رقم 23 /يوليوز 2026

📌 مجالات النشر:

العلوم الإنسانية والاجتماعية (الدراسات اللغوية، الأدبية، التاريخية، الفلسفية، الاجتماعية، وغيرها).

جميع التخصصات التربوية (المناهج، طرق التدريس، الإدارة التعليمية، التقويم، التكنولوجيا التعليمية، علم النفس التربوي، وغيرها).

⚡ ما يمتاز به النشر في المجلة:

✔ نشر ورفي وإلكتروني واسع الانتشار

✔نشر وفق معايير علمية و أكاديمية رصينة.

✔ تحكيم علمي بمعايير دولية من قبل خبراء متخصصين.

✔ رسوم رمزية.