Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
5 juillet 2009 7 05 /07 /juillet /2009 11:43

من ملف العدد الثاني:

 

المرأة في بواكير الرواية العربية

 

                                                          بقلم: د السيد نجم

 

مع طلائع القرن الماضي (القرن العشرين) ومع بواكير الاتصال الثقافي مع الغرب، أصبحت المرأة قضية/مجموعة قضايا مصاحبة ومعبرة عن قضايا الوطن كله.. والمتابع لما كتب حول تحرير المرأة من مقالات وغيرها تتجلى له "المرأة" وكأنها تعبير عن قضايا الأمة كلها فى سعيها الى التحرر والبناء الجديد.

لقد طالب "رفاعة الطهطاوي" بتعليم المرأة ووجد السند والتأييد من الشيخ "محمد عبده" وغيره من المتنورين. كما طالب "قاسم أمين" وآخرون بالسفور حتى نجحت "هدى شعراوي" بتشكيل اتحاد نسائي اتجه الى العمل الاجتماعي العام.. ثم كانت المرأة فى التعليم العام والجامعة والمشاركة فى الحياة العامة، وحتى عملت فى قطاعات الحياة العملية المختلفة.

وفى الإبداع الأدبي (خصوصا الرواية) حظيت "المرأة" على اهتمام الروائيين, إلا أن التوقف أمام أشكال تلك التناولات لم يلق الاهتمام الواجب, إلا من خلال الفحص العام للعمل الروائي نفسه, وليس بالنظر البانورامي المكثف عليها وحدها. ذلك من خلال سؤالين:

"كيف تعامل الروائي مع فكرة توظيف "المرأة" في أعماله؟"

ثم "كيف بدت المرأة في بواكير الأعمال الروائية العربية؟"

.. يبدو أن الروائي العربي وجد في "المرأة" قناعا يتخفى خلفه لعرض أفكاره تارة، ولجذب القراء تارة، وللتمثل بالرواية الغربية تارة ثالثة، وفى كل الأحوال لم تكن "المرأة" فاعلة في غالبية تلك الروايات المبكرة من هذا الجنس الجديد الوافد من بلاد الغرب.. (مع قناعة بوجود بذور سردية للرواية بالنثر العربي، إلا أنه لم يكن على مواصفات وخصائص "الفورم" أو الشكل الروائي الوافد بعنفوان وفتوة)

لقد تبدت "المرأة في تلك الروايات المبكرة على عدة أشكال:

أولا.. من خلال العنوان.

*هناك كثر من كتاب الرواية يعد مغرما بإطلاق اسم امرأة على أغلب أعماله الروائية, مثل الكاتب "سليم بطرس البستاني"..الذي كتب: "زنوبيا", " أسماء", " بدور", "سلمى", " سامية".

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة , منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

الطريف أنه بالإحصاء إذا ما ضممنا الاسم الصريح لامرأة أو تلك الأوصاف الدالة عليها بعناوين الروايات التي كتبت في بدايات نشأة جنس الرواية وحتى عام 1949م.. لن تقل نسبة تلك الروايات عن النصف من المجموع الكلى للروايات المنتجة خلال تلك الفترة (تم الإحصاء عن ببليوجرافي الرواية العربية –د.حمدي السكوت 1995م).

*شغلت الرواية بالمرأة على أشكال ودرجات مختلفة, فلما نضجت الرواية في بعض الأعمال الفردية لبعض الروائيين, وكذلك بدت أكثر نضوجا على يد جماعة منهم حتى رسخت كجنس أدبي جديد على العربية (بالنظر إلى الشكل والمفهوم الغربي للرواية).

هناك بعض الروايات في الفترات الأولى للرواية, وربما حتى رواية "زينب", لم تكن أكثر من ترجمات لروايات أجنبية, وخصوصا من الأدب الفرنسي, وبدلا من كتابة ترجمة.. يكتب تأليف وهو المترجم في الحقيقة. تلك الروايات في الغالب يكون عنوانها نسائي. منها باسم أجنبي أو عربي.. باستثناء القليل ومنها "غابة الحق" للكاتب "فرانسيس المراشى".

*كما نالت الشخصيات النسائية التاريخية حيزا من اهتمام الروائيين, فكانت بعض الروايات التاريخية باسمها, منها ما يعتبر اختيارا مناسبا ومنها بهدف جذب القارئ.

بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*يلاحظ الدارس لموضوعات الروايات التي كتبت في البدايات الأولى والى مرحلة طويلة من بعد, غلبة الفكر الأخلاقي, مع إقحام أحكام الوعظ والإرشاد. إذن والموضوع أخلاقي فلابد أن تكون المرأة في حضورها المشوه والمتهمة دائما بأنها لعبة الشيطان.. كما في رواية "مديحة" أو "الشيطان لعبته المرأة".

لا يخلو الأمر من وجود بعض الأعمال (القليلة) التي تجد في المرأة رمزا للوفاء.. كما في روايتين تحديدا, إلا وهما "بثينة" أو "شهيدة الوفاء".. و"دولت" أو "الوفاء الأبدي".

 

*بعض الروايات ذات عنوان باسم امرأة ذات دلالة فنية.. كما كل الأعمال الروائية المستوحاة من التاريخ القديم, مثل رواية "زنوبيا" و"زنوبيا ملكة تدمر", و"إيزيس", وكذلك  ذات دلالة فنية مثل "أحلام شهرزاد" لطه حسين.

*إن كانت هناك بعض الروايات بأسماء نسائية صريحة, هناك العديد من الروايات تحمل صفات نسائية وتوحي بأن البطولة ومحور العمل هو امرأة, منها:

(قصة فؤاد ورفقة حبيبته" للكاتب "نخلة صالح "عام 1872م, و"بنت العصر" و"الفاتنة" للكاتب "سليم بطرس البستاني" عام 1875م و 1877م,  و"غادة لبنان" للكاتب "عبده ميخائيل بدران عام 1889م, و"شهيد الغرام" أو "ظبية طنطا" للكاتب "أنطوان غوش" عام 1894م, و"المرأة في الشرق" للكاتب "مرقص فهمي" عام 1894م, وغيرها.

 

..ثانيا توظيف المرأة من خلال المضمون الروائي

وقد مرت المعالجة الفنية للرواية بتوظيف المرأة على مرحلتين.. توظيف للمرأة (عن وعى وقصدية أو عن غير قصد) هو جعلها رمزا للوطن, فباتت المرأة في العديد من الأعمال الراسخة تعبيرا عن قهر ما أو الرغبة في التحرر من عدو ما, وأحيانا هدفا يلتف حوله الجميع, وتتعدد التناولات الرامزة.

ربما هذا الربط له مبرراته الموضوعية, حيث القرن العشرين هو قرن الاحتلال والتحرر للوطن العربي, ومع تصاعد صيحات الكفاح ضد المحتل, يتبلور التوظيف الرمزي أكثر للمرأة مع اتساق نضوج الكاتب والرواية نفسها كفن جديد. كما جاءت المرأة الرمز مع الوطن حتى بعد التحرر من الأجنبي. وكانت مرحلة الصراعات من أجل حياة أفضل من خلال الصراع الأيديولوجي والتغييرات الاجتماعية الطموحة هنا أو هناك.

لقد عبر الناقد السوري "شاكر مصطفى" في كتابه "القصة في سوريا حتى الحرب العالمية الثانية" عن هذا المدخل ص61 قائلا: "فمع تقدم الطبقة البورجوازية إلى زمام القيادة في المجتمع, تقدمت أيضا مثلها, ومبادئها الاجتماعية, فتطور تكوين الأسرة من الطراز الأبوي ... وظهرت المرأة بعض الظهور... لقد كان الحب خطيئة, فوجد من يدافع عنه, وكانت الحرية فكرة من الأفكار فوجدت السدنة أو الضحايا".

*نماذج روائية:

: رواية "عودة الروح" للكاتب "توفيق الحكيم" عام 1933م من أنضج الأعمال الروائية في حينه.. وكانت "سنية" رمزا شفيفا فنيا لمصر."سنية" فتاة رائعة الجمال.. أحبها الجميع, كل من حولها أحبها, وأعلن عن حبة, كل بطريقته وأفكاره وحيله. و....وفشل الجميع في الوصول إلى قلبها؟! الجميع اكتشف خيبة الأمل في تحقيق مراده, أعلنوا ذلك صراحة لبعضهم البعض .  فتجمعوا من أجل عمل مشترك يتجاوز أزمتهم و يعلون به هم حب سنية.. فاشتركوا معا في أحداث ثورة عام 1919م ضد المحتل الإنجليزي.

بعد الثورة تحرك قلب سنية, اتجه نحو "مصطفى" ممثل الطبقة الوسطى الجديدة, وهو التاجر في مدينة "المحلة".. ونجحت سنية في أن يعدل مصطفى عن فكرة بيع الدكان الذي يملكه لأحد الأجانب (وهو ما حدث و شاع بعد ثورة 1919م), ثم واصل عمله التجاري برضاء الحبيبة.

واضح التوازي والإسقاط معا بين قصص الحب والأحداث اليومية مع كون "سنية" هي مصر,  أو الوطن .

: رواية "زقاق المدق" للكاتب "نجيب محفوظ" عام 1947م, والتي وضعت "محفوظ" بقدم راسخة بين أقرانه ومن سبقوه."حميدة" من حواري القاهرة الفقيرة, فيها من القبح والرذائل ما كان في الحياة الاجتماعية بمصر بعد الحرب العالمية الثانية التي اكتوت البلاد بنارها. بها وفيها سقطت كل الثوابت والقيم بسبب الحرب.

ارتبط بها الحلاق "عباس", وبقيت كل الشخصيات تأكيدا لاكتمال الصورة (ربما صورة المجتمع المصري من خلال مجتمع الحارة), بينما لم تتعلق حميدة بعباس, كان تعلقها  بالسياسي القواد صاحب الملهى الليلي, لم تخرج من الحارة إلا للدخول في عالم فاسد (الملهى). فكان موت عباس العاشق من طرفه فقط مع بقاء حميدة, دليلا على عجز المحاولات الفردية لتخليص الوطن (حميدة). (ربما يكون الكاتب بعرضه هذا يتنبأ بثورة جماعية ويرفض الحلول الفردية, وهو ما قال به الناقد رجاء النقاش في كتابه "أدباء معاصرون" ص71.)   

: رواية "زينب والعرش" للكاتب "فتحي غانم", تعبر عن عدو مختلف, ورمز المرأة الوطن مختلف. كيف لا وقد خرج المحتل , المواجهة أيديولوجية فكرية إذن ؟! "زينب" المرأة الجميلة الطموح, خطط لها الأب قبل وفاته بأن تتزوج أميرا يقدر جمالها. تابعت الأم المهمة, زوجتها من الدبلوماسي بفرنسا, وهو ضعيف الشخصية فحققت معه الثروة ولم تحقق الحب و الاستقرار. على كثرة نزواتها لم تجد الحب والاستقرار إلا مع الصحفي الشاب "يوسف" بكل دلالات البراءة و الشباب المخلص لوطنه.

كما لعبت بقية شخصيات الرواية دورها البارز في تأكيد الجوانب الاجتماعية والسياسية لمصر, من خلال علاقتهم مع "زينب".. هي المحور الرئيسي إذن حتى بالنسبة لعم صالح (غير المثقف).

مع ذلك للكاتب رأي آخر في موضوع رمزية "زينب", يقول في حواره مع الناقد "حسين عيد" المسجل في كتاب" فتحي غانم الحياة والإبداع": " لقد قرأت للأستاذ الطرابيش, حين كتب عن شخصية زينب أنها تمثل مصر... فكما قلت أن العمل الفنى يكتمل بالمتلقي أيضا, ويقول رأيه ويفسره. ولكنى, عندما أكتب الرواية أقصد امرأة من لحم و دم, أما أنها تحولت إلى رمز عند المتلقي.. فهذا أنا لا أقصده مباشرة".

: روايات "ريح الجنوب" و"نهاية الأمس" و"بان الصبح" للروائي "بن هدوقة" الجزائري. ترجع أهميتها في أنها تمثل ثلاث مراحل من كفاح شعب الجزائر من أجل التحرر من المستعمر الفرنسي.. كما تعرض لمراحل التطور الاجتماعي هناك. ماذا عن المرأة إذن وكيف دللت بالرمز؟

"نفيسة" ترفض الزواج من "مالك", لكنها لا تستطيع التعبير أو التصريح بهذا الرفض, ذلك بسبب البناء القيمى في المجتمع والأسرة, فالأب هو السلطة التي تأمر فتطاع مهما كانت النتائج أو الآراء المخالفة.. (في رواية ريح الجنوب)

"نعيمة" تقابل القرار نفسه , من الأب المسيطر , لكنه هذه المرة قرارا بالقتل! يظن الأب أن ابنته حملت سفاحا, بلا أية رغبة أو محاولة للتأكد مما يعتقد قرر قراره. يسحبها من القرية وفى اللحظة الأخيرة تتضح الحقيقة ببراءتها. أما وقد قرر الأب أخيرا أن يعدل من فكرة القتل , قرر قرارا مستبدا آخر, إلا وهو حرمانها من متابعة دراستها بالجامعة. لتبقى المرأة رمزا للاضطهاد والظلم ..( في رواية بان الصبح)

"رقية" تواجه العالم كله, وتشعر بالمقت من الحياة نفسها.. وكيف لا وقد عصفت الحرب بحبها الحقيقي, بزوجها وراعى أسرتها, وعليها أن تتحقق حتى يتحقق لأولادها الحياة الكريمة .. المرأة رمز للمقاومة والصمود أمام الحروب والقسوة بكل أشكالها مع الحفاظ على أبناء الوطن والأجيال الجديدة أو المستقبل.. (في رواية نهاية الأمس )

تلك النماذج المحدودة من الرواية العربية جعلت من المرأة رمزا.. إن عمدا كما هو واضح في البعد الفكري في رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم, وأصبح غير مباشر في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ وذلك لغلبة البعد الاجتماعي على الرواية, أما فتحي غانم فقد رفض تعمد الرمزية في روايته زينب و العرش, ثم جعل بن هدوقة المرأة الضحية وسيلته لاقناع القارئ والوصول إلى أهدافه. وفى كل رمزية الوطن مباشرا كان أو غير مباشر.

*أما المرحلة الثانية لتضمين المرأة فنيا في الرواية العربية، فقد جاءت مع نضح العمل الروائي ورسوخه، مع تعقد المعطيات الفكرية والأيدلوجية وتوظيفها. نلتقط منها علاقة الإنسان العربي مع "الآخر"، وهو ما تجلى بعد الممارسات الواقعية، والاحتكاك العملي بين العربي/ والغربي.. وجل تلك الأعمال الروائي، كتبها روائي عاش في بلاد الغرب طالبا للعلم، أو للعمل الوظيفي بها.

فمنذ بداية انفتاح الإنسان العربي على الحضارة الغربية, و "الآخر" محل البحث والسؤال. فبدا الروائي وكأنه المنوط بالبحث أكثر من غيره مع نضج جنس الرواية بالقرن العشرين. لم يهمل "الآخر" والصراع معه , من حيث هو المستعمر العسكري و السياسي و الثقافي, بل من حيث هو داخلنا يعبث فى عقولنا.. فكانت جملة الأعمال الروائية التي تتصف بالنضج الفني و الفكري معا.

سوف نتخير بعض الأعمال الروائية التي يبدو وكأن كاتبها وضع الآخر أمامه , بعدا فنيا لصياغة روايته. هذا لا يعنى وجود العديد من الروايات غيرها, سواء من الناحية الزمنية وما نشر قبلها..أو بعدها, خصوصا مع أعمال جيل أدباء الستينيات من القرن العشرين, حيث أصبح للآخر دلالة البحث فى الواقع المعاش القريب , ليس ذاك القاطن خلف البحار. بل ومن الناحية التقنية التي سعى البعض فى التمرد على الآخر صاحب الشكل الروائي المميز لذاك الجنس بالبحث عن شكل و تناول بديل كما فى الروايات التي اتخذت من التراث النثري العربي إطارا لبث الأفكار المختارة الجديدة.. وغير ذلك من الجوانب.

.. وعلى الجانب الأكثر بعدا عن التناول المباشر للعمل الروائي، ترى كيف بدت "المرأة" في تلك الأعمال، من خلال تناول بعد فكرى/أيديولوجي/وربما نقدي ما؟

لتكن الرؤية المختارة هنا "دور المرأة مع الرؤية للآخر في الرواية العربية"..

أولا: الآخر.. في عقولنا. (رواية قنديل أم هاشم/ يحيى حقي)

تعد تلك الرواية من أولى الروايات الناضجة فنيا, التي جعلت من الآخر هما يجب البحث فى حقيقته. وقد أصبحت مصر والعالم العربي على أعتاب معطيات ومفاهيم جديدة, نظرا للتوجه العام والخاص بالتعرف على الحضارة والثقافة الغربية عمدا.

انقسم المثقفون خلال العقود الأولى من القرن العشرين الى فريقين.. مجموعة ترى أن الأخذ بمفاهيم وقيم وسلوكيات أصحاب الحضارة الغالبة(الأوروبيون) هو الخلاص الفردي و الجمعي.. بينما ترى مجموعة أخرى بضرورة التمسك بكل ما هو سلفى قديم إسلامي أو عربي.. فيما رأت مجموعة ثالثة (الأقل عددا) الأخذ بما فى الجانبين من فاضل وصالح.وكانت تلك الرواية التي تعبر عن رأى العامة و الخاصة .

عندما عاد "إسماعيل" من أوروبا متعاليا بعلمه (فى الطب) على بيئته البسيطة الفقيرة.. أعلن تمرده, وزاد من غضبته حتى أنه ذهب الى مسجد "السيدة زينب" وكسر قنديل المقام.. بينما العامة تأخذ من زيت القنديل وتستخدمه فى علاج مرضاهم.. منهم "فاطمة" قريبته والتي تربت فى بيت أبيه. فتولت الجيران مهمة الانتقام بعدم الذهاب الى عيادته. فلجأ الطبيب الى "العلاج الشعبي" وينجح فيما فشل العلاج الأوروبي فيه, شفيت فاطمة.

يبدو أن الروائي يتبنى فكرة..لا خلاص بدون البحث فى أنفسنا وعقولنا نحن أولا وليس أخيرا على كل حال, فقد كتب الروائي فى سيرته الذاتية يقول:".. واسم إسماعيل أخذته من اسم صديق لي, كان يمثل فى نظري محاولة المزاوجة بين الشرق والغرب".

ثانيا: الآخر..المستعمر بكل أشكاله (رواية عصفور من الشرق/ توفيق الحكيم)

كتبت تلك الرواية عام1938م, وهى قريبة من زمن كتابة الرواية السابقة , مما يشير الى سخونة وحيوية القضية فى تلك الفترة. عالج الحكيم أفكاره برومانسية بسيطة, وقد عرض فيها كذلك العديد من المذاهب السياسية والاقتصادية حتى ظهور التيارات الفاشية والنازية الجديدة هناك.. فكانت دعوته الرافضة للغرب بكل أشكاله..أما البديل فهو الإنساني الروحي والمتمثل في التراث الشرقي بديلا.

من الطريف أن يكون "الإهداء" ( الى حامينى الطاهرة السيدة زينب), وهو نفس "المكان" بالرواية السابقة. وان كانت الرؤية الدينية هي الأساس, فلا يعنى ذلك الاعتراف الصريح من الروائي بجملة الطقوس التي تمارسها العامة..أي أن الكاتب يتبنى الجانب الفكري فى التناول بالأخذ بجوهر الروح و الجوهر دون الشكل البسيط المباشر.

صحيح كان "محسن" حائرا (حيرة الشرقي فى تلك الفترة), وتأكيد ذلك الجانب, عرض الروائي العديد من الآراء والأفكار من خلال الصديق الروسي "ايفانوفتش" الذي وجده يقرأ فى التوراة والإنجيل والقرآن. وقد اعترف الروسي له قائلا: "أريد أن أعرف.. كيف استطاعت هذه الكتب الثلاثة أن تعطى للبشرية راحة النفس".

بالرغم من المعطيات الأوروبية الثقافية والحضارية في الآداب والموسيقى والعمارة و غيرها, بقى الحكيم (أو محسن بطل الرواية) رافضا له لأنه المستعمر.

ثالثا: الآخر.. والعودة إلى الأنا/الواقع (رواية موسم الهجرة الى الشمال/الطيب صالح)

أبرزت تلك الرواية المواجهة مع "الآخر" على محورين: الشرق الأفريقي في مقابل الغرب الأوروبي, وكذلك الإنسان الأسود فى مقابل الإنسان الأبيض بكل الدلالات الإنسانية والثقافية.

فلم يكن الشكل الدائري للتقنية الفنية للرواية إلا البحث عن هدف فكرى ممزوج بطريقة التناول

سافر "مصطفى" للحصول على الدكتوراه من بلاد الغرب, ويعيش الحياة هناك بكل أبعادها الإنسانية.. وكان "الجنس" هو الشكل الغالب على علاقات البطل, حيث تزوج من أربع فتيات, انتحر ثلاث منهن و قتلت الرابعة! لم يكن الجنس سويا كما علاقة الأزواج, ولم يكن البطل يمارسه إلا من أجل تأكيد دلالة السيطرة والمقدرة, فأصبح لاستخدام الجنس توظيف فني عالي.

لم تنته الرواية بعد تنفيذ حكم السجن على القاتل "مصطفى", لم يغضب, بل اتجه الى قريته تحديدا كي يلتقط أنفاسه و يبدأ من جديد بالزواج من ابنة القرية "حسنة بنت محمود". فلما مات البطل غريقا وحمله النهر(رمز إيزيس الأسطوري), رفضت الزوجة الزواج من العجوز "ود الريس" بل قتلته, وقتلت فيه كل القديم من عادات و تقاليد. 

تشارك تلك الرواية الروايتين السابقتين فى مسألة العودة الى الوطن, وأضافت الرفض الواضح و الصريح للآخر..وللقديم البالي أيضا.

رابعا: الآخر..  سؤال متجدد (رواية نيويورك 80/ يوسف إدريس)

وهى رواية حوارية, نشرت بجريدة الأهرام عام 1980م, وقد غلب الحوار عليها بحيث عبرت عن قدر التساؤل والحيرة التي لم يحسمها الروائي فى النصف الثاني من القرن العشرين.

الحوار بين "هي" التي تعمل معالجة نفسية, و"هو" العربي الذي يزور المدينة الأمريكية للسياحة. كلاهما مجهول الاسم, لا يهم الاسم, المهم أنه يعبر عن رفضه لاقتحام "هي"له ومطاردتها له فى المطعم و الفندق كي تمارس الجنس معه..هكذا . ومن خلال رفضه حيث يقول: "خلاص انتهت عندكم القيمة تماما فى نيويورك حتى لم يبق إلا الدولار قيمة, والمتعة الأنانية الذاتية هدف...".

"هي" ترفض المنطق الشرقي, ليبدأ الحوار, وتقدم الأسعار التي تناسبها, تماما كما تفعل :"اللاتي يحملن السم فى حقيبتهن لابتلاعه إذا ما تعرضن لهجمة من شرطة الآداب".

تتهمه بأنه معقد نفسيا ولا تفقد الأمل فى تحقيق هدفها, لأنها تعتقد أن السبب الحقيقي لرفضه المال المطلوب, فيعلق "هو" قائلا: "متى يا إلهي تعطى بعض الرجال شجاعة البغايا".

تبدو وجهة نظر الروائي للغرب (الآخر) وكأنه لا يرفضه تماما, فيبدو متعاطفا مع قباحة ما تقدمه بقدر أطلق عليه صفة الموضوعية والعقلانية.. وليبقى الآخر عنده محل متابعة وقابل للقبول على درجة ما. الرواية إذن قدمت توجها آخر ليبق "الآخر" محل السؤال متجددا!!

وبعد..

هل استكملنا صورة "المرأة" في الرواية ؟ لم نستكملها. وما أحوجنا الآن الى الوعي بعدو خفي/ ظاهر يستهدف ركائز ثقافتنا العربية/ الإسلامية تحت مفاهيم العولمة وقد كشفت عن وجهها القبيح خصوصا فى توجهها نحو افتراس ثقافة الشعوب. حان وقت العمل الثقافي والمثقفين للمواجهة وكشف الأدوار الخفية هنا أو هناك. والمرأة كأداة فاعله بذاتها، ومفعول بها بأقلام المبدعين، لها دورها المحوري الهام.

 

 

Partager cet article

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية