Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
12 mai 2014 1 12 /05 /mai /2014 15:28

200px-3monkies.jpgالنظام والربيع العربي
قصة قصيرة جدا
بقلم عبد النور إدريس

دخل إلى القسم و التلاميذ في جلبة الدخول منغمسين فصاح:" نظام".
سكت كل التلاميذ و كأن على رؤوسهم طيور الصباح.
رفع يده ذلك الذي ألف القسم أن يناديه الأستاذ بالمشاغب 
-أستاذ...أستاذ...يقول أبي عندما أصعد إلى سطح دارنا إياك أن تسقط.
-و تقول أمي عندما أرغب في الخروج إلى المدرسة، حافظ يا ولدي على النظام و إياك أن تسقط.
-و في طريقي إلى المدرسة شاهدت ببرنامج في قناة الجزيرة أشخاصا ينادون بسقوط النظام.
ما معنى ذاك يا أستاذ.
اتجه الأستاذ إلى مكتبه.
جلس الأستاذ على الكرسي، تنحنح، تفرس في وجود التلاميذ وهي تترقب الجواب في خشوع. 
النظام يا ولدي هو أن أجلس أنا على هذا الكرسي دائما... وأن تجلس أنت على مقعدك هذا دائما ... دون أن "تسقط".

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
31 juillet 2013 3 31 /07 /juillet /2013 12:27

ربيع عربي.. شطرنج وقرنبيط

قصة قصيرة جدا

 بقلم عبد النور إدريس

ثارت البيادق داخل الرقعة، وهي ترفض أن تكون أول من يبدأ اللعبة، نهجت سياسة العصيان ،وتحشرجت حناجرها من كثرة الشعارات: لا للظلم ..لا لسياسة النعامة.. نعم للكرامة.. نعم للحرية.. نعم للديموقراطية.. نعم لحكم الشعب نفسه بنفسه.. سوف لن نلعب مستقبلا حتى تبدأ اللعبة بموت الشاه ، كفانا تضحية .. كفانا خروجا من اللعبة...نريد أن نبقى داخل الرقعة..ارحل أيها الشاه... ها قد جنت اللعبة –علق الملاحظون -...وضعت دستورها الجديد للتصويت الديموقراطي...فلما فاز القانون

الجديد وبدأت اللعبة رسميا بموت الشاه 

لم تلعب البيادق أبدا

ملحوظة: مخصصة للعمل عليها من طرف السيناريست والمخرج المتميز عزيز باعقا

.

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
28 juillet 2013 7 28 /07 /juillet /2013 13:47

bbbbbbb                          

 جماجم الدار البيضاء، قصص قصيرة جدا للقاص عبد النور إدريس

   1-تسكع في البياض

تسكع طيلة حياته بين العمل و البيت، و كلما أراد أن يلتزم بالخط المستقيم، رسم دائرة سوداء، قفز بين السطور باحثا عن جملة يتمسك بها، و لما مارس القفز، أعلن عن عودته الأبدية إلى السطر.

                       2-محطة مستقيمية

قال أحمد:أنا أعرف خطا مستقيما بين فضاء الحرية و محطة الوازيس.

قالت مالكة وهي مندمجة مع ما وقع في فضاء الحرية:أنا لا أعرف في الرياضيات إلا القليل، لكنني أراك مستطيلا تعيسا في دوائري.

                       3-منطق الشاعر و منطق الفيلسوف

 أخذ جابي القطار ورقتي الأداء منهما، قال: أنتما هنا بمقطورة الدرجة الأولى وتذكرتيكما تشيران الى مقطورة  الدرجة الثانية.

نهض ادريس يحمل باقة ورد أهديت له في مهرجان كلية الطب والصيدلة بالبيضاء، ووريقات كتب فيها جديد قصصه القصيرة جدا عن جماجم الناس، ثم قال:

لعلها غواية الشعراء.

رد عبد الله متنحنحا: لعل جاذبيتنا إلى الأعالي هي السبب .

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
10 décembre 2012 1 10 /12 /décembre /2012 23:32

حلم شهريار

بقلم عبد النور إدريس– المغرب

حلم آخر للسواد

هب

أن الحلم بياض يسوِّد جسد الليل

أو رغبة عطشى

تحاول أن تستيقظ فيّ

أو شهادة سبحانها من سحَر..

/يقول فيها النهر/

هب

أني حلم سمكة

تبتهل استسقاءا للفيضان”


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للحفرة عمق المتاهة .. الثوب يحكي سجن الجسد .. وضع البذرة باسمه ذكرا ، وكان لا يتقن سوى إنجاب البنات، كانت كل البطون الجديدة تحمل له أملا في نهاية هذا البستان ..

راية الفتح لا تحملها أقدام تعشق الهاوية، إنه زمن اللهب الذي يسيطر على المشاهد التسع التي رقصت في فراغ البطن وبطن الفراغ..

إنها النهايات التي يحسها عميقة تمشي في عروقه أخاديدا ناشفة تجيء من الغيب لتحمل أقنعة يشدها ” العار” !!

” ملعون أبو البنات”….

اللعنة حيلته لتبرير العجز لقد أصبحت المساحيق رسالتهن إلى جيبه.. لقد أصبحت الأرغفة التي تخرج من الفرن كثيرة.. الفقر لا يقتل، إنه يصرع، يشل، يعبق الجو طاقة من فيض الانتحار والتلاشي…

يبدو أن استهلاك هذا الموضوع داخل حياته اليومية يضع بين يديه لحظات قاسية تزكي تلك السباحة الكلامية التي تتناسل في تساؤلاته التي لا تنتهي…

” ملعون أبو البنات”….

ذاك ما كان يردده كلما فاضت همومه وجراحه المحشوة بالملح، من أطول طريق مر به نحو أعشاب الشعوذة والتعاويذ…

لطفولته ماض لا يفهمه ولا يتذوق شقاوته إلا هو .. إنه ماضي حاطب الليل..

كان أكثر الصبيان حبّا وتعلقا بالدُّمى، كان يجد في اهتماماته فرحا ولذة.. كل الدمى بيده لا تمل السقوط على الأرض.. تنتهي الأحزان لتفتح الذكريات أفقا على الماضي، إن الحي لم يتغير.. ما زالت ملامح الذكرى واقفة ضد التبدل… الظلام والوحل هي الميزة الشاعرية التي ما زالت حاضرة في ابتهالات أطفال اليوم الذين يعبثون بالزوايا والأضلاع…

إنه ينغرس ولا ينهض إلا فراشة… له حكاية مجنونة مع الأنثى تبتدئ من عشق الدمى إلى عبادتها.. كان صاحيا فأسكرته تأوهات الأقداح.. بدت نظراته غير مستقرة.. شاردة..هشة..عابثة برياح أغنيته نحو عقم الهمس ومآقي الصراخ.. نحو سن اليأس الذي اقتات من رحم زوجته… إنه قانون الأنوثة…

..لم يوزع في حياته التحيات ” المستوردة” كما فعل يومها… ذاكرته واضحة التقليد.. ملأى بالوصف.. إنها أوسع بقعة للنوم… نوم الفُزَّاعة.

” ملعون أبو البنات”….

قافلة فريدة للضياع والهجر.. إنها متاهة الأنثى، لا وجود للذكر الذي يؤسس للخروج من هذه الذكرى – المتاهة.

قافلة فريدة للضياع والهجر..إنها متاهة الأنثى، لا وجود للذي يؤسس للخروج من هذه الذكرى- المتاهة..

ضاع في حنايا الشفاه..يعتصر أحلامه متجها بحماس نحو طبيبه الخاص.. إنه يستعجل قناعته في أن يحتفل بالدمى متألقة يغص بها ريقه ليعيش لحظات ممزقة فاضت بها ذكريات النساء..

قصة قصيرة بقلم عبد النور إدريس

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
19 octobre 2012 5 19 /10 /octobre /2012 16:04
◈ قاتل مُتَسَلْسل قصة قصيرة جدا

عبد النور إدريس

 

 ◈ قاتل مُتَسَلْسل

 

 قصة قصيرة جدا

 

بقلم: عبد النور ادريس

 

  

 

وقَرَت في نفسه رؤيا خاصة، ولأنها تمتطيه صهوة للأمر بالسوء، استجمع ذاته مفكرا في أن يقتلها شر قتلة، تهالكت أوامرها وهي تحاصر مكان الخوف منه.. فغمغم مُستاءً من الحلم الذي غنّاه قصيدة  :

 

أن تؤمن بذاتك..أن تتوحد مع رؤاك.. أن تنساب من أناك خيوط متعبة، فتمارس قتل  الأسئلة فيكَ، وتقود ضفيرتها إلى حبل المشنفة متدرعا بحتمية الانفلات من دهشة الحاضر  .

 

هكذا كانت ألوان الرؤية.. هكذا كان بقاؤها مرتبط بظل الكائن.. هكذا قرر أن يشنقها بدون رحمة  .

 

أعدّ كرسيا لتصعد عليه.. كان كُرسِيَّها وقد تآكل من فرط جلوسها عليه وهي تنتحب دوما كغيمة خرافية تهطل في المسافة، تارة تململ الليالي وتارة تندى على شفتي الورد  .

 

اقتنى حبلا شديد القساوة كي لا يترك لها فرصة النجاة  من كل هشاشة العالم .. قطع حبل الورد وهو ينصت إلى همس الأزمنة الشاحبة .. صعد على الكرسي، وضع عنقها داخل استدارة الحبل أبو عُقدة، نظرت إليه مندهشة من باطن الحدقة، وقبل أن ينساب من عينيها حلم الحياة ويتسلل من بين يديها وهج العربدة وجلال الوميض، يدفع الكرسي بكل قوة ولذة بعيدا ليقتل باستمرار تلك التي يستهويها شبق الرغبات.. ليقتل نَفْسَهُ الأمارة بالإغراء

 

................................ ... 

 

مكناس 04 مارس 2011

 
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
14 octobre 2012 7 14 /10 /octobre /2012 10:44

جمجمتي…وأنا…

قصة بقلم عبد النور إدريس

jmjmtywana.gif

 

لما استفقت ذات صباح ماطر…اتجهت مباشرة إلى المرآة المصلوبة على الجدار ..وضعت أصبعي تحت الجفن الأسفل لعيني اليمنى فتعرفت على عينيّ الذابلتين..وتذكرت للتو قطتي الصفراء اللون عندما تنتعل وجودها مع قط جارتي فاطمة التي تأتيني يوميا وهي تحمل ابتسامتها بين يديها لتأخذ حفنة صحف لتعبر بها الممرات المهترئة من نهار ماطر …
لم يكن قلبي يوحي بالدفء إلا لمن جرب وحدة طرقات المدينة…ولم تكن تساؤلات فاطمة لتوقظ فيّ أي شعور بعدم الوحدة….كان عندما يقع نظرها على جمجمتي تبرق عيناها فزعا ..وفي العديد من المرات..كنت أتجه إلى مؤخرة الدكان وأفتح أحد الأدراج وأنتزع منه صورة كنت قد كتبت خلفها يوما ما ..جملة مازلت أذكر كل تلك المشاعر الجميلة التي أخرجتني من نفق نفسي” إليك يا فتاة قوس قزح”
لست أدري لماذا كانت هذه الجملة تحمل اتجاهاتي الأربعة وبعض الحنين إلى صوت المطر وهو يتقاطر على سقف قصدير منزلنا القديم…
نظرت إلى صورتي ثم اتجهت توا إلى المرآه…
صحت بكل قواي في وجه المرآة المندهشة من خِلقتي…
- هذه ليست جمجمتي من هشّمها…لا شك أنها ضربة فأس عميقة..أو ربما ثقبتا رصاصتين ترحلان في اتجاه وعاء الأبجدية ولغة العشق..
آه تذكرت الآن…كنت أشعر قبل قليل كأن قردا قد قشّر موزة داخل جمجمتي ..وبعثر نصفيها …واستدرجني لمعاقرة الأحلام..
لالالا لاشك أنني أحلم …فمن عادة العشاق أن يحلمون بأنصاص الدوائر..سأخرج لملاقاة فاطمة …وأطلب منها أن تغرز دبوس ضفيرتها المخملية في جلدي…أكيد سأصيح…وألمّ الموضوع كأنه نكتة حلوة…وتشتهيني بعدها المرآة…
كانت فاطمة شتائية الدفء والحنان …كانت تصر على أنني كنت من ضحايا المجزرة وكنت أصيح من ألم الدبّوس المغروز في معصمي…يا لها من فتاة …ربّما تأكدَت الآن أن جمجمتي غير مثقوبة ولا ينفذ منها الضوء…
كانت تناديني بالرجل المطري وهي التي تعرف شغفي بصوت قطرات المطر على سقف الدكان …
فجأة صرخت في وجهي:
“أنا تعبانة يا عبد النور”..صمتتْ برهة ثم أردفتْ: أنت خائن ولا تقدر حبي لك …حبّي لصحفك التي كنت تجمعها لي كل صباح…فكنت أحتضنك بين دراعي وأذهب بك إلى البيت وأقرأ في كل صفحاتك …كنت عاشقة لرائحة ورقك ومدادك…أما الأقلام التي أشتريها منك …فقد فكرت بأن أقيم لها معرضا أمام مدرسة ” ابن العميد” للبناة….
كيف تدخل للمنتديات الالكترونية وتهجرني من أجل فأرة بئيسة يسيل منها الضوء الأحمر ولا تعرف سوى أن تطلق سهامها على الكلمات!!!!!؟
وقفت عيني مسمّرة على فم فاطمة وهي تغيّر من لهجتها …لحظات خلت نفسي في خط الاستواء نائما تحت سيل من قطرات المطر…كان المطر هناك بدون صوت…لكن يمكن أن تراه تحت الأضواء الليلية الخافتة….
استدارت فاطمة فجأة ناحية الشارع المرعب واصطدمت بحافة الدكان
وصرخت بهستيرية حزينة…قبل ذلك سمعت صوت رصاصتين اخترقتاني …شعرت بعطش شديد…ثم عاد صوت قطرات المطر إلى مسامعي..تهمس حياتها القاسية …فابتسمتُ وتهاوى جسدي …ولم أنم في حضن فاطمة كما جاء في قصّتها…

ــــــــــــــــــــــ

Abdennour_driss@yahoo.fr

 

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans عالم السرد
commenter cet article
25 février 2012 6 25 /02 /février /2012 02:40

  

سيناريو شعري  :نتوءات الهمس

 

  

 

بقلم عبد النور إدريس

 

ـــــــــــــــــــ

 

المشهد /1

 

خارجي /نهار

 

شارع إسفلتي لا تتكاسل فيه الخطوات

 

الكاميرا ترصد أرجلا متعدد .. أحذية تسير في اتجاهات مختلفة  ..

 

الأحذية مشدودة خيوطها بإتقان..تجهش بالنظام  ..

 

الكاميرا تتحاشى الاقتراب من كل الملامح ..لكنها للتو تقترب من جسم مغطى بإزار أبيض  ..

 

تنتقل عين الكاميرا فجأة إلى دمية عارية .. ملقاة بجانبها العين ـ البٍلْيـة، تنظر بإعجاب إلى جثة متلفعة بشجو العصا.. تتناسل الأسئلة لتعكس طيف الأجوبة المتهتّكة..يأتي الهمس من منصة الإخراج يحمل ضوء الدهشة في مكبّر الصوت .. وجه بمرايا متعددة يحكي غُنج الانكسارات  ..

 

ترصد الكاميرا لوحة ذات قسمات بيضاء وأقلام ملونة... وطباشير أحمر يتأبط عباءة سِفْر من ترانيم القتل وإصحاحات الموت المتسلسل قيئا أمام قبّة البرلمان، ممزوج بعطر خُزامى الكائن..أحاطه الغروب ولُهات شمس آفلةُ الشّجن  ..

 

cut

 

FADE IN

 

اقتراب تدريجي نحو خطوط تضيع مع كثرة الصّخب والنحيب  .

 

                  صراخ شابة يشق المكان  ..

 

         تأخذ عين الكاميرا في الاقتراب، يظهر عنوان الدرس على السبورة  ..

 

"الزمن المغربي  "

 

تقف الكلمات على حافة الاعتراف  .

 

الحائط  الذي تتكئ عليه السبورة يحمل صورة قمر مُكسّر،

 

شوق يُمطر في عين الكاميرا ..ينحث شتاتها المتكوثر   ..

 

تنتقل إلى حيوات صغيرة تتأمل عراء روحها من قلة الشغل..تخبئ في أضلاعها رفرفة الأمل الباسم..وفراشة لم تكتبها نظرية الفوضى  .

 

تدور الكاميرا دائخة لتُظهر معالم شارع تصدعت جدرانه في أمسيات النضال..يرتل فاتحة لم تهجس يوما بسحر المدينة  .

 

ترافَقَ الدوران بأبعاد صوتية لنشيد عربي تَحَلَّقَ في الحناجر، يردده أغنية وصهيلا كل سنابل الوطن، يلهث بها حُلم الرغيف..حلم تهالك منسحبا من الجهات الأربع..لن تعيده ثورات فبراير دون وضع "نبضة الضوء" بين هلاليتين  .

 

cut

 

ستار

 

جينيريك

 

مكناس في:  20 فبراير 2011

نص قصصي منشور بمجموعتي القصصية الثانية " جمجمتي..وأنا" الصادرة عن دفاتر الاختلاف في مارس 2011

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
7 janvier 2012 6 07 /01 /janvier /2012 16:29

 

 

جمجمة السيد إِذَا  رَغَى

إلى  الناقد الأدبي محمد إدارغة

  

  

استهلال لابد من ضرورته

منذ البداية لا بد أن نتفق على أمر جدير بالأهمية القصوى :

إن ما سأٌقوله هنا واقعي مئة بالمئة وأي تشابه بينه وبين متخيلكم وافتراضاتكم أمر وارد ولكنه نسبي ..

ترشيف البدء:

أتأذن لي التحولات أن أجلس إلى قهوتك ذات الكرسي الأخضر المسلولة أطرافه من عام 2009 ... لا وجود للتطابق بين العناصر الأولية ... الأمر يتعلق بما تتركه الذات المتلفظة حول عالم الممكنات ... أتسمح لي أن أغير دائما اتجاه النظر إلى الصورة التي تمسك بعالمي القابل للإمساك على شكل أفعال ... لقد تحققت من أنني أتقن لغة الانتظار.

كان لقاءنا الأول على حافة شبر من الشاي تلعب فيه الصدفة وأعرش النعناع لعبة التمييز بين النكهات ... نكهة استسلمت لها بالكامل وكأنها الحقيقة التي حملت للبشر الكلمات.. فما أن تهمس بها حتى يوحي لك الشارع بأن من يرتاده للتو يصيبه الملل من جلوسك المزمن و الذي يحلم بالتحديق في لاشيء كلما بدأ المطر ينزل .

أتستطيع أن تخرج من ذاتك لتحدد خريطة نفسك في كأس شاي و أنت عار من جلدك؟

نزهات السرد على عجل:

كان حي الوفاق هو من يعبث بك سيرة ضرورية لصديق ضروري.. عبثا أيها الحي أمر بجانبك في كل اللحظات .. ربما أحكيك قصة ذات طابع نسبي بطبيعة الحال ...أحكيك نصا يدعي إثبات شيء ما، لا يخرج عن حالة ترف تأويلي ... يتدرج جسدك رفيعا بيننا .. تملأ فراغ الشارع تنيرك مصابيح مقهاك البخيلة كأنك قطرات تندى على صفيحة الزجاج .. تستيقظ في عينيك جملتي وأنا أردد توشيحة أهداف نسائية على التلفاز .. أدخل معك في جدل ثقافي حول الإرغامات النسائية... أكتشف بغثة أن بانوراما مقهاك يحجبها تلفاز وضع في صندوق حديدي مفتوح البابين.. يحجب فيزياء الشارع والبياض الدلالي لبُعد نظرك ...أكيد هناك تهمك الكلمات لا الصور ...اللغة لا اكتناز الأشكال، العالم المرئي أمر سخيف لا يدخل في استراتيجية مقهاك .. الابتسامة المخبأة تحت عينيك وأنت تتحدث عن "اللبلاب" مع الشاعر الفيلسوف"عبد الله الطُّنِّي" صاحب ديوان "معلقة باريس "... أدخل سياق الحديث أحدثك عن القيم الواضحة لنبتة اللبلاب الأدبي فتقفز مرحا ... فأكتشف أنّا للآخر أن يهجوك دائما، وعالمك مُنَكَّه ومكثّف دائما في معانيه المٌسبقة ... منقوع في زمن الطفولة حين أزفتها إلى إبنك إسماعيل يوم كبُر في ديواني وتمزقاتي العاشقة في خلوات الرقم.

أتكهن أنك فهمت أنني ألمحت إلى تفاصيل كنتَ تراقب جزئياتها الصغيرة في عالم بلا حدود... نزهة كائن لاتحده سوى نزوات نرجس  وهو يراقب صفحة الماء، وحيث أن ظهرك مالح كالبحر لا تعيش فيه القنافذ،  ينتشر قدر المستطاع ركضك في قدميك...نومك المزمن داخل جمجمتك، يمنحك الركض كامل أبعادك اللاهثة وأنت تسير نائما..فبنيت افتراضاتك المختلفة وإن هي لا تُقرأ إلا وفق المنظور الواحد، وهو مشدود إلى مؤخرة الوقت .

تساءلت دوما وفي العديد من المناسبات المماثلة حول بطل قصتي "عشق اللبلاب" هل هو فعلا بطل خارج احتمالات الكلام؟ أم أن الأمر مجرد عسر هضم أصاب المعجم؟ وهل نستطيع إحراق القاموس تيمنا بطهارة النار والاحتراق؟

 نزهات التأويل على مهل:

الإضاءة خافتة.. هل تعرفت عليك أخيرا داخل جغرافية الأدب المخبولة؟؟..

هل تستطيع أن تقفز من نافذة رتبتك كسنجاب إلى رتبة سؤال مقشر أو قل زرافة لا تستطيع شرب النهر كله، أو قل جمجمة فقط.

سرنمات الخروج:

السرنمة الأولى :

الشمس كما الموضوع الجيد، لا بد أن تُحرق وقت الظهيرة، هذا استهلال ربما يطفئ نارا لا تريد الانصراف في أي تصور عام عابث .

كان بودي أن أكتب قصة عن رجل يحمل إسم" إدارغة" بالألف الطويلة، أرجوكم لا تنسوا الألف .. إنها حياته التي يرتديها كلما همَّ بالخروج أو بالدخول إلى نصوصكم، يحمل قلم الرصاص ودبيب النمل، ويضطجع على النص ويبدأ في الحفر عن جزئياتكم المتبرجة فيستبدل تارة قطعكم السكر بحبات الملح ويقدم هياكلكم قربانا للمحافل التأويلية الكبرى.

إنه بارع في رسم الانشطارات، يبني المساءات المتشحة بالقواعد والكلمات، ينحتها كما الظلام لا يزيف النهايات .. يوفر لحواس النص ليلته القمراء.

السرنمة الثانية :

لا بد للحكاية أن تنقفل على لحظة سردية تركز على سلوكك النقدي وما يشكله من عالم مُكْتَفٍ بذاته .. لحظة أنيقة تكون ربما عقدة أو نهاية محتملة لخيال خصب ذاك هو السيد "إذا رغى" لا يحلم مع النص إلا وأسنانه قد اكتمل بُنيانها، إنه ينتقد بطاقمه كاملا.

الحياة تنبعث من النقد وتعود إلى النقد، كان جالسا بجانبي ويشير إليّ وهو متأبط عينيه الحادتين ويكتبُني في مشاعره النقدية ويقول لي:" لك يا عبد النور نظرة أرستوقراطية وجسد سلطاني خبّأ بعمق وعمّن حواليك ذلك الطفل الجميل الذي يسكنك ..عفوا جمجمتك" .

السرنمة الثالثة :

لا أعتقد أنك تجلس واضحا إلا وأنت تخدم التوازن النصّي.. متأدبا تكون، أو ربما تجلس مرميا تقضم هلالية .. تحمل شفرة دهشتك إلى الوضعيات العادية للنص.. تقتنص مرة سمكة صغيرة الحجم ومرة سمكة من ميناء الكاتب..عفوا.. أتريدني أن أقول باقة من السمكات المرتعشة .. تحيلها مرة عقارب وأرقام مخبولة أو قل .. إلى مرايا يفقد فيها الانعكاس طَعمه... قد تحوِّل النص بين يديك إلى صورة فوتوغرافية تُشبهك، أراك تبتسم بجنون .. هل خسرت يوما انعكاساتك؟ ليس النص من يقرر أبعادَك بل أنت عندما ترتدي جلباب النقد.. النقد نتاج كائن يؤمن بالفكر المجرد،  يشكو من جفاف التوقعات، يقدم نزاهة الأفعال شريكا لا غنى عنه لتصور المناقشة التي يدافع فيها النص عن أناقته ونسَبُه المتواضع لقبيلة المؤلف.

السرنمة الرابعة :

لا أعتقد يا عزيزي أن الدخان الذي يتصاعد من بين أناملك يشبه سجائرك ..أتعلم أن الوقت يمر، وأنا أنظر إليك دائما، وأنت لا تحيد عن بقعة دخانك بينما ترسلك الافتراضات دوما إلى حجم التعبير عن البناء النظري .. بينما يهرع الفرق في حجم الدوائر الواقعية نحو نصوص أخرى تخرج من أعماقك .

حروفك ونمنماتك ونملك الذهبي على الأوراق الملونة-الصفراء طبعا- تقف أمام أي نص لتُعري الكاتب أحيانا، ومرشوشة بماء الورد المُعتّق من مرمدة فضية من فرط الاشتغال بها فقدت ملامحها واتسعت فتحاتها....

طبعا وقبل أن أتمم ترصيعك المبجّل، وعلى سبيل النصيحة.. تباركَت تباريحك المفتوحة في وقت تستعصي عليك الثمالة إلا وأنت تخلق حالة نصية من الإحساس بالمتعة والسعادة.

عليك أن تُقل القطار الذي يمر أمام منزلك وترمي بمدونة السير في الحديقة المجاورة.. سر ولا تنتبه إشارات المرور.. ستضحك طبعا .. كان من المفترض أن أضربك بمطرقة لأزيل ما بقي من أسنانك.. ربما أفضل أن تبقى بالقواطع فقط وربما مع قليل من المبالغة السردية.. أكتب على إعلانات الإشهار المبثوثة قرب العين الصافية .. من يُعير السنجاب طاقم أسنان كي يأكل به خروف عيده: الأكبرُ ما في حي الوفاق، – تلكم حكاية أخرى سلخَها عنك "الناقد عز الدين نملي" ذات يوم مُرصّع بالنميمة بمقهى فلوريدا بالمدينة الجديدة، ولم أكن أعرف حجم الخروف حتى أجبتني على الهاتف أنك تبحث عن وسيلة نقل "بيكاب" لتقله إلى المنزل- أعياك القضم ..أضحيت قطعة غيار لا غبار عليها لتشغيل آلة النقد بمدينة مكناس..

هل تعتقد أن سكة نقدك ستوقف سلسلة هذا السرد " السير ذاتك" المرعب.. أنا هنا لا أتحدث عن النقد بمعناه " الفُلوسي" ...

لا تهتم بما أقول هل أشتقت إلى شبر من الشاي وسيجارة ورئة تشربك حتى الثمالة؟، تشرب الشاي وأنت منكمش في  "القهوة" .. عفوا في مقهاك الباهث بنكهة بافلوف حيث تبحث عن النادل فتجده مُتكوّما جانبك يوزع عليك بين الفينة والأخرى ابتسامة جامدة منتهية الصلاحية ..يا إلاهي .. غير ممكن أربعة مشروبات وخمس أشخاص ... حساب ناقص يلملمه مرض أحدهم .. آه أنت تشير إلي الآن برفع حاجبيك، فأُلهمك الجواب ... لا تنس أن قنينة لتر من الماء قد شربها ذو الوجه الأرستوقراطي .. ها ..ها..ها..

 

السرنمة الخامسة : تراويق مزمنة

أعود مرة أخرى إلى حكاية السنجاب .. هل أضغط على الزناد، لا أحتمل تفجير جمجمتك.. ربما سأُلقي بالبطل من النافذة التي تُطل على روض الأطفال .. سيعفو عنك ابنك اسماعيل وهو يقف بيننا ضاحكا في رقته خجل وبهاء.

زمن السيد" إذا رغى" له عقارب .. النص الأصلي الذي كتبته سقط مني في "جوطية " حي الوفاق .. جميل أنه سقط منّي هناك..ذاك النص يفقد فيه البطل عقله، يعاني من بروتوكول نقدي حاد ونزيف في الحرف الغضروفي، يمكن أن يتقيأ الأشياء والأحداث وربما تصيبه حبّة الحبكة بالإسهال الحاد والمزمن في زوايا متعددة ...مصاب أنت البطل بلوثة منطق تعلو على مستويات الحفر في مضان النص ومقاصد الجمل وابتهالات الحروف..

 هذه دعوة مفتوحة لك عزيزي أن تكثر من الملاحظات الدسمة مع قليل من بهارات الإنشاء والجغرافية .. خذ قطرات العدسة قبل الكتابة حتى يُشفى خطّك من التنحيف القسري  .. عد إلى درس الأشياء القديم من زمن "بوكماخ" فله فائدة  للخروج الواسع من عصمة النمطية والنموذج ..زد على ذلك القليل من وجبة الكلمات المتقاطعة قبل النوم ممزوجة بقليل من زيت ابن مالك .... هههههه ..."مالك" تضحك يا صاحبي؟؟؟.

بقليل من الحظ ستُشفى إذا اتبعت نصيحة السارد ومع قليل من العصيان النقدي ستنجو من حوافر النصوص وهي تتمرد على الدور المحوري الذي أسنده الكاتب للسارد.

على سبيل الختم: ألوانك صهوة الأجزاء

الحي الذي توجد فيه مقهاك و" الجوطية التي تعجبني أشياؤها القديمة .. أحلم أن أجد فيها مطرقة كالتي اشتَريتَها ذات مرة فاكتهلتَ العصيان النقدي. 

سأكون مستيقظا كفنجان ينطوي على شيء بالغ الأهمية يصعب على القراءة .. فما يزال الحظ منهمكا في رسم الموعد وصورة المرأة التي تنحدر تفاصيلها من الجانبين ... ما أبعد الحظ عن رجل مستلقٍ متوحد مع ظله يغزل أيام القراءة...

التظليل لا ينفعك معي..تكهناتك لا تُخرجني من الشمس.. الشمس دائما لا يسعفها الضوء كي تفسر نوايا النهار.. ضع كثيرا من صحوك على مسرودتي لتجد أن القمر ربما تصدر عنه قهقهات ضوئية وهو يحترف ليل العاشقين..

هذه ظنون سردية فقط وأحوال شديدة اللهجة ما شاءت أحداث النص .. لا تعتقد أنك ستفلت منّي .. من كوابيسي.. لقد بدأت لعبتنا بمواصفات " كليلة ودمنة " تأمل في البقاء كي تستعمل آخر شهواتها بمهارة القاتل المتسلسل..

هذا قرار من شجرة إلى سنجاب.. لا تنتبه إلى طلقة رصاصة من لبلاب.. هو ذاك التقتيل المنفرد بنفسه.. عمل شجاع يحتاج إلى الكثير من الجبن.. ربما الفئران تُجيد انتهاك الاتجاهات الأربعة.. ربما لا تخرج من علبة " الباندورا"  تلك الحسناء التي تخيلها معشر الرجال..

هل جننت يا سيدي ؟؟ ألم تقرأ كتيب الإرشادات.. ممنوع عليك أن تنظر داخل الصندوق الخشبي.. ربما السكة موجودة .. لكن أين القطار.. شخصيا لا أحتاج إلى شرف مساعدتك في ارتقاء عربة مريحة.. لا أرجو أن تصل إلى وجهتك وأنت لم تَقْتَنٍِ بعد تذكرة الذهاب.. لا تبتئس ربما حرّف السارد نية الكاتب قبل أن يتجاذب معه أطراف القصة ويملأ فراغات روحه..

هل تكفي الآهات الضاربة في المُطلق أن تُنهي بوهيمية النص؟ .. ها أنت تكتب كي تقرأ وحدك الجملة السافلة المنفلتة التي تعشقك .. فتنبت في داخلك أمكنة العشق وخميلة من آلاف الحروف الضامرة التي لا تُلزم أي قطار بالمرور قرب منزلك.

بالداخل إذا رَغَى .. بالخارج إدارغة:

الطيور تختبئ لتموت.. فقلما تجد طائرا يلفظ أنفاسه بالسماء ويسقط في المحطة..في ساحة باب الخميس.. للسماء حرمة لا ينتهكها سوى أطفال مشاغبين يعبثون ببقايا الحافلة التي تقلُّك إلى نفسك، بدون ثمن طبعا..إلى طقوس قد تُرهقك فيما أنت تمارسها بدون احتياط إضافي من موسيقى " رويشة " المسكين.

العالم منقسم بين من يحبونك ومن لا يحبونك.. لقد حصلت في هذا النص على حصتك من الجنة.. فلا يحق لك أن تضحك.. أنا اعمل على تلقينك بوح الطيور المجروحة .. الليلة سيعرف الكل أن نوح قد بنى سفينته قبل المطر.. قبل الطوفان.. أتدري أن النهر قد يتسع للبعض حتى يخالونه بحرا.. ابحث من حولك عن المحار.. ستجد أنني لا أكذب عندما يتعلق الأمر بالتعرف على الماسة الحقيقية.. هذا ربما تدركه معي في الخطة "A  " أما في الخطة " B  " فالعملية كلها لعبة غميضة .. تعتقد أنك بارع بدون قناع لكن سرعان ما تكتشف أن الأقنعة هي جوهر لعبتنا .. وعلى أحدنا أن يكون ضعيفا كي تنطلي عليه الحيلة .. فنظرا للضوضاء التي تعوم من حولك لا تضع رجليك على الرصيف قبل أن تتأكد أنك على مثن القطار نفسه الذي يوصلك كل مرة إلى محطتك المشهورة .. مقهى الفن وحي الوفاق.

 

 

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
1 janvier 2012 7 01 /01 /janvier /2012 16:20

 

◈ قصة قصيرة جدا:حُرية

 

بقلم عبد النور ادريس


قيل له أن القيد فكرة، لم يصدق، فقرر أن يكسر كل القيود.


خرج نحو الأفق مترنما بحريته..


إلتقى بها...


عصفورة جميلة ممشوقة القد   !!!


وشوش لها بجمال سلالته، و أن صيصانه منها سترث منه هذا الجمال الأخاذ.


نفش ريشه ثم استدرجها للعُش...


 استدار جهة العُش، وسرعان ما وجد نفسه يفتح باب القفص صادحا في وجه عصفورته:


تفضلي هذا مسكني الوثير.


 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article
2 décembre 2011 5 02 /12 /décembre /2011 23:09

 

 

فاطمة المرنيسي تكتب عن ألف ليلة وليلة

بقلم : فاطمة المرنيسي* -

ترجمة : سعيد بوخليط

شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميون قصد الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس. ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد ـ كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة ـ أثبت بأن “أول من أبدع تلك الحكايات (…) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (…) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة”. فتح، حكايات “ألف ليلة وليلة”، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلا، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.

“شهرزاد” لفظ عربي لكلمتين فارسيتين : شيهرا، ثم زاد، بمعنى “مولود نبيل”. زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضا. اسمه اندغام لكلمتي شهر ودار، أي “صاحب المملكة”. مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار يحكم شعبا، لم يكن مألوفا بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى “جزر الهند، والهند الصينية”. بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه : الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.

بالفعل، تنفتح “ألف ليلة وليلة” على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات Fées  ، نتيجة المهارة الثاقبة ل شهرزاد وتمكنها من فن التواصل.

تبدأ التراجيديا، بتاريخ ل شاهزمان أخ شهريار وملك “بلد سمرقند”. حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين “أحضان طفل يشتغل في المطبخ”. قتل العاشقان، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جدا عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يسير الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة : “كان يشكو مأساته، متجها بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداوتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرين خادمة، عشرة ذوي بشرة بيضاء وعشرة سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إحصاؤهم، عشرة نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملكة : “مسعود مسعود” . ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها تم رفع رجليها وانغرز فيها لكي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملكة بينما العبيد السود فوق العبيدات السوداوات، وبقوا على هذا الوضع إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. نط، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملكة من الباب الخاص صحبة نسائها ثم أغلقن الباب بعناية”.

تنضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة : “كان مسعود فوق السيدة النبيلة (مسعود فوق الست)” تختزل هذه الرابطة القدرية بين الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة ببنية الحريم ذاته : إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان ويفرضن قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل “ألف ليلة وليلة” سيفترض وهما آخر يوطد بعده التراجيدي : الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق : يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء كي يصيروا غير مرئيين.

ماذا فعل شهريار حينما اكتشف جريمة زوجته ؟ لقد عاقب المجرمين : قتل زوجته وخادمه. بل لم تتوقف رغبته في القتل عند هذا الحد : سيلازم لياليه. كما سيأمر وزيره، بأن يقتاد له عند كل صبيحة عذراء يتزوجها ويقترن بها ليلا. لكن مع الفجر، يقودها إلى الجلاد لينفذ فيها حكم الإعدام : “هكذا سيتواصل الأمر إلى غاية إبادة جميع الفتيات. كل الأمهات تبكين، فتصاعد الضجيج بين الآباء والأمهات…”.

نعاين إذن، منذ بداية “ألف ليلة وليلة” التشابك المعقد بين العنف الجنسي والسياسي. ما بدء قبل ذلك، كحرب بين الأجناس تطور نحو عصيان سياسي ضد الحاكم من قبل الآباء الحزينين على بناتهم.

لم تبق الآن، إلا عائلة وحيدة في مملكة شهريار تضم فتيات عذراوات. إنها عائلة الوزير الذي كان مكلفا بعمليات القتل، وهو أب لفتاتين تسمى الواحدة شهرزاد والثانية دنيا زاد، لم تصل شهرزاد إلى قصر شهريار إلا سنوات بعد حادث الحديقة. كان أبوها يرفض التضحية بها، لكن شهرزاد ألحت على مواجهة الملك : “أبي، مخاطبة الوزير المنهار، أريد الزواج من الملك شهريار، إما أنجح في تخليص شعبي أو أموت…”.

تحت هذه اليافطة، تمثل الفتاة الشابة التي تسكن خيال الفنانين والمفكرين المسلمين كما سنرى بعد ذلك، وجها للمقاومة والبطولة السياسية. لا تسير شهرزاد بسذاجة نحو الموت، بل لها استراتيجية وتتوفر على برنامج مصمم جيدا. محادثة الملك، إلى غاية أن تتملكه، بحيث لا يمكنه التخلي عنها وكذا صوتها. صار المخطط كما توقعته ثم حافظت شهرزاد على حياتها.

تقويم اندفاعات المجرم المتهيء لقتلك، وأنت تروي له حكايات، يعتبر انتصارا هائلا. لكي تنجح شهرزاد، يجب أن تضع على التوالي ثلاث استراتيجيات ناجحة. أولا، معارفها الواسعة، ثانيا، موهبتها في خلق التشويق بطريقة تشد معها انتباه القاتل. ثالثا، برودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.

الامتياز الأول، ذو طبيعة ذهنية : تلقت شهرزاد تربية أميرية، تجلت ثقافتها الموسوعية منذ الصفحات الأولى من الكتاب : “قرأت شهرزاد مؤلفات في الأدب والفلسفة والطب. لا تنطوي القصيدة بالنسبة لها على أسرار، فقد درست النصوص التاريخية وبإمكانها الاستشهاد بالوقائع المثيرة للأوطان الغابرة والحكي عن أساطير الملوك القدامى. كانت شهرزاد ذكية عالمة، حكيمة ومهذبة. قرأت وتعلمت كثيرا”. لكن العلم وحده غير كاف لإعطاء المرأة سلطة على الرجل : انظروا إلى هؤلاء الباحثات المعاصرات عندنا، إنهن متعددات ولامعات سواء في المشرق أو المغرب : لكنهن عاجزات عن تغيير غرائز الموت عند شهريار العصر الحالي… من هنا فائدة القيام بتحليل يقظ، للكيفية التي خططت بها شهرزاد لنجاحاتها.

الامتياز الثاني لبطلتنا، يحمل طبيعة نفسية، فهي تتقن اختيار كلماتها لكي تؤثر في أقصى عمق فكر المجرم. إن التسلح بوسيلة وحيدة مثل الكلام للدخول في صراع مميت، يمثل اختيارا ينطوي على جرأة نادرة. إذا كان هناك من حظ للضحية كي ينتصر، فمن اللازم بالنسبة إليه فهم دوافع المهاجم واكتشاف قصدياته ثم إبطال الهجومات بالحدس كما هو الحال مع لعبة الشطرنج. الاختيار الذي سلكته شهرزاد أكثر صعوبة، بحيث يبقى أولا، الملك ـ العدو ـ صامتا. على امتداد ستة أشهر الأولى، اكتفى بالاستماع إلى ضحيته دون النطق بأية كلمة. أما شهرزاد فلا يمكنها حدس مشاعره إلا بناء على إيماءات وجهه وجسده. كيف يمكن لها في إطار هاته الشروط، أن تعثر على الشجاعة لمواصلة الحكي وحدها طيلة الليل ؟ كيف تتجنب الخطأ النفسي والخطوة الخاطئة القاتلة ؟ لذلك، مثل صاحب مخطط يستخدم معارفه في أفق توقع ردود فعل الخصم وتمثل تكتيكاته. كان، من الضروري بالنسبة لشهرزاد أن تكتشف باستمرار ما يدور في فكر شهريار، تبين ما سيحدث بعد ذلك بدقة كبيرة، فابسط خطأ يعتبر مميتا.

أيضا، يفضي الامتياز الأخير للمناضلة الشابة على الأقل، الاحتفاظ بوضوح الأفكار ومواصلة اللعبة عوض الخضوع للخصم. ستنقد شهرزاد إذن ذاتها اعتمادا على ذكائها وخاصياتها الدماغية التي تتميز بقوة هائلة على التخطيط. ستوظف نفس أسلحة الإغواءات الهوليودية أو جواري ماتيس Matisse  . تدحرج، بشبق جسدها العاري فوق سرير الملك، وإلا فستموت.

لا يفتقر هذا الرجل للجنس بل يعاني من تحقير حاد للذات نتيجة تعرضه للخيانة. ما يحتاجه الملك، علاجا نفسيا يساعده على أن يعيش ثانية المأساة التي تنخره ثم يتحرر منها، وهو بالضبط ما شرعت شهرزاد القيام به وذلك بجرأة نادرة. كانت تروي له مئات الحكايات التي تكرر بشكل لا نهائي نفس الحبكة، مثل هلوسة : رجال يتعرضون للخيانة من طرف نسائهم. ثم لكي تشجع شهريار على النظر بنسبية إلى مأساته، فإنها تورد حالة الجن، تلك الكائنات اللاأرضية التي من المفروض أنها لا تنهزم، فقد خدعتها النساء وهم يتسلون بحجزهن. جرأة الكلام مع رجل عنيف قصد مداواته من جرح يتآكله، يعتبر بالتأكيد تهورا ينبني على استراتيجية دفعت مجموعة من المفكرين، كي يكتشفوا في شهرزاد، امرأة محرضة على التمرد، محفزة المستضعفين على العصيان.

لاحظ جمال الدين بن الشيخ، أحد أفضل المختصين في الحكايات، بأن شهرزاد لم تنكر لحظة من اللحظات وجود القائد، رغبة النساء لتعطيل إرادة الرجل. هذا ما يفسر سبب رفض النخبة العربية تدوين الحكايات : ((الراوية التي تتوخى الحصول على رأفة الملك المخدوع من قبل زوجته، ستوظف كل خيالها المبدع، لتنسج وقائع تؤكد عدم ثقة هذا الأخير في النساء)). تنطوي الحكايات بالفعل على توضيحات لمزاج نساء الحريم، غير القابل للضبط. سيظهر مع الواحدة بعد الأخرى، إلى أي حد عدم واقعية، توقع رؤيتهن يخضعن لقواعد اللامساواة التي تفرض كقانون. بإمكان الرجال ، قراءة المصير التراجيدي الذي ينتظر كل واحد منهم. يكتب بن الشيخ : “نعرف بأن رعب الخيانة هذا، يغوص بجذوره إلى أكثر الثقافات قدما من ثقافتنا، معبرة عنه دائما بنفس الطريقة تقريبا… . لكننا في هذه الحالة، نشتغل على نص مكتوب بالعربية…”. ولأن العربية، تمثل لغة الكتاب المقدس، أي اللغة التي نزل بها القرآن ! فإن تدوين الحكايات بالعربية، يعني منحها معقولية خطيرة، هذا ما يفسر عنده إدانة النخب العربية الذكورية للحكايات طيلة قرون والاقتصار على تداولها شفويا. إن رفض المثقفين العرب المتنفدين، الترخيص لتدوين الحكايات وضعها داخل سياق الدونية، أمام الأوربيين الذين أعطوها امتيازا بترجمتها ابتداء من سنة 1704 (الترجمة الفرنسية ل Galland  ). بينما، لم تظهر أول طبعة عربية إلا قرنا بعد ذلك، وبالضبط سنة 1814، كما أن لا أحد من الناشرين ل “ألف ليلة وليلة” كان عربيا.

صدرت الطبع العربية الأولى، ب كالكوتا Calcutta   سنة 1814 من قبل هندي مسلم اسمه “الشيخ أحمد الشيراواني”، أستاذ العربية ب كوليج وليام الرابع. أما الثانية، فقد أنجزها “ماكسيميليان هابيش” Maximilan Habicht   ب بروسلو Breslau  ، ألمانيا سنة 1824. عشر سنوات، بعد ذلك، سيأخذ العرب المبادرة أخيرا، بالعمل على تسويق النسخة المصرية ل بولاق التي طبعت بالقاهرة سنة 1834. من المهم، الإشارة إلى أن الطبعة العربية الأولى ل “ألف ليلة وليلة” تبين الحاجة لتصحيح نسخة بولاق : “تحسين اللغة بطريقة تنتج عملا ذا قيمة أدبية أعلى من النسخة الأصلية”.

بإمكاننا التساؤل عن السبب الذي استندت إليه النخب، كي ترفض تدوين الحكايات ؟ ما هي الجريمة الأساسية التي اتهمت بها شهرزاد ؟ هل الأسباب سياسية أو دينية كما يحدث حاليا في إيران أو العربية السعودية، بمنع الكتب ؟ يظهر بأن العامل الأول الذي تم استحضاره هنا، أدبي بالأساس دون أي مضمون سياسي : لقد كانت النصوص ذات قيمة ضعيفة.

لاحظ “بن الشيخ” مستوى الخرافة الذي وضعت في إطاره الحكايات (مما يعني تقريبا “هذيان فكر مختل”) لكن وراء هذا البرهان الأدبي، يتحدد منتهى الجبل الجليدي السياسي : رفضت النخبة إخراج الحكايات لأنها تترجم مشاغل ورأي القوى الشعبية. هذه الجزئية الصغيرة، تجعلنا نستشف انفصاما ضخما : ألا يجسد الإرث الإسلامي المدون فكر النخبة ؟ ألا ترسم الشفاهية في جوف هذا الإرث فتحة واسعة وفراغا علينا الاهتمام به ؟ هذا التطابق بين الشفاهية والإقصاء، قاد بن الشيخ للتساؤل، إذا كان في الواقع رفض تدوين الحكايات كتابة يتأتى من كون النساء يظهرن فيها أكثر براعة من الرجال. بناء على منطق “ألف ليلة وليلة”، فإن القاضي (شهريار)كما لاحظ “بن الشيخ” كان مخطئا، بينما الصواب إلى جانب المتهمة (شهرزاد) : “لم يحاكم الملك فقط من قبل شهرزاد، لكنها أيضا تدينه حتى يغير طريقته في العيش وفق نزواته، إنه العالم معكوس. عالم، لا ينفلت فيه القاضي من عدالة ضحيته”. عالم ، حيث القواعد هي قواعد الليل : شهرزاد صامتة طيلة اليوم، غير مرخص لها بالتكلم إلا بعد غروب الشمس، حينما يلتحق بها الملك للاستماع إليها وهو على فراشه.تتذكرون الجملة المقتضبة التي تنهي كل حكاية : “وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح”.

هكذا، يقلب الأثر الحاسم للحكايات التي تتداعى في الظلام، قوانين محكمة الملك، الذي يبدو بأنه ليس شيئا آخر غير سراب، سريع الاندثار مثل ضوء النهار. بالفعل، يتخلى الملك عن اعتدائه المرعب، ويخضع لتأثير نافذ من قبل شهرزاد، مقرا بعدم صوابه حينما يسقط غضبه على النساء، “آه شهرزاد، جعلتني أزهد في ملكي، والتحسر على ماضي العنيف اتجاه النساء، وكذا أفعالي القاتلة ضد الفتيات الصغيرات”.

بالتالي، سيقر المستبد بتغير مفهومه عن العالم، بعد حواره الطويل مع زوجته. اعتراف، قاد مجموعة من الكتاب العرب في القرن العشرين، لكي ينسبوا إلى شهرزاد خاصة والنساء عامة سلطة مدنية. المفكر المصري اللامع طه حسين، أطلق نداء إلى المستقبل : لكي تستعيد مواقف الرجال حب امرأة، فمن الضروري أن تستند على السلم والهدوء بدلا من العنف. في كتابه المعنون ب : أحلام شهرزاد، الصادر سنة 1943، جعل من الحاكية الناطق الرسمي باسم الأبرياء الذين زج بهم في عذاب الحرب العالمية. حرب أشعلتها أوروبا، ولم تكتو بنارها فقط الشعوب العربية بل شملت كل الكون. تجسد شهريار عند طه حسين، نزوة الموت عند الإنسان المبهمة، والمأساوية. لم يفهم، الملك بأن سجينته مؤتمنة على سر نفيس جدا، إلا بعد سماعه لها لسنوات طويلة. من الضروري أن يكتشف هذا السر، لكي يدرك أخيرا النضج العاطفي والرصانة :

“شهريار :

ـ من أنت وماذا تريدين ؟

شهرزاد :

ـ أنا شهرزاد، كنت مرعوبة طيلة سنوات، ثم منحتك لذة الاستماع إلى حكاياتي. حاليا، اقتحمت مرحلة جديدة، قد أمنحك حبي لأنني انهزمت جراء الرعب الذي ألهمتني إياه. ماذا أريد ؟ أسعى، لكي يتذوق أخيرا سيدي الملك السكينة، ويحس ببهجة الحياة في عالم يخلو من كل قلق”.

حسب طه حسين، يتجلى الخلاص حينما يبدأ الحوار بين الطاغية والمظلوم، القوي والضعيف. لا يمكن للحضارة أن تزدهر حقا، إلا إذا تعود الرجال على إقامة حوار مع الكائنات الأكثر اقترابا منهم، النساء اللواتي يقتسمن معهم الفراش. بالتالي، هل بعث ثانية، طه حسين الضرير، المعاق والعاجز عن القيام بالحرب ـ تماما مثل المرأة ـ مضمون الرسالة كما تضمنته حكاية شهرزاد القروسطية : يوجد رباط بين الإنسانية وحرية المرأة. لذلك، فإن كل عمل يتأمل الحداثة داخل العالم الإسلامي المعاصر، يؤخذ كسلاح ضد العنف، الاستبداد. ويكتسي أيضا، صيغة دفاع عن النسوية.

بالنسبة لزعيم مسلم إصلاحي، كما هو الأمر مع الرئيس الإيراني خاتمي، المنتخب في الاقتراع المباشر لسنة 1997 ب 70 من الأصوات، نتيجة تصويت النساء. فمن البديهي لكي يصارع ضد المحافظين، أن يحث النساء على ولوج مواقع السلطة. ثم دعما لموقفه قصد هزم معارضيه في انتخابات يونيو 2001 ( %77 من الأصوات)، قام خاتمي بعملين عضد بواسطتهما مسار الديموقراطية. أولا، شجع النساء على المساهمة في انتخابات المجالس البلدية سواء في القرى الصغيرة أو المدن الكبرى، هكذا انتخبت 781 من بينهن. بعدها، دفع النساء لكي يشغلن وظائف مراكز القرار في دواليب الجامعة، بحيث أحرزن على %60 منها قبل ولايته الثانية. بشكل مفارق، فإن قرار ارتداء الحجاب الذي أعطاه آية الله الخميني إلى النساء سنة 1979 لإخفاء التعددية داخل الأمة الإسلامية، دفعهن للرجوع بقوة إلى المشهد السياسي بعد عقد من الزمان. مثلما في هاته الأحلام المتكررة بشكل لا نهائي، يعاد ثانية في كل مكان بالعالم الإسلامي، إنتاج السيناريو الإيراني المرتبط بالصلة الحتمية بين الديمقراطية وتأنيث السلطة. أن تذهبوا إلى الجزائر، تركيا، أفغانستان أو أندونيسيا، ستلاحظون وأنتم تنتقلون من قناة تلفزية إلى أخرى، بأن السجال حول الديموقراطية يقود حتما إلى سجال آخر يتعلق بالمرأة والعكس صحيح. هذا التداخل المثير، الذي يجمع بين التعددية والنسوية داخل العالم المضطرب للإسلام الحالي، تجسد قبل ذلك مع تاريخ شهرزاد وشهريار. لقد انتهى شهريار في ألف ليلة وليلة، بالتوصل إلى أن الرجل ملزم بتوظيف الكلام بدلا من القوة لتسوية نزاع ما. في صراع شهرزاد من أجل البقاء والحرية، فإنها لا تقود جيوشا ولكن مجموعة كلمات. بالتالي، يمكن اعتبار الحكايات مثل أسطورة متحضرة لازالت راهنية جدا. تتغنى “ألف ليلة وليلة”، بانتصار العقل على العنف. قادني هذا التأمل، لكي أعود إلى نقطة تتناقض كليا مع صورة شهرزاد في الغرب وكذا نسختها الهوليودية : في الشرق، المرأة التي لا تستعمل غير جسدها ـ أي جسدها دون دماغها ـ هي بالضرورة عاجزة عن تغيير وضعيتها. أخفقت إذن الزوجة الأولى للملك على نحو محزن، لأنها حينما سمحت لخادمها كي يمتطي فوقها، اختزلت ثورتها في الجسد. الخيانة الزوجية بالنسبة للمرأة، فخّ انتحاري. على العكس، نتعلم من نموذج شهرزاد إمكانية قيام المرأة بتمرد فعال، شريطة التفكير. ستساعد الرجل بقوة ذكائها، للتخلص من رغبته النرجسية إلى ارتباط بسيط. يبين التاريخ ضرورة، أن نقابل اختلافنا مع اختلاف الآخر، حتى يتأسس الحوار ثم نكتشف ونحترم الحدود التي تفصلنا. تثمين، حوار في كل جزئياته، يعني تقدير معركة تكون نتيجتها غير مضمونة، بحيث لا نعرف سابقا الغالب والمغلوب، لكن الانخراط في معركة كتلك تمثل موقفا يضع رجلا داخل وضعية تتميز بعدم الاستقرار، بعد أن اعتاد على أخرى مريحة حينما كان مستبدا.

عبد السلام الشدادي، مؤرخ مغربي وأحد أدق الباحثين في الإسلام المعاصر، يختزل رسالة “ألف ليلة وليلة” بقوله : “اجتهد شهريار حتى يكتشف فكرة استحالة إلزام المرأة، للامتثال للقاعدة الزوجية”. ثم، يضيف بقدر ثورية هاته الفكرة، فإنها أقل من الرسالة الثانية للحكايات : إذا أقررنا بأن اللقاء بين شهريار وشهرزاد، صورة للصراع الكوني الذي يتعارض في إطاره النهار (تمثيل ذكوري لنظام موضوعي) مع الليل (تمثيل أنثوي لنظام ذاتي)، بقاء الزوجة، يخلق لدى الرجل المسلم ارتيابا غير قابل للتحمل تقريبا : ما هي إذن نتيجة المعركة ؟ يكتب الشدادي : “حينما يحافظ الملك على حياة شهرزاد فهو ينتهك القاعدة التي وضعها. عمل شهريار بالفعل، وضد كل انتظار، على كبح ذاته مانحا شهرزاد الحق في الحياة والكلام ثم النجاح، “تتوازن القاعدة والرغبة ، حيث يلامسان نوعا من السكون المتقلب، دون التمكن من القول بأن أحدهما سيستعيد أم لا حركته الأصلية”. ما إن يغلق الرجل المسلم، الصفحة الأخيرة من الحكايات إلا ويحصل عنده اليقين بشيء واحد : الحرب بين الأجناس في نطاق تجسيدها للحرب بين العقل والعاطفة، تعتبر لا نهائية.

التعارض حسب “الشدادي” بين الملك والراوية له أهمية أخرى : إنه يعكس ويوسع النزاع الحاد الذي يفصل في الثقافة الإسلامية بين التقليد الشرعي والخيال. غلبة شهرزاد هو انتصار للخيال (الوهم)، على مشروعية حراس الحقيقة (الصدق).

يتحدث الشدادي عن مصير الحكواتيين المأساوي. رواة الشارع هؤلاء، حيث يشكل سلمان رشدي أحد ورثتهم في الزمان الحالي، اعتبروا عادة في بغداد القرن الوسيط، كمتمردين مفترضين ومثيرين للقلاقل. كما هو الأمر اليوم، مع صحافيي اليسار الخاضعين للمراقبة، فقد كان هناك سعي قصد منع هؤلاء الحكواتيين من مخاطبة الجمهور. أشار المؤرخ الطبري، في تاريخه عن الأوطان والملوك، أنه سنة 279 هجرية (القرن العاشر ميلادي) : “أعطى السلطان أمره، لإخبار سكان مدينة السلم (أحد أسماء بغداد)، بعدم الترخيص لأي حكواتي كي يستقر في الشارع أو المسجد الكبير”. إذا طرد الحكواتيين من المسجد يفسر الشدادي، فذلك لصعوبة القيام بتمييز واضح بين خيالهم والحقيقة. الطرد، وسيلة القصر الوحيدة لإسكات صوت هؤلاء المبدعون الخطيرون : “مع بداية النصف الثاني من القرن الهجري الأول (القرن السابع الميلادي). قام علي (الخليفة الرابع العقائدي) بمنع رواة الشارع من دخول مسجد البصرة. بالتأكيد، لن تتوقف مضايقة الحكواتيين، إلا بإنهاء الرابطة المهنية… وتعويضهم بالوعاظ. لقد كانت الوسيلة الوحيدة، من أجل تأسيس واضح للحد الفاصل بين ما يمكن اعتباره حقيقيا وصادقا ثم ما ينتمي إلى عالم الخيال والخطأ وكذا الزيف”.

لكي تخلخل أكثر العقول المتزمتة القديمة منها والمعاصرة، فإن شهرزاد تتوفر على سمة الإزعاج إلى أبعد حد. يعيد الشدادي التذكير بها : “مع أول ظهور لها في الكتاب، تكشف عن مواهب سلطة دينية إسلامية، “فقيه” بالمعنى المتكامل وصاحبة موقع حصين”. لا تتضمن معارفها اللانهائية ضبطا فقط للتاريخ، لكن أيضا الأدب المقدس من قرآن وشريعة وكذا مختلف التأويلات الدينية للمدارس الفكرية. تداخل عجيب بين ثقافة علمية جدا وخطاب ينحصر ظاهريا في عالم الخيال والليل. تمازج، جعل شهرزاد متهمة كثيرا، مما يفسر رفض النخب العربية تصنيفها ضمن الإرث المكتوب. تشير “ألف ليلة وليلة” إلى الخطر المحدق بطبقة الخاصة حينما تستمع للعامة. هذا الشعب الصارخ والقوى الأمية، تكرر لمن يريد الاستماع إليها بأن الطبقية، اللامساواة، والتفضيلات، تشكل أعداء لها.

أليس من الغريب،أن راوية متخيلة في القرن IX  ، تحتل من جديد مكانا مركزيا. بين ثنايا المشهد الفكري الإسلامي المعاصر، باعتبارها رمزا للصراع الديموقراطي ؟ هذا، لأنها عرفت قبل ذلك في بغداد العباسيين، كيفية التشكيل الواضح للأسئلة الفلسفية والسياسية الجوهرية، عجز حتى الآن زعمائنا السياسيين المعاصرين عن الإجابة عنها : هل يجب الخضوع لقاعدة جائرة فقط لأنها كتبت من قبل الرجال ؟ إذا كانت الحقيقة بهاته البداهة، فلماذا لا نترك الوهم والخيال المبدع كي ينموان ؟ معجزة المشرق، أن ذكاء شهرزاد الثاقب واهتمامها بالقضايا السياسية والفلسفية، جعل منها مغرية ومدمرة بشكل مريع.

تعود أصلا قوتها الإقناعية إلى ثقتها في الذات، بسبب هذا المعطى الذي يمثل فن جوهر التواصل، فإن شهرزاد مدهشة. لا تصرخ حينما ينتابها الخوف، فهي لا تبدد طاقتها. توظف الصمت لمعرفة نوايا خصمها وتحديد نقطة ضعفه، وعلى ضوء ذلك توطد استراتيجيتها المضادة. إنها، متيقنة بكونها شخصية رائعة، تتوفر على ذكاء مذهل. لو ظنت نفسها حمقاء، سيقطع الملك رأسها. تؤمن كثيرا بقدرة الكائن الإنساني على تغيير مصيره. السحر فينا، تلك هي دعوة شهرزاد. نأتي إلى العالم، ونحن مسلحين جدا للدفاع عن أنفسنا : دماغنا سلاح لا يقهر. احترام الذات سر النجاح، ذاك هو مصدر افتتان المسلمين ب شهرزاد، الأمس مثل اليوم وسواء كانوا رجالا أو نساء. من هنا، قيمة تأويل ما يحدث لها حينما تعبر الحدود اتجاه الغرب.

هل ستمر تلك الملكة بسلاح الفصاحة أم ستفقد لسانها عند الحدود ؟ شيء يقيني : نعرف بالتأكيد رحيلها إلى الغرب، ووصولها باريس سنة 1704.

*Fatéma Mernissi : le Harem européen. Editions le Fennec, 2003, PP   : 59-76

boukhlet10@gmail.com

 

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans عالم السرد
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية