Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
1 mai 2012 2 01 /05 /mai /2012 20:56

الأيقونات الثقافية في كتابة عبد النور إدريس

للناقد اليمني محمد جبلي


في إطار هذه القراءة في مختارات من الأدب المغربي تتجسد الملكة الإبداعية في أعمال عبد النور إدريس رؤية مدنية ينتج عنها نص تجريبي عميق الدلالة على مستوى النص الشعري والنص السردي الذين يتناسقان تناسقاً رمزياً في إطارات رقمية كما في مجموعته الشعرية( تمزقات عشق رقمي) التي تسمو في دلالاتها تعابير عاطفية لامرأة السليكون (4)
على حد تعبير الشاعر” إليك وأنت تتلقين العشق السليكوني عند حافة الماسينجر
إن” تمزقات عشق رقمي ” تمثل ثمة حواراً عاطفياً مدنياً لسمفونيات شعرية، كما تكشف التجربة الأدبية عند عبد النور إدريس عن تكوينات سيميائية ترسم النص الأدبي كما في النص الشعري (خرائط التاج)والذي شكل في إطار القصيدة أبعاد الخريطة مرسومة شعراً في هذا السياق لابد أن نسلم حتماً بمقولة الفريد كورزفسكي بأن(الخريطة ليست هي الأرض)وأن نضع في اعتبارنا أن الخريطة بهذا المطلق هي النص الإبداعي وليس غريبا أن الإبداع الثقافي في سياق اللغة الأدبية هو منظور الخريطة الذي يرسم المبدع من وجهة نظره الإبداعية في تخيل (العالم الجميل) الذي يرتئيه المبدع مدنياً في تعامله الإنساني ، قد يخطر ببالنا أن الخريطة هي شكل تقريبي يصور الأرض من منطلق مقياس الرسم نظراً لبعد المسافات الشاسعة والحدود ولكن الإبداع يقرب وجهات النظر في تواصل الثقافة الإنسانية بين الشعوب ربما من هذه الزاوية الإنسانية والمدنية على وجه الخصوص يرتئي مبدعو الأدب مدى أثر الفكرة إلا بداعية بصفتها منطلقا فعليا لرقي السلوك المدني الحضاري في جوهر العمل الأدبي على اعتبار أن الأدب أشمل وأرقى من الأيديولوجيات ولا تختصره الجغرافيا على حد تعبير أستاذي الكاتب والشاعر والناقد عبد الإله القدسي.
على سبيل المثال في قصيدة (خرائط التاج) يشكل التاج أبعاد هذه الخرائط من التاج الأول إلى التاج السابع ونستقرئ ثمة لغة جمالية تمجد الهام العشق على اعتبار أن الحب القصيدة
التي تصور جماليات الأنوثة في كل زمان ومكان وهنا نجدها في تفاصيل (خرائط التاج) ويسمو الحب عاطفة مدنية، ففي مقطع (التاج السادس)تعبر لغة القبل عن روائع المعاني والبديع بلاغة لا تضاهى، كما في النص:
التاج السادس: بلاغة القُبل
قدر أنا بين شفتيك
/
أحلم طائعاً بقايا موجك الأزرق/
نار..أنا..مختبئة في أشياء ذاتك
/
أطفئ عطش الوصف/
ضعيني كوثراً” في جنّتك
ك
يِ
أُطفئَ حرائق لحظِك الطفو لي
ضعيني قُبلا تحت سيطرتك
ك
يِ
أمتهن رجْعَ الصّدى
وأمحو تجاعيد سيدة التاج
أيضاً في مقطع (التاج السابع)يصور مضمون إطار الخريطة، (فسيفساء) الدخان وعشق حب الكتابة وتدوين صباحات مخملية في أنساق شعرية ترسم جمالية مشهد لم يكتمل بعد !!
على حد تعبير الشاعر:
التاج السابع: فسيفساء دخّان
هذا دخّانكِ خرج مكتنزاً يعشق الكتابة
يدوّن الصباحات المخملية
لا الصقيع أناخ اليُتم الغارق في حصار الكلمات
ولا التوثبَ استنفر حروفكِ العارية
كيف أُسمّي نفاذك داخلي؟؟؟؟
استأنفي اختراقي
توغّلي في موسيقاي
أكان يمكن للعصافير التي تمتطيني
أن تمد يدها وتستعيركِ منّي
وهي التي…تُعرف بغيرة العتبات
بناء على ما سبق يجسد النص السردي في أسلوبية عبد النور إدريس التأكيد على الأدب الإنساني كمعادل مكافئ في أدب الحاضر كما في قصة (رسم الازدياد في نزهة السندباد)التي يحاكي في سياقها عبد النور إدريس شهرزاد والسندباد حيث يؤكد على(ألف ليلة… وليلتان)وكأن ليلته الثانية إضافة نوعية إلى التراث الإنساني الذي يتمثل في(ليالي ألف ليلة وليلة)باعتبار(إن التراث الإنساني قابل للإضافة والتجديد) على حد تعبير البرد وني في كتابه(فنون الأدب الشعبي في اليمن)، (5)النص بحد ذاته يصور عالماً متناهياً في الغرابة عندما يغدو الحديث عن الأشجار جريمة (كلاوس شومان) من الممكن أن رسم الازدياد في نزهة السندباد مغامرة لا يمكن حصرها في الشكل الممكن بل تتناسق فيها (إيحاءات وأحلام حركة دائبة نحو دلالات وأبعاد تتخطى حدود ما هو ممكن.. علاقة و شكلاً.. مجرد صناعة.. أنها فهم لعلاقة كل ما هو خارج الذات.. صناعة طرق مثلى لرؤى جديدة..)
في هذه المغامرة النزهة التي يجسدها النص تتصاعد دراماتيكية الحدث تدريجيا ً وهنا كان التأكيد على رواية (الخبز الحافي) للأديب(محمد شكري) ترمز لتناسقٍ فريد لما يتضمنه الأدب المغربي من دلالات تعبيرية لانفتاح النص الأدبي المغربي على الثقافات الأخرى ، وفي هذا الصدد نستحضر الكاتب الروائي المغربي عبد القادر بنعلي الحائزة روايته (أعراس البحر) على أكبر الجوائز الهولندية كما يشير الكاتب محمد المزيودي (على أن عبد القادر بنعلي يعدُّه الهولنديوين واحداً منهم وتتمثل في أسلوبيته السردية اتجاه محمد شكري في الكتابة الروائية حيث يكتب بأسلوب ساخر لاذع ويسير على خطى محمد شكري في نفس الثيمات والحساسيات (5) وهذا يعبر عن أسلوبية رؤية الانفتاح التي يجسدها النص الأدبي المغربي في الثقافة العالمية في قصة (رسم الازدياد في نزهة السندباد ) يجسد المضمون في تتابعه السردي (كان الخبر المنشور في الجريدة الرسمية ” سندباد ممنوع من الإبحار ” مانشتا يبدو بالغ الإثارة إلى حد ما في تصوير مايحدث في النص السردي (كان الكل يتعلم كيف يصرخ.. كيف يستغيث.. كيف يمضغ خبزه الحافي.. وكانت كل ردود تلك الأفعال
هذه بمثابة احتجاج مدني صارخ اعتراضاً على منع سندباد من الإبحار وهذا يمثل تضمينا للسلوك المدني في النص.. واضح المغزى.
في أحداث هذه المغامرة يتساءل السندباد في صمت. أن إحساسه يخامره أن هذه الرحلة ستكون عجائبها أغرب.. باعتبارها سوف تضيف إلى شخصيته شيئا جديدا إلى جنسيته وكينونته.. شكلاً ومضموناً..) هنا يتجسد(المونولوج) في القصة كدلالة للسرد الصامت مقابل السرد المنطوق.. وكان التأكيد على شخصية شهرزاد بأنها أصدق من روى عن السندباد ليتخيل السندباد نفسه أنه وقع في فخ الحكاية.. وشهريار يؤجل قتلها حتى أصبح القتل ملغيا لأجل الإدمان على الحكي.. فأصبحت حكاية سندباد علامة تؤجل القتل ويرى أن حلمه هذه الليلة لغزا حيره برموز ترمز لمغالق كثيرة مفادها، كيف.. كيف سيكون له ذرية بعيون خضر وشعر أشقر.. ؟؟!!
لم تنتهِ القصة عند تماهي شهريار مع حكاية شهر زاد بل ويتماهى البطل (السندباد) مع مجريات الأحداث في سياق الحكاية وكانت السببية الدراماتيكية في القصة تبرر أن الصعوبات التي يواجهها البطل سببها القدر ومخاض البحر بمنطقة البوغاز يلد الرعب والغرق والموت ويسلم الراوي معترضا على الحدث انه لا راحة للمهمش والقصي إلا في الأعماق بعد ذلك تتابع الأحداث في الحكاية أن شهرزاد تلح على البطل أن يغرق.. وينهي عذابه
..
يضع لحياته معنى كانت شهرزاد تريد أن تكون حادثة الغرق هي النهاية الحاسمة، لحكاية السندباد ، وتكون المفارقة، أشد عندما يعترض البطل نفسه على (نهاية) الحكاية مسجلا اعتراضه ضد الراوي، وأن يخرج من حالة خلق إلى حالة وعي مطالباً الحكاية أن تصمد.. تستميت.. يطالب شهرزاد ألا تصادر حكايته بصراخ الديك… كي يخترق الزمن هذه ديمقراطية السرد التي يمنحها الراوي البطل وأن يضع لزمنه الآتي ويضع لمصيره طقوساً وقوانين آخر سفرةٍ له نحو بلاد العجم… هي رغبة عارمة في ذهن البطل ترصد تصويراً للزمن بدون إقامة، بدون جذور.. كي يستخرج “هناك
وثيقة ازدياد باسم ” السندباد” البحري بعينين خضراوين وشعر أشقر.. وكرامة ربما تحيا بعيدة عن الأنظار كان تضمين أسطورة (ألف ليلة) وشخوصها شهرزاد وشهريار.. ترميزاً لتواصل التراث الانساني لمدى أهمية هذه الأسطورة في الأدب الانساني من خلال ترجمتها إلى العديد من اللغات العالمية. وهذه محاكاة النص الإبداعي المغربي للأدب الانساني من ناحية وانفتاحه على الثقافة الانسانية من ناحية أخرى لاسيما وذلك يعبر عن ذروة حوار الرؤية المدنية في النص السردي المغربي عندما يخلد النص السردي وإلغاءً للقتل ويؤجله إلى أجل غير مسمى لكي تستمر مغامرة السندباد لاكتشاف الثقافة الانسانية ونشر قيم السلوك المدني متضمنة الحوار والحب والثقافة والسلام كذلك في الأعمال الأدبية (السردية)لعبد النور إدريس نرى في النص السردي (شرنقة أحلام عاهرة) تتجسد تقنية الانتقالات في وصف الأمكنة بدلالات الديكور ليعبر المكان عن معالم مدنية تصف الزمان والمكان في إيقاعات مشاهد متتالية كالتالي: (المساء شاحب، أعمدة المصابيح لم تزل واقفة بدون ملل، كل شيءٍ يدعو إلى مغادرة الدروب، الرذاذ يداعب خياشيم المدينة , الحي موحش مليء بالوحل ْْ.. هنا النص يجسد انتقائية الوصف لما يحدث , في حي المدينة , والقصة بحد ذاتها تعبر عن معيارية نقدية (لطيش الأطفال) الذي يشوه ويعبث بجمال الحي.. كانت الرسالة المتوخاة في النص هي تجسيد السلوك المدني لكي يكون الحي نموذجاً راقياً للسلوك المدني في الواقع المعاش

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
20 avril 2012 5 20 /04 /avril /2012 20:57

المحطات الافتراضية في ديوان تمزقات عشق رقمي للشاعر عبد النور ادريس

بقلم مالكة عسال

عرفت الباحث عبد النور إدريس في العالم الرقمي، شفرة ذات حدين ،تضرب مضاجع الثقافة على كل الواجهات ،عرفته من خلال نصوصه المتنوعة :قصصية وشعرية وكذا من خلال بحوث المتنوعة، إنه خزان معرفي في شكله الموسع ،ولأقترب أكثر من هذا اللغز المدهش، الذي تتمزق ذاته وتتوحد في نفس الوقت مع الرقمي في عشق لامنته كما يبدو من خلال العنوان 'تمزقات عشق رقمي 'هذا العنوان الذي لم يوضع بمحض الصدفة ،أو العبث بل بحدس تام يؤكد ما يعيشه الشاعر من مشاعر حقيقية في عالمه الافتراضي، فمبدعنا يسحره الرقمي ،ويسافر فيه بعشق غارقا فيه حتى عوالم الدهشة والوجع.

 يقول في قصيدة 'تمزقات نتية'

"يأتيني المساء مشنوقا

تركَبُني حاسة السفر حبلى بالضوء"

هو رحالة افتراضي يرتاد عوالم لا منتهية وهو يقود آلة الحاسوب المرتبطة بالشبكة العنكبوتية ، فهو أنترنوت الشعر أو السندباد الرقمي.

"والشاشة الفضية تعكس مشيتك القَطاةْ 

وقارئة الفنجان تراقص بعضها"

من نفس القصيدة

مهووس إذن بعالم الانترنيت حد الجنون، يطارد المنتديات والمجلات والمواقع راكضا وراء الجميل ليروي ظمأه من معينها بنهم ،مخلفا في إزارها بقعة ضوء بالتوازي ، فهو كحصان طروادة على حد تلقيب نفسه

"أنا حصان طروادة اليحتاج إلى الباب والحصار

من نفس القصيدة

فالشاعر يتماهى بحدس وذكاء قويين مع العالم الرقمي، يغوص في تجاعيده بولع ملفت، حد تنميق بعض النصوص بعلامات ورموز رقمية، ويتجلى هذا في قصيدة :

قـصـيـدة شـات @ CHAT

في هذا الديوان يعرج بنا المبدع عبد النور إدريس على محطات متنوعة تدغدغ شهية القارئ، طارقا عالم الإنسانية والحروب والغزوات التي تنثال كاللعنة ، مدمرة منشآت الكبار ، قاتلة أحلام الصغار:

مخلفة طعنات وحشية تنخر جسد الإنسانية ،

"كيف حال المضارب ياصغيرتي

أهي نقطة الوداع ترسلها خيوط الفجر ؟

من قصيدة أنثى أقاليم الصهيل المستنوق"

متهجيا شراسة المدافع ورائحة البارود، حين يرحل الأبناء ذات خطف هيستيري همجي، مبقيا جمرة الغضب في جوف الأم مندلعة لاتجد غير الدمع والصراخ وحمدلة القرآن سلاحا ملطفا

"أياامراة تطعم طفلتها شكل الأرض

ورائحة الرصاص

وكيف ترمي أحلامها أمام المدافع

كيف تخرجين مدثرة بالنصر"

من نفس القصيدة

كما يمخر فضاء الجنس الآخر فيرتاد العالم الأنثوي بكل ألقه وهو يحلم في بساتينه اليانعة بوساطة الكلمة يرى ويسمع رنين الأنثى ودقات القلب العاشق الولهان ...قلبه الذي يرفل في سبحات الحب ، وهذا ليس غريبا عن مبدعنا الأديب إدريس عبد النور، فقد سبق له أن قا م بمبحث في ثنائية العقل والجسد الأنثوي ودلالتهما، وأقام الدنيا ولم يقعدها في هذا المجال من خلال كتابه  دلالة الجسد الأنثوي في السرد النسائي العربي من  منشورات سلسلة دفاتر الاختلاف.

"وقد

تـ

غـ

ضـ

ـبـ

يـ

ـن

من صمت المحيطات

من ليلة عابرة بدون رذاذ

من رغبة تستعيد صباها ,,

وينحو الشاعر من حافة ثانية نحو المشهد الأسطوري والمقصد استنهاض الأسطورة في قالب شعري متين يتلمس فيه الجوانب الإنسانية بنظرة تأملية فلسفية صرفة لألغاز الكون...

"أفروديت..

تقسيمات متغنجة

تُقاسم جموع المؤنث نزق التكسير"

من قصيدة أفروديت الفصول

التي تفرخ أسئلة ذات البعد الفلسفي الكوني الحاد حيث يتيه المتلقي عن أجوبتها في مطاوي الإبهام المعرفي اللذيذ،وقد يتيه العاشق كما الشاعر عن ذاته وسط عوالم تمتد في اللغة الحالمة التي يقودنا الشاعر إليها ويشاركنا متعة رؤية العالم من خلالها.

"سؤال الطفولة(هنا)

يفتح تراتيل السؤال

من قصيدة 'عندما تشبهينني ,,كأنا "

يبقى شيء آخير كملاذ فاتن يتوغل فيه الشاعر لينفض عن أيامه غبار الوقت ،وهي الحروف الأبجدية حيث يعلن في حبكتها وجوده في حلة أجمل بفك لغز التخوم والمدارات الواسعة

حيث الحاء ... حيث الباء...

الورد الذي كان ها هنا..

من قصيدة ثمة عشق في تقاسيم الكلام

على غير عادة الشعراء ،فالشاعر إدريس عبد النور ينتهج أسلوبا حداثيا بما تحمله الكلمة من معنى، سالكا ضرب السهل الممتنع قلبا وقالبا وصورة ومعنى، مضيفا لإشتغاله على المقاطع والصورة الشعرية ملامسة تجربة 'الهايكو'كشكل جديد الذي مازال محدود الانتشار بين الشعراء ،ويتجلى ذلك في أغلب قصائده مثال:

"دوما..

أكتب السكون..

في قانون الصمت..

وأنا أصرخ..."

من قصيدة دوما ,,,أتدرين

وتنساب نصوصه بسيل من الصور الشعرية الرقراقة تتقافز كأسراب الطير تضرب بشعاعها خلجات القارئ ،مشبوكة بألغاز ودلالات قوية لايستطيع فك مغالقها من ليس له سلاح معرفي وفير ،محدثة ربكة في العمق ,,

ضوء هارب إليكِ

ضوء تعرى

في الظلام

من قصيدة أنثى منطفئة

فالرحلة إذن مع الباحث المبدع عبد النور تلزم فتح مجلدات للتأويل والمقاربة،  ولهذا أترك الآن عشاق الكلمة الساحرة للرشف من ثغور هذه الباقات الموزعة في ديوان 'تمزقات عشق رقمي ".

 

 

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
10 juillet 2011 7 10 /07 /juillet /2011 23:23

 الأدب الرقمي: جماليات مستحيلة

 

الأدب الرقمي: جماليات مستحيلة

سعيد بنگــراد

 


1- لقد بنت جماليات التلقي - وهي النظرية التي احتفت بالقارئ وجعلته شرطا أساسا في تشكل المعنى وانبثاقه من سيرورات استقبال النصوص - كل تصوراتها على فكرة " التجسيد" (concrétisation). وأساس هذا التجسيد وجود بياضات نصية يقوم القارئ بتحيينها من خلال الربط بين ذاكرات متعددة لعل أهمها ذاكرات النص والمؤلف والقارئ. وهي المعادل لما يطلق عليه في نظرية التأويل، بتوجهاتها المختلفة، القصديات المؤسسة للمنابع الأصلية للدلالات التي يمكن أن تكشف عنها القراءات المتنوعة للنص.
إن " التجسيد" على هذا الأساس، هو أصل التمثيل وأصل التلقي وأصل التأويلات الممكنة للنص أيضا. فالقراءة، في البداية والنهاية، هي استثارة لتجارب ممكنة من مصادرها ذات القارئ، وليست تحيينا لدلالة مدرجة بشكل قبلي في النص على شكل رؤية خاصة بالمؤلف وحده. إن الأمر يتعلق بشيء آخر غير ما تحيل عليه الفكرة الساذجة القائلة بوجود معنى مودع في العمل الفني على شكل سر لا يعرف مصدره وفحواه سوى صاحب هذا العمل، ( ما كان يعبر عنه قديما وربما حديثا أيضا ب " المعنى موجود في نفس الشاعر").
إن " البياض" و"اللاتحديد" و" ممكنات التمثيل" ليست بديلا للنص، وليست معادلا لهوى يتحقق ضدا على " أصل ثابت" يكشف التجلي المشخص عن بعض مظاهره، أو توحي به حالات التمثيل الخطي. إنها على العكس من ذلك " نفخ فيه من روح الناقد" أو " تضخيمه " من داخله من خلال الإحالة على ذاكرات مستترة، أو الكشف عن قصد يتوارى في حواشي الوقائع الناقصة، أو من خلال لاوعي يختفي في التفاصيل والجزئيات التي لا تطالها عادة عين الرقيب. ليس للنص بديل سوى ذاته، والقراءة لا تعيد إنتاجه، بل تدرجه ضمن سيرورات تأويلية ستكشف عن حالات المتعة كما يمكن أن يستشعر أسرارها قراء قد يختلفون في كل شيء.
ويشير هذا المبدأ، الذي برعت نظريات التلقي في الكشف عن مستوياته وأبعاده الجمالية والفلسفية، إلى دور القراءة في تحيين المضمر والممكن والموحى به استنادا إلى معطيات النص، واستنادا إلى تجارب الذات القارئة واستنادا أيضا إلى غايات أخرى صريحة ومبهمة بؤرتها الذات التي تنتقي وتقصي وتضَمِّن وتصرح لكي تبدع. وفي جميع هذه الحالات، فإن الأصل في بناء نص ما هي اختيارات تتم داخل موسوعة ممتدة في كل الاتجاهات. فقيمة الموضوع الفني مستمدة، في جزء كبير منها، من القدرة على خلق سياقات مستقلة تتمتع بالوحدة والانسجام في البناء وتنويع الآثار المعنوية. إن "لحظة الاختيار" هي بؤرة الإبداع وليس الإحالة على كل ممكنات اللحظة الموصوفة. إن حرية الفن ليست هي الحرية التي يوفرها الحديث اليومي، فالحديث سجية ممتدة في كل الاتجاهات، أما الفن فبناء يستدعي أولا وآخر، ويستدعي حسما في الإثبات وحسما في الإقصاء والاستبعاد أيضا.
 إن التقاط صورة معناه القيام باختيار مزدوج : ما يحضر في الصورة وما يجب أن يغيب عنها، وغير ذلك لن يعيد سوى تمثيل ما هو ممثل في الطبيعة بشكل سابق، فالعين التي تلتقط ما هو موجود خارجها تُقَطِّع المدرك البصري وفق هوى سابق. إنها تستعيد نفسها من خلال إعادة رسم للحدود الفاصلة بين الأشياء. يتعلق الأمر بمعادلات بصرية لأفعال العين التي " تحدق" و" ترنو" و"تحملق" و" تحدج" و" تلمح" و" وتنظر"، فهذه تقطيعات للمدرك البصري استنادا إلى تصنيفات دلالية مسبقة. إن الانتقاء تنظيم، وما ينظم هو ما يفصل ويعزل ويضع هذا بديلا لذاك." علينا أن نقيد أنفسنا بإكراهات لكي نبدع بحرية" (1)، كما كان يحلو لإمبيرتو إيكو أن يقول في لحظات إشراقه، وهي كثيرة.
 2- ومبدأ الانتقاء هذا هو الذي تدعي تجاوزه " التجارب" الفنية الجديدة التي تتخذ من الرقمية سندا وأداة لبناء كيانها. فهي تروم، في المقام الأول، تكسير كل الحواجز بين المواد التي يمكن أن تسهم في تشكيل تجربة فنية ما، أو تحلم ببناء نصوص بعيدا عن إكراهات المرجعية اللفظية من حيث الإشباع الدلالي، ومن حيث الطولية ومحدودية العوالم التي تبنيها التجربة الفردية. إنها الرغبة في خلق قطيعة مطلقة بين تجربة " كلاسيكية" محدودة من حيث الأنساق المكونة لها ( نص فني مادته اللغة وحدها أو الصورة وحدها أو الموسيقى وحدها)، وبين ما يمكن أن تقدمه الأسناد الجديدة للتجربة الفنية التي وفرتها تقنيات الكتابة الرقمية التي لا تعترف بالحدود الفاصلة بين الأنساق. فبالإمكان بناء نص يتجاوز التصنيف القبلي المعتمد على معايير مستمدة من خصوصية مكونات كل نص على حدة : قدرة الفنان على المزج بين كل الأنساق ضمن عمل واحد دون الاكتراث لمبدأ الانسجام أو الخطية أو الغاية النهائية.
وتجد هذه القطيعة مصدرَها في إبدالات عدة لعل أهمها سقوط فكرة الحقيقة ذاتها. فلا وجود لحقيقة في هذا الوجود، مطلقة كانت أو نسبية، فليس هناك سوى تمثيلات عرضية وعلامات يُلغي بعضها بعضا ضمن ما يشبه حالات مسخ متتالية تتم في زمان ومكان بلا هوية أو مصير، أو هي شبيهة بحالة توالد دلالي لامتناه بلا مصدر أو مآل. ولا أمل للوصول إلى نهاية منظورة أو محتملة فقط. فكل محاولة للإمساك ببداية النص أو نهايته، لن تكون سوى عبث، أو ستكون من باب إيهام الذات بحالة من حالات الطمأنينة الخادعة.
وليس غريبا أن يكون هذا الإبدال هو أصل اللقاء بين التفكيكية وفكرة " النص المتشعب". فغياب المركز، وهو الأساس الذي استند إليه التأويل اللامتناهي كما تتصوره التفكيكية، إشارة صريحة إلى غياب محددات أو معالم أو منارات تلوح من بعيد، كناية عن نقطة هي أصل الحقيقة أو ما يقود إليها على الأقل. فكل البدايات ممكنة ولا وجود لنهايات إلا من باب الاحتمال أو التقدير العرضي. فالذين يبحثون عن معنى نهائي داخل عالم شبيه بالأنقاض لن يصلوا في نهاية الأمر إلا إلى أوهام هي من نسج خيالهم.
لذلك، فإن كل شيء في " النص الرقمي" مرتبط بشبيهه أو نقيضه، أو يحيل على نسخ أخرى من باب المفارقة أو من باب التناظر أو من باب التداعي الحر. والأمر لا يتعلق بالمنطق الذي تجيزه ظاهرة التناص حيث كل نص يذكر بآخر من باب التعريض أومن باب التجاوز، أو يحتوي على إحالات تذكر بوقائع في التاريخ أو الأسطورة. إن الأمر في النص الرقمي، كما يروج ذلك الداعون إليه، يتعلق بشبكة من العلاقات يفرزها التكوين الخاص بموسوعة شاملة تحتوي على كل المتناقضات الممكنة. 
وكما هي طبيعة النص المتشعب( hypertexte)، وهو نص بلا وجهة ولا بداية ولا نهاية، فداخله كل الاتجاهات ممكنة، فإن الممكنات النصية ليست هي الأخرى مرتبطة بخطية زمنية أو فضائية، ولا قصدية هناك صريحة أو ضمنية. إنها تجربة مفتوحة على كل الاحتمالات، حتى وإن تناقضت جزئيا أو كليا فيما بينها. وهي احتمالات لا علاقة لها، كما سنرى ذلك، بطاقات موجودة في ذات المتلقي كما يمكن أن يخطر على بال ناقد متشبع بتعاليم جماليات التلقي، بل هي قصدية مكشوفة و"مصرح بها " لأنها مدرجة ضمن الممكنات النصية " المسَهَّمَة " التي لا نعرف أين تنتهي حقا ( إشارة إلى عمليات النقر التي تقود من سجل إلى آخر ضمن فضاء افتراضي لا متناه). فالنص ( أو المؤلف سيان) هو الذي يفتح السجلات كلها ويحدد توجهاتها عددا وطبيعة واحتمالا.
إن المؤلف في الرقمية، وعكس ما يتصور ذلك أومبيرتو إيكو، ليس أسير مقدماته، فلا أثر لممكنات الفتح والتقليص التي تقود إلى حسن ختام هو ما يشكل ما نسميه حبكة في الأدبيات النقدية التقليدية، حيت تشكل النهاية نقطة استهراب ( point de fuite) تتجمع نحوها كل الاحتمالات، والاستهراب في الهندسة غاية تنتهي عندها كل الاحتمالات الممكنة كقدر لا يمكن رده. إن التجربة الرقمية على العكس من ذلك، تبطل كل المسبقات، ومنها الأحكام الأخلاقية وما يجيزه منطق العوالم الممكنة أيضا. فالبطل في النص الرقمي يمكن أن يموت أو يحيا أو يسافر، أو يتزوج، وبإمكانه أن يدخل مسجدا، أو يُهرِع إلى أقرب حانة هربا من قلق هو من الطبيعة ذاتها في الحالتين معا. كل ذلك ممكن لأن النص ليس محكوما بمركز أصلي تنطلق منه الإحالات وإليه تعود، وإليه أيضا تستند القراءة من أجل الكشف عن دلالة أو دلالات. إنه على العكس من ذلك، كيان مفتوح يتشكل من سلسلة من الاحتمالات التي تتغذى من امتداد الموسوعة وتنوع مشاربها. إنه محكوم بمنطق التشعب، وهي الخاصية الأساس التي تربط بين كل القيم ضمن شبكة عنكبوتية تجيز كل شيء.
ومن هذه الإبدالات هناك أيضا تداخل أنساق العلامات المحددة للإدراك الإنساني. فلم يعد بالإمكان تصور نسق قادر على حماية نفسه في الاشتغال وإنتاج الدلالات من عدوى العناصر التي تأتيه من لغات أخرى تختلف عنه في المادة وطرق إنتاج المعنى. إن الاحتماء بخصوصية وهمية تبررها طبيعة العلامات المكونة للنص لن يقود سوى إلى إفقار للتجربة الفنية والتقليص من امتداداتها عند المتلقي والمبدع سواء بسواء. ففي منطق التجربة الرقمية لا وجود لحدود فاصلة بين العلامات المشكلة للمتن الفني، بل لا وجود لها في التجربة الواقعية ذاتها ( تعج الشوارع بصوت الباعة وضجيج الموسيقى والصور التي تأسر العين وتقدم لها واقعا ليس هو ذاته في التجربة الواقعية). فالبصري والسمعي واللساني وكل آلات الإدراك الحسي يمكن أن تتعايش فيما بينها ضمن البنية نفسها وفق مبدأ الاستثارة الإيحائية التي يطلق عنانها تمثيل لفظي متعدد بطبيعته: ما لا تقوله الكلمات تحققه الصورة أو المعزوفة الموسيقية. هذا بديل لذاك ضمن لعبة تُغلق ما تفتح. إن صورة المسدس، كما سنرى ذلك، كمعادل لكلمة مسدس، ليست أكثر عنفا من وجهها اللفظي.
إن التمثيل اللفظي، على عكس الأنساق الأخرى، قادر على تفجير أكثر الطاقات الانفعالية عمقا وغموضا وإبهاما وصبها في تجارب مرئية من خلال الصورة والسمع والشم، تلكم هي المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التصور الرقمي للأدب. فليس غريبا أن نكتب الرواية باللفظ، وهو مادتها الأساس، كما هو الشعر وغيره من الفنون اللفظية أيضا، ونقدم في الوقت ذاته كل معادلاتها – أو البعض منها- كما يمكن أن تبدو من خلال الأنساق الأخرى ( الصورة أو الصوت). إننا لا نكتفي بالوصف، بل نقوم أيضا بتقديم موضوع وصفنا على شكل صورة أو على شكل تقاسيم موسيقية تجسد، في حالة بعينها، ما يقوله اللفظ من خلال عموم إحالاته. فالروائي ليس ملزما بصمت الفواصل والبياض واللامحدد، فبإمكانه أن يستبق التلقي ويوجهه من خلال اقتراح ما يحل محل اللفظ أو ما يمنحه بعدا مشخصا يريح القارئ من تعب البحث في الذاكرة عن معادل قد لا يأتي به النص أبدا، ومع ذلك تثيره الثقافة.
وهنا مربط الفرس. فما يبدو انفتاحا في الظاهر يعد في واقع الأمر عبثا بلا طائل، ولن يقود أبدا إلى الامتلاء الانفعالي الذي يتحقق في أبهى حالاته من خلال إشباع يقود إلى ارتخاء نفسي شبيه بحالات " اللذة" الفنية التي تحدث عنها بارث باعتبارها لحظة مختلسة لا تعاش إلا مرة واحدة، أو لحظة انزياح عن زمنية مألوفة، " إنها شبيهة بتلك اللحظة التي يتذوقها الإباحي عندما يُقطع الحبل الذي يطوق رقبته وقد استشعر الرعشة الكبرى. إنها لحظة مستحيلة وغير قابلة للتحديد، فهي من طبيعة روائية محض" (2). 
3-وهذا مصدر القول باستحالة جماليات رقمية تقدم للعين ما هو أجمل مما يقوله اللفظ. فعلى عكس ما يمكن أن توحي به حالات التداخل الممكنة بين الأنساق، وعلى عكس ما توحي به الروابط التي تدفع النص إلى اقتراح انتقاءات متنوعة استنادا إلى وصف محدود لوضعيات محدودة، فإن مصدر الطاقة الانفعالية في التمثيل اللساني لا يكمن في تقديم معادلات نصية من خلال روابط هي، في نهاية الأمر وبدايته، وثيقة الصلة بقصدية أصلية هي قصدية المؤلف وحدها ولا شيء غيرها، فتلك نسخ محدودة رغم كثرتها وتنوعها، إن مصدرها هو ما لا تقوله هذه القصدية، أي ما ينبع من كل الإحالات غير المتوقعة من منطوق النص أو مفهومه، بل قد يكون ما يأتي به القارئ نقيضا لما توحي به هذه القصدية. إن الأمر يتعلق بلاوعي نصي مودع في ذوات تختلف عن بعضها البعض من حيث درجة الوعي والثقافة، ومن حيث الطاقات الانفعالية التي قد لا ترى من خلال ظاهر العلامة.
صحيح أن الفنان قادر على تصميم " موضوعه" استنادا إلى المظهر المادي المباشر للعلامات، فالدلالة في نهاية الأمر لا تكترث للمادة الحاملة لها. ومع ذلك، فإن للمسألة وجها آخر، فقد" لا تخفي المادة  التي يشتغل بها الفنان قوانينها الطبيعية، ولكنها لا يمكن أن تتحقق إلا محملة بذكرى الثقافة التي تصدر عنها" (3). وهذا أمر في غاية الأهمية، فالثقافة ليست جواهر مضمونية بلا ذاكرة، وليست مادة مفصولة عن استعمالاتها، بل هي طريقة في التوزيع الذي ينوع من الحالات ويدرج المخصوص والمختلف في المتصل غير الدال، أي هي صفة للمضامين باعتبار تحققها في سياقات بعينها، لا باعتبارها مواد تكشف عن جوهر أصلي. وبصفتها تلك، فإنها تشكل أولى القيود التي تتحكم في الاختيارات وتحدد أنماط للوجود.
وتلكم أولى الكوابح التي تحد من انطلاقة النص وانفتاحه اللامتناهي، بل تفرض عليه تحققات ليست كذلك إلا ضمن ثقافة بعينها، وفيما سواها لا يمكن أن تشكل حدثا فنيا. إن ممكنات التدليل لا متناهية -تلك حقيقة يعرفها الأطفال في المدارس- ولكن السياقات تحد من غلواء التمثيل وهوجه. فقد يكون البحر خزانا لكل الدلالات، لكنه قد لا يتجاوز حدودا بعينها ضمن هذا السياق النصي أو ذاك. وذاك هو الفرق بين الخطاب وبين ممكنات النسق اللساني خارج الاستعمال. إن الخطاب بناء، أما اللسان فمستودع خام.
وبناء عليه، فإن بناء نص لا يتم من خلال تجميع لعدد لا محدود من الملفوظات، بل يتم من خلال بناء عالم استنادا إلى عدد محدود من الملفوظات. وتلك هي القاعدة الأساسية التي تتحكم في كل تجربة فنية. فالفنان لا يتميز بقدرته على قول كل شيء، بل يتميز بقدرته على بناء سياقات لا تحتمل كل قول. قد يكون بالإمكان الذهاب بالإحالات إلى أقصى ما يمكن أن يبيحه المنطق العقلي، أو تبيحه مخيلة جامحة تهفو إلى معانقة كل السياقات الممكنة. إلا أن ذلك لا يمكن أن يصنع تجربة فنية قابلة للعزل باعتبارها ظاهرة يمكن التعرف عليها بصفتها تلك. إن الفن هو أسر للقوى الرمزية الجامحة وترويضها من خلال تسييجها بسياقات تمنحها هوية وموقعا في الوجدان والتاريخ.
 لقد فشل إ . ويستون ( وهو مصور فوتوغرافي أمريكي ) في مشروعه الفني الرامي إلى الكشف عن" تجليات الكينونة " من خلال التقاط مجموعة من الصور لصدفتين مضمومتين إلى بعضهما البعض فيما يشبه العناق. وقد شرح في مذكراته كيف أنه حاول أن يمسك، في بصمات العرضي و المتعدي، بالحضور الثابت والنهائي واللازمني للطبيعة" (4). إلا أن هذه التجربة لم باءت بالفشل. لقد نظر القراء إلى عمله نظرة أخرى، لقد أولوا الصورة تأويلا جنسيا، لقد أدرجوا التجربة كلها ضمن ما يمكن أن تقوله الرمزية الجنسية." ومن سوء حظه أنه أدرك شخصيا الهوة الفاصلة بين تصوره النظري وبين الوضع الإبلاغي الحقيقي لهذه الصور"(5). للتجربة الفنية قواعد جمالية سابقة تحتكم إليها وليست وصفا حرا لكل الانفعالات التي تخطر على البال. 
وعلى هذا الأساس، فإن المتعة الفنية ليست وليدة حالات انفتاح قادر على استيعاب كل الإحالات، إن الانفتاح غير مشروط، فهو أصل الموسوعة التي نبدع ضمن إكراهاتها، إنها تكمن في القدرة على الإمساك ب" لحظة إنسانية" وتقديمها كحالة ممكنة أو قابلة للتصور أو غير قابلة للتصور كما كان يقول بورس، فعوالم الممكن أرحب من موجودات الواقع. فليست خاصية الحكي هي ما يجعل من نص سردي ما رواية، فحكايات العالم لا تعد ولا تحصى كما صرح بذلك بارث في ستينيات القرن الماضي، والسرد جزء من زمنية تتخلل الفعل الإنساني وتمنحه معقوليته. إن الأمر يتعلق بصنعة من خلالها يكتسب السرد بعده الفني ويميزه عن حكي الجدات في ليال الشتاء الباردة، عندما كانت هناك جدات يحكين حقا. وسمته الفنية تلك ليست في السرد، بل في الاستعمال الجديد للزمن.
استنادا إلى هذا يمكن القول إن النص هو حصيلة " قصد مسبق يقود إلى رسم حدود مرئية هي ما يحدد عادة حجم القصيدة وامتدادات الرواية وبداية العرض المسرحي ونهايته....فالإبداع الفني هو امتلاك القدرة على بناء " عالم " استنادا إلى عدد محدود الإمكانات، أو رسم لوحة استنادا إلى تأليف محدود من الألوان والموتيفات. وغير ذلك لا يمكن أن يدرج ضمن المعايير التي يحتكم إليها النص في إنتاج دلالاته وفي تجليه وتلقيه على حد سواء. وتشكل هذه الحدود المدخل البدئي لتلمس " انسجامه ومعقولية عوالمه" (6).
 إننا نمسك في القراءة بلحظة إبداعية من خلال محدودية السياقات التي يمكن أن يحيل عليها النص. لذلك سيكون من العبث أن يرسم الشاعر بالكلمات عوالم للفرس ويضع أمامنا للمزيد من " الشعرية" فرسا يصهل، أو فرسا مصورا أو يأتي حتى بكل الأفراس الممكنة المنتزعة من سياقات ثقافية تتبوأ الخيل داخلها موقعا متميزا. فهو، في جميع هذه الحالات، يقلص من حجم التدلال ويفرض عليه لحظة شعرية هي من انتقائه وحده وليست عوالم يمكن أن يخلقها الشعر. إن انفتاح الأنساق على بعضها البعض لن يقود، كما تتصور ذلك التجربة الرقمية، إلى غنى التجربة الفنية وثرائها، بل قد يكون الأمر عكسيا، وهو كذلك حقا، إنها قد تؤدي إلى تبليد القارئ، وتسهم من ثمة في إفقارها وتحد من إمكانات الإثارة داخلها.
إن غياب الفرس أقوى بكثير من حضوره، فالغياب استثارة ذهنية لكل الأفراس الممكنة، أما الحضور فحالة مخصوصة نرى من خلالها ما يبيحه الماثل أمام العين المبصرة وحدها. إن حضوره يشكل عائقا أمام القراءة من حيث هي تجسيد لمعاني لا يمكن أن تحضر إلا من خلال التخلص من الفرس الفعلي. إن الفرس في الواقع المرئي واحد مهما تعددت أحجامه وألوانه، ولكنه في اللغة وفي الثقافة التي تسندها متعدد.
إن القارئ يبحث في النص عن وعاء يستوعب تجربته، تجربته بالمفرد والجمع ،" الأنا"  في تفردها، و" النحن" باعتبارها امتدادات الموسوعة وإكراهات قواعد الفن والجمال. فلا قيمة للقراءة إذا كانت رصدا محايدا وباردا لمعطيات موجودة في استقلال عمن يتلقاها، أي في استقلال عن الذات التي تبني من خلال المتحقق مخيالا جديدا يضاف إلى كل مخيالات اللغة والثقافة. " إن الانطباع الذي يتولد عن المعادل السينمائي لرواية فيلدينغ " توم جونز" هو إحساس بخيبة كبيرة، فالصورة التي يقدمها عن الشخصية فقيرة في علاقتها بالصورة التي كوناها عنها ونحن نقرأ الرواية".( 7)
 
1- أمبيرتو إيكو : حاشية على اسم الوردة ، آليات الكتابة ، ترجمة سعيد بنكراد، منشورات علامات 2007، ص 41
2- R Barthes : Le plaisir du texte, éd Seuil, collection point, 1973, p15
3- أمبيرتو إيكو : حاشية على اسم الوردة ، آليات الكتابة ، ترجمة سعيد بنكراد، منشورات علامات 2007، ص 41
4- Nicole Everaert-Desmedt : Le processus interprétatif, éd Mardaga, Bruxelles 1990,p111
5- نفسه ص111
6- انظر مقالنا عن التأويل في  علامات عدد 29، 2008، ص25
7-  W . Iser : L’acte de lecture, éd Margaga, bruxelles 1985, p249
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن الامبراطور

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
13 mai 2011 5 13 /05 /mai /2011 19:29
  كمبيوتر المستقبل.. حقيقة وليس خيالا
 


 

 



نحن نعيش في هذه السنوات في العصر الأكثر تطوراً حتى الآن وهو عصر السرعة والتكنولوجيا وقد كان من أهم أسباب الثورة التكنولوجية هو ظهور الكمبيوتر وسنظهر لكم في هذا الموضوع بإذن الله ثلاثة تصاميم لكمبيوترات المستقبل…. فهل تخيل أحد منا كيف سيكون شكل الكمبيوتر في المستقبل…!
أكيد أن كل شخص سيفكر بأن الكمبيوتر سوف يصغر حجمه في المستقبل ولكن …. هل فكرتم بأنه يمكن أن يكون كحجم قلم !!!
نعم فكمبيوتر المستقبل سيكون في حجم القلم:
 

 
فهذا الكمبيوتر الذي صممته اليابان سيكون متوفر في المستقبل القريب بإذن الله.
 

 
وقد يوضع هذا الكمبيوتر الصغير في الجيب أو تحمله معك إلى أي مكان أو على المكتب أو حتى في المقلمة !!!
 

 
وقد يتسائل كثير منا كيف يعمل هذا الكمبيوتر وأين هي الشاشة وأين لوحة المفاتيح وإليكم هذه الصورة وقوموا بالتخمين:
 

 
فكما هو موضح في الصورة السابقة فإن الكمبيوتر يتحول ولكن أين الشاشة ولوحة المفاتيح ؟!!!!
 

 
نعم هذه هي الفكرة وهي أن تخرج الشاشة من ضوء ليزر ومن ضوء آخر تخرج لوحة المفاتيح
 وهذه صور لبعض لوحات المفاتيح التي ستصنها اليابان في المستقبل والتي تعمل باليزر:
 

 

 


والآن سننتقل إلى كمبيوتر آخر وهو من شركة DELL فقد قامت شركة DELL بمسابقة لاختيار أفضل تصميم لكمبيوتر المستقبل وقد فازت فيه المصممة بولينا كارلوس عن تصميمها لهذا الكمبيوتر:
 

 
وكما نلاحظ فإن عمل هذا الكمبيوتر كعمل الكمبيوتر السابق بليزر من الأمام للشاشة ومن الخلف للوحة المفاتيح
 

 
ولكن يختلف هذا الكمبيوتر عن السابق بأن فيه ثلاث مداخل USB على اليسار ومدخل لأقراص DVD و CD في الجهة اليمنى وأيضا توجد سماعات على الجهة العلوية اليمنى واليسرى ويختلف عن الكمبيوتر السابق في شكله وحجمه وأنه سيكون متوفر بعدة ألوان.
 

 
ننتقل إلى آخر كمبيوتر في موضوعنا وقد حقق هذا الكمبيوتر نجاحاً باهراً في العالم والذي عرف باسم B-membrane وهو من تصميم المصمم الكوري وون سوك لي Won-Seok Lee
 

 
ولكي نحصل على الشاشة نقوم بإنزال الجزء العلوي هكذا:
 

 
وسينطلق ضوء ليزر كالكمبيوتر السابق والذي قبله نحو أي سطح أملس لتظهر الشاشة:
 

 

 
ويتميز هذا الكمبيوتر بأن فيه لوحة مفاتيح باللمس تظهر عليه تلقائياً إذا شغل الكمبيوتر
 

 
ويحتوي هذا الكمبيوتر أيضاً على محرك أقراص لتشغيل الأقراص المدمجة
 

عن وجدة زيري

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
29 avril 2011 5 29 /04 /avril /2011 11:39
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
12 avril 2011 2 12 /04 /avril /2011 23:25

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن الانتفاضات الشبابية الراهنة 

 إعداد وترجمة: يقظان التقي

 

 ادغار موران فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي مواليد العام 1921، صاحب الكتاب الموسوعي « المنهج » في ستة أجزاء وجمع فيه خبرته في علوم كثيرة: البيولوجيا والفيزياء والفلسفة وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا وعلم اللغة والتواصل. صاحب نظرية « لا معرفة من دون معرفة للمعرفة »، ونظرية الفكر المركب Complete، وهو يعتبر من آخر المفكرين والفلاسفة الأحياء في القرن العشرين وما زال يخوض معاركه الفكرية والمعرفية كمثقف ماهر وككاتب وفيلسوف له تأثيره على الرأي العام وتحديداً الأوروبي منه لمواقفه الجوهرية والشاملة والمرتبطة بالمصير الإنساني وبالثورات والهويات والعدالة والقانون وبمعارك إصلاح المعرفة. ادغار موران وهو في التاسعة والثمانين من عمره يواصل انتاجه الفكري الغني والمنفتح على « المستقبل »، هو المقاوم القديم، والشيوعي السابق وعالم الاجتماع يرسم تصوراً وآخر عن « السياسة الحضارية »، وهو قد أصدر أخيراً مؤلفه الجديد « الطريق » أو « السبيل » « La voie » يقوم خلاله بمعايشة فكرية وفلسفية ورؤيوية للواقع القائم في العصر ولعناصره وأدواته، ويطل منه على دروب المستقبل، وقد أجرت معه مجلة « لوبوان » حواراً يطل فيه على بعض تلك الدروب وعلى رؤيته للثورات العربية في تونس ومصر، كما على الوضع السياسي العام في المنطقة. كتاب فيه مقترحات عديدة عن المستقبل وبميول تشاؤمية وهو يتوقع الأسوأ، ولكن الأسوأ بالنسبة اليه ليس مؤكداً، وبالنسبة اليه « التشاؤم غير مفصول عن التفاؤل ولا سيما إشارة الأمل الواردة في خاتمة كتابه الموجهة الى « أولئك الذين سينجون من الكارثة ». ينطلق ادغار موران من وجهة نظر معينة هي تلك التي تفصل بين المتوقع وغير المتوقع، بين الممكن وغير الممكن، أو المحتمل وغير المحتمل، فالممكن أو المتوقع أن يتصور الإنسان نفسه في المستقبل مستفيداً من كل العناصر الايجابية والمعرفية التي بحوزته وفي زمنه وفي محيطه الحيوي. لكن المسار الحالي يذهب الى المسار الأسوأ، والتدهور في المحيط الطبيعي والحضارة الغربية أو الثقافة الغربية مسؤولة عن هذا المصير المتسارع نحو الأسوأ، والعلم والتكنولوجيا والهوية الغربية بشكل عام القائمة على العلم والتكنولوجيا لا تخضع للرقابة الإنسانية. يضيف ادغار موران، توجد نماذج ايجابية، هامشية ربما وعلى جميع المستويات الاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية، جميع الإصلاحات الكبرى والثورات بدأت من الخبرات الهامشية، ويقول عن تشاؤمه المبني على ملاحظاته لفراغ في الفكر: ما ليس تشاؤماً أن أربط بين الأمل واليأس، فكلما ازدادت الأمور خطورة ازداد اكتساب الوعي. وكما يقول هولدرلاين « حيث ينمو الخطر، ينمو أيضاً ما ينجي، أي أن هناك مبادرات وفرصاً مؤاتية للدفع نحو اكتساب الوعي، ولا بد من تجاوز ثنائية متفائل ـ متشائم.. وفي التاريخ كثير من الأحداث لا تكون متوقعة ومفاجئة حتى، وهذا ما أريد أن أقوله في كتابي ».. وعما إذا كانت الأحداث وما يجري أخيراً في تونس ومصر وما قد يتبعها من أحداث يمكن أن تميل به نحو التفاؤل.؟ ـ هو غير محتمل يتحول الى محتمل، واليوم السؤال هو عن المحتمل الجديد أو غير المتوقع. إنها حيوية ما يُسمى بالمجتمع المدني، وهي إبداعية سياسية حمالة ما هو غير منتظر. من غير المتوقع كان أن تأتي الانتخابات الأميركية بأوباما حتى لو كان العالم يعيش ظروفاً من التقهقر، وهذه الظروف والحالات هي التي أودت بسياساته المتعلقة بالإصلاح وسياسات كانت أكثر وضوحاً بالنسبة لإسرائيل ولبقية العالم، فكان ضحية أشياء كثيرة منعته من تحقيق طموحاته، ومع ذلك أملي لم يخب به، وما أخشاه هو انفلات ردات فعل أسوأ من رد فعل بوش، وحين نرى هؤلاء المنتمين الى حفلة الشاي « Tea Party » فإن رد فعل الجمهوريين أمر مقلق جداً. ما يجري في شمال افريقيا هو أيضاً من الأمور غير المحتملة، ولكن الأمر الهام في المسألة هو ذلك المتمثل بقدرة الشباب وهي قوى حية وتشاركية وعفوية لها مؤثراتها تتنفس حرية، وهذه الحركات الشبابية تتغذى من مؤثرات موصولة بنا ونعرفها جيداً، ولا سيما الشعارات التي تُطالب بالعدالة والحرية. وهذا يؤكد أن الشعوب العربية ـ الإسلامية التي تعاني من القمع والديكتاتورية هي في الواقع مثلنا تماماً تتطلع الى المعرفة والحرية، وتريد أن تصل الى تحول ما، الى حضارة إنسانية ـ كونية. وهناك فرص مؤاتية للدفع نحو اكتساب الوعي. هذه أفكار لا يجب أن ننغلق تجاهها. وهل ما يجري فعله يمكن أن يعمق أكثر ويجذر الديموقراطية؟ ـ يجب أن تكون هناك معرفة رابطة وجامعة، وهذا تحدٍ ليس بالسهل، وما حدث يشكل عصراً جديداً وفجراً جديداً. ما جرى ويجري في تونس ومصر هو بروز حركات لها طابع ثوري في إطار وطني، بمعنى أن نظاماً قديماً يتهاوى ولا نعرف كيف سيكون عليه النظام الجديد، وهذه أحداث غير منتظرة، وهي أحداث سلمية في العمق. إنها تماماً مثل أحداث 14 تموز 1789، ثورة تنطلق من المبادئ نفسها: حقوق الإنسان والطموح ونشدان الحرية والتآخي وردة فعل ضد الفساد والغنى الفاحش وفجور الأغنياء. ولكن ما حدث في 14 تموز تم خنقه لاحقاً مع نابليون بونابرت وعودة البوربون، وظهر لاحقاً في القرن التاسع عشر وحصلنا على الجمهورية. ما حدث سنة 1789 أثرى المستقبل على الرغم مما يتبادر أحياناً على أنه انتهى. أعتقد أن ما جرى في تونس وفي مصر قابل للانقلاب، ومن الممكن أن ينحرف مجراه ويمكن خنقه ونسيانه، لكن ضوء الديموقراطية الخافت هو نور كما قال هيغل ودرّس أيضاً، فالكثيرون في أوروبا يعتقدون أن لا بدائل للنظام الديكتاتوري والبوليسي العسكري والنظام الثيوقراطي الديني في العالم العربي. ونكتشف أن كل هذه الحركة أطلقها شباب عربي وبعفوية لنشدان الحرية، وهذه الشعوب على الرغم من اختلافها عنا فهي مثلنا ونحن مثلهم. ثورة العام 1789 تركت أثراً ودفعاً على الثورة البولشفية في العام 1971، وهي الثورة نفسها التي عادت وأطاحت باشتراكية لينين ـ ستالين، والشيء نفسه يحصل راهناً في شمال افريقيا، وهو أمر مهم بالنسبة للمستقبل. ولكن ما يجب أن نفكر به هو أن تبقى هذه الثورات على عفويتها الأولى وعلى سلميتها وانطلاقتها الأولى وتفادي الغموض المرتبط بكلمة « ثورة »، وأنا انتقدت الثورة بمفهومها الشامل والتي تقوم بمسح كامل للماضي وخلق عالم جديد بوسائل عنيفة ودامية: « نحن مثل العرب، والعرب مثلنا رغم اختلافنا الثقافي، لدينا نفس الطموح للحرية وهذا عنصر مهم ولا يخدم الدكتاتوريات الفاسدة، وهذا عمل رسالة ذات بعد إنساني حول ما جرى ». هذا هو البعد العفوي للثورات ولجمالية اللحظة التي يجب أن لا تنحرف ولا تغش، ويجب أن تنتهي بشكل ما. ولماذا لا توجد حركة شبابية من نفس النوع في الصين، تكون امتداداً لما جرى في ساحة تيان إن مين؟ ـ هناك أيضاً، نتذكر وقوف الشباب الصيني، ويذكرنا أيضاً أن الصينيين مثلنا، صحيح أن لهم ثقافتهم المختلفة ولكن لديهم الأحلام والطموحات نفسها وينشدون الحرية والتآخي مثلنا ويرفضون اغتصاب السلطة، ونتذكر أحداث العام 1989 حيث أعتقد بعض المراقبين أن الصينيين مجرد نمل أزرق لا يريد سوى خلخلة الكتاب الأحمر، ولاحظنا محاولات قمع الشباب الذين ينشدون الحرية، والصينيون رغم اختلافهم عنا فهم مثلنا ونحن مثلهم. ولكن ماذا يعلمنا هذا؟ أن هناك عنصراً مهماً ورسالة ذات بعد كوني هو العمل من أجل الديموقراطية، ونحن فعلنا أكثر من ذلك في العام 1789. وأمام ما يحصل حالياً عندي حماسة كبيرة من دون أن أكون مغتبطاً بما يجري، فالعفوية سوف تستمر، لكن يجب أن يحين الوقت لكي تنتظم. ما حدث في تونس ومصر أن القوى المعارضة الديموقراطية تم إبعادها وإضعافها وتخريبها، وعليها أن تبني نفسها، فالعفوية رائعة وستستمر لكن في مسار إعادة البناء. هذا الجديد العربي هل سيضع إسرائيل أمام صعوبات أخرى؟ ـ اغتصاب السلطة والأراضي لن يدوم أبداً ولا ضمانات لذلك، وإسرائيل تتمتع بشروط أمنية بما يمت بعلاقاتها الدولية، وبما له علاقة بعناصر القوة التي تمتلكها. وهذا عنصر يحتمل الخسارة والتقهقهر، كما يحمل عنصر الفرصة المتاحة. والحركات الثورية في العالم العربي ستطرح مستقبلاً أيضاً وأيضاً مشكلة القضية الفلسطينية، وأتمنى وآمل أن تلك الثورات بما تحمله من أنظمة ديموقراطية، أن تدفع قدماً بمسار المفاوضات السلمية مع إسرائيل، وبمفاوضات كبيرة وشاملة عربية ـ إسرائيلية.؟ ولكن هذا بالتأكيد وجهة نظر متفائلة إزاء الوضع السياسي القائم. لقد فاقمت هذه القضية خطورة الوضع العالمي، وهي ليست العامل الوحيد للأصولية ولكنها تمثل إحباطاً شاملاً. لكن أعود لأتأمل أنه مع أنظمة ديموقراطية من هذه الجهة وتلك يمكن الدفع بالمفاوضات. يجب الوصل بين تفاؤل وتشاؤم. هذا هو التفكير المركب، إنه الجمع بين مفاهيم يدفع الواحد منها الآخر. المستقبل – الاثنين 11 نيسان 2011 – العدد 3966 – ثقافة و فنون – صفحة 20

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
27 août 2010 5 27 /08 /août /2010 22:57
الابداع الرقمي : كتاب جديد لـ السيد نجم

 

د.السيد نجم

صدر للروائي \'السيد نجم\' كتابه الجديد حول الثقافة الرقمية \'النشر الالكتروني والإبداع الرقمي\'، مع إضافة (رؤية حول الأدب الجديد)، عن سلسلة \'الثقافة الرقمية\' عن هيئة قصور الثقافة، العدد الثالث فى يوليو2010م.تعنى السلسة بنشر المعرفة بتكنولوجيا الإعلام الحديث والانترنت والكمبيوتر، يرأس تحريرها \'د.رشا عبدالله\'. وقد صدر كتابان مترجمان عن السلسلة من قبل، وهذا هو الكتاب الثالث (غير مترجم)، ويسعى الكاتب فيه كما قال فى المقدمة:\'كانت فكرة هذا الكتاب, بلا تعالى على القارئ غير المتخصص, مع التعريف بجملة المصطلحات والمفاهيم والقضايا التي يطرحها معطى الانترنت.. ثم التمركز حول الإبداع الرقمي الجديد..\'.

 

هذا هو الكتاب الثاني للكاتب، ويعتبر نشاط \'السيد نجم\' فى مجال الثقافة الرقمية، من هموم نشاطاته الثقافية، وهو أمين سر الاتحاد الانترنت العرب، كما نشر كتابه الأول فى مجال الثقافة الرقمية \'الثقافة والإبداع الرقمي.. قضايا ومفاهيم\' عن امانة الثقافية، لأمان عمان الكبرى بالأردن عام2008م.

 

يعنى الكاتب فى هذا الكتاب بماهية  الأدب الالكتروني أو الرقمي أو الافتراضي الجديد، ويوضح كيفية تأثير التكنولوجيا الجديدة (التقنية الرقمية) على الأدب العربي والعالمي. وقد أشار إلى صورة الإبداع الرقمي في العالم، ثم توقف أمام الإبداع العربي الرقمي فى مجالات الرواية والقصة والشعر والمسرح والمقال، فى العالم العربي اليوم.

 

يتشكل الكتاب على خمسة فصول: \'الصورة والإبداع الرقمي \'الأدب الافتراضي\'.. \'الإبداع الرقمي الجديد.. مفاهيم وأنماط\'.. \'المحتوى العربي على الانترنت.. تحديات اللغة والإبداع\'.. \'الأدب الافتراضي: ميلاد النقد.. واقع الإبداع\'.. وأخيرا فصل يتناول ما يشغل البعض من جراء معطيات الانترنت، سواء \'السرقات الأدبية\' أو \'المواقع الإباحية\'، تحت عنوان \'أخلاقيات التعامل مع النشر الالكتروني\'.

 

بعد أن تناول الكاتب الحديث حول المتغيرات والتأثيرات التي أحدثتها التقنية الجديدة (الرقمية)، بحيث جعلت مؤثر \'الصورة\' فى الترتيب الأول، بين جملة المؤثرات.. حيث كانت على الترتيب (الكلمة- اللون- الخط- الحركة-الصور) أصبحت (الصورة-اللون-الخط- الحركة- الكلمة) أي أصبحت الكلمة فى المؤخرة، وتقدمت الصورة، وهو ما آثار قضية \'مستقبل الكتاب الورقي\' و\'مستقبل الإبداع الكلاسيكي أو التقليدي\'، خصوصا بعد شيوع السماء المفتوحة للقنوات التليفزيونية، ووسائل النشر الالكتروني العديدة، مع تطور الموبيل مع الجيل الثالث منه، والمنتظر فى الجيل الرابع أشد تأثيرا.

 

توقف الكاتب مع معطيات الأدب الجديد، وهو ما آثار التساؤل حول \'المسرحية الرقمية\' (مثلا) خصوصا أن المسرحية تعتمد أشد ما تعتمد على \'الحوار\' أي على الكلمة!.. كما يثير الكتاب قضية ما يسمى ب\'النقد الرقمي\'.. ماهيته وخصائصه وهل يختلف عن النقد العام المتعارف عليه؟؟لذا قدم الكتاب لبعض الأعمال والأسماء التي انشغلت فى تلك التجارب الرائدة، مثل الروائي \'محمد سناجلة\'، والمسرحي \'محمد حبيب\'، والشاعر \'مشتاق عباس معن\'، والقاص \'عبدالنور إدريس\' و\'محمد اشويكة\' وغيرهم من أمثال \'صالح جبار محمد\'، و\'علاء حميد الجنانى\'، و\'سعد السوداني\'، و\'عبدالكريم حسن مراد\'.. وهم أدباء وشعراء يغطون خريطة الوطن العربي، ولهم دورهم الرائد فى ترسيخ الأدب الجديد.

 

لم يخل الكتاب من إثارة قضايا عامة، يلزم تناولها فى تلك الفترة الزمنية، ونحن جميعا فى الوطن العربي نتلمس طريقنا نحو معطيات العصر الرقمي الجديد، القرن21.. بعد أن جاوزنا عصر الكهرباء والذرة ولم نشارك فى معطياتهما، بما يتلاءم مع قدرات الإنسان العربي.وهو ما دفع \'السيد نجم\' للتوقف أمام قضيتي \'الفجوة الرقمية\'، وقضية \'تشوهات اللغة العربية\' التي بدت شائعة ومن الهام التوقف معها (خصوصا بعد أن أعلن فى \'المغرب\' مؤخرا اعتماد اللهجة العامية فى الاستخدام الرسمي بالدواوين الحكومية والتعليم المدرسي، وبطبيعة الحال فى وسائل الإعلام- خبر أذاعته قناة بى.بى.سى فى20-7-2010م!!).   

 

وللفجوة الرقمية تعريفات ورؤى مختلفة, لعل إجمال القول فيها, هي تلك الفجوة بين الدول التي تملك القدرة على استخدام وتوظيف وسائل التقنية الرقمية, والدول الفقيرة التي لا تملك تلك القدرة. ويمكن حصر عدم القدرة فى قلة أعداد أجهزة الحاسوب مقارنة بعدد السكان، عدد المستخدمين الأجهزة الحاسوب، عدد الفنيين والتقنيين فى مجال الرقمية، عدد الفنيون فى الإصلاح، مدى تطبيق الحكومة للوسيلة الرقمية فى انجاز خدماتها لشعبها (الحكومة الالكترونية).. ولما كان الوطن العربي يجيء بعد \'كوريا\' (مثلا) وهى 30مليون نسمة فقط، تبدو القضية تستحق الفحص والمناقشة.. مع ملاحظة أن الفجوة الرقمية تبدو أيضا جليه، بمقارنة الدول العربية فيما بينها، وهو ما يعنى أن هناك بعض البلدان فى حاجة إلى دعم عربي جاد وحقيقي مثل \'الصومال واريتريا وجزر القمر وموريتانيا.

 

أما تشوه اللغة العربية، فلم يقتصر فى الأخطاء الإملائية والنحوية التقليدية، بل تعدى ذلك إلى استخدام اللهجات العامية.. ثم اللغات \'المكس\' أو الخليط بين العربية وغير العربية، وخصوصا الانجليزية والفرنسية.. وأيضا كتابة المدلول العربي أو المضمون والمنطوق للكلمة العربية باستخدام حروف لاتينية! (مثل كل عام وأنتم بخير تكتب هكذا \'kol am w antom bekhir\')

 

يشير الكتاب إلى أهمية اليقظة والانتباه إلى تلك المتغيرات فى اللغة التي تعبر عن فوضى خطيرة فى عالم اللغة على الشبكة العنكبوتية.. وفى المقابل عدم تجاوز التقنية الجديد التي تمثل مستقبل العالم كله وليس مستقبل العرب وحدهم، وذلك بردم الفجوة الرقمية، بكل الوسائل الممكنة.وقد تنبهت \'فرنسا\' إلى هذا المأزق، لكنها لم تتركه دون إجراءات حكومية على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والتعليمي، بحيث وضعت نفسها ضمن العشر دول الأولى فى استخدام \'الرقمية\'، بعد أن تأخرت قليلا فى البداية. يكفى الإشارة إلى أن البعد الثقافي للفرانكفونية التي أنشأت (منظمة الدول الناطقة بالفرنسية) هو التأكيد على تواجد \'اللغة الفرنسية\' وبالتالي دولة فرنسا على قمة دول العالم من خلال التقنية الرقمية. 

 

لعل تلك القضايا مجتمعة، كانت محاولة الكاتب إبراز العرض البانورامى أو المتسع لكل العالم العربي، وليس لمصر وحدها، وبرز تحت عناوين داخلية\'أسباب الفجوة الرقمية فى العالم العربي\', و\'قراءة فى واقع منتج النص الرقمي فى العالم العربي\'.21-7-2010

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
29 mai 2010 6 29 /05 /mai /2010 21:53

 

 

الرقمية: سند محايد أم نمط ثقافي

سعيد بنكراد

يورد أفلاطون في  " لو فودر "(    le phedre     ) حكاية تشير إلى البدايات الأولى للكتابة، فقد عرض الإله توت ( ويسمى هرمس أيضا ) على الفرعون اختراعا غريبا اندهش له الحاضرون. وكان الأمر يتعلق بتقنية جديدة للتواصل والحفاظ على المعرفة وتداولها أطلق عليها الكتابة. وستكون هذه الوسيلة المستحدثة رديفا جديدا يضاف إلى الذاكرة، وربما سيحل محلها، أو على الأقل سيحد من نشاطها ودورها في تخزين ما أنتجته الخبرة الإنسانية في مسيرتها الطويلة. وكان رد الفرعون صريحا وقويا وعنيفا.
لقد رفض هذه الأداة الجديدة ودعا إلى تدميرها والقضاء على آثارها. فهذه التقنية الجديدة تشكل في نظره خطرا على مستقبل البشرية وعلى قدرتها على الاستمرار في تخزين المعارف بنفس
قوة الذاكرة. فهي من جهة تجمد الفكر وتشل حركته وتأسره في علامات خرساء لا يمكنه الخلاص منها أبدا (1)، وستحل، من جهة ثانية، محل الذاكرة، والذاكرة هي العضو الأساس في الوجود المادي والرمزي للإنسان على حد سواء. فهي، بالإضافة إلى دورها التخزيني، تعد أداة مثلى في الحفاظ على النوع البشري ذاته، فالتذكر مدخل للوجود الرمزي وممر أساسي نحو إنتاج الثقافة وتداولها خارج إكراهات المكتوب الماثل أمام العين بشكل مباشر. وهي بذلك خاضعة، شأنها في ذلك شأن باقي أعضاء الجسد الإنساني، للتطوير والتمرين والتكيف، فالبدائل الاصطناعية قد تمنح الأعضاء قوة إضافية، لكنها مع مرور الزمن ستضعفها وتحولها إلى مُنفذ كسول للوظائف.

ومن المستبعد أن يعيد التاريخ نفسه لا على شكل ملهاة ولا على شكل مأساة، إلا أن الموقف من الإلكترونيات عامة ومن الأنترنيت خصوصا لا يختلف في الكثير من جوانبه عن الموقف من الكتابة كما سبق أن عبر عن ذلك الفرعون في العهود القديمة. فالذاكرة، التي هي الآن الكتاب والمكتوب والمطبوع والـمُخَزَن في مكتبات ومستودعات للكتب وفي رؤؤس الكائنات الإنسانية، تبدو مهددة بآلة افتراضية بلا قلب ولا روح، آلة قادرة على اكتساح كل شيء في طريقها، استنادا إلى ما تقدمه الشاشة مباشرة وما تخزنه الأقراص لتسلمه للجميع بأبخس الأثمان. فبجرة " نقر " يمكن التحليق، دون رقيب، في كامل أرجاء المعمور متخطين حدود الزمان والفضاء ورقابات الدول ومخابراتها وعيونها المدسوسة في كل مكان.

إن الأنترنيت يمكننا، من خلال إمكاناته التقنية الهائلة، من التزود بكل معارف الدنيا وأخبارها وعاداتها وثقافاتها، وهو بذلك يمكننا من التخلص من ضيق الفضاء وهشاشة اللحظة.

وكما تشير إلى ذلك الوصلات الإشهارية ( في المغرب وفي كل ربوع الأرض أيضا)، فقد أصبحت التقنية الرقمية وسيطا مفضلا عند الطالب والباحث والتاجر والصانع والطبيب والطباخ والمخبر والإرهابي، والطفل الصغير، وهو كذلك أيضا ( وهو ما لا تقوله الإرساليات ) عند الباحثين عن لذة افتراضية تقيهم شر الأمراض، أو عن زوج من " بلاد تموت من البرد حيتانها" . لقد اندثرت فجأة، وبدون سابق إنذار، كل الأشكال القديمة للتواصل، لتحل محلها وسائط جديدة ميزتها السرعة والفعالية والانتشار الواسع والمردودية السريعة.

 فلم تعرف البشرية في تاريخها الطويل، بدءا من اللحظة التي تحول فيها الصوت إلى حامل رمزي يعين ويصنف وينتج المعاني المجردة، إلى ظهور الكتابة وبعدها الطباعة التي عممت الخبرة الإنسانية وأذاعتها، وإلى ظهور كل الأسناد التعبيرية المرافقة للغة، كل هذا الكم الهائل من الأشكال التواصلية: هناك فائض في المعلومات والمعارف، بل هناك ما يسميه الغربيون حاليا " إفراطا في التواصل " قد يصبح في حالات كثيرة غيابا لأي تواصل( وهو كذلك فعلا). ولا يشكل البريد الإلكتروني الآن سوى صيغة تقليدية بسيطة للتواصل قياسا إلى الحالات التي يقدمها التحاور وجها لوجه بالصوت والصورة.

استنادا إلى هذا، لا يمكن للأنترنيت أن يكون مجرد وسيط، أي مجرد سند تقني موضوع في خدمة الثقافات والمعارف، وفي خدمة الاقتصاد والحرب والتجسس، وفي خدمة الجنس والدعارة أيضا، وسيط محايد يقوم بدوره ذاك في استقلال كلي عن المضامين التي يحملها ويروج لها وينشرها في كل أرجاء المعمور. إنه أكثر من ذلك، بل هو على النقيض من ذلك  طريقة في الوجود ونمط في الاجتماع وسبب من أسباب انبثاق علاقات إنسانية من نوع جديد، علاقات تستوعبها السرعة والبساطة في كل شيء : في التنافس الاقتصادي ونشر المعارف والاطلاع على الأحداث وتصريف العواطف والانفعالات.

إنه يذكر بظهور الهاتف المحمول، بل هو أوسع منه مدى وأشد تأثيرا. فالمحمول ذاته لم يكن في بداياته الأولى سوى صيغة تواصلية عن بعد أُضيفت إلى الهاتف الثابت والتلكس والفاكس وأشباههم، إلا أنه تحول بسرعة فائقة إلى طريقة جديدة  في " قياس حجم المسافات " وسند مرئي للتحكم في الزمن وإدارته وفق هوى يولد وينمو ويموت سريعا. إنه رسم على أخاديد الشاشة لكم انفعالي يتجسد في " القلوب " وفي " السيوف " و"الوجوه العابسة أو الضاحكة " التي حلت محل الكلمات وقلصت من حجم التمثل وانفتاح واجهات الانفعال الإنساني.

إنه بكلمة واحدة صيغة " تواصلية " تختصر كل شيء. لقد أصبح شكلا جديدا في " الحب " وطريقة جديدة في تصور "الروابط الأسرية" ومعاملات التجارة وأرقامها. لقد قضى بذلك، أو كاد، على كل العلاقات القديمة ( الزيارات العائلية واللقاءات الحميمية ) كما قضى إلى الأبد على الرسائل بكل أنواعها (تستوي في ذلك رسائل العشق ورسائل التعازي والتبريك وتبادل الأخبار ) وعوضها ب" ميساجات " تختصر كل شيء بما فيها العواطف، ووحدها الرسائل الإدارية واستدعاءات الشرطة استمرت في الوجود، ربما لتذكرنا أن للسلطة زمنا آخر لا يعرف سره إلا العارفون بخبايا التحكم في الكائنات والأشياء عن بعد وعن قرب.

وهذا بالضبط ما تشير إليه الإحالة الضمنية لعنوان المقال: لا يمكن قطعا الفصل بين السند ومضمونه. لقد أصبح للأسناد الإلكترونية المستعملة في نشر المعرفة وتداولها أساطيرها الخاصة، تماما كما كان لآلات الطبخ والغسيل والتبريد أساطيرها أيضا :  فلم تكن تلك الآلات مجرد بدائل محايدة. لقد ساهمت في تحرير المرأة من إكراهات العمل الجسدي المتواصل، ومكنتها من الالتفات إلى جسدها ومحيطها، كما منحتها فرصة جديدة لتنظيم حياتها وفق المتاح الزمني الذي وفره استعمال الآلة.

وهو ما يصدق على تكنولوجيا المعلومات أيضا، فالتعاطي مع الأنترنيت من زاوية كونه ثقافة معناه النظر إلى أسناده المادية باعتبارها قوى حية لها تأثير على المضامين وعلى الأشكال التي تصرف بها علاقات الإنسان مع نفسه وغيره ومع أشياء عالمه. وهذا أمر ليس بالجديد، فقد تنبه مارشال ماك لوهلان منذ ما يقارب الأربعين سنة إلى هذه الحقيقة وحذر من خطورتها. فالوسط الذي تُتداول من خلاله الإرسالية هو ما يحددها في نهاية الأمر وبدايته، فالمعلومة تأتي إلى المستهلك عبر الوسيط المادي، لا من خلال مضمونها المستقل فقط. (2)

لقد قضت الطباعة على النسخ على الورق أو اللوح أو الحجر، فابتلع النسيان النساخ والكتبة واندثرت ثقافتهم وطريقة عيشهم ولم يبق منها سوى ما يذكره عنهم المؤرخون والمهتمون بتاريخ الكتاب. وظهرت الآلة الكاتبة فتشابهت الخطوط، فكانت البدايات الأولى للانفصال التدريجي عن الخط وقدرته على الكشف عن نوايا الكاتب ونفسيته، وقدرته على التعبير عن الانفعالات الإنسانية. لقد كان الخط مثوى لروح الكاتب، ففيه يودع أفكاره وفيه يودع جزءا من انفعالاته. أما الآن فقد اختفى من على وجه الصفحة ذلك الارتعاش والتردد والحرف المدغم والرقيق، واختفى التشطيب والحذف والزيادة والحواشي، لتحل محل كل ذلك آلة صماء  عمياء تكتب كل المضامين بنفس الحياد ونفس البرودة : شيء ما ضاع واختفى ولا يمكن استعادته إلا من خلال ما تركه لنا الأسلاف من مخطوطات يجاهد البعض على نقلها هي ذاتها إلى عالم الرقن المحايد.

بل يمكن القول إن الأمر يتعلق بتصور جديد لمفهوم الحقيقة ذاتها. فعندما ينتفي " المركز " المؤسس والموجه وتسقط كل المراجع، وتنتشر الإحالات في كل الاتجاهات تصبح كل الحقائق ممكنة، حقائق متساوية في الوجود وأشكال التجلي والحظ في الانتشار. لذا لم يعد من الممكن، في زمن التحولات المتتالية، الاحتفاظ بفكرة واحدة لمدة طويلة، فكل شيء أصبح نسبيا، ولا يمكن أن يوجد أو يفهم إلا محاصرا بالمقامات، إنه يحيى في السياقات المتجددة باستمرار. وقد تساوت في ذلك كل الحقائق: حقائق الصغار والكبار، وحقائق الدنيا والآخرة على السواء. فالأنرنيت يحتوي على كل ما يحتاجه الإنسان وما لا يحتاجه، فهو لا يجيب عن الحاجات فحسب، بل هو خالقها أيضا.

 فإلى جانب المواقع المخصصة للمعرفة والعلم الرصين، هناك مواقع للذة وعالم الجنس الافتراضي، ومواقع للتنابز الديني وفتاوى التحريم والتحليل وكل ما له صلة بالوجود الإنساني في الأرض وفي السماء. بل إن الأمر في هذا المجال الأخير قد تجاوز كل الحدود، فقد تعددت الفتاوى المبثوثة على الأنترنيت لدرجة أن النصوص المقدسة ذاتها لم تعد قادرة على توحيد أحكام الشرع وقواعد الفعل كما كانت تبدو عليه الأشياء قديما، فمن السهل الانتقال من الحلال إلى الحرام أو العكس، يكفي في ذلك تغيير الموقع والإبحار في موقع آخر أقل تشددا أو أكثر تسامحا من سابقه. لقد ألقي بالمواطن المسكين ضمن دوامة من الأحكام الشرعية التي نادرا ما يستطيع تبين صالحها من فاسدها.

ها هو الأنترنيت يحرر المؤمن من سلطة فقيه الحي والقرية والمدينة، ويحرره من المرجعية السياسية المتحكمة في الشأن الديني أيضا. بل أخذت النخوة بعض اليساريين في بلادنا فراحوا يدافعون بحماس قل نظيره عن المذهب الواحد، فالإسلام ديننا والمالكية مذهبنا. ربما فعلوا ذلك حنينا إلى إيمانهم السابق بعبقرية الحزب الوحيد الذي لم يتخلصوا منه إلا مع سقوط أسوار برلين تحت أقدام لبرالية اقتصادية همجية تدك في طريقها كل الخصوصيات وتبشر بحزب أمريكا الوحيد راعيا لكل الشعوب. لقد اكتشفوا في التعدد السياسي رحمة تقي من شر التسلط في السياسة، ولم يكتشفوا في وحدانية التمثيل المذهبي الديني مسا بالفضاء الاجتماعي الذي يحتمي به الفرد هربا من كل الإكراهات.

ولهذا يخطئ من يعتقد أن الدخول إلى الفضاء الافتراضي للمعرفة الذي يقدمه الأنترنيت هو دخول شبيه بتصفح كتاب أو موسوعة أو أي سند آخر. إن ميزة هذا الفضاء الأساسية هي" الإحالات المتتالية " التي لا يمكن أن تتوقف عند حد بعينه. فهي أخطبوط يمد أطرافه في كل الاتجاهات. فبالإمكان أن يجوب " المبحر " كل أرجاء العالم من خلال " روابط " تجمع بين كل شيء ضمن تتابع وتشابك لا حد لهما. إن الأمر يتعلق بتفاعل دينامي بين المخزون المعرفي الموزع على جزئيات فضائية لا يمكنها أن تستمر في الوجود إلا إذا ارتبطت بجزئيات أخرى، وبين متلق مسحور بالتنقل، وكل نقلة عنده لا تقوم سوى بتنشيط أطرافا من ذاكرته والمضي بها في هذا الاتجاه أو ذاك.

 فلا وجود، داخل شبكة الإنترنيت، لشيء مفصول ومعزول ويتم تداوله سرا، فكل شيء موجود في ارتباطه بشيء آخر. يكفي أن تدخل الشبكة لتجد نفسك فجأة ضمن " دوامة " تفترض إحالات متتالية لا نهاية لها، والبداية ذاتها ليست سوى حالة افتراضية خاصة بالمبحر لحظة الإبحار، فكل شيء يمكن أن يكون بداية، فالبداية حرة، ولكن لا شيء يمكن أن يكون نهاية إلا ضمن اختيار انتقائي طوعي هو ذاته لا يملك من ختام سوى ما يقدمه هذا الاختيار دون سواه. لقد تحول العالم كله إلى شبكة ممتدة في كل الاتجاهات. فبعد أن كان الافتراضي عالما للوهم والاستيهام والعوالم المنفلتة من كل الإكراهات، أصبح الواقعي مشروطا بحالات الافتراض الذي تجسده في كل عملية إبحار، فخرائط الدول ذاتها تقدم من خلال نماذج مصغرة أو مصورة قد تغنيك عن الزيارة الحقيقية.

إننا في واقع الأمر نخرج من العوالم " الواقعية" لنلج عالم الافتراض في كل المجالات. وهو عالم متملص من كل أشكال " الحميمية " الدالة على الثبات والاستقرار على حالة تطمئن إليها الذات وتبعث في الروح السكينة والهدوء، شأنه في ذلك شأن كل عالم غير متحيز في فضاء بعينه. وبين حالة الافتراض والواقع لا تشتغل إكراهات الحاضر المادي في مقابل الموجود المرئي من خلال وسائط سريعة التبدل من حيث الشكل ومن حيث المضامين، باعتبارها حدا فاصلا بين عالمين لحالة إنسانية واحدة، بل هناك سلسلة من القطائع بين مجتمع " متماسك " موجود ضمن ثقافة واحدة محدودة من حيث الوجود والامتداد، وبين " كونية " ( أو إن شئتم " عولمة " ) تعيشها كل ساكنة المعمور كافتراض لا يتحقق إلا لكي يخلق سلسلة أخرى من الافتراضات الجديدة التي تغطي على ما يعيشه الفرد كوقائع يستعصي عليها التسلل إلى ذهن أنهكه عالم الافتراض.

إن الشيء الوحيد القابل للإبلاغ في عالم الأنترنيت هو حالات التغير المتتالية التي تصيب المعارف والأسناد الحاملة لها في الوقت ذاته. وكلمة " إبحار " وحدها كافية لأن تقنعنا بأن الأمر لا يتعلق برحلة آمنة تبدأ وتنتهي بلا خسارات، بل هو تيه في محيطات وفضاءات بلا قرار ولا بداية ولا نهاية. لا وجود لمن يهدي، فالبوصلة الموجِهة ذاتها لم يعد لها من معنى ما دامت الاتجاهات الأربعة المألوفة قد انفجرت في اتجاهات فرعية لا متناهية تحتوي على توجهات هي ذاتها يمكن أن تصبح مصدرا لاتجاهات جديدة.

من سمات " النص المترابط" ( والتسمية لسعيد يقطين) أو " التشعبي " ( والتسمية لمحمد أسليم) التشظي والتفكيك والترابطات التي لا تحتكم لأي سياق سوى السياقات التي تفرزها الإحالات المتتالية ذاتها. وهي سمة تجمع بين هذا السند الإلكتروني البارد وبين حرارة الظواهر التعبيرية الإنسانية. ويتعلق الأمر بمبدأ يحيل على قضيتين أساسيتين في تشكل الوقائع الإبلاغية ونمط إنتاجها للدلالات:

- ما يعود إلى النص وصيغ تكونه وترابطاته الممكنة مع نصوص أخرى.

- ما يعود إلى الدلالات وانتشارها داخل فضاء نصي ما.

فقد  اكتشفت الشعرية الحديثة في النصف الثاني من القرن الماضي فكرة الترابطات الممكنة بين النصوص ( مقولة التناص الشهيرة ). وهي الفكرة التي بدأت تشكك، بهذا الشكل أو ذاك، في مقولة النص ذاتها، مادام كل نص ليس، في واقع الأمر، سوى استعادة لجزئيات نصية مستوحاة من نصوص أخرى محيطة أو سابقة. فلا وجود إذن لنص خالص مكتف بنفسه لا يحيل سوى على عوالم هي من صلب بنائه، ففهم هذا النص يقتضي بالضرورة استحضار دلالات مستوحاة من نصوص أخرى.

وهذا ما تجسده الآن فكرة " النص المترابط أو التشعبي " الذي سار بهذا التصور إلى حدوده القصوى من خلال تكسير الإحالات الخطية والتتابع المسترسل، ليحل محله التشعب والترابط بين كل " نصوص " الشبكة (2). فكل نص هو إمكان لمجموعة من النصوص الضمنية القابلة للتحقق مع أدنى تنشيط لذاكرة جزئية نصية من خلال جرة " نقر ". بل هناك من ذهبت قناعاته بعيدا في هذا الاتجاه من خلال التلويح بظهور عصر أدبي جديد سيقتل النص والمؤلف على حد سواء (3). وسيصبح التأليف جماعيا، سيكون بإمكان عشرات " المؤلفين " الاشتراك في كتابة " رواية " واحدة عن بعد، رواية لا تتحدد من خلال تتابع منطقي خطي للأحداث، بل مشروطة في وجودها بالإمكانات السردية التي يشتمل عليها كل حدث يتم تمثيله.

وهو أمر يجب أن نأخذه بكثير من الاحتراز والتحفظ. إذ من المستبعد أن تقبل به ذائقة العصر، وفي جميع الحالات لا يمكن أن يقبل به منطق العمل الفني ذاته. فالفن في أبسط تعريفاته هو القدرة على الفصل والعزل من أجل بناء عالم " اصطناعي " لا تحكمه نمطية الواقع وتشعباته، بل يندرج ضمن إمكانات التداخل بين عوالم التخييل ومتطلبات الواقع. فكتابة رواية مثلا لا تتحقق من خلال إنتاج عدد لا محدود من الملفوظات ضمن تتابع لا يتوقف عند حد بعينه، بل مرتبطة ببناء عالم استنادا إلى عدد محدود من الملفوظات. فالتحكم في الإمكانات وتوجيهها هو أصل الفن، أما إطلاق العنان للانفعالات لكي تسير في كل الاتجاهات فذاك لعب قد يستهوي البعض ولكنه لا يمكن أن يشكل عملا فنيا جديرا بهذه الصفة .

وفي الفترة ذاتها، واستنادا إلى موروث فكري إنساني قديم كان يشكك في كل الحقائق النهائية والجاهزة ( الهرمسية والغنوصية وكل تيارات اللاعقل )، ظهرت إلى الوجود فكرة الإرجاء والإحالة النهائية المؤجلة تعبيرا عن رفض كلي لأي معنى نهائي يمكن أن تحتويه واقعة تعبيرية متضمنة في كيان يطلق عليه النص. فالنصوص تحولت إلى ذرائع للبحث، في ذاكرات منتشرة في كل شيء، عن معاني جزئية وناقصة تحيل على بعضها البعض فيما يشبه التوالد السرطاني، بتعبير إيكو، وذاك ضمن تتابع وتداخل وتشابك لا حد لهم ولا نهاية. حينها سيكون من العبث البحث في نص ما عن مدلول نهائي أو غاية قصوى ما دام وجود كل نص مرتبط بقدرته على التناسل مع نصوص أخرى، وما دام كل معنى ليس موجودا إلا في ارتباطه بمعنى آخر ضمن إحالات متبادلة. والخلاصة أن البحث في النص عن معنى هو في واقع الأمر تدمير له وتفكيك لمكوناته وتحويله إلى أشلاء مترامية في كل مكان وتلك هي مصادر اللذة القصوى.

 استنادا إلى هذا التشظي اللامتناهي للنصوص وللمعاني، هناك " من استبق الأحداث وأطلق رصاصة الرحمة على العهد القديم معلنا عن ميلاد الرقمية الحديثة التي ستغير من مفهوم المعنى المحدود القابل للقياس. وبذلك فقد أعد مراسيم وداع بلا أسف تليق بالكتاب الحالي في هيئته الورقية الذي لم يشكل، في واقع الأمر، سوى قوسين في تاريخ البشرية، مثلما كان الحجر والألواح الطينية ورولو البردي مجرد محطات في تاريخ الكتابة أفضت إلى الكوديكس الحالي الذي لن يكون بالتأكيد المحطة النهائية لتجسيد الإنسان لذاكرته وفكره " (4). سنخرج، مع الأسناد المعلوماتية الحديثة، من دائرة الكتاب الذي يشتمل على حقائق ثابتة يمكن العودة إليها من حين لآخر، لكي نلج عالم الافتراض الرقمي الذي لا يحتفظ بالحقيقة إلا من أجل استبدالها بأخرى.

فما نعاينه الآن ليس سوى بدايات بسيطة لعهد رقمي شبيه بسيل جارف سيكتسح كل شيء في طريقه. وما سيصيب الذات الثقافية أكبر بكثير مما سيلحق الأسناد المادية للمعرفة وأشكال التواصل. وبتعبير دقيق، إن تغير الأسناد المادية ذاتها سيكون هو البوابة الأصلية لكل التحولات العميقة التي ستلحق تصور الإنسان لذاته وعوالمه الحسية والفكرية على حد سواء. ألم تنتشر في السنوات الأخيرة وصلات إشهارية غريبة تروج لمواد استهلاكية بدون أية مزايا غذائية كالمشروبات الغازية والقشدة، تبني حجاجها على قيمة غريبة تحذر من اللقاء الجنسي مع المرأة وتدعو إلى لذة منفردة بدون مخاطر هي ما تمنحه هذه المواد ذاتها.

وهذا بالضبط ما يحتاج إلى تأمل خاص، وهو ما يمكن أن يشكل خلاصة هذا المقال. بالتأكيد لا أحد يستطيع الآن أو غدا أو في أي يوم من الأيام أن يتنكر للمزايا التي جاءت بها الرقمية الحديثة وما يمكن أن تأتي به استقبالا. لقد وفرت كل شيء، الجهد والمال والوقت والفضاء. بل يمكن القول إنه لم يعد ممكنا الآن تصور العالم وتصور الحياة الإنسانية بدون مساعدة هذه التقنية الحديثة. وقد عدد الأستاذ سعيد يقطين مرتكزات أساسية للتعاطي مع  عصرنا الرقمي في مبادئ عديدة منها كونية المعرفة وإنسانيتها وتفاوتها من فضاء ثقافي إلى آخر ثم التفاعلات الحضارية بين مجمل ما أنتجته الإنسانية(5).

لقد أصبحت معايير الحكم على الظواهر كونية، لذلك فإن الانتماء إلى التاريخ الإنساني يجب أن يتم من خلال تبني هذه المعايير والاحتكام إليها في تقويم المنتج الثقافي المحلي. ودون ذلك، فإن أي حكم سيكون خداعا للذات. فمن يحتكم إلى معايير ثقافته وحدها للحكم على الظواهر التعبيرية المتعددة، سيخلق عبقرية ليست كذلك إلا في عينيه هو. فالأنترنيت تعميم للمعايير : معايير الرؤية والسمع والذوق وتداول الأفكار. 

ولقد شكلت الفضائيات في بداية عهدها تهديدا للهوية عند البعض، واعتبرتها السلطة اختراقا خطيرا لجدارها السميك، إلا أن هؤلاء جميعا اكتشفوا مزاياها في التضليل والتدليس ونشر كل خرافات الدنيا، فملئوا الدنيا بها وشغلوا الناس وحاصروهم من كل الجهات.

وهنا يبدأ الوجه الآخر للأنترنيت. فكما للذرة قدرتها على مدنا بالطاقة المتجددة، فإنها أيضا مصدر قد يسبب دمارا شاملا لا يبقي ولا يذر. إنه ديمقراطية لا تعترف بالخصوصيات ولا تراعي الثقافات ولا تكترث للمحلي. إنه هنا في هذا المكان وفي كل مكان بين يدي الجميع. ونكتفي هنا بالتذكير بمبدأين أساسيين في تمثل الوجدان الإنساني وطريقة نموه واشتغاله :

- للموروث أثره على الاستعمال، فلا يمكن فصل تاريخ المستعمِل عن تاريخ المستعمَل. فالتقنية الرقمية الحديثة هناك هي حصيلة لتطور موضوعي مستقل تمتد جذوره في تاريخ العلم الحديث وما قبله، وفي ميلاد كل التكنولوجيات المتتالية. وهي بذلك تعد جزءا من وجدان الفاعل وجزءا من ذهنيته ونمط تفكيره. أما عندنا فهي وافد طارئ، نعيش أشكالها في انفصال عن مضامينها، إنها شبيهة بكل التجارب السابقة من قبيل "التصنيع القسري " و" التحديث القسري" و" التمدن القسري " وككل الأشياء التي نعيش نتائجها في انفصال كلي عن مقدماتها، فهذه التجارب الممتدة على أكثر من خمسين سنة لم تفلح أبدا في التأثير على نمط رؤيتنا للعالم. لذلك، إذا لم تقد الرقمية الحديثة إلى " تحديث " الذهنيات وتحديث الرؤى للحياة وللوجود، فستكون كسابقاتها، آلة صماء بمردودية محدودة، بل ستسهم في المزيد من التشويه الحضاري الذي يطال الآن أجزاء كثيرة من حياتنا.

-وكما كانت تجربة الفرعون مع الكتابة مرعبة، يمكن أن تكون تجربتنا مع الرقمية الحديثة مرعبة كذلك أيضا. لقد وقع ما كان مقدرا. ربحنا الشيء الكثير، ربحنا الوقت والجهد والمال، وخسرنا جزءا من وجداننا وإنسانيتنا وخسرنا جزءا من مقدراتنا البيولوجية، على رأسها الذاكرة. سيأتي اليوم الذي يكتشف فيه الإنسان أن المعلومات ليست كما معرفيا يمكن تداوله بعيد عن ملكوت الذات، بل هي ممر نحو نمو هذه الذات وأداة في تشكل تصوراتها لنفسها ولمحيطها. إن كل معلومة تؤثر بهذا الشكل أو ذاك في وجدان حاملها.

لم نعد نعشق أو نحب أو نكره كما كنا، ولم نعد نبيع ونشتري كما كنا نفعل ذلك إلى الأمس القريب. لا نخط الخط ثم نعيده ثم نمحوه باليد اليسرى. لم نعد نبدع رسوما ولا خطوطا، فالنماذج متوفرة والإبداع إضافة لا اختراع. إننا نحب دون رؤية المحبوب، ونشتري دون رؤية البائع، ونحاور دون رؤية المخاطب. لقد تسلل الافتراض إلى كل شيء، إنه في التاريخ والجغرافيا والمعارف وأجساد النساء والرجال على حد سواء.  

ولم تعد ذاكرتنا كما كانت. لقد أنهكتها السرعة وقلص من مساحتها الاختصار، كل شيء مسجل: أرقام الهواتف والقن السري ومواعيد المساء والصباح، وأسماء الأصدقاء ذكورا وإناثا. كل شيء يأتيك في انفصال عن السياقات التي تشرحه وتبرره، لا تقرأ كتابا، فالآلة تتكفل بانتقاء المعلومة من بين ركام من المعلومات كانت تشكل إلى الأمس القريب ثقافة الباحث وزاده. وليس من الضروري أن تقرأ النظريات كاملة، فالآلة تعطيك ملخصها في انفصال عن كل النظريات الأخرى. لقد أُنهكت الذاكرة وتقلصت مساحتها، لذلك، قد تأتي البدائل الاصطناعية بالعجب العجاب، لكنها في ذات الوقت تضعف العضو وتنهكه وسيجنح إلى الضمور لا محالة.

     

الهوامش :

-   P158      Umberto Eco : Le signe, éd Labor Bruxelles,1988,  

2- M . Macluhan : Pour comprendre les medias, éd Seuil, 1968  

2 – سعيد يقطين  : من النص إلى النص المترابط ، المركز الثقافي العربي، 2005 ص 96 وما بعدها

3- محمد موقع محمد أسليم

4- نفسه

5- سعيد يقطين نفسه ص   18

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن موقع أنفاس نت

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
28 mars 2010 7 28 /03 /mars /2010 12:07

في ملتقي عكاظ بمعرض الكتاب : التوثيق الإليكتروني للمظاهر الشعبية غائب

image
في صباح ممطر من أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب. بدأ مخيم عكاظ الشعراء أول فقراته بفقرة التجمعات الأدبية وكان اللقاء مع (جماعة أبيدوس الشعرية) وشارك فيها الشاعر عبد الحكم سليمان والباحث مدحت صفوت. وأدار اللقاء الشاعر عبد العليم إسماعيل، والذي قدم في بداية اللقاء الشاعر عبد الحكم سليمان ليتحدث عن (منتدي أبيدوس الشعري) فقال إن الموقع يعتبر من طليعة المواقع والمنتديات التي تحتفي بالفولكلور والمأثورات الشعبية ـ مثل ألوان الأدب الشعبي من حكايات وأدوار وغناء. وفن شعبي بألوانه المختلفة والثقافة المادية والتراث الشفاهي والسير الشعبية. وتحتوي منتديات أبيدوس علي مساحات للألوان الأدبية (شعر فصحي ـ عامية ـ قصة قصيرة، رواية ـ نقد). وأضاف الباحث مدحت صفوت قائلاً: إن هناك منتديات فرعية عن أنواع معنية بالثقافة الشعبية. كالسيرة الهلالية ومنتداها، والثقافة النوبية ومنتداها، فضلاً عن منتديات فرعية خاصة بإبداع الشباب وهواياتهم، ويقوم بالإشراف علي منتدي أبيدوس المهندس عبد الحكم سليمان، والباحث/ أحمد توفيق، ود. علاء رمضان، والباحث أحمد أبو جح، والباحث/ مدحت صفوت، ومن فلسطين الباحث جميل السلحوت، والشاعرة البتول العلوي، والباحث عبد النور إدريس، ومن المغرب الباحث عبد الرحيم الحمصي، ومن العراق الناقد الأدبي د. محمد علي محي الدين. ويسعي المنتدي إلي المساهمة في جمع الموروث الشعبي الذي يعد المجال الأخصب للتعبير عن وجدان الأمة، والممثل الأوضح لجزء من الخصوصية الثقافية والتفرد المرتبطين بالعرق التاريخي والعرق الجغرافي. وأشار الباحث مدحت صفوت إن معظم المؤسسات المعنية بالفولكلور سواء كانت حكومية أو أهلية، لا تهتم بالتوثيق الإليكتروني للمظاهر الشعبية، ومن هنا يعتبر منتدي (أبيدوس) رائدًا في مجال منتديات الفولكلور العربي. وأبدي الباحث رؤيته لعيوب أنواع التوثيق الموجودة حاليا، كالتدوين الذي يسقط جانب الصوت والأداء، والتوثيق المرئي الذي لا يتناول سوي جزء معين من الظاهرة، أما التصوير الفوتوغرافي فهو لا يتم إلا في توثيق بعض جوانب الثقافة المادية، ومن ضمن الموضوعات الأكثر أهمية داخل المنتدي، المساجلات البحثية بين الباحث أحمد توفيق، والباحث جميل السلحوت، حيث اهتم الباحثان بتوثيق ودراسة الحكايات الشعبية في مصر، ومثيلتها في فلسطين، كذلك الأغاني الخاصة بالأفراح، وأغنيات الفراق (العديد) والذي أبدع فيه الباحث أحمد توفيق. خاصة أن لديه تجربة سابقة في جمع العديد، أسفرت عن إصدار كتاب عن هذا الفن بعنوان (أغنيات الفراق). وتسعي إدارة المنتدي في المرحلة القادمة إلي تحويل المنتدي إلي مؤسسة واقعية بجانب الكيان الافتراضي، والذي سيتوسع في شكل موقع مصور عن الثقافة الشعبية في الوطن العربي، فضلاً عن إقامة ورش العمل والدورات التدريبية لشباب الباحثين، وذلك لزيادة كفاءتهم العلمية والعميلة في جمع الموروث الشعبي والحفاظ عليه. وفي الرابعة بدأت الفقرة الثانية مع شعراء محافظة الإسكندرية وشارك فيها الشعراء زينات القليوبي ـ عزة الزرقاني ـ جابر بسيوني ـ رشيدة الأنصاري ـ محمود أمين، شيماء محمد حسن ـ أشرف دسوقي ـ أمل درويش. وفي السادسة بدأت الأمسية الشعرية المفتوحة والتي أدارها الشاعر الجميلي أحمد شحاتة وشارك فيها الشعراء سعيد الصاوي ـ محمد خضر عرابي ـ محروس همس ـ عبد الرحمن الخطيب ـ هاني مهران ـ سلوي صلاح ـ فتحي الصومعي ـ فرغلي الخبيري ـ محمود براني ـ صلاح عبد الله ـ حسين السوهاجي ـ هشام مصطفي. وقد تزاحم الجمهور علي مخيم عكاظ برغم سوء الأحوال الجوية والأمطار ولا يزال المخيم يتابع أنشطته بإشراف الشاعر المنجي سرحان ورعاية د. محمد صابر عرب رئيس الهيئة
ــــــــــــــــ
عن مصر الجديدة 
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article
25 mars 2010 4 25 /03 /mars /2010 22:09

قراءة في التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية
الصادر عن مؤسسة الفكر العربي
 
·      مفلح العدوان
 mefleh_aladwan@yahoo.com
 
ثمة مؤشرات ودلالات في الثقافة العربية خلال السنوات الأخيرة، كان لا بد من التجرؤ، ووضع توصيف لها، مع اقتراح النقاط التي من شأنها أن تعزز الإيجابيات في المنجز الثقافي، وتعمل على تجاوز السلبيات التي يتم الحديث حولها في صالونات النخبة، أو المجاهرة بها في المنابر الإعلامية، ولكن دون محددات علمية للحالة الثقافية، من خلال تشريح موضوعي لها.
ولعله من المشروعات الجادة التي يمكن قراءتها، واتخاذها نموذجا في الآلية العلمية في التعامل مع الحالة الثقافية العربية، وتحليها، ما اتخذته مؤسسة الفكر العربي، من نهج في مجموعة أنشطتها الفكرية والثقافية التي تطرحها بشكل دوري، إضافة إلى مقترحها الذي تدعم باتجاه انجازه، وتحققه، في التئام قمة ثقافية عربية، على مستوى رؤساء الدول، والذي تم طرحه بشكل جدي على جامعة الدول العربية، والرؤساء العرب، وكذلك تقريرها الخاص بالتنمية الثقافية على مستوى الوطن العربي، حيث كان منجزها الأخير هو "التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية"، الذي سنقدم إشارات تعريفية بثراء وأهمية المحتوى، وعمق الجهد المبذول في إنجازه، من خلال هذه القراءة لأهم العناوين، والنقاط التي وردت في الملفات التي تؤشر على جوانب مختلفة من بنى الثقافة في العالم العربي.
 
خمسة ملفات
يقع "التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية" في 522 صفحة، مشتملا على مقدمة لرئيس مؤسسة الفكر العربي صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، ومفتتح للكتاب لأمين عام مؤسسة الفكر العربي الأستاذ سليمان عبد المنعم، وخمسة ملفات هي على التوالي: الملف الأول: المعلوماتية كرافعة للتنمية الثقافية، الملف الثاني: التمويل واستقلالية الإدارة في التعليم العالي، الملف الثالث: الخطاب الثقافي في وسائل الإعلام، الملف الرابع: الإبداع، الملف الخامس: الحصاد الفكري السنوي.
وقد تم اختيار هذه الملفات، لأهميتها، ولضرورة دراستها بشكل علمي، وربما تكون هناك دراسات متفرقة لكل موضوع من موضوعات تلك الملفات على حدى،  ولكنها تكون بمعزل عن المرجعية الثقافية، في الدراسة والتحليل، أو أنها درست بشكل منفصل على المستوى القطري، أو من خلال استطلاعات متفرقة لم تجمع على هيئة معمار واحد متكامل، لذلك فإن هذا التقرير يمكن تقديمه على أنه الإصدار العربي الوحيد "المعني برصد الحراك الثقافي على مستوى الدول العربية، وتحليله، وتشخيصه، للتعرف على حجم الإنجاز، والوقوف على مواطن القصور، وتقييم التطور الحاصل في آليات صناعة الثقافة، ومخرجاتها، ثم طرح النتائج على الساحة عامة، وخاصة بين أصحاب القرار الثقافي".
 
قراءة موضوعية للواقع
ومن خلال استعراض عناوين الملفات التي عالجتها مواد التقرير الثاني، يلاحظ التأكيد من خلال تلك الملفات والمحاور على الصلة الوثيقة بين الثقافة وبين التنمية الإنسانية بمفهومها الشامل، وأن التنمية الثقافية بتجلياتها المختلفة في التعليم والإبداع والإعلام والمعلوماتية في قوة الدفع للتنمية الإنسانية بكل أبعادها المختلفة.
وفي مقدمة التقرير يؤكد صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بـ"أن حلم التقدم الذي يراود كل إنسان عربي هو حق مشروع لأمة شاركت بفعالية في صنع الحضارة الإنسانية، كما أن تحقيق هذا الحلم يجب أن ينطلق من مشروع هدفه التنوير، ومضمونه الثقافة والمعرفة، ومنهجه العلم، ووسيلته قراءة موضوعية معمقة لواقع الحاضر من أجل البناء عليها في استشراف المستقبل".
وإن نظرة تحليلية إلى اللجنة الاستشارية العليا للتقرير، والباحثين الرئيسيين للملفات التي احتواها التقرير، إضافة إلى أصحاب الأوراق المرجعية والباحثين المساعدين، يمكن أن تعطي دلالة على مدى العناية في اختيار تلك الأسماء، والجدية العالية في التعامل مع معطيات التقرير ومحاوره، حيث أن اللجنة الاستشارية هي من كل من الكاتب الياس سحاب، والمسرحي جواد الأسدي، والكاتب زياد عبد الله الدريس، والأستاذ الدكتور صالح عبد الرحمن العذل، والكاتب والناقد الدكتور علي عقلة عرسان،  ورئيس تحرير جريدة أوان الدكتور محمد الرميحي، وأمين عام اتحاد الكتاب العرب محمد سلماوي. أما الأسماء المتخصصة في الملفات والأوراق المرجعية فهم لا يقلون عمقا ومعرفة عن اللجنة الاستشارية المشار إليها أعلاه( ملف المعلوماتية: جمال غيطاس ود. نبيل علي، ملف التعليم العالي: عدنان الأمين، ملف الإعلام: محمود خليل، ملف الإبداع: الإبداع الأدبي؛ عبده وازن. الإبداع السينمائي والدرامي: إبراهيم العريس. الإبداع المسرحي: ماري الياس. الحصاد الفكري السنوي: عبد الإله بلقزيز.
وبخصوص أصحاب الأوراق المرجعية فهم كل من الباحثين المساعدين التالية أسماؤهم: أبو الحجاج محمد بشير، أحمد إسماعيل حجي، أشرف شوبك، أيمن العمري، خالد احمد الصرايرة، زيكي حبيب، شيرين سلامة، شيماء مازن، عبد العالي كعواشي، كمال أبو شديد، ماهيناز رمزي، محسن المهدي سعيد، مرفت عبد العزيز، نورما غمراوي، وسام هندي، وليد مبيض).
 
المعلوماتية: ملامح الحضور على الشبكة العنكبوتية!
يقدم الأستاذ سليمان عبد المنعم/ أمين عام مؤسسة الفكر العربي، منسق التقرير، مفاتيح للملفات التي عالجها التقرير، حيث يشير في ملف المعلوماتية إلى محاولة الإجابة على أسئلة من مثل: ما هي أوضاع عالمنا العربي عالمنا العربي طبقا لمؤشرات مجتمع المعلومات في ظل الاستراتيجيات الحكومية الحالية؟ وكيف تبدو هذه الأوضاع طبقا لمؤشرات البيئة الإبداعية، لا سيما في مجالات البحث العلمي والتعليم وصادرات التكنولوجيا؟ وما هي نقاط القوة ومظاهر الضعف في البنية المعلوماتية العربية من المنظور الثقافي؟ وهل يبدو الحضور الثقافي العربي على الشبكة العنقودية كافيا ومرضيا لطموحنا وما تختزنه ثقافتنا من ثراء؟ وفي الأحوال كافة ما هو الدور المحتمل للمعلومات في دعم التنمية الثقافية، وما هي ملامح الرؤية المستقبلية في هذا الخصوص.
 
التعليم العالي: البحث العلمي إلى أين؟
 أما على صعيد ملف التعليم فقد كان السؤال الأبرز حول أزمة الاستقلالية الإدارية والمالية في الجامعات العربية، وهل أفضت معدلات الإنفاق على التعليم العالي في البلدان العربية إلى تحقيق الجودة التعليمية المنشودة؟ وما هي المعدلات التي تبدو في أكثرية الدول العربية أقل بكثير جدا من مثيلاتها في الدول المتقدمة؟ كما كان من ضمن الأسئلة المرتبطة بملف التعليم السؤال حول نسبة مخصصات البحوث إلى الموازنة في الجامعات العربية؟ وكذلك كان حاضرا موضوع الوقفيات الجامعية، فكان السؤال المطروح هو كيف السبيل إلى تحفيز الدور الاجتماعي والثقافي لرجال الأعمال العرب انطلاقا من مفهوم المسؤولية الاجتماعية لرأس المال؟ وهل من رؤى ومقترحات لتحفيز التمويل الأهلي ليضطلع بدوره في دعم التعليم الجامعي وتطويره؟
 
الإعلام:مضمون الخطاب الثقافي!
وبشأن التساؤلات على صعيد الملف الإعلامي، فأولها هو ما يتعلق بمضمون الخطاب الثقافي في إعلامنا المكتوب والمرئي؛ ما هي القيم التي يدعو لها هذا الخطاب الثقافي العربي؟ وكيف واجه هذا الخطاب بعض الإشكاليات العربية المزمنة مثل قضية العلاقة بالآخر السياسي والديني، وعلاقة المثقف بالسلطة والمال، وقضية التراث والمعاصرة، والمساواة بين الرجل والمرأة، وعلاقة اللغة بالثقافة؟ ثم هل هناك خطاب ثقافي عربي واحد أو هناك "خطابات" ثقافية عربية؟
 
الإبداع الأدبي: بين الرواية والشعر
وفي إطار الملف الإبداعي، يكون التساؤل في فضاء الإبداع الأدبي حول ملامح وهموم الرواية العربية، وأهم الروايات العربية الصادرة، وكان الملف الأدبي ساحة للتساؤل حول ما اتسمت به الكثير من الروايات العربية من محاولة استعادة الماضي في المكان والزمان؛ وتحولات الواقع العربي وتناقضاته؛ وكيف تواجه هذه الرواية سؤالها القديم الحديث حول العلاقة بين الشرق والغرب؟ وهل ثمة رواية نسوية مضادة؟ وكذلك يحتوي الملف على تساؤلات الشعر حول شعر الفصحى أم شعر العامية والنبطية، وأيضا تساؤلات حول قضية الترجمة، خاصة بالنسبة للأعمال الإبداعية، وما هي المعايير التي يخضع لها اختيار تلك الأعمال التي تترجم إلى لغات أجنبية؟ وهل صحيح أن بعض الروائيين العرب يقبلون على كتابة روايات صالحة للترجمة بناء على استقراء لذائقة القارئ الأجنبي؟
 
السينما والدراما: التمويل والإنتاج
وكان ملف الإبداع السينمائي والدرامي حافلا بالتساؤلات حول المهرجانات السينمائية العربية، لا سيما مفارقة التمويل السخي لبعض المهرجانات السينمائية من دون اهتمام مقابل بتمويل حركة إنتاجية أو دعم المبدعين في بعض البلدان. كما يتمخض الملف عن رصد حركة الإنتاج العربي في السينما والدراما العديد من التساؤلات، سواء على صعيد توزيع حصص المشاهدة أم على صعيد توزيع الأنواع السينمائية، مثل غلبة السينما الهزلية في العام 2008م على السينما الاجتماعية.
 
المسرح: تفاوت في المستوى
وفي ملف الإبداع المسرحي هناك إثارة لتساؤلات حول ضعف البنى الثقافية التي تشرّع لوجود المسرح العربي سواء فيما يتعلق بالمنظومات الإدارية والمالية أم بسبب إشكالية الرقابة على حرية التعبير. ولعل مقارنة حركة الإبداع المسرحي من دولة عربية لأخرى تشي بذاتها عن جملة تساؤلات حول وتيرة الاهتمام المجتمعي بالمسرح والعوامل التي تؤثر في ذلك.
 
 
الحصاد الفكري: حوار الثقافات
وآخر الملفات في التقرير هو ملف الحصاد الفكري الذي يكشف عن تساؤلات حول انشغالات العقل العربي خلال عام 2008م سواء في موضوعات القضايا المثارة أو أولوياتها، وكان من أبرز التساؤلات حول الجدل الدائر حول ممارسة الدور الإقليمي العربي، وقضايا التنمية، والتحول الاقتصادي وتداول المعلومات، كما أن هناك إثارة لتساؤلات فكرية حول جدلية العلاقة بين العروبة والإسلام، وضعف الاهتمام العربي بالقوة العالمية الجديدة البازغة، إضافة إلى إثارة التساؤل حول قضية الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية، وما تتسم به من تركيز بالغ على اللغتين الانجليزية والفرنسية مقابل إهمال ملحوظ لحركة الترجمة من لغات أخرى كالصينية واليابانية والهندية؛ وهو تساؤل يتجاوز الجوانب الفنية والتجارية في عملية الترجمة ليمس في الصميم قضية حوار الثقافات وما توجبه من ضرورة الانفتاح على كل ثقافات العالم، لا سيما في ظل تنامي دور الثقافات الآسيوية في حركة التقدم العالمي المعاصر كما في حالات الصين واليابان والهند.
 
الإصلاح الثقافي
وتبقى هذه قراءة سريعة للتقرير الذي يرصد جوانب من الملفات المشار إليها، في عام 2008م، وفق منهجية واضحة في البحث والدراسة والرصد، يوضح الباحثين في كل ملف جوانب الصعوبات، وكذلك الأسس التي تم اعتمادها أثناء إعدادهم للجانب المكلفين فيه ضمن سياق التقرير الثقافي هذا، ليكون مادة ثرية، يمكن أن يعتمدها المعنيون بالسياسات الثقافية، في الدول العربية، كي تكون تلك النقاط، والتوصيات في كل ملف، عتبة البداية بالنسبة للإصلاح الثقافي، ولدفع عجلة التنمية الثقافية في مسار تصحيحي يتم فيه وضع سياسات ثقافية يمكن التأسيس عليها لرسم ملامح أكثر ايجابية في المرحلة القادمة.
 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans الثقافة الرقمية
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية