Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
2 mars 2013 6 02 /03 /mars /2013 23:11

عبد النور إدريس والقصة القصيرة
جدلية الذات والموضوع في ترميز الأدب
فريد أمعضشـو
عبدُ النور إدريس أديبٌ مغربي متألق سجّل حضورَه الوازن، وما يزال، كباحثٍ جادّ في مجالات عدة، أبرزها التأليف عن الأدبِ النِّسائيِّ إبداعِه ونقدِه. وقد صدرت له أول دراسة في هذا الإطار، عام 2004، بعنوان الكتابة النسائية .. حَفرية في الأنساق الدالّة ، وأعْقبتها ثلاثة كتب أخرى عناوينُها، على التتابُع، هي الرواية النسائية والواقع 2005 ، و دلالات الجَسد الأنْثوي في السرد النسائي العربي 2006 ، و النقد الأدبي النسائي والنوع الاجتماعي الجندر 2011 ، فضْلاً عن مقالات نقدية عديدة نشرها، ورقياً ورَقمياً، في المجال نفسِه. وهو، بذلك، يعدّ من باحِثينا الذين أسهموا في سدّ جزء مهمّ من الخَصاص الذي تعانيه المكتبة الأدبية العربية في خانة نقد الكتابة النسائية. وللكاتب أبحاثٌ رصينة في المجالين السوسيولوجي والتربوي كذلك؛ منها ميثولوجيا المَحْظور وآليات الخطاب الديني 2005 ، و سوسيولوجيا التمايُز ظاهرة الهدر المدرسي بالمغرب 2008 . وله في الأدب الرقمي وأشكال التعبير الجديدة كتابٌ قيّم عَنْوَنَه بـ الثقافة الرقمية من تجليات الفجوة الرقمية إلى الأدبية الإلكترونية ، صدر بمكناس عامَ 2011. ولم يقتصر الإنتاج الفكري لعبد النور إدريس على مضامير الكتابة المذكورة، بل سجّل حُضوره، أيضاً، في ميدان الإبداع شعراً وحَكياً. فقد أصدر عام 2007 باكورته الشعرية تمزّقات عشق رقمي ، التي ضَمَّنها عدداً من التشظيات الهادفة إلى ملامسة جملة من الهموم والثيمات، وتناولها بأسلوبٍ في الكتابة ينطوي على كثير من مَياسِم الجِدّة والتجريب. وأصدر، في السنة نفسها، مجموعته القصصية الأولى بعنوان دالّ يوحي بالموضوعة المحورية التي تنشر ظلالها على امتداد صفحاتها، وهو ورثة الانتظار . وقد جاءت نصوص هذه المجموعة غنيةً بسِجلاّتها اللغوية، وبتناصّاتها المنفتحة على نصوص ومُتون إبداعية متنوعة، وبانزياحاتها التي وفّرت للشاعر إمكانات مهمّة للتعبير عن مكنونات الذات، ومعالجة أسئلة الواقع المَعيش، بمختلِف أبعاده، معالجةً لم تخْلُ من مُسوحات فكرية ظاهرة، لاسيما وأن المُبْدع يشتغل مدرّساً للفلسفة والفكر الإسلامي منذ سنوات.
وبعد أربعة أعْوام من صدور هذا العمل القصصي، نُشر لعبد النور مجموعة قصصية ثانية، بمكناسة الزيتون، ضمن سلسلة دفاتر الاختلاف ، التي يُشْرف عليها الكاتب نفسُه، واختار لها عنواناً عبارةُ جُمْجُمَتي .. وأنا 78 ص. من القِطْع المتوسط ، وهذا العنوان نفسُه هو عنوان إحدى قصص المجموعة ص 42 ــ 44 . وقد ضَمّت بين دفتيْها اثنين وثلاثين نصّا قصصياً موزّعاً بين القصير والقصير جدّا؛ بحيث جنّس الزُّّمْرة الأولى بـ انشطارات قصصية ، والثانية بالتعبير الاصطلاحي المنتشِر اليومَ على نطاق واسع بين عددٍ من مُبدعي القصة اليوم، ولاسيما الشباب منهم، وهو قصص قصيرة جدا . ويخرج متصفح أقاصيص هذه المجموعة، وكذا نصوص السابقة، بانطباع أساس حول اتجاه تحول الفن القصصي العربي اليوم، عبّر عنه الكاتب في المقدمة التي صَدَّر بها مجموعته الثانية حين أكد أن القصة، في مشهدنا الثقافي المعاصر، لم تعُدْ تتقمّص دورَ المنتقِد والكاشف عن عيوب المجتمع، كما أنها لم تعد تهتمّ بالتحوُّلات الاجتماعية المُتسارعة الإيقاع. لذا فقد تجاوزت مفهوم الذيْليّة للخطابات السياسية والإيديولوجية تماشياً مع الاضطراب الإيديولوجي الحاصل لدى المتلقي المعاصر، والذي جعل القاصّ يكتب أساساً لذاته مركّزاً ومكثفاً كلَّ أشكاله الذاتية في حكْيٍ لا يُهادِن المَعيش، ولا يضع في اعتباره أي مقوّم من مقومات قارئ نموذجي مُحْتمَل . ص6
مدارج الصمت
إن الاحتفال بالذات المُبْدعة وهواجسها وانشغالاتها وتجاربها وكينونتها بصفة عامة أمْرٌ يلمَسُه قارئ المجموعة الثانية بوضوح، والتي صِيغَتْ بآلياتِ كتابةٍ فعّالة حداثية تؤكد الحضور الوُجودي للمبدع، والانتصار لأنَاه في شتى تمظهُراتها، والدفْع في اتجاه فرْضه ذاتيتَه في المَحْكي وفي نفس السارد وطِباع شخصياته وعمقها الوُجْداني وسلوكاتها المختلفة؛ كما قال د. عز الدين نملي. والحقّ أن هذا التمركُز حول كِيان المبدع وذاته لم يُلْغِ التفات القاصّ إلى بعض قضايا الواقع في بُعْدَيْه الخاص والعامّ، ولم يمنَعْه من التطرق إلى جملة من إكراهاته واختلالاته وتحولاته وتجلياته المجتمعية والسياسية والثقافية والحضارية. وقد يكون هذا الجمْعُ بين التعبير عن الذات والموضوع» الواقع أوْضَحَ في القسم الثاني من المجموعة من ص52 إلى ص71 ، الذي حَوَى قصصاً قصيرة جدا فقط، عددُها سبع عشْرة، توزّعت بين ثلاث مجموعات داخلية وضع الكاتب لكلٍّ منها عنواناً خاصّا دالاّ ومُوحِياً.
شملت المجموعة الأولى قسمات تُغنّي جبل الجليد سبْعَ قصص تناولت مواضيع متنوعة، وعكست قسمات مختلفة، يتمَحَّضُ بعضُها للذات والآخرُ للواقع المَعيش. ففي قصته مدارج الصمت ، نقل الكاتب، بلغة مكثفة مشحونة، ملْمَحاً من العلاقة بين زوجين اختصما يوما كاملاً، فَصامَا عن الكلام، مُعَوِّضِينَه بالتعبير الصامت وبالإشارة التي لم تخْلُ من عواطف متدفقة بينهما. وتعرَّضت قصته لعبة برلمانية إلى واقع عمل المؤسسة التشريعية في الوطن العربي، وإلى عدد من كواليسه وحقائقه؛ وذلك بالاستناد إلى خياله الخَلاّق، وبالاستعانة بمدوّنات ورموز دالة محققة لمَقصدية المبدع العميقة. وتنصرف فكرة قصته الماتِعة لعبة الخراب إلى كشْف موقف قطاع عريض من أبناء الأمة العربية من السلام المزعوم بين العرب والإسرائيليين فيما يبدو، موظّفاً في هذا المَساق أحد الرسوم المتحركة الشهيرة لدى الصغار خاصة؛ إذ إن بطل القصة، وهو طفلٌ كان مولعاً بمُتابَعة لعبة القط والفأر من بين كافة الرسوم الموجّهة إلى الأطفال، وبتقليد شخصية ميكي ماوس حين لَعِبِه مع أقرانه، وتأكد له من ذلك العداءُ الراسخ بين الكائنين الحيوانييْن المذكورين. بيد أنه سيشْعُر، ذات يوم، باستغرابٍ يؤدي به إلى فقدان الثقة ومراجعة بعض أحكامه السابقة بشأن العلاقة بين العَدُوّيْن ، حين رآهما يتصافحان ويتعانقان في سلام وأمان وأطلق القاصّ العِنان لخياله المبدع، في نصّه إخلاص ، لحكاية حادث طريف مُثير، مضمونُه أن طفلاً منحوساً أو ممْسوساً كان إذا ذكر شخصاً باسمه فإنه يَلقى حتْفه هو، أو أحد أقاربه أو جيرانه، في اليوم الموالي ولمّا عاد أبوه عليلوش من سفرته أخبرته زوجته بذلك وهي تنتحبُ وتندب حظّها؛ لأن ابنَهما ذكر، قُبيْل عودته، اسمَ الأب، ممّا جعلها تجْهش بالبكاء خوفاً على فراقه وتَرَمُّلها. وفي الغد، لم يُمُتِ الأب، بل توفي جارُه
التحول الطارئ
وتحتوي المجموعة الثانية على خمس قصص قصيرة جدا، وعنوانُها غُرَف مُشْرَعة على الكائن المُتَكَوْثِر .. هذا الأخير هو ديك بَلْدي مرة، و ديك رومي مرة ثانية، و فَكْرونْ سُلَحفاة بالعامّية المغربية مرة ثالثة، و سعادة طُومْ مرة رابعة، و فْرُويْد مرة خامسة. ويثير انتباهَنا، ها هنا، الحضور البارز لرمزية الحيوان، والاستخدام المكثف للإيحاء وأسلوب التلميح في كافة نصوص هذه المجموعة الفرعية التي حاولت تشخيص جانبٍ من واقع الحياة الشعرية العربية اليوم، والتي أضْحَت تعجُّ بالمتبَجِّحين والمَزْهُويّين بكتاباتهم وادّعاءاتهم، وفي بعضها تلميحات إلى الواقع في بُعْده السياسي، الذي يأبى القاصّ مهادَنته. كما عكست، إبداعياً، حالات نفسية ومواقفَ ذاتية بلغة ترميزية مُوحية، تندرج في بُوتَقَة الكتابة التجريبية الحداثية التي أولع الكاتب برُكوبها في جملة ما دبّجته يَرَاعَتُه من إبداعات في القصة كما في القريض. ولعلّ مِن أنْجَح قصص المجموعة، وأكثرها براعةً في التعبير عن الذات وواقعها النفسي، نصَّه الموسوم بـ غرفة Freud الذي يعرض التحول الطارئ لبطله بين لحظتي الدخول والخروج من تلك الغرفة، بطريقة تعبيرية متفرّدة، ولاسيما في توظيفها الألوانَ ولعبة الأرقام ذات الحمُولة الدلالية الواضحة في القصة. فقد لعبت هذه الأرقام، على حدّ قول الناقد المصري محمد عطية محمود، دوراً بارزاً في تأويل النص، وإكْمال مساحات فراغِه التي لا تكاد تلحظ في نسيجه المتوتر، المشحون بالقلق النفسي. كما لعبَ اللونُ دوراً هامّا في تشكيل خَلفية النص، والإيهام بالحالة التي ربّما تشبّعت بهواجس المَرَض، وانطلقت تُعاقر وتحاول اصطياد اللحظة التي تكثفت ولاحَتْ لها…
وفي المجموعة الأخيرة تجليات في علم السارد خمسُ قصص كذلك، يغلب على تيماتها الدلالية الهَمُّ الذاتيّ بصورة جَليّة، وأسئلةُ الكتابة وشُجونها، والتواصلُ والنشر الرقميان، ويسِمُ أسلوبَها ولغتها في التعبير استغلالُ الطاقة الرمزية لبعض الألوان، والبُعد الإيحائي لبعض الحيوانات، والركونُ إلى التكثيف والإيجاز والانزياح عن المعيار. فقد تحدث القاصّ، في نصه لون في علم السارد ، عن الكتابة والنشر في المواقع الإنترنيتية، مُشيراً إلى بعض ما يَطْرَحانِه من قضايا وأمور، وأكد، أيضاً، أن الإبداعَ القصصي حين يُنقل من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل بخَطِّه على الورقة فإن ذلك يكون بمثابة إعلان ميلاده الرسمي ، وفي الآن نفسِه يكون إعلاناً بـ موت المؤلِّف ؛ كما كان يردد، من ذي قبل، دُعاة البنيوية في أوربا ومنَظِّرُوها. وتنقل لنا قصة شَغَب رقميّ محادَثة خفيفة بين عليلوش وفتاة على الماسنجر ، مدارُها حول موعد العيد المنتظَر، وجرّهما ذلك إلى الحديث عن طعْم الأعياد اليوم، حيث ذكرت تلك الفتاة لعليلوش، عبر رسالة إلكترونية، أنها لم تعد مثل كثيرين من الناس تشعر بحلاوة العيد فأجابها بأن مردّ ذلك، بالأساس، إلى تقدُّمها في السنّ؛ مما أزعجها وجعلها تنسحب من الشات إثر ذلك مباشرةً، لأن كلامه ذاك لامَسَ نقطة حسّاسة لديها ولدى بنات جنسها عموماً وعبّر الكاتب، في قصته قرد دمنة ، برمزية واضحة، عن شُعور ساردها بالإحْباط، وعن تأسُّفه لعدم اعْتيادِه، مسبقاً، على التدَحْرُج من أعلى إلى أسفل بسلامة، وتمنّيه لوْ استحال إلى سلحفاة أو قنفذ حتى يمكنَه ذلك دون أن يعْلَق به شيءٌ من الثلج وتأكيده أنه بات غيرَ مُسْتطيعٍ ذلك، وأن كلَّ ما بمقدوره الآنَ هو التدَلّي وسط غرفته المُوصَدَة بابُها بإحكامٍ ليرى العالم مقلوباً ونرى في آخر قصص المجموعة كلِّها قاتل متسلسل شخصاً مستاءً منكسِراً أضْنَتْه نفسُه الأمّارة بالإغْراء بكثرة الإمْلاءات والأوامر، فقرّر إعْدامَها ببُرودة دم كيْما يتملّص منها إلى الأبد
إن القصة القصيرة جدا لدى د. عبد النور إدريس، إذاً، فنّ تعبيري مَرِن، عمادُه التكثيف والإيحاء، وبُغيتُه ترجمة إحساسات وهواجس وانشغالات إلى كائنات ورقية أو رقمية ليطّلع عليها القراء، وملامَسَة ظواهر ومظاهر مختلفة من الواقع اليومي ومن الحياة العامة، معبِّراً في الوقت نفسه، تلميحاً أو تصريحاً، عن موقف الذات منها. ولتحقيق هذه المقاصد، كان يعمِد المبدع، غالباً، إلى التوسُّل بطريقة في الكتابة مغايِرَةٍ، إلى حدٍّ مّا، للمألوف والسائد، تنفتح على أجناس أدبية وفنون أخرى، وفي طليعتها الشعرُ، لاسيما وأنّ من نصوص الكاتب القصصية ما يقترب أكثر من القصائد حتى لَيُمْكِن وَسْمُها بـ القصص الشعرية . وتستفيد، كذلك، من إمكانات التعبير الدالة التي توفّرُها الألوان والأرقام وقاموس الحيوان وغير ذلك؛ فجاءت جملة وافرة من قصصه كَبْسُولات حكائية رمزية، بعضُها موغِلٌ في رمزيته، استطاعت وضْع الإصبع على عدد من مواطن الاختلال في الواقع المعيش في السياسة والمجتمع والثقافة ونحْوها، دون أنْ تُغفل، طبْعاً، نقْل كثير ممّا له صلة بالذات المبدعة؛ كما تأكّد لنا ممّا سلف ذِكْرُه.   

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
26 octobre 2012 5 26 /10 /octobre /2012 19:23

من اللَّيْس المقلق للامتداد والاختراق إلى قلق الاغتراب

قراءة سيميائية في ديوان معلقة باريس للشاعر عبد الله الطني

بقلم : د.عبد النور ادريس

"إن مهمة الشعراء هي أن يكونوا حراس السر إلى يومنا هذا" بوفري

 

1-   تقديم : سؤال الشعري في جُبّة الفلسفي

هل يمكن تفجير هذا القلق الوجودي الذي بنتمي إليه شعر الشاعر الفيلسوف عبد الله الطني وهو يغني اغراءات باريس.

هل الشعر عنده يستنشق نفس الهواء الذي تتنفسه الفلسفة ؟

هل يمكن أن يصب نهر شعره الحالم في نفس بحر الفلسفة العقلانية وتُغرقه أكاليلها المنطقية في نفس الحلم المشترك ونفس السؤال الذي يعشق الامتداد؟

أن تقبض على اختراقات الشعر للذات والكائن ، أن تعبُر امتدادك حلما، هو أن تقبض على المصير الماكر للوجود، أن تبني حقيقة الشعر على الحلم فقط والخيال الجامح هو أن تؤسس لعلاقة التضاد بين الشعر والفلسفة إلى حدود قيادة التضاد بينهما باتجاه القطيعة.

أكيد أن الشعر والفلسفة من طبيعة مختلفة لكن مظاهر الوجود ماتزال تؤسس لعدم الفصل بينهما، هذا التواشج الفكري الذي يقول مظاهر الحياة وظواهر الوجود نجده في شعر عبد الله الطني متسربلا بتطلعات الحلم والخيال بما هو تاريخ الشعر ممزوجا بنكهة ترسم الإشكال على الحدود الفاصلة بين دهشة السؤال عن الوجود ، وبين ما يحدد شروط علائق الفلسفة كحقيقة منطقية واجبة بذاتها.

ماذا يحدث

لو أن الحُلم الغامر مثل النهر

يُسرج عينيه ويحمل صاحبه نحو عوالمه

طولَ العمر وعرضَ الشعر

فلا يصحو

(معلقة باريس – سرنمة البعث ص: 9)

قد تجد الشاعر هنا يدغدغ الوجود عبر اللغة لكن الحكمة هنا تفيض على السياق اللغوي وقد تواطأ الشاعر مع قوى الحلم لينسج لنا خيطا ناظما لنفس الواقع غير القابل للتجزيء بين الحلم والواقع حيث يمتزجان  في القصيدة بشكل أثيري يحكمه الافتتان بهما معا،

ماذا يحدث

لو أن رؤاكم

أيها الغرباء

توزعت مُدنا

فوق الأرض

وصارت أحلامكم

بالنهار المضيء حمامها

(سرنمة الرؤيا ص: 15)

2-  من قول الوجود إلى تسمية المقدس

لغة الشعر الحالمة لاتخون لغة الإله لأنها قريبة من لغة السماء، هكذا يتجلى القول الشعري عند عبد الله الطني فيحيل تارة على الفكر ، وتارة أخرى على تمظهراته، وهما معا تضافرا داخل الديوان ليحيلان على ماهو مفتوح و متجاور مع الذات، فكل من الشعر والفلسفة ينقشان وجودهما عبر اللغة ، وإن امتزج الحلم بالخيال ، بالواقع في الديوان فإن الانحراف الدائم الذي نرصده هنا يتجلى من خلال تواجد ما يقارب 22 علامة استفهام مصحوبة بعلامة التعجب مبثوثة في الديوان لتأسس عالم الأجوبة التي تحفل بها العوالم المعطاة وهي تعتنق مدينة أقل ما يقال عنها ، أن من زارها قد ينال حصته من الجنة ، إن قلق السؤال الشعري يلقي بظله في النص باعتباره أصلا تدرك من خلال السؤال وتبرر وجوده ، فهو بالمفهوم الابستمولوجي للكلمة يشي بحقيقة مقدسة تصدر في الديوان كحس صوفي بالأمكنة، إذ للأمكنة عشقها المدمر ، والشاعر وحده قادر على تحديد أبعاد هذا العشق متوحدا مع العالم بأبعاده الأربعة : الآلهة والانسان والمكان والزمان....

3-  شاعر المعلقة شاعر السر

تعتبر الفلسفة دوما حارسة عرش الحقيقة والناطق الرسمي باسم أنماط استعراضها على شكل معقولات ، ومن هنا يمكن طرح السؤال مجددا على طبيعة العلاقة القائمة بين الشاعر والفيلسوف ، فهل مارس صاحب معلقة باريس الفلسفة بوصفها حالة شعرية أم بوصفها أشكال التحقق المتولدة عن مكان " هو باريس هنا " تُدرك عبره باعتبارها تأثيثا أوليا للعناصر التي تعطي للقول الشعري بُعده الجمالي القادر على صياغة القيم الفلسفية وفق رؤى تتحدد من خلالها الإرغامات المعرفية .

إن الانتقال من البنية الفلسفية للديوان إلى البنية الشعرية لا يحدد الألوان الثقافية لكافة النصوص، بل إن ما يحدده هذا الانتقال يؤثر بشكل واضح في الوقع الجمالي الذي نستشعره من متعة الإحساس بجاذبية المكان ونحن منخرطين في عملية التلقي.

من أخبر باريس

بأن ميلاد القصيدة

يبدأ من عينيّ

وإذا أمست شجرا

تاهت عيناي بغابته

فكتاب الأشجار لا تأويل له

وأجمل ما فيه التيه

فرمت حولي

من أول نظرة ولقاء

غابات وشباكا تاهبها ولهي

(ألواح لاديفونس ص: 86)

إن التحققات المتنوعة للقيم الثقافية داخل النص تخلق سلسلة من الأشكال الوجودية الخاصة بقيم لا يستسيغها منطق النص الشعري إلا من خلال حضورها بفضاء شاعري لكنه أكثر واقعية من وصفه ، قد يمنح لهذه القيم أبعادها الزمنية.

كان إبفيل شاعرا ينام قرونا

بمغارة هيرقل بكف البحر

منذ خسوف مجرتنا الأولى

يحلم فوق وسادة طنجة

تعلوه سوالفها

يحلم بالتحليق بعيدا

نحو كواكب لا نعرفها

(معلقة إيفيل ص: 79)

وإذ أن قيمة العالم تكمن في التأويل الذي نمنحه له كلما تجلّى مُسقطا الواقع في حبائله الشعرية ، فإن تناقضاته الداخلية لا تستجيب إلا  لإمكانيات الخرق التي تفرضها الرؤية الفلسفية على السياقات العادية ، هكذا نجد أنفسنا في نصوص ديوان معلقة باريس أمام ترسيمة أساسية " الشعر- الفلسفة" التي تنشحن راضخة في وقائع ملموسة انطلاقا من وجود تموجات نفسية ماتزال تفرض على طول الخط الشعري داخل الديوان سلسلة إرغاماتها على قواعد البناء الشعري بصفتها سندا لكل التحولات على صعيد التجلي الدلالي.

آه لو كانت

هضبة فيمي Vimi

تُنطق

وينطق فوقها حزن الشجر

وتنطق التربة

من فرط الارتواء

والدماء التي ما جفت بها

رغم الذي

تهاطل فوقها

من مطر

(بعقدك بصمات من ماضي دمي ص: 97-98)

ثم يقول :

قال أنين الأرض:

هنا يرقد أسلافك

من أجل فداها

أوَ تسعُ وستون عاما مضت

ولا زال لباريس بريق

يأتيها الدهر عشقا وقهرا

بالأرواح وبالمُثُل

(ص:100)

4-  عندما ينتج سؤال الذات امتداداتها الممكنة

يرتكن التأويل بجانب نص " ماكنت لألقاك" الذي يبني استراتيجيته وفق العوالم المخيالية المنبثقة عن مرآة السؤال التي تعكس في نفس الآن سؤال الوجود وسؤال الذات.

قد ندفع بالتأويل إلى رصد معنمي لا يستقيم أودها إلا من خلال تحقق خاص ، فما تُخبرنا به القصيدة ليس انشطارات ذات تحقق رؤى عامة وليس انكسارات الآخر تحقق مبادئ غربة عامة ، وإنما يتم الاخبار بما يتسلل إلى ذات الشاعر المنكتبة ، إلى ذات النص المكتوب من انكسارات هذه المدينة الغاوية التي تقدم العشق المُتاح وتتجوهر في كينونة الزوار حيث تُطوى امتدادات الكائن .

فأين يقع المستوى الشعري من عملية انتاج الدلالة الفلسفية داخل النص الشعري الذي لا يشكل سوى لحظة التوسط بين تجلي المعاني على شكل محافل أولية ، وبين الصيغ التجريدية التي تُلخص البناء النفسي للشاعر وهو يتلقى وجوده المتشظي على شكل عشق ، ما إن يضع محافله النهائية " أشرف وإكرام" على أبواب الحياة حتى يصبحان مسارات مرتحلة في فعله الوجودي، كما يحدد حفيده " فارس" الدلالة الوجودية القصوى التي تتركها ذات الشاعر في الوجود المفارق وفي الامتداد الآخر .

ما كنت لألقاك

لو ما سبق العين إليك

أول البراعم من جسدي

لألقاه أزهر بين يديك

(" ماكنت لألقاك" ص:44)

وكأن الدم بعد تسع وستون عاما ما يزال حاضرا في مجرى التاريخ يذلّ الشاعر قهرا وحنانا ، ويُقتّل الأبناء عشقا .

قلت سمّه قهرا

أو موتا- لا يهم-

فمن قهر باريس ما أذل

ومن عشق باريس ما قتل

(ومن عشق باريس ما قتل ص: 100)

ثم يقول الشاعر في ديباجته بالصفحة الثانية والثالثة :" وإن كنت قد وُلدت مرات ومرات في عوالم وأماكن لا أعلم عددها جميعا ولا أزمنة الولادة فيها ، فإنني أعلم آخرها لحد الآن، وهي ولادتي الجديدة في باريس من خلال حفيدي وامتدادي بها فارس"( ص:2)

5-  هسيس الوجود يجوهر المكون اللغوي

أن يكون للشعر قيمة فنية معينة هو أن يأتي من الداخل، فلعبة الداخل تعرف تدليلها من الكون الشعري لعبد الله الطنّي الذي تعتبر جملته الشعرية من أنقى الجمل الشعرية والتي تبدأ فيها الجملة الشعرية ثورتها على علامات الترقيم ليصبح المعنى دائريا يتجاوز حجم وامتداد المعاني المعروفة والمبثوثة في البناء النصي الشعري.

إن النمط الشعري الذي يحدد التمفصلات المعنمية الكبرى التي أقام عليها عبد الله الطني هيكله الفني لعدد من قصائد الديوان محكومة بخلفية المتلقي من حيث ما وضعه فيها من خصائص يستطيع القارئ تحديد تقاطعاتها الدلالية ، خاصة وهي تدفع بالإمكانية القصوى لتأويل الجملة الشعرية انطلاقا من الحياة التي تبثها الصور الشعرية المتخيلة والمنسوجة بإتقان في حنايا النصوص التي تمنح العين مدركاتها ، وهي خصائص أسلوبية امتازت بها قصائد الديوان حيث تستورد اللغة سلسلة لا متناهية من الجمل الفنية لتَصْدُرها لوحات فنية تحتوي على درجة متقنة من مقروئية هذا العالم الذي يدور عبد الله الطني في فلكه، وتتجلى تلك السيولة التي للمكان في توأمة الانشطار والتلاحم الذي يربط الشوق بالموت وهي لوحة يعانق فيها الشوق الألم ويترنم في هذا التناسب بمقتضيات ما تفرزه اللحظة الشعرية من متعة وقلق وهي لوحة الثانية من قصيدة " ما كنت لألقاك" وهي تنفذ أحكام الطبيعة لتتحول متشرنقة من الأب إلى الإبن إلى الحفيد ولكل التحول الأزلي للعناق الممكن بين الشوق والموت .

وينحو لأبراز الإمكانات المحتملة للمتخيل كي يجدد في السياقات التي تستمد قوتها من رؤية الشاعر لنفسه ولمجتمعه على صفحة مرآة تستطيع أن تجعل المحفل الشعري بوابة لفعل  تم تغييبه وهو الفعل الشعري الذي يملك صلاحية تغيير أدواته ولغته ورؤيته كي يجعل الكلمة الشعرية أداة تواصل ومعرفة.

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
15 juin 2012 5 15 /06 /juin /2012 03:17

الاغتراب والازدواجية في شعر عبد الله الطني  "مقامات الوله "نموذجا

بقلم الشاعرة مالكة عسال

  1ــ مقدمة :

المبدع بطبعه خلاق ،ينتج أشياء غير مألوفة تدهش المتلقي وتصيبه بصدمة كهربائية ،والإبداع بجميع أشكاله فنا تشكيليا أو موسيقى أو رقصا أو غناء  أو سردا أو شعرا ،وغيرها من فنون الأدب   ..هي إفرازات أتى بها مخاض عسير من دواعيه  مواجهة المبدع  واقعا هشا  يزخر  بأشياء غير مرغوب فيها ،حيث أن الذات الحالمة  ساعية وراء أمل مشتعل  من أجل التغيير بالبحث عما هو أرقى وأمثل ،ومن أجل ولادة جديدة تركض خلف هلاوس وهواجس  وأحلام، تتوحد معها لتخلق الكمال المأمول والصورة الصافية اللألاءة  لها  وللنفس والكون معا ...

وقد كان للشاعر عبد الله الطني نفس الرؤية  في مجموعة من دواوينه  والتي وقفت على أحدها المعنون ب "مقامات الوله "

2ــ اللوحة

أول مااسترعى انتباهي  اللوحة بخصائصها الفريدة ،صورة الشاعر على إحدى دفتيه ،يحيط بها لون أسود يخترقه شعاع ضوئي  ،يحاديه اللون الأحمر ،وفي الناحية الأخرى بقعة ضوء محاطة بنفس الألوان، والشاعر يوجه  نظرة مستقيمة في شرود ..فالنظرة الشاردة لها  بعد  دلالي رمزي /التأمل والتفكير  بعمق في الكون والوجود والذات  متجاوزا النظرة الحدودية إلى ما هو أقرب وأدنى  ،بنظرة شاسعة عميقة لها أبعاد ..وهذه الرؤية لم يعبر عنها في اللوحة فقط بل وحتى في الشعر  حين يقول :

قلت لذاك الطين

أنا أرفض ضيق الحدود

وفقر الوجود

ص: 67

واللون الأسود الذي يكتنف دفة الغلاف  بكامله تقريبا ،تعكس سراديب النفس وما تتبطن به من    غمّة وضيق  ،والفجوة الضوئية  البيضاء المحاطة بالأحمر  هو ذاك الحلم أو الأمل  /الحبل السري  الذي يعتصم به الشاعر كي يحيا ويستمر ...

3ــ التيمات

المتصفح للديوان يجد أن جذبة الشاعر غير المستقرة ،واضطرابه النفسي إزاء ما يجبل به من هموم ،وما يحس به ويعتريه  من محنة وعيه  بالأشياء ، قد حرك  فطرة الشاعر وحسّه وفكره ليخلق له عوالم يسكن إليها  ، فجاب سراديبها عالما عالما.. سأتطرق إلى  بعضها ولكن أركز بالخصوص على تيمة كانت صاحية ومهيمنة بشكل ملفت ألا وهي تيمة  الغربة والازدواجية والتي تهيمن جليا كما سأوضح  في فصل خاص بشكل مختزل طبعا . 

 **ـــ العالم وصراع الذات

فالعالم بأسراره وأشيائه المتنافرة بسراديبه المعتمة  يقف منتصبا في وجه الذات الشاعرة ، يحاصرها  بالمنبوذ والمكروه والممنوع  وغير المقبول  ،فتسمو بأحلامها  إلى ماوراء الواقع  بخيال مجنح لتحقق ذاك الحلم ،والمأمول به من جمال وكمال في صورة مطلقة ،والنتيجة أن الذات  تصبح عاجزة  لاهي راضية بواقع مغبون مشقوق الصدر ،تنتابه العلل والأسقام ،ولاهي باستطاعتها التغيير ،يزلزلها الأمر، فتتمزق وتنشطر ويختل توازنها ،ولاتجد من ملاذ غير الإبداع كمرآة حقيقية تعكس عليها حلمها الظامئ  ...يقول:

 

ومرآة لاتعرف إلا وجهي

ذاك الخارج من طينته الأولى

تعكس تيه الأبعاد البدئية

أحمل مشكاة الوحدة والشعر

ص:6 وص:7

فالشاعر يفحص الكون بعين التأمل وقراءة معاني الوجود ،فيرى أن كل ماتقع عليه عيناه مجرد سراب وتيه  ،وأنه بين هذين العنصرين غريب ...وهي خبرة تقوم على أساس القلق والخوف من جهة ،والشك وانعدام اليقين من جهة أخرى ،فالشاعر لايثق في نفسه  التي عاسرها  فهْمُ الواقع ومجرياته ،ولايثق في الكون   وتغييراته وتحولاته ،حيث أن عناصرَه لم تعد في أمكنتها العادية ،تتناسل بالمُتعب ،والجارح والمؤلم ،فيغزوه الانفعال ويشتد حين تقف الذات الشاعرة على حافة السؤال ولن تجد له جوابا ،أو يكون جوابُه في  غمرة المستحيل ..

يقول :

ولَهٌ يختفي

ثم يظهر

كأنه قدري

من أول السديم

إلى آخر الدخان

ص:97

فالكاتب يتملاه الوله  حين يرغب في تحقيق ماتصبو إليه النفس ويسعدها ، ولما يرتطم بالموانع   تصطدم الذات بموضوع قوي مهيمن ،تعيش على إثرها لحظة ضبابية  من الغموض، يختلط عليها الأمر  فتبتكر شيئا  لمواجهته  والخروج من ورطتها   إلى فج فسيح ..

**ــ الشعر فردوس أخير

لقد وجد شاعرنا نفسه أخيرا ،ولكن لم يقتنع بصورتها الحالية ،فسعى إلى اكتمالها  بصورة متوهجة أبهى وأشد إشراقا عبر متنفس حميمي ،كفردوس أخضر يسكن إليه ألا وهو الشعر،  ذاك الحرف الذهبي الذي سيفتح به كل المغالق  ،ويخترق به كل الصدود الصخرية  المنتصبة ..فالشعر بالنسبة إليه جنان الله في أرضه ،الهودج الساحر الذي سيمتطي صهوته إلى المعارج الشاهقة  ،الشلال الزلالي المتدفق الذي سيرتوي منه حتى الثمالة فينتشي من متعته ولذته الجمالية لإعادة الولادة  بروح طاهرة من خبث العالم ،وندوبه المتكررة ،لينبعث في كل قصيدة بوجه جديد بزمن جديد يصدح في آفاقه كما يصدح الطائر ...

يقول :

فأنا أريد ماأريد

أريد حرفا ذهبيا

لأفتح بابا

في مدينة السماء

ص:92

بالشعر  يتوغل في الصمت ،يخترق بقناديله وأنواره الأغوار والكهوف  المظلمة  ليضيئها ، فالشعر برموزه بعلاماته مرآة تتجسد عليها الذات  هروبا من المظاهر الكاذبة ،والنفاق  ،والمكر وكل الرذائل التي أصبح يكتنز  بها الواقع ،فهو الصنو الحميم الذي يبوح في خلده الشاعر  ،معبرا عما يحسه ويراه  ،متوحدا معه في نفحة صوفية عميقة ليفُضّا حجاب الليل معا ويسافرا سويا إلى الصبح على كفّ البياض ..

 

سنفض حجاب الليل

ومعا

سنسافر للصبح سويا

لابأس إن كنا سنمشي

على كف البياض

ص:93

الموت والخلود

كل مبدع إلا ويمتلك رؤية للحياة والعالم   بكافة عناصرهما ووجودهما.. شكلتها الذات المبدعة بكل ماتملك من أفكار وجمال  من خلال التأمل والتمثل ،وبصفة خاصة عنصرَيْ الخلق والعدم  ..إن هاتيْن القرينتيْن معا أربكتا ذات شاعرنا المبدعة ، فزرعت فيها نوعا من الرهبة ،فأطلقت  هذه عنانها لمقاومة كل مايتهددها بالموت والفناء ،فكانت الوسيلة المثلى لذلك هو الإبداع/ الخلق /الشعر الذي حين تفنى الكرة الأرضية ومن عليها سيبقى خالدا ..يقول :

لاتيأس ياضيف الفلوات

إن خانت عهدك أزمنة تعرفها

فغدا

سيكون  نهارا أزليا

ص:74

ويقول :

سيخلد هذا الضوء الأبدي

ونحن عشقنا الضوء سويا

ومن عشق الضوء سيحيا

ص:75

فالذات الشاعرة فريسة  للتأمل في منابع الأشياء الأولى ،وكيفية الخلق ،وفي نفس الوقت مفزوعة من النهاية الحتمية المروعة ،فأصبحت تعيش لحظة من الحيرة والاغتراب في النفس  في الذات ،بل وفي المحيط الذي تتواجد فيه ولكي تجتث هذا القلق ،عانقت الإبداع / الشعر في تجليه ،ورأت فيه الضوء الأبدي الأزلي ،والخلود المطلق ..

**ــ الازدواجية والقرين

لقد اضطربت الذات الشاعرة  ..فأصبحت تارة تنشطر إلى نصفين ،وأخرى مزدوجة  تركبها عدة شخصيات ،وفي كلتي الحالتين  هي شخصيات متخيلة تؤدي أنشطتها بصريا ولغويا ،تراها  الذات الشاعرة ،تحاورها تبوح لها تنيبها عنها ، لتُبعِد عن نفسها  ذاك الجانب السلبي الغامض المخيف المرفوض ..

يقول :

أفاق بداخلي

قال أناي

ألا دلني

أيها السائل دلني

ص: 112

فالذات تبدو مخلخلة ،مشتتة  منفصمة ،تبحث عن سكينتها عن استقرارها ،عن كينونتها ،فتتشكل من خلال قرينَها "الأنا " لتُرَسّخ هويتها .. فترى فيه نوعا من التحقق ،ومن تَمّ الاستمرارية ..

يقول :

وبعدما نزلنا الغاب

وعن بعضينا انفصلنا

منذ قرون وقرون

أصبحت أنا ذاك الهارب  من تعبي

ص:78

الذات هنا مفككة منشطرة  تلخص حالة الفقدان / التيه ، تفككَ الهوية  ،فتخلق لها  أخرى خيالية في دهشة ملغَّزة  ،لتتوحد معها  وتخلق ذاك الكمال المنشود  ،الذي تركض خلفه ،فتنفلت منَ الأسرار المبهمة   لتحقيق إمكاناتها  على نحو أفضل  ،والعملية في حد ذاتها ، نتاج  وعي الكاتب  مما يعيشه من صراع ، وما يبذله من محاولات  لفك  الطلاسم المهيمنة  ،وفشله   في عدم امتلاك الآليات والطرق الممكنة..  فاختلق" أناه " كذات ثانية ليَجد سلواه  معها في الخيال  في الحلم في المأمول..  وإن كانت ذاتا زائفة  لاتنازع الأصلية  في عدة أشياء  ،فهي تجسد طبيعتها الداخلية  الحقيقية  في نفس الزمان  ...

يقول :

أيها الواحد المتعدد

كيف تمشي

كما يمشي الزمان ولاتنثني

تهيم بك الخطى

يتهجاك الظل شظايا

تتناسخ أسماؤك سهوا

ص:107

الذات الشاعرة  انشطرت شظايا وتختفي كأصل حقيقية وراء صورة محاكية  فتتناسل ذوات أخرى وهمية خيالية ،وتعمل على الإخفاء والكشف لجانبها العاجز وهي وسيلة اعتمدها الشاعر للنجوى والبوح والتأمل والتعبير من خلالها  عن الأحلام والمخاوف ،أو الهروب من القيود والضوابط والموانع ،والسعي إلى تحقيق الرغبات وإشباع المكبوت منها ...وطبعا هذا السيل من فيض نتاج حالة اغتراب امتلأت بها الروح الشاعرة من خلال نظرة تأملية للوجود في منابعه الأولى     للخلق.. والحتمية النهائية للفناء ،حيث الكون بعوالمه بأشيائه بكائناته آيل نحو العدم..

يقول :

هل حقا

ياأناي الغريب

 نسيت أصل الأصل

وشقشقت البداية 

وحنين المكان إليك

ص:109

يحاور أناه ويأخذه قرينا له ، ويسائله عن أصله وفصله ،عن نبعه ومعدنه ،محذرا إياه من التيه ،والغرق في دوامة ليس لها قرار ،مؤكدا له أن كل الكائنات تحِن إلى أصلها ،وحين يشتد بها الحنين تعود إليه ...

وهنا يتضح لنا كيف طمس الشاعر هويتَه ودمر شخصيتَه  بأخرى مركبة  من القرين أو الشبيه "الأنا "باعتبار أناه هنا عاجزة وغير قادرة عن فعل شيء ،ويرغب في بقائها خوفا عليها من التلف ...فالشاعر يمور بين الشخصيات تارة يرى فيها الأقوى والأمثل  فينحني لها ببوحه وبث شكواه ،وتارة يرى فيها الغي والضعف فيغدو المرشد  و الهادي لها  ،خوفا عليها من التيه ...وما الخوف إلا نتاج غربة واغتراب في النفس  من فظاظة الحياة الفوضوية  ،وقسوتها  ..العلاقة  إذاً التي تربطه بقرينه ، هي علاقة حميمية  باعتباره  الرفيق/ الصنو الذي يسكن الشاعر إليه ..القادر على فك الحيرة ،والقيام مقامه  وتحقيق طموحه،أو الأذن المصغية لآلامه ..  والبلسم الشافي لجراحه ..وهي خبرةٌ من الكاتب طفحت بها رؤية متقدة   للعالم ، تاه  الشاعر بين مداراته المتشعبة الدامسة ، أو نوعٌ من الإسقاط الخارجي  للصراعات المحتدمة داخل النفس للتخفيف عنها ،والتحرر مما ينتابها ويعتريها من أعباء مضنية مخيفة ،لتبديد أسباب القلق ودوافع الانفعال  ،وإعادة بناء الواقع بتمثيله وتصوره للأشياء بطريقة مغايرة ...

3ـــ اللغة

فكما بنى الشاعر الواقع من خلال تمثله  وهدمه وإعادته من جديد في الخيال ،نجده  يركب جدار اللغة  بمتنها   فيزرع فيها الروح  لتحيا وتنمو  من جهة .. ومن جهة  أخرى ليخرج من حلبة التمزق ،تمزق الوعي بالأشياء في حضورها وغيابها ،واللاوعي بماهومكلكل  تحت الجوانح  وفي قرارات النفس ، ليسعف   الذات المحاصرة بهذين العنصرين ...،فتحضر اللغة المسعفة وتتألق  وتتنمط وتتشكل ، لإعادة بناء الذات في صورة أخرى ، وبناء الكون بعوالم أخرى  وفق مايحلم به الشاعر  ،وفي نفس الوقت بناء نفسها  بتصورها للواقع  مقتحمة اللاتحديد ،مجبولة بانعدام الثبات والتغيير المستمر ،والخيال المجنح  ،والإيحاء الشاسع والترميز العميق ،والتلغيز بكل أشكاله والمجازات المتعددة والمختلفة ،فيتعدد لبوسها جامعة بين المألوف  وغير المألوف والغياب والحضور ، رابطة علاقة صمامية بين المتنافرات والمتناقضات لتتألق بعمران جديد  غير معتاد،  فتقودنا إلى موقع مفعم بالدلالات  ،  قد يستوعبها القارئ  ويرتاح ،أو قد لاتُحقق توقعه المنتظر فيسقطَ فريسة الحيرة ويخامرَه الشك وينتابه  الاضطراب مما يدفعه إلى التساؤل ..

الخاتمة

الديوان كتلة شعرية متميزة  صنفها الشاعر بطريقة عمرانية فريدة  وزعها على 5 جزيرات  بعد أن قدمها بديباجة أسطورية ساخرة..

كل جزيرة تنفرد بعنوان كالتالي :

1ـــ من أناشيد آدم أو تاسوعة الوله وتضم 9 قصائد

2ــ فصوص عذرية  من ديوان حي وتضم 5 قصائد

3ــ مدارات بلورية وتضم 3 قصائد

4ــ أبواب الروح وتضم  6 قصائد

5ــ هلاميات مسافر وتضم 6 قصائد

6ــ مقامات الوله وتضم 12 قصيدة

وتتوزع النصوص على 120 صفحة ،كل واحدة مستقلة بعنوانها ..

باختزال شديد فشعر عبد الله الطني،  أشبه بتضاريس تتنوع كهوفه وأغواره  يسمو مع جباله الشاهقة ،وينحدر مع شلالاته الدافقة ، وعلى القارئ السائح  أن يتسلح بالمغامرة لاختراق فجاجه  ومخاتلة فجواته ،والتوغل في شعابه ،وكما رأيته  تضاريسَ فقد رأيته أيضا بحرا تتلاطم أمواجه على سطحه ،وفي أعماقه  يكن دررا  ،وعلى القارئ أن يجيد فن السباحة لتصيد نفائسه ،بخدعة ماهرة  وحدلقة ثاقبة  ،ورصيد وافر من المعرفة  لملامسة رؤية الكاتب ، وبالتالي البلوغ   إلى تلك الصورة  الصادقة، التي انبثقت من ثنايا قلبه ووجدانه وذهنه  ،باستعارات ومجازات تطمس الحدود والأبعاد في تنوعها وتعددها، فتلتقطَ جدليةَ اللحظات والصراعات وهي قيد التكون برؤيات تأملية ، لخلق المتعة والجمال لذا قصائده تحفر عميقا في مسالك النفس والوعي والروح ...

مالكة عسال

بتاريخ 26/03/2012

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
2 juin 2012 6 02 /06 /juin /2012 21:27

الفلسفيّ و الصّوفيّ في ديوان:" مقامات الوله     "

للشّاعر : عبد الله الطني

 د مسلك ميمون

استهلال  :

ديوان:"مقامات الوله " للشّاعر عبد الله الطني جاء،و كأنّه يعيد السؤال القديم ضمنياً ، الذي مفاده:ما علاقة الشعر بالفلسفة؟ سؤال أثار جدلا منذ القديم . بل مازال إلى وقتنا في نطاق الحداثة، و بخاصة،حين تنشر أعمال أدبية، شعرية و يكون أصحابها في صلة بالفلسفة إما ثقافة و مثاقفة ، أو دراسة و تدريساً.كما هو الأمر مع الأستاذ عبد الله الطني من خلال ديوانه :" مقامات الولـــه  

لقد جاء في تصدير ديوان : "معلقة باريس"1 ما يزيد هذا توضيحاً ، إذْ قال الشاعر  : ( استقبلتني باريس بحمولتها المشرقة.التي كانت تسكنني منذ كنت طالباً، في مرحلة التعليم الثانوي إلى اليوم ،مرورا بمحطات الطالب الجامعي ، و أستاذ التعليم الثانوي إلى اليوم مروراً بمحطــــة الطالب الجامعي، و أستاذ الفلسفة بالتعليم الثانوي، ثم بالجامعة ، و مفتش تربوي للمادة، و منسق جهوي لشؤون تدريسها بجهة مكناس تفلالت ، و كان اسم باريس يحيل باستمرار إلى تاريخ حافل بالإبداع الفلسفي المتميز بأسئلة الذات و المعرفة،و الوجود، و المجتمع،و السياسة، و التاريخ العام و الخاص، و فلسفة الكينونة، و الشخصانية ، و الاختلاف، من منتن، و ديكارت، إلى جاك دريدا، و جيل دولوز، و بول ريكو ، و كريستيفا،مروراً بمونتسكيو، و ما ليرانش، و دوركايم،و ألان و برغسون ، و ميرلو بوانتي، و سارتر،و مونيه....و غيرهم من القامات و المواهب الفلسفية التي شغلتني و لا تزال .) 2

هي فعلا شغلته، و ظهر أثرها دامغاً واضحاً في كتابته الشّعرية 3 و مسألة بديهية أن يحدث هذا ..بل كان العجب و التّساؤل إن لم يكن ذلك ..إلا أنّ ديوان "' مقامات الوله " خلخلة في الوعي و الفكر ، و لا شك سيثير حفيظة الفاصلين بين الشعر و الفلسفة ،الذين قديماً قال بعضهم في شعر ابن سيناء :" إنّه فلسفة في ثياب  الشعر  "  . و قالوا عن شعر أبي العلاء المعري :"  إنّه شعر في ثياب الفلسفة   "                                                                          

كما أنّ الديوان سيدعم آراء المتحمسين لكلّ ما هو فلسفي في الفن و الشّعر بخاصّة   . و بين الفريقين جدل كبير، ما دفع  الفيلسوف المعاصر هانس غيورغ غادامر أن يقول في كتابه تجلِّي الجميل: "إنه ليبدو لي أمرًا لا جدال فيه أنّ اللّغة الشّعرية تتمتع بصلة خاصة فريدة بالحقيقة."4 ويتساءل غادامير: "مَنْ ذا الذي يريد أن يفصل بين الشعر والفلسفة؟" ويستطرد:5 "مع ذلك فإنّ هذا القرب والبعد، هذا التّوتر الخصب بين الشّعر والفلسفة، من العسير أن ننظر إليه  على أنّه مشكلة خاصّة بتاريخنا القريب أو حديث العهد، لأنّه توتُّر قد صاحَبَ دائمًا  مسار الفكر الغربي. كما أنّ هناك فلاسفة يعتبرون الشّعر أسبق في مقاربة الحقيقة من الفلسفة، ذلك  أنّ " ما يقوله ويعيشه الفلاسفة قد عاشه الشّعراء وعبَّروا عنه"، على حدّ تعبير الفيلسوف

فرنان ألكييه 6 الذي يقول أيضًا:" إنّ الشّعر، في أعلى مستوياته، ليس بخَلق، ولكنّه اكتشاف ووحي، وعودة إلى حقائق أساسية، وردٌّ واستبعاد لكلِّ المظاهر، لكي نعود إلى الوجود، وتهديم للعالم  المصنوع بعاداتنا ، طموحًا للكشف عن عالم أكثر صحّة، بحيث يمكن الخوف من أن تصبح الفلسفة هي التي تَنسى مهمَّتَها، في الحين الذي يظلّ فيه الشّعر وفيًّا لمهمَّته. "7

عموماً، رغم ذلكـ ، فهو جدل مشروع. لأنّه يشكّل عملية إركيولوجية معرفية أي بحث في الدلالة و التّصور،و التّأثير و الوظيفة في مَنشطين هما أهمّ مَناشط الفكر  : الفلسفة و الشّعر و ذلك من خلال ثنائيات: كاللّغة/ الفكر – الجمالي / المنطقي   الخصوصي / الكوني – الخيالي / العقلي – العاطفي / الصّوري – الحسّي / الوجودي   الصّورة   ..

و لكن أن تجتمع أسئلة الفلسفة بعمقها الموضوعاتي.. مضمّخة بمتعة الشّعر و بعده الأيقوني ... فذاك أقصى ما يراد إبداعياً  ..

الديوان يضمّ ست قصائد مطولة، كلّ منها يتكون من أجزاء و هم   :

1 ــ  من أناشيد آدم أو تاسوعة الوله   .

2 ــ فصوص عذرية من ديوان حي ابن يقظان   .

3 ــ مدارات بلورية   .

4 ــ أبواب الروح  

5 ــ هلاميات مسافـر   .

6 ــ  مقامات الوله   .

في هذا البحث سأركز على ما أثارته القصائد من ملامح أسلوبية، و أسئلة جوهرية ، و أشير أنّ ذلك جاء في صورتين: أشياء ضمنية  تختزنها لغة القصائد و لا تفصح عنها مباشرة . و أسئلة  واضحة ، تعلنها لغة القصائد  صريحة . و لكن قبل هذا  يستحسن تحديد مصطلحات وظيفية جاءت في القصائد ، منها ما هو فلسفي ، و منها ما هو صوفي   .

 فمن التراث الفلسفي القديم نجد أسطورة( الكهف )الأفلاطونية : الكهف و قد تكرّر في القصيدة الأولى ثماني مرات و ذلك في التالي   :

"هاكم سري: بين الرحلة و الكهف / أول من يكشف عن سر الكهف / كان الكهف ظلاماً/ و أنا في الكهف مسافر/ تسحبني رائحة الكهف / تضوع باب الكهف برائحة / فاشتعل الكهف صلاة / سيعود الأحفاد إلى كهفك يوماً  

و أسطورة الكهف عند أفلاطون توضيح للعالم المحسوس  و عالم المثل" إنّ حياتنا في هذا العالم المحسوس ،هي حياة السّجناء في الكهف، فنحن أثناءها مقيدون بجسمنا لا نستطيع أن ندرك إلا ما هو محسوس. وبالرغم من أنّ هذا المحسوس لا

يمثل إلا ظلال الحقيقة، فإنّنا مع ذلك نتعامل معه على أنّه الحقيقة. هكذا فنحن لا نستطيع إدراك الحقيقة في هذا العالم المحسوس بل يتعين بلوغها في العالم المعقول عن طريق التّحرر من قيود الحواس والجسد، وهذا ما يفعله بالضّبط الفيلسوف  ."

كذلك نجد من المصطلحات الفلسفية : ( الهيولي ) أو الهيولا كلمة يونانية تعنى الأصل أو المادة، وتسمى الهيولى :الجوهر المادي. وفي فلسفة أرسطو فإن الشئ، بما له من هيولي وصورة. أطلق عليه أرسطو كلمة الجوهر. ومن الجواهر المختلفة، تتكون الحقيقة. و نجد هذا المصطلح في قول الشاعر : [ حيث كنا في البدء، متعانقين،/ بلا شكل / و لا حلم / غير حلمٍ بالخروج / من هيولانا متولهين ] ص 118

و نكتفي بهذا و نشير لباقي المصطلحات الفلسفية  وفق مظانها في الديوان  :( التّكوثر 26/57 ) ، ( العدم ـ 35 ) ،( الذات 39/40/54) ، ( جوهر 49/56) ، ( العلة   59)   ،   ( جواك 64) ، ( الأنا 111/112  )

أمّا المصطلحات الصّوفية الواردة في الديوان و التي حققت السّياق الصّوفي  فهي   : الوحدة ، و الكشف ، و المقامات ، السكر و الإشراق ، و الفيض 8

فبالنسبة ( للوحدة ) : وردت في أقوال الشاعر : [ " الوحدة جوهرُ كلّ الأشياء   " / كيف توحّدت في شرودكَ الجميل ؟] ص 32/33 و كذلك [ يا عاشق التوله / و أصل البياض  / انسكبْ للتّوحدِ ] و [ عانق زوبعة الجهات بصدري/ توحّدْ يا صنو القمر[ .. ] توحدْ ببؤرة الضّوء/ فالتّوحّد أصل الأشياء / و الواحدُ تاجُ الأسماء ] ص 52/54

أمّا مصطلح ( الكشف):فإنّ الصّوفية يعتمدونه كمصدر وثيق  للعلوم والمعارف،بل و تحقيق غاية عبادتهم . و نجده في الديوان في قول الشّاعر: [ استوقفني الفجر قليلاً  / و طلوع الكشف رماني/ بضوء حيّرني ] و كذلك قوله [ فها قد برعم دخّان الكشف طيوفاً   ] ص 18/54

أمّا مصطلح ( المقامات ) فنجده كعنوان للديوان : ( مقامات الوله )  و هو نفس العنوان للقصيدة الأخيرة التي قسّمها إلى : 1 ــ عتبة الوله ، و التي بدورها قسمها إلى خمس عتبات هي : (عتبة الصورة ، و الدخان، و الماء و الهباء ) 2 ــ و له الوجود،   3 ـ وله السفر، 4 ــ و له الرجوع، 5 ــ وله الاحتمال، 6 ــ و له السديم ، 7 ــ و له الشجر   .

أمّا مصطلح ( السّكر ) فنجده في قول الشاعر : [ ها كم شطحاتٍ من سكري / هذا الكون نشيدٌ / و أنا أسكرني الشدو/ فغنيت كثيراً ] ص 11

أمّا ( الإشراق ) و يعود لمدرسة السّهروردي فنجده في قول الشاعر : [ أكملْ طريقك نحو الشّروق / فذاك بحركَ في انتظارك ] و قوله في باب الشّروق [ و إذا أشرقتَ بقلبي   / يا منبع الأضواء / و منتهاها [.. ] و إذا أشرقتَ يا وضّاءَ الجبين / بواحة عينيّ    الظامئتين / و كتبتَ بضوئك َآيات طريقي/ اعلم أنّي/ سأحيا عيدَ شروقك في صبحي ]  ص   34/55/56

و هناك مصطلح ( الفيض) و هو أيضاً من المصطلحات الرائجة في مدرسة السّهروردي و يعني الظهور المستمر ، و نجده في قول الشّاعر [ هاكم دوري :ناداني صوتٌ/ من حدس الفجر / يلمع ثم يفيض ] ثم [ فاضت أساميك يا ابن المخاض العسير ] ثم [ اسقني من لغة فاضت ] ثم [ عندما فاض كأس الوجود   ]

و نكتفي بهذا و نشير لباقي المصطلحات الصوفية في أماكنها من الديوان : ( التّجلي   28/100/ 101 )  ،   ( الاتحاد52) ، ( البعث85) ، ( الوجد 38) ، ( السّديم  47/ 97 /103  / 113 / 118/119 )  ، ( الشيخ " بمعنى شيخ الطريقة  الصوفية " 54/70/72)

هكذا اجتمعت المقامات الصّوفية ببعض مصطلحاتها ، و المنطق الفلسفي بجملة من مصطلحاته لبناء قصائد الديوان . بغية تحقيق نسق شعري يتّسم برؤية إسلامية خاصّة،  بتنا نفتقدها في الشّعر الحديث ،وسط صخب الحداثة  الكاسحة ...

بعد هذا نعـــود إلى نسق البناء الشّعري في الدّيوان :

1 ـ اللّغـة

في معظمها تجمع بين شاعرية البناء ، و سردية الحكي . بمعنى تقاطع ما هو شعري ، و ما هو سردي ، في تركيب  لغوي ، يعمد إلى التّلميح ، إلى درجة  الغموض ، الذي أحسبه نتيجة المصطلحات الصّوفية و الفلسفية الموظفة في  ثنايا المتن الشّعري . و أبلغ مثال على مسحة السّرد نجده في نشيد العبور: ( هاكم دوري: /ناداني صوت/ من حدس الفجر/ يلمع ثم يفيض/ بربك اقرأ / فكتاب الغيب بصدع بالآيات / قلت له : قرأت قرأت قرأت / بلساني هذا/ كان الكون كتاباً ، و كنت أنا / بوصلة الكون إلى المعنى / و بي يقرأ هذا الكون كتابيه : تلاخيصَ الغابرِ من ماضيهْ ، و تباشير الآتي / تزفّ إليه / استوقفني الفجرُ قليلا / و طلوع الفجر رماني / بضوءٍ حيّرني ، فقلت لهُ : أيُّ طريق أسلكه يا مولاي؟ / همسَ الفجرُ بأذني: اتبعني / فتبعت الفجر أغني / و غنى بي الكون نشيده / و لوّح بي المقطع  تلو المقطع / ركبت براق الوصل / و سافرت بفجري ..ص17/18/19

2 ـ الرّمــز :

 لقد جاءت قصائد الديوان طافحة بالرّمز و إيحاءاته و تنوع مصادره :

فمن الرمز البابلي نجد (عشتار ) و ذاك في قوله :[ مزامرُ عشتار الولهى ] ص11  و هي إلهة الجنس والحب، والجمال والحرب عند البابليين.

كما نجد من الأسطورة طائر( الفينيق Phoenix)  الذي هو في التراث الأوروبي (نقلاً عن الأساطير الإغريقية ) . و في الديوان جاء قول الشاعر : [ سأُرمَى حَطباً / يتَقوزحُ دخانُ بَقاياي / و أبعثُ مثلَ طائرِ الفنيقِ/ يغشاني ولهٌ أخضر ] ص65

كما نجد من الأعلام (الخنساء) في قوله:[ فناحت بي و بكتْ/ بعضُ دموع الخَنساء] ص 12  و هي تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد السُلمية المعروفة  بالخنساء كانت شاعرة رثاء و كذلك نجد ( ربيعة العدوية )  وتكنى أم الخـير، عابدة ومتصوفة ، و مُؤسّسة أحد مذاهب التّصوف الإسلامي،  وهو مذهب العشق الإلهي. و نجدها في قوله:[ أنفحةً من عبير المواعيد/ أمْ كأس شعر/ من حرف ربيعة العدوية ] ص 88

و من الرمز الإسلامي نجد : ( البُراق ) في قوله : [ ركبتُ براق الوصل ] ص19 و( الطوفان ) في قوله : [ تجرّد لبعض اللحظات / عن أدمكَ الغاثي /  بالبحر و الطوفان ] ص53  و كذلك ( الطين ) إشارة إلى قوله تعالى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) الإسراء 61 و في الديوان تكرّرت كلمة (الطين) كرمز اثنى عشر مرة منها : [ فأنا منذُ دخولي جسد الإنسان/ و رائحة الطين الأول تَهديني ] ص14 و كذلك : [ منذ دخولي أزمنة الطين / صرت أنا و الطينُ العاشق شيئين / شيئا للفرح الآتي من ولهي/ و شيئاً للحزن الأتي من عمايْ ] ص15

و فضلا عن هذا نجد:(سورة ياسين) ص53 و(سورة طه ) ص 64 و (آيات الكرسي) ص96 كما نجد التناص ( قدّ قميصي) ص58 و ( اللّوح الأعظم ) إشارة للوح المحفوظ ص 96

3 ــ التّـكــرار:

 كعامل فنّي يلعب دوراً هاماً في مَوسقة النّص . و يشكل و جَرْس الحروف، و التقديم و التّأخير و التّضاد .. هرمونية الموسيقى الدّاخلية . إلا أنّه في الديوان جاء التّكرار علامة واضحة ،بل لافتة للانتباه : لنتأمل هذه المقاطع على سبيل المثال لا الحصر :

[ انهمرت أمطار مفاتنها / زخات زخات ] ص9

[ قلت له : قرأت قرأت قرأت ] ص17

[ رحتُ أعاقرُ طيفي / ُنتفاً نتفاً ] ص22

[ و تعودُ على رحم المرآةِ / تلاخيصُ الأشياءِ/ فلا تحزن يا آدمُ / لا تحزن ] ص24

[ العراءُ حقيقتي/ العراءُ طريقتي/ العراءُ بدايتي/ و العراءُ نهايتي / و ليس بين

العراءِ و العراء / إلا سلاسلُ من كلّ الجهات ] ص29

[ أرى الشاهدَ يلبسهُ المشهودُ / و أرى الموجدُ يلبسهُ الموجودُ / و أرى ما تراهُ

و ما لا  تــراهُ ] ص 42

[ عانقني أكثر أكثر / يا جدعَ الفرع و فرعَ  الغصن ] ص62  

[ أكاد أراه بعين البياض/ و لهي بالضوء أكاد أراه [ ..] أكادُ أراه ، أكادُ أراه ]

ص98 

[ وله/ وله/ وله / آه كم من ولهٍ / يشفع لي أن أتجلى ] ص 101

[ من فجٍ إلى فجٍّ [..] و من شراكٍ إلى شراك ] ص 106/ 107 

4 ــ الجمل الإنشائية :

 و بخاصّة الأمرية . و هي أيضاً من الأشياء اللافتة في الديوان فمثلا في " فص الإبحار " نجد الأفعال الأمرية التالي و كلّها تتصدر الأسطر الشّعرية  [ قمْ (

وقد تكررت ثلاث مرات ) انتفضْ ،أكملْ ، قاومْ ، أبحرْ ، عانقْ ،أفقئْ ، عانق ، حلقْ ، أطلقْ ] ص 34/35/36/37

و في نص ( باب الاتحاد ) نجد التالي  : [ واصلْ ، تعطرْ ، تجرّدْ ( مرتان )، سمّ ،اصعدْ ،اخرجْ ، اقرأْ ،  ارمِ ، عانقْ ، توحّدْ ، (مرتان) ] ص52/53/54

و في نص ( باب الاخضرار) نجد التالي:[ عانقني (مرتان) ، ضُمّه، التقطها ، اجمعْ ، اقرأْ (مرتان) ، لملمْ (مرتان) ، اعفني ،اسقني ،ارقص ، دعني ، تضوعْ ] ص 62/63 /64/65/66/67

5 ــ أسئلة التّصوف و الفلسفة في الدّيــوان :

إن قارئ الديوان ، و بخاصة من له بعض الإلمام بالفلسفة الوجودية ، لسوف يقف وقفات متتالية متأملا متسائلا

ــهل الكتابة الشعرية عند عبد الله الطُني عملية إثارة و تجسيد للقلق الوجودي؟ 

ــ هل يتلبس عنده ، نبض الشعر الانفعالي نبض الفلسفة العقلية ؟

كلّ هذا يحقّق استفهاماً وجودياً عميقاً، يشعر بالحركة الوجودية في صيرورتها نحو أهدافها ، الشاعر يرسم و يشكل بأسئلته الغربة الوجودية ، التي يعاني منها الإنسان المعاصر، و بخاصّة من معاناة ما بعد الحداثة و إنتاج نظرية هدم الواقع، وبزوغ الواقع الجذري في مقابل الواقع النقدي كما يرى الفيلسوف الفرنسي جان بودريار. فالمأزق الوجودي معرفي أساساً، و السؤال الوجودي دال على المعنى، وأساس المعنى هو العقل، 

و كما هي العادة ، بداية السؤال فضول معرفي، و بحث عن الحقيقة الغائبة ،و حيرة و دهشة .. سجلتُ بعض هذه الأسئلة ، التي  جاءت في بعض نصوص الديوان ، تعكس الحيرة ..

فمن نص " نشيد العبور المضمّخ بعبق التّصوف ، نقرأ: [ استوقفني الفجرُ قليلا /و طلوع الكشف رماني/ بضوء حيّرني / فقلت له : أي طريق أسلكه يا مولاي ؟ ]ص 18

و من نفس النص نقرأ : [ كان الحلمُ طويلا/ أطول من عمري / فكيف لي أن أحياه ؟  و كان الأفق بعيداً ، أبعد من بصري / فكيف لي أن أراه؟ ! ص 20

و في نص " فص الدخول" [ أن تدخل عُجب المدائن عارياً/ إلا من وله الحقيقة / فأي الحقائق تحملُ حلمك الآن /و تلف أذرعها / مثل هذا التجلي/ و هذا العراء ؟ !] ص28

و في نص "وله الرجوع " مصادف هذا التساؤل : [ هل حقا / يا أناي الغريبْ /نسيتَ أصلَ الأصل / و شقشقة البداية / و حنين المكان إليك ؟ و من أي معدن / تشكل نجمك يا أناي/ و من أي معجمٍ / جاءت أساميك  ؟ ] ص109

خلاصة :أعتقد أن ديوان :" مقامات الوله " فتح الباب من جديد أمام جدلية الشّعري و الفلسفي ..و إن كان الجدل الشّعري الصّوفي خمد منذ زمن . و أصبح التلاؤم و التجانس سمة الوضع بينهما . إن تهميش و إقصاء الخطاب الشّعري البلاغي من جمهورية أفلاطون لم يدم إلى الأبد . لقد أعاد كلّ من شيلر ، و شلينغ ، و شليغل الاعتبار إلى الشّعر و الشّعراء ، فظهر ما عُرف بالشعر المعقلن، أو عقلنة الشّعر ، و اكتمل ذلك مع نتشه الذي عاد إلى الفترة ما قبل السقراطية حيث كان التناغم قائماً بين الشّعر و الفلسفة، و الأمن و السّلام مستتب بينهما. و دعّم آراء نتشه الفيلسوف هيدغر الذي ذهب إلى أنّ "الشَّاعر ينطقُ بالمقدَّس الذي ينكشف للمُفكِّر وأنّ الشِّعر والفكر يحيل كلٌ منهما إلى الآخر." إلا أنّ الفكرة لم ترق الفيلسوف الحداثي  العقلاني هابرماس، الذي رأى في ذلك تجنٍ على العقل الذي هو قوام الفلسفة ، فعمل بدوره على طرد فلاسفة الشّعر من كلّ ما هو حداثي معتبراً إياهم مناقضي العقل l’autre de la raison لكنّ ديريدا بيَّن أنّ المنطق لا يمكن أن يتحدّد بدون البلاغة ،وأنّ الفكر لا يمكن أن يدرك بدون الشّعر، وأنّ العقل لا

يمكن أن يفعل بدون نقيضه، فكلّ ثنائية من هذه الثنائيات هي قدر الأخرى ومصيرها.9  و كأنّي بثنائية دريدا المنطقية، هي التي أضاءت السّبيل للشاعر عبد الله الطني أن يغرق في الوله ، و يغرقنا في أقيانوسه  ، الذي زاوج فيه بين ما هو صوفي و ما هو فلسفي في تناغمٍ شاعري .. و إن كان قد  أثار الجدل من جديد ـ و لو بصورة غير مباشرة ـ و لا غرو في ذلك .. فكذلك  شأنُ الفلسفة و الفلاسفة، عبر العصور .

 

هوامش:

ــ ديوان " معلقة باريس " للشاعر عبد الله الطني،ط /1 سنة 2011سلسلة دفاتر الاختلاف ،مطبعة وراقة سجلماسة ، الزيتون ، مكناس

ــ نفس الديوان ص 4

ــ للشاعر الدواوين التالية : مقامات الوله ، معاقة باريس، معلقة مكناس، و يوم تبعث من رمادها الصهوات

ــ هانس غادامر، تجلِّي الجميل، بترجمة سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة،1997، ص224.

ــ المرجع السابق، ص 224.

ــ فرنان ألكييه، معنى الفلسفة، بترجمة حافظ الجمالي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1999 ص237

ــ المرجع السابق، ص 242.

ــ من مصطلحات التصوف : (الوحدة ، والفناء ، والاتحاد ، والحلول ، والسكر ، والصحو ، والكشف  و البقاء ، والمريد ، والعارف ، والأحوال ، والمقامات

9 ـ الفلسفة و لعنة الشعر  http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A9.html

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
19 avril 2012 4 19 /04 /avril /2012 22:20

 

 

الأبيض الملوث أو أسرار الكائن الرمادي: قراءة سيميائية في "أوراق ميت" للقاص بشير أزمي

بقلم د. عبد النور إدريس

إن الوقع الجمالي لنص "أوراق ميت" للقاص البشير أزمي ضمن أضمومته القصصية "الضفة الأخرى" التي أثث بها القاص عالمه السردي، تتكفل به الذات السردية من القرب من عمق الفعل السردي عنده، انطلاقا من نمط البناء الذي يوظف المحاور الدلالية عبر ثنائيات ضدية يتقابل فيها الموت والحياة، والتي يثمنها تقابل الألوان ما بين الأبيض/والأبيض والمصفر/والأسود، إن استعمال أغلب الصيغ الصرفية ابيض/بياض/بيضاء يرتبط بالتسنين الإيديولوجي الذي نحته القاص داخل القصة وهي تحاول أن تعبر بالسارد من حركة الآخر إلى سكون الذات ومن ضفة الآخر على عمق نفسه.

إن الجهاز المضاميني الذي يقوم بتحديد الحالة النفسية للسارد يتوزع ما بين الأبيض والأسود، الأبيض الذي ولد قبل النص ولم يدرك وجوده إلا تحت عدسة القاص الذي ضمنّه أطروحة الموت، الأبيض الذي يتبرأ من نظام إرغاماته. ومن هنا بنى السارد ذاته باعتبارها مركزا مثاليا يشكل فيها البياض نقطة تلوث لا نقطة صفاء قد تخترق الأبيض الثقافي.

من هذا المعطى يمكن الحديث عن خطاب لا متناه للجدلية القائمة بين الأبيض والأسود، وقد وصل القاص في النص إلى التوحيد الميثولوجي بين الأبيض والأسود مما يوحي بأن الخطاب القصصي في "أوراق ميت" ينخرط في جعل الموت أصل خطاب أنموذج، يؤدي دون أن يستوعب الكيفية التي يحاصر فيها النص امكاناته السردية خارج هذا الفضاؤ الدلالي،إن استراتيجية السارد وهو يمثل الأنا الصانية للكاتب قد عززت جارج النص بما هو فيض دلالي إشباعا للفعل السردي باعتباره هنا أجرأة ملموسة لهذا التقارب الحميمي والتحاور العلاماتي للأبيض والأسود.

"الفن أبيض يحوم حولي" (ص. 48).

"الطائر الأسود يحوم قرب النافذة" (ص. 50.

يقود الأبيض من هذا المعنى إلى استشراق كون دلالي منبثق من الذات يؤدي إلى أدلجة العناصر المحيطة بالمتلقي كفضاء قريب إلى عملية موت الذات، وقد يؤدي إلى تشبيك قاعدة البياض التي عمل التسنين داخل النص بربطها بالمرجع السياقي الذي قعد للأبيض خارج النص، فوظيفة الصفاء والنقاء وعافية الفضاء وفهم الذات كبياض دلالي حعلت الأبيض يتكرر 12 مرة في النص، الشيء الذي أدى بالانتشار السردي إلى أن ينغلق على الذات وهي تتجلى في الأمكنة تمارس عشقها مفتوحة على الشياء، الشيء الذي يجعلنا نحس أن تبادل الذات والأمكنة حاضر بقوة بين ستار النافذة الأبيض ولون الحجرة مما يدعو الآخر إلى الانصهار في الذات وهو كأبيض/شيء.

كما أن الأسود وهو يمتح في قصة "أوراق ميت" من فعل التلقي يؤدي إلى استحضار مدى التشظي الذي أثر على امتداداته المعتمة، فالأسود وهو يتكرر 5 مرات يبدو غريبا وغير مألوف ويشكل عالم الضفة الأخرى الخارجة عن الذات ويحوم على غير مدى، يحوم في الساحة و"يحوم حول الشجرة الباسقة" ويحوم قرب النافذة"، وباعتباره الآخر يقترحه السرد عند بشير أزمي كوضعية بدئية وظفت بذكاء لتحديد وضع إنساني عام تقاطع التشكل العفوي مع قصيدة أظن للشاعر أمل دنقل وهو يرسل أوراقه في مستشفى جيكور.

إننا أمام إرغامات سردية تحدد لنا التداول المنتج للدلالة، فللموت أمكنة وألوان وهامات ترزح تحت نقل المعنى ولا يخرج الأبيض والأسود عن التعبير بهما عن الموت والحزن والسكون وكأن المعنى يمتلئ في التصور العام لمعنى الحداد التي ترامت شطئانه بالعالم العربي فتحملت الأرملة به التعبير كقاعدة عن الحداد مرة بالأسود كما في مصر ومرة بالأبيض كما في المغرب.

كان للعنوان الأصلي للمجموعة وهو كإيحاء في تصريح القاص البشير الأزمي "أنا والضفة الأخرى" أن ينفتح على هذا النص المغلق والمتعدد في إمكانية تأويله. فلفكرة الأنا المضمرة هنا الحاضرة كفعل سردي والغائبة قسرا في العنوان أن تنقسم على ذاتها إلى داخل وخارج داخل أبيض/وخارج أسود واللونين معا في انتقالهما من حالة السلب والإيجاب الاجتماعيين إلى حالتي التأكيد والنفي الأدبيين يضعان النص " أوراق ميت" على عتبة المرحلة السيميولوجية التي تذوب فيها المنظومة الأرسطية التي تشطر العالم إما إلى أبيض أو إلى أسود منفصلين.

فالآخر هنا هو الأسود الذي يأتي ليأخذ معه الأبيض وقد يتماثل مع منظومة القدر إلا أنه يخطئ بياض جسد السارد الذي تحول إلى أبيض ملوث ليصيب بياض آخر يتعلق هنا بالطبيب.

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
12 avril 2012 4 12 /04 /avril /2012 23:30

بوح الجسد بوح مكتوم

أو عندما ينتمي الاشتهاء إلى دوائر الصمت

قراءة جندرية في ديوان  شهوات الريح  لمليكة بنمنصور

بقلم د. عبد النور إدريس

إن كتابة المرأة ولفترات طويلة شهدت الإحساس بالدونية والسيطرة الذكورية المبثوثة في اللغة من جهة، وفي مقومات الحياة الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.

إن التذكير بهذه المعنى قد يسعفنا في تعيير إبداع المرأة وشروط إبداعيتها التي ظلت مطموسة بسبب هذه الشروط الاجتماعية الكابحة.

فالكثير من الالتباسات التي شكلت دوائر سياقية حول ما تبدعه المرأة، شكلت الاستشكال الاصطلاحي من مثل "كتابة نسائية" الذي يستشف منه افتراض محدد أساسي لهذه الكتابة يمايز بينها وبين كتابة مبأرة للرجل.

إن أي احتفاء بكتابة المرأة يجب أن يرصد أهم المتغيرات التي تختص بها هذه الكتابة إذ الاحتفاء بما يمايز هذه الكتابة إنما هو تأكيد للاختلاف الذي يتجلى في تعبيرها عن تجربتها الخاصة ورؤيتها للواقع عبر متخيل خاص بها تمتح من العلاقة الخاصة والمتشكلة ما بين المرأة الذات والمرأة الكاتبة، وأيضا ما بين جسدها وموضوع الكتابة.

إن الوعي النسوي وهو يمسك بأبعاده التي تجعل من الكتابة النسائية توصيف خاص بما تنتجه المرأة على المستوى الرمزي:       ( قصة، رواية، قصيدة، لوحة، سيناريو، فيلم ...). إن عالم المرأة يمثل أمامنا مملوء بالقيم أكثر مما هو فعل خاص، إذ تجربة الأنثى لا يمكن فصلها عن التجربة الإنسانية.

إن النص الإبداعي ما يزال بالنسبة لنظرية الأدب يخفي آليات اشتغاله عن المتلقي، ومع ذلك فالإمساك بانزياحات المعاني التي ينتجها النص لا يتم بشكل معزول عن تجربة المبدع الذي يضع تجربته الخاصة بين الواقعي والمتخيل، خاصة وأن التجربة الذاتية تشير في نهاية المطاف إلى نمط تستعين به الذات الكاتبة عند ولوجها منظومة القيم.

الأفعال العشقية وبنية الاشتهاء:

إن هذا الديوان الذي بين أيدينا -ديوان الشاعرة مليكة بنمنصور الموسوم ب"شهوات الريح" - بقدر ما يشكل نسقا دلاليا وهو يعبر عن شمولية ما يقوله، يشير إلى نمط الوجود وهو يقع بين الأفعال العشقية المحققة فيه وبين ما يخفيه في ثنايا المسافات الفاصلة بين البنية المفهومية التي تمنحها الصورة الشعرية ووصلة الخيال وأيقوناته داخل القصائد حيث لا حياة هنا للأيقون الأخرس .

يعرج بنا هذا الإحياء الأيقوني إلى مساءلة بنية الاشتهاء في ديوان مليكة بنمنصور، الشيء الذي يدفعنا لطرح عدة تساؤلات بما هي تجربة كلية، لكن يظهر أن كل فعل تعبيري لدى المرأة الكاتبة هنا وهي تستضمر وجودها شعريا، يشير بشكل واضح أو مضمر إلى نمط معين تنتظم فيه القيم وهي تشخصن وتستثمر حدود المجال الجنسي المحدد الأبعاد فيما تنتجه المرأة والمتمحورة حول : نسائي/رجالي.

إن فعل المرأة في حقل الكتابة يمارس إغراء من نوع خاص وخاصة في تلقيه العام وبما يشكله الجسد الأنثوي والكتابة به من اشباع متنامي للعلامات، فشرط الجسد الذي أصبح مقياسا للكتابة التي تدعى "الكتابة النسائية" يتأود داخل النص النسائي سافرا ومعروضا للملاحظة والمراقبة والتأثيم"، فبين الجسد الفاتن والجسد الآثم تكمن أجساد عدة تحمل من الدلالات بحجم تعددها، الشيء الذي يجعلنا مقتنعين بأن فعل إدراك الجسد ينبني أساسا على عملية بناء العام. إن الجسد النصي داخل القصيدة ناب هنا عن الشاعرة وكتب عالمها بصدق، فالمتلقي وهو يتلقى النص النسائي لا يستطيع إى أن يدخل هذه الكتابة ضمن سجل السيرة الذاتية والاعترافات والمذكرات الشخصية في حين نجد أن الكاتبة لاتكتب إلا ضمن وضعية الإبداع المتخيل.

ففي الكتابة الإبداعية يغدو الجسد وسيطا فزيولوجيا يحلل كيمياء الذات إلى مختلف الخطابات التي يمكن نسجها حول النص الذي يقع على حدود كل شيء ويلامس المشاعر والأفكار والتجارب لصوغ لحظات التحول التي تتيح وضع الجسد موضع سؤال بما أن المرأة تعيش داخل وضع مجتمعي مطبوع بالحيف، يعمل على تقسيم الأدوار وفق شرط الرجل الذي يمنع المرأة من أن تركب عبر المتخيل حافة جنونها كي تستعيد حريتها وإنسانيتها.

حضور الوعي/الجسد جسد قصيدة/الرقابة الذاتية

"ولن يشملني قانون النار

هكذا أغنيها وتغنيني القصيدة دوما". (ص. 34)

"كي لا يسرق النوم منك قافية

وتصبحين ولهى تنادين:

اين ضاعت قرتفلتي؟

وأريج مر من هنا ولا أثر؟ (صك 78)

التلقي الشعري يشاكس وعي اللغة

ـ هل اللغة بالديوان تفكر وتحس إحساساتها الخاصة بالموازاة مع الشاعرة؟

ـ هل ينبني إنتاج النص على وجود خطاطة أو خلفية مفترضة تمنعنا الشاعرة من تلقيها ؟

ـ هل تتسع دوائر الخوف عند الشاعرة إلى إيقاف المسارات التأويلية التي تطمئن إليها الذات المتلقية ؟

ـ هل أنتِ المؤنثة بالنص تنتشي بأنتَ المذكر ولو عبر مشارف لغة حالمة ؟

ـ ما هي آليات هذا الكبح الذي يرافع داخل النص الإمكان المتخيل وحصر السياق في تصور عام لعشق "مثال" بعيدا عن آهات الجسد ؟

إن المتن الشعري هنا يؤسس لخريطة عشقية تستبيح التعميم حينما تستدرجه نكهة التقديم" تقول الشاعرة:

"وريح تبدو ظالمة غير مبالية وهي تضرب الأعشاش وتطيح بالفراخ، وتشتت مرافئ الدفء، ومظاهر الائتلاف".

إن الشاعرة تقف على وجه أفق التوقعات الحالمة للتلقي تعمل على تجميد حالات انتظار سلوكية ينمطها المتلقي حول كتابة المرأة، إنها تحتمي بالقصيدة وتتدثر بالحروف من هذا التنميط لتخلق عبر لحظات الديوان حالات مستعصية وشهوة لا تستقر بدائرة الجسد الأنثوي تقول:

"ليت للريح ذاكرة

بها تحتمي الطيور التي فقدت

أعشاشها

ودهشة

كلما هبَّ .. تعتريني"(ص:14)

ذاكرة العشق هنا لا تنتفض لتصبغ الريح بشهوة الجسد، إن الإيقاف التأطيري في قصيدة "أنا والريح" يتمثل عندما قالت :

     وصرخة ممتدة.

     في كل ديوان من دواويني .. (ص. 14)

إنها شهوة تتحقق باللغة، ودهشة كلما هبت تعري وقد لا تصل إلى الإغواء العام للجسد، إن العمر ممتد في القاموس يتنفس متخيله الحالم.

     "وعمري أنا

     كعمر القصيدة يلحقني" (ص. 15)

إن العشق وتحققه يستدعي الامتلاء المزدوج للشهوة. فالصور الثقافية المتعددة لأنثى الشعر تتمثل جسدا مغر يحمل طاقته الإغوائية خارج نسق اللغة، فهو يوحي كي يخرج من عزلته الوجودية ليعيش اللحظة بمثابة العمر الكامل. إن الجسد يذوب كي لا يعيش لذاته المتنتغمة مع الرغبة في الوجود، أنه يعطي كل شيء للآخر كي يتحقق وجوده، إنه الانسجام الذي يوقع الأغنية الأزلية، فما إن يغلق دائرة حتى تبدأ الدوائر الأخرى في التناسل، إن العشق لا يؤدي إلى الشبع فهناك جوع دائم.

     "الأغنية التي لم تتم

     والأغنية التي لم تبتدئ

     سيتعلن العشق غدا

     دورته الكاملة" (ص. 20)

على الشعر أن يمارس إبهارا للذات والآخر وهو يختبئ وراء الوعي.

إن الشاعرة مليكة بنمنصور وراء كل الكوابح الاجتماعية التي يزلزل دفء الأعشاش ونظرا لالتزامات الأسرية والاجتماعية تقر للريح بالسكن في تخوم الشهوات تلك الشهوات التي كانت تقمعها وهي تحيلنا دوما على أنها تعبر عن شهوات متخيلة تقول:

     "هكذا يسكنني عرس القوافي :

     قمرٌ ذاهبٌ

     وآخر آتٍ (ص. 32)

     "ولن يشملني قانون النار

     هكذا أغنيها وتغنيني القصيدة دوما" (ص. 34)

فهل يا ترى استثنى قانون النار شاعرتنا في النص ؟ أم أن حرقة السؤال الشهوي تم التعبير عنه لا واعيا بالرغم من الاحتياط الذي أبدته الشاعرة واعيا من الوقوع فيه.

تقول :

     "إن سقط الحلم سهوا

     من شاعرة

     نامت على شهوة الريح" (ص. 86)

وحيث يكون المختفي أهم من الواضح يظهر أن شهورة الريح لابد من أن تنفلت من الرقابة الذاتية للشاعرة.     

     "فالأحلام الممنوعة

     عادة ... ما ترقص خلف

     الستار" (ص. 57)

ولما كان النقد هو فن التقاط السلوك الانساني على خلفية النص الإبداعي فإن عنوان القصيدة "أنا الريح المؤنثة" يحيل بشكل آلي إلى أنتَ الريح المذكرة، إن جل القصائد المسكونة بشهوة الريح لا تعادل قصيدة "كي لا تنطفئ" التي يتم الإعلان فيها عن منبع الشهوة حيث يحمل عينيه بلا لغة وهو ساهم في حروفه المترعة بالعشق.

     "قال اتبعيني .. ومشينا" (ص. 27)

إن نمط الصياغة عند الشاعرة هو الذي جعلنا نفسر الطريقة التي بنت من خلالها "المشاهد الجنسية" وعلاقتها بالجسد، يجسدها ويجسد الآخر، إن هذا الأسلوب الشعري يشتغل خارج الخطية الشعرية التي تبني أفقها انطلاقا من أحداث الجسد حيث تتراكم في وعي الشاعرة بناءات وصور تقف أمام كل استيهام ممكن أن ترتاده الكلمات والتراكيب كي ينضح النص جنسا ولذة وشهوة، فلما وقف الشعر عن الانزياح اللاواعي تحركت آلة المتخيل، والإحالة عليه، لكن من خلال الغوص في الأعماق النفسية لنصوص الديوان تسلل إلى الصور الشعرية عالم جديد، لا يمكن أن يدرك إلا من خلال قوانين تجربة الاشتهاء ذاتها. أن تكتب المرأة لا يعني التقيد بالمقاييس المعي** عند المتلقي أو الناقد.

فالشاعرة عندما توظف الجسد يُفسح أمامها أفقا مغايرا يتجاوز نطاق التعبير، إن هذا التوظيف تشريط مطروح بإلحاح على الكاتبة بما هو موجود بالقوة عندها، وهو المؤهل لاستنطاق وتشكيل عوالم طالما غلفها الصمت وحجبها النسيان.

إن ما تتجه له ليس مسألة وضع وصفة جاهزة لكتابة مفارقة بل المقصود هو إيلاء مسألة تذويت الكتابة أهمية قصوى بوصفها عنصرا ملازما لسؤال الكتابة المقرون بالنسائي، سؤال ما يزال ضاج بالاحتجاج، محتشد بالاستنكار، سؤال مهووس بالتفاصيل التي تفضح وتعري وتغري كي يجعل النص النسائي في إطار تلقيه إلى السفر في الحدود القصوى لهذا الممكن المتاح، "فما تزال المرأة تكتب عن ذاتها وما تزال القراءة بتلصص تحكم تلقي الذكر لهذه الكتابة.

كلمة أخيرة :

لابد من القول بأن الامتلاء بالأشياء الزائدة يثقل كاهل الوجود لكن عندما تتحول النشوة إلى الارتقاء بفن القول يمكن للوجود أن ينبني على انتصار الإنسان على ذاته.

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
8 avril 2012 7 08 /04 /avril /2012 13:22

abdnour.jpg 

بين الأنا الشعري والأنا الصوفي :قراءة سيميائية في ديوان "العري على موائد اللغة " لزين العابدين اليساري

بقلم : د. عبد النور ادريس

 

 بين الأنا الشعري والأنا الصوفي :قراءة سيميائية في ديوان "العري على موائد اللغة " لزين العابدين اليساري

بقلم : د. عبد النور ادريس

"كل وجدان كبير هو إبن لمعرفة كبيرة" ليوناردوا دافينتشي

1-          ترشيف الدخول:

لم تكن الفلسفة يوما ما خالية من الطابع الذاتي، وكان للدلالة الشعرية دائما أكبر الحضور خاصة وأن حضور الفلسفة عندما توجه طعناتها للميتافيزيقا يصفونها بأنها ضرب من ضروب الشعر.

فإذا كان للفن من هدف سامي فهو إشباع فهم القارئ ودغدغة حساسيته وإشباع ذوقه الفني. أما الفعل الفلسفي فيهدف إلى ممارسة البحث عن الحقيقة قصد الوصول إلى المعرفة الحقة، وقد قال في ذلك الفيلسوف شوبنهور : "إن الإنتاج الشعري لا يتطلب منا سوى أن نندرج مع صاحبه لكي نتذوق فنه ونتجاوب معه، بينما يرمي الإنتاج الفلسفي إلى قلب أسلوبه في التفكير رأسا على عقب".

إن العمل الشعري عبارة عن التفكير والتأمل عبر الصور اللفظية التي تقدم الأوضاع الحياتية للإنسان على شكل مواقف.

لقد وصل الشاعر زين العابدين اليساري في ديوانه "العربي على موائد اللغة" (1) أن يقدم لنا الشاعر فيه ملخصا في مجموعة من الأزهار، في حين لم يكتف الفيلسوف فيه إلا برحيق تلك الأزهار.

يا صورتي لست صورتي، ولا أنا أنتِ

نحن شخصان في شخص واحد

متوحد في اسم واحد أحمد (قصيدة أسئلة القلق) ص. 23.

إن هذا القلق الوجودي يبرره ما أصبحت عليه الفلسفة وهي تأخذ من الواقعة الفردية أسباب حيازتها على طابعها الشكلي والشامل.

إن العودة إلى الإنسان أصبحت بديلا معرفيا، فبعد أن أخفق الموجود عن التعبير عن ذاته واكتفت الآلهة بالنظر إلى صورتها فقط، شكل الجسد مركز النص الشعري وإن كان تجليه غير مباشر.

فالأنا الشعرية في قصيدة نافذة تأخذ صيغة تشكلها بشكل عميق في الأنا الصوفية التي تؤكد أن العلاقة العمومية بين الذات والآخر لا تتحقق في النص الشرعي إلا بموضعة الأنا الشعرية في عمق وحدة الوجود.

أيا صورتي

ايا صورتي

أحملك وتحملينني

والطريق إلى الله

يتدلى من الجسد .. نافذة (2) (ص. 22)

الشاعر هنا يعري الكلمة حيث يمزج الصورة بالدلالة الصوفية التي تنقد النص الشعري من جفافه الاستدلالي وبعده المنطقي.

2-          الدهشة الشعرية:

ـ هل ينتظر المتلقي للشعر أن يمارس الشاعر فعل الدهشة في عملية التلقي ؟

ـ هل يحقق فعل الدهشة للعمل الفني خاصية تجاوز العادي والمكرور ؟

إن الدهشة تعمل على تحريك نمطية العلاقة الوجودية بين الإنسان والأشياء، لكن من الخطأ أن نقارن عمق الفكرة لدى الأديب بعمقها لدى الفيلسوف. ففي الأدب ننشد المتعة لا الحقيقة وننتظر اللذة الفنية لا الأدلة العقلية أو البراهين المجردة.

إن الشاعر زين العابدين اليساري لا يعبر في جل قصائده سوى عن شيء واحد بصور مختلفة، فهو يتحقق في عالمه الشعري كذات، بما أن الفعل التخيلي عنده هو الذي يحدد أناه ويؤطر تحركاتها في فضاء النص كما في فضاء اللاشعور.

اقطف من فمي ما شئت

ورتب لي بين أحشائك

تابوتا من حجر،

سأموت فيك متى شئتَ

لأحيى عند سقوط المطر.

إن هذه الحلولية في الشيء أصبحت بمثابة شخصية واعية في النص تفهم ذاتها على أساس تعرُّف الذات اتجاه الشيء بما هو متشكل في لحظات التقائه بالطبيعة، يضطلع بشرح معنى الحياة ويتأوله في الكشف الصوفي لهذه العلاقة التي تنحو إلى إدراك الماهية في بؤرة الوجود. إن القلق الوجودي الذي تنتجه لنا قصيدة "أسئلة القلق" لا تحدد فقط خوف الإنسان وتمرده على الموت ولا تعطشه المطلق وإنما تكشف ما ينتاب أنا الشاعر من قلق سيكولوجي لا يمكن إلا أن يضعها في سياق علاقتها بمجموع العام.

إن لكل موقف إنساني دلالته الميتافيزيقية المتعالية، فالشاعر هنا ملتزم بعودته الحلولية في سياق ما يُنبته المطر، فالذات تحضر أمام العالم كشيء قابل للتحلل والنماء، كما يحقق هذا النماء في النص بعدا إستيطيقيا يجعل من الفعل الفني حقيقة معرفية لها موضوعها ووحدتها المرتبطة بوحدتها الزمنية.

إن معاني قصائد الشاعر اليساري لا تأتي إلا من الحقل الفلسفي الذي منحه رؤية عميقة لم يردد معها البعد الجمالي إلا تكاملا مع البعد الفكري ولم يؤثر هذا البعد الفكري المهيمن على النصوص والمقومات الجمالية للشعر كالانسياب والغنائية والموسيقى الداخلية.

لقد صرح الشاعر نوفاليس Novalis   أنه بقدر ما يكون هناك شعر أكثر تكون هناك حقيقة أكثر:

plus il y a de poésie plus il y a de vérité  .

ـ فهل واصل العمق الفلسفي في قصائد اليساري عمل الشعر ؟

ـ أين يتموضع شعر اليساري؟ وما هي حدود خريطته في إنشاد القصيدة وصناعة متخيل مكتوٍ ب بنار التفلسف؟ .

لاشك أن شعر اليساري يقف في خط الاستواء وتحت المطر الدائم بين الصورة الشعرية وحالة الإمتلاء والاكتمال لتحرير الكلمة من قفص السؤال.

فما دام الشعر يعلن في غير ما مرة أنه تعبير عن نمط حياة كلية أكثر من كونه نمطا معرفيا فالولوج إلى العالم الشعري لزين العابدين اليساري يندرج ضمن عوامل القول الشعري على شكل منظومة لاوعية تتلخص في القول المتمترس في اللاوعي، باعتبار الديوان قصيدة واحد قيلت في زمن متقارب نظرا لطغيان الحالة النفسية المبثوثة في النصوص والمتسمة بحالة وعي الوجود ومحكومة بالمرجع الثقافي الذي جعل الزمن مصاغا باعتباره عبئا ثقيلا سجن الصورة الشعرية في الأسئلة الشرعية المتسائلة حول الذات، أما مفهومي النار والماء بالديوان فلم تكونا حاضرين بشكل اعتباطي(باعتباره قائدا بين رجال الإطفاء )، بل وظفهما الشاعر وجعل منها وجها آخر يتناوبان في تفسير الوجود،الوجود العام والوجود الخاص، بحيث حضرا فساعدا الشاعر على الانعتاق من القبضة الصارمة لوجوده المادي وكأن الجسد الذي يتدلى من تلك العلاقة الصوفية بين الذات وأناها إنما هي تذكر الجسد لذكرى فرحه بحلول النفس بين جنباته وهو يشرط إقامتها به عبر نفيها التام لالتزامه بالإنصات لنداء الحقيقة.

والجسد كتابنا

لا يقرأ طلاسمه غيرنا أحد

فهل أنتَ أنا

أم أنا أنتَ

أم كلانا في طريق

عند باب المساء (ص. 22، قصيدة "الضوء المسائي").

3-          تقطير الوجود :

إن شعر اليساري شعر فلسفي بشكل لا إرادي، الحقيقة هنا تحتاج إلى الخيال كي تتجلى كما تحتاج إلى اللغة كي تتحقق، فالسلوك اللغوي بالديوان يخبر عن المحتويات الثقافية الخاصة بعوالم الشاعر وهذه العوالم لا تدرك إلا داخل النسق الثقافي المحيط بالشاعر بدءا بالوحدات الإدراكية البسيطة وانتهاء بالمكونات الثقافية العامة التي من وظائفها الأساسية التحكم في الواقع الجمالي وفي تلقيه نظرا لتوفر الذات المتلقية على طاقة تحدد بشكل آلي أنماط البناء الخاصة بكل محفل فني.

إن الأنا الشعرية هنا تهجس بالبعد المعرفي، فالذات فضاء للمعرفة وتلاقح الذات بالموضوع.

إن الأنا التي تقصدها القصيدة تتمحور حول وعي خاص للأنا بنفسها في النص الشعري والتي لا تتشكل معانيها إلا من خلال الآخر بما هو المرآة التي تشهد الأنا ذاتها فيها.

فأبعاد صورة الأنا في شعر اليساري لا تبتعد في توصيف علاقة الأنا بالآخر بعلاقة الأصل بالصورة، فالأنا أصل والآخر صورة مركبة ترى من خلالها الأنا صورتها، إن عملية المراوحة التي بين ما هو أصل وما هو صورة تجعل الأنا مرتبطة أشد الارتباط في وعيها بذاتها وعلى وعي آخر هو غيرها، يقر عند تحققه بوجود خارج الذات العارفة أو وجود كينونات موضوعية .

فالصورة بتفاصيلها الصغيرة

وعنادها الأسطوري

لا زالت تُشعل النار في راحتيها

لتقدمه للمحارب

باقة اشتعال ( قصيدة باقة اشتعال: ص: 28)

فتوحد أنا الشاعر وأنا الصورة في اسم واحد أحد يجعل الذات تتطابق وتتوحد مع الآخر باعتباره يشكل حقيقة مفارقة للذات، ليتشكل وجود واحد يحمل الأول على الثاني والثاني يؤدي إلى الأول:

هذا الضوء المسائي

يذكرني بوجهي الذي رحل

وأقول لصورتي في المرآة

لا تغريك في الشفاه لآلئها

فأنت مدعوّة للسفر (قصيدة الضوء المسائي، ص. 21).

4-          تجلي الأنا المزدوج:

إن وظيفة المرآة في هذا الديوان تجعل الأنا الشعرية منقسمة على نفسها، فتكون الأنا بالفعل أنا بالقوة، فتغدو ذاتا ناظرة وذاتا منظورا إليها.

فأنا الشاعر تراوغ ذاتيتها وتستدعي حضور المرأة لتتعرف على ذاتها ويكتمل بذلك وعيها بنفسها بما أنها تخلق غيرها في حال انقسامها على نفسها لتصبح هي : الأنا والآخر، فالأنا (المذكرة )عندما ترحل تدعو نصفها الآخر (المؤنثة) للسفر واللحاق بها. فالأنا الشعرية عند اليساري لا تعرّف وجود نفسها إلا بوجود الآخر الذي عملت على خلقه بواسطة المرآة، فهذا الآخر أصبح جزءا أساسيا من تعرف الأنا على نفسها واستمرارية حضورها في الوجود.

"فما دامت حياة الإنسان تعبيرا عن الأنا، فإنها تفترض وجود الآخرين ووجود العالم، ووجود الله"(2). نيقولاي برديائف إن الأنا الشعري في نص اليساري مفرد بصيغة الجمع فالشاعر يأخذ جزءا مهما من فكرته المكتسبة عن نفسه من المرجعية التي تتمثلها الأنا عن ذاتها، فالظاهر لا يظهر إلا بصورة الباطن.

وكأن العبور إلى الذات

طيش أو أغنية لا تنتهي(ص. 27، باقةاشتعال)

إن الآخر عنصر من عناصر إدراك الأنا نفسها. فمحيي الدين بن عربي يؤكد على تلك المرجعية التي يتبلور فيها الحوار القائم بين الأنا والحقيقة والآخر يقول: "كل واحد يراك من حيث هو، لا من حيث أنت، ومن رآك من حيث هو فإنما رأى نفسه".

إن الأنا الشعري عند اليساري تتحول من أنا مونولوجية إلى أنا ديالوغية تستبدل خطاب الداخل بالخطاب من الخارج، وبذلك تصبح صورة الباطن حوارية في نطاق اللغة فقط، بينما الأنا الشعري هنا يحاور الآخر لتشكيل علاقة تفضي إلى التوحد.

يقول ابن الفارض :

تحققتُ أنا في الحقيقة واحد

وأثبت صَحْوُ الجمع مَحْوَ التشتُّتِ.

إن الإدراك المتميز للذات الشعرية عند اليساري في الآخر ينشأ عند الوعي الخاص بشخصيته كباث من جهة وكمتلقي عبر المرآة من جهة أخرى.

الهوامش:

1- زين العابدين اليساري" العري على موائد اللغة" شعر" مطبعة طوب بريس، الطبعة الأولى،  مارس 2008.

2ـ العزلة والمجتمع ـ ترجمة فؤاد كامل، القاهرة، النهضة المصرية، 1960، ص. 112 ـ 113

ــــــــــــ

بقلم الدكتور: عبد النور ادريس

Abdennour.driss@gmail.com

 

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
25 mars 2012 7 25 /03 /mars /2012 21:24
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
24 mars 2012 6 24 /03 /mars /2012 21:59

البعد الفلسفي و الرؤية الصوفية في ديوان "مقامات الوله" للشاعر عبد الله الطني MAKAMAT WALAH

الكاتب محمد يوب

 الشاعر عبد الله الطني واحد من أبرز الشعراء المغاربة الذين يمزجون في قصائدهم بين الشعري و الفلسفي،حيث القصيدة الواحدة تطفح بقضايا فلسفية كبرى يعبر فيها الشاعر عن قضايا وجودية بأسلوب شعري. وأول ما يصدمنا في الديوان هو عنوانه"مقامات الوله"حيث نجد أنفسنا أمام عنوان ملغز ومشوش يحتاج إلى وقفة متأنية،باعتباره عتبة أساسية لدخول المتون الشعرية المشكلة للديوان،فالعنوان عتبة أولى تساعدنا على كشف أسرار القصائد الشعرية التي انقسمت إلى قسمين: 1- من أناشيد آدم أو تاسوعة الوله 2- فصوص عذرية من ديوان حي بن يقظان وكل قسم من هذين القسمين يتضمن قصائد تنحى منحى القسم الذي تنتسب إليه. فالمقامات مصطلح صوفي يقصد به مواضع إقامات المتصوفة و العارفين،المواضع التي يصلون إليها بعد مكابدة ومجاهدة النفس وتربيتها على العبادات،والمقامات مفردها مقام وهو ليس بمعناه المادي وإنما بمعناه المعنوي،أي الإقامة في حالة من حالات السلوك كأن تكون تدريب النفس على الزهد و الورع و الوله....ولهذا فإن لفظة مقامات جاءت مضافة إلى الوله وهي أقصى درجات العشق و الحب الرباني. فالقارئ لديوان"مقامات الوله" يشعر بأن الشاعر له هوية خاصة وملامح مميزة تميزه عن كثير من الشعراء سواء على مستوى المواضيع التي يتناولها أو على مستوى البناء الفني و البنية الداخلية. وإذا أردنا دراسة شعره ينبغي علينا دراسته كبنية متكاملة،بنية كلية،حيث لا يمكننا فهم مقصديته في حدود المقطع أو البيت الشعري،وإنما نفهمه في كليته،لأن قصائده تتضمن قضايا فلسفية لا يسعها البيت الشعري و لا تسعها القصيدة كلها،وإنما تحتاج إلى نظرة موسعة في أعماله كلها،فعندما نقرأ في قصيدة "نشيد المرآة و الوجود" "وكان ماكان... هاكم أمري كان الكهف ظلاما وأنا في الكهف مسافر أحمل ألواح السر..." مقامات الوله ص6 فإننا لا نفهم القصيدة مستقلة و لانصل إلى دلالتها إلا إذا كنا على اطلاع واسع بقضية الخلق من منظورها الفلسفي،ومن وجهة نظر أفلاطونية الذي يعتبر الكون بمثابة كهف مظلم،وأن الإنسان مسافر لا محالة إلى عالم آخر هو عالم المثل أو عالم الحقيقة. فهذا المقطع لا يفهم في ذاته وإنما يفهم في علاقته بالسياق المعرفي ككل وبعلاقته بالديوان و بالرؤية الفلسفية العميقة التي يحملها الشاعر. فالقضايا الفلسفية و الأسئلة الوجودية تبدو حاضرة في الديوان بأكمله،بل في أعمال الشاعر عبد الله الطني. ومن هنا تطرح علينا كثير من الأسئلة كتداخل الأجناس الأدبية و الفكرية،وإلى أي حد تحقق قصيدة الفلسفة المتعة الشعرية؟وهل القصيدة الشعرية تطرح نفس الأسئلة التي تطرحها الفلسفة؟وما جدوى الإيقاع الشعري في الشعر الفلسفي؟ تلك أسئلة متنوعة تفيدنا في تعميق البحث في ديوان "مقامات الوله"للشاعر عبد الله الطني. وأول ما يلفت انتباهنا في شعر عبد الله الطني هو لمسة الغموض التي تسيطر على كثير من قصائد الديوان،هذا الغموض الذي هو ميزة فيه وليس عيبا لأن هذا الغموض يثير درجات من المتعة لدى المتلقي ويؤكد حاجته إلى التأويل. فالغموض سمة من سمات جمالية الشعر عند الشاعر،فليس القصد من الغموض هو الإبهام وإنما هو غموض يتضمن حمولة فكرية عميقة ودلالات متعددة بتعدد القراءات و التأويلات. ومن واجبنا كنقاد تتبع هذا الغموض وتنوير القارئ لما بعده من دلالات،فكلما اشتدت الظلمة كلما انفتحت كوة تنير عتمة المعنى،كما أن مع العمى يشتد الإنصات وتتقوى معه الأذن الثالثة. ولرفع هذه الغشاوة وإنارة الطريق لابد من امتلاك الأدوات النقدية و الحمولة الفكرية و المعرفية التي تجاورأو تتجاوز الحمولة الفكرية التي يملكها الشاعر من أجل كشف هذا العمى وإنارة المتلقي. ولفهم دلالة النصوص الشعرية في أعمال عبد الله الطني لابد من الانطلاق من اللغة باعتبارها المعبر لفهم هذه النصوص،فهي تتضمن معان مختلفة،وعلى المتلقي كشف هذا الاختلاف واستنباط المعنى العميق والبحث عن المعاني المؤجلة و الغائبة في هذه النصوص. فالباحث في شعر الطني كمن يبحث عن سر الموت،القدر المؤجل،فعند قراءة أعماله تشعر به وكأنه يؤجل المعنى لأن في تأجيله حياة للقصيدة ومزيدا من مضاعفة درجة شعريتها. ففي قصيدة "فص الوجد" التي يتحدث فيها عن إشكالية فلسفية عميقة وهي قدرة العقل البشري على معرفة الله تعالى دون حاجة للوحي أو التنزيل،إنها قضية فلسفية يتناص فيها مع قصة حي بن يقظان لابن طفيل: (هناك هناك على جناح الطل على قطرة ماء وجدت الله عاريا من كل كلام من كل حجاب إلا من لغة الأشياء) مقامات الوله ص38 إنها نظرة في الذات وفي الكون لكشف لغز الخلق ووحدانية الله تعالى بأقل الكلمات المؤدية للمعنى المفيد الذي يغني عن كثير من الكتابات،وهي نظرة شاعر متأمل في الحياة كنظرته إلى السماء في لوحة الغلاف المتوجهة إلى قرص الشمس الساطعة المشعة بنورها،الذي ينير عقول البشر،نظرة فيلسوف شاعر وشاعر فيلسوف،جمعت قصائده بين جمال الكلمة وانزياحاتها اللغوية و البلاغية،التي مزجت بين شعرية القصيدة ومنطق الفلسفة. فكل قصائد الديوان تتشكل من البعد اللغوي المعتمد على الاشارة،حيث الألفاظ لها أبعاد سميائية علاماتية تسير بشكل مواز مع المعجم الصوفي وهذا يظهر من خلال القصائد الشعرية: 1- نشيد الكهف 2- نشيد المرأة 3- نشيد البحر 4- نشيد الكون 5- نشيد الموت كل هذه الألفاظ وغيرها تتضمن دلالات عميقة في ذهن المتلقي تفتح له باب التأويل على مصراعيه،لأنها ألفاظ مشحونة بصور ذهنية متشظية تختلف باختلاف المتلقين وما يجمعهم هو غور أعماق دلالات هذه الدوال. كما أن هذه الألفاظ المستعملة في الديوان (الاتحاد-الشروق-البعث- الوجد-السديم ) هي ألفاظ تنسب إلى قاموس المتصوفة الذي يحتمل كثيرا من المعاني،ألفاظ تساعد الشاعر للصعود إلى مقام من مقامات الوله،قد لا تطاوع المتلقي لأنها ألفاظ تعاش أكثر مما تقرأ،ألفاظ عرفانية يتذوقها المتصوف دون غيره من الناس،ألفاظ تحجب الرؤية عن المتلقي البسيط (الحرف حجاب) كما يقول النفري،فالمطلوب التسلح برؤية فكرية عميقة لمسايرة أفق انتظار وتطلعات الشاعر. محمد يوب

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article
1 janvier 2012 7 01 /01 /janvier /2012 19:56

 

Photo1278.jpgالمسالك الممكنة لاكتشاف الذات

في ديوان "مقامات الوله" للشاعر عبد الله الطني

ذ.صالح لعوان

 

 

 

 

 

 

تقديم:

أنا سعيد جدا لإتاحتكم هذه الفرصة لي لأقدم أمامكم هذه "المشاهدة" في ديوان "مقامات الوله" للشاعر و الفيلسوف عبد الله الطني. و اسمحوا لي أن أقول إن القراءة، فيما يبدو لي، ليست حرفـــــة، و إنما هي فن اقتناص المصادفات السعيدة مع أثر ما كان شعرا أم نثرا أم لونا أم نغما. و في حالة الشعر عزمت أن أستضيف القصيدة و أن أجلس أمامها وجها لوجه، أرنو لعينيها و ملامحها و ألوانهـــــــــــــا و إيماءاتها. لقد حاولت أن أنفذ من كل هذه الإشارات إلى دواخلها و الظفر بها، و بما تصرح به و ما تخفيه. إن القراءة مشاهدة للمعنى في أحلى حالات صفائه. و من ثمة فهي سعي نحو امتلاك الحقيقة من خلال الدخول مع القصيدة في رحلة محبة و تعارف و اكتشاف. هي رحلة لاكتشاف اللحظة التي يتجلى فيها الشعر بين أيدينا و نحن نقبض على القصيدة و ننعم بغواية أنوار الشعر. و يمكنني أن أقترح عليكم ثلاث محطات لتقديم هذا الديوان هي كالآتي:

1-     في مرتبة الديوان:

يتضمن الديوان ست مجموعات شعرية هي:1 - من أناشيد آدم أو تاسوعة الوله. 2 - فصوص عذرية من ديوان حي بن يقظان. 3 - مدارات بلورية. 4 - أبواب الروح. 5 - هلاميات مسافر. 6 - مقامات الوله. و هذا العنوان الأخير يشكل عنوانا للديوان و للبعض منه. عنوان للجزء و للكل.  و كل مجموعة تضم قصائد قصيرة في المجمل. و يمتد على طول 122 صفحة، و هو مهدى لمعلمي الوله الخمسة: جمال الدين العلوي، طه عبد الرحمان، محمد بنعمارة، فريد الأنصاري، مصطفى الرقا. و هو أول ديوان يصدره الشاعر عبد الله الطني. ديوان يمتد على زمن طويل من أول قصيدة في شتاء 1985 إلى ربيع 2008 أي على مدار 23 سنة. و المفارقة هي أنه رغم كونه الإصدار الأول للشاعر لكن طبيعة الكتابة  فيه تشبه كتابات أواخر العمر كما هو معروف. و هي كتابات تجمع بين الحكمة و الجنون، و بين الخفــــاء و التجلي، فيها نذير بنهاية الكتابة و أن كل شيء قد قيل و أن الكلام قد ختم. و في هذه المرحلة أيضا تتحقق صورة الذات و تبلغ النفس كمالاتها بالفعل. و من بوادر الشيخوخة أن الذات تود أن تقول كل أو بعض أسرارها، في حال من البوح و المساءلة و إعادة بناء الوعي بالذات و العالم. كما أنه كلما تقدم بنا العمر ازداد لدينا الإحساس بمعنى البداية، و عليه يبدأ الاقتيات من الذاكرة و يزداد الإحساس بالزمن ما تقدم منه و ما تأخر. لحظة شبيهة بالوقوف أمام المرآة، نكون فيها أما أنفسنا وجها لوجه بحيث يفتح باب المناجاة و المساءلة يتجاذبهما سؤال الرضا من عدمه. لحظة هي نوع من معاينة الذات و حالها. و هي لحظة وجودية و إنسانية يعيشها الناس بثقلها و متاهاتها بأفراحها و آلامها. فما على الشاعر حينئذ إلا أن يتدرج في الصعود عبر مقامات الذات و حالاتها حتى يرى ذاته في أحلى حالات صفائها تجليا و انكشافا،  في مرآة أم على صفحة ماء أم في طينة أم في قصيدة. و بسبب هذه الرحلة الشاقة نحو اكتشاف و استعادة البدايات الأولى للذات و الأشياء لم يقبض الشاعر إلا على الحيرة  و القلق و الشوق و الحزن.  و من هنا جاء، في بدا لي، عنوان الديوان: "مقامات الوله". و سيتضح هذا المقصد أكثر حينما نباشر للتو تحديد دلالاته.

2-     في معنى "مقامات الوله":

المقامات من قام و أقام. مفرد، مقام و مقام، أو مقامة و مقامة. و المقام يعني موقع القدمين، و المنزلة و الإقامة و موضعها و زمانها. و المقامة تعني السيادة و المجلس و الجماعة من الناس و الخطبــــــة أو العظة أو الرواية التي تلقى في مجتمع الناس و منها "مقامات الحريري". و المقام هو مخرج الكسر و هو عدد يدل على عدد الأجزاء المتساوية التي قسمت بها الوحدة. و من فعل قام تشتق أيضا القيــامة و هي الانبعاث من الموت. و أقام الشيء أدامه و بالمكان دام فيه و اتخذه وطنا. و أقام الحق أظهــــره. و أقام للصلاة نادى لها و في معنى آخر أتمها.

و الوله: من وله يله ولها: و يعني حزن حزنا شديدا حتى كاد يذهب عقله. و تحير من شدة الوجـــــــد. و يعني أيضا الفزع و الحنين و الخوف. و ليس غريبا أن يتجاور معنى الوله مع معنى التأله. فأله ( بفتح اللام) و تأله: صار إلها، و تكلف الألوهية و تعبد و تنسك، و أله: (بكسر اللام) ألها: تحير، و يقال "ألهت عليه" أي اشتد جزعي عليه.

فإذن، مقامات الوله، أو مقامات التأله شيء واحد، و تدل على دعوة للإقامة في موطن الحيرة و الحزن و الشوق و الوجد و الفزع و الخوف و الرغبة في الانبعاث من جديد و قول الحق، أو هي الرواية التي تحكي كل هذه الحالات و الوضعيات الوجودية. و قد تدل المقامات في عرف أهل الصفاء على التردد على أبواب الروح و التدرج في منازل و مراقي الإيقاع و التحير و الجذبة و المجاهدة بغية نيل المرام الصعب و المتمثل في العودة إلى الفطرة الأولى و العيش ملء حالة من النقاء مثل نقاء الخلاء و العراء. و هي حالة الإفلات من الحدود و القيود. (فص الدخول، ص 26، باب الاخضرار، ص 66 و 77)

و بناء على ما سبق أتساءل: ماذا يعني أن يعلن الشاعر عن وعي أنه يسكن مقامات الحيرة و الحــزن و الشوق؟ فإلى جانب الطابع المجرد و الصوفي الذي يميز الجملة الشعرية القصيرة في هذا الديوان، يمكنني أن أختبر الفرضية التي تدعي أن الشاعر يود أن يخلي مسؤوليته عن كل ما سيصدر عنه من شطحات (ها كم شذرات من سحري،ص 10، ها كم شطحات من سكري، ص 11). و أنه قرر الدخول، عن وعي، في باب من رفع عنهم القلم من الأطفال و الدراويش و المجانين. يهيم حاملا مشكاة الوحــــــــــدة و الشعر (ص 7). و حينها سيكون من الجائز له أن يقول ما لا يقال عادة. و هنا تصبح الخطيئة مشروعة، و كل شيء مباح. لكن كان عليه أن يتذكر أنه سيكون مدانا مرتين و بخطيئة مضاعفة: اقتراف الممنوع و التصريح جهرا باقترافه. فمن يا ترى يغفر للشعراء زلاتهم إن هم زلوا ذات مرة؟

3-     المقامات و التولهات و مسالك اكتشاف الذات:

يمكننا تقفي آثار الجواب على السؤال حول مسالك تجلي الذات لذاتها و بذاتها على طول قصائد هذا الديوان و بالوقوف أمام أبوابه و عتباته و مقاماته و تولهاته. فالقصيدة فيه إما توله و تحير و عشــق أو باب يطل على باب من أبواب الروح و على متاهاتها و أسرارها أو عتبات للسعي و الطلب، أو منازل و مراقب لرصد حركة النفس و أفلاكها، أو مراكب للإبحار في أنهار و بحار لا تنتهي، أو في كؤوس نرشف فيها هيولى ماء يروي و لا يروي. و في كل هذا يتصرف الشاعر و كأني به يقف في حيرة من أمره لا يسعه إلا الوقوف على عتبات يصعب عليه الإفصاح عنها، و كأنه يلمح، فقط و يترك للقارئ فرصة كي يطل ليرى ما يريد. و في أعلى المقامات نقف مع الشاعر، على لحظة البدء و الخلـــــــــــــق و التكوين حيث كل شيء لا يزال في مرحلته الهلامية، دخانا، كل شيء لم يتحقق بعد، و لم يحدد إلى ما سيؤول إليه في الوجود مادة و شكلا. لحظة الوحدة التي صدرت عنها الكثرة، العقل و الجسد، الذكــــــر و الأنثى، المعرفة و الجهل، إنها لحظة المرور من العدم إلى الوجود. و بعدها من الوجود إلى الفنــــاء، و من الفناء إلى البعث. إنه هوس الأبد و الأزل، الأول و الآخر، هوس يصيبنا جميعا بطريقة غريزيـــة. و المفارقة أنه لا سبيل إلى معرفته و لا سبيل إلى الشفاء منه. هوس مزمن. هوس يشكل في الحقيقة أصل كثير من عذابات النفس. فمن منا لا يحلم لو كان حاضرا في بداية التكوين ليختار ذاته و صفاتـــه و أخطاءه كما يشاء هو. فمن منا لا يحلم أن يكون الأول في كل شيء. و من منا لا يتذكر كيف كان قلبه يرف و قدماه ترتعدان حتى يكاد يفقد توازنه حينما يهمس له: أنت الأول، أو أنت الحبيب الأول. إن التعبير هنا لا يأتي إلا على شكل نوبات جنون أو بهجة حارقة تسري حرارتها عبر مسالك الجسد كله. لكن التعبير هنا لم يكن دائما يسيرا و متاحا سواء على الشاعر نفسه أو على محاوريه داخل القصيدة.

و هذا الذي أسميته، عند الشاعر عبد الله الطني، هوس الأول أو غريزة الهوس بالبداية موضوع يخترق قصائد الديوان كاملة:  بداية الكون، بداية الزمن، بداية اكتشاف الرغبة و الجسد و الأنثى، اكتشاف الوعي بالذات، و اكتشاف القصيدة.  يتعلق الأمر ليس فقط بورود كلمة الأول بشكل يملأ مساحة العين في القصيدة. أو في ترتيب أنواع الوله و مقاماته،( قراءة قصيدة نشيد الكهف و الأنثى ص 4).  و لكنه يتجلى بصورة أساسية في استعارتين هما: استعارة آدم و استعارة حي بن يقظان. و يمكن إلقاء الضوء على هاتين الاستعارتين كالآتي:

أ‌-        معنى آدم:

يمكننا القول إن استعارة آدم تدل على الشوق الذي يراودنا في النزول أو الصعود إلى عالم البـــــــــداية و اكتشاف الرغبة. و في هذا السياق قدم الشاعر صورة جديدة لآدم. فآدم لم يعد كما نعرفه الأب الأول لسلالة البشر و لا أول الأنبياء، و لا أول الخطائين. و لكنه كان أيضا أول الشعراء، أب الشعراء. فالبشر و الشعر خرجوا دفعة واحدة و من أب واحد و ربما أن الشعر مثل الأنثى خرجا من ضلع واحدة. (ديباجة الوله ص 5).

و حينما نحدق في أعين القصيدة نجد أنها تقول كلاما طويلا و تطرح أسئلة صعبة. فلماذا كان الشاعر مضطرا لنسج هذه الحيلة، أو الاستعارة؟ أي لماذا أرجع أصل الشعر إلى آدم؟ هل هو سؤال البحث عن مشروعية لقول الشعر؟ إن كان هذا هو القصد، حينئذ يتحول السؤال إلى حيلة للتشويش على القارئ لأن قول الشعر مشروع في الأصل. فماذا تبقى لنا أن نفهم إذن؟ لقد بقي أن نفهم أن الأمر لا يتعلق بمشروعية قول الشعر و إنما يتعلق الأمر بمشروعية ما نود قوله في الشعر و في القصيدة. إنه الممنوع، رغبة أم عشق، أم لحظة ما ضاعت و لا سبيل لاستردادها. (هلامية البعث ص 85). فمن منا لم يأخذه الحزن عن طرق كثيرة أضاعها أم أضاعته. أو أحس أنه أتى في زمن غير زمانه، و أخطأ وجوده مع مواعيد فرح محققة. من منا لم يقترف ذنبا أو راود ممنوعا، أو ارتكب أخطاء. من منا لم تتعبه حقيبة أحلامه الممنوعة و هو يرحل في متاهات هذه الحياة؟ و من منا لم يتعبه القن السري لصندوق أخطائه، ليتحول انشغاله في كثير من الأحيان إلى البحث عن مكان آمن كي يخبئه فيه، يتفقده في كل مرة كي لا يعثر عليه أحد. من منا لا يحمل كل هذا الثقل و يبحث عمن يبوح له و يخفف عنه مشقة هذا السفر العسير. ( قصيدة باب الخلود ص 72- 75)

و هنا نكون قد وقفنا على حافة الذات لنشاهد عالم الأسرار، و عالم الأخطاء، و عالم اكتشاف الجســـــد و الرغبة. عالم يحلم، كل واحد منا، دائما بالعيش فيه و التعبير عنه لكن بلا عقاب أو مطاردة أو ملاحقة من أحد. (نشيد المرآة و الوجود، ص 6).  

إنه عالم لا يتحقق إلا حينما يكتمل الليل و يلف الظلام كل أطرافنا، أو في ظلال الكهوف البعيدة أو في القصيدة. و في القصيدة نبحث عمن يتورط معنا في الخطأ، و يقبله، و لا يفضحه. من يقبل أن يحيا معنا في عالم لا يكون كهذا العالم الذي يراه الكل و يصنعه الكل، و يكون فيه الكل ضد الكل. عالم يكون فيه الكل مع الكل في الصواب و الخطأ، في الخير و الشر. و في القصيدة نعيش أخطاءنا الخاصة و نفعل ما نريــــد. و في القصيدة نكون مقيدين بحدود الكلمات، أيضا لكن قيد الكلمات أهون على الروح. و بهذا يغدو التيه أمرا محتـوما. و الوله أمرا أبديا. و إن كنا لا نستطيع العيش دون أخطاء، علينا إذن أن نبحث عمن يشاركنا. إن الشاعر هنا لم يبحث عن أصل الشعر بل كان يقصد البحث عما يمنحه القدرة و الحق في أن يبدع ذاته كما يريد و أن يفعل ما يريد و أن يقول ما يريد، و عمن يصدقه أو يتورط معه.  

ب‌-    معنى حي بن يقظان:

يمكننا القول أن دلالة حي بن يقظان تتمثل في الرغبة في العودة إلى حياة الغابة و الخلاء و الإفلات من الأسر و من قفص الأسماء (ص 32) و من ضيق الحدود و فقر الوجود، (ص 67) و الخوض في رحلة اكتشاف الوعي بالذات. و في سبيل فحص هذه الفرضية، اسمحوا لي، قبل ذلك، أن أقول كلمتين: الأولى أن استعارة "حي بن يقظان" تمتد على أكثر من مجموعة، بحيث نجد مجموعة القصائد تحمل صراحة عنوان "فصوص عذرية من ديوان حي بن يقظان" و في الباقي ترد فقط إشارات تدل عليه، مثل، الغابة، الظبية، العراء و غيرها. و الثانية أن الديوان كتب بين مكانين هما: الكعدة الحمراء ( مسقط رأس الشاعر) و مكناس (مسقط قلبه وقدميه).

و يعرف الجميع، كما نعرف نحن أيضا أن قصة "حي بن يقظان" تنتمي للتراث الفلسفي الإسلامي و قد كتبت بأربع روايات: كتبها ابن سينا و ابن طفيل بنفس العنوان، و السهروردي بعنوان "الغربة الغربية" و ابن النفيس بعنوان "فاضل بن ناطق". فكما كتب الشاعر قصة أخرى لآدم آخر كما يراها هو، كتب قصة أخرى لحي بن يقظان مرة أخرى شعرا. إن الأمر يتعلق بمحاولة لتفجير الذاكرة كما بنيت. محاولة لإعادة كتابة تاريخ الذات. فمن خلال معاينة القصائد يتبين أن الشاعر قد حاول كتابة رحلة ذاتية من خلالها تحاول الذات أن تبدع ذاتها و تاريخها و تعمل على تكثيف وجودها في الوحــــدة و التعدد. في التراث الإسلامي تعد قصة حي بن يقظان رحلة ماردة للعقل كي يكتشف الحقيقة و يكتشف ذاته بدون شوائب و وسائط. و عند الشاعر تعد قصيدة حي بن يقظان رحلة ماردة أيضا و لكن لاكتشاف الوعي بالذات و اكتشاف القراءة و الكتابة و اكتشاف القصيدة باعتبارها البيت أو المقام الذي يسكنـــه أو يقيم فيه الشعر و الوجود معا. رحلة ماردة لاكتشاف الحقيقة و الجسد و الآخر و  مذاق الحياة كما يراها من منظور الفطرة الأولى و من دون قيد و لا شرط. (ص 26 – 29 ص 66 – 67، ص102).

 و خلاصة القول هي فأن نقول الشعر بلسان آدم يعني أننا نرغب في التجلي في حالة وجودية أولى. لنحيا لأول مرة، و نكتشف الرغبة و الجسد و الخطيئة لأول مرة، نحب و نشقى لأول مرة. و أن نقول الشعر بلسان حي بن يقظان، يعني أننا نرغب أن نكون نحن البداية. بداية بدون سوابق. بدون أم و لا أب، نهيم و أحرارا بإطلاق الاسم و المعنى نتوه بلا مأوى كي نكتشف القراءة و الكتابة، الصــــــــــواب و الخطأ، و نقيم في مدينة، نقية الألوان، وفق قواعد تضعها الذات من ذاتها بناء على الفطرة و الذوق السليم. لكن السؤال الصعب الذي لا ينفك يطرح هو: لو أتيحت لكل واحد منا الفرصة أن يكون كآدم أو كحي بن يقظان، و أن يمسح الزمن و يعيد بدايته من نقطة كلها نقاء و صفاء فهل سيخطئ بعدها أم لا؟ هل سيختار من دون أخطاء؟ و هل سيحيا دون أن يخطئ و هل سيحب و يعشق من دون أخطاء؟ هل سيفكر من دون أخطاء؟ و هل يمكننا أن نلتقي مع آخرين في حالة من هذا النقاء التام؟ كل ما أستطيع قوله هو أن هذه العودة، في الواقع، مستحيلة. لكن الرغبة الجارفة في تحقيقها تبقى حلمــــا لا يفارقنا أبدا، حيث يتحول الحلم إلى رغبة مستحيلة، و هي بدورها تجعلنا في حيرة و شوق و حزن يكاد يذهب عقلنا و يخرب كياننا. و هذه هي التجربة الإنسانية التي يحاول ديوان "مقامات الوله" لعبد الله الطني أن يقربنا منها عبر كل مسالكه.

و من بين كل المقامات الأخرى من "مقامات الوله" يمكنني أن أهم بالخروج من هذه "المشاهدة" بمقام عنوانه "فص الدخول" ص 26:

حرف،

     على،

            حرف

تكوثر ديوانك يا ولدي

استفقت وحيدا

كما تستفيق الأرض من وهدتها

واصلت وحدك

عندما انتنى

من قدميك الطريق

عانقت وحشة الأيام

و الأشياء

و كتبت ما كتبت

في لوح الغاب و ماء الغدير

اسمك مفصولا

عن تاريخ الأسماء

قرأت سرك سافرا

و موصولا بالطين

                و بالأشجار

بدأت أعزلا كالحقيقة

بلا لغة و لا كتاب

سوى لغة الغابة

و تلاخيص السماء

أرقتك السكينة يا ابن يقظان

ألهبك الخلاء تلو الخلاء

فأقسمت بالنجمة

و حليب الظبية

أن تدخل عجب المدائن عاريا

إلا من وله الحقيقة

فأي الحقائق تحمل حلمك الآن

و تلف أذرعها

مثل هذا التجلي

و هذا العراء؟   !

قال حي مبتسما:

العراء حقيقتي

و العراء طريقتي

و العراء بدايتي

و العراء نهايتي

و ليس بين العراء و العراء

و بين الصفات و الأسماء

إلا سلاسل حولنا من كل الجهات

و هذا الوله الذي أركبه

ذاك الحالم دوما بالانفلات و الخلاء.

                           مكناس 29 دجنبر 2011

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية