Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
8 janvier 2014 3 08 /01 /janvier /2014 18:56

    ملصق إشهاري (2)

الاشهار وآليات اشتغاله:

 

وما يزال الحصان..يصهل النساء..

 

 

 

مقدمة الدراسة

 

1- فرضية القراءة .

2- النسق الدلالي المركب.

-أ- إجراء التجدير.

-ب- إجراء الربط.

3- صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

4-الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

-أ- التقطيع الزمني.

-ب- التقطيع المعرفي.

- ج- التقطيع الجسدي.

- د- التقطيع اللغوي.

5- الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

6-وما يزال الحصان يصهل النساء....

 

 

 

تصدير:

إن هذه المقالة أعتبرها بمثابة الجزء الثاني لسلسلة المعنى الذي فتحه الدكتور سعيد بنـﮕراد حول لوغو البنك الشعبي،" ولا يكف الحصان عن الصهيل" المقال المنشور بمجلة علامات العدد السابع.

وهو بذلك قد فتح ذاكرة عميقة في جسد الأشياء ، فأصبح الإشهار عنده يتنفس في كينونة الشعري والسردي والجمالي ..وهل يحتاج الجمال إلى مؤوِّل ؟ إن بؤرة المعنى متشظّية وليس من حق المؤلف أن يؤوّل إلا بحسب امكانية وصوله إلى المعاني النسبية من الكل المتعدد والغير القابل للإيحاء بالنُّسخة والشبيه حيث أنه " لا قانون بنيوي يُجبرك على إقفال الجملة" على حد تعبير ر.بارت...

 

بقلم : د.عبد النور إدريس

 

مقدمة:

الإنسان كائن رامز محمول بافتتان الحياة، حامل للمعنى الضواع بانتشاء الجسد الساخن، الجسد الذي يجسد اختلافاته في فضاء يستعمل المعنى في مرافعته ضد قضية المعنى

 

فكيف يكون المعنى كاذبا بالرغم من صدق مكونات القضية؟ أو كيف يكون المعنى صادقا مع عدم مصداقية القضية؟

 

إن الصورة الاشهارية التي ندرسها معدة لأن تفهم بسرعة ولأن يفهمها أكبر عدد من المتلقين انطلاقا من الدليل الأيقوني التي تتمتع به الشفرة اللسانية:

 

Votre banquier vous fait des avances

 

1- فرضية القراءة:

 

قبل مباشرة القراءة والتأويل والقيام بعملية توليد المعاني وملء الفراغات التي تقترحها علينا الصورة باعتبارها خطابا بصريا، لابد من طرح فرضية ما ولنقل مع دي سوسور " وجهة النظر تخلق الموضوع".

 

وقد نقول مع أمبيرطو إيكو" التأويل ليس فعلا مطلقا، بل هو رسم لخارطة تتحكم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة، هي فرضيات تسقط، انطلاقا من معطيات النص، مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية"([1]

 

قد تتنوع قراءة هذه الصورة بتنوُّع المستقبل لها حسب الرهانات التي تخلقها شروطها الثقافية، وهكذا يمكن أن تكون هناك قراءة بعيون أنثوية ليختلط عالم المال بالعالم المناوش للقران الحاضر الغائب بعالم البنك.

 

وقد تكون هناك قراءة بعيون قروية فتكون الصورة جاحدة وهي تحمل وردة بيضاء عوض السنبلة لتطرح السؤال على مدى إمكانية العالم القروي للخروج من العقم الذي فرضه الجفاف على الخصوبة.

 

ويمكن صياغة فرضيات القراءة هاته باعتبار الوحدة المعنوية للدليل الأيقوني المشتمل على شفرات متعددة : * شفرة الألوان * شفرة الأشياء * والشفرة اللسانية.

 

فهل يمكن للصورة أن تكون موضوعا للدراسة في ذاته؟

 

2- النسق الدلالي المركب:

 

إن الفضاء الذي سنتأمل فيه معاني هذا الإشهار هو فضاء العلاقات الإنسانية، العلاقات الواعدة بالخصوبة واستمرار النوع البشري، وبما أن هذا النص الذي بين أيدينا لا يتوفر على قارئ أسمى فإنه لا يشتمل على معنى حقيقي إلا إذا استطاع المؤول أن أن ينتج شرطه كعلامة بحسب قول شارل موريس: " كل شيء يمكن أن يصبح علامة شريطة أن يؤول باعتباره كذلك من لذن مؤول".

 

فأن نقرأ هذا النص معناه أن نسائل فيه المستوى التشكيلي والأيقوني. مع افتراض أن هذه الصورة تحمل ثنائي ضدَّي عميق في ضد يته على المستوى المجالي بادية/ مدينة، خصوبة / لا خصوبة، والتي تحول النظرة الاستثمارية لمجموعة البنك الشعبي في التوجه إلى القطب المديني في طلب الزواج به وتحويل الطاقة الإنجابية الى مجال يهتم بقيمة الحياة في واحديتها وبالكيف على مستوى العيش.

 

فالعلاقة بين النسق اللغوي والنسق الأيقوني يتحدد من خلال:

 

أ- إجراء التجذير:

 

النموذج الذي نحلله هنا هو صورة إشهارية تقدم إشهارا لمؤسسة بنكية، تتمفصل الصورة فيه إلى نسقين متراكبين:أيقون بصري ولغوي.

 

ويمكن الوقوف عند مكونات الصورة في بعديها لتحليل الآليات التي توظفها بهدف إقناع المتلقي بالإرسالية التي تعتزم إبلاغها من خلال البعد الادراكي المعرفي الذي تنخرط الصورة ضمنه.

 

فبالنسبة للصورة موضوع التحليل، نلاحظ أن الإطار العام الذي يؤطرها يتكون من فضاء بوني شاسع يوجد ضمنه أيقون، وهو عبارة عن يد ذ كورية تحمل وردة بيضاء، ويوجد أعلى الصورة تنضيد أقوال لغوية تحقق المستوى اللساني في الصورة مع تبئير اسم : اليسر".YOUSR "

 

وفي أسفل الصورة يسارا يعن لوغو المؤسسة المالية الذي سنقرأ الصورة من خلال تحليله وإعادة بناء اشتغاله مشمولا بقيم النبل والأصالة يتحرك في إطار الهاجس المقاولاتي لصالح الجميع وبالجميع:

 

Entreprendre Pour le Bien Commun

 

ب- إجراء الربط:

 

إن الصورة التي أمامنا تزاوج بين نمطين من التلقي في عالم الاستهلاك:

 

* نمط يرتكز على اعتبار الشفرة اللغوية " تسبيق"

 

« Avance »

 

هو ما تقدمه البنك لحل الأزمة المالية للزبون عند آخر الشهر.

 

* ونمط يعتبر البعد السوسيو- ثقافي، المسبقات الغزلية وسيلة لتعويم المعنى:

 

« Avance »

 

التي عبرت عنه الصورة أصدق تعبير وهي نموذج للمرجعية الثقافية اللاواعية التي تختزن في بعدها الثقافي شحنات انفعالية لا تجد استساغتها إلا بالسنن الثقافي الفرنسي، فالصورة هنا تنتج مستهلكا ثقافيا عبر مرجعية اللغة من جهة، ومن تنميطها من جهة أخرى للاشعور الجمعي لتعكس الرغبة الدفينة للزبونة التي حققت ذاتها على المستوى "الفالوسي"

 

PHALLIQUE

 

بينما كان ذلك على حساب تجلياتها الأنثوية، كحبيبة و مخطوبة ، زوجة وأم.

 

إن الصورة لا توجد إلا لتكرار العالم بشكل أقل اتفاقا مما هو عليه في الأصل ويسمح لها بالانزياح قليلا عن الأصل ما دامت لا تستطيع تقليده بإتقان.

 

فمهما كانت الزاوية التي ننظر منها إلى الأمور فإننا لن نخرج من ثنائية، الشكل/ الشيء، أو ننطلق من الشيء لنصل إلى الشكل.

 

وعند مقاربتنا لهذه الصورة سننطلق من مباشرة دراسة الصورة في ذاتها، انطلاقا من: *المستوى الأيقوني والذي يعتمد على القراءة الاستتيقية ومجمل إيحاءاتها.

 

*المستوى الاجتماعي وفق الحقنة الأيديولوجية المبثوثة في الصورة.

 

* المستوى البلاغي حيث يمارس النص اللغوي سلطة على الصورة ذلك أنه هنا يتحكم في قراءة الصورة الاشهارية ويكبح جماحها الدلالي.

 

3- الدال الأيقوني: صهيل الحصان بين الطبيعي والثقافي..

 

يرُدّأوبيرطوإ يكو عملية بناء الدال الايقوني إلى ثلاث مستويات من التسنين:

 

*- الأيقون: يتحول فيه الدال اللفظي ( تسبيق) إلى دال بصري (مسبقات غزلية).

 

*- الأيقونوغرافيا: دلالة الوردة البيضاء على التقدم لطلب يد الفتاة من نفسها.

 

*- التسنين البلاغي: لقد أعطت هذه الصورة ومن خلال سنن من طبيعة لسانية

 

مقابلا بصريا تجلت في اليد الذكورة الناعمة التي تحمل وردة بيضاء بدون أشواك.Avance

 

في جل الصور الاشهارية للبنك يرتسم اللوغو في يسار وأسفل الصورة مفتوحا على المستقبل " إن الفرس يسير إلى الأمام، أي من اليمين إلى اليسار، إنه يسير بخطى مزهوة نحو المستقبل" ([2]) .

 

فالصيغة الجديدة " مجموعة البنوك الشعبية" قد تجاوزت اللوغو السابق فبعد أن كان في سباق مع باقي خيول المال في اتجاه الدائرة /البويضة التي ترمز إلى العالم القروي المشمول بآليات الإخصاب، وحيث أنه هو من اخترق فأخصب لم يترك ذيله خارجا كما يفعل الحُوين المنوي، ومع انسداد الدائرة يوحي الفرس بأنه مستعد أو قاب قوسين أو أدنى من الوقوف داخل الدائرة فشكله يدعونا إلى افتراض أن هذا الفرس كان فوقه فارسا يأخد بلجامه وقد انتُزع منه ليتعرى الفرس أمام الفضاء القروي لتبيان فحولته ضمن عالم يؤمن بالرأسمال الوارد عن فحلية طبيعية.

 

إن الفرس وعند اختراقه للجدار السميك للبويضة يتوجه في خطابه قيما ثقافية تستهلك العزة والشهامة وطابع البداوة والفضاء الشعبي : " مثمنة في جميع الحالات وجميع السياقات: إنها الاصالة والصدق والجذور والنقاء الثقافي والبراءة والعفوية والتراب والأرض والطبيعة.إنها الوجود الطبيعي الذي لم تلوثه بعد موبقات العصر الثقافية" ([3])

 

فما دام البنك يلف أيديولوجيته بالشعبية فهو مقرون بالتوالد وارتفاع الخصوبة التي تعتبر الوسيلة المثلى لتكثير المادة الفلاحية من النوع الحيواني، فالتعدد البيولوجي الذي يغنيه اللوغو انعكس على تشكيلته الإدارية التي انتقلت به الى مجموعة بنوك.

 

إن هذا اللوغو في صيغته الأولى والأخيرة يشتغل وفق مبدأ التناظر والمرجعية الثقافية لطبقة شعبية تتمركز بالبادية، أما الصورة التي بين أيدينا فإنها يشتغل وفق مبدأ اللذة من حيث أن الإشهار يعتبر من مكونات الهواء على حد قول روبير لودوك (1975) عندما قال:" إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأكسجين والنيتروجين والإشهار"، يتحول فيه الزبون من منخرط بدافع الحاجة لقرض " اليسر" إلى منخرط بدافع الرغبة عبر عالم الجسد المخملي ، فالجانب الجمالي في الدال الأيقوني الحامل للإرسالية الاشهارية التي بين أيدينا يتحدد في قدرته التعبير عن حالة ثقافية وبسيكولوجية خاصة بالشريحة – الهدف ، على الوصول إلى الدفع بهذه الشريحة المستهدفة إلى التعامل إيجابيا مع المنتوج .

 

4- الكون الدلالي و تقطيعا ته: الصهيل يفيض على بؤرة المعنى..

 

كل شيء في الصورة يتكلم وحيث يقول رولان بارت " لا وجود للأيقون الأخرس أبدا" فالقراءة التي تبحث في تعددية النص يجب أن تكون ذاتها متعددة، أي لا تحتاج إلى إذن بالدخول، وما مدخلات الصورة سوى ما يساعد المعاني على الانتشار فوق المساحة المرئية للنص، لكن لنتساءل من جديد مع رولان بارت " كيف يأتي المعنى إلى الصورة ؟ ".

 

هل المعنى في العبارة كما يقول كار ناب، أم في القضية كما يقول كُوَين؟ .

 

هل اللغة هي التي تخلق المعنى ؟.

 

" من البديهي أن لا تفهم الكلمة إلا في لغة ما، فاللغة هي التي تُعطي الخطاب مفهوما يُدرك من خلال مكوناته" ([4]).

 

أن تقرأ هو بالفعل عمل تقوم به اللغة ، أن تقرأ معناه العثور على معاني والعثور عليها معناه أن تسميها، لكن الثقافي هو الوصي على التفسير اللغوي داخل الصورة التي تلعب دورا مهما في تعميق المعنى بتفسيرها للكتل اللغوية ، وبذلك يصبح للكلمة " معنى واحد، معناها الأفضل "([5]) كما يقول رولان بارت.

 

إن صورتنا الإشهارية تحلم العالم على نموذج الجسد الفاعل الذ ي يتأكد حضوره في انسجامه مع الثقافة السائدة التي تنسب للجسد الذكري كل ما هو فوقي وفاعل كرمز للقوامة والسلطة اتجاه الجسد الأنثوي المقهور والدوني كدلالة على ما هو تحتي وسلبي.

 

إن الصورة الاشهارية التي نعالج ليست مجرد وصف لمنتوج، وإنما هي تحديد لعلاقات ولأنماط للسلوك تستثمر صراحة أزمة مجتمعية تتجلى في عزوف الشباب عن طلب أيدي الإناث للزواج ، والعلامة الأيقونة تعتبر البنكي هو المؤهل للقيام بهذا الدور الاجتماعي لفتح هذه الظاهرة على المخيال العام والدفع بحلم العازبات إلى ولوج عالم الاثارة ، لمّا تلجن فضاء " البنك الشعبي" الذي اشتغل في اللوغو السابق على الاثارةLa

 

séduction

 

المملوءة بالفحلية والإخصاب معتمدا على رأسمالية إنتاجية تعيد بدورها نسخ العالم في أيقون مرجعي مباشر.

 

فالإثارة بالكلمات يمكن أن تأخذ بديل إثارة الكلمات ذاتها ، فالمرأة هنا تثار حسب مستوى الأنوثة الذي تصل إليه أو تتمناه.فالإثارة تثير وهم النظرة الأولى التي لايمكن أن تقول ماهي ولا يمكن أن تقول بتحققها، إذن فهي ضائعة، لا متحددة ، إن الاثارة تلعب لعبة البداية اللغوية ، الانخراط الفجائي والاإرادي داخل اللغة، إذ الإثارة تحيي في الكائن وضعيته الفاعلة داخل الكلام وهو هنا الكلام الفرنسي بامتياز.

 

إن الصورة التي بين أيدينا تعوض العالم الواقعي للزبونة و الزبون بمكونات خيالية تستهدف فيه رأسمالية الاستهلاك وقد تحول موضوع القرض إلى رسالة اجتماعية على اعتبار أن الانخراط في جماعة مستهلكات المنتوج البنكي " لقرض اليسر" يتحول إلى معْنم من بين المعا نم المميزة داخل المنظومة الاجتماعية.

 

إن نموذج فارس الأحلام يوجد في الصورة الاشهارية كما يوجد في عين الفتيات التي ترى وتتوهّم ، إنها عبر النموذج الذي يتحوّل الى مثير ، تستحضر عبره الذات الرائية الوضعيات كما تستحضر أوهاما ورغبات ، نموذج المرأة التي تتعامل مع البنك ، الموظفة الشابة المقبلة على الحياة بعد أن حققت ذاتها في عالم الشغل والتي أصبحت محور اهتمام البنكي الذي يعد خطيبته بوضع مفاتيح خزنته بين يديها .

 

إن الصورة تقدم نفسها على أنها تمثيل لوضعية إنسانية عادية يحق لكل امرأة أن تتماهى معها لتحدد عمقها الاجتماعي، ويصبح من الطبيعي تناول واستعمال المنتوج البنكي " الشعبي" داخل هذه الوضعية جد عادي.ويصبح الجسم العاري الذي تجسده اليد تركز عدة مدلولات من أشد المضامين أيديولوجية تستعمل الرغبة في التزيّي بخاتم الخطوبة من أنبل المضامين الاجتماعية للوصول الى ضفاف الاكتفاء الحالم.

 

لهذا فتنويعات الإثارة النسوية بصورتنا الاشهارية ليست لغوية فحسب بل هي اهتزازات نفسية للأنثى والأشياء المحيطة بها ، هي تلك اللحظة التي تصرخ فيها الأنثى عن المبتعد عنها والمشيح بوجهه أوالمحاول للإبتعاد عنها، أن تقدّم ولا تضع في" حسابك" همّ الحياة..."اليسر" هنا...

 

إن ثنائية خاطب/مخطوبة في مظهرها المباشر وعبر معطياتها المادية والإيحائية تحدد تقطيعا ت عدة على أعتاب القراءة:

 

أ‌- التقطيع الزمني:

 

ب‌- للوجود الإنساني عبر خلق ثنائية تتناظر فيه تجربة البنك في إنشاء البيت القروي بشباب فتاة في مقتبل العمر " موظفة" تنفتح الفضاءات أمامها على هذا الاعتبار.

 

ب- التقطيع المعرفي:

 

فمعرفة البنك بمدى حضور أوراقها النقدية لدى المستهلكة الشابة عند اهتمامها بشبابها والعناية بطراوته قصد اجتذاب زوج... داخل وضعية تنافسية متأزمة مشمولة بالعزوف.

 

إن الخطاب الاشهاري يعلم زبوناته كيفية الاستزادة من نوعية هذه الاستهلاكات كطريق طبيعي لنصائحه، على اعتبار أن قناعة البنكي بجمال الزبونة الموظفة جديرة باحتدائها من طرف المجتمع ،هي شهادة تقدير للجمال الأنثوي والضامن للتسريع به إلى أحضان بيت الزوجية ..إلى أحضا " التكشيطة" والجلباب بما هو "شعبي" نازح من مجال ثقافي مملوء بروائح الأصالة والعراقة والغبار...فهو بذلك يرسم حدود حياة جديدة عبر قيم قديمة.

 

ج- التقطيع الجسدي :

 

إن اليد تتماهى مع جسد الصورة الاشهارية ، الجسد الملون بلون الجلد حيث يأتي عنه صدور اليد بشكل طبيعي كامتداد غير مفارق يحتضن السلطة عبر ثنائية اقتراحيه للفضاء الاجتماعي الخطبة / صمت، إذ الجسد الأنثوي المتلقي للطلب ما عليه إلا الصمت حتّى تتحقق إيجابية الرسالة ، الصمت الذي يحقق للجسد المتلقي أنوثته، دلاله وغنجه وبذلك يكون الشعبي قد حقق الحنين إلى تقاليد الحياة البدوية التي تناقض المظاهر السلوكية للخطبة الحديثة.

 

د- التقطيع اللغوي:

 

تركز الدلالة اللغوية على " اليسر" والتسبيق " لتحقق الكلمتين الزواج الشرعي للتصور المقترح للبنك في منح حلول لظاهرة انحباس الزواجية .

 

فالفضاء الذي تتأمله الصورة يعد بالنعيم واللذة والاستقرار بالرغم من أن الحياة اليومية

 

تعصر المنشغل بها عصرا لتتحول لغة الاشهارإلى لغة تقريرية تقدم التسبيق لفك ضائقة الزبونة.

 

5- كينزياء الكون الدلالي:الورد الأبيض يمتطي راحة اليد...

 

إن حركة اليد التي تقدم الوردة البيضاء والخالية من الشوك تعبر بكل وضوح عن نسقية إيمائية للجسد ، لايترك للصورة ذلك السطح العميق بل يحرك الصورة نحو خروجها والتقرب من المتلقية في بعد بوني يقترب من ذات المخطوبة حتّى يمكن أن تتجاوز تلك اليد- التي تنعمت بدخولها الفضاء المديني بدل اليد الخشنة التي أنهكها المعول والمنجل والمحراث - الحواجز إلى أن تبلغ المسافة التي يمكن أن يسلم فيها الفارس الوردة وهو مطمئن من ذلك القرب الذي يؤجج العواطف ويضع للوجه فرصة حميمية للإنغراس في عيني الآخرو،مع العلم أن التمثلات الثقافية للأنثى في ثقافتنا لا تسمح لها فقط إلا بالثبات في مكانها كي تصل إليها يد المعجب والخاطب محملة بالذوقي : السكر، الرامز إلى جلسات الشاي والعبث في ملف الناس والاشياء، والشمّي : الورد الرامز إلى التوحد والمودة لتنبعث المشاعرالرقيقة الجياشة بالوله والهيام..

 

فحضور فرنسا كبؤرة ثقافية يكاد يصرخ داخل الصورة الاشهارية من خلال رموزها اللغوية والثقافية وهي قادرة على التواصل مع الطبقات التي تعاملت وتتعامل مع القيم الثقافية لفرنسا العميقة على أساس أن الثنائي السلوكي للثقافة المحلية عادات / أعراف ، يستهلك من الحواس رمزية الذوق عند إعلان الخطوبة " قالب السكر" لتنتقل الحلاوة من الشيء إلى أبعاده القصوى وأشكاله اللانهائية، عوض حاسة الشم والبصر واللمس الذي اعتمد داخل هذا المنتوج الاشهاري بالوردة البيضاء التي تعبق أريجا مملوءا باللذة والمتعة والخصب .

 

6- ثنائية الكون الدلالي: ذكورة/أنوثة، وما يزال الحصان يصهل النساء..

 

إن الصورة الاشهارية تعكس نظاما أبيسيا قويا تحتل فيه ثلاثية المال- المعرفة ـ السلطة أوجا سيكولوجيا للعنف الرمزي الذي يفرضه " البنك الشعبي" على زبنائه ، فسلطة المال تتحكم في المعرفة وبالتالي فهي تستعيد السلطة لتحولها إلى أداة باتريركية تكتسح جغرافية ما هو مديني بعدما تم المسح المجالي للبادية .

 

فالصورة تعكس نفس الهيمنةالذكورية على ثبوثية القيم حيث الرجل فاعل ومتفتح على الآخر والمرأة تجتاحها مفاهيم الحشمة والانكماش النفسي على الذات.

 

وبذلك يكون السنن اللغوي يلغي حضور الأنثى ويمارس نفس سلطة المجتمع على أنساقه ، فالفضاء العام للصورة داخل وسطنا الأبيسي لا يترك المجال " للبنكية " أن تكون هي المرسلة وبذلك تغطي مواصفات الذكورة كل مساحات اللوحة الاشهارية ، والمختفي ينتشي بنعومة الأنوثة ، هذه الثنائية تعتمد على تنميط الأدوار بنفس توزيعها في الماضي ، فالصورة تستقبل الموظفة ليذكرها بمجالها الطبيعي " البيت" ، " الإنجاب " ويخاطبها كممتلكة للجسد والعاطفة ، فلا وعي الصورة الجمعي يعكس خام التمثلات الثقافية العامة للمجتمع المغربي ، ومن ثم فالصورة الإشهارية تعمم المعنى على القيم وهي بذلك تقوم بدور المؤسسات الاجتماعية التي ما تفتأ تسكك لثبوثية الزواجية كمؤسسة المؤسسات.

 

إن هوية المرأة تجد داخل هذا الاشهار التنميط الصارم لتحركها ...فهي المخطوبة... وفي اللحظة التي تضع فيها الخاتم على أصبع الرجل تنطبق السلاسل والقيود على تحركاتها...تنقلاتها روحها وعقلها ...كما يزيف وجودها وكينونتها لما يقترح عليها الانقياد الى تصوراته عن الحياة للتّنَعُّم بمواصفات " الكائن المتميز" وتأتي المفارقة العجيبة لعالم المال هذا لمّا يضع في أولوياته مبدأ اللذة كمقياس للحياة العصرية ،

 

ليُغطّي خطابا مُضمرا يصهل في وجه الحريم وحنجرته مملوءة ذهبا..

 

Le bien être commence par le plaisir

 

فالبنك هنا يبيع صورته مغلَّفة بقدرات ذكورية كما جاء في التعبير الفرنسي السابق

 

الذي يدل على أن التوجه الجديد للبنك قد أخذ نفس اتجاه الهجرة القروية ، وفي خطابه إلى الزبونة فهو يخاطب أكبر طبقة من الموظفات اللواتي يتحمّلن مسؤوليات عائلاتهن ويزهدن كارهات في ممارسة حياتهن الطبيعية و الحلم بفارس الأحلام الذي يهيمن هنا على كل الصورة وفي كلية وجوده في المجتمع .

 

إن الإرسالية الاشهارية توجه إلى أناس مجنسين ولا تني إرساليتنا هاته من مخاطبة فئة من النساء يتمتعن بمواصفات حددتها وأكدت عليها .

 

إن المرأة بخروجها لعالم الشغل تمتعت بسلطة قضيبية " فالوسية " جعلت منها محور عائلتها ومحيطها متناسية ذاتها واهتماماتها الشخصية ولا تجد من يذكرها بفراغها النفسي و" الهَوَوي" سوى فضاء البنك ...العالم المفارق ...عالم جفاف العواطف الإنسانية ...الذي يمنح الزبونة لحظات تتلذذ بها كامرأة في النظام البنكي الأبيسي ، وهي تتلذذ موقعها كموضوع لنظرة الرجل.

 

بقلم :د. عبد النور إدريس

 

Abdennour.driss@gmail.com

 

المراجعوالهوامش:

 


[1] - امبرطو إيكو" التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة و تقديم د. سعيد بنكراد ،المركز الثقافي العربي الدارالبيضاء الطبعة الاولىسنة 2000 الصفحة: 11.

- د.سعيد بنكراد "ولا يكف الحصان عن الصهيل" مجلة علامات العدد :7 ص: 37.[2]

- نفس المرجع السابق، ص: 28.[3]

- سامي أدهم ، إبستمولوجية المعنى والوجود، مركز الانماء القومي ، بيروت لبنان ،ص: 6.[4]

[5] - رولان بارت" النقد والحقيقة " ترجمة وتقديم ابراهيم الخطيب مراجعة محمد برادة ، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ، الطبعة الاولى سنة 1985 الصفحة 22.

 

-------------2-.jpg     

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
24 avril 2012 2 24 /04 /avril /2012 17:42

دراسة في وعي الثقافة الأمازيغية+

بقلم د. عبد النور ادريس

أكد تلاقح الحضارات منذ الأزل أن الأبعاد الثقافية وإن لم تنصهر بحكم احتكاكها وتقاربها في قالب واحد. فإنها بالتالي لا تتعارض بل يكمل بعضها البعض وهذا ما جعل أيادي سكان المغرب "البربر" مفتوحة لاحتضان الحضارة الإسلامية قبل وبعد وصول المولى إدريس الأول للمغرب رغم أنه لم يتول سلطة البلاد لقرابته من نسب النبي صلى الله عليه وسلم بل لمكانته العلمية التي حظي بها، مكانة علمية أهلته لسلطانهم كما وقع لمهدي الموحدين إذ يقول ابن خلدون في هذا الإطار: «... ولا نجعل من هذا الباب إلحاق مهدي الموحدين بنسب العلوية فإن المهدي لم يكن من منبت الرئاسة في هرتمة قومه وإنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم والدين ودخول قبائل المصامدة في دعوته وكان مع ذلك من أهل المنابت المتوسطة فيهم»1.

فإدريس الأول إذن لم يأت غازيا ولا محاربا بدليل أن القبائل المتواجدة بالمغرب آنذاك كانت في قمة قوتها وأوج عصبيتها يقول ابن خلدون عن هذه الوضعية في مقدمته ص 133 الطبعة الأولى 1978 مؤكدا أن قوتهم هاته لم تكن مدعومة من قبل عصبية دينية وأنهم غير محتاجين لنسب ما حتى ينالوا الملك يقول: «... وهم غير محتاجين لذلك فإن منالهم للملك والعزة إنما كان بعصبيتهم ولم يكن بادعاء علوية ولا عباسية ولا شيء من الأنساب... ولقد بلغني عن يغمراسن بن زيان مؤتل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره وقال بلغته الزناتية ما معناه أما الدنيا والملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النسب وأما نفعهما في الآخرة لمردود إلى الله وأعرض عن التقرب إليهما بذلك»2 فكل شيء يؤكد على أن الأمازيغيين كانت لديهم حضارة متميزة وقفت صامدة في وجه الحضارات المترادفة على المنطقة، هذه الحضارة التي أطلق عليها المؤرخون الحضارة "الليبيكية" تملك من قوة السلاح والسلطان ما حافظت به على استقرارها السياسي دون إغفال ما يترتب عن هذا الاستقرار من ترك الفرصة للثقافة المميزة أن تظهر وتتجدر، يقول «فرجليوس» - القرن الأول قبل الميلاد – في ملحمته الشعرية "الاليادة" التي أشار فيها إلى بعض المدن الليبية: «أن الليبيين من جنس لا يقهر في الحروب والمعارك» - نسبة للحضارة الليبيكية بشمال افريقيا – كما أن وصف "ز.روجيي" لسكان الأطلس يوحي بنبوغ هذا الشعب الذي لا يتصف بأوصاف الشعوب المنحطة المتوحشة يقول: «... قد كان الأهالي يعتقدون أنه يوصل إلى السماء، وقد كان هؤلاء الأهالي يستمدون اسمهم من هذا الجبل إذ أطلق عليهم فعلا اسم "الأطلسيين" وقد قيل أنهم لا يتغذون على الكائنات الحيوانية وليست لديهم أوهام». هذه القولة تحيلنا للقول بأن أهالي شمال افريقيا – أهالي الأطلس – قد اكتشفوا الدورة الزراعية التي تفرض استقرارا حياتيا يقول كلمته بالنسبة للاستقرار الحضاري.

كما أن تسمية "بربر" بالنسبة لمعناها في قاموس الحضارات السابقة لم تكن قدحية تعني التخلف والتوحش كما نعتت به من طرف الاستعمار الكولونيالي بل إن كلمة "بربر" أطلقتها الحضارة الإغريقية للإشارة إلى سكان شمال افريقيا وذلك للدلالة على غير المنتمين لحضارتها وهي تؤكد بذلك وجود الفوارق اللغوية والثقافية والتنظيم السياسي وهذا يدل على أن ساكنة شمال افريقيا كانت متميزة بلغتها الخاصة وبتنظيمها السياسي وبثقافتها.

كما أن الحضارة الرومانية أطلقت اسم "بربر" على كل الشعوب وخاصة التي رفضت الاحتلال الروماني واستعصت عليه وحاربته وعلى الخصوص سكان الأراضي الإفريقية.

كل هذه الطروحات التاريخية تشخص بعمق أزمة الثقافة الأمازيغية المطروحة حاليا – وبشكل فلكلوري – على الواجهة إذ أصبح الوتر شديد التوتر، فبعد التهميش المفتعل للبادية المغربية نجد أن اللغة الأمازيغية وقفت صامدة أمام الهزات التاريخية منذ القدم كما أمام الحضارات والثقافات الكبرى التي توالت على حوض البحر الأبيض المتوسط، وسوف لا نذكر فضل تمازجها بهذه الحضارات والتفاعل معها والتأثر بها منذ أن تربى بوغرطة في أحضان الحضارة الرومانية ونهل من ثقافتها متأثرا بها ومؤثرا فيها وهذا ما تؤكده رسالة إلى هيسيبيا من شيبون الإيميلي (185-189 ق.م) قنصل روماني كان مسؤولا عن هدم قرطاجة سنة 146 ق.م يقول فيها «إن ملك يوغرطة قد أبان البرهان على شجاعة فائقة في حرب نومنسا وأنا متأكد من أن هذا سيدخل عليك السرور، أن لك رجلا ينبغي أن تفخر به وأن تفخر بجده ماسينيسا3.

فالثقافة الأمازيغية إذ تعلى حضورها المتجدر بالثقافة المغربية ككل. تؤكد على تفردها، هذه السمة التي تشكل الفن الأمازيغي كتعبير دينامي متحرك لواقع تطور وواكب الحياة المغربية منذ عصور واكتوى بنار التغيير وتفوق على سلطة الزمن.

إن اللغة الأمازيغية هي حقا ما تحفظ به تلك الزمرة الاجتماعية "إمازيغن" سلوكها وتقاليدها على المدى الطويل، حقيقة أن الثقافة الأمازيغية لها خصوصيات ساعدتها على البقاء صامدة في وجه التاريخ حتى أن قوة حضورها خلقت بواعث عدة لدراستها، غير أن دورها في بناء الحضارة المغربية الحديثة لازال مهمشا ويمكن إرجاع هذا الابعاد إلى أن المساهمة التي بذلتها في الجسم الثقافي المغربي لم ترق إلى حدود التدوين – دون إغفال المجهودات الأخيرة في هذا الميدان – فعائق الشفاهية هذا هو الذي جعل الكثير من الباحثين في الثقافة الأمازيغية يقف مشلولا لا لندرة وقلة النصوص كمراجع بل لضرورة أخذ هذه النصوص في منابعها الأصيلة "الرواة" فيصبح البحث ميدانيا وتلتحق هذه الدراسات والقراءات بالدراسات التنقيبية الأنتروبولوجية، مما يشكل الحاجز الأول للخروج من هذه الأزمة الثقافية.

إلا أن بعض الجهات الثقافية بالمغرب تعمل جادة على إحياء وتدوين الشعر الأمازيغي وتقريب البحث على الدارسين باعتبار أن الشاعر في عرف الحضارات منذ "هوميروس" هو لسان حال القبيلة وصانع مجدها التليذ وسنقول مع "هيكل" أن الشاعر لا يملك غير الكلمات لكنه يملك أن يغير العالم بهذه الكلمات، فسيطرة الواقع على الشعر الأمازيغي تنشحن بها القصيدة الأمازيغية "تمدياست" فالشعر كان وما يزال ديوان الثقافة الأمازيغية.

بذلك اقترح بعض الخطوات التي لابد منها للنهوض بالثقافة الأمازيغية على الوجه الصحيح وهي:

أ- جمع وتصنيف النصوص الأدبية الأمازيغية من: شعر، حكايات، ومطارحات شعرية الأمثال، الأحاجي، الأسطورة والخرافة... الخ.

ب- فك وإخراج الثقافة الأمازيغية: العادات والتقاليد، النقوش، الآثار.. من وجهة النظر المتحفية والفولكلورية التي تنعت بها.

ج- فلك سراح الدراسات والبحوث التي تملأ رفوف الجامعات والمعاهد وتبني طبعها ونشرها من قبل الجهات المسؤولة.

فبالإضافة إلى مشكل التراكم النصي الذي يعرقل البحث في هذا الميدان هناك مشكل آخر مطروح بإلحاح في وعي المثقف الأمازيغي.

هو إشكالية الشكل اللغوي من حيث الرسم التي سيعيد بها كتابة هذا الناتج الشعري وتلك الأدبيات هل سيعود إلى محبرة "تيفيناغ" أم الحرف اللاتيني أو الحرف العربي؟.

سأناقش على التوالي بموضوعة كبيرة هذه الإشكالية ولو أن خوض غمار هذا الموضوع يجرف البحث نحو فواصل بعيدة عن البحث العلمي خاصة إذا مورس تحويل النتائج العلمية لتهييج فئة الانتماء الثقافي.

أولا تيفينـاغ:

«على غرار الفنيقيين اخترعت الشعوب الليبيكية بالمغرب الكبير عددا من الرموز الهجائية لكتابة لغتهم الأم، إلا أن ذلك تم في تاريخ لم يتم بعد تحديده وهذه الكتابة تميل إلى الحروف الصوامت وتدعي بالليبيكية ولا تتعدى الأربعة والعشرين رمزا ويمكن قراءتها عموديا من أعلى إلى أسفل كما أنها تقرأ أفقيا من اليمين إلى الشمال وهي أصل الكتابة الحالية للغة الطوارق المسماة تيفيناغ TIFINAGH  4، من هنا يتبين لنا أن تواجد هذه اللغة يدل عليه رسم الحروف بالإضافة إلى الصوت ويرتبط إحياء الثقافة الأمازيغية بمدى القدرة على رسم هذه الثقافة بالحرف المخلوق لها "تيفيناغ" فسوف لا يكون هناك استغراب إذا اقترحنا أن يواكب هذا الحماس حماسا آخر من نوع التضحية في هذا السبيل من طرف الغيورين على الثقافة الأمازيغية لفتح مدارس حرة لتعليم اللغة الأمازيغية بالمغرب، بذلك سيكون لتيفيناغ قوة تضفي على الشعر الجمال وبلاغة الرسم حتى يتسنى لدراسي الحضارات وضع النصوص في إطارها التاريخي، إذ أن أي باحث موضوعي لا يفكر في معالجته موضوع ما منفصلا عن الشكل المكتوب به يقول "جان فريفيل" في هذا الشأن "الجميل هو التظاهر المحسوس للفكرة التي تشع عبر الشكل5.

وقد أثبت البحث التاريخي أن ظهور "تيفيناغ" ينطلق من فجر التاريخ حتى أواخر القرن القرن التاسع عشر مع التوارك.

ثانيا: الحرف اللاتيني

أما بالنسبة للحرف اللاتيني فإنك تشم رائحة الكولونيالية تضع حدا لطموح كتابة الأدب الأمازيغي باللاتينية، فالتوجه الاستعماري انتهك حرمة الثقافة الأمازيعية وسلبها مقوماتها على الحضور بشكل مشرف، وخاصة عندما جعل من بعض الجوانب المشرقة من هذه الثقافة "فلكلورا" وهو مصطلح قدحي لا يرقى إلى المصطلحات العلمية التي ينبغي أن ينعت بها هذا اللون الشعبي، فوجهة النظر الاستشراقية تنظر للثقافة الأمازيغية كشكل من أشكال الكينونة السياحية لا الحضارية، وبذلك فلا نستغرب من سيادة موقف الاحتواء والتغريب الذي يفرضه الاتجاه القائل بكتابة الناتج الثقافي الأمازيغي بالحرف اللاتيني.

ثالثا: الحرف العربي

أن وجود لغة ما مقرون بشدة العصبية، وما يزكي ذلك أن قوة "البربر" جعلت حمايتهم للغتهم "تيفيناغ" تفرض احترامها على اللغات المتساكنة معها وخاصة اللغة العربية، فالخط العربي عند نقله للغة الأمازيغية كان مهتما بمخارج حروفها وبنسقها اللساني الشيء الذي يدل على أن اهتمام العربية باللغة الأمازيغية لم يقف عند حدود التدوين بل أكثر فقد تعداه إلى البحث فيها والعناية الدقيقة بمخارج الحروف، فحرف الكاف، مثلا له أربعة أشكال بالعربية توازي حروف تيفيناغ مما يدل على غنى اللغة الأمازيغية وقدرتها التعبيرية التوليدية.

يقول ابن خلدون ص 34 مثبتا لهذا التنوع اللغوي في مقدمته شاهدا على عظمة اللغة الأمازيغية وكثرة مخارج الحروف فيها يقول:

- كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقطها الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجيئ في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا كذلك فنكون قد دللنا عليه، ولو وضعناه برسم الحرف الواحد على جانبه لكنا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا وغيرنا لغة القوم6.

إن وراء كل تحمس للكتابة بإحدى هذه الحلول الثلاثة ايديولوجية معينة ومعيقات عدة ولكن سنسجل مع كولن ولسن أن "الأدب الذي لا يتصل بتقاليده لا يستطيع أن يحقق أي تقدم هام7.

إلا أن اللحظة التاريخية الراهنة تضع الثقافة الأمازيغية أمام رهان تاريخي كن أو لا تكون، فالمهم هو تجاوز هذا الطرح اللساني والخروج بكل موضوعية من درجة الصفر هاته حتى يتقدم البحث العلمي إلى الأمام.

الهوامش

+- نشرت بجريدة التكتل الوطني و بجريدة  بيان اليوم، عدد 767 بتاريخ 28-07-1993.

1- مقدمة ابن خلدون – الطبعة الأولى – دار القلم بيروت – لبنان، سنة 1987 ، ص :133.

2-  نفس المرجع السابق ص 133.

3- عن مذكرات من التراث المغربي، المجلد الأول ص: 176 ،سنة 1984 Nord Organisation

4- مذكرات من التراث المغربي، نعيمة الخطيب بوجيبار، المجلد الأول، ص: 137

5- جورج بينيخانوف: الفن والتصور المادي للتاريخ، تأليف جان لريفيل، ترجمة جورج طرابيشي، الصفحة: 177-178.

6- مقدمة ابن خلدون، نفس المرجع، ص: 34

7- المعقول واللامعقول في الأدب الحديث، تأليف كولن ولسن – ترجمة أنيس زكي حسن – دار الآداب بيروت، الصفحة: 19.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.عبد النور ادريس

Abdennour.driss@gmai.com

 

 

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
25 décembre 2011 7 25 /12 /décembre /2011 21:48

أُفق التجريب القصصي في المغرب:

نزق اللغة عند القاص أنيس   الرافعي

بقلم د. عبد النور ادريس

                  

   

أُفق التجريب القصصي في المغرب:

 نزق اللغة عند القاص أنيس الرافعي

بقلم د. عبد النور ادريس

 

■ تعتبر القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، شكلان من الأشكال الأدبية التي تثير الانتباه من حيث الثراء الكيفي والتنوع على المستوى الكمي، وبفضل انخراطهما المستمر في التجريب وعكسهما للحالة النفسية لكُتابها، وخلقهما لمستويات عالية على صعيد الرؤية والتقنية، حتى باتا من أكثر الأنواع الأدبية التي تستقطب اهتمام المبدعين والمتلقين على حد سواء، فكون القصة القصيرة المغربية في طور التجريب يعني أنها ما تزال في طور التأسيس.

إن القصة القصيرة تتميز على الرواية بما يخلقه التكثيف والترميز من إشباعات دلالية لدى المتلقي، وهي تشاكس المعاني عبر فضاءات سردية متعددة كالأمكنة والأزمنة والأحداث والأشخاص، وما تنطوي عليه من أبعاد درامية مشحونة بالتوتر والقلق. ولم تحز القصة القصيرة هذه المكانة إلا عندما اقترن حكيها بالوعي الحاد الذي ينخرط فيه الإنسان احتجاجا على واقع سريع التغير، تخترقه أزمات حادة في شكله ومضمونه، كما يعود الاهتمام بها لما تتميز به من إيقاع يتماشى وسرعة الإيقاع في الحياة العادية والذي نعتبره من أكثر الإيقاعات انسجاما مع طبيعة العصر السريعة، وتمثيل شخصياتها للواقع المعيش كما المتخيل، فالشخصيات الإنسانية عليها أن تتحرك على صفحات القصة سواء استمد القاص موضوعه من التجارب الحياتية المعيشة، أو تعدى نطاق العادي إلى عوالم المتخيل.

وقد اشتهر من القصاصين العرب على سبيل المثال كل من يوسف الشاروني، يوسف إدريس، يحيى حقي، زكريا تامر، إبراهيم عبد المجيد، جمال الغيطاني، يوسف القعيد ونجيب محفوظ، وغيرهم. ومن القصاصين المغاربة وحسب مرجعياتهم في الكتابة القصصية هناك:

1- كتابة الهامش، ومن مبدعي هذه المرجعية، محمد زفزاف في مجموعته \' بيوت واطئة\' و إدريس الخوري في مجموعته\' ظلال\'(  [1]   ) وابراهيم بوعلو في مجموعته \'السقف\'، ومحمد شكري في مجموعتيه \' مجنون الورد\' و\'الخيمة\' ...

2-كتابة الذات الاجتماعية التي احتلت فيها المرأة الكاتبة دورا مهما من حيث سيطرة نزعة التمرد والحنين والمناجاة والبوح، نظرا لمحاولتها الاندماج النهائي في المجتمع والبحث عن مكان في الوجود. ومن قصص هذه المرجعية نذكر القاصة خناتة بنونة في نصّيها السرديين \'ليسقط الصمت\' و\'النار والاختيار\'. وأحمد المديني في مجموعته \'المظاهرة\'، ومحمد عز الدين التازي في مجموعته\'أوصال الشجر المقطوعة\'...

3- كتابة الذات والإحساس بالكتابة كأزمة، وتمتح هذه المرجعية من العوالم التي تنتمي للذات والعاطفة والبوح، وهي تغترف من الذاكرة والوعي الثقافيين، وتنحو نحو تقديم الكتابة القصصية كصنعة من أجل تكسير نمطية القص، ونذكر من بين قصاصي هذه المرجعية، محمد الغرناط في مجموعته القصصية \' الصابة والجراد\'،وحسن برما في مجموعته\'ضمير الخائب\')  [2]   (...

4- تبئير الواقع وكتابة الوعي الثقافي: هذه الكتابة تهدف إلى تبئير اليومي، وهي تُشعرنا بحضور الواقع المتعفن، وترصده وهو في نزعه الأخير يحتضر بفعل هشاشة مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن كتاب هذه المرجعية، محمد برادة في مجموعته \'سلخ الجلد\'، وأحمد بوزفور في مجموعته \' النظر في الوجه العزيز\'، الذي ضمنها القاص كتابة تسعى إلى خلق أنساق فنية تفوق انخراط كتابته في حل المشاكل الاجتماعية. فبدلا من  أن توظف هذه المرجعية السردية الكتابة من أجل تغيير الواقع، حاولت أن تجعل الواقع منخرطا في عملية تغيير الكتابة.

5- الكتابة المُغايرة:– ولتمثيل ذلك على سبيل المثال لا الحصر- نجد أنها كتابة مُجدِّدة تستند على نزق اللغة، (علبة الباندورا لأنيس الرافعي) وشعرية الحكي،(ورثة الإنتظار لعبدالنور ادريس) والكتابة بالتيمة بدل النص المفرد، ( في انتظار الصباح لمحمد سعيد الريحاني)، والكتابة القصصية ذات الرؤية الروائية، (الليل العاري لعبد الرحيم العطري) وكتـابة الحالة الاجتماعية للنساء، (أنين الماء للزهرة رميج).

إن هذه الكتابة تلتحق بالمـرجعية المنفتحة على اللغة والمعنى، وهي مرجعية منفتحة أساسا على التجريب وتفترض إمكانية انصهار الأنواع والأجناس لتوليد نوع جديد.

ففي هذه المرجعية عبّر الجيل الجديد من القصاصين والقصاصات المغاربة، عن توجه نحو التجريب وكتابة القصة من الداخل، متجاوزين بذلك ماضي القصة القصيرة، راسمين بذلك خصوصياتها الفنية والجمالية المتشظية والمتفجِّرة على مستوى المعنى والمبنى، وأثبت تجارب هذه المرجعية أن القصة القصيرة المغربية فن، من خلال اهتمامها الواضح بالأداء الفني للقصة القصيرة، فجعلت من اللغة ورشة نشيطة لصقل اللغة، والحفر في مكوناتها الدلالية انطلاقا من الحرف ثم الكلمة فالجملة، ومن ثم خرجت اللغة من المختبر اللغوي إلى فضاء يحقق فيه النص توافقه مع ذاته في تجانس تام مع إمكانية تحقق النص بوجود متلقي يعمل على تخمين معاني النص بشكل فردي، يجعل عملية التفسير فردية غير متكررة، الشيء الذي يجعل تفسير نص ما محاطا بالتفسير المنفرد (  [3]   )، بينما كانت القصة التقليدية تكتب المعاني الملقاة على الطريق انطلاقا من معيارية النموذج المكرس، وقد أكد التجريب القصصي أنه من الممكن كتابة اللاّمعنى غير المرتبط بالأحداث والشخصيات.

إن القصة القصيرة المعاصرة (بما فيها القصة القصيرة جدا) والتي يمثلها قصاصو المغرب المعاصر أمثال:( حسن برطال- أبراج وقوس قزح، حسن البقالي- الرقص تحت المطر و مثل فيل يبدو عن بعد، حميد ركاطة – دموع فراشة ، عبد الله المتقي - قليل من الملائكة و الكرسي الأزرق وآخرون..) .

بهذا المعنى لم تعد القصة القصيرة تتقمص دور المنتقد والكاشف عن عيوب المجتمع كما أنها لم تعد تهتم بالتحولات الإجتماعية المتسارعة الإيقاع، لذا فقد تجاوزت مفهوم الذيلية للخطابات السياسية والإيديولوجية تماشيا مع الإضطراب الإيديولوجي الحاصل لدى المتلقي المعاصر، والذي جعل القاص يكتب أساسا لذاته مركزا ومكثفا كل أشكاله الذاتية في حكي لا يهادن المعيش، ولا يضع في اعتباره أي مقوم من مقومات قارئ نموذجي محتمل.

6- \'علبة البّانْدورا \'وكتابة نزق اللغة،(أنيس الرافعي نموذجا)

 تنخرط هذه المرجعية مع القاص أنيس الرافعي في تحميل اللغة سياقات لسنية حادة في خرق المرجع اللسني المتعارف عليه مع تفصيح للغة الدارجة وإكسابها سياقات فوق- محلية، ففي مجموعاته القصصية \'أشياء تقع دون أن تحدث فعلا\' و\'السيد ريباخا\' و\'البرشمان\' ثم \'علبة البَّانْدورا\' وهي مجموعة تجميعية حيث لم يعد للبطل أو الحدث من معنى، تكلمت اللغة واجتاحت الحكي بكامله، فتم الرهان على اللغة وإمكاناتها التدليلية وانشحانها بالتعدد في السياقات، معبّرة عن الأكليشيهات الإبداعية التي تربط اللحظة الإبداعية باللغة، وهي نصوص مُتْرعة بحمى التجريب القصصي على مستوى التقنيات السردية، وهي إذ تسعى ضمنيا إلى تدمير البناء القصصي التقليدي، تحاول أن تدمر في نفس الوقت ذلك التآلف الحاصل بين المتلقي وهذا النمط من الحكي، وتعمل على فتح آفاق سردية مغايرة لإنتاج نص مفارق تقنيا تكون فيه ذات القاص محورا للمعاني وموضع تشريح.

إن الجملة السردية عند أنيس الرافعي امتداد لنفسيته المتشظية ما بين الواقع كما يعاش على المستوى الوجودي، والمتخيل كما يوحي بذلك ذوبان لغة القاص في ذاته، وهو ما يمكن تسميته ب\' شعرية الموقف اللغوي\' الذي يؤسس له القاص مرجعا ينطلق ويعود إليه، حيث نجد أن عماء المعنى يتجاوز داخل النص إلى خارجه بسبب لجوء القاص إلى عدة تركيبات لغوية تضع أمامها كل امكانيات اللغة على المجاز والاستعارة والشعرية الطوباوية، حيث يجعل القاص عالمه ضمن قابليته القصوى لاحتلال دلالات مغايرة وعميقة في تجانسها الداخلي.

 إن شخصيات قصص أنيس الرافعي نعرفها ونعلم بوجودها من خلال الوجود اللغوي الذي يحيل عليها، ويتميز بطابعه المزدوج في البناء القصصي، ويتحدد من خلال بنيتيه الشكلية والدلالية، وفيما استطاع القاص أن ينسجه أنموذجا تتصف به كل أعماله السردية، انتقلت اللغة من إطار البنية الشكلية إلى فضاء بنية الدلالة، فرغم أن اللغة هي أصل فعل الحكي فهي في سرد الرافعي استمرت في الوجود وتلاقحت من خلال قوة الشكل الغوي، وأشَّرَت على قص مفارق يتحدد في ما وراء فعل الحكي، هذا إن هذا التطور يُرغم المتلقي على القيام بعملية فك شفرة النص، واستحضار المعطى الغائب في النص عبر تمثيله المخيالي أيضا حتى يلامس حلم اللغة بأبعادها الجديدة التي تحتفل بالنص السردي، يقول القاص معبرا عن الإمكانية التأويلية التي يضعها بين يد القارئ منذ الجملة السردية الأولى متجاوزا بذلك الحكي التقليدي الذي ينتظر نهاية الزمن التأويلي كي يبوح بمساراته الدلالية، يقول في قصة \'ملاحظات حول الصور الفوتوغرافية\': \'كأني نحيت إلى أبعد مسافة ممكنة يقظتي التي أخفقت مسدسات القهوة السوداء في إطفاء أنفاسها الأخيرة وتدهورت صوب نوم مضمون فوق القميص الداخلي للسرير، إلا أنني في حقيقة \' الوصف\' كنت فحسب أغفو بعينين مفتوحتين داخل محبرة عيني المغلقتين\' (  [4]   ).

وإن كان الجسد وخاصة المرتبط بالشخصيات النسائية هو المحفل السردي الذي يطبع التحققات السردية، وتُقرأ وتُؤول التجربة الفنية لكل قاص من خلال إمكانية توظيفه، وإن كانت الشخصيات حسب يانيك رايش yannick Resch   :\' تكشف العالم والآخرين عبر جسدها\' (  [5]   )، فالجسد في \'علبة الباندورا\' يشكل لحمة منسجمة مع اللغة التي تظهر كشخصية محورية في النص، يعشقها الكاتب ويقودنا بوساطتها إلى اكتناه لذة النص وسلطته من خلال جعل اللغة تتمرد على ذاتها، وجعلها بكل ما في السرد من جهد قليلة الحياء المعجمي، لا تستجيب للسياق المتداول، لغة ترفع إيقاع التوزع الذهني، وتنخرط ببطء في مجتمعها اللغوي، فتصبح قراءة النص لمسا للجسد،  وتستحضر الكيفية التي تجعل الرغبة منبثقة من مختلف التفاصيل والأجزاء وتعبر في نفس الوقت عن الكل، ولهذا قال جان بودريار jean   Baudrillard   \' يجب القول أن الأنثوي يغري لأنه ليس أبدا في المكان الذي يُفترض وجوده فيه\' (  [6]).

فالجسد الأنثوي في قصص الرافعي لا يُقَدََّم في نصوصه إلا عبر ما يثير المساءلة عن هويته الحقيقية كجسد مملوء بالشر، ولايشير إلى نهد أو صدر أو خصر، فهو إما جسد مُشاع لا يقدم لإغراء المؤنث أي توصيف جديد كما يشهد بذلك نص \' انشطارات(1)\' الذي تحضر فيه المرأة كمومس محترفة أو امرأة تبلغ سن الأربعين:\' ومن هنا، وضع النادل-مرة أخرى- افتراضا مؤداه أن المرأة الأربعينية قد سلمت للمومس المحترفة السوار الذهبي المتفق عليه\'([7]) ويمكن تلمس ذلك فيما فتحه أمام المتلقي من دلالة العنوان محذرا المتلقي من جموح التأويلات يقول:\' بّاندورا(pandore)، حسب الأسطورة الإغريقية، هي أول امرأة خلقها هيفيسْتوس (Héphaïstos). أهداها ثيوس(Zeus) مملوءة بمزايا وسيئات الإنسانية، ثم أرسلها إلى الأرض مع أول رجل، إييميثيو(Epiméthe) . فتح هذا الأخير العلبة فتناثر محتواها عبر العالم، ووقعت الكارثة !أيها القارئ حذارٍ أن تفتح عُلبة هذه القصة حتى لا يقع\'مابعد السرد\' ! \'(علبة البّانْدورا، ص: 5)، إن وظيفة المرأة في \'علبة الباندورا\' قائمة على أشكال تلقيها في \'ما بعد السرد\'، وقد تصبح فعلا جنسيا لا يُعطينا أوصافه العادية لتمظهره بشكل طبيعي، ولهذا فكل جسد في نصوص الرافعي هو كجسد دونكيشوطي.

 وقد جعل القاص فضاء النص مكانا لالتقاط تحولات السرد بادراك العين التي تشاهد حكيا واصفا باللغة، فأعار أدواته من السرد الفني لعالم الكرتون carton التي يصنع بها \'والت ديزني\' عالما سرديا واسع التخييل، يقول القاص في قصة \'التحولات غير المعقولة للسيد ريباخا\' ما يمكن أن يتمثله فقط المنطق الذي تصاغ به أفلام الكارتون: \' فجأة وعلى نحو يتجاوز المعقول، يخرج منك شخص آخر يشبهك ويواصل الركض أمامك بخفة عداء .. تتوقف أنت، فتتجاوز المرأة بذات الخفة وتركض خلفه بلا هوادة.\' (علبة البّانْدورا، ص: 76) ولهذا ممكن أن تتحول قصص المجموعة \'علبة الباندورا \' إلى قصص كارتونية من حيث يصعب إدراكها لغويا على القارئ العادي، ولكن يسهل تمثلها كحكي بصري يشهد للقاص أنيس الرافعي بالتفوق في بلورة جديدة لسينارية السرد المشهدي.

وما دمنا نردد مع أرسطو قولته الشهيرة بأن التقنية وحدها تولد الأفراد في حين تمسك المعرفة بالأنواع، نجد القاص في قصة \' ملاحظات حول الأحصنة المعدنية \' يستشعر بعده عن جمهور القراء الذي لا يني بول ريكور يلح على أن استجابة الجمهور هي التي تجعل النص مهما ودالا ([8]) عندما يقول \' على الرغم من كوني أعلمُ الصعوبات الناجمة عن محاولة ارتكاب مقترح سردي من هذا الطراز المعقد، لكني أريدك – بداية-أن تنجح في تخيل نافذة وكرسي ورجل\'(علبة البّانْدورا، ص: 131)، فالتقنية التي يستعملها القاص في مجموعته التجميعية \' علبة البَّانْدورا\' بعد أن يخترق القاعدة الذهبية للأدب والتي تقول بأننا يجب أن نكتب عمّا نعرفه، تحتوي على أمل ترويض القارئ الكلاسيكي للتماهي مع الإمكانات المفتوحة للمرحلة السردية الجديدة دون أن ننسى المتعة الكبيرة التي تلفحنا بها نصوص الرافعي ذات الرصد الحالم لزمن اللغة الأخرق باعتباره يسكن خارج سيطرة المعاني المتداولة، الشيء الذي يضع أعمال القاص في خانة \' السرد الأطروحي\' للحكي البصري نظرا لنسقها الدلالي الخاص المشتمل على صيغ خطابية تنتعش بفضلها التحولات في اللغة والخطاب


الهوامش

[1] - معتصم محمد، \'القصة المغربية\'، تعدد المرجعيات في الكتابة القصصية المغربية\'، سلسلة ملتقى القصة، منشورات الشعلة، الطبعة الثانية ، سنة 2006 ، الصفحة : 73.

[2] - \'ضمير الخائب\' عنوان المجموعة القصصية لحسن برما التي صدرت سنة 1993.

[3] - ريكور بول: نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2003، ص: 125.

[4] - الرافعي أنيس ، علبة البّانْدورا، متتاليات ما بعد سردية، الطبعة الثانية تجميعية، الشاطئ الثالث (4) ، مطبعة دار القرويين، البيضاء، سنة 2007، الصفحة 117.

[5]-yannick Resch ,« corps féminin, corps textuel Essai sur le personnage féminin dans l’œuvre de colette », librairie c.klincksieck, paris ,1973,p : 15.

[6]- Jean Boudrillard ,« De la séduction », Ed ,Galilée , Paris ,1979, P: 17.

[7] - علبة البّانْدورا، قصة ، انشطارات (1) نفس المرجع السابق،الصفحة:41.

[8] - ريكور بول: نظرية التأويل، نفس المرجع السابق ، الصفحة : 63.

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
13 septembre 2011 2 13 /09 /septembre /2011 18:44
 
 
 
 
 
مدونة الأسرة المغربية: الضوابط السوسيولوجية وإستراتيجية البناء 1/3
بقلم الباحث عبد النور إدريس
لم تستطيع اللجنة العلمية التي تشكلت لمراجعة نص المدونة سنة 1993 أن تخرج من هالة التقديس المحيطة بنص مدونة الأحوال الشخصية باعتباره قانونا وضعيا حيث أنها اختارت التعديل الشكلي ” الذي لايحفظ الفلسفة العامة لمدونة 1957 فحسب، بل يضمن استمرارية آثارها العملية والمجتمعية” (1)،حيث النص الفقهي يستحكم قبضته على المجتمع عوض أن تتحكم التحولات بعمق البنيات المجتمعية في هذا النص الذي استوطن العقليات فبات المنتوج الفقهي يُنظر له كأنه من طبيعة ثبات المجتمعات الإسلامية.
إن السوسيولوجية القانونية كمنهجية أكدت وتؤكد أن تغيير القوانين يرتبط أساسا بما يعرفه المجتمع من تغيير في بنياته السوسيو- ثقافية
، بينما نجد إن المجتمعات الإسلامية وعلى مستوى التعاطي مع القضايا المتعلقة بالأسرة كان يستحكم فيها الفقهاء تكرار نفس الأحكام بمقياس وحدة المضامين الاجتماعية ،” بل وكانت بعض القضايا تتكرر من كتاب فقهي إلى آخر ، تتكرر في بعض الأحيان بتناص يكاد يكرر نصُّ ُنصا آخر”(2).
وقد أعطت ذة. رحمة بورقية مثالا عن ذلك يتعلق بكتاب ” معيار الونشريشي” الذي يكرره كتاب آخر من النوازل للمهدي الوزاني بنفس الحجم بل وبنفس المضامين أيضا.
إن دخول مدونة الأسرة قبة البرلمان باعتبارها نصا قانونيا مؤسسا للمجتمع الديمقراطي الحداثي، مقرونة بالتوجهات العامة لجلالة الملك التي وردت في خطابه الملكي ليوم 10 أكتوبر 2003 بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الثانية من الولاية السابعة والتي يشير فيها إلى إنصاف المرأة وحماية حقوق الطفل وصيانة كرامة الرجل مع الانفتاح على روح العصر ومتطلبات التطور والتقدم وقد ركز الخطاب الملكي على ما يتعلق بالحضانة والنفقة في النقطة الثامنة من المنطوق الملكي جاء فيه ” الحفاظ على حقوق الطفل بإدراج مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب في صلب المدونة، هذا مع اعتبار مصلحة الطفل في الحضانة من خلال تخويلها للام ثم الأب ثم لأم الأم. فإن تعذر ذلك، فإن للقاضي أن يقرر إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية، كما تم جعل توفير السكن اللائق للمحضون واجبا مستقلا عن بقية عناصر النفقة، مع الإسراع بالبث في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد”.
كما حظيت المدونة بدعم مستمر من طرف جلالته الذي واكب مشروع المدونة منذ أول خطاب له في شهر غشت 1999 الذي أوضح فيه أنه لا يمكن ضمان التقدم والازدهار في الوقت الذي تتعرض حقوق النساء اللواتي يمثلن نصف المجتمع للإهانة.
إن التحسن الذي تعرفه الأسرة المعاصرة في مستوى العيش وانخراط أفرادها في منظومة الاستهلاك والانتاج ، أثر بشكل كبير في توزيع الأدوار بين الزوج والزوجة و الأبناء
ولقد تطرقت ذة.رحمة بورقية إلى إنه ” بالرغم من هذا التأثير فالتصورات المجتمعية والثقافية ما زالت تنظر إلى الزوج مثلا مصدرا وحيدا للإنفاق على البيت والأطفال” (3)
إن الصورة الأبوية التي عكستها تصورات المذهب المالكي العميقة حول المرأة من جهة واعتبارها كائنا دونيا في خدمة العنصر الذكوري وحول صورة الرجل من جهة ثانية و بما يحمله مفهوم القوامة من معطيات نفسية ، اجتماعية وثقافية و بالرغم من كل التحولات الماكرو- سوسيولوجية، جعلت بيت الزوجية جحيما بسبب توتر العلاقات وحدّة الخلافات حول مسؤولية الإنفاق وتحديد القائم به في حالة عمل الزوجة هذا بالإضافة إلى ما جاء في دراسة ذة.رحمة بورقية التي تطرقت إلى أن بعض الزوجات يستغللن ” ذلك الإقرار القانوني للقوامة للزوج للامتناع عن الإنفاق عندما تتوفر لهن الإمكانيات في حالة يسرهن وعسر الأزواج” (4) .
وفي حالات كثيرة معروضة على محاكم المملكة استُعملت القوامة في حالة عجز الزوج كذريعة لإذلاله والتشهير به.
لقد حررت مدونة الأسرة عبر المادة 199 المجتمع من المفهوم النفسي والاجتماعي للقوامة والتي كانت مرتبطة بالرجل وتركت آثارا بالغة لدى تمثلات كل من الزوج والزوجة حول مسؤولية بيت الزوجية .إن هذه المادة تحاول بناء الأدوار داخل الأسرة بشكل جديد تتحرر معه المرأة (العاملة) أمام المجتمع من الحرج الاجتماعي والنفسي في حالة قبولها التزوج من عاطل و الإنفاق عليه.
إن مفهوم القوامة يعكس تصورا بتريركيا يقوم على الاحتباس والاستمتاع ومبدأ الطاعة مقابل الإنفاق ، وهذه التصورات مجتمعة لا تحقق مجتمعا متوازنا يحقق للأسرة تساكنا شرعيا بين جل أطرافها،
وقد نصت المادة 51 التي جاءت بالعديد من المصطلحات في هذا الباب على تنشيط مفاهيم أخلاقية ذات مستوى عال بمنظومة القيم الاجتماعية مثل : المساكنة الشرعية، معاشرة زوجية، المعاشرة بالمعروف، تبادل الاحترام، المودة ، التشاور في اتخاذ القرار، حسن المعاملة…) وقد نصت هذه المادة في فصلها الثالث على اقتسام المسؤولية بين الزوج والزوجة في تسيير ورعاية شؤون بيت الزوجية، ” تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال”.
ولقد حافظت مدونة الأسرة على ما يقارب 90 في المائة من مقترحات “الخطة الوطنية من أجل إدماج المرأة في التنمية” التي توخت النهوض بأوضاع المرأة المغربية بمبادرة من كتابة الدولة في التعاون الوطني سنة 1998 وبدعم من البنك الدولي وبإشراك الجمعيات النسائية التي حرصت على إلغاء مختلف مظاهر التمييز ضد النساء .
وقد اتسمت عملية الإعداد باعتماد مقاربة شمولية: مقاربة النوع (
genre ) كأداة منهجية (5) شملت مرحلة التصور والصياغة النهائية(6).
إن هاجس مدونة الأسرة المغربية الأساسي يهدف إلى جعل المجتمع يتجاوز عقدة التفوق الذكوري نحو إقرار التوازن “الكامل” بين الزوجين الذي تؤطره ثقافة جديدة تنهل من ثقافة المساواة بين الجنسين والعلاقة التشاركية بينهما، بذلك فلم يبق للمبدأ الفقهي القديم الذي يربط مسألة الإنفاق بالاستمتاع قائما على اعتبار أن كل من الزوجين يستمتع بالآخر وهذه الخلاصة تعتبر من ضمن الاستنتاجات الجندرية الرائدة في هذا الباب على أساس أن الاختلاف المُفترض بين الذكر والأنثى على مستوى الجنس هو اختلاف ثقافي واجتماعي تُذكيه أسطورة الرجل الفحل وليس بيولوجيا فسيولوجيا.
ومن ذلك حاولت مدونة الأسرة أن تُضعف من التفضيل التقليدي لذكورية قيم المجتمع التي حضرت بقوة بمدونة الأحوال الشخصية والتي أعلنت وفق سياق فقه المالكية عن هوية مُتَعِيَة للمرأة مشمولة بالتصورات الفقهية للعالم الذي يُشَيِّء جسد المرأة ويجعل عملية الإنفاق بما هي استمتاع من قبل الرجل بالجسد الأنثوي تذوب معه الزوجة في حالة العجز أو المرض أو الشيخوخة.
سأعمل في تحليل هذا الموضوع “الضوابط السوسيولوجية والقانونية لمدونة الأسرة على مقاربة نصية تحليلية شاملة تتجاوز الاهتمام بالمستجدات فقط على اعتبار إن السياق الذي أُدرجت فيه تلك التغييرات يشكل جزءا من النسق العام للمدونة، و على ضوء معطيات الواقع الاجتماعي دون إغفال التأصيل الفقهي للموضوع والتعاطي القانوني مع مواد المدونة نحو خلق انسجام للمدونة مع نفسها ومحيطها الاجتماعي على أساس أن الإنسان أصبح قطبا مركزيا في تعديلات همّت قضايا الأسرة كان همها الاستراتيجي يتمحور حول: رفع الحيف عن النساء، حماية الأطفال والحفاظ على كرامة الرجل وصيانتها.
الهوامش:
1- محمد الصغير جنجار، الجمعيات النسائية وقضية تعديل مدونة الأحوال الشخصية، مجلة مقدمات ، عدد رقم 3،مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء سنة 2002 ص: 33.
2 – منبر الجامعة، ذ.رحمة بورقية، الجوانب الاجتماعية في قانون مدونة الأسرة، ” مدونة الأسرة المستجدات والإبعاد” منشورات جامعة المولى إسماعيل ، العدد 5، سنة 2005 ص: 21.
3 – منبر الجامعة ، نفس المرجع السابق ص: 23.
4- نفس المرجع السابق ص:23.
5- تعريف الجندر بالموسوعة البريطانية (موقع الموسوعة البريطانية :
Encyclopédie Britannique على شبكة الانترنت)
6 – انظر محمد الصغير جنجار، المرجع السابق ص: 35.
 
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
22 juillet 2011 5 22 /07 /juillet /2011 23:05

 

عن النثر والشعر ..والشعر
بقلم : رابح التيجاني 
                              ​                
          أجهل الشعر  أجهل النثر
 أجهل الشعر ، أجهل النثر ، وأعرف الكتابة ،صبية عذراء أغشاها وتغشاني قبل أن تصبح مدام قصيدة أو السيدة مقالة، أعرف الكتابة قبل أن تذبح ق...ربانا أمام أوثان الإستطيقا ، وإن كان مشروطا أل تعتبروا الشعر إلا إذا أرقصكم فثمة في الصدر أنغام الحزن الجنائزية دندنات الفرح، ثمة ما يكفي مقامات وإيقاعات تركبها النفس وتموج حدوا ، وإن كنتم تستلزمون القوافي هاكم لهاثي وأنفاسي تواترا وتقطعا ، محطات أشمخ جذبا وحرارة من تكرار الروي أو السبب الخفيف أو الوتد المجموع أو المفروق ، سألتني عن رأيي في قصيدة النثر ، رأيي الموضوعي ، وأدخل ذاتي وأخرج منها وأسألني وأسألكم كيف أكون موضوعيا ؟ أأتحدث عن مجلة " شعر " وما أتيح لي الإطلاع عليها ! أأستعرض ما علق بذاكرتي عن تثوير اللغة وزمن الشعر والشعراء أدونيس إنسي الحاج يوسف الخال ، طليعة شعراء لبنان ، أأتناول شهادات الماغوط تجاه زمن الرداءة وعلاقتها بالشعر ؟ أأتموقف إزاء إفرازات الشعر بتونس وأتناول ظاهرة إبداع " غير العمودي   والحر "، أأخوض غمرة الشعر المغربي فأفاجئكم بأن مصطفى المسناوي في كتاباته القصصية شاعر وعبد الكريم برشيد في كتاباته المسرحية شاعر وأن عددا من الشعراء لاارتباط لهم بالشعر عموديا ومنثورا وحرا ؟ أأنطلق ابتداء من انتفاضات الشعر المعاصر وأعلج نازك من " الكوليرا " وصولا بها إلى الموت أو الحياة التي تكتنه قصيدة اليوم ؟ أأخرج بالسياب من تساؤله " هل كان حبا " وأنساب تدريجيا عبر متطلبات الواقع إبداعيا ؟ أأستند في جوابي تراثيا وأعانق ثورات الماضي وأستفسر ابن المعتز وأبا تمام والمتني والحمداني ونظراءهم ،أم أستفسر ابن الخطيب وكل وشاحي الأندلس والمغرب والتروبادور ؟ ؟ لن أفعل ولكني أسأل ما السر في كل هذه الضربات التي يتلقاها الخليل ، ولن أجيب فالخليل قد سقط فعلا أو لابد أن يسقط بشكل أو بآخر أو تسقط صنمية النظرة إليه ، وسيحتفظ له الشعر بفضل التأطير الإيقاعي لديوان العرب ، ذلكم التأطير الذي إن كان فيصلا بين فنون القول فإنه ليس معيارا للشعر ولا ضابطا لحدوده ومستوعبا لتطوره ،، وأنتقل عبر تساؤلي وأساير أراغون في سان ميشيل أو سان جيرمان ونجالس بعضنا في مقهى المنبع ونختلس الشعر من عيون إلزا فلا يكون إلا كما شاءت الكتابة ، كتابة أوتوماتيكية، تحتفي مقطعية اللغة الفرنسية وقوافيها ويكون الشعر ، كيف يكون ؟ كذلك يكون، وأتابع سارتر في تفريقه بين الشعر والنثر ، الفشل والنجاح ،الرقص والمشي ،وبالرغم من كل التنظير يظل الشعر خارج القمقم دائما ، وأسأل ت س إليوت  فيجيبني :" لم أستطع أبدا أن أحفظ أسماء التفعيلات والأوزان أو أن أقدم فروض الطاعة لقوانين العروض المعتمدة وليس معنى ذلك أنني أعتبر الدراسة التحليلية للأوزان والأشكال المجردة التي تختلف اختلافا بينا عندما يتناولها الشعراء المختلفون مضيعة للوقت ، وكل ما في الأمر أن دراسة تشريح أعضاء الجسم لايمكن أن تعلمنا كيف نجعل دجاجة تبيض "(1) ولو أن إليوت يستدرك بأن :" وراء أشد الشعر تحررا يجب أن يكمن شبح وزن بسيط إذا غفونا برز نحونا متوعدا وإذا صحونا اختفى حيث ان الحرية الحقيقية لاتظهر إلا إزاء قيود مصطنعة " (2)فإن أشعار إليوت نفسه وأرضه الخراب مترجمة حملت كل الشاعرية وهي خالية من الوزن والقافية ونبرية اللغة الإنجليزية.
      لا أريد أن أستطرد وأستنطق إزراباوند أو كولردج أو بليك فإن بعض أشعارهم لم نقرأها إلا مترجمة منثورة ولقد ظلت في مجملها شعرا ، إن الشاعرية الحقة لاتعتمد موسيقاها العروضية اعتمادا ولعل هذا ما سمح بالعرف على شعر حقيقي يوناني أو تركي أو إسباني وعداه مترجما ومنثورا ، غير أن شعرنا العربي بطقوسه يحمل من الإيقاع والبيان والبديع أكثر مما يحمل شعرا ، وتلك سقطته التاريخية التي لابد أن يبدع المبدعون في إطار تجاوزها ، ولا أنفي ضرورة الإفادة منها إلى حد ما ، ولنتأمل إلى أية درجة يمسخ الفهم الموسيقي حقيقة الشعر بالمقارنة فقط بين بعض الترجمات العيدة لرباعيات الحيام ، لا أطيل وأساند تقريرا أورده غالي شكري في كتابه " شعرنا الحديث  إلى أين " يقول :" إن إحلال كلمة النثر مكان الوزن لا تعبر إلا عن رد الفعل الذي يصنعه الشعراء ، فقصيدة النثر تقف في الطرف المقابل لما يدعونه بقصيدة النظم ، ولكن دعاة هذه القصيدة يلتقون في الواقع عند حدود المفهوم الكلاسيكي للشعر ، بمعنى آخر المفهوم الشكلي ، فليس النثر في قصيدة النثر هو الذي يمنحها قيمتها الفنية الجديدة ، وليس النظم  في قصيدة النظم هو الذي منحها قيمتها الكلاسيكية القديمة ، وإنما هناك شيء آخر لا علاقة له بطريقة تركيب الكلمات نثرا ونظما هو الذي يخلق ما ندعوه بالشعر " (3) ولو أن غالي شكري يستطرد في هذا المقام ليشيد بالشعر العامي فإنه حقا أصاب المفصل وحدد مواصفات الشعر الجديد معمارية وأبعادا ، وإن كان الإبداع العامي باعتبار ثرائه وباعتبار العامة المقصود الأول بالإبداع ، ولضرورات الوحدة والقومية ، فإن القصيدة البديل تشمله عنصرا محققا للواقعية والجماهيرية ، إن المنظور الشعبي للأدب عامة يستلزم أصلا تحديد الشعب أولا ، أهو الشعب اللبناني ، الشعب المصري ، الشعب المغربي أو الشعب العربي ؟ أشك ولا أشك في انحرافية أدب العرب وسقوطه في الشوفينية ، ولكن هذا التنوع وبأصوله العامية بالإمكان استيعابه في إطار البناء الجديد للقصيدة الجديدة ومن أشكالها قصيدة النثر ، وبذلك يصبح مصدر إثراء وليس حدودا حاجزة .
 
 
البحث عن القصيدة الجديدة 
      دائما في إطار البحث عن القصيدة الجديدة قد يعتبر ما قيل عن إبداع العامة موقفا رجعيا ،، حقا إن ثقافة الطلائع المتنورة كانت عبر العصور رأسمال ممنوع على الآخرين ، رصيدا في الأدمغة ، رصيدا يتم استعراضه بأبهة وتقسيط وبرمجة على الدونيين ، تحاول فرضه مدعية الإرتباط بالجماهير المسحوقة ومعاداة الكبار في الوسائل والمضامين ، هذا في أحسن الأحوال إذ أن أغلب ما وصلنا عن مثقفي العصور العربية لايعكس إلا المدح على أعتاب السلاطين جهارا ، طبقيا يمنع المتنورون شيوع ثقافة الجماهير ، تلك الثقافة التي تعني إقصاءهم أنتلحنسيا وبورجوازية صغرى عامة ، كما نصطلح على التسمية حاليا ،وتحطيمهم في إحدى مدعمات أشكال الممارسة ، إن البورجوازية صغيرة وكبيرة ، ونترك الكبيرة لله ، أقول إنها تعتبر أشكال الثقافة الشعبية ومضامينها سطحية مسطحة مبتذلة وبالمقابل تعتبر الفئات الشعبية ثقافة المتنورين ثقافة قصور ومجالس وصالونات وعوالم خاصة ولو تناولت شؤون الشعب وقضاياه ومشاغله ، إذ هي ثقافة تتوسل في كل مناحيها وأدواتها لغتها الخصوصية وقيمها الخصوصية نظرتها الخصوصية ، إن مسألة شيوع الأدب محكومة باعتبارات استراتيجية لكل فئة أو صنف أو طبقة ، والبرجوازية تجد مجالها في الوسائل السلطوية للتبليغ وتفرض بذلك قيمها الإبداعية والجمالية ، وتظل الثقافة الشعبية دائما مسارحها الشوارع الدور الحوانيت في كل مكان ، خارج سوق عكاظ أو على هامش قصور العباسيين ، بطبيعة الحال هي ثقافة مرفوضة رسميا ولكنها ثقافة الأغلبية التي كان يجب أن تصلنا وما وصلت أو أنها وصلت إلى حد ما متنكرة في غمرة ضحكات جحا أو حدائق كليلة ودمنة وليالي ألف ليلة وليلة والمقامات وزجليات المجذوب وسير الخوارق والأساطير والتحليقات التصوفية ،  ولو أننا فهمنا الشيء من ضده فإننا حقا ما نزال نعاني مشكلة التعرف على الثقافة الحقيقية من خلال الثقافات المزيفة وما يعتور ذلك من ملابسات ، ترفض الشعوب دائما أستاذية المسيطرين والموالين للمسيطرين وتصنع ثقافتها ، وبحكم السيطرة فالمعتقد أن تاريخ الأدب الذي قرأناه في المدرسة ما وصلنا إلا بحكم السيطرة ونحن لانملك إلا أن نقبله تاريخا ولكننا نرفضه إبداع الشعب العربي والأجيال ،من هذا المنطلق نتساءل ماذا حمل إلينا الشعر العربي ؟ وبطرح  أدق ماذا حمل إلينا الرقص العربي ؟ إنه باستثناء الشعر الذي تضمن تجارب انسانية ومعاناة حقيقية لا نعثر إلا على البحور طويلة ومتداركة ومساحيق الجناس الطباق التورية التضمين الكناية الإستعارة وما يؤكد البراعة اللغوية ، تجربة المتنبي وطرفة بن العبد وعروة بن الورد وأبي فراس الحمداني أوصلت أصالتها وغيرهم قليل ، ولكن أمام الخضم الهائل للشعر العربي نخجل حقا إذ لا يكون رصيد العرب شعريا إلا أسماء معدودة من خلال ملايين الأبيات ، وماذا أجدتنا علوم بيانهم وبديعهم وإني لا أدعو إلى تركها بقدر ما أتلمس مشارف القصيدة الجديدة مستغلة البيان والبديع والعروض في الظرف المناسب بحيث لا يستمر إبداعنا إلى الأبد توشية وزخرفة وموسيقى ، إسقاطا لطموح ترفي لا غير ، يتمثل من داخل الخيام نقوش القصور ويسير على رمال الصحراء العائقة راقصا ، جماليات الشعر  ،  هذا الوثن الضال والمضلل ،كيف تحدد قاعدة وتم شيوعها ؟ أتساءل كيف تسمح الكلمات لنفسها بأن تغرق في الجماليات والموسيقى الراقصة لتعرض للمتلقي قمم الحزن مثلا ؟ إنها الخيانة ، خيانة المظاهر على مر العصور ، خيانة الطبقات الظاهرة الطافية على السطح الطبقات المستفيدة أو السائل لعابها ، إنني بكل ملتقى أكون أو أريد أن أكون مكتنها للكتابة وتكون ألغازا ، أحاورها وعندما تملكني أو أملكها أمسك زمامها ، تنطق بي وتتبعني منقادة كظلي ونمشي حيث نشاء معا ،ةأنا وهي ، ننثر الخطو إذ تجرنا متاهة ، نرقص إذ تدغدغنا ريح مرحة ،نقف انبهارا أو احتقارا أمام حائط حيطان نختفي نظهر ،وإذ ينتهي المطاف أراها وأرى فيها نفسي وغيري ، أرى كل المخلصين مثلي أرى  الشعراء فيها .
        متحفية اللغة لا تستهويني بقدر ما يستهويني تسكعها بالحالة التي شاءت أنيقة أو مهلهلة بين الدروب وفي أصقاع الوجدان والفكر والواقع ، وأنحني لها إذ تكون متناسبة مع المقام ، قبيحة إذ تعببر عن القبح ، جميلة إذ تعبر عن الجمال ، أميرة وصعلوكة ، لامعنى إطلاقا لأن يكتسي التعبير دائما قناعا تجميليا يقتات بهموم الجماهير ويجعل من مشاكلها فنا جميلا لا غير ،إن أكذوبة إثارة المشاعر والتأثير فيها بالكلام العذب المموسق لا يهضمها إلا الذوق الأرستقراطي الذي يحنط هذه الأعمال ويدرجها في إطار التحف الفنية ، أتساءل كيف يأتيك الناعي وهو شاعر يخبرك بموت فلان يقول لك ماااات فلان مااااات  كان موته عظيما عظمة البحر موكب جنازته تظاهرة حاشدة غرق جثمانه بين الناس وذااابانتهى ،إنه تصوير يراعي أن يبلغ أمرا بوائل خائنة ، إن المحسنات البلاغية أفسدت علينا اللغة وما تحمله اللغة ، وماذا يهمني أنا من كل هذه الطقوس ؟ لو دعيت كإنسان يعاني حقا من موت هذا الفلان لصمتت أو بكيت أو قلت شيئا لست أدريه ، ولكنه هو ، إنه الشعر وهذا ما يجب أن نبحث عنه ، وليكن كيفما شاء  موزونا أو منثورا ولكن إنه سيكون بكل إطلاقية الكلمة ، الشعر الشعر المفقود .
 
 
الفوارق والقواسم
     لعلنا نتجاوز في حديثنا هذا فارق الشكل بين قديم الشعر وحديثه ، وأكيد ان الفارق ليس شكليا فحسب ، وقد أشار إلى ذلك غالي شكري ،إن المعيار التفريقي بين القديم والأنماط التجريبية الحديثة لا يمس الشكل دون المضمون وهذا ما يجعل الحديث عن قصيدة النثر متجاوزا للفوارق الشكلية وممتدا إلى جوهر الشعر عامة ، وإذا كان سارتر يقر بأن " اللغة الشعرية تنبجس فوق أنقاض النثر ، وان في كل شعر شكلا من أشكال النثر أي من أشكال النجاح ، فبالمقابل فإن النثر الأكثر جفافا يحتوي دوما على شيء من الشعر ، أي على شكل ما من أشكال الفشل " ويضيف سارتر :" إن أي ناثر مهما كان صاحيا لا يصل إلى الإفهام لما يريد أن يقوله فهو يقول أكثر أو أقل مما ينبغي وكل جملة هي رهان مجازفة أخذها على عاتقه وكلما تلمس طريقه ازدادت الكلمة تفردا "(4).
        أقول إذا كان سارتر يقر بهذا فواضح أن المسألة وفق هذا النسق من التحليل ليست مسألة كتابة شعرية أو مسألة كتابة نثرية ، ولكنها قضية تعبير بالدرجة الأولى، ونستمر مع سارترفي معرض مقارنته يقول :"إن التزام الشاعر الحديث هو التزام الانسان بأن يخسر وهذا هو المعنى العميق لذلك النحس لتلك اللعنة يعزوها إلى نفسه دوما والتي ينسبها دوما إلى تدخل من الخارج في حين أنها أعمق اختيار له ومنبع شعره لا نتيجته ،إنه متأكد من الفشل الكلي للمشروع الانساني وهو يعد نفسه للفشل في حياته الخاصة حتى يكون شاهدا بهزيمته المتفردة على الهزيمة الانسانية عامة ،  إنه ينقض إذن وهذا ما يفعله الناثر أيضا ، لكن نقض النثر يتم باسم نجاح أكبر في حين أن نقض الشعر يتم باسم الهزيمة المستترة التي يخفيها كل نصر "(5).
     وسارتر يقيم هذه التوازنات ليخلص إلى الشعر المحض أو النر المحض ونحن هنا لسنا بصدد عرض للوجودية المتجاوزة بقدر ما نريد استخلاص رأي وارد بخصوص معضلة التعبير باعتبار :" أن الإيصال مستحيل وأن الكلمة أداة لهزيمتنا ومخبأ لما لا يمكن إيصاله وصولا إلى القضية ، قضية البنى المعقدة غير الصافية والواضحة الحدود "(6).
      أعتقد أن الصيغ النثرية إلى حد ما جاهزة دائما أما الصيغ الشعرية فإنها تستحضر من خلال طفوس معينة شكلية ومضمونية ، ولكن مع ذلك قد يكون استحضارنا للغة الشعرية سقوطا في صيغ جاهزة باعتبار أن اللغة معين  يغرف منه الشعر والنثر ، ثم إن هناك صيغ شعرية جاهزة نجدها في الأمثال وفي بعض التعابير لدى العامة تكونت منذ قديم وصارت تعبيرا عاديا يستعمل استعمالا نثريا ، وهذا وإن كان يقود إلى حصوصية الشعر وأن النثر عمومي  فهو ليس فارقا ، وإن التعبير كان جاهزا أو غير جاهز محتاج إلى روح ما تجعله شعريا ،تلك الروح التي يمكن أن تمس اللغة العادية أو اللغة المصنوعة ، ثم إنه ليس مشروطا دائما في الصيغ الشعرية ن تكون مقفاة موزونة كما أنه لا يعيب الصيغ النثرية خلوها من الوزن والقافية وإنما فضل الشعر هو الإفادة من إمكانات العبير شعرية ونثرية إلى الحد الذي يجعل فعلا العمل المنتج إبداعا وخلقا .
 
 
موسيقى الشعر
     فيما يتعلق بالموسيقى في الشعر فإنها لا تخلقها رتابة الإيقاع وتكراره بل يمكن أن تنتج الموسيقى من تنوع الإيقاع أو التفعيلة ، وإن لكل كلمة بناء إيقاعيا يتحدد من خلال صوائتها وصوامتها ، فإذا أضفنا إلى كل ذلك ما تلبسه اللغة من دلالات وما تنتجه تقنية الكتابة من صور وأوضاع وتراكيب خاصة تبين لنا كيف يمكن أن يكون الشعر ولو في إطار تركيب نثري لايعتمد البيت أو السطر أو التفعيلة المحددة ، أتساءل كيف لا يمكن للمتلقي إدراك موسيقية الكتابة إلا إذا كانت متكررة حسب تفعيلة معينة ؟ فإذا كانت لكل كلمة بنية إيقاعية وإذا كانت ارتباطاتها بكلمات أخريات يقود إلى خلق سلسلة من الإيقاعات قد تكون متجانسة أو متنافرة فكيف لا يكون الإعداد لتصورها وتلقيها كذلك ؟ هناك في الموسيقى المغناة أو المعزوفة جمل موسيقية لا تعتمد إيقاعا واحدا متكررا ، ثم أليس في الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم ن تقسيم على مقام الصبا مثلا أو الحجاز أو النهاوند أو البياتي ؟ إن هذه التقاسيم نثرية بحيث إن أداءها يتم دون إدخال الإيقاع في الاعتبار ، لماذا الشعر وحده نريد منه أن يكون موزونا ؟إننا نسمح للنثر بأن يخرج من نثريته ويتأطر في بناء موزون مقفى كما هو الحال في سجع  المقامات وفي بعض الأمثال ولكننا لانقبل العكس ، لا نقبل أن يسترسل الشعر ويتخلص من قيده .
       إن النظرة الأرثوذوكسية إلى الشعر قد تؤدي به إلى الإنقراض كما هو الحال في العلوم المحتكرة سابقا والتي أحيطت بهالات من التعجيز والحصوصية كعلم السحر مثلا . ولنعد إلى الإيقاع وعلاقة بنية الكلمة به في الموسيقى المعزوفة ، نجد مثلا إيقاعات موسيقية ثنائية ثلاثية رباعية إيقاعات بلدي مصمودي صحراوي وهذه الإيقاعات يؤشر لها ب"دم"و"تك"وترتيب هذه الدم والتك وفق تشكيل معين يعطي الإيقاع مثلا  :دم تك دم دم تك ، هذا إيقاع موسيقى يعتمد دم ويمكن تشبيها بمتحرك في تفعيلة فاعلن وتك ساكن ودم دم تك وتد مجموع التفعيلة ، ونقيس على ذلك سائر الكلمات أو التفعيلات ونرى أن أساسها إيقاعي حقا ، ولكن لا تتجلى بصورة واضحة خصائص هذا الإيقاع مثلما تتجلى في الموسيقى ، ولكن ما يهم قوله هو أن أخذنا لإيقاعات متعددة في آن لاينفي أننا لانستعمل إيقاعا ن مثلا ن فاعلاتن مستفعلن فاعلن فعولن مفاعيلن فعلن ، إن بناء الكلمات هكذا أو وفق أسلوب مشابه لايعتمد تكرار تفعيلة أو تفعيلتين لم تألفه الأذم في الشعر ، ولعلنا بحاجة إلى التأكيد على صرورة توافر الأذن لدينا على قدرة تستطيع أن تنتزع الموسيقى من خلال تعدد الموسيقى والإيقاع من إيقاعات ، لا أن تظل حبيسة الرتابة المعهودة ، دم دم تك دم تك ، فعولن ، وكفى. إنك وأنت تستمع إلى الدقة المراكشية تماما وكأنك تستمع إلى أرجوزة أو معلقة ، بناء محكم وإيقاع محسوب ، كل خروج عليه يستوجب تكسير التعريجة على رأس من أخل بالميزان ، ومع ذلك يستطيع الإيقاعي البارع تقسيم الزمن الواحد إلى أزمنة ويسميه "الزواق"إلا أنك وأنت تكتب الكلمة تستطيع أن تحذف ولكنك لا تزيد ساكنا  أو متحركا في صلب البنية عدا الترفيل والتذييل  ولو بدعوى الزواق  مع أنه من الممكن ذلك بشرط إدماج الزيادات في زمن معين عند القراءة أو الإلقاء وتخصيص زمن معين صامت للمحذوفات عند القراءة أو الإلقاء أيضا ، ونتناول إيقاعات الحيدوس أو الهيت ، إن هناك تصريفا للوزن بشكل غريب أحيانا يجعلك تعتقد أن الوزن مختل أو أنه لا وزن هناك ، نقرات متتالية على البندير بدون نظام هو النظام نفسه ،حقا إن هناك وزنا محددا لا يقبل التمازج مع وزن مغاير ولكنه وزن متفتح على الإضافة والتحرك وهذا ما نعدمه في الإيقاع الشعري ، إنه الوزن الخفي الذي تحدث عنه إليوت إلى حد ما .
      إن الفرق بين إيقاع الكلمات وتراكيبها التي تخلقها بنفسها وبين القصيدة التي تريد أن تحبس كلماتها في إيقاع معين مسألة لا تحتاج إلا لمزيد من المراس والقدرة على فهم واستيعاب التعدد ، ولست بحاجة إلى القول بأننا مدعوون إلى إبعاد ونفي ما بصم به إرنست رينان وأتباعه من الأعاجم عقلياتنا بأنها عقليات توحيدية لا تستطيع النفاذ للمركبات والمعقدات ، ومجال الموسيقى أيضا يحكمه ما يحكم الإبداع إذ لا نجد قدرة على فهم وتطبيق الموسيقى من خلال تنزع في النظرة بحيث تكون العقلية المبدعة والمتلقية جامعة للأقانيم وممتدة في نفس الموضوع الإطار ، إن عدم وصولنا في الموسيقى إلى ما يسمى بالتناغم يقابله حقا قصورنا في مجال الإبداع الشعري وعدم تمكننا من استخلاص الشيء من اثنين وإدراك الشعر سواء في الشعر أو النثر ، إننا أقرب إلى  الخيل التي تحاذي عيونها بقطعتي جلد   لترى طريقا واحدا أمامها فقط : الشعر يعادل التفعيلة والنثر انسياب وما عدا ذلك فلا شيء هماك.
       إن الشعر يكون قبل أن تكون اللغة وحدودها ، ولكنه باللغة يكون ، فباستحضار اللغة باعتبارها المميز للكائن الإنساني ووسيلة تعبيره الأولى بها نقول الشعر أو نقول عداه ، قد تحتوي هذه اللغة على الشاعرية المسكوبة وقد تظل بعيدة حاملة كل كلمة فيها مدلولها الخاص مضافا إلى المدلول الخاص لكلمة أخرى ومدلول خاص لكلمة أخرى ونكون أمام حالة مثيرة فعلا قد تقترب من الشعر بمبهماتها ، ولعله كان من باب التحديد إضافة قيود إلى الشعر أو أن الشعر تميز بالأشكال التي نراها عليه من وزن وقافية ، ولكننا بالنظر المتأمل نتأكد من أن الوزن مستوعب للنثر أيضا ثم إن عددا من القصائد العمودية لا تختلف في شيء عن النثر ،وإنه لمن الأكيد ما دامت نقاط الائتلاف بين الشعر  والنثر أكثر من نقاط الاختلاف أن يتحدد الشعر بمعياره الحقيقي ، معيار تضمنه لحقائق  وتجليات وحمولة وخلق شعري ،لا كونه مقيدا أو غير مقيد.
        إن الكلمات وموسيقاها الداخلية وتراكيبها أحيانا وتجانس الكلمات ودلالاتها أمر بيد هذا الشاعر والناثر لا فرق إلا في استعمال هذه المواد ، بل إن النثر بتراكيبه المعتادة والأكثر تحررا تتضمن غالبا من الشعر  ما تعجز دونه الوسائل المعقدة التي أرادوها لتحديد الشعر في حين أنها تعمل على نفيه في الغالب الأعم ، ومالنا ولهذا الشعر الذي عزلناه بأقانيمنا ثم ها نحن نتحدث عن "علاقة الشعر بالفنون الجميلة بالرسم ، علاقة الشعر بالموسيقى " (7)علاقة الشعر بالرياضة  الفكرية .
       لا أشك في أن الشعر هو كل الفنون وأن التعبير عنه دائما تعبير جديد له مكوناته التي تنشأ بوجوده ، قد تكون البنى الموسيقية الناتجة عن تناغم الكلمات ، قد تكون الإيقاعات المتكررة ،قد تكون الصورة أو الكاريكاتور ، قد تكون الحوار الداخلي أو الحوار مع الأشياء ، قد تكون اللقطة ، قد تكون البنيات الدرامية الملحمية ، قد تكون الغنائيات البسيطة و قد تكون اللوحات التركيبية ، قد تكون الخاطرة ، إن كل هذه الإشكال لا يتحدد مدى استعمالها إلا من خلال المضمون وبأسلوب جدلي لا أولية فيه للمضمون دون الشكل ولكن لهما معا . تبقى مسألة بنية الكلام الشعري وهذه في نظري مضاف إليها طريقة الفهم الشعري والتناول هي المميز الفصل للشعر ن إن موقف الشاعر الانسان تجاه الأسئلة الكبرى هو ما يحدد الشعر ، وليس الوقوف أمام الأسئلة يستدعي دائما أجوبة ، إن الشعر وهو متناول للميتافيزيقا أو كاشف لملكوت النفس وارتطامات الانسان بالأشياء بالكون ، بعلاقة الانسان بنفسه علاقاته مع غيره مع معطيات الوجود وغيبياته يظل شعرا بمعنى إنه مستوعب لخلاصات التجارب الانسانية ومحرك لها ، ومن ثم فإن استيعاب التجربة الانسانية في الكون وتحريكها ليس بالضرورة استيعابا متحفيا ، وأقول بالضرورة ، فكلما كانت متحفية الإبداع عائقا دون الإبداع أو شيوع الإبداع كان من الأولى إعطاء الأولوية للإبداع بتلقائيته واعتماده لشروطه الخاصة التي تأتي مع الخلق ومن ذاته لا إسقاطات جمالية محددة يتم إلباسها لكل التجارب دون مقاسات اللهم كونها موضة العصر موضة الكتابة .
      وأتصور القصيدة عملا مفاجئا ، فالقارئ أو المتلقي تعود على الشعر ، شعر الأبيات ن شعر كلمة في سطر أو كلمتين ،ومن الناس من يقلب الصفحات كلما تأكد له من خلال هندسية الكتابة أن الكلام شعر ، لهذا تأتي القصيدة الجديدة وفي ركابها قصيدة النثر شراكا يستدرج القارئ أو المستمع ضمن أشكال معتادة لا تدعي التميز عن الكلام العادي المنثور ، وتربح القصيدة قارئا كان يعتقد أنه يقرأ مقالة ينهيها ليعود متسائلا أي شكل من أشكال النثر هذه الكتابة ليتيقن من أنها شعر ،إن طقوس الكتابات الشعرية القديمة عزلت الشعر ولا نخفي أن من بين القراء من يتجاوز صفحات الشعر هربا من وجع الدماغ ومن الخواء في حين أنه ما من أحد لا يقرأ النثر ، كلنا قارئون للنثر ومتحدثون به ، ولكن من الشعراء من يريد أن يجعل من الشعر مملكة لا يغشاها إلا المقربون ، ومن هنا فالعودة إلى الأشكال العادية ضرورية لتحرير الإبداع كلما كانت التجربة انسيابا لا يستدعي هذه الوقفات والأسطر ، أفرأ قصائد وأكتبها أحيانا تضم في  كل سطر منها كلمة أو كلمتين ، هكذا ، وألمس نوعا من السلطوية ممنوحا لكلمة في سطر واحد أرادها الشاعر مفتاحا للقصيدة أو معلمة بارزة من معالمها  ، غير أن عددا من هذه التجزيئات اللغوية تجعل الكلمة تلعب لعبتها الخاصة ، لعبة حمل دلالتها أكثر من اشتراكها لتأدية معنى مخلوق ، وبذلك يكون اندراج الكلمات ضمن جيش تعبيري متماسك أكثر ايحاء وأداء ، بمعنى أن اختفاء الدلالات المفردة للكلمات في السياق نسبيا وتضافرها لتأدية معنى ينتج التحاما بين دلالات متعددة هو ما يجعلنا نتلقى ما نتلقى من معان مقصودة ناسين الوسيلة وكل المتاهات الشكلية ، وأمثل لذلك بكتابات بعض المتصوفين وأبرزهم النفري ، لا أعتقد أن مواقف النفري نثرية ولا كتابته أيضا وإلا بماذا نفسر هذه القوة التي تجري في كلمات معتادة ومعتادة جدا
 
 
 
الغموض والوضوح 
      قضية أخرى: غموض الشعر ووضوح النثر  ، قضية مردودة لأن الوضوح والغموض مرتبطان بالموضوع المعبر عنه وليس بالنثر أو الشعر ، قد يكون النثر غامضا إذا كان ما يراد التعبير عنه غامضا وقد يكون واضحا في الأغلب الأعم باعتبار أن المرامي التي يستهدف التعبير عنها عادية بعكس الشعر الذي يتلبس الغموض اعتبارا لتعقد التجربة أو استعصاء المجال المتناول أو حتى جدة التركيبات اللغوية ، تلك التركيبات غير المألوفة إلى حد ما ، وهذا لا ينفي أن يكون هناك شعر واضح وضوح النثر العادي ترتكز حرارته في نقل موضوع أو موضوعات معينة ، إلا أن أغلب الشعراء يخيفهم هذا الوضوح وكأنه نفي للشاعرية فيلجأون إلى تغليف هذا الوضوح بأصباغ ومحسنات بلاغية وتفنن عروضي وكأنهم بذلك يضيفون إلى شعرهم من الطقوس ما يكفي لتمييزه عن النثر، والواقع ان غموض الشعر أو وضوحه في القصيدة العمودية أو قصيدة النثر لا يتحدد إراديا أبدا ، أما حال المعاجميين المتعاملين مع الكلمات وإفرازاتهم فشيء آخر سواء في الشعر أو النثر.
 
 
 
خلاصات
 أعتقد أن تشتت الأشكال الفنية الأدبية هو ما يجعل كل الفنون مفتقرة ، ولعل مقولة إن الشعر ديوان العرب ما كانت لتكون لو طفت فنون أخرى أو ساعدت طبيعة العرب على تواجد فنون أخرى وآداب بنفس مستوى القصيدة ، وحقا لقد وصل الشعر ذروته خلقا وشيوعا وفاعلية ، ولكن ومرجلتنا الحضارية مختلفة تماما عن العصر الجاهلي والحالة ان الفنون وجدت مجالاتها وتمسك كل فن من فنون القول أو التعبير بمقاييسه وأثرى في حدوده الخاصة ها نجن نجد كل الفنون متطاولة ولا نجد فنا واحدا يعبر عن الانسان تعبيرا جامعا مانعا كاملا شافيا ، إن الاجتزائية في مجال التعبير الانساني دعت الكلمة إلى جمع مقاييس ومعايير حولها وانفردت عن أخواتها لتكون هذه قصيدة وهذه قصة مع أن المفروض أن جل الخلق الانساني في ميدان التعبير عن الذات والواقع وما وراءه هي شعر ، الرسم شعر والموسيقى شعر ،وهكذا ، وإني لا أرى الشعر إلا شاملا لكل الفنون الأخرى وأنواع التعبير بما فيها النثرية.
        إن كل الأشكال التعبيرية تضم بين ثناياها شيئا من الشاعرية ، لكن الشعر بشموليته واعتماده على أبدع ما تميز به الانسان وهو اللغة المنطوقة قادر على ضم مختلف جزئيات أشكال التعبير المختلفة بمعنى أن الشعر قد يستوعب الموسيقى كما هي وموسيقى العروض أو الموسيقى المقطعية أو الإلقائية ، قد يستوعب الرسم وقد أكد هذا الإتجاه الدادائي ، قد يستوعب الكاريكاتور وقد يستوعب جماليات النثر من سجع وخطابية كما أسلفت ، لماذا نريد حصر الشعر في نطاق معين ، أعتقد أن الراسم وهو يرسم أو الموسيقي وهو يلحن يقوم بعملية إبداع شعري ،قد تختلف وسائل التبليغ ولكن يظل العمل شعريا ، لماذا لا يسعى الشعر إلى توحيد شتلته فيشمل كل أنواع التعبير حسب الإقتضاء . فكرت مرة في قراءة قصيدة نثرية بشكل غنائي وكنت قد كتبتها مدندنا بنغمات مسترسلة ولكن الإقدام على المغامرة راعني ويشهد الله أن كتابتها بدون تصنع جاءت مصاحبة للموسيقى ،  ليس العروضية ولكن الموسيقى ، مقطع على الصبا أشد النغمات جزنا ومقطع على الحجاز أشد النغمات تجسيدا للتيه والغربة والحنين ، وقد يتحداني قارئ للقصيدة أين هي الموسيقى ؟ إنه يسأل عن  العروض وقد تجاوزتهلأخفي ما يسميه منثورا إلى الموسيقى الخالصة . لماذا نفرض على الشعر شكليات مستقاة من عنده مع أن كل المظاهر التعبيرية الأخرى هي جزء منه ،  قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا بقراءة معينة مغناة أو ممسرحة ، قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا طبق رسم معين ، إن الشعر سائر إلى الإنقراض بانفراديته وابتعاده عن طبيعته التي هي شاملة لكل الوسائل.
       أتصور سوق عكاظ وشاعرا من إياهم يقرأ شعره ، لاشك أنه وإضافة إلى العروض كان الشاعر خطيبا وممثلا ومهرجا ومغنيا وراسم حركات على الهواء وغلا ما كانت له كل هذه القوة في حفر قصائده في الأدمغة .
     إن الشاعر بالضرورة لا بد أن يكون كل الأدب والفن ، ولا أعتقد أن الرسام مطالب بأكثر من فهمه للغة الألوان  ، الرسام في حدود تعامله خصوصي ويتحرك في مجال معين ولكن الشعر قاسم مشترك في كل المجالات ، لذلك لا يستغرب أحد إذا رأى قصيدة على شكل نثر قصيدة خطية قصيدة لوحة قصيدة أغنية قصيدة رواية . إن الشعر هو كل الأشكال والمضامين وليس الكلام الموزون المقفى ، ومن ثم كان سؤال " العلم " محرجا لي أيما إحراج إذ أطالب بالحديث عن قصيدة النثر بدل الشعر عامة .
     ولأننا نعيش عصر الثورات والإيديولوجيا ، لأننا نعيش كل العصور التي مضت والعصور التي لم تأت بعد فأنا لا أسقط التناولات التحليلية التفسيرية للواقع الداعية إلى استشراف آفاق أخرى ، فالشعر بطبيعته تجاوز غير أن التناول أيضا لا يمكن أن يكون كما أرى إلا اختزانا وتخميرا لكل العناصر التي تفرز العمل الإبداعي عن أصالة ، وأعتقد أن هذه الإفرازات لا يمكن أن تكون إلا تجاوزا للحدود المرسومة. الشعر موقف مختزل إزاء الوجود انطلاقا من الذات عبورا بالأشياء بالكون  بما يعتمل الآخرين ووجود الآخرين وقوفا بالأسئلة الكبرى ، ارتطاما بها ، خنوعا أمامها أو تجاوزا ، وبذلك لن يكون الطرح الحقيقي للإبداع إلا ذلكم الطرح الذي يصدر عن انسان مختزن كل عناصر الحياة والموت وليس مختزنا لحدود الشعر وحدود النثر ، ولن تكون أشكال هذا التعبير إلا أصيلة أصالة الإنسان نفسه لم تكسرها العصي التي ورثناها . إنها عودة بالكتابة ليس إلى النثر وحسب ولكن إلى ما أراه أصلا قبل التشتت ، فلا شك أن الناس لا زالوا يتساءلون أيهم الأسبق الشعر أم النثر ولا شك أنهم أدلوا بما شاؤوا من نظريات ، ولكن انطلاقا من تجربتي حالة الكتابة أجدني أقرب إلى الإنسان الأول الذي اعتقد أنه عندما كان يقف أمام بحر أو جبل تختلط معاناته لتبرز همهمات إشارات تغيرات فيزيولوجية كلاما رقصا أو تلاشيا ، نوعية هذا التعبير لا أستطيع أن أحدد مواصفاتها ولكن أسعى إلى استخراجها كلما حاولت الكتابة مستفيدا مما يغشاني من ترسبات ورصيد مستجمع لخبراتي تواجدا واطلاعا ومعايشة ، مستفيدا وغير مستفيد إذ أريد ألا تحصرني التصنيفات والأقانيم والتخوم الموضوعة : هذا شعر هذا نثر هذا كلام مسرحي . لا أشك أن هذا التخصيص للنوعيات كان ضرورة اقتضتها ضرورات ، ولكن أومن إيمانا عميقا بأن الشاعر لا بد أن يكون الانسان الأول على حد ما في سذاجته وبراءته وانفعاله بالكون والأشياء، ولأن انفعال الانسان المعاصر ليس انفعال سيدنا آدم والله أعلم فلا شك أن إفرازات المتأخرين ستكون أشد حرارة وقوة وما هي كذلك . 
   إن استهلالية المتنبي " واحر قلباه ممن قلبه شبم " تبز عديدا من التوعكات والتأوهات المعاصرة ، لا يعني طرح هذا الحديث تكريما لمن سبقوا وللبدائية وليس مثالية أو عوما فكريا ، إني ملتزم ولدي قناعاتي كما كان الانسان دائما ، كان الانسان يؤله الشمس أو القمر يعظم الشجرة أو قرون بقرة ، كانت تلك قناعات واليوم الانسان يؤله شيوعية أو رأسمالية ، قصيدة شعر أو قصيدة نثر أو يرفض الكل . إن ما يؤكد دعواي اننا نجد أكثر الكلام شاعرية كلاما أقرب إلى الخرافية واكتساء ما يمكن أن أسميه الجهل أو التجاهل للأشياء واختلاط المفاهيم في الذهن ، إنها عودة إلى موقف شعري ، قبل الشعر وقبل النثر ، موقف بدائي ولا شك . إن الشعر يرتضي أن يكون أكثر العلوم جهلا وتجاهلا للأشياء ، خلقا لها بشكل آخر ، فالشاعر إذ يقف أمام دمعة حزن في العين ويراها بلورا ودرا منثورا إنه ليس سخيفا إلى هذا الحد بقدر ما هو رؤية استقبالية تختزن أملا مفقودا أمل لو كانت دمعة الحزن شيئا آخر ، لذلك أعود إلى نظرتي إلى الكتابة ومضمون الكتابة مؤكدا على أننا استنفذنا الأشكال الموروثة متحفية مستوردة ، طبقنا في كتاباتنا حدود كل المدارس وقد نكون بلغنا شعرا ولكنه شعر تبعي إلى الخليل في طرق تفجيره تبعي للعالم المتقدم في أبعاده وأشكاله أيضا ، خصائص اللغة الفرنسية مثلا ليست خصائص اللغة العربية ، رصيد هذه اللغة الحضاري التاريخي ليس رصيد العربية ، قد يكون أقل أو أكثر ، هذا ليس مهما ولكنها ليست نفس الخصائص ، نعم إن التجربة الانسانية تظل واحدة بالرغم من تنوعاتها ولكن التعبير عن التجربة إذا افتقد خصوصياته الحضارية التاريخية اللغوية فقد مسخ ، وقد يواجهني مواجه إذن لماذا نقبل قصيدة النثر فأقول بأن كل الحيوانات تصدر أصواتا وإنها مشتركة في صفة الحيوانية ولكن بعضها يموء وبعضها يزأر وبعضها ينبح وبعضها لايمكن أن ينبح إلا وهو يعض أو يتراجع وإنها الخصوصيات التي افتقدناها .
       إن مقولة أن الأدب عالمي قد تصح ولكن من يروجونها يروجون أيضا للقوالب والأشكال التي وضعوها هم. ماذا وضعنا نحن عدا ما وضع الخليل ؟ وصلنا إلى تثوير اللغة وصلنا إلى نثرية القصيدة، إلى الكتابة الأوتوماتيكية ، إلى تطبيق مختلف المدارس النفسية والأدبية عموما على أدبنا العربي ؟ وكنا مستوردين وظل أدبنا غير ممثل كل التمثيل لحقيقة تحولات العالم العربي ، لا زالت القصيدة إطرابا للأذن إنشادا ولا زالت المضامين عبدة لا يمكن  أن تكون إلا تابعة ، المواصفات اختلطت ، ومعنى هذا أن البحث عن أشكال تفجيرية للشعر العربي أمر مطروح ، ولا أعتقد أن الشعر العمودي يمثله اللهم في خلق غنائيات محدودة نفسا وموضوعا وهي مرتبطة بالمترفين ومطربيهم ، إني لا أرى الشعر العمودي الآن حيا إلا على الأعتاب ، ولا أعتقد أن النثرية بانطلاقاتها تجسد البديل لتحطيمها للعروض والفواصل بين كتابة وكتابة ن لعلهم في القديم اختاروا إيقاعاتهم وحدوهم وعاء لحفظ إبداعهم وقد حفظ الإيقاع ووعى وظل في الصدور ونحن لا نكتب وننتظر من الرواة تناقل قصائدنا فنسهل عليهم مهمة استرجاعها بالمجالس . إن الشعر لم يعد بضاعة يخرجها الساحر من قبه ليدهش  المجالس ، ثم هذا التكثيف الشكلي هذا الحبس للتجربة في نطاق محطات وقوف تذكر بما مضى وتعد بما سيأتي تطرح صائتا لينذر بأن صامتا بعده أصبح متجاوزا. أن تحفظ القصيدة أمر لم يعد مطلوبا باعتبار أن ما يعمله حماد الراوية طوال عام قد تقوم به الصحيفة في دقائق وبذيوع أكبر.
       إنهم يريدون جعل الشعر علم الخاصة ، يحتكرون الثقافة مع أنها رأسمال شائع بقدر أو بآخر لدى الجميع ويمكن التأكيد لذلك بإبداعات الشعب في أمثاله وحكمه وممارساته الخلقية عامة .
       إن القضية ليست قضية شعر أو  نثر ، إنها قضية تعبير بالدرجة الأولى وإن أغلب الكتاب تدرجوا شعراء ثم قصاصين أو العكس أو اختلط عليهم الأمر وهم يبحثون عن التعبير الشامل ، ولعل احتفالية برشيد في المسرح اقتراب حقيقي من أصالة الانسان وأصالة تعبيره وشموليته ، وأعتقد أن الشعر أيضا يجب أن يرتد إلى أصوله التي افتقدت وما تبقى منها عبر عمليات النحت والتعرية على مر التاريخ إلا الشظايا والأشلاء والأشباه . سألتني العلم عن قصيدة النثر وقد حددت موقفي وإن لم يتجل ممارسة واعتقادي راسخ في أن المشكلة ليست قضية أو ظاهرة قصيدة النثر أو غيرها من الظواهر بقدر ما هي قضية قصيدة الشعر نفسها ، وهذا ما يجعلني في الوقت الراهن أقف بمحطة من خلالها أصرح بأنني أجهل الشعر أجهل النثر وأعرف الكتابة .
 
 
                              
​         رابح التيجاني .الرباط
                         (مساهمة في ملف عن قصيدة النثر سبق
                        ان احتضنها الملحق الثقافي لجريدة العلم )
    الهوامش :
-       (1) من كتاب " الشعر كيف نفهمه ونتذوقه " إليزابيت درو ترجمة الكتور محمد ابراهيم الشوش ص 49.
-       (2) عن كتاب " شعرنا الحديث إلى أين "غالي شكري ص82.
-       (3)" الأدب الملتزم " لجان بول سارتر ترجمة جورج طرابيشي ص 78و79.
-       (4)إشارة إلى كتيب الدكتور نعيم حسن الباقي " الشعر بين الفنون الجميلة " سلسلة إقرأ العدد 192.
-       (5)في موضوع نبرية اللغة الانجليزية ومقطعية اللغة الفرنسية والشعر غير العمودي وغير الحر اعتمدت
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
19 juillet 2011 2 19 /07 /juillet /2011 13:04

نظرية الأجناس الأدبية theory of literary genres


عمار الجنابي
الحوار المتمدن - العدد: 3430 - 2011 / 7 / 18
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 

نظرية تشير إلى مبدأ تنظيمي يصنف الأعمال الأدبية تبعاً لأنماط أدبية خاصة من التنظيم أو البنية الداخلية لهذه الأعمال، وتستمد غالب هذه الأنماط من الأعمال الأدبية الرفيعة التي تتحول تقنياتها وقواعدها ومبادئ تنظيمها وطرائق بنائها، بفعل جملة من العوامل الاجتماعية، إلى معايير يأخذها الكتاب بالحسبان عندما ينشئون نصوصهم، ويجعل النقاد من هذه المعايير كذلك منطلقاً في تقويمهم للنصوص التي يواجهونها، كما يحدد بها القراء آفاق توقعاتهم من النصوص عند قراءتها وتقديرها. وتكوّن الأجناس الأدبية ساحة مغنطيسية ذات تأثير فعال جداً في عملية إنتاج الأعمال الأدبية ونقدها واستهلاكها في أي تقليد أدبي قومي. وهي - أي الأجناس الأدبية - مؤسسة مهمة من مؤسسات أي مجتمع وتؤدي جملة من الوظائف تتصل بالكاتب والقارئ العام والقارئ الخبير معاً.
فأما الكاتب فإنه باستخدامه مؤسسة الجنس الأدبي، من جهة اختياره لها شكلاً فنياً يجسد رؤيته للعالم، يدلي ببيانات مهمة عن أسلافه في الجنس الأدبي المختار، وفي الفن عامة وفي الحياة جملة، مثلما يفصح عن آرائه فيهم وفيها. وهو كذلك يستخدم الجنس الأدبي لنقل رؤيته الفنية والاجتماعية والسياسية، ونشرها في مجتمعه بوساطة العمل الأدبي الذي يجسدها. وفضلاً عن ذلك فإنه يحدد النظام الترميزي code الذي يحكم رسالته الفنية التي يود أن تبلغ قارئه عندما يحسن تفسيرها تبعاً لهذا النظام الترميزي، مثلما يحدد آفاق توقعات قارئه ليرضيها أو يحبطها، فيما بعد، بحسب الغرض الذي يريده من عمله.
وأما القارئ العام فإن مؤسسة الجنس الأدبي تكوّن لديه نظام ترميز يتعامل به مع العمل الأدبي ويرسم آفاق توقعاته تبعاً له، ويحكم في النهاية استجابته له القريبة والبعيدة، مثلما يكوّن ذوقه النوعي الخاص بهذا الجنس الأدبي، هذا الذوق الذي يكون حصيلة تراكم قراءاته في أطوار حياته المختلفة.
وأما القارئ الخبير، أو ما يعرف عادة بالناقد الأدبي، فإن مؤسسة الجنس الأدبي غالباً ما تكون الإطار المرجعي frame of reference الذي يحكم قراءته النقدية للعمل الأدبي: أي اختياره إياه وشرحه لغوامضه وتحليله لبناه الكبرى والصغرى وتفسيره لدلالاته، وتبينه لصلاته الأدبية وفوق الأدبية، وتحديده المصادر الأدبية القومية والعالمية، ثم الحكم عليه في النهاية وذلك عن طريق وضعه في عدة سياقات contexts من الجنس الأدبي المحلي، والجنس الأدبي القومي، والجنس الأدبي العالمي آنياً وتاريخياً.
إن الجنس الأدبي بهذا المعنى هو المحرق الذي تلتقي فيه القوى الفاعلة في عملية الإنتاج الأدبي في أي مجتمع من المجتمعات: من كاتب وقارئ وجملة عوامل وشروط ومحددات تسهم جميعاً في تشكيله.
ترجع نظرية الأجناس الأدبية في أصولها الغربية إلى تمييز أفلاطون بين نمطين من أنماط إعادة إنتاج موضوع، أو شيء أو شخص ما، هما نمط الوصف أو التصوير بالكلمات ونمط المحاكاة mimesis. ولما كان الشعر، أداة الأدب الأقدم، في إعادة إنتاجه للموضوعات الخارجية، فقد قسمه أفلاطون إلى شعر محاكاة مباشرة للأشخاص هو الشعر المسرحي، وشعر وصف وتصوير للأعمال الإنسانية هو الشعر السردي. وتقسيم كهذا يترك الكثير من الشعر خارج دائرة التصنيف، الأمر الذي اضطر أفلاطون إلى إدخال قسم ثالث ذي نمط مختلف يتناوب فيه الحوار والسرد كما هو الشأن في الملحمة حيث يندر استخدام السرد الصرف. ومع ذلك فقد بقي الشعر الغنائي الذي يعبر فيه الشاعر عن أفكاره ومشاعره خارج دائرة أفلاطون ومخططه.
وإذ تبنى أرسطو في كتابه «فن الشعر» poetics قسمة أستاذه الأساسية، فإنه لم يلتفت إلى الشعر الغنائي بوصفه جنساً أدبياً رئيساً. والتقسيم الثلاثي الشائع للشعر إلى مسرحي وملحمي وغنائي، الذي ينسب عادة إلى العبقرية اليونانية، لايعود في حقيقة الأمر إلى عصر أرسطو ولا إليه، وإنما إلى عملية طويلة من الجمع والتعديل والإعادة مع التغيير الطفيف لقوائم تقليدية معينة من الأجناس الأدبية، ولم يأخذ هذا التقسيم صيغته الثلاثية هذه إلا في القرن السادس عشر الميلادي.والحقيقة أن فن الشعر عند أرسطو ينصرف في معظمه لدراسة جنس المأساة بوصفه جنساً أدبياً يسمو على ما سواه من الملهاة والملحمة وغيرهما. وأما إشاراته العابرة أو المتأنية للملهاة والملحمة فقد جاءت في معرض مقارنتهما بالماساة بهدف توضيح جوانب مهمة من هذا الجنس الرفيع الذي بلغ أوجه ما قبل عصر أرسطو، وكان من الطبيعي أن يتناوله بهذا الاهتمام والتفصيل الشديدين، وأن يعير اهتماماً أقل لكل من الملحمة والملهاة لأنهما دون المأساة وظيفةً (في التطهير) وأسلوباً (في اعتمادها الأسلوب النبيل كما أسماه اليونانيون).
وفي العصر الأثيني Attic Age لايجد المرء تقسيماً واضحاً وبسيطاً للأجناس الأدبية، وإنما يصادف تشكيلة واسعة من المصطلحات المستخدمة في الإشارة إلى أجناس محددة مثل الملحمة (أو الشعر المنشد) والمسرحية ( أو الشعر الممثل)، بنوعيها المأساة والملهاة، والشعر الهجائي المعروف باسم الإيامبي iambic لأنه منظوم على البحر الإيامبي، والشعر (الرثائي)الإليجي elegiac المنظوم على الدوبيت الإليجي، والشعر الإنشادي melic أي الشعر المغنى من الجوقة والمصاحب بالناي أو القيثارة أو بهما معاً، وهو الأقرب إلى مفهوم الشعر الغنائي اليوم، وغير ذلك مثل النشيد أو الترنيمة hymn والديثرامب (أو أمدوحة باخوس) dithyrambos وأغاني الجوقة وأغاني النصر والاحتفالات.
وقد قامت مدرسة الاسكندرية فيما بعد بتمثل الإنتاج الأدبي اليوناني وتصنيف القصائد ووضعها في مجموعات وطبقات تيسر تحديد القوانين والقواعد التي تحكم أعمال أفضل الشعراء، مما عزز الوعي بالأجناس الأدبية. وأثمر هذا عملاً متميزاً قام به ديونيسيوس تراكس Dionysios Thrax في القرن الثاني ق.م عندما وضع قائمة بعدد من الأجناس الأدبية تضم المأساة، والملهاة، والمرثية، والملحمة، والشعر الغنائي وغيرها. وقصد بالشعر الغنائي lyric ما توحي به التسمية ذاتها، أي الشعر المغنى المصاحب بالعزف على القيثارة lyre. كما أضيفت إلى هذه الأجناس أجناس أخرى مثل أنشودة الرعاةidyll والشعر الرعوي pastoral والنثر القصصي prose fiction. ومع ذلك فقد ظل تقسيم أفلاطون يلقي بظله على تصنيفالأعمال الأدبية قروناً طويلة، وهو التقسيم الذي يجده الباحث لدى النحوي ديوميدس Diomedes في القرن الرابع الميلادي ممثلاً بجنس التمثيل genus activum وجنس السرد genus enarrativum والجنس المزيج .genus mixtum ولكن هذا الظل ما لبث أن انحسر تماماً في العصور الوسطى إذ ضاعت كل فكرة المسرحية مثلما نسيت المعاني الدقيقة لمصطلحات الأجناس الأدبية بعد إغلاق المسارح، وجُعل الأدب مجرد خادم مطيع للاهوت، فالمسرحية drama على سبيل المثال كانت تستخدم في الكتابات البيزنطية لتشير إلى الرواية وكانت تعني في الغرب الأوربي الحوار الفلسفي. ومع مجيء دانتي أليغيري تبددت فكرة المسرحية تماماً، فقصيدته، التي تعد بحق رائعة عصرها، غدت عنده ملهاة لأنها حكاية ينتهي المطاف فيها بالفردوس، ولأنها منظومة بأسلوب وسط لانبيل ولا وضيع، و«الإليادة» ملحمة فرجيل الخالدة غدت مأساة. وهذا خلط واضح لكل ما أنجزته العصور السابقة من تقدم في نظرية الأجناس الأدبية. ولكن هذا لايعني بحال من الأحوال أن العصور الوسطى لم يكن لها أجناسها الأدبية الخاصة بها. وكل ما في الأمر أنه لم يكن ثمة من أرسطو يصنفها ويؤطرها ويقيم دعائمها النظرية على أسس فلسفية واضحة.
من هنا قامت مجهودات عصر النهضة في نظرية الأجناس الأدبية على أساس من عودتها إلى كتاب «فن الشعر» لأرسطو الذي أهمله كتاب العصور الوسطى باستثناء الفلاسفة العرب المسلمين من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. وهكذا ترجم الكتاب في القرن الثالث عشر. وتزامن ذلك مع عودة، قوامها الخبرة والمعرفة الدقيقة، إلى الآداب القديمة وإحياء للمسرح في شكله الكلاسيكي. والحقيقة أن عودة النقاد ومنظري الأدب من جديد إلى النص الأصلي لكتاب أرسطو في القرن السادس عشر جاءت كشفاً جديداً واستدعت الكثير من التعليقات والمعارك غدت معها نظرية الأجناس الأدبية أساساً للنظام النقدي السائد. وشرع نقاد العصر في وضع قوانين وقواعد متطورة للمسرحية والملحمة استنبطت افتراضاً من أرسطو, وقاد هذا إلى خلافات حادة حول «الملهاة الإلهية» لدانتي وأعمال أريوستو Ariosto وسبنسر Spenser التي لم تتفق على أي نحو، مع المخططات الكلاسيكية. وفضلاً عن ذلك فقد غدت قصائد بتراركا Petrarca في الغزل والحب نموذجاً يحتذى في مختلف الآداب الأوربية الوليدة، الأمر الذي اضطر النقاد إلى مواجهة مشكلة إغفال الشعر الغنائي هذا الإغفال الذي لم يعد مقبولاً منذ ذلك الحين. وحاول بعضهم حل المشكلة بإخضاع الشعر الغنائي لنظرية المحاكاة الأرسطية زاعماً أن الشاعر الغنائي إنما يحاكي نفسه، في حين رفضه بعضهم الآخر جملة بحجة أنه ليس شعراً. ومع ذلك لم يعدم الشعر الغنائي من يدافع عنه، فقد أثبته مينترنو Minturno عام 1559 في قائمة أنواع الشعر الثلاثة الرئيسة واصفاً إياه على نحو يذكر بتقسيم أفلاطون الآنف الذكر. فهو شعر إنشادي يحاكي الأعمال الإنسانية حيناً، ويسردها حيناً آخر، ويدخل متحدثين آخرين حيناً ثالثاً.
والحقيقة أن سيادة الإيمان بنظرية الأجناس الأدبية لم تكن كاملة في القرن السادس عشر، فقد كان هناك من يشكك فيها. وها هو برونو Bruno يردد أن ثمة أجناساً للشعر بعدد الشعراء. وكذلك فإن ازدهار المسرحية الإليزابيثية والإسبانية اللتين خرجتا على القواعد الكلاسيكية، ولاسيما الوحدات الثلاث: الزمان والمكان والموضوع، زعزع من سيادة النظرية، وشهد القرنان السابع عشر والثامن عشر خلافات حادة حول أجناس أخرى من مثل الشعر الرعوي ومسرحية البورلسكburlesque والملحمة الساخرة mock epic . وامتد هذا الخلاف إلى الحركة الرومنتية (الإبداعية) التي كانت وراء الثورة على الفواصل والحدود بين الأجناس الأدبية كالفصل بين المأساة والملهاة. وقد تفاوت الرومنتيون في مواقفهم تجاه هذه القضية: ففضل فريق منهم المزج بين جنسين أو أكثر داعياً إلى شكل شعري شامل، وحاجّ فريق آخر من أجل جنس جديد كالرواية التاريخية والمسرحية التاريخية، ومجد فريق ثالث الشعر الغنائي لأنه جوهر كل الشعر وروح الإحياء فيه، وتصور فريق رابع إلغاء كل التعريفات والتصنيفات المتصلة بالأجناس الأدبية كما فعل فردريش شليغل F. Schlegel في كتابه «حوار عن الشعر 1800» في حين ألمح أخوه أوغُست فيلهلم شليغل A.W.Schlegel إلى نوع من التوازي بين ثالوثالأجناس الأدبية الشعر الغنائي، الملحمة، المسرحية، من جهة، والثالوث الجدلي الأطروحة thesis، والنقيض antithesis، والتركيب synthesis من جهة أخرى: فالملحمة موضوعية، والشعر الغنائي ذاتي، والمسرحية مزيج متداخل منهما معاً. وقد غدا هذا التوازي شائعاً وراج بين مختلف منظري القرن التاسع عشر الذين استلهموه بطرق مختلفة، ولاسيما علماء الجمال الميتافيزيقيين الذين اتخذوا منه حافزاً لإقامة نظمهم الخاصة بالفنون الجميلة والأجناس الأدبية.
وشهد القرن التاسع عشر مؤثراً قديماً - جديداً في نظرية الأجناس الأدبية هو مفهوم التطور الذي تعود جذوره الأولى إلى أرسطو. ويبدو أن التطور وجد في أفكار داروين وسبنسر حافزاً قوياً على معاودة دوره، فغدت أفكار التطورية الجديدة تطبق بشغف على تاريخ الأدب في أقطار عدة وهكذا طبق جون أدنغتن سِمندز John Addington Symonds في إنكلترا التشبيه البيولوجي (1884) بصراحة لاترحم، وقال: «إن الدراما الإليزابيثية خط واضح المعالم قوامه الولادة، فالتوسع، فالازدهار، فالذبول» ووصف هذا التطور فعدّه تفتحاً لعناصر جنينية لايمكن إضافة شيء لها، تسير مسيرتها بحتمية حديدية إلى مرحلة الذبول المحتومة. وتبعه رتشارد غرين مولين الإنكليزي، وبوزْنتْ النيوزيلندي وغمير ومكنزي الأمريكيان وغيرهم. ويظل الفرنسي برونتيير Brunetiére في كتابه «تطور الأجناس في تاريخ الأدب» من أبرز مستلهمي هذا المفهوم. فقد حاول أن ينقل بعض المفاهيم البيولوجية الصرفة من الداروينية إلى الأدب، واعتقد أن الأجناس الأدبية لها وجود في الواقع كوجود الأجناس البيولوجية. وكان يقارن باستمرار بين تاريخ الأجناس الأدبية وتاريخ الكائنات البشرية، وقال: «إن التراجيديا الفرنسية ولدت مع جوديل، ونضجت مع كورني، وشاخت مع فولتير، ثم ماتت قبل هوغو». وأكثر من هذا فقد استخدم برونتيير في تأريخه للأجناس الأدبية تشبيه الصراع من أجل البقاء، لكي يصف تنازع هذه الأجناس فيما بينها، وقال إن بعض الأجناس تتحول إلى أجناس أخرى.
وقد حاول بعض أتباع برونتيير أن يمضوا إلى أبعد مما مضى هو من دون أن يكون عملهم أكثر إقناعاً من عمله. وسرعان ما واجه مفهوم التطور الكثير من النقد والرفض باسم العبقرية حيناً، والتقويم الانطباعي في بعض نواحيه حيناً آخر، ولاسيما من جانب كروتشه Croce الذي كان هجومه على مفهوم الجنس الأدبي بالذات مقنعاً من جميع النواحي. وقد عملت أفكاره المتعلقة بتفرد كل عمل أدبي عما سواه، ورفضه الوسائل والطرائق والأساليب الفنية ولو كانت موضوعات للتاريخ، على تقويض أساس التطورية برمتها في نظر الكثيرين. انطلق كروتشه في هجومه هذا على مفهوم الجنس الأدبي من نظريته في المعرفة التي تتخذ لديه وجهين رئيسين: الحدسي الذي يتم من خلال الخيال، ويتألف من معرفة الظواهر الفردية، وينتج الصور، والمنطقي الذي يتحقق من خلال الذهن، ويركز على الظواهر العامة الشاملة، وينتج المفاهيم. ولما كان إبداع الفن والاستجابة له فعلين يمثلان المعرفة الحدسية في عرفه، فإن مقولات الأجناس الأدبية، تشوه، كما يرى، استجابات القارئ الذي يسعى إلى تطبيقها على العمل الفني، لأنها تقوده إلى أن ينتقل من الاستجابة الحدسية إلى الاستجابة المنطقية لذلك العمل، ولايمكن للاستجابتين أن تجتمعا معاً. وفضلاً عن ذلك فإن تصنيف الأدب إلى أجناسه المختلفة إنكار لطبيعة الأدب ذاتها، ولاسيما أن كل عمل أدبي جدير بهذه التسمية يعمل على تحطيم قوانين الأجناس الأدبية في مسعاه لتحقيق تفرده.
وقد وجدت تحفظات كروتشه أصداء مختلفة لدى عدد كبير من نقاد القرن العشرين، فرأى بعضهم أن العمل الفني الجدير باسمه يكون فريداً، وقال بعضهم الآخر بعدم «تحديدية» النص indeterminacy ومن هؤلاء جاك ديريدا Jacques Derrida ورولان بارت Roland Barthes الذي بيَّن في كتاباته الأخيرة أن القارئ إذ يواجه بسلسلة غير محدودة من الإشارات ونظم الترميز المتصارعة، يكاد يكون من المستحيل عليه تفسير عمل أدبي بدقة وموضوعية. وأقر بعضهم، من ناحية أخرى، أهمية نظرية الأجناس الأدبية في الآداب القديمة، وزعم أنها لا تقوم بالدور نفسه في الأدب الحديث.
ومع ذلك فإن نظرية الأجناس الأدبية لم تعدم من يدافع عنها في هذا القرن، وربما كان من أبرز هؤلاء ريناتوبوتجولي Renato poggioli الذي أكد في دفاعه عنها أن «الشعرية الحديثة» مثلها مثل نظيرتها القديمة، ما هي إلا نظام من الأجناس الأدبية، وطرح فكرة الشعرية غير المكتوبة unwritten poetics (أو الافتراضات التي تتناقل عن الأدب والتي لم تقنن في بيانات رسمية مكتوبة) التي تتولى عادة نقل المعايير والأعراف الأدبية إلى جانب «الشعرية الرسمية المكتوبة»، ومنهم كذلك الباحث الفرنسي المشهور بول فان تيغم P.V.Tieghem الذي بين في مقالته المعنونة بـ «مسألة الأجناس الأدبية» التي نشرتها له مجلة هليكون Helicon (مع مقالات أخرى لغيره تناصر جميعها فكرة الأجناس الأدبية) أن «فكرة الأجناس ليست ميتة، ولايمكن أن تكون كذلك، لأنها مؤسسة بثبات في النفس الإنسانية»، «فكل ذوق عاطفي، وكل حاجة اجتماعية أو دينية، يؤلف أو تؤلف جذراً لجنس مختلف يزهر على نحو أكثر أو أقل إرضاء».
ويبقى نقاد شيكاغو أو الأرسطيون المحدثون Neo - Aristotelians من أهم المنافحين عن مبدأ الجنس الأدبي في هذا القرن، وأكثرهم تقليدية ومحافظة في مناهجهم وافتراضاتهم. فقد سعوا، على سبيل المثال، إلى التوسع في النظام الأدبي الذي ينطوي عليه كتاب أرسطو «فن الشعر» وإلى تطويره، وذلك «بتصنيف أشكال أدبية لم يقدم أرسطو ذاته تعليقاً مطولاً عنها، أو بإضافة تمييزات أخرى لمقولات لايقيمها هو نفسه». يتحدث إلدر أولسون Elder Olson في مقالته «مخطط لنظرية شعرية» An Outline of poetic Theory عن أربعة أنماط أساسية للعمل: الأعمال التي تقدم شخصية واحدة في وضع مغلق أي في وضع لاتعقد أعمالها أعمال أي فاعل آخر، مثل معظم الشعر الغنائي، والأعمال التي تظهر شخصيتين أو أكثر في وضع مغلق، والأعمال المؤلفة من مجموعة من المشاهد، والأعمال المؤلفة من مجموعة من الحلقات episodes. ويقدم ر.س.كرين R.S.Crane في مقالته «مفهوم الحبكة وحبكة توم جونز» سلسلة من المبادئ لدراسة السرد، يمكن للمرء أن يلاحظ ما وراءها من أشكال النظر لأرسطو في موضوع المحاكاة.
وبمقدار ما كان الأرسطيون المحدثون - الذين صدروا عن فن الشعر لأرسطو - محافظين في موقفهم من نظرية الأجناس الأدبية، كان الشكليون الروس والبنيويون التشيكيون والفرنسيون مجددين في هذا الموقف منطلقين من اللغويات الحديثة لفرديناند دي سوسير وسواه. وقد برز من بينهم خاصة يوري تينيانوف Juri Tynyanov الذي عني بمشكلة تطور الأجناس الأدبية، واقترح «قانون الأضداد» Law of Contrast ناظماً لهذا التطور، ويان موكاروفسكي Jan Mukarjovsky الذي تناول الأجناس الأدبية من وجهة تمييز أقامه بين الحواري dialogic والمناجاتي monologic، ودرس مشكلة التطور الذي تخضع له هذه الأجناس دراسة خاصة، وتزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov الذي قدم دفاعاً مجيداً عن نظرية الأجناس الأدبية من منطلق بنيوي مؤكداً فكرة الصراع في تطور الأجناس الأدبية، ولاسيما عندما يثور العمل الأدبي الجاد على المعايير القائمة للأجناس الأدبية ويعدلها في ثورته هذه على نحو يطول الأجناس ذاتها.
وعلى الرغم من أهمية من تقدم ذكرهم في تاريخ الأجناس في القرن العشرين فإن نورثروب فراي Northrop Frayeوحده الذي ينهض قمة شامخة تطمح إلى هدف لايقل عن متابعة ما بدأه أرسطو نفسه. ذلك أن فراي يعتقد، كما يشير إلى ذلك صراحة في كتابه «تشريح النقد» Anatomy of Criticisim (1957)، أن نظرية الأجناس الأدبية لم تبارح النقطة التي بلغها أرسطو. ومن هنا كان إسهامه في تطوير هذه النظرية أصيلاً وخلافياً إلى درجة لم يبلغها مُنظر آخر منذ أرسطو. وربما كان ذلك أمراً طبيعياً بعد أن أسند إلى الناقد مهمة استكشاف النظام الأدبي وشرحه. فعلى سبيل المثال اقترح فراي تصنيف الأدب تبعاً لأنماطه أو صيغه modes وهذه فكرة مطورة عن فكرة موضوع المحاكاة لدى أرسطو، كما اقترح مقولة أخرى لتصنيف الأدب استعارها من اليونانية، وهي الكلمة نفسها التي استخدمها أرسطو للإشارة إلى العقدة من النمط الأولي وهذه هي الـ «mythos». ورأى أن العقدة من النمط الأولي أوسع وأسبق من الأشكال الأدبية العادية، وميز أربعاً منها يتطابق كل منها مع فصل من فصول السنة. أما ما يعرف بطريقة المحاكاة، فقد عمد فراي إلى إعادة تعريفها وسماها بالجنس genre وبيَّن أن الأجناس بهذا المعنى داخلية intrinsic وأساسية في الأعمال المعنية، فالمسرحية وإن طبعت ولم تمثل، تظل تخلص للجنس ذاته، وكذا الشأن في الملحمة التي تحتفظ بأعراف الإلقاء وإن لم يتم إلقاؤها. والقصة التي تتبع جنس الصفحة المطبوعة. والحقيقة أن عمل فراي، الذي امتد ما يقرب من أربعة عقود، على درجة من التعقيد والدقة والأهمية والتأثير الواسع والغني يصعب معها اختزاله في حيّز محدود، ولاسيما أنه لايزال يشارك على نحو فعال في ميدان النقد ونظرية الأدب حتى اليوم.
والخلاصة أن المنظور التاريخي لنظرية الأجناس الأدبية قد بيّن أنها مقولة باقية بقاء الأدب نفسه، ذلك الفيض المستمر، وإن أي عمل أدبي، مهما كان موقفه من الأجناس القائمة في التقليد الذي ينتمي إليه، لايستطيع أن يقطع صلته بها. ذلك أن الأجناس، على حد تعبير تزفيتان تودوروف، هي بالتحديد نقاط الأبدال relay - points التي يُعاود فيها العمل [الأدبي] الصلة بعالم الأدب.
المصادر
________
1-فن الشعر –ارسطو-185
2- تشريح النقد –نورثروب فراي- محمد عصفور-ص43
3- الادب والدلالة- تزفيتان تودوروف- محمد نديم خشفة-ص54
4- حوار عن الشعر-فريدريش شيلغل-سعيد محمود-ص26
4-الشكلانية الروسية - يوري تينيانوف – ص14





Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
6 juillet 2011 3 06 /07 /juillet /2011 16:29
الأسس الجمالية في الرواية .. الكليّة الموضوعيّة والنمط
 

بقلم: صباح علي الشاهر

كلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما اتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. الكليّة في العمل الفني عالم وهمي، المقصود بالوهمي هنا مُتخيّل، قائم بذاته، إنها صيرورة مُستحدثة، ومبتدعه، تتميز بكونها ذات خاصية جمالية، إنها ليست كليّة بغنى الواقع، ولن تكون، كذب وادعاء الزعم بأن الكلية الفنية ذات الخصوصيّة، يمكن أن تكون أغنى وأعمق وأشمل من الواقع . القول بهذا ليس سوى هراء، إذ يظل الواقع أغنى وأعمق وأشمل من أي إبتداع، ولا يُطلب من الكلية ذات الخصوصيّة الفنيّة عكس الشمول والغنى المتنوع في الواقع، لأن هذا مستحيل، لكنها ينبغي أن تدل عليه وتُوحي به، وتستلهِمه، وإلا أصبحت مُجرد عبث ومضيّعة للجهد والوقت. ترتبط

الكلية مع النمط الذي هو الوحدة الجدليّة للخاص والعام، الفردي والشامل، الزائل والأزلي، بحيث يشكل هذا الإرتباط وحدة لا تنفصم في جماليّات كلاسيكيّات الماركسيّة، والمجال الخاص الذي يخلق النمطي هو الجوهر البنائي في هذه الجماليّات، إن النمطيّة التي هي مجال الفن الخاص ليست فقط مُتعلقة بالشخصيّات النمطيّة، وإنما بالظروف النمطيّة والأحوال النمطيّة أيضاً، ومن هنا يمكننا القول أن التعريف الذي قدمه إنجلز للواقعية من كونها (التصوير الصادق لشخصيات نمطيّة في ظروف نمطيّة) إنما هو تعريف للعمل الفني برمته من وجهة الماديّة الديالكتيكيّة، ولا يقتصر على العمل الروائي ، ولا على الأدب حتى. في تعريف إنجلز السالف يتحول الواقع الموضوعي من واقع ملموس (الكليّة التأريخيّة الإجتماعيّة)، وهي مادة العمل الفني الخام، إلى تجريد، (إلى شخصيّات وأوضاع) نمطيّة، إلى الوجود الفني الذي هو بمعنى من المعاني عرض تمثيلي ومجازي رمزي. وبمعنى آخر فإن المضمون، الذي هو الواقع، قد انتقل من المستوى الحياتي، الإجتماعي التأريخي، إلى مستوى الفن. لا يؤخذ الفرد في الظاهرة الإجتماعيّة كما هو في الواقع دونما ربط بالماهيّة الإنسانيّة الكليّة، التي هي في أحسن الأحوال مجرد تعميم. هذا الربط العضوي، البالغ الرهافة والشفافيّة، وهذا التناغم الفريد، والتماهي العذب بين الظاهرة والماهيّة هو الذي يمنح العمل الفني المنجز الخلود، بحيث يتخطّى الزمان والمكان، وهو بالذات ما يمنح العمل الفني خصوصيته وتجاوزه. يتحقق النمطي في العمل الفني من خلال العمل في مجال الخاص، والمقصود بالمجال الخاص، المجال الذي يتوسط الفردي من ناحية والكلي من ناحية أخرى، ففي كل إنسان مثلما في كل شيء، ماهو خاص وما هو عام، ماهو كلي وما هو فردي، وعبر التمازج العذب الصعب بين ما هو خاص وعام، فردي وكلي يخلق النمط الذي يتجاوز زمانه ومكانه، ويمنح العمل الفني ما يُسمى بالخلود، ذلك لأن النمطي يصور الكلي والفردي، الثابت والمتحوّل، الذي يبقى ما بقي الإنسان والزائل. إن الشخصيّة على مستوى الواقع شخصية فردية، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، تتحرك في ظروف نمطيّة، وتتعايش وتتصارع مع شخصيات أخرى، هي أيضاً ليست شخصيات فرديّة وإنما نمطيّة. وهكذا فإن الشكل الذي ينبع من المضمون هو في نهاية المطاف الذي يخلق العمل الفني كعالم وهمي مستقل، يثير المتعة الجماليّة ويقدم معرفة فريدة، ويتيح للمنجز الفني أن يتجاوز زمانه ومكانه، أي أنه يتجاوز الكليّة الإجتماعيّة التأريخيّة التي عمل في ظلها ومن خلالها. الشخصيّة على مستوى الواقع شخصيّة فرديّة، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، والظروف على مستوى الواقع تأريخيّة وإجتماعيّة، لكنها على مستوى الشكل الفني ظروف نمطيّة، لا يمكن تفسيرها كلياً في ظروف إجتماعيّة تأريخيّة خاصة ومحددة تماماً، دون النظر إلى الخصوصيةّ التي يتمتع بها الفن، ودون الإنتباه إلى أننا أمام عالم فني، وهمي، ومستقل. إن الواقع الإجتماعي والشخصيّة الفرديّة هما المضمون، لكن الشكل الذي يكون المضمون موضوعه هو الذي يخلق العالم الفني في نهاية المطاف. ما يثير المتعة الجماليّة هو بالتحديد هذا الترابط السحري بين الشكل والمضمون، ومن هنا عناية الروائي فائقة الحد بالشكل وتقنياته، والذي لا يمكن بأية حال من الأحوال فصله عن إهتمامه بالمضمون بكل عمقه وتنوعه. إهتمام الروائي بالشكل والتكنيك الروائي لا يمكن فصله عن اهتمامه بالمضمون الغني، بالحياة الثرّة المعقدة، وكلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما إتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. يقول جان فريفيل: « إن لغة الأثر الأدبي وأسلوبه وتركيبه وطابعه الجمالي تتحدد بمضونه أي بالتصور الذي يكونه الفنان عن الواقع، وبالتجربة التي يمتلكها، وبالأيدلوجيا التي يعبر عنها. وفي الحقب التي يدرك فيها التطور أوجه، ويصل الفن إلى ذروة إمتلائه، يؤلف الشكل والمضمون كلا متناغماً لا فصام فيه، ومتى ما رجحت كفة المضمون على الشكل، ومتى ما أنفصل الشكل عن المضمون، يسعنا الجزم بدون أن نجازف بالخطأ بأن المجتمع يمر بفترة ولادة أو إنحلال ». وبعيداً عن أية محاولة مبتسرة للفصل بين الشكل والمضمون، يمكن القول إن الشكل محافظ، والمضمون ثوري، باعتبار أن الأشكال تميل إلى الثبات والمحافظة، إلا أنه عندما تطرأ مضامين جديدة فإنها تُفجّر الأشكال القديمة وتصل بها إلى أشكال جديدة تلتحم معها فتشكل كلا لاينفصل، ولكن إلى حين، حيث يستمر المضمون المتغير بتفجير الأشكال وفق عمليّة إرتقائيّة متواصلة، لذا فإن البحث بتطوير وتجديد الأشكال وتقنياتها أمر لا مناص منه بالنسبة للمبدع الذي يتلبسه هاجس عكس العالم والتعبير عنه فنيّاً. من الصعب جدا، لا بل من المتعذر تجاهل العلاقة المتينة بين الشكل الروائي والبيئة الإجتماعية التي إنبثق هذا الشكل وتطور من داخلها محاولاً تمثلها والتعبير عنها. إن العلاقة بين الرواية كجنس أدبي والمجتمع الذي طغت فيه الفردانيّة علاقة متينة لايمكن إغفالها أو التقليل من شأنها، فتعقد المجتمع وتعقد علاقاته ينعكس على الشكل الروائي الذي أصبح بالغ التعقيد أيضاً. إن الناس في ظل الرأسمالية يعيشون حياة معقدة بما فيه الكفاية، ويمكن القول أن هذا التعقيد في الحياة الإجتماعيّة لا يقتصر على البلدان الرأسماليّة المتطوّرة، التي مدّت نمط حياتها إلى العالم كله مشيعة عبر مختلف الوسائل قيمها، ولعل تأثيرات هذا على البلدان الأقل تطوراً ستكون أكثر هولاً وتدميراً للإنسان. في المجتمعات المبنيّة على الربح المادي الملموس والمنظور يكون الناس مرغمين على البحث عن قيمة حقيقيّة، حيث إن هناك العديد من الأمور التشويشيّة المبتدعة بكل حذق تؤثر تأثيراً أخذ يتصاعد بإستمرارعلى ذوق المستهلك، ويخلق حاجات واقعيّة ووهميّة غالباً، إن تأثير الدعاية والإعلان والمودة، ومايسمى بالبضاعة الديزاينر، وأجهزة الإعلام المتطورة بشكل مذهل بالغ الأهميّة في خلق الوهم والخديعة واللهاث وراء مالا يشبع حاجة روحيّة، إنسانيّة حقيقيّة، الحاجات تُبتدع وتخلّق، لا من حيث تلبيتها لرغبة إنسانيّة محددة، وإنما بسبب شطارة المعلن وتكثيف الكذب والخديعة والنصب والإستغفال، هذه جرائم حقيقية ترتكب بحق الشعوب، تحت بصر القانون وحمايته. لم يعد العمل محبوباً لذاته، ولم يعد كما كان يقول ماركس خالق الإنسان. لقد تغرّب الإنسان عن عمله، وبات العمل قيد وعبوديّة. لم يعد العمل مكرساً لتلبيّة حاجات إنسانيّة ماديّة وروحيّة، وإنما أصبح مكرساً من أجل السوق، الذي لم تعد الحاجات الإنسانيّة الفعليّة تتحكم به، وإنما التشويش وبيع الوهم عبر أساليب بالغة التعقيد والحداثة. يمكن فهم أبعاد ما نرمي إليه من معرفة أن بعض الشركات والمؤسسات تنفق ثلث إنفاقها العام على الدعاية والإعلان. إن الدعاية والإعلان تغتال الخيار الإنساني الحر، عبر خلق خيارات مخادعة يبتدعها دهاقنة فن الإعلان. إن التشويش يطرد الفن، وبالتالي يطرد الإنسان. إن المجتمع الرأسمالي يخلق أفراداً إشكاليين، ومن هنا يأتي الشكل الشديد التعقيد الذي عليه الرواية. ذلك لأن التعقيد هذا هو الواقع الذي يحيا فيه الناس كل يوم، عندما يكونون مرغمين على البحث عن كل قيمة إستعمال وفق نموذج منحط يتوسط الكميّة وقيمة التبادل في مجتمع لا يمكن لكل جهد من أجل أن يتجه نحو قيمة الإستعمال إلا أن ينتج أفرادا إشكاليين.

ميدل ايست أونلاين

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
7 décembre 2010 2 07 /12 /décembre /2010 13:10

خرائط التجريب الروائي

 

د.محمد أمنصور

القســـــم الأول:

(قضايا نظـرية  )

مفاهيــم التجريب الروائي في المغـرب

رصد ومسـاءلـة

 

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم صورة عن سيرورة تكون وعي الكتاب المغاربة لمفهوم وإشكالية التجريب، وهو المصطلح الذي سيعرف الشيوع في عقد الثمانينات بشكل مميز. وحيث يهمنا التركيز - بصفة خاصة - على محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو بصفة أدق؛ سيرورة تطور مفاهيم التجريب في الحقل الروائي، فإننا سنعمل على ربط نشأة المفهوم وتبلور دلالته الاصطلاحية بمسيرة نمو المشروع الروائي المغربي، وهي العلاقة الجدلية التي تجعل من مستويات الوعي بالتجريب عبارة عن تجليات لما يحققه التراكم الروائي على صعيد التحقق النصي.

  (1-1) إن الإرهاصات الأولية لظهور النزوع التجريبي في الرواية المغربية المعاصرة، ستسجل في منتصف السبعينات، أي مع صدور روايتي «حاجز الثلج» لسعيد علوش عام 1974، و«زمن بين الولادة والحلم» لأحمد المديني عام 1976. وإذا استحضرنا بعض محددات تلك المرحلة السوسيو-تاريخية فإننا نستطيع أن نوجزها في:

- بوادر الإخفاق السياسي لما سمي بالقوى التقدمية (اليسار الماركسي اللينيني).

- زمن المسيرة الخضراء وبداية المسلسل الديموقراطي وما سيواكبهما من شعارات الإجماع الوطني والوحدة الترابية والمغرب الجديد. وهي المرحلة التي نوجز ملامحها مع الناقد عبد الحميد عقار في قوله:

«إنها مرحلة تثبيت مشروعية المؤسسات بنزع الطابع الصوري عنها، بما أنها، أو هكذا يراد لها أن تكون، المجال الرئيسي والمشروع لممارسة الصراع والاختلاف»[1].

ستظهر إذن رواية المديني الأولى في فترة تحول ومرور أو عبور من زمن المواجهات الخفية والمعلنة إلى زمن تقنين أشكال المواجهة وإعادة النظر في أساليبها. وفي البداية سيواجه النص بالصمت والتجاهل، إلى أن يفتض ذلك الصمت أحد أبرز فرسان حلبة النقد في تلك المرحلة (إبراهيم) الخطيب الذي سيقول عن «زمن بين الولادة والحلم»:

«في الوقت الذي يظهر الروائي المغربي ارتباطه بشكل الرواية الواقعية القائمة على قواعد التخييل الممكنة، يتجه أحمد المديني بعمله الروائي إلى إرباك تلك الخطى التي لم يكتمل بناؤها بعد، وهكذا وظف كتابته لخدمة تأملات نظرية في صياغة الرواية لا تزال في طور التجريب حتى بالنسبة للبلدان الأوروبية الأكثر تقدما. ويمكن القول إن المديني يعبر عن تلك العلاقة المتوترة فيما بين المثقف الجامعي والمبدع الذي لازالت كتابته مجرد مشروع، لكنه، مع ذلك، يتوفر على دلالة الرغبة في تجاوز الأبنية المتخيلة القارة، وربما كان يعتقد أن استبدال صفة التخييل، بخلق معادل كلامي أمر ضروري في الوقت الراهن. لكن، يبدو أنه من البديهي التساؤل: كيف يمكن التعبير عن ''نظام الأشياء'' بواسطة ''فوضى الكتابة''. وإنه لأمر دال الصمت المطبق الذي ثصادفه ظهور الرواية. غير أن الروائي يستطيع أن يعتبر ذلك ظاهرة مشجعة: أليست تلك

وضعية كل ''كتابة جديدة''»[2].

لقد كتب إبراهيم الخطيب هذا الكلام في ضوء النقود السلبية - أيضا - التي حاولت التصدي لهذا المولود الغريب والطارئ على أفق انتظار الساحة الأدبية (نجيب العوفي / إدريس الناقوري / أحمد الحلو... إلخ.) أما الجديد في ملاحظات الخطيب، فيتمثل في انتباهه إلى القلب الاستراتيجي الذي حمله معه النص لسؤال الأدب والوعي به في الخمسينات والستينات والسبعينات، وهو قلب يعدل من صيغة: كيف يمكن السيطرة على فوضى الأشياء (أو الصراع الطبقي بمعنى آخر) بواسطة نظام الكتابة، إلى صيغة: كيف يمكن التعبير عن «نظام الأشياء» بواسطة فوضى الكتابة؟ فهذا النص الذي حمل معه قضايا جديدة مثل: مسألة الميثاق الروائي المبرم، وسؤال التقليد أو الاستيلاب، وسؤال اللغة الروائية، ومسألة الغموض في الكتابة... إلخ.، سيعيد تحديد قضية الكتابة الروائية، أو على الأقل، سيقلب موقع وزاوية النظر إليها، بحيث سيرغم التلقي على الالتفات إلى ما يمكن أن يطرأ على النص - قبل الواقع - من تغيير وخلخلة على صعيد ما يسمى بقواعد الجنس الروائي والتي حاولت النصوص السابقة لروايتي علوش والمديني تمثلها ومحاكاتها لتأصيل قالب روائي عربي. لقد كانت مرحلة السبعينات مهووسة بالبحث في إشكالية العلاقة بين الأدب والواقع، وإشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون، وإشكالية العلاقة بين الذات والموضوع... إلخ. وكان لابد من انتظار تحولات كثيرة على صعيد التاريخ والواقع وسيرورة المثاقفة، لكي تبزغ مع الثمانينات موجة البنيويات والشعريات التي يتم فيها تحجيم أو تغييب المرجع الخارج - نصي لصالح مكونات النص الروائي والأدبي عموما. وهو العقد الذي ستتراكم فيه عدة نصوص من طراز «زمن بين الولادة والحلم».

(2-1) وللوقوف على مستويات تقبل التجريب مفهوما وممارسة أدبية، نستعرض نماذج من آراء بعض رموز الحقل الثقافي السبعيني لتأمل كيفية أو طبيعة تعامل هؤلاء النقاد والمبدعين مع هذه الظاهرة الجديدة المسماة التجريب.

يقول عبد الكريم غلاب في شهادة سابقة له حول أزمة الرواية المغربية، وهي مثبتة في أحد أعداد مجلة آفاق التي يصدرها اتحاد كتاب المغرب:

«إن الرواية المغربية تجتاز ''أزمة نمو'' وليست أزمة إحباط. تتلخص الأزمة في أن معظم روادها (من ورد الحوض وليس من الرائد) يعيشون تحت الرعب. هناك شيء إسمه ''الإرهاب النقدي'' - معذرة للمبالغة في استعمال الكلمة - ولذلك فهم يلجأون إلى التستر، علهم لا يغضبون ''الإرهاب'' ومن هنا جاءت موضة ''التجريب''. من المهم أن يجرب المحاول. ولكننا نحن القراء لا نريد أن نعيش تحت طائلة التجريب، فكل من جرب يقدم لنا تجربة لنقرأها على أنها تجربة «وتعلموا يالحجامة في رؤوس اليتامى». أفهم طبعا البعد الفني للتجريب ولكنني مع ذلك أحب أن يثق الكاتب في نفسه (...) قد تكون مرحلة التجريب طبيعية أيضا في فن ما يزال في عمر الورد، ولكن حينما يصبح التجريب هو الهدف، سننتظر طويلا حتى يتحرر الكتاب الشباب من ''الإرهاب'' لينطلقوا في الإبداع بقوة الواثق في نفسه وفنه»[3].

من خلال هذا النص الذي لا نعزله عن سياقه والمرحلة التي أنتجه فيها صاحبه، يتضح أن فهم غلاب للتجريب لم يكن يخرج عن حدود الفهم القاموسي - اللفظي لمفردة التجريب. فالتجريب عنده مصدر مشتق من فعل جرَّب يجرب تجريبا، أي حاول فعل أو إنجاز فعل ما، وهو حد قاموسي مبسط، يمكن أن نقول عنه الآن إنه يسقط مفهوم التجريب في التعويم والميوعة. وهنا، لا يمكن تجاهل ما لدور الموقع الحزبي والإيديولوجي لغلاب من تأثير في تحديد مفهومه (أو فهمه) الخاص للتجريب. لذلك فإن الخلفية الإيديولوجية، والسقف السلفي - الوطني لتلك الخلفية، والانتماء الجيلي، كلها عوامل تجعل من رجل مثل غلاب لا يجد حرجا في الحكم على نقاد «الواقعية» الماركسيين بالإرهابيين! بحيث يغدو التجريب في هذا الطرح مجرد رد فعل تجاه الرعب الناتج عن (الإرهاب النقدي)، ومجرد (موضة) طارئة ستزول بزوال أسبابها. بل مجرد (مرحلة) وصيغة للتستر. وبالنسبة لنا، فإننا نضع هذا المفهوم الكلاسي للتجريب ضمن خانة الموقف السلفي المفتقر إلى أية خلفية فنية - معرفية، والوفي - بالدرجة الأولى- لسلط المتعاليات (السلفية والوطنية) التي تسنده.

(3-1) المفهوم الثاني الذي نورده، يندرج ضمن خانة الموقف الماركسي من التجريب، ونستخلصه من كتاب «جدل القراءة» للناقد نجيب العوفي، حيث يقول:

«ونحن نعتقد بأن الإيديولوجية الضمنية الكامنة في صلب التجريب الحداثوي في المغرب كما في بعض الأقطار العربية، هي إيديولوجية القلق واليأس والميلانخوليا، نتيجة العجز عن المواجهة والجلد والصمود، نتيجة ضيق النفس وعدم السيطرة على الواقع سيطرة معرفية وإيديولوجية ووجدانية ونضالية عميقة، بعد تجربة النهضة والسقوط الطويلة، ومن ثم يكون الخروج من الحلقة المفرغة ومن عنق الزجاجة، كما يبدو خروجا وهميا ونرجسيا يكرس لنا، في التحليل النهائي ظاهرة الثقافقراطية (كذا) على أنقاض الثقافة العضوية، ويقدم لأعدائنا الطبقيين والتاريخيين خدمة مجانية مغلفة بحسن النوايا»[4].

ورغم أن هذا الفهم ''الماركسي'' للتجريب يصدر عن منظومة مرجعية مختلفة نوعيا عن منظومة عبد الكريم غلاب، إلا أنه لا يختلف في الجوهر عن موقف غلاب من التجريب في الجوهر، فهو ينطوي على فهم سلبي لا يخفي رفضه للظاهرة ككل، بل إنه ينطوي على منظور متناقض يرفض خطاب الحداثة الميتافيزيقي باعتباره ضربا من الاستلاب وتكريس ما يسميه بـ «ظاهرة الثقافة البيروقراطية على أنقاض الثقافة العضوية» في الوقت الذي يستمد من الغرب ما تتيحه المنظومة المرجعية للماركسية من جهاز مفاهيمي يفكر به ويعتمده أساسا في الحكم والرفض والتصدي لخطاب »التجريب الحداثوي»!

ومن وجهة نظرنا، فإن الموقف الثاني من التجريب يطابق الموقف السلفي من حيث الاستيعاب النظري للظاهرة. فوهم الطليعية لا يحرره من أسر النظرة التقليدية المناهضة لما هو منفلت عن التنميط والقولبة. لذلك يمكن القول إن التعريف الماركسي للتجريب من خلال نموذج العوفي، للتجريب هو تعريف مضموني أيضا، لا يعير اهتماما لسؤال الشكل الروائي، وذلك راجع من جهة، لشروط المرحلة، ومن جهة أخرى للحدود التي كان قد بلغها الاستيعاب النقدي لنظرية الأدب. ولو شئنا أن نقارن بين الموقف السلفي والموقف الماركسي من التجريب، لأمكننا القول بأن الموقف الأول، ربما كان أكثر انسجاما مع نفسه من هذا الموقف الذي يأخذ من الغرب الماركسية ويرفض في الآن نفسه خطابه في الحداثة خوفا من الاستيلاب، وكأن الماركسية تحمل في أحشائها كثقافة ونظرية ومنهج مناعة للمستلبين من عدواها!؟

(4-1) والموقف الثالث من التجريب، نرصده من خلال نموذج مستقى من رسالة جامعية للباحث حميد لحميداني، وهو الموقف الذي يقودنا إلى ما نصطلح على تسميته بـ: المفهوم السوسيولوجي للتجريب. يقول لحميداني عن «زمن بين الولادة والحلم»، إنها رواية تعبر:

«عن معاناة الجيل الجديد وعن أزمة البورجوازية الصغيرة المولعة بالتجريب، والباحثة عن قيم بديلة في عالم مهترئ، تتخلص بدورها من التقنيات القديمة، وترتاد عالما روائيا بديلا أيضا يخلق مقاييسه التي تتلاءم مع التعبير عن المضامين المتولدة في الظروف الجديدة»[5].

وفي سياق آخر من الدراسة يذهب إلى أن:

«العلاقات الاجتماعية الشائكة تخلق بالضرورة أشكالا أدبية مطابقة لها. ففي الوقت الذي يفقد فيه الإنسان أي مجال للتصالح مع واقعه تختل كل القيم بما فيها قيم الزمان والمكان. ورواية «زمن بين الولادة والحلم» تعبر بشكل واضح عن هذا الاختلال. فمن حيث التحديد المكاني نرى أن الرواية، وقد خلت من الحدث بالمفهوم الروائي الكلاسيكي، تخلصت من ضرورة وصف الإطار المكاني المحدد»[6].

وأول ملاحظة يمكن تسجيلها على هذا التعاطي لنص تجريبي فوضوي، هي محاولة صاحبه إخضاع «زمن بين الولادة والحلم» لمنهج (البنيوية التكوينية)، مما يعني، التعامل مع جوانب «الاختلال» فيه من منظور إيجابي. وهي نقلة نوعية على صعيد الوعي النقدي بالتحقق النصي لمشروع التجريب، حيث ينتقل البحث من مستوى التلقي السلبي الرافض أو المستهجن لخروقات هذا اللون من الكتابة إلى مستوى الإقرار بقابليتها للفهم والتفسير في ضوء منطلقات منهج يتعاطى للنص بما هو موضوع علمي قابل للبناء المنهجي. ففوضى الكتابة - كما يقول إبراهيم الخطيب - تفهم وتفسر كبنية دالة متماسكة تندرج ضمن بنية إيديولوجية تدخل في علاقات وظيفية مع طبقة أو فئة اجتماعية تبحث عن وظيفة داخل المجتمع.

إن مقاربة (التجريب) ضمن هذا المنظور المنهجي «الغولدماني» تقفز على ثغرات القراءة الإيديولوجية البحتة التي حصرت اختياراتها وأحكامها في حدود النظرة الضيقة لـ «نظرية الانعكاس»، فاكتفت بالتركيز على العلاقة بين مضمون الوعي الجمعي ومضمون العمل الأدبي على أساس الانعكاس الآلي؛ بينما ينقل مبدأ التماثل البنائي (L’homologie structurale  ) تلك العلاقة إلى مستوى التماثل بين البنى الذهنية التي تشكل الوعي الجمعي والبنى الشكلية والجمالية التي تشكل العمل الأدبي، وهذا ما يميز «السوسيولوجيا الجدلية» عن «سوسيولوجيا المضمون» كما تم تمثلها لدى نقاد السبعينات.

(1-2) وبانتقالنا إلى عقد الثمانينات، سيكون مفهوم وإشكالية التجريب قد عرفا انتشارا وتبلورا واضحين على صعيد التراكم الروائي والوعي النقدي الموازي له. هذا رغم محدودية الإنتاج الروائي - بصفة عامة - بل إن الحقل الثقافي الوطني سيكرس التجريب كمشترك بنيوي بين عدة أجناس وحقول فنية من تشكيل ومسرح وقصة قصيرة ورواية... إلخ. ومن هذه الزاوية، فنحن نعتبر صدور كتاب سعيد يقطين المعنون بـ «القراءة والتجربة» عام 1985 علامة فارقة في تاريخ تشكل الوعي بالتجريب، وهو الكتاب الذي حاول فيه صاحبه أن يحلل نصوصا تجريبية بمرونة منهجية تنم عن تقدير لخصوصية النصوص موضوع التحليل. وعن مفهوم التجريب، يقول يقطين:

«إن "الإفراط'' في ممارسة التجاوز هو ما تتم تسميته عادة بـ ''التجريب''، وهي التسمية التي تكرر الحديث عنها في أواسط السبعينات في مناقشات قصص التازي والمديني وفي الندوات التي كانت تقام على هامش بعض المعارض التشكيلية، أو بعض العروض المسرحية كالتي كان ينجزها مسرح الهواة وبالأخص مع تجربة محمد تيمد»[7].

(2-2) وللوقوف على المناخ الجديد الذي صار مفهوم / إشكالية التجريب عنوانا له، نستعرض عدة تعريفات يقدمها بعض رموز الحقل الثقافي الفني والأدبي في المغرب للتجريب. وهي تعريفات تَطَالُ المسرح والشعر والقصة القصيرة والنقد الروائي، ومن خلالها سيتبين لنا النضج والتبلور الذي بلغه الوعي بالتجريب مفهوما وممارسة. ونبدأ بتعريف الأستاذ محمد الكغاط، الذي يتحدث عن مستويين من التجريب:

أ - تجريب عام.

ب - تجريب خاص.

يقول الكغاط:

«وأقصد بالتجريب العام لتلك المحاولات التي تمت عبر التاريخ المسرحي من اسخيلوس إلى بداية هذا القرن. وهو تجريب كان يتم بطريقة تلقائية، إذ أن كل مبدع يحاول في عمله اللاحق أن يضيف جديدا إلى عمله السابق (...) أما التجريب الخاص، فهو العمل الذي تقوم به مجموعة معينة، وهي تسعى نحو البحث عن صيغ جديدة في تعاملها مع النص الدرامي ومع النص السينوغرافي ومع الممثل ومع الجمهور، بل ومع مكان العرض (قاعة المسرح) ومع كل مكونات العرض المسرحي (...) وتتواصل خطوات التجريب في أعمالها اللاحقة دون أن يكون لها هدف يتوخى الوصول إلى صيغة قارة أو شبه قارة. إن التجريب بهذا المعنى كالسؤال الفلسفي لا يتولد عنه إلا سؤال جديد. إن التجريب، في الفن بصفة عامة، وفي المسرح بصفة خاصة، عبارة عن اقتراحات في مجالات الإبداع المختلفة، اقتراحات يقصد بها خلخلة ما هو سائد من أجل فتح آفاق جديدة، وإثارة أسئلة جديدة،والبحث عن صيغ جديدة للخطاب والتواصل»[8].

أما في مجال الشعر، فنقرأ التعريف الذي يقدمه الشاعر محمد السرغيني للتجريب حيث يرى أن:

«التجريب أساسا هو أن يخرج المجرب عن حدود القاعدة المشاعة انطلاقا منها (...) هو أن ينطلق الشاعر من القاعدة العامة المألوفة. التجريب هو محاولة تجاوز القواعد السائدة انطلاقا من هذه القواعد نفسها (...) التجريب هو محاولة للخروج من الدوران في الفراغ، خاصة بعد أن أحس الشعراء بأن العصر هو عصر الرواية وليس عصر الشعر. لذلك يجب أن تضبط مواصفاته على كل المستويات (...) والتجريب الذي يمكن أن يصبح قاعدة هو الذي يكون مصحوبا بقناعة ذاتية»[9].

وفي مجال القصة القصيرة، نستشهد بتعريف للروائي والقاص والناقد محمد براة، حيث يقول:

«إن التجريب» لا يعني الخروج على المألوف بطريقة اعتباطية. ولا اقتباس وصفات وأشكال جربها آخرون في سياق مغاير. إن التجريب يقتضي الوعي بالتجريب أي توفر الكاتب على معرفة الأسس النظرية لتجارب الآخرين وتوفره على أسئلته الخاصة التي يسعى إلى صياغتها صوغا فنيا يستجيب لسياقه الثقافي ورؤيته للعالم. هذا الوعي بالتجريب يضمن للكاتب أن يتعامل تعاملا خلاقا مع حصيلة الإنتاجات القصصية سواء انتمت إلى التراث إو إلى الذخيرة العالمية الحديثة. ومن ثم، فإن محاورة النصوص الأخرى والتفاعل معها بل والاستفادة من منجزاتها الفنية تصبح مختصبة ومولدة لأشكال جديدة أو قديمة أو حديثة، في صوغ مضامين ورؤيات مغايرة»[10].

ونصل إلى محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو مفهوم التجريب في الوعـي النقدي الروائي. ولعلنا لن نجد تعريفا أنضـج من ذلك الذي قدمه الناقد عبد الحميد عقار الذي يذهب إلى أن:

«قانون التجريب، باعتباره سلسلة من التقنيات ووجهات النظر عن العالم، تسعى إلى تجاوز الفهم القائم وإلى وضعه موضع تشكيك وتساؤل. وهكذا تتحدد الرواية بكونها إجابة معطاة من الذات على وضعها في المجتمع، هذه الإجابة يجسدها عادة المتكلم داخل الرواية ساردا كان أو شخصا، من خلال ما يحكيه أو يعيشه، ومن خلال طرائق تقديمه لذلك المحكي أو المعيش»[11].

محاولة في التركيـــب:

(1-3) من خلال التعريفات السابقة، الممتدة في الزمن بين عقدين، يتضح كيف أن مفاهيم التجريب الروائي قد عرفت سيرورة تكون وتطور على صعيد وعي الكتاب المغاربة. فمن النشأة المتعثرة على صعيد التحقق النصي والوعي النقدي الموازي له، إلى الانتشار، فالتشارك البنيوي على صعيد مكونات الحقل الأدبي-الفني الوطني. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن عشرية الثمانينات هي حقل التجريب بامتياز، وعلى صعيد الرواية والخطاب النقدي الموازي لها يمكن القول بأن الثمانينات سجلت مرحلة التحول من التجريب التلقائي مع «حاجز الثلج» و«زمن بين الولادة والحلم» إلى التجريب الواعي باستراتيجياته مع أعمال كل من عز الدين التازي وأحمد المديني ومبارك ربيع وعبد الله العروي والميلودي شغموم ومحمد برادة ومحمد الهرادي وغيرهم. فمع هذه الكوكبة من الروائيين المغاربة، ستنتقل الرواية إلى مرحلة البحث عن إمكانيات جديدة في مستويات التقنية والرؤية، وهو بحث معرفي وفني وإيديولوجي يستهدف الخلخلة وتجاوز القواعد السائدة المترسبة عن التقاليد وقيم الثقافة التقليدية.

إذن؛ مع تراكم النصوص الروائية التجريبية، سينهض التجريب الروائي في المغرب كمشروع له منطقه الخاص وأسسه الجمالية واحتمالاته اللانهائية، ومن تلك الأسس: رهان السؤال والمساءلة، وخيار الانفتاح والحوارية وفقَ مبدأ القناعة الذاتية التي تؤهل الرغبة للتلاؤم مع الحاجة الثقافية والشرط السوسيوتاريخي. إنه «المجرى المتحول» كما يقول الناقد سعيد يقطين في كتابه الرائد، وهو مجرى ينقل الحقل الثقافي الوطني:

«- من الفيلولوجيا الأدبية إلى أركيولوجيا المعرفة.

- من الثابت والجاهز إلى المتحول والممكن.

- من المطلق إلى النسبي.

- من الجواب العارف بكل شيء إلى السؤال المطروح بصدد كل شيء»[12].

غير أن انطلاق هذا المجرى المتحول في اتجاه إيجابي لا يحول دون طرح مجموعة من الأسئلة بصدد التجريب الروائي في إنجاز تراكماته النظرية والإبداعية متجاوزا مرحلة الوعي الجنيني، وأهم الأسئلة يمكن طرحها على الشكل التالي:

أ) كيف يتجنب التجريب الروائي - على صعيد الممارسة التخييلية - مأزق السقوط في الاختبارية التي تجعل من النص مجرد تنفيذ لأفكار مسبقة بدعوى المثاقفة أو المعاصرة أو غيرهما من الشعارات؟

ب) كيف يتم تأصيل المشروع الروائي المغربي مع معانقة أفق التجريب في الوقت نفسه، ودون التفريط في الحدود الدنيا من الثوابت الروائية الكلاسية؟

ج) ما هي حدود التجريب، وهل يكفي خرق قواعد الجنس الأدبي أو التمرد على كل أوفاق الكتابة الروائية لامتلاك شرعية الانتساب إلى مشروع التجريب؟ ألا يحتكم التجريب الروائي إلى رؤية فنية وفكرية، جمالية ومعرفية، تدعم التحقق النصي والتشكيلات التقنية في سياق الوعي النظري للمارسة الروائية؟

د) ما هو الموقف المتوازن الذي يجعل من التجريب الروائي يتجاوز دائرته التواصلية الضيقة ولا يقف عائقا أمام القارئ غير المتخصص؟ وماذا عن مسألة التواصل - بصفة عامة - ألا يعتبر المتلقي طرفا أساسيا في معادلة الكتابة التجريبية حتى يتم تهميشه فعليا؟ وهل ستظل رهانات الغموض والتعتيم والحرص على خلخلة كل الثوابت شروطا ضرورية لولوج بوابة التجريب؟ ألا يمكن مد الجسور بين التجريب الروائي ومبادئ الانسجام والوضوح والتماسك وغيرها من العناصر التشكيلية التي تحتكم في النهاية لطبيعة الرؤية التي تسند التحقق النصي؟

هـ) هل مجرد رفع شعار التجريب، أو تبني أسئلته، يؤهلان النص الروائي أو النقد الموازي له، لامتلاك القدرة على التجديد والتحديث؟ هل كل تجريب تجديد؟ وهل كل تجديد تحديث؟

و) ما مصير التجريب الروائي بعد أن يتحول إلى مجرد وصفات قابلة للاتباع والمحاكاة من طرف أي كان؟ وكيف يتم التمييز بين التجريب الكلاسي والتجريب المستقبلي؟

ز) أي أفق للتجريب في الحقل الروائي بعد انتقال أفق انتظار المتلقي إلى مراحل تجاوز المكتوب، ومعانقة مستويات أعقد على صعيد الحقلين السمعي والبصري: التجريب السينمائي مثلا؟


 

[1] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد 512، يوم 30/12/1990، ص. 17.

[2] - إبراهيم الخطيب: (الرغبة والتاريخ)، مجلة أقــلام، العدد 4، يناير 1977، السلسلة الجديدة، ص. 23.

[3] - عبد الكريم غلاب: (الرواية حياة متكاملة وهي تجتاز - بالمغرب - أزمة نمو)، مجلـة آفــاق، العدد (3-4)، 1984، ص. 104/108.

[4] - نجيب العوفي، جدل القراءة، دار النشر المغربية، البيضاء، ص. 149.

[5] - حميد لحميداني: الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، دار الثقافة، 1985، ص. 418.

[6] - المرجـع نفسـه، ص. 419.

[7] - سعيد يقطين: القـراءة والتجـربة، مطبعة النجاح الجديدة، ط. أولى، 1985، ص. 287-288.

[8] - محمد الكغاط: (التجريب ونصوص المسرح)، مجلة آفاق، العدد 3، 1989، ص. 21-22.

[9] - حوار مع محمد السرغيني: (الشعر المغربي الحديث والمعاصر: تاريخ وقضايا في ضوء الشهادة والنقد)، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، العدد: 4، 1990، ص. 17/18.

[10] - محمد برادة: (القصة القصيرة: الهوية - التجريب - الصيرورة)، دورية الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد 7 أكتوبر 1988.

[11] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد: 512-1989.

[12] - سعيد يقطيـن: مرجـع سابـق، ص. 287-288

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
2 décembre 2010 4 02 /12 /décembre /2010 22:34

أنخابُ كائنٍ في العزلة ومدونة العشق

 قراءة في أشعار نور الدين محقق


 

بقلم:عبد النور إدريس
الحوار المتمدن - العدد: 1528 - 2006 / 4 / 22
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

( تصدير:
"أحرقت لوني ولغاتي
وابتدعت من عصيّ المجيء
أحجيتي"
الشاعرة وفاء العمراني)



الابداع الذي لا يترك أثرا لا يحقق تساؤلات حول الوجود، لايعيش حداثة ما من حيث كونه لا يعمق وشيجة المعاني بين النص والقارئ.
إن النص الابداعي يخفي آليات تفكيكه عن المتلقي ويبحث باستمرار عن قارئه خارج منظومة التمثلات الواضحة التي قد تحدث انزياحات في المعنى الذي ينتجه النص لذاته.
ولا شك أن الوحدة العضوية على المستوى الدرامي للعشق والتي تنتجها الملحمة العشقية للشاعر نور الدين محقق تتجلى في دواوينه الالكترونية الثلاث المنشورة بموقع اتحاد كتاب الأنترنت العرب:
http://www.arab-ewriters.com/?action=writers&&id=137&&content=lib

1- أوراق العشق
2- كتاب الحب
3- ترجمان الأشواق
إن الانغراس في الفضاء الشعري لنور الدين محقق يفرض على القارئ نوعا من الاندماج في البنية المفهومية للصورة الشعرية ووصلة الخيال وأيقوناته داخل النص ، فلا حياة للأيقون الأخرس بهذه المدونة العشقية.
هل يمكن اعتبار أن كل واحد من الدواوين الثلاثة يبني عالمه في عزلة عن الآخر؟
هل يكتفي كل ديوان بذاته ويعمل على تجميد الوحدات الدلالية التي تربطه بالديوان الآخر؟
هل تنفتح معاني المدونة على المعاني المُحتضنة من طرف اللغة التي تفكر وتحس إحساساتها الخاصة بالموازاة مع الشاعر؟
هل يمكن اعتبار نمط الانتاج الشعري عند نور الدين محقق يتأسس على وجود خطاطة أو خلفية مُفترضة ينتجها القارئ للمدونة العشقية؟
هي الأسئلة منفتحة والقراءة هاهنا عاشقة تشتهي الأثر الأدبي وتتجاوز في هذا العشق الفرضيات الخاصة بالقراءة وتدفع بالنقد نحو " مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية" امبرطو إيكو.
يعيش "المذكر" على هامش انتشائه ب "أنت" المؤنثة .. على مشارف لغة حالمة بالواحد ضمن تعددية الآخر التي تقطن "الأنا" التي تعبر عن مركزيتها التواقة إلى تسريد المشهد الانساني شعريا.
الاهداءات أو فتح الممكنات:
ـــــــــــــــــــــــــ
يشكل الاهداء عند نور الدين محقق فتح الذات على الانسجام الداخلي للنص، حيث الإنصات إلى نفس الذات التي تحاول من أفق التخييل الخضوع لاحتمالات النص.
في ديوان ترجمان الأشواق يتم الاهداء على شكل تقديم يجمع كل الممكنات الدلالية في "مدح النساء" وينير بذلك الحقل الثقافي لكوامنه الشعرية وحصر السياقات في التصور العام لامرأة "مثال" تتداخل في انتاجها عناصر كثيرة تعلن عن وظيفتها في ذات الشاعر.
إن المتن الشعري عند نور الدين محقق يؤسس لجغرافيا عشق تستنفذه الجزئيات ويستبيحه التعميم وفق استراتيجية الشاعر العشقية حينما تستدرجه نكهة الاهداء لينسج منها أشرعة تتبدى في أثونها معالم العرض الثقافي للإهداء " لكل بنات حواء من لندن إلى صنعاء" أو عندما يقول " ولكل جميلات العالم من الدار البيضاء إلى هارلم".

أوراق العشق أو عندما يأتي الاسم جريحا :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن أسماء النساء داخل هذا الديوان تتآلف بشكل عضوي وتسرج أحصنة النداء على الأنثى لتدل على اختلاف المصدر الثقافي بين الاسم العربي (آمال، حادة ، جميلة ، عائشة ، وحيدة ، ليلى، هالة ، فريدة ، كوثر ، قطر الندى، نوار، فيروز ، يسرا) والاسم الغربي (لوليتا ، سوزان، كريستي، فرانسواز، فيرجينيا، )، بالرغم من الجذع العشقي المشترك والذي يعمل على تحريك مجال البوح ويغذي الامتلاء الشعري عند الشاعر.
يقول في قصيدة آمال:
"هل أحببتك
اليوم...
عن طريق الوهم
و تموجات الخيالْ
أم أحببت فيك
فقط.....
ثورة الأنثى
و هي تتحدى
مثل أحلى القطط"

تتعمق هنا مع الشاعر انجراحية الوحدات الكامنة في لاشعور الاسم العربي الذي لا يخون استيعابه للجهاز الأديولوجي الذي تمخضت عنه الحياة الثقافية للنساء، ففي قصيدة "حادة" يتم اسف الشاعر على أفق التوقعات الحالمة التي تنخرط فيها الأنثى لإنتاج نفس الحقول المعرفية التي ساهمت في تحميل العشق اهتراءه الدائم في اتجاه نشوة مستعصية تخرج من دائرة جسد أنثوي معتق بالصور الجاهزة عن الأنوثة وخاصة عن امرأة تتجمل على حافة السرير.
يقول الشاعر (قصيدة حادة)
"حين تجلس
في بيتها
ترتدي أجمل لبس
و تفتح صندوق
الموسيقى
و على نغمات
أحواش
ترقص في ارتعاش
يذيب الجسد
و يشعل الرغبة
في المرآة
حيث لا أحد
يوجد في داخلها
فيا للأسف !"

يلف الأنثى تحت الاسم العربي فضاء متوتر كمحور يغطي بياضات المعنى في سجل النساء،
فحتى المرآة لا تعكس عشق هذه الأنثى لذاتها وكأن ذلك التحقق يستدعي الامتلاك المزدوج للأنت المؤنثة من طرف الذات المذكرة ، بعكس ما يطرحه التوازن الداخلي للإسم الغربي الذي يتحكم ثقافيا في انتاج محور توتر مغاير حيث الأنثى تحت الاسم الغربي متحكمة في المضامين التي تخرجها من المفعولية إلى " الفاعلية" ،يقول الشاعر في قصيدة "لوليتا" وهو يستوحي صورة الأنثى من امتدادها العميق في ثقافة غربية تبني وظيفة الأنثى ضمن البناء العام للديموقراطية كأفق محدّد لكل مسار تأويلي، يقول:
" و تقول الشعر
أيضا.
تمتطي الفرس
وتركب السيارة
و تمشي راجلة
أيضا.
تغمز بعينيها
و تقبل بفمها
و تضحك بأسنان
بيضاء
أيضا."

ثم يقول في قصيدة " سوزان"
"هي مثلي
من برج الميزان
تكتب الشعر
و ترسم في الليل
أعشاشا لعصافير
زاهية الألوان"

تتحدد في ديوان أوراق العشق لنور الدين محقق صور ثقافية متعددة للمرأة العربية التي يتحدث عنها النسق الثقافي كجسد مغر يحمل طاقته الاغوائية باعتباره كائن في عزلته الوجودية لا يعيش لذاته بل يتحقق وجوده من خلال الآخر "الذكر"، يقول الشاعر في قصيدة عائشة:
"لا تعيش
أبدا إلا لنفسها
قد تضحي
إن هي أحبت
بليلة عرسها
و تمضي هاربة
صحبة الحبيبْ"

وقد لا تختلف صورة "جميلة" في المخيال الجمعي العربي وإن وصفها الشاعر بخصوصية انفرادها بولادة خارج النسق الثقافي، فهي لم تولد مثل غيرها من النساء باكية إلا انها لم تفلت من دائرة الأنثى التي تحمل نفس التجربة الغزلية التي تنمطت في الشعر العربي قديمه وحديثه يقول :
"و حين رايتها وحيدة
تمشي
ارتعش رمشي
امام عينيها
فضحكت مني
و اتهمت عيني
بقلة الحياءْ
و مضت تجري
صوب الساقية
يالها من أنثى
عذبة المذاق "

هذه الصورة تختلف كليا عن صورة "لوليتا" التي يستحضرها الشاعر كمشهد جنسي متحرر تحمل جسدا عاما لا يحلم بعذرية ما، مستسلمة لغزل يتضمن زمنا مفتوحا على شهوة كاملة تشدها اللغة واللحظة الشعرية المتنوعة نحو إغراء مستدام للآخر.

" تغمز بعينيها
و تقبل بفمها
و تضحك بأسنان
بيضاء
أيضا."
يحمٍّل نور الدين محقق في ديوان "أوراق العشق" مسرح أحداث عشقية موروثة لا تقبل بالتعهر الأنثوي ويرفض الحب وفق ماهية خارج المعالم المرسومة في ذاكرة العشق العذري المندفن عميقا في المرجعية الثقافية اللاواعية للحب المنبهر بالآخر ، وقد سبق للشاعر أن صرح في بيانه الشعري أنه على الشعر " أن يمارس إبهارا للذات أولا وللآخر ثانيا، حتى وهو يتدثر بالاوعي" .
فعند استحضار الأنثى ذات الاسم الغربي بالديوان نجد نفس خضوعها للتمثلات التي سكنت وتسكن المخيال العربي ولو خارج الوجود المادي للأنثى ذاتها ، ولذلك يبوح الشاعر في طي الورقة المضمرة لعشق ينتشي باحتلاله الحيز المفاهيمي للغرام خارج الأسماء ، وذلك ما جعله يفكك اسم " لو..لي.. تا " وكأن القضية العشقية عنده تختصر المسافة التاريخية للعشق في أنثى "مثال" تحس بكينونتها كذات متعددة في المعنى الواحد والذي يرهن سيكولوجية الذكر العربي .
يقول :
" لكنها حين تكون
في بيتها
تستحضر صورتي
و تبكي...
مثل جميع النساء
تلك هي حبيبتي
في الزمن الأول
لو..لي..تا "
أخيرا : يرتكز البعد العاطفي في ديوان "أوراق العشق" على بعد الأمكنة كمحطة تُمَرْكِز زمن العشق عند نور الدين محقق لتبدأ من مسقط رأسه " الدار البيضاء" كما في إهدائه الذي يقول فيه " إلى كل جميلات العالم ...من الدار البيضاء إلى هارلم" ولتعود إلى نفس نقطة الانطلاق كما في إهداء ديوان "ترجمان الأشواق" حيث يقول " سجل في مدح النساء ..من نيويورك إلى الدار البيضاء" .

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article
23 novembre 2010 2 23 /11 /novembre /2010 23:06

أنثى موزعة الحقيقة بين الجاهلية والإسلام

عبد النور إدريس
الحوار المتمدن - العدد: 1732 - 2006 / 11 / 12
المحور: العلمانية , الدين , الاسلام السياسي
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share


□لقد حازت المرأة على اهتمام التشريع الإسلامي، فقد تطرق القرآن الكريم للكثير من شؤونها وبالعديد من السور التي بلغت عشر سور هي : سورة النساء ، الطلاق، البقرة ، المائدة ، النور، الأحزاب، المجادلة ، الممتحنة والتحريم.
إن هذه العناية تدل بقوة على المكانة التي تحظى بها المرأة في التشريع الإسلامي ، فقد أعلى الإسلام من قدرها في مجتمع كان يستعبدها ويئدها فرد لها الحق في الحياة وأقر لها حقوقا لم يكن يستسيغها المجتمع الجاهلي قبلا.

1-1- المرأة و العصر الجاهلي.
1-1- وأد الجاهلية.
إن المرأة في العصر الجاهلي كانت مسلوبة الحقوق الأساسية ، كحقها في الحياة كأنثى ، فقد كان الأب أنداك يئد ابنته عقب ولادتها مباشرة اقتداء بالأعراف القبلية السائدة وخاصة تغلغل المنظور اليهودي للمرأة وخاصة الجاهلي الذي دأب على وأد البنات الشيء الذي يجعل هذا المجتمع ومن خلال انغلاق تفتحه الحضاري يعبر عن هذا التغلغل للإسرائيليات كخلفية ثقافية سائدة تتناسل في وعينا الفقهي والتي جعلت من المرأة حريما مرتبطا بالدنَس والعار وفضاء الاحتشام وقد أجازت اليهودية كديانة انتشار هذا المعطى محملا بقيم محلية جاهلية حيث ذاعت المعتقدات التي خضعت لعملية التأثر والتأثير بين الإسلام والديانات السابقة" فمن المعروف أن اليهود الذين اعتنقوا الإسلام مزجوا بين التراث اللاهوتي اليهودي، وبين العقيدة الإسلامية، واتضح هذا المزج في لجوء المسلمين لإخوانهم المسلمين – الذين كانوا يهودا منهم- في تفسير كثير من القصص القرآني" (1) ، ومن المرجعيات الدينية لظاهرة الوأد الجاهلية ما جاء في سفر التكوين أن اليهودي، «يملك على أولاده حق الموت والحياة، يقتلهم إذا شاء أو يقدمهم قربانا للرب"(2).
وصف القرآن الوضعية الكارثية التي كانت تعيشها المرأة قبل نزول الوحي، وخاصة منذ تلقي عائلتها نبأ ولادتها كما جاء ذلك بسورة النحل حيث قال تعالى:﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ (النحل الآية 58-59.).
إن هذه التلاوين التي تُصبغ بها عواطف الأب الجاهلي من هذه "البُشرى" تعكس وظيفة الأنثى داخل الهرم القبلي الجاهلي وبالتالي تجسيدها لتدهور القيم الخاصة لقبيلتها(3) يقول د.محمد بلتاجي " كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقتل عن القبيلة، ويراها مصدرا لجلب العار له حين تُؤسر من العدو فيفترشها آسرها عنوة واقتدارا أو طواعية واختيارا، فيعير الأب وقبيلته بها" (4) .
، وقد انقسم الوأد إلى :
- 1- وأد الفقر:
ويشكل رغبة الجاهلي في التخلص من عبء تربية أبنائه ذكورا وإناثا بدون تخصيص جنس الموؤود.
- 2- وأد العار:
وكان يقتصر على وأد البنات الذي كانت تمارسه القبائل البارزة بالجزيرة العربية، كربيعة وكندة وطيء وتميم.
- 3- الوأد الميثولوجي:
وهو مرتبط باعتقادهم أن البنت رجس من خلق الشيطان ، فالأنثى مخلوق مدنس وهو باعتباره منظومة خرق يصنف في العقلية الجاهلية ضمن المبعدات حيث يرى الجاهلي أن واجبه الديني يدفعه للتخلص من الأنثى وتقديمها للآلهة كقربان حتى يُمنح ديمومة بقاء واستمرار النظام الثقافي الآمن.
نلاحظ أنه في حالات الوأد الثلاث تكون الأنثى هي الضحية وبذلك فقد حرك القرآن الكريم الشعور بالذنب لدى المسلم عندما قال : ﴿وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قتلت ﴾ (سور التكوير الآية 8-9)، وبذلك حرك الإسلام القيم الايجابية في المجتمع اتجاه الأنثى فمنحها الحق في الحياة باعتبارها مخلوقا يتساوى مع الذكر من حيث قدسية الجنس البشري حيث يتكفل الله خالق الأنثى برزق مخلوقاته يقول ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .إن قتلهم كان خطأ كبيرا ﴾ ( سورة الإسراء الآية 31.)، كما جاء في سورة الأنعام الآية 151، ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ﴾ .
1-2- أنكحة الجاهلية:
وقد تعيش الأنثى نفس الوأد على المستوى المعنوي فتصبح مخلوقا للمتعة والخدمة وإنجاب الأطفال ، فقد كان عرب الجاهلية يشيئون المرأة في نظام أنكحتهم المتعدد والذي جاء على الشكل التالي:
- 1- نكاح الاستبضاع : فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت " كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه .ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه .فإذا تبين حملها أًصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد".
- 2- نكاح المشاع أو ما يسمى بنكاح الرهط:
لقد كان من عادة بعض القبائل العربية أن يشترك رهط من الرجال في زوجة واحدة ، ولقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها قولها :" كان يجتمع الرهط دون العشرة ، فيدخلون على المرأة فيصيبونها.فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم ، فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع .فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل" .
- 3- نكاح البُعولة: وفيه يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
- 4- نكاح البغي ونكاح المتعة: وهو نكاح مؤقت بالنقود أو شيء ما يدفع للمرأة ويحدد زمن نهايته.
- 5- نكاح البدل: ويتبادل فيه رجلان امرأتيهما فيقول الواحد لآخر، انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي.
- 6- نكاح الضغينة: ويتعلق بالسبايا من النساء فالرجل إن سبى امرأة له أن يتزوجها إن شاء.
- 7- نكاح المقت ويسمى كذلك نكاح الضيزن : وهو أن يرث الابن زوجة أبيه فيتزوجها أو يجمع بين الأختين في آن واحد.
- 8- نكاح الخذان : وهو معاشرة المرأة لغير زوجها سرا ، وقد تحدث الإسلام عن متخذات الأخذان ونهى عنه بإقراره لعقوبة الرجم للمحصنة كما نادت به اليهودية القديمة.
- 9- نكاح الشغار:
وهو أن يتزوج رجل أخت رجل آخر مقابل أن يتزوج الثاني أخت الأول.
لقد عالج الإسلام هذه الأنكحة بإلغائها عبر آيات كثيرة ، ولما جاء بمفهوم يصف فيه الرجل بكونه بعلا فقد أبقى على نكاح البعولة الذي يجسد مطلقية الطاعة التي تكنها المرأة لرب بيتها حتى أن الكون الرباني يستاء من خروجها عن طاعته من ذلك " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح " ( بخاري ج 7 ص: 39).
إن نظام الأنكحة الجاهلي يشيِّء المرأة ويجعلها جسدا للمتعة والإخصاب بدون كرامة من جهة ، ويضيع معه صفاء الأنساب من جهة أخرى، فالمرأة لم تلق تكريما يتعلق بانتمائها إلى جنس النساء ، فالوضع الاجتماعي والاعتباري للمرأة في العصر الجاهلي كان سيئا للغاية " فهي محرومة من كثير من حقوقها الأساسية ، ولا تلقى أي نوع من أنواع الإكبار أو التكريم ..وإذا حدث ولقيت شيئا من التكريم عند زوجها ، فإن ذلك لا يحدث إلا لأنها أم لابنه الذي يحبه، أو لأنها ابنة واحد من علِّية القوم " (5).
أما الحماية التي كانت تتمتع بها من قبل الذكور المحيطين بها (الأب، الزوج ، الأخ و الابن) فهي تتساوى مع الحماية التي تلقاها فرسته وبئره ومرعاه.
وقد يتبين لنا مستوى المكانة التي وضع فيها الإسلام المرأة من خلال استقصاء وضعيتها الاجتماعية قبل مجيء الوحي.
- فما هو جديد وضعية المرأة في الإسلام؟
2- جديد وضعية المرأة مع مجيء الإسلام.
مع حلول الإسلام بالجزيرة العربية حازت المرأة جملة من الحقوق المادية والمعنوية : منها الحقوق الإنسانية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية كما تلقت واجباتها التي تتناسب مع الحقوق المعطاة، ولهذا " فالمؤسسات التي هدمها الإسلام ، لم تكن تنسجم مع المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية كالوأد والعضل والقسامة والظهار والإيلاء وحرمان المرأة من الإرث " (6)
2-1- الحقوق الإنسانية .
لقد جعل الإسلام المرأة شريكة للرجل ، فأقر سبحانه بوحدة المصدر المشترك بين الرجال والنساء وبذلك دخلت المرأة دائرة المقدس الرباني وخرجت من دائرة المدنس الاجتماعي يقول تعالى ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء﴾ (سورة النساء الآية 1) ويقول كذلك ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾
(سورة الحجرات الآية: 13).
إن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من بين المبادئ السامية التي واجه بها الإسلام عرب الجاهلية ، فلكل من الذكر والأنثى جزاءه الخاص في الآخرة كما في الدنيا: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (سورة آل عمران الآية 195)
وقد تضاربت الآراء في مسألة المساواة، فهناك من يرى أن الإسلام لم يقر بمبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة مستدلين في ذلك ،اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد في قوله تعالى:﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾(سورة البقرة الآية 282.)
وقد كان الداعي إلى ذلك ما يقره الإسلام من الانغلاق الاجتماعي الذي كانت عليه المرأة وعم مخالطتها للرجال في ميدان المعاملات التجارية والمالية التي تحتاج المكاتبة كالبيع والقرض والإجارة والرهن والوديعة والاقراروالغصب والوقف،﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة الآية 282.)، هذا زيادة على عدم تفتحها على الأسواق وقد تستحكم للأعراف في هذا المجال، وتكون نتيجة هذه الوضعية أن تكون خبرتها في هذا الميدان لا توازي نضج خبرة الرجل.
أما ما لا يجوز للرجال الاطلاع عليه من أسرار النساء الداخلية فقد أجاز النبي شهادة امرأة واحدة وقد تكون القابلة مثل ذلك مثل شهادة الرضاعة ورؤية الهلال التي تقبل فيها شهادة امرأة واحدة عدل.
2-2- الحقوق المادية .
ينكر البعض على الإسلام في مادة الميراث جعل حظ الرجل يساوي حظ الأنثيين وهذا تحد كبير في مجتمع جاهلي تقتضي تقاليده وأعرافه حرمان المرأة من الميراث واقتصار ذلك على المحاربين من الرجال ، بل وتصل المرأة في هذا المجتمع إلى حد أن تصبح إرثا بحد ذاتها، فجاء الإسلام ليقر هذا الحق في قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (سورة النساء الآية 7.) ، وقد فصل القرآن في سورة النساء الآية :11،واجب الأنثى من الإرث بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ، فعندما أقر الإسلام نفقة الزوجة وجعلها من واجبات الرجل الذي يرث حقا كاملا يعتبر بذلك حظ المرأة مضاعفا بهذا الإنفاق المفروض من جهة الزوج ومن جهة الأب أو الأخ أو العم إذا لم تتزوج وبذلك تكون هذه الوضعية غير مرتبطة بالنقص في إنسانية المرأة ولا يجعل المرأة بتاتا في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل وهو الذي أحاط المرأة بالرعاية فضمن لها حياة اقتصادية مستقرة حيث أخلى ذمتها من أي عبء من الأعباء الاقتصادية لمعيشتها هي أو لغيرها ، فجعل نفقتها على أصولها أوزوجها أو فروعها أو أقربائها في جميع ما تحتاج إليه بالمعروف ﴿ لينفق ذو سعة من سعته﴾ (سورة الطلاق الآية 7.)، وكذلك الآية ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تُضاروهن لتضيِّقوا عليهن ﴾ (سورة الطلاق الآية 6.)وفي سورة البقرة الآية 233، يقول : ﴿ وعلى المولودِ له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ كما لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من مما أعطاه لزوجته كصداق أو مهر كما منعه الإسلام من أخد كلا أو بعضا من مالها الأصيل عملا بقوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاته نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا﴾
(سورة النساء الآية 4.)
لقد قرر الإسلام قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الأحكام، في الحقوق والواجبات في قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾( سورة البقرة، الآية 228.).
2-3- الحق في التعبير والرأي.
حازت المرأة على الحق في طلب العلم فهو فريضة على كل مسلم ومسلمة ، واستمع إلى رأيها لسداده وقرره كمبدأ تشريعي عام، وبذلك تلقت المرأة العلم وأصبحت من المفتيات فيه كما جاء في الآية 34 من سورة الأحزاب ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وتتجلى قمة تساوي الرجل والمرأة في تكليفهم بالوصاية على الدين من حيث وضعه تعالى بيدهما مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في الآية 71 من سورة التوبة ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾ ويُروى عن السيدة عائشة أنها قامت بدور كبير في مجال تلقين الأحكام ومكارم الأخلاق حيث كانت تقضي بين المسلمين في أمور الفقه والحياة. وكان من جراء ذلك أن احترم الإسلام رأي المرأة وأحسن الاستماع إليها كما وقع من رأي الخنساء بنت خذام الأنصارية في حوارها مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي أقر فيه الرسول بأن جعله جزءا من التشريع العام وخاصة وجوب أخذ رأي المخطوبة في شريك حياتها وأخذ رأيها في مسألة زواجها ، فأجابته عليه السلام وقد استخلصت حكما عدّل من تطرف الوصاية في نكاح البعولة عندما قالت ولم ينكر الرسول عليها مقالها " لقد أجزت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء" (7).
كما كان رأي المرأة واضح المعالم في تأويل الآيات حيث اعترضت امرأة خطبة عمر رضي الله عنه حول المغالاة في المهور بأن أرجعته إلى فحوى الآية 20 من سورة النساء : ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ فما كان من عمر وإمعانا في احترام رأي المرأة والاقتضاء بمعطياته إلا أن عدل عن رأيه في تحديد المهر وقال " أصابت امرأة، وأخطأ عمر" .
ومما يدل على المكانة المتميزة للمرأة في الإسلام واحترام رأيها ووجهة نظرها ما جرى لهند بنت أبي طالب المكناة بأم هانئ، عندما أجارت عدوا من أعداء المسلمين واحتكامها إلى الرسول (ص) عندما امتنعت من تسليمه لعلي ابن أبي طالب فقال لها الرسول : " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" .
إن الإسلام قد جعل المرأة تعبر عن رأيها بكل حرية ومسؤولية وما كان من تدخلاتها إلا أن تمت الاستجابة لها مما يدل على معرفتها بأصول التشريع من معرفة دقيقة بتفسير النصوص الدينية وأحكامها، الشيء الذي جعلها تدافع عن حقوقها وحقوق بنات جنسها ، ويكفي دليلا على ذلك حسّها النقدي الذي نظرت فيه أسماء بنت يزيد الأنصارية إقصاء المرأة من جملة الإثابات الإلهية عكس الرجل الذي يتحدث الإسلام عن جزاءاته الكثيرة وفقا لمشاركته العديدة في الحياة العامة ، فقد جاءت ممثلة عن النساء فعرضت وضعية المرأة على أنظار الرسول بكل دقة وبلاغة اندهش لها جميع حضور مجلس الرسول (ص) عندما قالت " ... أنا وافدة النساء إليك، إن الله قد بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، حاملات أولادكم، وأنتم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا حفضنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في الأجر والثواب.." .
لقد كانت إجابة الرسول الكريم تجعل طاعة المرأة لزوجها في مقابل كل أنشطة الرجل التعبدية حيث قال " افهمي أيتها المرأة ، واعلمي من خلفك، أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته، يعدُل كل ذلك".
يظهر من هذا الرد أن التشريع الإسلامي يضع للمسلمة وضعيتين من حيث الأجر والثواب ، الوضعية الأولى تشمل الأنثى بكامل البراءة وهي ما تزال في حضن أبيها ، بينما تنتقل بها الوضعية الثانية إلى بيت الزوجية وهي الوضعية التي تحوز فيها الزوجة على مرضاة الله وثوابه ، فطاعة الزوج هنا من طاعة الله وقد جاء في صحيح البخاري ج7 ص: 39. " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" و " إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (رواه الترمذي والنسائي) إن إباحة خرق التعاليم الدينية في سبيل طاعة الزوجة لا يوازيه إلا رغبة الشريعة في إقرار ربوبية أرضية للرجل .
ثم إن المسلمات بعد ذلك لم ترضخن لهذا الحكم فقد طالبن الرسول بإلحاح بعد ذلك بالخروج إلى الجهاد مع أزواجهن للتمريض وسقي الظمأى ثم طالبن بالخروج إلى المساجد حيث قال النبي ردا على طلبهن " لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله".
كما طالبت النساء بالمشاركة في الحياة العامة بحضور الأعياد فاستجاب الرسول (ص) يقوله" دعوا العواتق وذوات الخدور يشهدن الأعياد " وتأتي طلبات النساء تباعا في حياة الرسول في إطار سعيهم للتحرر من عبودية الرجل واستغلالهن حيث كان الأسياد يكرهون الإماء على البغاء إلى أن جاءت (سورة النور الآية: 33) لتصحيح الوضع بقوله تعالى" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء"، وما حدث مع زوجة سعد بن الربيع وأم كحة في مطالبتهن بحقهن في الميراث ، فما تحيلنا عليه زوجة سعد يدل بعمق على معرفة متفحصة لأحوال مجتمعها وبرغبة الرجل العربي ومرغِّباته في الزواج وتركيزه على يسرها حيث قالت " هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ول تنكحان إلا ولهما مال " تفسير الجلالين ص: 198.
لقد كان هاجس الثواب هو المحرك الأساسي لتحرك المرأة في اتجاه تحررها من عبودية العبد باعتبار أن الله عز وجل لا يجعل واسطة في التقرب إليه وعبادته ، فغيَّرت من الصورة التي وسمها بها العصر الجاهلي ، ويكفي للتدليل على استحكام هذا الهاجس في معركتها ضد معنى قوامة الرجل والوضعية الدونية لها في قول إحداهن للرسول " يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إذا عملت المرأة حسنة كُتبت لها نصف حسنة؟" .

الهوامش


1- د.نصر حامد أبو زيد" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة" ص: 18.
2- سفر التكوين الإصحاح 42 الآية 37.
3 - أنظر(ي) كتابنا" الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."مطبعة وراقة سجلماسة ،مكناس الطبعة الأولى شتنبر 2004، ص:115
4- -" مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة"- حقوق السياسية والاجتماعية والشخصية للمرأة في المجتمع الإسلامي-، د.محمد بلتاجي ،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة مصر،الطبعة الأولى 2000.
5 - د.عبد الباسط محمد حسن ، مجلة عالم الفكر ،المجلد السابع، العدد الأول أبريل 1976.
6- زينب معادي" المرأة بين الثقافي والقدسي.." سلسلة بإشراف فاطمة الزهراء أزرويل، نشر الفنك الدار البيضاء سنة 1990
7 - "المبسوط في الفقه" للسرخسي ،مطبعة السعادة، القاهرة،سنة 1324ه- 1903م الجزء الخامس

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية