Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
19 mai 2012 6 19 /05 /mai /2012 22:00

الفلسفة بين الوعي الداخلي والوعي الخارجي: للدكتور عبد النور ادريس

 

الفلسفة بين الوعي الداخلي والوعي الخارجي [1] 

طقـوس لمعرفـة الحقيقـة

ديداكتيكا المواد التعليمية

د. عبد النور ادريس

«أصبحت الفلسفة عصرئذ تفسر العالم الذي اتخذ شكله من خام الفلسفات التي هدفت تغييره سابقا» عبد النور ادريس

إن وعي الفلسفة المعاصر سمح بتقليص الوعي الميتافيزيقي كمنهج وسمح بإمكانية ممارسة هذا الوعي حول الأطروحة الميتافيزيقية كمفهوم، يظهر من هنا أن الفلسفة تريد الإجابة على مسألتين هامتين:

-كيف يكون بوسع الفلسفة تبرير ظاهرة التعاطي واكتساب المعرفة خارج انتمائها للتحليل الابتستمولوجي؟

-كيف تكون أي عقيدة فلسفية جديدة مبررا معرفيا بمجرد احتقار مفهوم المعرفة لدى الفلسفة السابقة.

إن الرغبة في استكمال وإبراز الحقيقة المعرفية بوساطة التحليل الفلسفي هو من صفات كل اتجاه فلسفي غير ميتافيزيقي، لذلك أصبحت المعرفة لا تدرس كظاهرة فلسفية خالصة بل تدرس باعتبارها معطى يحدد التطلعات البشرية لوعي التاريخ الحاضر.

- الوعي الخارجي:

لقد مكن تواجد البنيوية كمنهجية وضع نظرية المعرفة بين فاصلتين:

الأولى: استناد المنظومة المعرفية على مكتسبات الماضي مع الارتكاز على الهياكل الثقافية اللغوية التي تعيد إنتاج الواقع على شكل وعي، بذلك كانت اللغة حصيلة معرفية تحيط بالمعرفة قصد الدلالة على الرموز “الثقافمعرفية” وقد أكد ج. تريير على هذه الخاصية في قوله: “اللغة لا تعكس الوجود الحقيقي لكنها تخلق الرموز المعرفية”.

الثانية: تدارك طبيعة العالم حيث تتضح الفلسفة كأنظومة من الآراء لا تصنع العالم بل تجيب إلى إشكاليات تحيط بالعالم دون طمس الدور الناجح لتدخل سياقات شخصية بشرية في ترتيب هياكل هذا العالم يقول أ.ك. أوليدوف ما يلي: «ليست الأفكار، بل البشر الذين يملكون أفكارا، هم الذين يتخذون سلوكا وقائيا حيال العالم».

فالاختيار البشري يحدد الاختيار البعيد للواقع وبالتالي ينشئ منطلقات واسعة للنظام المعرفي من حيث لا أسبقية وظيفية لواقع ما على حدوث عملية المعرفة التي تقف موقف استهلاك وإنتاج دلالي – مع الارتباط بالعنصر البشري – لكل الإمكانات الايديولوجية التي تصدر عن مرحلة معرفية ما.

إن صمت المعادلة المعرفية يحقق الغياب بخنق المعرفة منذ ولادتها فلا عجب أن أصبح عمر المعرفة ايدانا بانفصام مركب حول الوجود واستمرار الفلسفة في البحث عن قاتل المعرفة.

فليست المعرفة إذن كل ما احتوته الفلسفة بل أيضا ما لم تحتويه باعتباره شرطا من شروطها غير ضاغط على القرار الفلسفي.

وفعلا ظلت العوائق الابستمولوجية تعلن بداية النهاية لانساق معرفية قوامها.

أ) صدور التأمل الفلسفي عن الميتافيزيقي الذي أصبح بديلا معرفيا.

ب) عدم ارتباط المفاهيم الفلسفية بالأرضية الابستمولوجية ذات الوظيفة غير الايديولوجية.

ج) تهافت المنهج المؤدي إلى حقيقة ما حول العالم وعزل الإشكالية التي تنظر إلى العالم قصد تغييره.

بذلك أصبحت الفلسفة عصرئذ تفسر العالم الذي اتخذ شكله العام من خام الفلسفات التي هدفت تغييره سابقا، فارتبطت خصوصيات الفلسفة اليوم بالنزوع لتفتيت مركبات العالم حيث تداخلت وتشابكت حلقاتها ولم تكن قادرة على حمل العلاقة بين الفكر والوجود محمل الجد.

وبذلك صح أن نقول على عكس ما ذهب إليه ماركس، أن الفلاسفة قد ذهبوا في تغيير العالم أشواطا مختلفة، ولكن الأساسي اليوم هو تفسيره بنفس الاهتمام الذي أبدوه سابقا لتغييره.

- الوعي الداخلي

ما المشكل الفلسفي اليوم إلا ضريبة على الوعي المعرفي يزيد في توسيع دائرة الفراغ المعنائي في الإنتاج المبني على نقاش زمن الحقيقة في موت الإنسان، حتى تساءل كولن ولسن قائلا: «أيجب على الفلاسفة الانتحار؟».

إذا كان انتحار الفيلسوف مجرد اختراع الأسئلة الوجودية المبهمة فإن الأعمق من ذلك فشل العلاقات بين الأنا والآخر وقد أشعرنا ريكليه بذلك الصراع المستمر للأنا عندما قال: من يسمعني إذا صرخت؟».

فجل الإرساليات اليوم لا تباشر أي علاقة مع الذهنية المباشرة لمطلق الشخصية البسيكواجتماعي الأفقي، غير أن العلاقة بالأنا كوحدة مستقلة غير العلاقة بين المحور الذي يعيد التقاطع مع الآخر.

إن المعنى يحدد السر، ضمن علاقة تباين دلالي، لهذا تفككت مستويات الحقيقة واختفت في الحرب الدائمة بين الذات والموضوع حتى قال الشاعر كليست: «لن يصل الإنسان إلى الحقيقة إلا إذا انتحر»، وهو انتحار معرفي ودعوة إلى خريطة نفسية تبعد الحقيقة من مجال الذاكرة، فسقراط لم ينتحر لكنه اختار أن يكون حرا في وضع السؤال حول الكيفية التي تمثل طقسا مشروعا لمعرفة الحقيقة.

وقد حاول الفلاسفة الجواب على السؤال الأزلي المطروح «ما الحقيقة؟» دون الوصول إلى نتيجة عامة، غير أن فيخته أجاب بطريقة معكوسة مدعومة بمبررات جعلت وجود الحقيقة في العقل، ثم انتفض متسائلا: «لماذا نهتم للحقيقة المجهولة؟ دعنا ننساها».

عندما يكون الحديث عن الحقيقة من خلال عدم حضورها تكون الكتابة أسطورة والواقع يمثل غنجا تاريخيا ينخرط في زمن ترميم الذاكرة في اتجاه قاعة أن نسيان الوجود أصبح قاعدة لدى بعض الفلاسفة لدغدغة ألغام الحقيقة بينما هناك استثناءات تجعل من هذا التدمير الكلي للذاكرة إصابة الشخصية بالتسمم الذهني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.عبد النور ادريس


[1] – نشرت بجريدة بيان اليوم، عدد 1060 بتاريخ 27-4-1994.

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
6 juillet 2011 3 06 /07 /juillet /2011 16:39
مَنْ يصلح مَنْ؟ الصندوق الأسود أم المخزون التنويري؟
 

علي حرب

[ هبة الفكر

في مقاربتي للمشكلات، أذهب الى أن مكمن العلّة هو دوماً في الافكار، كما تتجلّى في نماذج الثقافة وأنساق المعرفة أو في مسبقات الفكر وقوالب العقل أو في منظومة القيم وقواعد التواصل. والاصل في ذلك أن التفكير هو ميزة الانسان ورصيده، في كل مشاريعه ومساعيه وأنشطته، ولذا، فهو منبع الحيوية ومصدر القوة، عند من يحسن ادارة افكاره وبالعكس. وهكذا، فالعالم تصنعه الافكار، من صور وهوامات ونماذج وقيم ومفاهيم ومشاعر… بها نستنير ونتحرّر او نقيّد ونستبعد، ننجح ونتقدم أو نتراجع ونتقهقر، نحقق المعجزات او نرسف في العجز… [ الازدواج والارتداد ولا يعني ذلك أن المرء يملك الحرية في ما يفكر فيه أو يسيطر على فكره تمام السيطرة. فنحن هِبَة الفكر بالمعنَييْن، بمعنى أننا ننتج الافكار، ونشكّل آلتها في الوقت نفسه، تماماً كما أننا

ننتج المعنى وندين له. ولذا، فالافكار لا تأتي دوماً حسب الطلب، وإنما هي تتداعى وتهجم على صاحبها من غير إرادته، أي تتأتّى بما يشبه الضرورة. مما يعني أن هناك دوماً، جانباً يخرج عن نطاق التفكير، في ما نفكر فيه ونعقله او نبرهن عليه وندعي معرفته، مردّه الى عتمات الفكر وسراديب الوعي، او الى ازدواج الدلالة واشتباه الرواية، او الى تعدد المعنى والتباس المفهوم، او الى مخاتلة اللغة وسلطة النص… وهكذا فالمرء يفكّر بحرية، ولكنه لا يملك الحرية في أن يفكر او لا يفكر، ما دامت علاقته بوجوده هي في أساسها علاقة فكرية. ما بوسعه أن يفعله هو أن يُعمِل فكره، لكي يفكر بصورة نقدية، بتأمل ذاته ومراجعة افكاره. واذا كانت ميزة الانسان انه ذات مفكرة، فإن ميزة التفكير هي الانعكاس والارتداد والازدواج، أي ما يخلق المساحة التي تتيح اللعب على الممكنات بسيرها او اجتراحها وبنائها… من هنا اهمية المراجعة النقدية التي تحمل صاحبها على اخضاع تصوراته وقناعاته للفحص العقلاني والدرس المعرفي، لكي يقيم مع فكره علاقة حيّة، خصبة، متجددة، فعّالة، فلا تستبد به عقيدة أو تأسره هوية او يستعمره أصل او نموذج.. وهذه مهمة دائمة، كما يشهد تاريخ الفكر بحقبه وثوراته وأزماته. مع كل حقبة او ازمة تتم مراجعة شبكات القراءة ونماذج الفهم ومناهج الدرس وادوات التحليل. حتى الافكار الخصبة، مآلها أن تستهلك وتفقد مفاعيلها في التنوير والتغيير، اي قدرتها على الشرح والتفسير او على الفعل والتأثير، لتتحول الى عوائق ومآزق. فكيف بالافكار التي هي اساساً مصدر الجهل والحجب والعجز… [ الوحش والتنين قد تكون المداخل عديدة لتفسير الظواهر وتحليل الوقائع. ولكن المدخل من باب الافكار هو الأولى عند صاحب الفكر، فكيف بمن يشتغل أصلاً بميدان معرفي أو يحترف مهنة التفلسف. والفلسفة تصنع لك شيء مفهومه، ولذا فمشكلة كل شيء تكمن في مفهومه بالذات. هذا ما أحاوله لفهم الوقائع وتفسير الظواهر. ففي مواجهة الظاهرة الاصولية، مثالاً، أعمل على تفكيك الشيفرة الثقافية التي تنتجها وتقف وراء صعودها، كما تتجسّد في العقائد الاصطفائية والمنازع العنصرية، في عبادة الاصول وتقديس النصوص، في العقول المغلقة والحلول النهائية، في الهويات الموتورة والذاكرة الجريحة، في ادعاءات العظمة والعُصمة والطهارة… أي كل ما يجعل الواحد يعتقد بأنه الأحق والأفضل والأشرف والأنقى. ومن هذا شأنه يتعامل مع الناس بعقلية الاتهام والاقصاء والانتقام. وذلك هو مآل الاصولية: الاستئصال الرمزي او الجسدي للآخر، أي ما يصنع الوحش الارهابي. هذه الشيفرة الثقافية هي ما أدرجته تحت مسمى « الصندوق الاسود »، (راجع كتابي: الانسان الادنى، 2005). هذا ما أفعله ايضاً في تفسيري للظاهرة الشمولية: تفكيك العقلية التي تقف وراءها، كما تتجسد في الفكر الاحادي والمعتقد الخلاصي، في النموذج الابوي والعقل الأمني، في عبادة الشخصية واحتكار المشروعية المتعلّقة بالأمّة والهويّة، في اعتبار الشعارات والقضايا أولى من الحياة والناس… أي كل ما يجسّم ارادة التأله والقبض والتحكم، لكي يصنع التنين الشمولي. يضاف الى ذلك، عربياً، ترسانة من المفردات تحتاج الى التفكيك، قد احتلّت الوعي وقولبت العقول مثل الوطنية والوحدة والتقدمية والاشتراكية والطليعة والحزب القائد والزعيم الأوحد والبطل المنقذ، ثم تلتها مفردات المقاومة والممانعة، وسواها من الشعارات التي راجت و »ازدهرت » لكي تتحول الى أصنام عقائدية وتنانين فكرية تنتج آلهة وقطعاناً بشرية. والمآل أن تحصد المجتمعات كل هذا الفقر والقهر والعجز او العنف والتخلف والتفكك. [ ديناميكة وجودية وفي المقابل، عندنا ندرس النماذج الحضارية الناجحة، نحاول تفكيك النمط الفكري الذي يقف وراءها. هذا ما يفعله أحدنا اذا أراد أن يفسر اسباب التقدم في الغرب: لقد انبثقت ديناميكية وجودية من تجلياتها خروج الانسان من قصوره العقلي؛ حمله المسؤولية عن نفسه من غير وصاية لاهوتية او كهنوتية، نبوية او رسولية؛ اعادة ترتيب علاقته بذاته وبالعالم، على نحوٍ يجعله يفكر ويعمل كذات تمارس فاعليتها وحضورها، بقدر ما تملك استقلاليتها وتمارس حريتها في المبادرة، والاختيار والمشاركة في صنع المصائر. وفي أقرب مثال الينا، هذا ما أحاوله، عندما أتأمل التجربة في ماليزيا او تركيا. فنجاح النموذج يعود الى انتهاج طريقة مختلفة في إدارة الشؤون والقضايا والهويات؛ بالانفتاح على العالم، أو الافادة من المنجزات التي حققتها المجتمعات الاخرى، أو الأخذ بمبادئ التعدد والتوسط والشراكة، أو كسر منطق التطرّف والاقصاء، او استخدام لغة الخلق والابتكار. فكل مجتمع يبتكر في النهاية نموذجه او يخترع صيغته. وفي المقابل، إذا كانت المشاريع الحضارية في العالم العربي قد أخفقت او تعثرت، فالعطل كامن في الافكار، كما تتجسم في النرجسية الثقافية، والاحادية الفكرية، والقوقعة الايديولوجية، ونظرية المؤامرة، واستعداء العالم، والمماهاة المرضية مع الذات، والخوف الطفولي من المتغيرات، وسوى ذلك من الافكار العقيمة والثوابت المعيقة التي انتجت العجز والهشاشة، وأورثت التراجع والتخلف. من هنا أذهب، في تفسيري للنماذج الناجحة في التحديث الاقتصادي والانماء الحضاري، بقولي أن اصحابها يفكرون ويعملون بمفردات الاعتراف والشراكة، والبعد المتعدد، والتداول المنتج، والتحويل الخلاق، والتركيب البنّاء، والتجاوز الدائم… [ الفاعل الميديائي ومن هذا المدخل الفكري، قرأت الثورات العربية التي اندلعت على نحو مفاجئ أحدث صدمة لدى النخب الثقافية التي ادعى اصحابها أنهم يملكون مشاريع لتحديث المجتمعات وتغيير الواقع، فإذا بهم يخشون المتغيرات التي أتت على خلاف كل تصوّراتهم وبرامجهم. لقد حاولتُ أن أبيّن أن هذه الثورات فجّرتها قوى جديدة من الاجيال الشابة، لم نكن نحسب لها حساب، ولكنها أحسنت تشغيل طاقاتها العقلية باستثمار الامكانات الهائلة التي فتحها عصر المعلومة والصورة والشبكة، للتواصل الاجتماعي والتفاعل الحيوي والتضامن البشري. نحن إزاء نموذج جديد هو « الفاعل الميديائي » الذي ينخرط في موجة الحداثة الفائقة، ويشتغل بالقوة الذكية والناعمة، ويمارس هوية مفتوحة وعابرة، كوكبية وعالمية. هذا مع أنني لا أوثر استخدام عبارة « الصندوق الاسود » للثورات الجارية. لأنها تصلح اكثر للتعبير عما هو سلبي ومعتّم ومدمّر، أي عمّا وقف وراء الوحش الارهابي والتنين الشمولي، لكي نحصد كل هذه المظالم والمفاسد والكوارث. أما ما هو حيوي ومشرق وايجابي، مما يحتاج الى الدرس والتحليل، لتشكيل خطابه وتركيب مفهومه او صوغ نماذجه، فالاولى أن نجد له مسميات اخرى، إذ هو لا يحيل الى صندوق أسود، بل يستدعي مفردات اخرى، مثل شُعلة ومشكاة، أو نبع ونسغ، أو منهل ومستودع، إذ هو يتعلّق بمخزون تنويري من الرموز والمعاني والقيم والاسماء والاحلام التي فجّرت الطاقات وأطلقت قوى خارقة جعلت المستحيل ممكناً، بقدر ما قلبت المعادلات وكسرت الانماط المستهلكة في التفكير والنماذج القاصرة في العمل. وهكذا فالثورات الراهنة هي لحظات استثنائية أطلقت قوى خارقة، لكي يستيقظ من كان غافلاً، أو يظهر ما كان ما مكبوتاً، او يتحرّك ما كان صامتاً، او يشتغل ما كان معطلاً… [ الرعب المزدوج أما الصندوق الاسود، فإنه لا يصحّ على الثورات الجارية. لا يصحّ على تجربة اليمن التي كنّا نظنّ أهلها متخلفين، فإذا بهم يفضحون تخلفنا، بإصرار الناشطين، هناك، على سلمية الثورة، وسط بحار الدماء التي يحاول رأس النظام إغراق البلاد فيها. إنه يصحّ على العقليات المفخّخة والعقول الارهابية التي بنى أصحابها أنظمتهم السياسية على رعب مزدوج: حكّام متشبّثين بسلطاتهم، ولكن مرعوبين في الوقت نفسه من شعوبهم، خائفين من كل رأي مخالف او صوت معارض. ولذا فقد تفنّنوا بابتكار وتطوير واستخدام مؤسسات التطويع والتدجين، أو آليات التخويف والترهيب، او استراتيجيات الاتهام والاقصاء، أو ممارسات الخطف والاعتقال أو التعذيب والقتل كما في الحالات القصوى. وهكذا أقيمت دول أو دويلات حوّلت القضايا الوطنية والمؤسسات العامة والأطر الحديثة، السياسية والنقابية والاعلامية والثقافية، الى مجرّد واجهة، تُمارَس عبرها سلطة مطلقة لمصلحة أسرة أو جماعة او طائفة او حزب وحيد، تحت عباءة زعيم أوحد يختزل مجتمعه وينسب اليه بلده، لكي يتصرّف فيه كما يشاء، فيكافئ المذنب والفاسد، أو يعاقب المظلوم ويدين المقتول، كما يمكن أن تفعل الآلهة. ومع ذلك، فإن هذه الانظمة، وإن تماهت او استندت الى عصبيات طائفية او مذهبية أو قبلية، فإنها لا تحتكر تمثيل طائفة أو عشيرة، وإنما هي تعمل على تجنيد وتسخير او توريط الجماعات التي تدعي الدفاع عنها، من أجل الحفاظ على السلطة وحراسة النظام القائم، بأي ثمن كان، ولو اقتضى ذلك إغراق البلاد والعباد في الفوضى والدماء. بالطبع جرت مطالبة الانظمة العربية بإجراء اصلاحات جذرية تحدث تحولاً في بنية النظام على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية… ولكن لم تحصل اصلاحات جدية ومُقنعة. ما حصل هو العكس. تغليب الحل الامني، واستخدام العنف المفرط في مواجهة التظاهرات الشعبية. [ استحالة الاصلاح مما يشهد على أن الانظمة القائمة غير قادرة على أن تتغير، وفقاً لمبادئ الحرية والشفافية والعدالة، أو لقواعد التعدّد والشراكة والاعتراف بالآخر. ذلك أن علّة وجود هذه الانظمة وقيامها، هو احتكار السلطة والثروة والاعلام، للسيطرة على المقدرات والهيمنة على العباد، بالختم على العقول وارهاب النفوس وتطويع الاجساد، على ما هو شأن الأنظمة الشمولية والحكومات الديكتاتورية والايديولوجيات الحديدية. ولو كانت قابلة للاصلاح، لما لجأت الى الالتفاف على المشكلة، أو أقدمت على مجابهة التظاهرات بكل هذه القسوة والشراسة. نحن إزاء أنظمة شعارها: لا حقّ للشعب لكي يطالب به. فالمطلوب منه، بل واجبه، تقديم فروض الطاعة والتبجيل والتسبيح بحمد زعمائه، إذ هم أولياء نعمته ومصدر رزقه وبقائه، فالأولى أن يفديهم ويضحي من أجلهم، كما يعبر شعار الفداء بالارواح والدماء. وأعتقد أن القذافي هو لسان حال الزعماء. مع فارق أنه يصرح بما يضمرونه. ولكن خطاباتهم تحجب بقدر ما تكشف وتفضح. ولذا من غير المجدي، بل بات من الغفلة والخداع، عند مَنْ يتأمّل المعطيات ويقرأ المجريات، أن يطلب من الانظمة القائمة او يقترح عليها خطط في الاصلاح والتغيير، على ما يفعل رؤساء دول ومثقفون كبار في مناشداتهم ورسائلهم المفتوحة او المغلقة، لأن هذه الانظمة لا تنتج إلاّ ما تشكو منه المجتمعات العربية من الامراض والآفات. (راجع الرسالة التي وجّهها الشاعر أدونيس الى الرئيس السوري بشار الاسد، جريدة « السفير »، 24/6/2011). [ رهان خاسر ولكن رهان الانظمة على المعالجة الامنية خاسر، سواء في ليبيا او في اليمن او البحرين، أو في المحور الذي يمثله الحلف المقدّس المؤلف من ثالوث ايران وسوريا وحزب الله. فالمتغيرات التي يشهدها العالم العربي، بفعل الثورات والانتفاضات، غيّرت المعطيات بصورة جذرية. ولم تعد تجدي مقاومة ارادة التغيير لدى الشعوب العربية، لبناء مجتمعات تستجيب للحدّ الادنى من مطالب الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. ولنتأمّل المجريات. فحزب الله يكاد يخسر رصيده الهائل في العالم العربي، نتيجة سياساته وتدخّلاته في لبنان وفي بعض البلدان العربية. وسوريا التي أهملت الداخل وأتقنت اللعب في الخارج، قد فاجأتها الأحداث على أرضها وفي بيتها. أما في إيران فقد ظهر المكبوت وانفجر الصراع بين العقيدة الاسلامية والعقيدة الايرانية. ولا عجب، فإيران دولة قومية، والعلاقة بينها وبين شيعة العرب هي مجرّد قشرة ايديولوجية او ذريعة استراتيجية. وهذه هي حال تركيا مع سُنّة العرب. مع فارق أن تركيا دولة غير دينية، وقد نجحت في امتحان الديموقراطية والتنمية، بقدر ما تنهج نهج التوسُّط والشراكة على الساحة الاقليمية. ويؤمَل أن تبقى على هذا النهج حتى لا تخسر رصيدها وتنقلب الامور ضدها. من هنا فإن محاولات الهروب من استحقاقات الداخل لجمع الاوراق واللعب على ساحات الخارج، هي لعبة خاسرة سوف ترتدّ على أصحابها. الأوْلى، عند من يعقل ويتبصر، أن ينصرف الى حلّ مشكلاته الداخلية. فالقوة العارية والمعالجات الأمنية تخلق مشكلات ولا تحلُّها، تماماً كما أن الهويات المغلقة تنتج العجز والفقر، سيما في عصر القوّة الناعمة والهويات العابرة. وبالعكس، فالذي ينجح في قود شعبه، على سبيل التحديث الاقتصادي والتداول الديموقراطي والعدل الاجتماعي، يبني مجتمعاً هو أغنى وأقوى وأقدر على التواصل مع العالم وعلى ممارسة الفاعلية والحضور على مسرح الأمم، بل أقدر على مجابهة التحديات والضغوطات من الخارج. [ حقبة فكرية جديدة أياً يكن، مع الثورات تطوى مرحلة فكرية بنماذجها ورموزها ومفرداتها لتبدأ اخرى تنفتح معها آفاق جديدة وتتشكل ديناميكية جديدة لا تعمل بمفردات المطلق والمقدس والواحد والثابت والاصولي والنخبوي والمركزي والامبريالي، بل تشتغل بعقلية الاعتراف والشراكة والمداولة، بقدر ما تعمل تحت خانة المتعدد، والنسبي، والمتحول، والافقي، والتواصلي، والكوكبي… ولعلّ ابرز درس يستخلص من إخفاق الثورات السابقة بممارساتها الارهابية واستراتيجياتها القاتلة ومآلاتها المدمرة: الكفّ عن عبادة الاشخاص لأن ذلك هو منبع الاستبداد، التوقف عن تقديس القضايا واختزالها في شخص معين لأن في ذلك مقتلها، كسر منطق الحتميات الصارمة التي تخنق الامكان وتشكّل الطاقة على الخلق، التخفف من اراد القبض والتحكم تحت عناوين السيادة والعَظَمة والعُصمة والبطولة… آن لنا أن نغيّر نظرتنا، كبشر، الى مكانتنا ودورنا وقدراتنا. فبعد كل هذه المصائر البائسة بمآزقها وكوارثها ومآسيها، بات من الزيف الفاضح أن نتشبّث بمفهوم السيادة، سواء بمعناه الديكارتي كمالكين للطبيعة، او بمعناه اللاهوتي كخلفاء لله. فنحن لا نقبض على حقيقة مطلقة او نطبّق خطّة مرسومة بصورة محكمة، بدليل ما نُفاجأ به بعد كل هذه التقدّم العلمي الهائل والتطوّر التقني الفائق. الأجدى أن نتحول نحو مفاهيم مثل الادارة والتدبير او التسيير والتشغيل، مما يعني كسر النظرة الحتمية والمركزية الامبريالية، المستقيمة والتقدمية، للتاريخ نحو نظرة أخرى لولبية، مواربة، مزدوجة، متحركة، مركبة، تأخذ بعين الاعتبار التراجعات والارتدادات، الانقطاعات والثغرات، الالتباسات والمفارقات، الطفرات والمفاجآت… لنتواضع. لسنا سادة الكون، ولا سادة أنفسنا. لا نقبض على قوانين العالم الذي نصنعه بقدر ما تصنعنا أحداثه المفتوحة على غير معنىً واتجاه ومسار… إن العالم لا ينفكّ يحدث ويتشكّل أو يتخلّق ويتهجّن أو يتغيّر ويتحوّل، ممّا يعني الحاجة الى مقاربات تكون أكثر مرونةً وتركيباً وعقلنةً، بقدر ما تؤلّف على نحوٍ خلاق بين مختلف الحقول والاختصاصات والمجالات او المذاهب والتيارات. في أي حال، إذا كانت الثورة كلحظة خارقة تعني خروج المرء من سجنه الفكري، فإن ما بعد الثورة، بما يقتضيه من المسارات والبناءات والتحوّلات، سوف يسفر عن انبثاق وتشكيل عقليات ومفاهيم وقيم أو نماذج وأساليب ومؤشرات جديدة، في ما يخصّ العلاقة مع العدالة والمساواة والثروة والتنمية… [ قواعد اللعبة والكلام على افتتاح حقبة فكرية جديدة، يفتح الامكان ليس فقط لتغيير الافكار، بل ايضاً لتغيير يطال مؤسسات تداولها ومصانع انتاجها، كما يطال ادوار المثقفين والمفكرين واستراتيجياتهم في التدخل والتوسط. مما يعني تغيير مفهومنا للندوات الفكرية وقواعد تنظيمها وآليات عملها. فنحن عندما ننظم ندوة نتحدث فيها عن مشاريع النهوض، في العالم العربي، لا يسعنا أن نتحدث كما كان يجري في المؤتمرات الفكرية الاحادية الجانب، والمقتصرة على المثقفين والدعاة من فلاسفة وفنانين. ما هو متاح لنا، اليوم، هو أن ندعو أناساً من الناشطين الذين أسهموا في انبجاس التحولات العاصفة التي تجتاح غير بلد عربي، وفي إحداث هذه التغيرات الهائلة التي عجزت عن القيام بها الانظمة السياسية والنخب الثقافية، طوال عقود، وربما منذ عصر النهضة. إن الندوات التي تهتم بتدارس القضايا العامة والمشاريع الحضارية، هي شأن عام يخصّ الجميع، وبالاخصّ الاجيال الشابة والقوى الجديدة، ممن حققوا هذا الانجاز الكبير بأفكارهم وتقنيناتهم واستثمارها لعقولهم بصورة خارقة وخلاقة. فمن نجح هو اولى ممن فشل في مناقشة قضايا التغيير تحت شعارات الاصلاح والتحديث والديموقراطية والحرية. والنماذج ناطقة كما يجسدها ناشطون يكتبون على صدورهم العارية: نحن الشهداء المقبلون، فيما نجد مثقفين ومفكرين لا يطيقون بعضهم البعض، بل يتصرّفون كأعداء لبعضهم البعض، ولذا لا يتّسع صدر الواحد لسواه. لنعترف بالحقيقة، إن الاصلاح لا تملك مفاتيحه النخب التي تصدرت الواجهة، عقوداً، لكي نصل الى هذا المأزق. لم يعد الزمن زمن ممارسة الوصاية على العناوين الحضارية والقيم العامة. فإذا كان ثمّة فاعل جديد يظهر على المسرح، فذلك يعني ممارسة أدوار جديدة تتغيّر معها قواعد اللعبة. لقد تداعت أسطورة المثقف المُحرّر للوعي والمنوّر للعقول، لأنّ ما أتقنه المثقفون هو فبركة أوهام لا تغيّر واقعاً ولا تصنع مستقبلاً، لأنها تقوم على نفْيِ الحقائق والعجز عن إنتاج وقائع فكرية تغيّر في مجرى الافكار والاشياء. ولا عجب أن يكون المآل كذلك، لأن مفاهيمنا للديموقراطية والحرية والانسانية والعلمانية والعقلانية والحداثة والعمل المدني، قد صدئت واستهلكت، ولم تعد تعطي سوى مرددها العكسي، من هنا حاجتها الى اعادة البناء على اقل تقدير. بهذا المعنى ليست الانظمة وحدها هي التي فقدت صلاحيتها وباتت غير قادرة على الاصلاح. هذه أيضاً حال المثقفين الذين باتوا جزءاً من المشكلة، إذ هم الوجه الآخر للعملة. من هنا السؤال: مَنْ يُصلِح مَنْ؟ ومَنْ يحرّر مَنْ؟ وبالعكس، نجد بأن الناشطين الذين فجروا الانتفاضات العربية، والذين نخشى منهم على الديموقراطية التي لم نحسن ترجمتها، قد اتقنوا العمل على نحو تواصلي، افقي، تبادلي. وبدلاً من أن نلقي عليهم دروساً في الديموقراطية، الأجدى أن نتحدث معهم لنفيد منهم، أو على الأقل لنتبادل معهم حول قضية الديموقراطية. [ العقل وألغامه إنها لمفارقة في العالم العربي أن يحدث هذا التحول الهائل، في زمن قصير، على يد العاملين على الشبكات والكتب الرقمية، فيما أخفق اصحاب المشاريع الايديولوجية والكتب الدينية، على مدى قرن او اكثر. هذه المفارقة تدعونا الى أن ننصت الى ما يقوله الذين لا يمارسون الوصاية على القيم العامة، ولا على شؤون الفكر والعقل والمعرفة، لكي نتعرف الى نظرتهم الى الاشياء وطريقتهم في التفكير وأساليبهم في العمل والتأثير. هذا ما أفكر فيه من جهتي: أن أتحاور مع افراد من الفاعلين الجدد، لكي أسألهم عما تعنيه لهم كلمة عقل او عقلانية او استنارة أو فلسفة… إن الفلسفة تتجدد ليس فقط من الانفتاح على تاريخها، بل من الانفتاح على ما ليس بفلسفة، تماماً أن العقل يمارس فاعليته بالاشتغال على اللامعقول الذي هو قاعه ومادته وبطانته، بقدر ما هو لغمه او ربما سره ومحرّكه… وتلك هي المفارقة الأصلية، أعني الفجوة الوجودية، بين العقل وموضوعاته، أو بين الوعي وسراديبه، او بين الفكر وطيّاته. وهي فجوة تملؤها الاساطير والمحرّمات والتهويمات والرموز والنماذج الاصلية، كما تملؤها المنازع الطوباوية والرومانسية او القدسية والغيبية. ولا أعني بالغيب هنا الاحالة الى كائن أسمى، هو المصدر والمرجع والمآل، وإنما أعني به كل ما يند عن العقل المنطقي، الحسابي أو الاستدلالي او المصلحي او الادائي، من الميول والاهداف والمقاصد التي تشكّل محفّزات المشاريع البشرية، أكانت فردية ام جمعية. وهكذا فما هو خارج عن نطلق العقل يلعب دوراً مزدوجاً، إذ هو يشكل من جهة المحرك والحافز لمشاريع الانسان ومساعيه، كما يشكل من جهة ثانية المادة التي يعمل عليها العقل لتصييرها معقولة. [ سوية مزدوجة مرة أخرى أجدني أكرر قولي بأنني خفضت السقف الرمزي والمثالي، منذ زمن، في ضوء تجاربي وتأملاتي، ولذا لم أعد أؤمن بوجود عهود ذهبية او فراديس ارضية او ممالك تحررية… والشاهد تقدّمه فرنسا، مصدر الثورات وبلد الحركات والموجات التنويرية والتحرّرية، حيث المرأة تُعامَل ككائن من الدرجة الثانية. ما زالت السيطرة للرجل، بل ما زالت النساء تتعرّض للعنف المتفاقم بشكليه، الجسدي والجنسي. الأمر الذي جعل نائبة فرنسية في البرلمان الاوروبي تعلّق بالقول: من المرعب أن تشهد فرنسا، في العام 2011، تصرّفات « بائدة » من حيث المعاملة مع المرأة (مجلة « ماريان »، عدد 737، 4-10 حزيران 2011). ولا غرابة. فالمجتمع البشري لا ينفك ينتج آليات التفاوت والاقصاء والسيطرة، من وراء شعارات التحرر والتقدم والتمدن. وتلك هي المفارقة. لنعترف بالحقيقة: إن التاريخ لا تصنعه الافكار الكبيرة والقيم النبيلة والدعوات المثالية، وإلا لكان العالم أفضل بكثير، أو أقل سوءاً مما هو عليه. ما يصنع العالم، بدرجة كبيرة، من خلف أو من تحت الشعارات المعلنة والخطابات الرسمية والمشاريع الانسانية، هو التفاصيل الصغيرة والهموم الشخصية والمشاعر الحميمة والأحقاد الدفينة والمنازع العنصرية والعُقد المستعصية والنزوات الغريبة والنماذج البدئية او البدائية، وكل ما نحاول حجبه لكي يفعل بصورة مضاعفة وغير مرئية. بهذا المعنى تشكل الثورات التي نجحت في إسقاط النظام السياسي، لحظات تحريرية او تنويرية، استثنائية وخارقة. إنها بدايات، تشبه شهر العسل، بعدها تعود الامور الى سويتها المزدوجة الملتبسة المنسوجة من الفروقات بقدر ما هي مفتوحة على الصراعات، والتي تنتج المفارقات بقدر ما تضعنا على المفترقات، لكي نتردد أو نتوتر، بين المختلفات من التفاسير والقراءات، او بين المتعارضات من البدائل والخيارات. الامر الذي يتطلب الانخراط في عمل متواصل من المراس والجهد والمعاناة والمكابدة، اشتغالاً على الذات والافكار والواقع، لاعادة البناء والتركيب بالترقيع والترميم، أو الاصلاح والتحديث، او التخطي والتجاوز او الجمع والتاليف… [ الخلق والخرق إذا كنّا لا نقبض على الواقع، فما بوسعنا القيام به هو أن نخلق ما به نساهم في صنع الحدث أو نكون على مستواه، بتعديل الوجهة أو خرق الشروط أو تغيير قواعد اللعبة او اعادة ترتيب الأولويات… ولكن مع ادراكنا بأن ما نخلقه يتجاوزنا ويندّ عن سيطرتنا، أكان المخلوق نصاً أم حرباً، اختراعاً أم ثورة؛ ولأن ما نخلقه من الوقائع هو كذلك، فإنه يشكّل إمكاناً مفتوحاً على شتى الاحتمالات وتعدد التأويلات، بقدر ما يشكل فرصة، من جديد، لكي نُحسن ادارة الواقع وتسييره، بصورة ايجابية وبنّاءة، أو بأقل الأكلاف والأضرار، على أقل تقدير. خلاصة ذلك أن القضية هي أن لا نموّه المشكلة، لأن مشكلة الانسان هي مع نفسه بالدرجة الاولى. هذا معنى النقد الوجودي، بما هو محاولة لفهم ما نحن عليه، أي لما نطمسه ونستتر عليه، أو لما نجهله ونتناساه، او لما نتورط فيه ونتواطأ ضده، او لما نولده من المفارقات والتناقضات، أو لما نرتكبه من الفضائح او نحصده من الكوارث. ولكن للمسألة وجهاً آخر: فإذا كانت أعمالنا تفاجئنا، سلباً، بسبب ما نسميه الهوة الانطولوجية التي تسم بنية الكائن، فالعكس هو ايضاً صحيح، بمعنى أن هذه الهوة هي منبع الامكان ومصدر القوة، بقدر ما تشكل الفاصل الذي يقيمه المرء بينه وبين ذاته، اي مساحة اللعب التي تتيح لنا أن نتعامل مع معطيات وجودنا وأن نشتغل على وقائع حياتنا، بلغة الفهم الخارق والتخيّل الخلاق، كما يتجلّى ذلك مآثر ومنجزات. في اي حال قدر الانسان أن يواجه نزواته ونوازعه وآفاته، لمحاربة الطاغية الذي يسكنه، او المفسد او المخرب او الفاشي أو البربري، بالمراس النقدي الدائم، على نحو يحد او يكسر ارادة الانفراد والاحتكار والهيمنة والتوسّع و الانتقام والاستئصال

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
5 décembre 2010 7 05 /12 /décembre /2010 17:22

منهجية كتابة الإنشائية في مادة الفلسفة

إن منهجية الكتابة في مادة الفلسفة تتجسد عمليا في مجموع الخطوات العامة التي تهيكل الموضوع، وتشكل العمود الفقري لوحدته وتماسكه. وبما أن الأسئلة تتنوع في السنة النهائية إلى أشكال ثلاثة :

  • النص الموضوع
  • القولة-السؤال
  • السؤال المفتوح

فسنحاول فيما يلي إعطاء تصور عام حول كل طريقة على حدة :

* منهجية مقاربة النص

يجب اعتبار النص المادة التي سينصب عليها التفكير، لذا تجب قراءته قراءة متأنية للتمكن من وضعه (النص) في سياق موضوعات المقرر؛ وبالتالي اكتشاف أطروحة المؤلف وموقعتها داخل الإشكاليات المثارة حول قضية أو إشكاية أو مفهوم... ويجدر بنا أن نشير، في هذا المقام، إلى أن منهجية المقاربة يحددها السؤال المذيل للنص، علما بأن النصوص عادة ما تطرح في السنة النهائية للتحليل والمناقشة بالنسبة لجميع الشعب. وعليه، نرى أن منهجية مقاربة النص لا تخرج من حيث الشكل على أية كتابة إنشائية (مقدمة ـ عرض ـ خاتمة)، إلا أن لمقاربة النص الفلسفي خصوصيات تحددها طبيعة مادة الفلسفة نفسها. وسنعمل في التالي على بسط هذه منهجية هذه المقاربة على ضوء تلك الخصوصيات.

1) طبيعة المقدمة :

إن المقدمة تعتبر مدخلا للموضوع، لذا يجب أن تخلو من كل إجابة صريحة عن المطلوب، حيث يفترض ألا توحي بمضامين العرض، لأنها بهذا الشكل تمنع من استكشاف ما هو آت، وخصوصا لأن المقدمة ستكتسي شكل إجابة متسرعة.

كما أن المقدمة تعبير صريح عن قدرات وكفايات  عقلية، يمكن حصرها في الفهم (الأمر يتعلق هنا بفهم النص وفهم السؤال)، وبناء الإشكالية. وعليه، يجب أن تشتمل (=المقدمة) على ثلاث لحظات أساسية يتم فيها الانتقال من العام إلى الخاص : أي من لحظة تقديم عام هدفه محاصرة الإشكالية (cerner la problématique   ) التي يتموقع داخل النص، تليها لحظة التأطير الإشكالي للنص، وبالتالي موقعته (=النص) داخل الإطار الإشكالي الذي يتحدد داخله، ثم الانتهاء بلحظة ثالثة تتمثل في طرح الإشكالية من خلال تساؤلات يمكن اعتبارها تلميحا للخطوات التوجيهية التي ستقود العرض.

علما بأن طرح الإشكالية ليس مجرد صيغة تساؤلية، وإنما هو طرح للتساؤلات الضرورية والمناسبة، والتي يمكن اعتبار الكتابة اللاحقة إجابة عنها. هكذا يمكن الاقتصار (أحيانا) على تساؤلين أساسيين : تساؤل تحليلي     (يوجه التحليل)، وتساؤل نقدي تقويمي (يوجه المناقشة)، علما بأن هناك أسئلة أخرى يمكن اعتبارها ضمنية نهتدي بها داخل فترات من العرض، حفاظا على الطابع الإشكالي للمقدمة.

إن المقدمة – إذن - ليست استباقا للتحليل، ذلك ما يحتم الحفاظ على طابعها الإشكالي، ومن خلال ذلك الحفاظ على خصوصية مرحلة التحليل التي يفترض أن تكون لحظة تأمل في النص، من أجل الوقوف على الطرح المعروض داخله وإبراز خصوصياته ومكوناته.

2) طبيعة العرض :

يمكن اعتبار العرض إجابة مباشرة على الإشكالية، ومن ثمة فإن العرض يتضمن لحظتين كتابيتين أساسيتين، هما لحظتا التحليل والمناقشة.

2-1 لحظة التحليل :

إن هذه المرحلة من المقاربة عبارة عن قراءة للنص من الداخل لاستكشاف مضامينه وخباياه، وبالتالي تفكيك بنيته المنطقية وتماسكه الداخليين، كأننا نحاول أن نتأمل عقلية المؤلف لفهم الأسباب التي جعلته يتبنى الطرح الذي تبناه، ويفكر بالطريقة التي فكر بها. ومن ثمة، لابد من توجيه التحليل بالأسئلة الضمنية التالية: ماذا يصنع المؤلف في هذا النص، أو ماذا يقول؟ كيف توصل إلى ذلك؟ ما هي الحجاج التي وظفها للتوصل إلى ما توصل إليه؟

فالسؤال الضمني الأول يحتم إبراز الموقف النهائي للمؤلف من الإشكالية التي عالجه و/أو إبراز طبيعة أهمية الإشكالية التي أثارها... والسؤال الضمني الثاني يدفع إلى التدرج الفكري مع المؤلف، والسير معه في أهم اللحظات الفكرية التي وجهت تفكيره. أما السؤال الضمني الأخير هو سؤال يستهدف الوقوف عند البنية الحجاجية التي تبناها المؤلف، وبالتالي الوقوف عند الحجاج الضمنية والصريحة التي وظفها لدعم أطروحته، وتحديد خصوصيتها، وطبيعتها...

فالتحليل – إذن - هو لحظة تأمل في المضامين الفكرية للنص وهو في الآن ذاته لحظة الكشف عن المنطق الذي من خلاله بنى المؤلف تصوره.

2ـ2 لحظة المناقشة :

إن المناقشة لحظة فكرية تمكن من توظيف المكتسب المعرفي، بشكل يتلاءم مع الموضوع وبطريقة مناسبة...

يجب التأكيد، في هذا المقام، على أن المعلومات المكتسبة تؤدي دورا وظيفيا ومن ثم يجب تفادي السرد والإستظهار... وبعبارة أخرى، علينا أن نستغل المعلومات الضرورية بالشكل المناسب، بحيث يصبح مضمون النص هو الذي يتحكم في المعارف وليس العكس. هكذا سنتمكن من اعتبار المناقشة شكلا من أشكال القراءة النقدية لأطروحة النص، التي تكتسي غالبا صورة نقد داخلي و/أو خارجي تتم فيه مقارنة التصور الذي يتبناه النص بأطروحات تؤيده وأخرى تعارضه، وذلك من خلال توظيف سجالي نحرص من خلاله على أن نبرز مواطن التأييد أو المعارضة.

3) طبيعة الخاتمة :

يجب أن تكون الخاتمة استنتاجا تركيبا مستلهما من العرض، أي استنتاجا يمكن من إبداء رأي شخصي من موقف المؤلف مبرر(إن اقتضى الحال) دون إسهاب أو تطويل. فمن الأهداف الأساسية التي يتوخاها تعلم الفلسفة تعلم النقد والإيمان بالاختلاف.

منهجية مقاربة السؤال المفتوح:

  • إن التوجيهات الصادرة في هذا الشأن،  ا تؤكد على تصور منهجي مضبوط لمقاربة السؤال المفتوح، وهذا أمر يفسح المجال لكثير من التضاربات والتأويلات. ونعتقد أن طريقة السؤال المفتوح هي - بالعكس - من الطرق، الأكثر استعمالا لتقييم التلاميذ مقارنة مع طريقة القولة-السؤال. حيث أن الملاحظة الموضوعية تبين أن المواضيع المقترحة – في فرنسا نموذجا – تكاد تنحصر في نوعين : السؤال المفتوح ومقاربة النص. وحتى تكون منهجية مقاربة السؤال المفتوح، في المتناول سنصحب الخطوات النظرية بنموذج، الهدف منه الاقتراب من الكيفية التي يمكن من خلالها فهم الجانب النظري. من أجل ذلك، نقترح السؤال التالي : " هل يمكن اعتبار الشخصية حتمية اجتماعية ؟ "

يمكن أن نلاحظ أن هذا السؤال قابل لكي نجيب عليه بالنفي أو الإيجاب أو برأي ثالث يتأرجح بينهما...إلخ. صحيح أن الفلسفة تفكير نقدي، إلا أنها، في ذات الوقت، تفكير عقلي منطقي ينبني على المساءلة، والفهم، والتفكير، قبل إصدار الأحكام. وحتى لا يظهر موضوعنا في صورة الأحكام القبلية والجاهزة ؛ لا بد من أن يكتسي صيغة إنشاء، أي بناء فكري متدرج ينطلق من الفهم إلى النقد، مستثمرين الأطروحات الفكرية والفلسفية التي نعرفها.

لنتفحص السؤال المطروح أولا :

يلاحظ ، أننا إذا أزلنا الطابع الاستفهامي للسؤال ( هل] يمكن اعتبار الشخصية حتمية اجتماعية [؟ )، نحصل على العبارة التالية : " يمكن اعتبار الشخصية حتمية اجتماعية ". الأمر الذي يستدعي منا، أولا، توضيح ما معنى أن تكون الشخصية حتمية اجتماعية؟ ! قبل أن ننطلق في مناقشة " هل يمكن اعتبارها حتمية اجتماعية ؟ ". ونعتقد أن تسجيل هذه الملاحظة الأولية سيساعدنا على تمثل الخطوات المنهجية اللاحقة.

1) طبيعة المقدمة

لا يجب، أبدا، أن ننسى أن هدف المقدمة في الفلسفة، هو أن نحول الموضوع، المطروح علينا، إلى قضية إشكالية. وعليه، لابد أن يتحول السؤال ذاته، إلى إشكالية. وذلك بتأطيره، أولا، داخل الموضوعة العامة، ثم داخل الإشكالية الخاصة. كما هو الشأن بالنسبة للنص، أو القولة. لكي تنتهي مقدمتنا، بالتساؤلات الضرورية، المستلهمة من السؤال المطروح علينا ذاته. وحتى يكون كلامنا إجرائيا نعود إلى " سؤالنا ".

للتأطير الإشكالي، للسؤال المقترح، يمكن أن يتخذ تقديمنا العام، صيغا متنوعة. كأن نستغل – مثلا - التنوع الدلالي لمفهوم الشخصية، أو نستغل طبيعة الفلسفة وما تتسم به من خصوصية في دراستها للقضايا المتميزة بطابعها الإشكالي، لنخلص بعد ذلك إلى التأطير الإشكالي للسؤال، بإظهار أن هذا السؤال يحتم علينا مقاربة مفهوم الشخصية خصوصا من حيث إشكالية الشخصية وأنظمة بنائها. لننتهي إلى طرح الإشكالية من خلال صيغة تساؤلية كالآتي : ما معنى أن تكون الشخصية حتمية اجتماعية؟ وإلى أي حد يمكن اعتبارها (أي الشخصية) منتوجا حتميا لمعطيات اجتماعية موضوعية ؟ فلا يجب أن ننسى أن المهم في بناء الإشكالية، ليس هو وضع التساؤلات لذاتها، ولا عددها ؛ وإنما التعبير عن التساؤلات التي سنجيب عنها، والتي لن تؤدي الإجابة عنها إلى الخروج عن الموضوع.

2) طبيعة العرض

ينقسم العرض إلى مرحلتين، وبالتالي لحظتين فكريتين متكاملتين :

مرحلة فهم القضية المطروحة علينا لتقييمها، ويجب في ذلك أن نستغل مكتسبنا المعرفي والأطروحات التي درست. حيث يجب أن تنم كتابتنا عن تأطير فكري للقضية التي سنناقشها. ومن أجل ذلك، يجب أن تبتعد كتابتنا عن العموميات و"الكلام المبتذل" الذي يمكن أن نجده عند "أي كان". إلا أنه، في ذات الوقت يجب أن نتحاشى الطابع السردي، الذي لا ينم إلا عن الحفظ والاستظهار. فنعمل، بالتالي، عن الاستثمار الوظيفي الجيد للمدروس (في الفصل أو خارجه).

وبالنسبة " لسؤالنا " يتعلق الأمر هنا بإظهار تميز الخطاب السوسيوثقافي في التأكيد على الحتمية الاجتماعية للشخصية وأهمية التنشئة الاجتماعية في بنائها (توظيف نماذج من الأطروحات السوسيوثقافية)، مع الحرص على إبراز اقتراب بعض التصورات السيكولوجية من هذا التمثل. حيث، أن المدرسة السلوكية – مثلا – تنفي دور الاستعدادات الفطرية، والمؤهلات الفردية، في بناء الشخصية. كما تتميز المدرسة اللاشعورية، بتنويع مكونات الشخصية، إلى جانب فطري (الهو) وآخر ثقافي (الأنا والأنا الأعلى) والتأكيد على توجيه الجانب الثقافي للفطري. مما يؤكد التفاف العلوم الإنسانية (باستثناء المدرسة الشعورية) حول حتمية الشخصية. ويمكن الإشارة إلى وجود أطروحات فلسفية – قريبة من العلوم الإنسانية - تؤكد على الحتمية الاجتماعية للإنسان (الماركسية مثلا).

ليتم بعد ذلك الانتقال إلى مرحلة البحث عن الأطروحات النقيض، وبالتالي، الاستغلال الوظيفي الجيد للأطروحات، التي ترى رأيا مناقضا لما تم طرحه سابقا بعيدا - كذلك - عن الحشو والسرد والاستظهار...

ويتعلق الأمر بالنسبة " لسؤالنا " بالأطروحات الفكرية التي تتمثل الشخصية، وبالتالي الإنسان، بعيدا عن الإكاراهات الاجتماعية المباشرة، أو النفسية، الناجمة عن تلك الإكراهات. ويتعلق الأمر - في هذا الصدد - بالخطاب الفلسفي الذي يربط الشخصية بالوعي (كانط وديكارت مثلا)، والخطاب الفلسفي، الذي ينفي عن الإنسان، كل ثبات، فيرى الشخصية في تجدد أصيل، وفي ديمومة (برغسون). أو يرى أن ليس للإنسان ماهية ثابتة، لأن "الإنسان يوجد أولا، ثم يحدد ماهيته بعد ذلك" معبرا عن إرادته وحريته (سارتر).

3) طبيعة الخاتمة

ما ننفك، نؤكد على أن الخاتمة، لابد أن تتوزع إلى استنتاج، ورأي شخصي. فالاستنتاج يجب أن يكون دائما مستلهما من العرض فيعتبر، بالتالي، حصيلة، وملاحظة موضوعية للتنوع الفكري الذي يشوب النظرة إلى القضايا ذات الطبيعة الفلسفية. الأمر الذي يعطي لنا، كذلك، الفرصة لندلي بدلونا في الأمر، ونعطي رأيا في الموضوع. إلا أن هذا الرأي، لابد أن يكون مبررا باقتضاب، فنوظف - من أجل ذلك - ما نعرفه من أطروحات. وفي كل الأحوال يجب أن نتحاشى الآراء الفضفاضة من قبيل "الأجدر أن نتبنى ما ذهب إليه الخطاب الفلسفي." أو "وفي هذا الموضوع يستحسن أن نتفق مع الخطاب السوسيوثقافي." ...إلخ، لأن هذا، كما يلاحظ، كلام يحتاج إلى بعض التوضيح.

 

منهجية مقاربة القولة 

من الطرق التي تم اختيارها - إذن - لمساءلة المترشحين، لاجتياز امتحان الباكلوريا في مادة الفلسفة، طريقة القولة-السؤال. وفي هذا الإطار، وجب التنبيه إلى بعض الصعوبات، التي يمكن أن نجدها في مقاربة القولة، والتي يمكن أن نحصر أهمها فيما يلي :

  • تعودنا على طريقة مقاربة النص طيلة الدورة الأولى، مما يؤدي إلى تعميم هذه المقاربة على القولة la citation  .
  • حجم القولة (الصغير) الذي لا يساعدنا كثيراعلى إدراك مضمون القولة بسرعة.
  • فهم السؤال المذيل للقولة، وبالتالي موقعته بشكل من الأشكال داخل المكتسب المعرفي السابق.

ولتخطي هذه الصعوبات، وغيرها، لابد أن ندرك، أولا وقبل أي شيء، أن السؤال المذيل للقولة سؤال يتألف من مطلبين : مطلب يفترض فيه، أن يدفع بنا نحو الكشف عن الأطروحة المتضمنة في القولة، وبالتالي استخراجها. ثم مطلب يدفع بنا نحو مناقشة القولة، وبالتالي تقييم الأطروحة المفترض أن تتضمنها القولة. وسنحاول، فيما يلي، تقديم تصور نظري حول الخطوات المنهجية المتوقعة من مقاربة القولة.

1. طبيعة المقدمة

إن من خصوصيات الفلسفة، أنها لاتدرس إلا القضايا ذات الطبيعة الإشكالية. ومن ثمة، لا بد أن نعمل - في مستوى المقدمة - على تحويل القولة إلى قضية إشكالية. وذلك ما يجعل طريقة التقديم، في مقاربة القولة، قريبة من طريقة التقديم في مقاربة النص. ويستحسن، في صياغة الإشكالية، أن تتنوع الأسئلة إلى نوعين أسئلة ذات طبيعة ماهوية، وأسئلة ذات طبيعة نقدية تقويمية. بما أن المطلوب منا، أولا، هو استخراج أطروحة القولة، فالسؤال الماهوي، يتيح إمكانية التعمق في القولة و"الغوص" داخلها، بدل أن نحوم حولها. أما الأسئلة ذات الطبيعة النقدية، فهي توفر مناسبة للابتعاد النسبي عن القولة، وبالتالي إبراز قيمتها الفلسفية والفكرية على ضوء معطيات قبلية، وبالتالي أطروحات اكتسبناها سابقا.

2. طبيعة العرض

يتنوع العرض إلى لحظتين فكريتين مسترسلتين : لحظة القراءة ولحظة التقييم (أو النقد).

1.2 لحظة القراءة :

وهي لحظة مكاشفة القولة، وبالتالي اللحظة الفكرية التي يجب أن نلزم فيها القولة على التفتق للبوح بأطروحتها أو الخطاب الذي تحمله، أو التصور الذي تعرضه .. أو هذه الأمور كلها مجتمعة. وهذه القراءة تتنوع بدورها إلى قراءتين : سنصطلح على تسميتهما تباعا بالمقاربة المفاهيمية، و المقاربة الفكرية. ثم تليهما مباشرة لحظة الاعلان عن الأطروحة المتضمنة في القولة.

1.1.2 المقاربة المفاهيمية :

وهي لحظة وقوف عند المفاهيم الأساسية، للقولة التي يمكن اعتبارها مفاتيح ضرورية للكشف عن أطروحة القولة. إلا أنه يجب الحرص على أن تبتعد القراءة في المفاهيم، عن الشرح اللغوي والخطاب العمومي المبتذل، وأن تحاول الرقي إلى مستوى التنظير الفلسفي. خصوصا وأن المفترض، أنه يتم التعود على هذه المقاربة، أثناء توظيف النصوص داخل الفصل. علاوة على أن هذه مقاربة، يجب أن نتعود عليها في السنة الثانية أدب، على اعتبار أن أحد الأسئلة المذيلة لنصوص الاختبار، قد يحتم علينا ذلك. (بدل شرح "عبارة"، يمكن أن يطلب من تلاميذ السنة الثانية شرح مفهوم أو مفاهيم من النص...)

2.1.2 المقاربة الفكرية :

وهي اللحظة الفكرية، التي يجب أن نحول فيها القولة، إلى "مقولات" فكرية وبالتالي "أطر" نستطيع أن نوسعها فكريا وفلسفيا، حتى نجعلها تأخذ طابع الخصوصية. وبذلك نحول خطاب القولة "المقضب" إلى خطاب رحب، باعتباره، يحمل في مكنوناته أبعادا فكرية، وفلسفية، لايستطيع أن يكتشفها إلا من كلف نفسه عناء التأمل، والتفكر، والتدبر.

بعد ذلك، نستطيع الكشف عن أطروحة القولة، في صورة استنتاج، يظهر أن هذه اللحظة كانت ثمرة للمجهود الفكري الذي قمنا به أثناء القراءة السابقة.

2.2 لحظة التقييم

بما أننا - الآن - نعرف الأطروحة التي كانت القولة تخفيها في طياتها ؛ فإن ما يتوجب القيام به مباشرة - بعد ذلك - هو الانفتاح على المكتسب المعرفي السابق، وبالتالي البحث عن الأطروحات التي تسير في توجه القولة. ونحن نعتبر أن هذه المرحلة ليست تقييما، أو نقدا مطلقا، لأن في ذلك نوع من الإتمام للمرحلة السابقة. فالأطروحات التي سنأتي بها كنماذج، لا تأتي لتزكي طرح القولة فحسب، وإنما لتزكي كذلك القراءة التي قمنا بها، وتبين لماذا حددنا أطروحة القولة في موقف دون آخر، أو لماذا تندرج في خطاب فكري معين دون الخطابات الأخرى ...إلخ

لتأتي بعد ذلك لحظة التقييم الحاسم، والتي تتجلى في البحث عن النقيض، واالمعارض (l'antithèse   ) في المكتسب المعرفي، واستثماره، بشكل يظهر بأن الموقف الذي تتبناه القولة ليس بالموقف النهائي.

3) طبيعة الخاتمة

كثيرا ما يتم الاستخفاف بالخاتمة ونحن نعتبرها لحظة حاسمة من لحظات الموضوع . فهي لحظة تفكر فيما سبق ولحظة تعبير عن الذات. لذا نعتبر الخاتمةاستنتاجا منبثقا من اللحظات الفكرية السابقة، وبالتالي تعبير عن رأينا الشخصي من موقف القولة. رأي ينطلق من الحق الأسمى (الذي لا يتناقض مع روح الفلسفة) الذي نملكه، في أن نكون مع، أو ضد، أي خطاب أو تصور إلا أن ذلك لايجب أن يكون بطرقة جزافية مفتعلة ولا بطريقة مسهبة.

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
26 novembre 2010 5 26 /11 /novembre /2010 20:55

اليوم العالمي للفلسفة مناسبة طيبة لتأمل الزمان والزمانية!

محمد بلال أشمل

  محمد بلال أشمل  

 

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، أجرى عبد العالي بركات حوارا مع محمد بلال أشمل نشرته في ملفها الأسبوعي جريدة “بيان اليوم” المغربية لعددها ليومي السبت والأحد 20/21 نوفمبر 2010 تحت عنوان “أيقنع الواحد منا أن يكون مجرد رقم في البنك، ورقم في البيت، ورقم في جواز السفر، ورقم في فاتورات الاستهلاك؟” حيث صدرته قائلة: “يعتبر الباحث في مجال الفلسفة وأحد مؤسسي “الجمعية الفلسفية التطوانية”، محمد بلال أشمل في هذا الحوار الخاص ببيان اليوم، أن الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة، هو بمقدار ساعة مما نفكر، ولكنه بمقدار عمر الفكر لما يكون شاهدا على نفسه، وعلى غيره.  ويؤكد في هذا الحوار كذلك على جدوى الفلسفة اليوم، أكثر من أي وقت سابق، لأجل الاستعانة بها في دفع تشيئنا، ورفع ما حاق بنا من تقهقر أنطولوجي فظيع”.

 هنا نص الحوار كما نشرته الجريدة المذكورة ضمن ملفها الأسبوعي الذي خصصته لليوم العالمي للفلسفة 2010 متمنين لكل أصدقائنا في خصوص تطاون وعموم العالم، يوما فلسفيا مليئا بالحق والخير والجمال… 

  •  ماذا يعني لكم اليوم العالمي للفلسفة؟

 مناسبة طيبة لتأمل الزمان والزمانية؛ في الأولى نعرض ما قمنا به من أعمال طيلة العام على محكمة النقد، فإما قبولا لها مع تجديد، أو رفضا لها مع تبديل، مع ما يقتضيه المقام من تمحيص وتعديل وتطوير وإلغاء ومراجعة، أملا في “العلم النافع”، وطمعا في “العمل الصالح”. أما في الثانية، فنستحضر معاني الفلسفة في “ساحة الفدان”، بما هي “أغورا” تطاونية، بموقع مغربي، فننظر فيما تنطوي عليه من الدلالات القديمة والجديدة للحق والخير والجمال، كيف هو حالها؟ ما هو مآلها؟ أما زال “الباطل” يستقوي بالقوة فيمحق “الحق” فلا يجد له نصيرا؟ أم أن الحق في تكاثر، على بطء، ولكن على قوة واستماتة، يكسب الجغرافيا بشرعية التاريخ، فينال المشروعية بقوة السياسة المدنية؟ أما زال “الشر” حرا طليقا فلا يجد من يجعله رهين المحبسين: “الحق” و”القانون”؟ أم تراه بدأ يفقد سلطانه على النفوس والعقول، فإذا هو منبوذ، يحسب كل “صحافة” عليه، هو المفضوح المعلول الأجوف؟ أما زالت البشاعة تستعدي المسخ على الجمال فتقيمان مهرجان السخافة، أم أن الناس وعت أن أقحوان “كيتان” أروع بكثير من كل مطاط العالم؟ اليوم العالمي للفلسفة كما نفهمه، وكما نعيشه، وكما نقضيه، في غفلة حفظة التابوت، وخذلان الأقران في الصناعة، ونكير كل مشاء بنميم، ودهشة “منقذي الغريق، ومطفئي الحريق”، هو بمقدار ساعة مما نفكر، ولكنه بمقدار عمر الفكر لما يكون شاهدا على نفسه، وعلى غيره.

  •  كيف تقيمون الحركة الفلسفية بالمغرب؟

إذا كان لا بد من الحديث عن “الحركة الفلسفية في المغرب”، فدعني أقول لك أولا إنها حركة ذاتية لا محرك أول لها؛ وأقصد بذلك أن لا “مأمون” لها فيشيد لها “بيت حكمة”، ولا معين لها فيوقف عليها أموال الزكاة والخراج والصدقة والغنيمة والخمس. هي محض نزعات فردية، ينهض بها رجال أدركوا أن الانتماء  إلى المغرب مسؤولية فكرية، فسارعوا إلى النهوض بمسؤوليتهم حسب الوسع والقدرة. هذا أولا. أما ثانيا، فهناك من الناس من لا يرضيهم أن تكون في المغرب “حركة فلسفية”، وإذا حاججوا في وجودها، صنعوا ذلك بضعيف الحجة، وسقيم البرهان، مع المعاندة والمكابرة، وهذا أمر شهدناه وعرفناه، في بعض البلاد العربية التي تقرأ المتن المغربي بلسانها،  أو في البر القشتالي، الذي عرف شأننا بالترجمة وساطة، وبالكتابة في لغته مباشرة. ولكن أيخفى على الناس أن المغرب بلاد “الأطروحات”، ونقيضها، والمركب منها؟ ومع ذلك لا نحب أن ننشئ خطابا مدحيا في “الحركة الفلسفية في المغرب”، فنقول عنها إنها حركة “نشيطة”، لأن حركتها كحركة الأفلاك السماوية، بطيئة، وإنما نقول عنها إنها “تدور”، تارة على نفسها، فتقع في “الدور”، وتارة على “غيرها” فتقع في “الاستحالة”. وما بين “الدور” و”الاستحالة”، يقع الثالث الموضوع: الأمل في وجود “حركة فلسفية مغربية” بالهوية، و”حركة فلسفية في المغرب” بالانتماء. علينا فقط أن نصبر على بعض “المتحركين” حتى تنضج خميرتهم كي لا تكون حركتهم “جعجعة بلا طحين”، ونتوسم الخير في آخرين حتى لا تكون حركتهم محض حركة بالعرض، لا حركة بالجوهر.

  • ماهي أهم القضايا الفلسفية المطروحة في الوقت الحاضر؟

إذا كان المقصود بسؤالك أية قضايا يتناولها الفكر الفلسفي في الوقت الحاضر، فهي على العموم قضايا تتعلق جوهريا بالإنسان، وعرضيا بالمحيط الذي يعيش فيه: فسؤال الإنسان هو سؤال الأسئلة في الفلسفة؛ منه تتفرع باقي الأسئلة، تحصيلا لحقيقته الجوهرية أو  ما يعتقد أنها كذلك. وبما أن كل عصر له أسئلته، فلعل الأسئلة الكبرى لهذا العصر هي تلك التي تتصل بـ”السياسة المدنية” من حيث التفكير في الإنسان كمواطن، أية حقوق عليه نيلها، ضمانا لكرامته، وأية واجبات عليه القيام بها، تأكيدا لمواطنته. بل إن الاهتمام يشمل محيطه الاجتماعي حتى يضمن له الفضاء السليم من كل آفة، والمعافى من كل علة، ومحيطه البيئي حتى تصان له حقوقه المدنية والطبيعية في عيش كريم. وهكذا  يصير الاهتمام بالإنسان اهتماما سياسيا، ولكن برؤية فلسفية تؤسس للشمولي والعام في حياة الإنسان. ولعل إقبال الفكر الفلسفي المعاصر على تناول القضايا المتعلقة بالكينونة السياسية للإنسان مرده إلى  ما شهده هذا الأخير وما يزال، من كل ألوان العنت والضيق؛  فحياته لا تطاق جهلا أو  فقرا أو  قهرا، وكرامته مهانة، وجغرافيته محتلة أو  مدمرة، وتاريخه مشوه أو  مجهول،  وساحاته العمومية مسيّجة، وقيمه الثقافية والاجتماعية والدينية  تباع وتشترى في سوق النخاسة ، مثل الأشياء أو أكثر. ومع ذلك فليس كل اهتمام الفكر الفلسفي المعاصر بالإنسان منصبا على القضايا المتصلة بالسياسة؛ هناك عناية بالشأن الميتافيزيقي والمجال الاستيطيقي، والأخلاق النظرية أو  العملية، والعمارة، والجسد، والمعبد، والمتعة، والهامش. النظار المعاصرون مشغولون الآن بالسعي إلى  إخراج الإنسان من الأنثروبولوجيا إلى اللاهوت عن طريق التساؤل مجددا عن معنى الألوهية، واستقصاء التصور المعاصر للدين، وقد حضرت مؤخرا مؤتمرا في مدريد تناول هذا الجانب من النظر ربما طلبا للتصالح مع الإرث المسيحي لأروبا التي تنكرت لأصلها الديني بفضل الثورات الفكرية والسياسية التي عصفت بها منذ النفحة العلمانية التي هيأها المتن الرشدي في جامعات بادوا وباريس وبولونيا، أو  دعوات الإصلاح الديني منذ لوثر وكالفن أو  غيرهما، أو على الأرجح خشية من “الزحف الإسلامي”، والمغربي بخاصة، وطلبا لفهمه من زاوية فقهية كما حصل منذ وقت قريب حينما تنادت أعرق الجامعات الإسبانية إلى  مؤتمر دولي حول “الفقه الإسلامي والتداخل الثقافي” في سرقسطة شهدت فيه كل شئ إلا العلم بمبادئ الدين الإسلامي، وأصول فقهه، وكان عليّ أن أقرر مثلا حقائق موضوعية في المتن الفقهي المالكي مثلا لا بد للخائض في أمور الكفالة التنبه إليها ولكن لا قلب لمن تنادى. وبالمناسبة، فقد ترسخ لدي الاعتقاد من يومها في كون أوروبا، ولا سيما إسبانيا، ما تزال تحت “التأثير السلبي” للتجربة الأندلسية التي تحرص، الكنيسة الكاثوليكية أن لا تتكرر مرة أخرى. وعلاوة على هذه العودة إلى “الأصول”، تحت وطأة التسايس بالدين، أو التداين بالسياسة، يحدث للفكر الفلسفي المعاصر أن يتذكر هوامشه، فيفرح بالجسد، بعد أن أعياه وصال الروح، وتيقن أن الموت واقعة ضمن بداهة الكون والفساد. أليس يخشى على الجسد الآن الانحجاب بـ”البرقع”، وانسجاب “الزي الأوروبي العالمي” إلى  قاع المتحف، وبدء تاريخ جديد من العناية بالجسد أساسها تكريمه باللباس الوطني، وتقويته بالغذاء الوطني، وتحصينه بالثقافة الوطنية؟ خلاصة القول إن الفكر الفلسفي المعاصر يعتني الآن بقضايا محورها الإنسان على ما يبدو عليه من انصراف إلى  قضايا أخرى أكثر قيمة وأهمية. وعلى ذلك فليس هناك قضايا “مطروحة”، وإلا لاحتجنا إلى كثير من الجهد والوقت والمال لإزاحتها من الطريق العام للتفكير، بل كل القضايا مصانة في مستودع التفكير، فيها ما هو تحت العناية المركزة، وفيها ما هو في قاعة الانتظار.

  • ما جدوى الفلسفة اليوم؟

لعلي سمعت هذا السؤال من قبل، ولعله مرّ بي خلال السنوات الأربع الماضية حين احتفلنا باليوم العالمي للفلسفة تحت شعار “الفلسفة ومصير عالمنا”، ولعلني سؤلته مرات عديدة، وكان جوابي فيه -دون التدقيق في طبيعة الفلسفة المقصودة- أن جدوى الفلسفة اليوم هي ذات جدواها بالأمس وغدا، ما دام الأمر يتعلق بضرورات التفكير في مصير الإنسان من حيث هو موضوع للقلق. غير أني أستطيع أن أقول إن جدواها اليوم ربما تكون أكثر ضرورة من أمسها. لقد جزع الفيلسوف الإسباني “خوسي أورتيغا إي غاسيت” يوما من نزع الطابع الإنساني عن الفن، اليوم صارت تنزع إنسانية الإنسان، فما بالنا لا نتحصن بما يعتقد أنها له خصيصة من دون غيره، أن يقول العالم بكيفية أخرى، ويعيشه حياة ثانية. أيرضى الواحد منا أن يعيش محض “رقم” بارد في معادلة الكون وهو على حاله من الطرح والجمع والضرب؟ أيقنع الواحد منا أن يكون مجرد رقم في البنك، ورقم في البيت، ورقم في جواز السفر، ورقم في فاتورات الاستهلاك؟ ولعلنا نستعين بالفلسفة على دفع تشيؤنا، ورفع ما حق بنا من تقهقر أنطولوجي فظيع. ومن هنا جدواها. 

  • ما مدى اهتمام جمعيات المجتمع المدني بالتفكير الفلسفي؟

مدى اهتمام جمعيات المجتمع المدني بالتفكير الفلسفي مدى قصير، ومرده إلى  ضعف تكوين القائمين على تلك الجمعيات، أو  جمودهم على الرهبة من الفلسفة، أو  اقتناعهم منها بقشور عملت عمل “العوائق الإبيستيمولوجية” فمنعتهم من تغيير نظرتهم إليها، والارتياب في المشتغلين بها، وعدم سعيهم إلى  تطوير بضاعتهم العلمية من تآليفها… وكلها أسباب لها تاريخ بعيد في رفض “علوم الأوائل”، وتاريخ قريب في اتهامها في وطنيتها، والتشكيك في عقيدة المشتغلين بعلومها، والطعن في سلامة مضامينها وأن “ضررها على الدين شديد” كما قال ابن خلدون. هذا إذا وجد “التفكير الفلسفي”. والحال أن التفكير السائد الآن إما من صنف خطابي كالشعر أو  القصة، أو  صنف جدلي كالأبولوجيات الدينية والطائفية. ولذلك ترى أن الاهتمام بالتفكير الفلسفي -ندوات أو  مؤتمرات أو  أيام دراسية أو تقديم كتب ذات صلة- هو في حكم النادر، ومن تعاطى هذا الشأن من قبل الجمعيات المدنية، نظر إليه كالخل الوفيّ، وعيب عليه أنه لم يجد أعصى من الفلسفة لكي يصادقها، وترك صداقة المال، وموالاة السلطة، والسعي إلى  الجاه كما هو دأب أغلب الناس اليوم.  ولقد نقم علينا بعض الناس أنّا أسسنا جمعية فلسفية في مدينتنا، وأشد ما ساءهم أنّا باركناها باسم “الجمعية الفلسفية التطوانية”، وشق عليهم أكثر أنّا عنينا فيها بالفكر المغربي والإسباني، واستكثروا علينا أن تكون في مدينتنا حياة عقلية تستجيب لمقتضيات التخوم، وكانوا يريدوا منا أن نقنع بقدرنا في “التهريب” و”الإرهاب” و”الشذوذ الجنسي” و”شبهة الانفصال”، ظلما وعدوانا، مع أنهم يعتبرون أنفسهم أطرافا في “المجتمع المدني”، وجودنا تحقيق لقيمة “الاختلاف” و”التعدد” اللتان يطربون لهما، ولكنهم متى جد الجد يفزعون منهما، ويضيق صدرهم بغيرهم، كأنّا جئنا نزاحمهم على مجد تليد. والغالب على الظن أنهم كانوا ينتظرون منا أن “ننضبط” للمركز، فلا نرى إلا ما يرى، ولا نقول إلا ما يقول، كما يفعل غيرنا وهو راض غير متبرم ولا ساخط. فكيف ستكون عنايتهم بالتفكير الفلسفي وقد نشأوا على الاعتقاد أن ثماره لا تأتي إلا من “أثينا”، وأن لسانه ليس إلا اللسان الفرنسي، وأن رجاله ليسو إلا عمرا وزيدا من ذوي العصبية الحزبية؟ ولقد أصدرت جمعيتنا بعض الإصدارات قدمت في مراكز ومعاهد فلسفية وفكرية خارج البلاد، ولكنها لم تلق “اهتمام” “جمعيات المجتمع المدني” نظرا لأن موضوعها يدور حول نمط من التفكير الفلسفي لم يعهدوه في تداولهم الثقافي، لأنهم جمدوا على مقدمات مشهورة في “العمل الثقافي” بينة التهافت، واضحة الفساد. الهجرة الثقافية مبررة أحيانا، لأن من خبر مقاصد القوم في التداول الثقافي، وقارنها بغيرها لدى أمم أخرى، يحصل لديه الاقتناع ببؤس الأولى، فيهجر إلى الثانية. ولقد اخترنا “أهون الشرّين”: الإقامة في بلادنا، وطلب الحكمة في الصين.    

  • كيف ترون موقع الفلسفة في وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية؟

 لا أرى البتة “موقعا” للفلسفة في وسائل الإعلام؛ لأن مواقعه يتصدرها سقط المتاع. تشتغل حياتنا العقلية بأفضل الآلات وأنبل المقاصد، ولكنها لا تجد لها موقعا يخبر عنها، أو يعرّف بثمارها، أو يقرّب الأفهام من قضاياها، أو يهئ للأجيال نموذجا طيبا للقدوة من رجالها مع أن ضرائبنا لها مجزاة، ومحبتنا لها موصولة رغم الهوى الشرقي والغربي لبعضنا. أما موقعها في المؤسسات التربوية، فبالكاد يرى، ولكن ليس رؤية العقل، بل رؤية العين؛ إذ هي هناك محض “مادة” تنتمي إلى  “استقساط” البرنامج، وهيولى الامتحان، وعنصر “السماع الطبيعي”، وعموم “الكون والفساد”. ليست هناك “حياة فلسفية” بالمعنى المتواضع عليه كحوار عمومي هو ثمرة إعمال نظر شخصي في “قضايا العصر”، ولو بأبسط الأشكال التواصلية كالمحاضرة والندوة والحوار المفتوح وغيرها. المعلمون “يعطون” الدرس، ولا يعيشونه، والطلبة يتلقون المعارف ويغفلون عن المواقف، والإدارة التربوية تتابع الإنجاز، ولا تحفل بكيفياته، والجميع في أعلى عليين.

  • هل دور النشر تشجع على طبع المؤلفات الفلسفية؟

إذا كنت تقصد دور النشر في بلادنا، فلا أعلم من أمرها إلا ما يعلمه سواد الناس: أن لديها معاييرها في النشر قد لا ترضي المؤلف، فيمضي إلى نشر عمله بعيدا عن شروطها، هذا إذا حفلت به، واستجابت لطلبه، رفضا أو قبولا. غير أن هناك دور نشر، لا تكلف نفسها عناء الرد على” زبنائها”، مع أنهم أودعوا لديها مخطوطاتهم خاضعة للعرف العالمي في النشر. خذ أي دار للنشر خارج بلادنا، واسلك معها السبل المتعارف عليها، تجد أنها تسارع إلى إجابة طلبك سواء بالرفض أو القبول. أما لدينا في المغرب، فلا يحسنون آداب التواصل، أو قل لا يريدوا ذلك. فلا تعرف من أمر طلبك شيئا. ولقد نشرنا باكورة أعمالنا الفكرية في جمعيتنا باستكتاب شهري لثلة من المثقفين، وجنبنا أنفسنا مذلة السؤال، ومهانة الانتظار. ولهذا فأغلب المشتغلين بالفلسفة في بلادنا يمضون توّا إلى نشر أعمالهم على نفقتهم إلا في أضيق الحدود لمن لديه سند من “بلدية”، أو دعم من “مجلس حضري”، أو يملك الخريطة السرية لوزارة الثقافة. ونحن من الذين يفضلون ترك المخطوط في دار مؤلفه على تزويجه زورا وبهتانا من إحدى دور النشر عن طريق دفع مستحقات ذيوعه، كما يفعل بعض الناس ثم يزعمون أن الدار المعلومة هي التي استكتبتهم للنشر لديها، وبعد ذلك يطوفون على غيرهم يستكتبونهم نقدا أو”متابعة” لعملهم، وقد كنا نظن أن أعمالهم لاقت استحسانا لدى “النقاد”، فرأوا حاجة للتعريف بها، فإذا هي محض تعاقد مخجل بين مصالح آنية تصطنع من الثقافة وسيلة لتحقيق مقاصدها الغير الثقافية. المؤلف، في أيّ شعب معرفي كان، عليه أن يكون صاحب مروءة، وكرامته من كرامة أعماله، فلا يهينها بالكذب والادعاء واستغفال الناس. ولهذا فنحن نفضل مائة مرة أن نكتب عن أعمالنا المنشورة، أو ندواتنا المقامة، أو محاضراتنا المقروءة باسمنا الحقيقي على الكذب على القراء بوضع اسم مستعار (أو اسم حقيقي ولكنه ليس هو الكاتب الحقيقي) على جميع ذلك. أما إذا كنت تقصد “المطابع”، فهذا شأن آخر. ولقد حدث أنّا وضعنا مخطوطا عند إحداها، فصار يعلن في موقعه الرقمي أن الكتاب مطبوع ولكنه غير مطبوع، ولم يكن يعلم أنه بذلك يحفر قبر إفلاسه الأخلاقي بيده أمام العدول من الناس.  أما إذا كنت تقصد بلدا آخر غير بلادنا، فما أعلمه عن إسبانيا مثلا، بحكم المعايشة والمشاهدة، أن الأمور هناك “شكل ثاني”: المساهمات في الندوات والمؤتمرات تطبع في كتاب جماعي بعد خضوعها لفحص نقدي من لدن اللجان العلمية المختصة، والدراسات العلمية تنشر في المجلات الفكرية المحكمة بعد قراءتها من لدن قارئين مختصين يقرآن العمل وهما لا يعلمان من المؤلف، ولا هذا يعرف من يقرؤه، والغاية تحقيق نزاهة ممكنة في الحكم، ومن ثم في النشر، ومشاريع المؤلفات تقدم إلى  در النشر فيقع تسليم وصل بإيداعها، ويتم الإخبار بشأنها رفضا أو  قبولا مع تعليل مرفق بالأسباب في حالة الرفض، ورجاء بالاستدراك والتعديل في حالة القبول. الأمور واضحة بما فيه الكفاية، ولذلك فهي واصلة بالقدر الذي ترضي الكاتب إن سلبا أو إيجابا.

  • رحل أخيرا نخبة من المفكرين، ما هو الانطباع الذي خلفه فيكم هذا الرحيل؟

 لأنه رحيل حتمي، فهو يخلف لدينا غصة من الحزن لا قبل لنا به إلا مع أعزّ قرابتنا. إذا اقتصرنا على نخبة المفكرين الذين رحلوا من ساعتهم، فقد تركوا لدينا تلك الدهشة الممزوجة بالأسى؛ كأن الموت حق في غيرهم “باطل” فيهم، ومن فرط تقديرنا لهم، لا نصدق أنهم رحلوا، وحين نصنع ذلك، نواسي أنفسنا وبعضنا البعض، بأنهم ما زالوا معنا، نجوما زاهرة في وجودنا العقلي والثقافي، بأيهم اقتدينا اهتدينا. والحق أنهم كذلك، وكيف لهم أن يكونوا غير كذلك ولا أحد فيهم أمهله الموت لكتابة “رسالة الوداع”؟ لما رحل الأستاذ الجابري، قمنا بواجبنا في نعيه إلى  أصدقائنا في الشرق والغرب، وكان مما قاله لنا في إحدى رسائله إلينا صديقنا الأستاذ “أندريس مارتينيث لوركا”، مدير سلسلة “الأندلس، نصوص ودراسات” في دار نشر طروطا التي تولت نشر ترجمة كتاب أبي عصام “نحن والتراث” إلى القشتالية: “نأمل أن لا تضيع سدى بذرة مفكر مستقبل العالم العربي”. كما كتب إلينا صديقنا المفكر الإسباني “خوان كارلوس فيلا ألونسو” يقول: ” الموت خطوة ونقطة في الطريق فحسب، أما فكر الجابري فسيظل مرافقا لنا”. وقلنا في كلمة التأبين التي نظمناها له بتعاون مع شعبة الفلسفة بالمدرسة العليا للأساتذة بثغر مرتين: ” وكم كنا سنسعد-لو أمد الله في عمر المرحوم الجابري- حتى يرى اسمه ضمن أنطولوجيا الفكر المغربي الحداثي التي نعدها للتداول الفكري باللسان القشتالي، ولكن للأقدار حكمتها واختيارها. ولكن عزاؤنا في أن فكره بعد مماته الحي، سيتلاقح مع كافة الأفكار التي تأتي عبر هذه العملية العجيبة في التاريخ الفكري والحضاري والثقافي بين الشعوب: الترجمة”. رحيل أعلام الفكر المغربي والمغاربي عن حياتنا خسارة فادحة بلا ريب، ولكن واجب الأجيال الحالية واللاحقة استئناف القول والعمل الفلسفيين اللذين دشنهما رجال عصرنا أمثال محمد عزيز الحبابي، وفؤاد زكريا، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، ونصر حامد أبي زيد وغيرهم.

  •  هل هناك جيل جديد من المؤلفين؟

 في مجال الفكر الفلسفي، بكل تأكيد، إما باللسان العربي والفرنسي، وهو المعروف، أو  باللسان القشتالي وهو المجهول. غير أن للنقد نظرا في الأمر: أكل ما “يؤلف” يعتد به في مجال الفلسفة؟ لقد اطلعنا على الكثير مما “يؤلف” تحت اسمها، فوجدناه “قلق العبارة”، أو  سقيمها، تقرؤه من اليمين إلى  اليسار فتظن أن صاحبه أخطأ السطر، وكان عليه أن يكتب من اليسار إلى  اليمين، آفة الترجمة فيه واضحة، وضحالة الفكرة عنده بينة، يمتلئ بما طاب من المفاهيم، وتتزاحم على بابه خيرة المفكرين والفلاسفة، ولكن “مؤلفه” نكرة بينهم، يقول ما قالوه، وأحيانا بركاكة كأنها ركاكة “ناشئة الأدب”، ويعيد ما كرروه، ولكن بأخطاء فادحة، “ضعف الطالب والمطلوب”…إلا القلة القليلة ممن يحسن الصنعة، ويعرف أسرارها، وهم على الحقيقة نظار المغرب ومفكروه الذين نحسد عليهم في المحافل الفكرية العربية حسدا يبلغ به صاحبه رتبة العليل المأسوف على حاله، فيمضي إلى  التدليس على الناس كما صنع فلسطيني ممنوع من الدخول إلى  المغرب نسب إلينا، بعد التحريف والتخريف- أنّا قلنا إن “الفكر المغربي عقلاني في مقابل لاعقلانية الشرق” في محاضرة لنا بطرابلس استشكلنا فيها الفكر المغربي المعاصر، وكان غرضه أن يوهم الناس أن المغاربة ميؤوس من حالتهم لما أصابهم من “الغرور” و”الادعاء” بسبب سبق فضلهم على الدراسات الفلسفية في مجال التراث. ولكن هل يخفى القمر؟ 

  •  كيف تنظرون إلى آفاق التفكير الفلسفي بالمغرب؟

هي آفاق رحبة إذا أدرك الفكر المغربي مغزى ما سمّيناه في مناسبة سابقة بـ”ضغط التخوم”؛ ولا سيما فيما يخصنا نحن في الشمال. ونقصد بذلك تخوم التاريخ والجغرافيا: فأما تخوم التاريخ، فلا زلنا لم نحقق مثلا “التراث الفكري للحركة الوطنية في الشمال”، بدءا بنقد المشككين في إسهامها في الفكر السياسي الوطني؛ وانتهاء بفحص مضامينها الفكرية والسياسية، ومرورا بتمحيص أثر الشرق والغرب في رؤيتها العامة لقضايا الفكر والثقافة والاجتماع والسياسة. هناك متن فكري معتبر لدينا في الشمال وعلينا النظر في مضامينه، وفحص مفاهيمه، وهي بالمناسبة مفاهيم ذات دلالة خاصة مثل مفهوم “السعادة” في سياق “النهضة” أو “البعث” الذي عاشه رجال كعبد الخالق الطريس على سبيل المثال لا الحصر. ثم ألم يحن أوان بسط مفهوم “الشمال” كمفهوم أونطولوجي على بساط التفكير قبل تسييجه بسياج السياسة، فإذا هو محض “ريف”، مثمر للطائفية العرقية، أو هو محض “جبالة” أو “غمارة” قابل للبلقنة الجهوية؟ لم لا يتم السعي إلى التفكير فيه من حيث الوحدة المتوجة للتعدد، والتعدد المخصب للوحدة؟ أو أن هذا ليس من دواعي تفكيرنا؟ بل علينا أن نتبع ملة الشغوفين بالكليات القائمة على جزئيات غيرهم؟ والمغرب؟ أليس ضروريا تجديد التفكير فيه وقد صار ما صار إليه في السياسة والثقافة والاجتماع، والسعي إلى تجديد الانتماء إليه من منطلق التواطن لا “المواطنة” على أساس فكر مدائني يعيد للمدينة عنصرها التوحيدي الحداثي ضدا على دعوات العرقية والقبلية والطائفية الدينية والإيديولوجية. وأما تخوم الجغرافيا، فلا يخفى ما للحدود “الواقعية” الغير الشرعية التي بيننا وبين إسبانيا الرسمية من وقع على رؤيتنا للعالم، نحن الذين تعودنا على الشمولي والكوني، وفاتنا أن ذلك يمكن أن يتحقق بوساطة الذاتي والشخصي؛ إذ ينسى النظار المغاربة أن هناك أرضا لنا محتلة، ومقتضى الفكر الحرية، والإرادة، والاستقلال، ومقتضى الواقع التحرر والفعل والحركة، فكيف لا ينهض بهذه المسؤولية من قدّر له أن يكون الشمال أرضه، وأرض أجداده: أن يبني تداوله الفكري والفلسفي على تلك المقتضيات؟ وعلى ضوء ذلك ينبغي أن يكون تداولنا الفكري له خصوصيته المغنية للمتن المغربي: لم لا يكون المدخل إلى ذلك مثلا النظر في “آراء أهل إسبانيا الحيوية”، واصطناع الفكر واللسان الإسبانيين وسيلة من أجل إخراج مقتضى الفكر والواقع من حالة الإمكان إلى حالة التحقق؟ يعتقد بعضنا أنا نستبدل لسان “موليير” بلسان “سرفانتيس”، ولكنه غفل عن اعتزازنا بالانتماء إلى الفكر المغربي، وثقتنا في  جدوى التعبير  بلغاته الوطنية أو الرفادية، وغاب عنه أن ضغط التخوم في “السمارة” هي غير ضغط التخوم في تطاون، ولا هي ذاتها في وجدة، ولا حتى هي غيرها في الناظور، إذ من جميعها يتكون هذا المغرب الفكري الذي شاء له البعض أن يكون “واحديّ” البصر والبصيرة. من هنا عنايتنا في “الجمعية الفلسفية التطوانية” بالفكر المغربي والإسباني، ومساهمتنا الشخصية فيما سميناه بـ “الاهتمام بالعالم الفلسفي الإسباني”، من منطلق تطاوني، وبامتداد مغربي، ولعلها تلك ميزة  مشاركتنا في الفكر الوطني، وهي الميزة التي ينبغي أن يتسع لها صدر النظار المغاربة، وخصوصا المولعين منهم بالديموقراطية اللغوية والفكرية… آفاق التفكير الفلسفي في المغرب رحبة واسعة إذا أردنا ذلك، ضيقة شديدة الضيق إذا أردنا ذلك أيضا.

عن “الجمعية الفلسفية التطوانية 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
24 novembre 2010 3 24 /11 /novembre /2010 20:47

خصوصية علاقة الفلسفة بالدين عند هيجل
زهير الخويلدي


” يبدو أنه قد حل العصر الذي يمكن فيه للفلسفة أن تنشغل بالدين بأكثر حرية وبصورة أجدى وأنجع”
إذا نحينا الدين جانبا واقتصرنا على دراسة الفلسفة كمجال للفكرة الشاملة فإنه من الطبيعي أن نقول بالتخاصم بين الفلسفة والدين باعتبار أن الأولى تهتم بالنقد والحرية والثاني يؤثر التسليم والإتباع.
ان الروح تتمثل نفسها في الدين على نحو خيالي وبتوسط الأسطورة وان التمثلات الأسطورية هي منتجات خيالية ابتكرها الكهنة لخداع الناس ولتحقيق مآربهم الضيقة، ولكن الروح قد تتصور نفسها في الفلسفة على هيئة فكر بالفعل وتنتقل بالإنسان من حال اليقين الحسي إلى الوعي بالذات، وهذا دليل آخر على وجود خلاف بينهما. علاوة على أن الدين أنتج لاهوتا عقليا وكلاما جدليا أبعد الناس عن الإيمان الصافي والرحب وعن التجربة الروحية المتفدقة، بينما الفلسفة أنتجت دينا مدنيا يتلاءم مع شؤون الدنيا ويدعم القوانين الاجتماعية والحقوق الوضعية، وفي ذلك تباين ثالث.
لقد ترتب عن هذا الوضع المتفجر دخول اللاهوت الكنسي في صراع مع الفلسفة وخشيته منها ودخول الفلسفة في صراع مع الدين الشعبي وحذرها الشديد منه وصارت الفلسفة معادية للدين والدين معاديا للفلسفة وبدا وكأن الدين يطلب من الإنسان التخلي عن الفلسفة ليكون مؤمنا حقيقيا وبدا أيضا وكأن الفلسفة تطلب من الإنسان التخلي عن الدين ليصير فيلسوفا بإطلاق. زد على ذلك أن الفلسفة حينما تتدخل في الشأن الديني كثيرا ما تفسده وتهدمه وتدنسه حسب رجال الدين وان الدين حينما يتدخل في الشأن الفلسفي كثيرا ما يحرمه ويعطله ويكفره حسب العديد من المفكرين الأحرار والفلاسفة النقديين.
كما تحدث خصومة وتحدي بين العقل الإلهي والعقل الإنساني وبين علوم الدين النقلية والعلوم الصحيحة والطبيعية التي يبدعها الاجتهاد العقلي، إذ في نظر المتدين يوجد في الدين من الإعجاز والأسرار ما يفوق قدرة العقل البشري، وفي نظر الفيلسوف يوجد في الإبداعية الإنسانية من قدرة على الخلق والابتكار ما لم يخبر به ظاهر الدين. علاوة على أن الحقيقة في الدين تنزل من الفوق إلى التحت ومن السماء إلى الأرض عن طريق الرسالة التي تحملها الملائكة وعبر واسطة الرسل والأنبياء والذين يظهرون المعجزات ويبينون علامات على صدق ما يوحى لهم وما أوصوا به من طرف الله، وهنا تتمثل مهمة الإنسان المخلوق في الإصغاء والتطبيق والحمد والشكر.في حين أن الحقيقة في الفلسفة تصعد من التحت إلى الفوق ومن الأرض إلى السماء وتكمن في قرارة الذات وتحمل علامتها في ذاتها وتبدعها بنفسه وتمنحها للعالم.
لكن هل هذه الخصومة بين الفلسفة والدين هي أمر طبيعي وشيء متوارث أم هو أمر طارئ وخطأ وقع التسليم به دون تحري أو نقاش؟ وألا يسبب لنا التقريب بين الفلسفة والدين إرباكا وحرجا؟ وهل يمكن الإقرار بوجود وحدة بين الفلسفة والدين؟ وكيف نفهمها إذا ما كان الخلاف بينهما قائما والتنافي مستمرا؟
والحق أنه إذا تتبعنا التكوينات الروحية للتفكير والمنابت المعنوية للتفلسف والتجليات الأخرى للروح والمصادر الميثولوجية والرمزية للعقل فإننا نتجاوز كل هذه المعارك والالتباسات ونجد تداخلا وظيفيا وصلة قربى بين الطبيعة الحقيقية للدين والجوهر الصافي للفلسفة ويظهر لنا الإلهي فيما ينتجه الإنسان ويتجلى لنا الإنساني فيما يبعثه الله. فهل ترك هيجل العلاقة بين الدين والفلسفة بهذه الكيفية التنابذية أم أنه أوجد صلة جديدة بينهما على غير عادة الفلاسفة الذين سبقوه ورسم بذلك الطريق الذي سيتبعه الطرفين في المستقبل؟ أليس من الأجدى أن ننظر إلى هذه العلاقة بصراحة ونزاهة وعلى نحو فعلي دون نفاق أو اخفاء وتمويه؟
في الواقع”نجد خلال التاريخ أن الدين والفلسفة كثيرا ما كانا شريكين أو خصمين سواء في عصر اليونان أو زمن الرومان،كما أن تعارضهما سمة هامة جدا في تاريخ الفلسفة، فمجرد زعم أو ادعاء أن الفلسفة كانت تزدرى الدين، إذ الواقع أن الفلسفة لم تهمل الدين إلا في الظاهر فحسب. ففي التاريخ لم يحدث أبدا أن ترك الواحد منهما الآخر دون أن يمسه.”
إن التظاهر بعدم الرغبة في تناول الظاهرة الدينية بالتمحيص والتأكيد على ضرورة الاحترام والتقديس لمحور الإيمان وإبداء الرغبة في عدم المساس يعطي الانطباع بأن الفلسفة في جوهرها تعارض الدين وتنقلب عليه كردة فعل على تجاهل رجال الدين الأفكار الفلسفية وتحرجهم الشديد من صدقية براهينها، ولذلك ينبغي على الفلسفة أن تتوجه دون تردد الى الاهتمام بالدين دراسة وتفهما.
هكذا يتبين لنا أن العلاقة بين الدين والفلسفة وثيقة جدا والقواسم المشتركة بينهما كثيرة وذلك لكون الدين يرتبط بالفلسفة ارتباطا مباشرا ويتضمن قضايا فلسفية وينتمي إلى تاريخ الفلسفة، كما أن الفلسفة تشارك الدين في الاهتمام بالروح الكلي وتتضمن مسلمات دينية وتنتمي إلى الحقيقة المطلقة للدين وحلت محله وأخذت عنه المشعل في العديد من المهمات والوظائف وساهمت في تنميته وتطويره وعقلنته ومكنته من الوعي بذاته. وعلى الرغم من كثرة الاختلافات التي تنشأ بينها تاريخيا إلا أن الفلسفة والدين يمتلكان العديد من النقاط المشتركة ويتبادلان الخدمات في الكثير من الأحيان.
إذا كانت العلاقة بين الفلسفة والثقافة العلمية شكلية وخارجية فإن العلاقة بين الفلسفة والدين مضمونية وترتبط بالمحتوى والغايات وذلك لكون “مضمون الدين ليس هو الدنيوي بل انه يواجه اللامتناهي” وان الأفكار الدينية مع الشعر والميثولوجيا والأسرار هي أكثر تكوينات الروح قربا من الفلسفة .
اللافت للنظر أنه يوجد موضوع مشترك تتقاسمه كل من الفلسفة والدين وهو الحق على نحو مطلق ويسميه الدين الوجود الأسمى وتنعته الفلسفة بالجوهر المطلق والعقل الكلي. كما يطمحان إلى نفس الهدف وهو تحقيق المصالحة مع المطلق والاتحاد بالفكرة الشاملة على قدر طاقة الإنسان. لكن ماذا لو افترضنا خلو الدين من الفكر وخلو الفلسفة من المسلمات الماورائية، وماذا لو كان الدين مجرد معطى طبيعي أو تجربة مدنية والفلسفة اقتصرت على أن تكون مجرد تأمل مثالي أوتجربة مذهبية روحانية؟
الجواب هو أن الفلسفة والدين يتحدان في المضمون والغاية ولكن يختلفان في الشكل. ولكن على الرغم من ذلك نعثر داخل الدين على فلسفة عفوية تعبر عن نفسه بشكل مباشر ونعثر كذلك في الفلسفة على عناصر دينية ومعتقدات ضمنية تمثل الفرضيات القبلية لكل رؤية للكون وتشكل شروط أصلية في تحديد طبيعة الذات والحقيقة والقيمة.
من هذا المنطلق”أن الفلسفة تشارك الدين في المضمون والحاجة والاهتمام: فموضوعها هو الحقيقة الأبدية، انه الله لا غير، انه شرح الله لا غير، إن الفلسفة لا تشرح غير ذاتها عندما تشرح الدين وهي تشرح الدين عندما تشرح ذاتها.إنها الروح المفكر الذي ينفذ إلى هذا الموضوع، إلى الحقيقة، وهي من بعض الوجوه تبلغ في هذا الانشغال بالدين إلى الاستمتاع بالحقيقة والى تطهير الشعور الذاتي، وهكذا فإن الدين يطابق الفلسفة في نفس الموضوع.”
إن الدين هو طريقة يعي بها الإنسان المطلق اللامتناهي ويسمح من خلال العبادة والخشوع بإزالة التعارض بين الناسوت واللاهوت وانجاز المصالحة بينهما وبلوغ درجة الاتحاد والاستمتاع بهذه الدرجة الوجودية، وبهذا يكون المعتقد الديني الانجاز الأسمى للعقل ويسمح بادراك لله من حيث هو مطلق لذاته وفي ذاته وتكون الشعوب قد عبرت من خلاله عن إدراكها للموجود الأسمى وتوقه لبلوغ اللامتناهي. وإن فضيلة الدين تكمن في كونه يساعد عبر نزعته التشبيهية على تقريب العالم الروحي من الأفكار الطبيعية والتعبير بماهو حسي عن الروح المطلق والعقل الكلي.
كما يقول هيجل:”لقد وضعت الشعوب في دياناتها أفكارها حول وجود العالم والمطلق وعما هو في ذاته ولذاته وما كانوا يتصورنه عن العلة والجوهر والوجود وجوهر الطبيعة والروح وأخيرا رأيهم الخاص في الكيفية التي ترتبط بها الروح البشري أو الطبيعة البشرية بتلك الأمور وبالله والحقيقة” .
لكن بقيت جملة من الإشكاليات حري بنا أن نطرحها وهي كالآتي: ماهو الدين الذي تفترضه الفلسفة معقولا؟ وماهي الفلسفة التي يعبر عنها الدين بشكل بديهي؟ و ماهي الأفكار الفلسفية الموجودة في الدين؟ والى أي حد يجب أن نأخذ العامل الديني بعين الاعتبار؟ وكيف نتعامل مع الجانب الإلحادي والريبي في الفلسفي من وجهة نظر دينية؟ وما محل الجانب الأسطوري والغيبي في الديني من الإعراب الفلسفي؟ وهل ينبغي على كل إنسان أن يتخذ لنفسه مذهبا فلسفيا معينا لصلاح دنياه وسداد فعله في عالم الشهادة مثلما يكون ملزما باعتناق ديانة ما لنجاته في الآخرة و هدوء نفسه في عالم الغيب؟ والى أي مدي يجوز القلب الذي قام به فيورباخ وماركس للفلسفة الدينة الهيجلية؟ وهل كان إصرار هيجل على الوحدة بين الفلسفة والدين هو العامل الرئيسي الذي سهل عملية القلب والشروع في النقد الجذري لللاهوت ولكامل الفلسفة المثالية؟ ولماذا تواصل الدين في المشهد الفكري المعاصر وعادت فلسفة مابعد الحداثة إلى الاهتمام بالديني؟ ألا يعني صمود يبعث على الدهشة للهيجلية في حقبة ما بعد ماركسية للعقل؟ وما صحة ما يتردد من انه استعادة هرمينوطيقية لفلسفة دينية ما قبل هيجلية وبالتحديد الى توجه”الدين في حدود العقل” عند كانط أو إلى مذهب وحدة الوجود عند اسبينوزا؟
المراجع:
هيجل، دروس في فلسفة الدين، عن الفرنسية نص ج، جبلان، باريس مطبوعات فران، الجزء الأول.طبعة 1959، ص. 32، نقله إلى العربية د. أبو يعرب المرزوقي.
هيجل- محاضرات في تاريخ الفلسفة، المجلد الثالث، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام ، مكتبة مدبولي، القاهرة، طبعة 1997.
كاتب فلسفي

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
3 novembre 2010 3 03 /11 /novembre /2010 14:37

في المقاربة الأنطولوجية للغة عند هايدغر

أمينة جلال

 

 

« يتصرف الإنسان كما لو كان مبدع اللغة وسيدها،  في حين أن اللغة هي التي تهيمن عليه»

هايدغر

 

« إن اللغة هي التي تتكلم والإنسان يتكلم فقط بقدر ما يستجيب للغة وهو يصغي لما تقوله»

هايدغر

 

  تتخذ مجاوزة الأفلاطونية مع هايدغر شكل تقص للأساس المنسي، من أجل تملك النسيان والإفلات من شباك الأنطوتيولوجيا، بالانتقال من " السؤال الموجه" إلى " السؤال الأساسي"، أي من الحقيقة الأونطية إلى الحقيقة الأنطولوجية: حقيقة الوجود، اللاأساس كمنبع لكل "يكون"، ولعبة الانكشاف والانحجاب التي تفلت من السؤال لماذا...؟ كسؤال يتقصى السبب. ولاشك أن استعادة سؤال الوجود والعودة إلى "ماهية" الحقيقة أو أساس  الميتافيزيقا هو أيضا دعوة لتجاوز نمط القول المنطقي إلى القول الذي يكون استجابة للكلام المتكلم أي لحقيقة الوجود أو القول الأكثر أصالة.

يتحدد الكلام في المفهوم المتداول، الذي ساد تاريخ الميتافيزيقا، كملكة وكخاصية إنسانية وكتعبير ويتأسس هذا المفهوم على تصور انتروبولوجي للغة، فهو يفترض وجود داخل يتخارج ووجود وظيفة تتمثل في الإخبار وتبليغ الأفكار والمشاعر. غير أن السؤال عن ماهية الكلام، سيأخـذ فــي فكــر الوجود معنى ومنحــى آخر، ليصبــح سؤالا عن موضع الكـلام le site de la parole   وعن المنبع الذي يمنحه كينونته ويٌملِّك الإنسان خاصية التكلم. إن سؤال الكلام عند هايدغر لا ينفصل إذن عن السؤال الأول (سؤال الوجود) وقوة المقاربة الأنطولوجية للغة، تكمن في سعيها للعودة بنا إلى معنى أكثر أصالة  للكلام: الكلام المحض والخالص أو«الكلام من حيث هو كلام»[1] la parole en tant que parole  .

أن نحدد الكلام انطلاقا من الكلام، لا يعني بالنسبة لهايدغر سوى العودة به إلى "الماهية". فالكلام من تحديدات الوجود الذي وهو يتكلم، يعطي الإنسان القدرة على التكلم، لذلك فهو يقول في عبارة يعتبرها العبارة الموجهة له، في تلمسه لدرب الكلام «ماهية الكلام:  كلام "الماهية"»[2]. تؤخذ كلمة ماهية في الشطر الأول من العبارة في حمولتها الميتافيزيقية، التي تدل على ما به يقوم الكلام أي جوهره quiddité     (essentia)  ، الذي يعبر عنه في المفهوم Concept  . أما في الشطر الثاني فتؤخذ كلمة "ماهية " wesen   بمعنى الدوام والبقاء والاستمرار، غير أن هذا  الذي يستمر ويدوم ليس هو ما تصورته الميتافيزيقا من خلال تأويلاتها المختلفة، بل هو الفعل الذي يمنح ويعطي باستمرار.

وحين  يحمل الكلام على "الماهية" محددة  على هذا النحو، يعني ذلك أن التكلم من صميم الوجود، غير أنه لا يكون ضجيجا من الأصوات وتخريجا لداخل يزخر بالأفكار والمشاعر، بل قولا dire    « القول dire    و التكلم parler    ليسا مثيلين، يمكن للمرء أن يتكلم ويتكلم إلى ما لا نهاية، من دون أن يقول شيئا وعلى العكس من ذلك  يمكنه أن يلوذ بالصمت، أن لا يتكلم  ولكن وهو لا يتكلم يكون بإمكانه قول الكثير»[3] .

ليس الكلام إذن ضجيجا من الأصوات والكلمات. الكلام في معناه الأصيل بيان وإظهار وكشف، وكلام "الماهية" هو ما يطلق عليه هايدغر المقال la dite (die sage)   « المقال إظهار montrer  ..... الإظهار وهو يهيمن في كل الأنحاء، يسمح بتجلي ما يأتي إلى الحضور ويسمح باختفاء ما يغادر الحضور»[4] المقال يحيل إلى الفسحة l'éclaircie    كمجال للعبة الانكشاف والاحتجاب، القدوم والانسحاب. في الفسحة ينقال بمعنى يظهر كل حضور وكل غياب. القول كإظهار هو ما يصفه هايدغر من خلال الفعل  approprier  ، الذي يفيد إعطاء الخاصية لما يأتي إلى الحضور- ولما يغادره- بحيث يظهر بما هو عليه وفي تمام ماهتيه وإعطاء الخاصية appropriement   يتجاوز كل فعل لأنه « العطاء ذاته»[5].

وإذا ما كان الإنسان هو الكائن الذي يتكلم ، فذلك لأن نمط كينونته وإقامته تعود إلى الفعل الذي يهب ويعطي الخاصية، فالوجود هو الذي يحمل الإنسان لملاقاة الكلام والإجابة عنه بترديده أي « بحمل المقال الصامت إلى رجع الكلام»[6]، والإنسان يتكلم إذن لأنه يقيم في الكلام، وهو يتكلم بقدر ما يصغي إلى تكلم الكلام. وإذا ما كان يقيم علاقة مع الموجود، فذلك لأنه يسمح للمقال بأن ينقال، هذا السماح هو أصل كل  تمثل بشري للموجود. الكلام البشري ترديد وهذا يعني أنه حين يتكلم يكرر أي يقول ثانية redire   وفي ترديده للأنشودة الصامتة تكمن حظوته باعتباره قريب الوجود.

الإنسان يتكلم لأنه الموجود المعني « بالكلام المتكلم» la parole parlante  ، أي أنه الموجود المنادى عليه من قبل الوجود، بيد أن كلامه لا يكون كلاما إلا بمقدار ما يكون إصغاء أصيلا للكلام الأصلي واستجابة له وتوافقا معه « يتكلم الإنسان بمقدار ما يجيب عن الكلام. أن نجيب معناه أن نصغي. يكون هناك إصغاء حيث يكون الانتماء إلى إيعاز الصمت»[7]. هذا ما كان يقصده هرقلطس وهو يتحدث عن الإنصات للوغوس، بمعنى الانخراط في ما قيل وتحمل  الإقامة في الانكشاف وفي قلب حقيقة الوجود. إن المقال وبالرغم من أنه هو منبع الكلام البشري، يظل وإلى الآن لا متكلما وقلة هم من دون شك هؤلاء الذين ينصتون حقا: المفكرون والشعراء فهم « يسهرون على المأوى وسهرهم  هذا إنجاز لانكشافية الوجود، من حيث إنهم، من خلال قولهم، يحملون هذا الانكشاف إلى اللغة ويصونونه داخلها»[8].

تحمل المقاربة الهايدغرية للغة، خلخلة لفلسفة اللغة واللسانيات ولكل علم يجعل من اللغة ملكة إنسانية ونسقا من العلامات وأداة للتواصل. لقد انتهى التأويل الميتافيزيقي للغة، من خلال المنطق والنحو و العلوم، إلى إفراغ الكلام من ثرائه وإلى تحول اللغة في الأزمنة الحديثة، وفي عصر التقنية وبفعل الفكر الحسابي وعبر عملية الصورنة Formalisation  ، إلى أداة للسيطرة على الكائن، ليفقد الكلام القدرة على التكلم وليغدو مجرد ثرثرة وضجيج من الكلمات، وهو ما يعني بالنسبة لهايدغر أن ماهية اللغة تظل  تفلت من إنسان الميتافيزيقا وأن تجربة الكلام تظل تمتنع عن العقل الحاسب.

 التكلم بمعنى القول الذي يظهر هو أنشودة العطاء الصامتة و« اللغة هي مسكن الوجود الذي يقيم الإنسان في كنفه»[9]، فالإنسان يقيم في الكلام وأن يتكلم يعني ذلك أن يصون المأوى وأن يردد الأنشودة بحملها إلى رجع الكلمات وفي الشعر العظيم نعثر، حسب هايدغر، على هذا المعنى الأصيل للكلام. إن القول الشعري يسمي الأشياء، غير أن التسمية هنا، لا تكون مجرد كلمات أو نعوت نضيفها على الأشياء أو مجرد علامات لسانية للدلالة على الموجودات « أن نسمي  يعني ذلك أن ننادي بالاسم. للتسمية نداء ودعوة تجعل المنادى أكثر قربا»[10] إن التسمية في مناداتها للأشياء، تتوجه إليها في بعدها وفي غيابها لتدعوها إلى الحضور وفي استجابتها وقدومها ينعكس «العالم» . إن الشاعر الشادي حين يسمي الشيء أو الموجود، يدفع به لأن يكون ما هو عليه ولأن ينكشف في تمام ماهيته. فهو ينشد الأنشودة أو يردد الكلام كقول وإظهار Montrer، لذلك يقول هايدغر عن الشعر إنه  «تأسيس الوجود من خلال الكلام»[11]، وهو حين يدعونا إلى تجربة الكلام يكون المقصود بذلك، أن ندع الكلام الذي يعنينا يأتي إلينا، يصيبنا وأن نتحمل الإقامة  فيه وأن نتعاطاه بأن « نحمل إلى الكلام من حيث هو الكلام»[12] .

لاشك أن عملية تحرير اللغة من التأويل الميتافزيقي ومن قيود النحو والمنطق، تستدعي جهدا ومثابرة وعملا لا ينتهي إلا  ليبدأ من جديد وهذا ما تكشف عنه كتابات هايدغر نفسها في سعيها للانزياح عن المفهوم التقليدي للغة، ذلك المفهوم الذي يتوافق مع التعريف " الحيواني " للإنسان ويحجب كل منهما ماهية الإنسان ماهية اللغة، « إننا نرى في الصوت أو الكتابة جسم الكلمة ونرى في اللحن والإيقاع النفس كما نرى في الدلالة عقل اللغة. نحن نفكر عادة في اللغة في توافق مع ماهية الإنسان وقد تم تمثله كحيوان عاقل. غير أنه مثلما يظل الوجود المنفتح Ek-sistence محتجبا في إنسانية الإنسان الحيواني... كذلك التأويل الميتافيزيقي للغة على النمط الحيواني يحجب ماهيتها التاريخية الأنطولوجية»[13]. غير أن تجاوز التعريف المتداول للغة، لا يعني استبداله بتعريف آخر أو تعديله وتصحيحه أو تنفيذه، فهو يظل ضروريا ضرورة الميتافيزيقا، باعتبارها قدر الوجود وتاريخه، فما يهدف إليه هايدغر وهو يسائل اللغة، هو العودة بها إلى أساسها الماهوي وإلى منبع حصولها التاريخي الأصيل وذلك لأن أفول اللغة وإفراغ الكلام من ثرائه في عصر اكتمال الميتافيزيقا يحيل إلى الخطر الذي يتهدد ماهية الإنسان والذي يكمن في اغترابه عن مواطنه. إن كل إنجازات الإنسان الثقافية، لم تمكنه إلى الآن من الإقامة الحقة فوق هذه الأرض. يتجلى ذلك في « انسحاب الآلهة وتخريب الأرض وتدجين الإنسان وانتشار كل ما هو رديء ومبتذل»[14]. إن مشكلة الإقامة لا تكمن في أزمة السكن التي يشهدها عصرنا هذا، والمتمثلة في قلة المشاكل، بل في كون الإنسان لم يبلغ بعد ماهية الإقامة « إن أزمة السكن الحقيقية لا تكمن في نقص المساكن... الأزمة الحقيقية للسكن تقوم في أن البشر مازالوا يبحثون عن ماهية الإقامة وأنه يتوجب عليهم بدء تعلم الإقامة»[15].



[1] - Heidegger : "la parole" in Acheminement vers la parole, p18 , Gallimard 1976

[2] - Heidegger : "le déploiement de la parole" in Acheminement…..op cité, p185

[3] .- Heidegger : "le chemin vers la parole" in Acheminement ……….op cité, p239

[4] - Ibid ,p244

[5] - Ibid ,p246.

[6]  - Ibid ,p249

[7]  - Ibid ,p36

[8]  - Heidegger :  lettre sur l'humanisme , p 68 ( rec question 3 et 4 Gallimard 1996).

[9] - Ibid ,p67

[10] - Heidegger : "la parole" in Acheminement….op cité , p 22.

[11]  - Heidegger : Approche de hôderlin , p52, Gallimard 1973.

[12] .- Heidegger : "le chemin vers la parole" in Acheminement ……….op cité, p228

[13] - Heidegger :  lettre sur l'humanisme , op cité, p 91.

[14] - Heidegger : introduction à la métaphysique p54 Trad G.Kahn .P.U.F 1958 .

[15]- Heidegger :  Bâtir Habiter penser …in Essais et conférences , p 193 Gallimard 1958.  

 

 

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
3 novembre 2010 3 03 /11 /novembre /2010 14:30
زهير الخويلدي

الوعي الإنساني في التصور الفنومينولوجي

إمدادات هذا الكاتب  زهير الخويلدي 31 أكتوبر 2010

الوعي الإنساني في التصور الفنومينولوجي
زهير الخويلدي


“هذه الضرورة بالنسبة إلى الوعي في أن يوجد من حيث هو وعيا بشيء آخر غير ذاته يسميها هوسرل قصدية.”
لقد ادخل البحث في مطلب الوعي منذ الوهلة الأولى التساؤل عن ماهية الإنسان إلى صميم التفكير الفلسفي ولقد أيد المعنى الايتيمولوجي هذا الربط بين المعرفة والأخلاق وحازت ملكة الوعي على لقب الضمير.
غير أن الجديد الفلسفي عند ديكارت بالمقارنة مع السابقين هو المعنى البسيكولوجي الذي أعطاه للوعي وذلك بالانتقال من تعريف الإنسان بكونه جوهر ميتافيزيقي وحيوان ناطق يخضع إلى نواميس الكون عند الإغريق والعرب والرومان إلى التعامل معه على أنه ذات عارفة وأنا مفكر وثنائية تتصل فيها النفس بالجسم ولكن النفس تحدد وفق ثلاثة معان:
- النفس هي مبدأ حيوي يغذي ويوجه الجسم.
- النفس موجود روحي متميز عن الجسم وغير فان ويجعل من الإنسان كائنا دينيا وأخلاقيا.
- النفس هي جوهر كل طبيعته أو ماهيته تقوم على الفكر.
على النحو يعرف ديكارت الذات بالاعتماد على الوعي والكوجيتو وإذا كان الوعي هو الإدراك الذاتي والمعرفة التي يتقاسمها المرء مع غيره وينقسم إلى وعي مباشر يرافق كل واحد منا في حركاته وأفكاره ووعي منعكس على ذاته يطرح نفسه في علاقة مع موضوعه سواء كان وعيا بالذات أو وعيا بالعالم الخارجي ووعي أخلاقي وهو ملكة خاصة بالحكم على القيمة الأخلاقية للأفعال بطريقة عفوية فإن الذات تتمثل في الكائن الذي نتكلم عنه بالتعارض مع الصفة التي تحمل عليه أيضا تتحدد في الكائن الذي يكون مبدءا لأفعاله وعارفا أفكاره التي يعرفها بالتعارض مع الموضوع المعرف. غير أن الأهم هاهنا هو اعتبار الكوجيتو جوهر الذات ويقين أول ومبدأ الفلسفة ويربط بين التفكير الشخصي والوجود الذاتي بحيث ينقطع التواجد إذا كف المرء عن الحضور في الذات عن طريق الوعي ويترك المجال لتدخل فرضية ميتافيزيقية حافظة هي فكرة الإله الضامن المتعارضة مع فرضية الشيطان الماكر التي هي مصدر الشك والتضليل.
لكن هل يمكن أن نعرف الإنسان بواسطة الوعي؟ أو هل يكفي الكوجيتو لوحده لتحديد جوهرية الذات؟
إن طرح واقعية الجوهر المفكر قد مكن ديكارت من إثبات سيادة الفكر على مجموع انتاجاته ومن المماهاة بين الفكر والوعي وبين الشك والتحرر وبين الأنا والذات وان المبتغى الذي تحقق هو أن هذا الوعي الديكارتي قد جعل من الإنسان ذاتا منطوية على ذاتها ومشاهد خارج الأشياء ينظر إليها من موقع متعال.
يعلق سارتر على فكرة الكوجيتو الديكارتي:”إن كل ما يتصور خارجا عن هذه الحقيقة الأولية، حقيقة أنا أفكر أنا موجود يقع في عالم امكانيات لا يتصل بالواقع والحقيقة وهو لذلك يذوب في العدم. إننا لا نستطيع أن نحدد الممكن إلا إذا تملكنا الحقيقي الواقعي إذن فمن شروط إيجاد حقيقة ما يجب أن نعتمد حقيقة مطلقة، وهذه الحقيقة بسيطة للغاية: هذه الحقيقة هي في متناول الجميع وهي لا تعني أكثر من أن علينا أن نعي أنفسنا بأنفسنا وبدون أية واسطة كانت” .
ان اللافت النظر هو أن الكوجيتو الديكارتي تعرض إلى قراءات متنوعة ومراجعات عديدة من كل الاتجاهات تقريبا سواء كانت تجريبية مثل هوبز وهيوم ولوك و أو مثالية مثل باركلي وفيخته وشيلينغ وهيجل أو نقدية مثل كانط وماركس ونيتشه أو علمية مثل فرويد ولاكان وكلود ليفي ستروس ولكن أهم المنهجيات المعاصرة التي اشتغلت عن كثب على هذا المبدأ هي المدرسة الفنومينولوجية من خلال منهج الوصف والتمعين والتفسير والتأويل والفهم وهي اجراءات متفرقة قام بها هوسرل وسارتر ومارلوبونتي وريكور.
لقد تفطنت الفنومينولوجيا في البداية الى وجود وعي قبل تفكيري هو الذات من حيث هي موجودة في العالم وتحوز على وعي يحضر في العالم وتلقي به نحو الأشياء من أجل إعطائها دلالة وجودية. كما انتبه إلى خضوع الوعي إلى جملة من الشروط الموضوعية عند ظهوره ويرافق عادة ظاهرة الحياة عندما تبلغ درجة عليا من النمو والتعقيد وتحوز على ملكة إحساس ناضجة وتخيل واسع وتذكر عميق ويعكس ثراء البنية العلائقية التي تربط الكائن الفردي بالأسرة والجماعة والطبقة والمجتمع والتاريخ والمطلق اللامتناهي. فهل يمكن أن نفسر الذات تفسيرا متكاملا بواسطة الوعي؟ ولماذا نقوم برسم حد فاصل بين الوعي وموضوعه؟ وألا ينبغي أن نعود إلى الإنسان كما هو موجود العالم قبل كل معرفة مسبقة؟
على هذا” لا يتوانى هوسرل في التأكيد بأننا لا نستطيع إذابة الأشياء في الوعي…إن الوعي يتطهر وهو واضح مثل ريح قوي ولا يوجد شيء فيه سوى حركة هروب منه وانزياح من ذاته.”
من هذا المنطلق يكشف مارلوبونتي عن وجود ثلاثة معان للوعي:
1- معنى نفساني ويتمثل في إدراكي لذاتي ككائن مفكر وهي تجربة فورية ويقين مباشر لا يمكنني أن أشك فيه يمنحني الوجود ما دمت أفكر. وهذه الحقيقة الأولى المفهومة تظل هي الحقيقة الوحيدة أو لا تستطيع أن تصاغ كحقيقة ولذلك فهي تختمر في اللحظة ويقع التثبت منها بصمت.
2- معنى مثالي لا يقتصر على فعل التفكير وإنما يتعدى ذلك إلى المواضيع التي يقصدها هذا الفكر وهنا تحصل بداهة ليس فقط بالوجود الخاص بل وأيضا بالأشياء التي يفكر فيها أو على الأقل كما يتمثلها وهنا يكون الكوجيتو هذه البداهة المثالية حيث تكون الذات شفافة تماما بالنسبة إلى ذاتها.
3- معنى واقعي ثابت هو حركة الشك التي تضع بين قوسين كل المواضيع التي تطالها التجربة الإنسانية وتعي ذاتها كتجربة واقعية قائمة الذات ولا يمكن أن تضع ذاتها في موضع شك. إن اليقين الذي تكون الذات عن ذاتها هو إدراك واقعي وعلى الحقيقة.
“ان الكوجيتو هو الحصول على الوعي بهذه الباطنية. لكن كل دلالة هي من هنا مدركة بذاتها بوصفها حركة فكر وبوصفها عملية للأنا المجرد.” ألا تمثل هذه الباطنية نوع من الأنانة أو الأناوحدية؟ وكيف السبيل للخروج من الانفصال عن العالم والتعالي عن الجسم الذي يسم الوعي الديكارتي؟
غني عن البيان حسب مارلوبنتي”أن الفكر معطى إلى ذاته وقد قذف بي بشكل ما في الفكر وأدرك ذاتي بذلك. وبهذا العنوان أنا متيقن من أني أفكر في هذا أو ذاك في نفس الوقت الذي أفكر فحسب.”
يتمثل التصور الفنومينولوجي للوعي في إشباع العقل في مقابل كثافة المادة وإعادة الاعتبار إلى سمو الشخص بالنظر إلى الفكر بكونه ملقى به في العالم وفي مواجهة الأشياء وهو فكر متحرك نحو جملة من المقاصد وملتزم بجملة بالمهام ولذلك يمكن الخروج من الوعي النفساني والبحث عن كوجيتو كوني خاصة وأن الوعي ليس حدثا متكونا وإنما هو فكر يتحرك ولا يقدر على بلوغ حقيقته المثالية وبالتالي لا يستطيع في كل عملية تفكير أن يقدم جميع شروط تحققه ولذلك يفضل أن يكون الأفق لكل عملياته فحسب. ان”القصدية التي نحن هنا بصددها ليست قصدية وجدان ترنسندنتالي، إنها قصدية حياة كما يقول هوسرل قصدية شخص غائص في أعماق العالم الأصلي لذلك يبحث مرلوبونتي عن مصدرها في الجسد ذاته” .
من هذا المنطلق إن الوعي الفنومينولوجي هو وعي قصدي يتجاوز فراغ المحتوى وحالة الانثناء على الذات ويهم بالخروج نحو عالم الأشياء دون مبارحة عالم الذات وذلك بأن يكون لحركة الوعي وجهة ومشروع تنجزه. بين إذن أن “الوجود – يقول هايدغر- هو الوجود في العالم، وافهموا هذا الوجود في العالم بمعنى الحركة. إن الوجود هو الانفجار في العالم ، انه الانطلاق من عدم العالم والوعي من أجل الانفجار فجأة وعيا في العالم.”
لكن كيف ينظم الوعي عملياته التفكيرية؟ وما الفرق بين الذات الواعية والموضوعات التي تظهر على سطح الوعي؟ وكيف يستطيع المرء أن يرى في ذاته العالم الخارجي وهو ليس له وعيا واضحا بذاته؟ وكيف يستطيع أن يرى ما يحدث داخل ذاته وهو ليس له وعيا واضحا بالعالم الخارجي؟
إن العمل المميز للوعي يتمثل في حفظ الماضي عبر الذاكرة والانتباه إلى الحاضر عبر التعقل والفطنة وتوقع المستقبل المداهم عبر الافتراض والتخيل ولذلك يفترض الوعي قدرة الذات على رؤية ذاتها بل أكثر من ذلك بعبارة الضمير المتكلم: إني أريد أن أرى أني أرى وذلك لكون الوعي هو القدرة على الترائي والرجوع إلى الذات تماما مثلما يحدث في العملية البصرية لاسيما وأن عمل الوعي ينقسم بين التصور والنظر ويكون إذن أساس الحرية والمعنى ،وفي اختبار الوعي يدرك المرء عمله وكأنه معروض أمامه في خزانة من البلور المضاءة ويتكلم عنه ويصدر بشأنه قرارا نفيا أو إثباتا.
إن الوعي هو بالأساس استعداد المرء للانخراط في تجربة التفكير والنظر عبر المفاهيم والتمثلات نحو العالم والالتزام النقدي بالبحث عن الحقيقة والمعرفة ، وفي الوقت الذي يفكر فيه في المواضيع الخارجية لا ينفك يفكر في نفسه ولا يستطيع ألا يدرك ذاته وعندما يفكر في نفسه لا يمسك نفسه عن النظر في حقائق العالم الذي يندرج ضمنه ويضفي عليه المعنى. وكما يقول مارلوبونتي:”انه داخل ذواتنا نعثر على وحدة الفنومينولوجيا ومعناه الحقيقي…وان الأمر يتعلق بالوصف وليس بالتفسير ولا بالتحليل…وان العودة إلى الأشياء ذاتها يعني العودة إلى هذا العالم قبل المعرفة حيث تتكلم المعرفة دائما عنه.”
في النهاية يمكن طرح بعض الاعتراضات مثل :هل يمكن أن يعكس الوعي الذاتي الفردي وعي المجموعة الثقافية التي ينتمي إليها؟ ماذا لو كان شعور المرء بأنه واع مجرد أضغاث أحلام وشعور زائف؟ ألا يمكن التمييز بين الوعي المباشر والوعي المنظور الذي يعطي المرء اليقين إلا بتفعيل التفكير؟ وهل اللاوعي هو عدم القدرة التي عند المرء في تذكر الماضي وصعوبة الانتباه إلى الواقع الحاضر والخطأ في توقع المستقبل؟ وهل يؤدي ذلك إلى استحالة وجود كوجيتو كوني ووعي كلي؟
المراجع:
جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة كمال الحاج، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، 1983.

جان فرنسوا ليوتار، الظاهرتية، ترجمة خليل الجر، سلسلة ماذا أعرف 43، المنشورات العربية.

Jean – Paul Sartre, situations1, Gallimard, 1947.
M. Merleau-Ponty, phénoménologie de la perception, éditions Gallimard, paris, 1945.
M. Merleau-Ponty, le primat de la perception et ses conséquences philosophiques, Bulletin de la société française de philosophie, Armand Colin (oct- dec.1947).

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
14 septembre 2010 2 14 /09 /septembre /2010 11:21

سقراط ... العمل بحماس من أجل كمال النفس

قيس مجيد المولى
الحوار المتمدن - العدد: 3123 - 2010 / 9 / 13 
 
       


يولي اليونانيون القدماء أهمية إستثنائية للتاريخ السياسي والإجتماعي . وقد أدى ذلك بالمؤرخين في وصفهم لما يجري في بلادهم أن يسهبوا بالحديث عن الذين برزوا في هذين المجالين وقلما أو بالكاد أن يذكروا ضمن واجهات ذلك الصراع المفكرين من الكتاب والفنانين ولذا فإن محاكمة سقراط قد دخلت في الإتجاه السياسي والإجتماعي والتي خلفت فيما بعد جدلاً كبيراً حول مشروعية الحكم عليه بالموت . ولد سقراط في أحد الأقاليم المتأخمة لأثينا للعام 469ق.م من والدٍ ينحت الحجارة ووالدةٍ تجيد فن التوليد وقد ألهمته مهنة والدهُ(النحت) أن يسير بهذا الإتجاه في بداية شبابه لينشغل بهذا الفن فترةً ليست بالقصيرة وأستطاع من أن يلم بمكونات هذا العمل ويبدع فيه حيث ذكر الذين لازموه تلك الفترة بأن سقراطَ قام بتنفيذ مجموعة من التماثيل الصغيرة التي تجسد الإلهه عند اليونانيين والتي تسمى (الكاريت) ولأهميتها فقد كانت توضع أمام مدخل معبد الإكروبول وقد إنقسم المؤرخون حول المام سقراط بالنحت وقيامه بنحت هذه التماثيل تحديداً بين فريق يؤيد صحة هذا العمل وإجادته وفريق أخرَ أعتبر ذلك نوعاً من الميثولوجيا . ولابد من الإشارة إلى أن الفلسفة التربويه اليونانيه تولي أهمية لتربية الشباب اليوناني وكانت مناهجها تنسجم مع التوجهات الأثينيه حيث كانت التربيه الأساسيه المنهاج الرئيس لإعداد الشباب والذي يتضمن الموسيقى والتربيه البدنيه وكانت الموسيقى تُعَلَم بإتجاهين الإتجاه الأول والذي يشمل الإعداد الموسيقي لتعلم العزف على الناي والقيثاره ثم الغناء والرقص والذي يستند أصلاً على البطولات والمأثر وتمجيد القاده ومعارك أثينا مع الفرس في أواسط أسيا وسيطرة الأثينيين على شرق البحر المتوسط والإتجاه الأخر في تعلم الموسيقى هو الإهتمام باللغه أي دراستها وتعلمها وكان ذلك الإهتمام منصباً على حفظ نصوص الشعراء الملحميين والشعراء الغنائيين ( هوميروس _بيندار ) لان هذه الأعمال أحد وسائلهم لتثوير الحماس لدى النشئ للاعتداد بإنتمائه وبالتالي إستعداده التام للتضحية في سبيل أمته أما برنامج التربية والتعليم فغضافة غلى مايتم تعلمه من علوم الحساب والهندسة فهناك الإهتمام بالجانب الجسدي أي التربيه البدنيه (المصارعة- السباقات- الرمي- إجتياز الحواجز- المطاولة ) وغيرها من الفعاليات البدنية والتي تنمي أساساً حب المواجهة والدفاع عن الوطن والنفس ولقد كان سقراط ضمن ذلك المناخ التربوي والذي طغى فيه الإتجاه الأول الذي ذكرناه من تلك الفلسفة التربوية . أما حياته العائلية فلم تمر بسلام فقد كان يعيش بمشاحنات يوميه مع زوجته بسبب إستياء الزوجة من زوجها الذي يقضي اليوم بكامله في شوارع أثينا وأسواقها وساحاتها بدافع الحصول على المعرفة من خلال المجادلات التي يجريها مع أصدقائه ومعارفه ومن يراهم في تلك الأماكن حتى إن هذه المشاحنات قد تعمقت في نفس زوجته لتنقلب إلى سلوك شرير بدءاً من وصف زوجها بأوصاف غير لائقة فتنعته تارة بالثرثار وتارة بالكسول وأحياناً ترمي عليه النفايات أو تقلب من أمامه مائدة الطعام إلى قيامها بطرد أصدقائه الذين يأتون إليه لإحياء حلقات المجادلة وإستكمال حواراتهم التي لم يستكملوها ورغم ذلك السلوك فإن معاصري سقراط (أكسينوفان وأفلاطون) يشهدان على أن (أكزانتيت) وهو إسم زوجة سقراط كانت إمراءة محترمة وأمراءة مُحبة تسعى لتربية أولادها والقيام بالواجبات الأسريه المطلوبة ولم تجد في سقراط ماينسجم مع طبيعتها تلك ولعل الغرابة حين سئل سقراط عن سبب هذا الإختيار الصعب فقال بانه إمتحان لي فإذا ماتحملتها فسوف أتحمل التعامل مع الناس الأخرين . لقد ركز سقراط في فلسفته في البحث عن الحقيقة وتلك التي تسمح بتعريف المفاهيم الأخلاقية بإبراز السمات العامة والأساسية لمفهوم ما أي تلك السمات التي تفسر الماهية ليقدم ذلك بطريقة الأسئلة والاجوبة ويتجه في كشفه للحقائق من أن إختيار المفهوم العام شئٌ معقد لذا يقترح على الأخرين الأخذ بأحد أركان هذه الحقيقة المراد الوصول اليها وهذا ماطبقه في حواراته عن (الفضيلة- الشجاعة- الحكمة ) وغيرها من هذه الحقائق . لقد رائ سقراط إن المعارف تسمح للانسان أن يمتلك سلوكاً حكيماً يستطيع من خلال هذا السلوك تفجير قدراته ويستخدم بدراية كامله طاقاته الماديه ومواهبه العقليه وميوله ورغباته لذا فان سقراط قد إستنتج بأن المعرفه تعني (الخير ) وإن الجهل يعني (الشر) ونصح بأن يعمل المرء بحماسه من أجل إكتمال النفس وإن إختراقاً فكريا وأخلاقياً للأنا قادرٌ بأن يصل بالانسان إلى الحياة السعيدة الفاضلة لذلك فقد وضع الجسد وأفعاله في البون الأخر حين دعا الإنسان بمقولته الشهيره (إعرف نفسك بنفسك)
أما في محاكمته فقد تصرف كمعلم لمحاكميه داعياً مواطنيه إلى السمو بالفضائل الروحية وجعلها فوق مستوى الفضائل المادية ولم يتنكر سقراط لروح المبادرة لدى الأثينيين في تعزيز قوتهم ومضاعفة ثرواتهم ولكنه يعتقد إن إزدهار المدن يقوم على غنى الحياة الروحية ولايقوم على ركوب المراكب وأجتياز الأسوار وأمور أخرى ودعا إلى خلق المواطن ( النخبة ) ووصف توجه الدوله بعكس ذلك بأنه إغراق المواطنيين بالبلاده الاخلاقية والعقليه . لقد رفض افلاطون إخلاء سبيله لان هذا الإخلاء يعني لديه التوسل للصفح عنه ورفض حضور عائلته إلى المحاكمة كي لايفسر بأنه يستدر العطف ويؤثر على قرار القضاة وتقبل الموت من أجل سمو المعرفة

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
27 août 2010 5 27 /08 /août /2010 14:52

الهوامل والشوامل، حول الإسلام المعاصر" لمحمد اركون

 



باب الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة
اختار محمد اركون عنوان كتابه "الهوامل والشوامل" (اصدار دار الطليعة – بيروت) تيمنا بالعلاقة الروحية التي تربطه بأبي حيان التوحيدي الذي وضع كتابا بالاسم نفسه. الكتاب هو الجزء الاول من كتاب بعنوان "الف باء الاسلام، من اجل الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة"، ويتركز على جملة اسئلة واجوبة توخى فيها اركون اقصى التوضيح للمفاهيم التي يطرحها ولمشروعه في نقد العقل الاسلامي، خصوصا ان الكتاب يرمي الى مخاطبة الآخر الاجنبي والسعي الى التفاعل مع هواجسه ونظرته الى الاسلام كما يقدم نفسه في العقود الاخيرة. ترجم الكتاب وقدّم له هاشم صالح.
يرمي مشروع اركون الى تحرير التراث او بمعنى آخر تفكيك الانغلاقات اللاهوتية القائمة في كل الاديان التي تستخدم المقدسات لتبرير العنف او لخلع المشروعية الالهية عليه. هذا ما نلحظه في الخطاب الاصولي الذي يلجأ الى التغطية اللاهوتية واصدار الفتاوى الدينية التي تبرر العنف الممارس من جانب الحركات الاصولية المتطرفة. مع الاشارة الى ان آليات النبذ والاقصاء وعدم الاعتراف بالآخر هي قواسم مشتركة بين الاديان التوحيدية الثلاثة بصرف النظر عن عقائدها المتكونة او طقوسها الممارسة على امتداد تاريخها. يترتب على هذه النظرة مهمة اساسية مطروحة على المجتمعات العربية والاسلامية لتجاوز هذه الانغلاقات، الا وهي القيام بنقد العقل الاسلامي المهيمن والمحدد لمجمل الثقافات والممارسات السلطوية. ويشدد اركون على "نقد العقل الاسلامي" وليس نقد العقل العربي، وفق ما يقول به محمد عابد الجابري، لكون المسلمين جميعا، وفي كل مكان يسود فيه الاسلام، محكومين بالمسلّمات اللاهوتية نفسها التي تتحكم بعقولهم وبطريقة اشتغال العقل ومساره، اضافة الى كون المسلمين لم يتجاوزوا حتى اليوم المرحلة اللاهوتية او الغيبية، لينتقلوا الى مرحلة العقل العلمي او العلماني، من دون ان يؤدي ذلك الى التضحية بجوهر الدين الاسلامي وبالمثل الاخلاقية والقيم الروحانية التي ينطوي عليها.تقوم منهجية اركون في قراءته للتراث الاسلامي على استخدام ما يعرف في علم التاريخ بالمنهجية التقدمية – التراجعية، التي تذهب الى ان كل مشكلة في الحاضر لها جذور عميقة في الماضي، بحيث يصعب فهمها واقتراح حلّها من دون النبش في جذورها. وهو يستعين بما قدّمته مدرسة الحوليات الفرنسية وخصوصا منها كتابات بروديل حول منظور "المدة الطويلة" للحفر عميقا في الطبقات المتراكبة للتراث ونزعها طبقة طبقة. اكثر ما جعل اركون استخداما لهذه المنهجية، انما يعود الى واقع المجتمعات العربية والاسلامية التي انتجت لاهوتا في القرون الوسطى لا تزال تعتقد انه ذو طابع سرمدي وابدي من غير المسموح نقاشه او المس به، وبحيث يقدم هذا التراث الاسلامي نفسه في كونه فوق التاريخ وفوق الواقع وفوق الوجود، على غرار ما تقدم نفسها المسيحية واليهودية. لذا كان لا بد من الحفر الاركيولوجي في مجمل العقائد الاسلامية المعتبرة ذات رسوخ وقدسية، للكشف عن تاريخيتها، وعن بشريتها، بحيث يشكل هذا البحث التاريخي وسيلة لإسقاط الاوهام المسيطرة على العقل الاسلامي وخلق وعي تاريخي وعلمي بهذا التراث.
في كتابه الراهن، كما في باقي كتبه، يسعى اركون الى الكشف عن ابعاد النزعة العقلانية والانسانية في التراث الاسلامي لا سيما في عصره الذهبي في القرون الوسطى، والى تعيين ما اصاب هذه المجتمعات بعد القطيعة التي رافقت دخول العالم الاسلامي عصور الانحطاط التي لا تزال تتحكم برقاب الشعوب العربية والاسلامية وعقولها حتى اليوم. بل ان المصالحة اليوم بين الاسلام والحداثة تبدو مشروطة بهذه المراجعة والغربلة النقدية لموروثنا القديم السائد، على غرار ما عرفته اوروبا منذ عصر الانوار حتى اليوم، حيث لم يكن الانغلاق اقل جبروتا في المجتمعات المسيحية عما هو عليه في المجتمعات الاسلامية.
السؤال الدائم الذي يلاحق اركون ويؤرقه ويخترق كل كتاباته هو الآتي: كيف يمكن ان نخرج من انغلاقاتنا اللاهوتية كيهود وكمسيحيين او مسلمين لكي نستطيع ان نتعرف الى الاخر ونصيبه من المشروعية الدينية والانسانية؟ وكيف يمكن ان نخرج من عقلية التكفير والنبذ المتبادل بين اتباع هذه الاديان الكبرى على مدار التاريخ؟ مما يوجب تشكيل نزعة انسانية محلية وكونية تنخرط فيها جميع الشعوب ومعها الاديان.
في اجوبته عن بعض الاسئلة، يتوقف اركون عند مسألة وجود معرفة علمية حقيقية عن الاسلام في الغرب، فيجزم بضعف هذه المعرفة بشكل عام، وبنظرة غير موضوعية يراها متعمدة احيانا من جانب المثقفين المعنيين بتقديم الاسلام والتعريف به. لا شك ان عوامل موضوعية ساهمت في تقديم صورة سلبية عن الاسلام في الغرب، اولها الثورة الايرانية ونمط الحكم الذي ولّدته واسلوب الحياة الذي فرضته على المجتمع الايراني بالقوة والسيف، وتقديم نفسها النموذج الاسلامي الواجب تطبيقه. عامل آخر يتصل بانبعاث الحركات الاصولية المتطرفة وصعودها، ورفعها شعار العنف، معتبرةً غير المسلم كافرا بما يسمح بإعلان الحرب عليه، واستخدمت في ذلك نصوصا دينية تعود الى زمن الدعوة ورأت فيها اسلاما واجب التطبيق ومنها ما يعرف بآيات الجهاد او العنف. لعل هجمات الحادي عشر من ايلول عام 2001 كانت من ابرز نتائج هذا الصعود الاصولي وتطبيق الثقافة التي يحملها تجاه غير المسلمين. لعل ضربة 11 ايلول سجلت اهم العوامل التي جعلت الكثيرين في الغرب يدمجون بين الاسلام والارهاب ويساوون في ما بينهما. اضافة الى هذه العناصر، كان الصراع العربي - الاسرائيلي احد العوامل في النظرة السلبية تجاه الاسلام، سواء من خلال الانحياز الغربي لإسرائيل او من استخدام العمليات الانتحارية باسم الإسلام ضد المدنيين في الاراضي المحتلة وخارجها، هذا من دون ان نتجاهل ما يقدّمه بعض المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية من نمط مسلكي وممارسة عنف لم تعد المجتمعات الغربية تهضمه وتقبل به. الى هذه العناصر الموضوعية وجود عناصر ذاتية تتصل بالكيفية التي يقرأ فيها الإسلامَ كتّابٌ من الغرب، مما اوجد نتاجا سطحيا لا يتصل بالفهم العلمي للإسلام والتمييز بينه كدين وبين الاسلام كإطار تاريخي امكنه بلورة ثقافة متعددة الجوانب والمشارب، وحضارة ذات تاريخ واثر مهم على النهضة الاوروبية نفسها.
يولي اركون اهتماما بتوضيح معنى كلمة "اسلام ومسلم"، فيشير الى ان كلمة اسلام تعني في حقيقتها تسليم النفس بكليتها الى الله، وان ابراهيم "التوراتي" مقدّم في القرآن على انه مسلم، مع العلم ان "ابراهيم يجسد في شخصه الموقف الديني التأسيسي للتوحيد او للوحدانية قبل بلورة الطقوس والشعائر والشرائع المختلفة التي ادت الى التمايز بين الاديان التوحيدية الثلاثة لاحقا. انه ابو الاديان التوحيدية الثلاثة". مع الاشارة الى ان القرآن استعاد في نصه القصص القديمة التي تحفل بها التوراة والانجيل، فأجرى تعديلات عليها بما جعلها تتوافق وتتكيف مع واقع المجتمع العربي في الجزيرة العربية وظروفه في بداية القرن السابع الميلادي. يهدف اركون من خلال هذه التوضيحات الى طلب تحاشي استخدام كلمة اسلام من اجل وصف مجتمعات شديدة الاختلاف والتنوع، فالاسلام الذي نشأ في الجزيرة العربية ليس هو نفسه الذي انتشر في مجتمعات آسيوية وافريقية واوروبية طبعت الاسلام الآتي فعدّلت في هذا الاسلام واثّرت فيه، كما اصابها من تأثيراته الكثير. وهو امر يدعونا الى القول بإسلام واحد من حيث العقيدة الدينية، واسلام متعدد من حيث الشرائع والفقه، مما يعني ان هناك "اسلامات" بقدر ما هناك مجتمعات بشرية وليس اسلاماً واحداً.
في اجوبته حول موضوع الوحي والقرآن، يعتبر اركون ان من شروط دراسة الوحي بشكل علمي وموضوعي ان نضع على محك البحث ما تعنيه الكلمة في تحديداتها اللاهوتية في اليهودية والمسيحية والاسلام، لان كل دين من هذه الاديان يقدم نفسه على انه قائم على الوحي. فالتصور الاسلامي التقليدي للوحي يحدده على انه "التنزيل"، اي النزول من السماء الى الارض. ويذهب المفسرون المسلمون للوحي الى القول بأنه "إلهام يحصل إما كفكر يثيره الله في روح شخص ما لكي يتيح له القبض على جوهر الرسالة المنقولة، وإما كعبارة لغوية مقدمة في لغة بشرية". في هذا المعنى يلعب الوحي دورا في تغذية التراث الحسي للطائفة التي تؤمن به، فتستمد منه "غذاءها الروحي بين وقت وآخر"، خصوصا عندما ترى فيه الوحي الحقيقي فيما تشكك في الوحي لدى الطوائف الاخرى، لا سيما في حالة النزاع على الدين الحق وأخطار استخدامه في الصراعات السياسية والاجتماعية.
يولي اركون تجربة اتاتورك في تركيا اهمية بالنظر الى التساؤلات عن إمكان تطبيقها في المجتمعات العربية والاسلامية وحظوظ نجاحها. يرى ان اتاتورك استطاع انتزاع تركيا من مستنقع التخلف العثماني المديد، واقام تحديثا ماديا اكثر منه حداثة فكرية، وفرض العلمانية على المجتمع التركي. لكن "الاطر الاجتماعية التركية للاستقبال والذاكرات الجماعية المختلفة لم تكن قادرة على هضم المتغيرات الضخمة التي فرضها على الشعب واستيعابها... ان قطاعات واسعة من المجتمع التركي ظلت بمنأى عن العلمانية التي ادخلها اتاتورك بالقوة وفرضها على المجتمع من فوق". وهذا ما يفسر الانتصار الكاسح في السنوات الاخيرة لحزب التنمية والعدالة الاسلامي في تركيا، وعودة الكثير من الرمزيات والمظاهر التي كان اتاتورك قد منعها بالقوة من قبيل الحجاب وبناء المساجد بكثرة، ومعها سعي الاحزاب الاسلامية الدؤوب للحد من الهيمنة العلمانية وإدخال قوانين ذات طابع اسلامي في التعليم والمدارس والثقافة اجمالا. لا يقلل تمسك الجيش بالحفاظ على النظام العلماني من أخطار هذه العودة الى الاسلام على مجمل الوضع التركي مستقبلا.
في جوابه عن ماهية النصوص الاسلامية التأسيسية للاسلام بعد القرآن، يشير اركون الى ما يعرف بـ"السنة"، التي تتشكل من مجموعة الاحاديث الواردة على لسان النبي محمد، وهي تعني عمليا مجمل الكلام والسلوك اللذين صدرا عن النبي ابان حياته. وهذا "ساهم في تشكيل تلك الشخصية الرمزية والنموذجية المثالية العليا لمحمد، وهي شخصية تجمع بين وظيفة الرسول الناقل لكلام الله الى البشر من جهة، وبين قائد الامة الوليدة لجماعة المؤمنين من جهة اخرى... ورفع محمد من مرتبة الانسان العادي الى مرتبة الانسان الاعظم الذي يجسد الذروة العليا للهيبة والسلطة والمشروعية".
كيف تتمفصل ذروة السيادة الروحية العليا مع السلطة السياسية في العالم العربي؟ سؤال اجاب عنه اركون بتفصيل، معيدا منطقه التاريخي والتلاعب السياسي اللاحق به. يفتح السؤال على مسألة العلاقة بين الاسلام والسياسة، وبين الدين والدنيا، وهي من اهم المسائل اليوم في الفكر الاسلامي المعاصر. يقول اركون: "الهدف الاول للخطاب القرآني كان يتمثل في زحزحة المشروعية القبلية او العشائرية وتجاوزها من طريق تقديم بديل منها الا وهو المشروعية الفوق قبلية او العابرة للقبائل من جهة، ثم التوحيدية دينيا، اي غير المؤمنة بتعددية الالهة وعبادة الاوثان كما كان سائدا في قريش آنذاك". انطلاقا من هذه الوجهة بدأ الحديث عن وجود سيادة روحية عليا تشرف على السلطة السياسية وتهديها بنورها.
لا شك انه خلال فترة التبشير، كان النبي محمد يجمع بين موقعه كرسول لله يتلقى الوحي وينقله، وبين هيبة الزعيم الذي يحسم الامور ويتخذ القرارات المتعلقة بالصراعات ضد الكفار و"استراتيجيات الهيمنة" ويقود المؤمنين بدعوته. تلك فترة استثنائية مرتبطة بشخص النبي. عندما استولى معاوية على الحكم بالقوة والعنف، عمد الى تقليد ما كانت عليه فترة الرسالة الاولى، فأضفى على سلطته هيبة القانون الالهي واعتبر ان هذه السلطة مستمدة من الله. شكلت المراحل اللاحقة من الصراعات على السلطة والدولة مجالا لاستخدام كل طرف "ذروة السيادة العليا" لتشريع موقفه واعتباره مستندا الى الحق الالهي، وهو امر سار عليه مجمل الخلفاء والملوك، كما وجد ترجمته مجددا في القرن العشرين في مقولات الامام الخميني وبعده سائر القادة الايرانيين من طريق مقولة "الولي الفقيه".
تحتاج المجتمعات العربية والاسلامية بقوة الى ان تدخل في مشروع نقد تراثها وغربلته ولفظ ما تقادمه الزمن، والافادة مما يتوافق مع العصر. تبدو هذه المسالة مصيرية في تكنيس الموروثات المعششة في العقول، وشرطا لنهضة عربية اسلامية ذات صلة بالتقدم والحداثة.

 

كتبها : المثقفون العرب مجلة الفكرالعربي
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article
27 août 2010 5 27 /08 /août /2010 14:10

قيمة الإنسان في أنّه يفكّر... في أنّه يشك

 




موريس أبوناضر

عندما نتحدّث عن الشك، أو نقول عن شيء إنه ديكارتي، فهذا يعني أنّه عقلاني. وعندما ننطق بكلمة عقلانية نرى فيها ارتباطاً وثيقاً بالحداثة. الحداثة التي قلّصت في الغرب المجالات الغامضة والمبهمة في العلاقات التي تربط الإنسان بالوجود، وأزاحت كل ما يعترض التفكير الحرّ
يتفق العديد من المؤرخين والفلاسفة، أنه مع ديكارت الذي يعدّ أبا الفلسفة الحديثة أصبح الإنسان يستمدّ يقينياته من ذاته، وليس كما كان الشأن عليه في العصور الوسطى من تعاليم عقيدة أو سلطة أخرى غير سلطة ذاته، ويتفقون أيضاً أنه مع ديكارت صارت القاعدة المعرفية «أنا أشك إذاً أنا موجود» محور التفلسف.
كان ديكارت يتعرض لملاحقة للإرهاب الأصولي المسيحي لأنه كشف زيف الأخطاء الشائعة التي تفرض نفسها وكأنها يقينيات لا تمسّ ولا تناقش، وفي مقدّمها بالطبع القول إن الأرض هي مركز الكون، وإن الشمس تدور حولها وليس العكس. وهي مقولة أرسطاطاليسية وبطليموسية، كانت الكنيسة في القرن السابع عشر تبنّتها وخلعت عليها المشروعية القدسية، ومن ثمّ فمن يعترض عليها يعترض على الدين
كان ينبغي أن تكون بطلاً في ذلك الزمان على ما يقول الكاتب السوري هاشم صالح لكي تواجه الأصوليين الذين يهيمنون على عامة الشعب ويفرضون أفكارهم وكأنها إلهية لا بشرية، فعندما تقول لهم بأن للدين مجاله، وللعلم مجاله، ولا ينبغي الخلط بينهما يردّون عليك بآية من العهد القديم أوالعهد الجديد. وقد حاول غاليله أن يشرح لهم أكثر من مرة أنه يحترم العقائد الدينية كل الاحترام، ولكنه مضطر الى استخدام أدوات القياس والحساب والتجريب العلمي إذا ما أراد فهم العالم الطبيعي، واستخراج القوانين التي تتحكّم فيه. ولكن عبثاً كانوا يوقفونه عند حدّه. ففي رأيهم كل شيء موجود في الكتاب المقدس، وينبغي أن يؤخذ بحرفيته حتى ولو تناقض مع أبسط قواعد المنطق والعلم الحديث
تجرّأ ديكارت الفيلسوف الفرنسي على أن يقوم بأكبر انقلاب فلسفي في تاريخ العصور الحديثة، من خلال اعتماده الشك في كل شيء في العقائد والعلوم وفي الإنسان نفسه. إذ كان هدفه نقل المعرفة وموضوعاتها من الكونيات الإلهية الى الفيزياء، ومن نظام العلل الأولى الى أنظمة المكينيكا، والتخلي عن النظر بعين الله الى العالم. إضافة الى تقديمه الإجابات على كثير من القضايا التي شكّك فيها في كتابه «مقال في المنهج» من خلال تحرير نفسه من عالم الأحاسيس والآراء الخادعة التي لا تسمح له بالصعود من الوقائع الى الأفكار لاكتشاف نظام العالم. وانتقاله الى اعتبار العقل الإنساني قادراً على بلوغ الحقيقة
ينقل الكاتب الفرنسي مكسيم روفير عن ديكارت في الملف الذي وضعته المجلة الفرنسية «ماغزين ليترير» قوله: «لقد أدركت منذ فترة أنني في سنواتي الأولى تعلّمت عدداً من الآراء الخاطئة معتبراً إياها حقيقية، وبنيت في ضوئها مجموعة من المبادئ، اكتشفت فيما بعد أنها غير أكيدة ومشكوك فيها. لذلك كان عليّ أن أتخلّص منها». ويضيف ديكارت إني أعمل بكل جدّ، وبحرية، على هدم كل آرائي القديمة». إن الغاية من الشكّ عند ديكارت كما صار واضحاً، هي الهدم. هدم كل ما اعتاده الإنسان وتعلمّه في صغره. هدم الآراء المسبقة حول الأشياء، وهدم الحقائق القائمة كالأصنام، واليقينيات التي تعتبر تحصيل الحاصل، ولا حاجة الى إعادة التفكير فيها
يعتبر طه حسين ديكارت العرب الأول والأخير كما يبدو. فهو يعلن من دون وجل أو خوف اقتداءه بديكارت في كتابه «الشعر الجاهلي» قائلاً: «أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أوّل هذا العصر الحديث. والناس جميعاً يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرّد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وان يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوّاً تاماص». وراح طه حسين يدعو الى الأخذ بهذا المنهج في دراسة الأدب العربي القديم والتأريخ له، وذلك بضرورة نسيان الباحث قوميّته وكل مشخّصاتها، ودينه، وكل ما يتصل به، وألّا يتقيّد بشيء
اعتمد طه حسين إذاً، منهج الشكّ الديكارتي الذي حمله على رفض الكثير من الروايات التي تتعلّق بالشعر الجاهلي. الروايات التي أحصاها المؤرخون في كتبهم من غير تثبّت ولا تحقيق لقلة نصيبهم من النقد، ولعدم ثبوتها أمام البحث والتحليل. يكتب طه حسين في هذا الشأن «هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أن أثق بأن فريقاً منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقاً آخر سيزورّون عنه ازوراراً. ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح أريد أن أقيّده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدّثت به الى طلابي في الجامعة»
كان طه حسين ينظر الى الشعر من خلال نظرته الى الأدب حيث لاحظ أن هذا الأخير يخضع الى رؤيتين متناقضتين : رؤية ترى في أقوال القدماء حقائق علمية تاريخية مسلّم بها، ورؤية تضع علم المتقدمين كله موضع البحث. وهذا من منطلق الشك المنهجي. وأعلن طه حسين أنه من أنصار الرأي الثاني لأنه يريد: «ألا نقبل شيئاً مما قال القدماء في الأدب إلا بعد بحث». وهكذا فإن طه حسين لا يقبل آراء القدماء إلا بعد إخضاعها الى البحث والتثبّت الذي يلي الشك ويؤدّي الى الحقيقة.
إن في وسع طه حسين بكلام آخر دراسة «الشعر الجاهلي» على الطريقة التقليدية فيكرّر الآراء المألوفة، ويقول أصاب فلان وأخطأ فلان، وبذلك تبقى الأمـــور علـــى حالها، ولكنه أراد التغيير والتجديد بخلخلة الواقع الثقافي، فاختار لذلك طريقة المجدّدين الذين لا ينطلقون من رأي مسلّم به، ولا يثقون في إجماع القدماء. لقد قاده حسّه النقدي الذي حصّله بتثقّفه بالشك المنهجي الديكارتي الى التساؤل هل هناك شعر جاهلي؟ وإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل الى معرفته، وما هو؟ وبمَ يمتاز عن غيره
قدم طه حسين هذه التساؤلات وغيرها، واستنتج: «أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، وانما هي منتحلة مختلفة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثّل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثّل حياة الجاهليين». وبحث عن الحياة الجاهلية في هذا الشعر فلم يجد لها أثراً واضحاً اللهم إلا في القرآن من ناحية، والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى. التساؤلات التي انطلق منها طه حسين في دراسته الشعر الجاهلي كان مدركاً نتائجها العلمية والعملية. فمن الناحية العلمية أراد أن يحضّ المستنيرين لإكمال مشروعهم التنويري في الحرية والعدالة والتقدّم، بمزيد من الأسئلة حول مشروعية السلطة الدينية والمعرفية والعلمية. ومن الناحية العملية أراد التوجّه الى عامة الناس، والى تلك الفئة من العلماء الذين قنعوا بما عندهم من كلام الأقدمين بأن الشك هو الطريق الملكي للوصول الى الحقيقة
كان ديكارت يتعرّض في زمانه لمطاردة الأصوليين المسيحيين لأنه شكّك باليقينيات المطلقة التي تواضع عليها قومه حتى حرّم المس بها أو مناقشتها. وكان طه حسين محل حصار الأصوليين المسلمين في زمانه لأنه شكّك بوجود الشعر الجاهلي. فسحب كتابه حول هذا الشعر من السوق بأمر من المحكمة، وأحرق في بعض الأماكن. وهكذا حرّر ديكارت وطه حسين بشكّهما فعل المعرفة ذاته، وفي الوقت الذي كانت المعرفة تعتمد قبلهما على هيبة الأقدمين من العلماء ورجال الدين، صار مرجعها معهما العقل الذي يفكّر ويشكّك ويحلّل وينتقد باسمه وليس بأي اسم آخر.

 

كتبها : المثقفون العرب مجلة الفكرالعربي
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية