Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
10 octobre 2013 4 10 /10 /octobre /2013 17:08

الدكتور عبد النور إدريس

أدبية الجسد الأنثوي   في حكايا ألف ليلة وليلة

مقاربة  نقدية جندرية  

بقلم الدكتور عبد النور إدريس

 

مدخل:

إن حكايا ألف ليلة وليلة بوصفها نموذجا وفعلا ولغة ساهمت في تشكيل صورة المرأة العربية، فوضعت النموذج على سكة اللغة والفعل باعتبارها:

أولا : نصا سرديا متميزا، عَبَّرت جل عصور الذوق الفني والأدبي عن الإعجاب بها، باعتبارها مرآة لذوق المجتمع العربي من المحيط للخليج، وقد عبّر الأدب القروسطي، ولا سيما كتاب :"ألف ليلة وليلة" بكل وضوح وحماسة وحيوية كما تقول ليلى أحمد،" وبدون رقابة، عن تراث من الشهوة الجنسية والجنسانية النسوية بكل ما يميزها من فاعلية ونشاط [...] ومن المعروف أن هذه الحكايات في رواياتها وإعادة رواياتها تعبر على أقل تقدير عن أوهام وخيالات ونزوات اخترعتها النساء إضافة إلى الرجال، أما كيف تعبر مجموعة القصص هذه عن الجسد والجنسانية فمازال موضعا بحاجة للإستكشاف والتقصي"(1).

ثانيا : ثقافة عابرة للحدود الجغرافية للعالم العربي، وتشكل الجذع المشترك لكل سرد نسائي، وقد تحدثت الكاتبة فاطمة المرنيسي في كتابها " نساء على أجنحة الحلم" عن الكيفية التي تمكن المرأة من مغازلة السلطة مع بداية الليلة الثانية بعد الألف حين صمتت شهرزاد عن الكلام المباح تقول :" بكيت حين صمتت أمّي عن حكاية شهرزاد، ولكن كيف نتعلم الحكي لكي ننتزع إعجاب الملك؟، همست والدتي وكأنها تخاطب نفسها بأن ذلك قدر النساء، إنهن يقضين حياتهن في إتقان مثل هذه الأشياء، فلم يسعفني هذا الجواب الغامض بشيء، أضافت أمّي بأن سعادتي في تلك اللحظة رهينة بمهارتي في استعمال الكلمات" (2)، ويشكل الوقوف على عالم ألف ليلة وليلة ملخصا لزمن  المرأة التاريخي والاعتباري بوصفها فعلا ولغة، بالرغم من اتصافها بكونها نموذجا.

ولعل الأهمية التي يتفق حولها النقد الحديث هي كون حكايا ألف ليلة وليلة تُعد من بين أرقى آداب القرون الوسطى التي تطرقت للجسد الأنثوي بالعلاقة مع النوع الاجتماعي داخل مظاهر الايروتيكية العربية القديمة بنصوصها وأدبياتها، كما سجّلها الفقهاء والشيوخ الأجلاء في مؤلفاتهم القديمة (3)، ذلك ما دفعنا لمقاربة هذا العمل الجماعي باعتباره أدب عام يشترك فيه كل التراث الأدبي العربي والغربي  والعالمي. وخاصة ما تضفيه هذه الملحمة السردية من مكونات السحر والتخيل والأسطورة من خلال جماليات الجسد الأنثوي المسرود، الذي يبدو هو الآخر أكثر سحرا وأكثر جاذبية، وأكثر حضورا في بنية الحكاية سردا ووصفا وحوارا.

1- مدونة الجسد أو عند الجذور الأولى للسرد النسائي

لقد عرفت أقاليم المعنى مع شهرزاد أن الجسد الفيزيقي للمرأة نظرا للثـقب الحاصل في ذاكرته، والانفضاض الحاصل في تمفصلاته، لا يستطيع بتاتا مقاومة هذيان السلطة، من حيث أن  نضجه لم يستطع أن يضمن للأنثى سوى حياة ليلة واحدة مع شهريار: " فجو الجنس بسحره، وفضائه، كما تصوره الليالي غير قادر على تبديد أرق السلطة الذكورية" (4)، بينما استطاع الجسد المعرفي للجسد أن يضحي بالجسد الفيزيقي، ويبقى حاضرا بنضجه الجنسي عبر نسيج الحكي، وهو الفن الذي تمتلك شهرزاد ناصيته، نظرا لطريقة روايتها للحكاية التي تشد انتباه السامع وتغريه بالمتابعة والإنصات، خاصة وأن القتل هو أحد محركات الحكي الذي يملك هنا خاصية تعطيل فاعلية القتل ذاته بعرضه لقصص متشعبة مسترسلة عن القصة الأساسية، " إحك حكاية وإلا قتلتك"، استغلت فيها شهرزاد مستويات عدة، تبدأ بمستوى اللذة الذي يدفع المتلقي لاكتشاف بقية الأحداث في الحكاية، وتنتهي بمستوى الفعل الجنسي المُحرض على التلقي والموجود في معظم الحكايات بشكل مباشر أو غير مباشر.

 وقد جاء في كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ما يؤكد خروج المرأة إلى دوائر الضوء بعدما كانت رهينة الجسد الخام لتصبح رهينة الكتابة، فسُمح لها ما بين هذين المكونين بالتربع على عرش الحكي، يقول العلامة مولاي مصطفى بن عبد الله القسطنطيني " ومن الكتب المصنفة فيه [أي علم الباه] كتاب الألفية والشلفية، قال أبو الخير يحكي أن ملكا بطلت عنه قوة المباشرة بالكلية وعجز الأطباء عن معالجته بالأدوية فاخترعوا حكايات عن لسان امرأة مسماة بالألفية لما أنها جامعها ألف رجل فحكت عن كل منهم أشكالا مختلفة فعادت باستماعها قوة الملك" (5) .

لقد أضافت شهرزاد لمتعة الجسد متعة الكلام وما به من عقل ومعرفة، لكن الأذن العربية حولت ثقافة ألف ليلة وليلة إلى ثقافة إمتاع، بما أنها مستترة ومختبئة وليلية، أي ثقافة جارية ، فاستطاعت إثر ذلك تحويل وعي الرجل من شهوة الجسد إلى شهوة الكلام   )   الكتابة  (   ، فكان النص "الألفي " نصا للحياة في مواجهة الموت، نصا سرديا يحول عملية السرد إلى تعاقد ضمني أو علني بين راو ومستمع، "فجل الحكايات تبين أنه مهما اتّسعت الهوة بين الشخصين، فإن بالإمكان تحويل العلاقة المبنية على العنف والقهر إلى علاقة مبنية على الرقة والوداعة، بفضل العقل والإقناع" (6). فشهرزاد تروي كي لا تُقتل، تتلمس من عملية السرد أن تنتقل حالتها السيئة إلى حالة محمودة، وشهريار يُصغي لكي يتمتع بحكاية شيقة، ويضمد جراحه النفسية التي تركتها خيانة زوجته الحرة عندما اكتشف مذهولا علاقتها بخصيه الأسود، فالإرسال السردي ينتظم في سياق تأجيل الموت، فيما ينتظم تلقيه في سياق الاستغراق في المتعة، وقد اعتمدت شهرزاد في أدائها السردي على خطاب الجنس كمصدر لقوتها، فشكلت به، مع قدرتها على الحكي، نسيجا خاصا يأسر المتلقي ويُدخله فضاء الافتتان والاستمتاع الشبقي بالحكي، بينما لجأت إلى إبراز مفاتن الجسد الأنثوي المتخيل حتى يستطيع جسدها أن يمدها بطاقة التحدي والتفوق على ضعفها، لتمتص غضب فحولة شهريار المطعونة والمجروحة في كبريائها والمركبة خاصة من نرجسية السلطة التي تعتقد أنها أزلية وكلية، وهي تدرك أن العبد لم يتقمص حالة الاشتهاء الدائم لجسد سيدته أو بنت سيده أو جسد زوجته إلا رغبة في التنفيس عمّا يتعرض له من دونية ومهانة في قصر سيده. فالعبد لا يستطيع الإحساس بحضور حريته ووجودها إلا عندما تستثيره سيدته وتحرضه على الفعل الجنسي الكامن والمقموع عند حضور الرجل وقربه من مخدعه، وقد أثبتت شهرزاد أنها بارعة في الحكاية بأجمل جسد أنثوي "سلطاني"، تارة تصف نظام الأشياء كمعطى تابع، وتارة أخرى تؤسس لمعنى التحرر من فكرة المطلق الموجودة فيما سبقها من حكي الأولين .

هذا الاحتفال بأدبية الجسد المحكي لن ينسينا طرح العديد من الأسئلة على التخوم الفنية لحكايا ألف ليلة وليلة التي تتأسس على الكلام والسماع بدل القراءة، قصد فهم المنطق الداخلي لهذه الثقافة التي تستوطن تمثلاتنا.

·        هل استطاعت شهرزاد الحاكية تحويل شهريار من آلة جنسية إلى عاشق حقيقي؟

·    هل اعتبر شهريار أن معاشرته لشهرزاد استحكمتها كتابة جسدية،  بمعنى أن أطفاله الثلاث منها بمثابة صفحات كتبت بمائه الخاص، ماء يستطيع محو آثار سابقيه؟

نلاحظ من خلال البناء السردي لألف ليلة وليلة أن بنية الحكاية تجعل العلاقات الإنسانية تنخرط في خضم التحويل المبني على علاقة سردية ثابتة     ،حيث يتّجه فعل الحكي ويستقر من الضعيف في اتجاه القوي: " فالسرد وليد توتر بين قوي وضعيف، حين يشد القوي بخناق الضعيف لا يجد هذا الأخير خلاصه إلا بسرد حكايته أو حكاية أشخاص آخرين. الحكاية مرادفة للتوسل والرجاء، إنها القربان الذي يذبح لتهدئة غضب الشخص المتسلط وتقريبه من الشخص الذي يوجد تحت رحمته." (7)، وهكذا استعملت شهرزاد حكمتها ودهاءها لاقتلاع جذور الهمجية والضغينة من نفسية شهريار: " فجل حكايا ألف ليلة وليلة تشير إلى أنه مهما اتسعت الهوة بين شخصين، يبقى بالإمكان تحويل العنف والقهر إلى الرقة والوداعة، يبقى بالإمكان، بفضل العقل والإقناع، تحويل علاقة القوة إلى علاقة المساواة" (8).

إن امرأة الليالي تعيش في زمن النهار حالة فراغ كينوني تكون فيه موضوعا لرغبة الرجل، بينما في زمن الليل تعيش حالة ملء ملتصق بسرد ينطلق من الإمكانات التي يتيحها مخزون الذاكرة، والمقتطع من نسق التدليل الاجتماعي الذي يعمل من خلال آلياته على استحضار قانون النسق العام، عملت شهرزاد على إخضاعه لعملية انتقاء في بناء نص مهادن، أعزل في إمكانية انفتاحه على ذاته، مُشَكَّل بإرادة سابقة على فعل الحكي الذي يأتي فقط شارحا لرؤية معطاة سلفا، وقابلة للاستهلاك من طرف المتلقي (شهريار).

إن شهرزاد تتحرر في زمن الحكي من كل القيود وتستعمل خطابا يتحكم في الوحدات الدلالية والمضمون القيمي الذي تبني به النص السردي. ولما كان الواقع يُشَيِّءُ جسدها، لم تُحْدِث الحكاية عندها قطيعة مع الخطاب الذي تتغذى عوالمه المخيالية المشرعة على حجم التأويلات، جعلت الراوية من الجسد الأنثوي جسدا منقوعا مُصَفَّى، يحاول النص عبره بناء نفسه من خلال هذه الإستراتيجية، دون التنصيص على بؤر التوتر التي تدعو توليد معان موازية للنص الأصلي، فتحضر امرأة الليالي في النص أحيانا دون الوضع الاجتماعي للعبد، وتقدَّم أسيرة لشهوتها الجنسية لدرجة الشذوذ الجنسي، فهي لا تميز بين الذكر الآدمي والذكر الحيواني، إذ تضاجع الدب في حكاية "وردان الجزار والمرأة والدب"، بالليلة 354، وتضاجع القرد في حكاية "بنت السلطانوالقرد"، بالليلة 356، وكأنها تتخلص بذلك من إكراهات القيم الذكورية التي تعتبر العبد شيئا، يقول النص في الليلة 356:" ومما يحكى أيضا أنه كان لبعض السلاطين ابنة، وقد تعلق قلبها بحب عبد أسود فافتض بكارتها وأولعت بالنكاح، فكانت لا تصبر عنه ساعة واحدة. فكشفت أمرها إلى بعض القهرمانات فأخبرتها أنه لا شيء ينكح أكثر من القرد. فاتفق أن قرّادا مر تحت طاقتها بقرد كبير فأسفرت عن وجهها ونظرت إلى القرد وغمزته بعيونها، فقطع القرد وثاقه وسلاسله وطلع لها فخبأته في مكان عندها، وصارا ليلا ونهارا على أكل وشرب وجماع. ففطن أبوها بذلك وأراد قتلها" (9).

واستطاعت شهرزاد من خلال هذا الانتقاء السردي أن تتحكم في جزئيات المحكي فسربت للنسق الثقافي العام عناصر ثقافية جديدة متسلحة بسلطة المتخيل، فبنت تصوراتها عن النسق القيمي، وأدانت فيه تقسيمه جسد المرأة إلى (جارية-بكارة) و(زوجة- رحم للولد) حيث " الشخوص داخل الحقل السلطوي، ترى في بكارة الجارية أو الوصيفة مجرد حالة استمناء لقتل الأرق والفراغ، أما إذا كان مقصد الشخوص الزواج من الجارية وفق شرائط إنسانية، فإن ذلك مرفوض، إذ لا يكون هذا الزواج إلا من بنت ملك أو وزير، أو كبير قوم " (10)، ولما تم خرق هذا المعيار الاجتماعي في الحكايتين رقم 45 و46 ، بدأ التوظيف الأيديولوجي للسلطة بالتلويح بالقتل لمّا : "عشقت ابنة السلطان عبدا أسودا، وبهذا فقد مجتمع الحكاية مرجعيته الثقافية، انهدَّ التمايز بين الطبقتين فاستقطب "تاريخ" الحكاية تاريخ المجتمع"(11)، تقول الحكاية :"  ففطن أبوها لذلك وأراد قتلها" (12)، فكان لتشهّي ابنة السلطان لذكورة العبد توظيفا أداتيا فتحت به حضارة المنع كل المحظورات، من حيث أن إخصاء العبيد المكلفون بحراسة النساء في القصور كان يُنظر له على أنه تحويل للهوية الجنسية من الذكورة إلى جنس خارج النظام الجندري الثنائي، لكن بقاء الرغبة الجنسية العارمة لدى الخصيان كانت مصدرا آخر للاضطراب التراتبي الجندري، ويبدو أن العبيد في مجتمع ألف ليلة وليلة كانوا محل إعجاب النساء لأنهم على حد قول الجاحظ:" سريعو الإفاقة طويلو الإراقة، مأمونون من اللقاح" (13)، كما رجعت ابنة السلطان لطبيعتها الحيوانية مع استدعاء الفعل الجنسي للقرد الذي جسد صورة عنيفة لشهوة شبقية مجنونة يصفها المرجع الديني بالشهوة البهيمية، وهي شهوة حيوانية تتجاوز الطاقة البشرية .

 وقد بلغ الوصف السردي إلى حد انشطاره عن المقدس، الشيء الذي جعل البنية اللغوية للسرد تخترق البنية اللغوية والمعرفية للوسط الإسلامي، من ذلك إبراز الفعل الجنسي وتوظيفه لمصطلحات تنتمي لدائرة المقدس الإسلامي: كالإمام والمحراب والركوع والسجود والتسبيح. نجد في حكاية "علي شار وزمرد الجارية"، تشبيها لعلي شار بالأسد إمعانا في تصوير الفعل الجنسي ببعده الحيواني، يقول " قالت : أنا جاريتك زمرد. فلما علم ذلك قبّلها وعانقها وانقض عليها مثل الأسد على الشاة وتحقق أنها جاريته بلا اشتباه، فأغمد قضيبه في جرابها. ولم يزل بوابا لبابها وإماما لمحرابها، وهي معه في ركوع وسجود وقيام وقعود، إلاّ أنها تتبع التسبيحات بغنج، في ضمته حركات ..." (14)

 كان حكي شهرزاد مستساغا للسمع ليلا، أما في الصباح فكان السكوت عن الكلام المباح من بين أهم الطقوس المصاحبة للحكي. ولم يكن يُسمح لها بالكلام في النهار إلا وهي وراء ستار مخدعها مانحة للسلطان جسدها الفاتن وجرعة الجنس والرعشة وجمرة الجسد الملتهبة، بعد أن حركت مواطن الشهوة لديه من خلال جرعة الحكي وإيقاظ التمثلات الايجابية والمثالية عنده حول العشق والحب والجنس والرعشة البوهيمية التي تُفقد الوعي، فشهرزاد تحتمي بأنزيمات السرد وعجائبيته وانفتاحه على الشهوة الجنسية واللذة المتخيلة التي يحققها تفاعل شهرزاد واندماجه في شخصية المقتحم والفاعل الجنسي، تلك الصورة الفحلية التي خلقتها الساردة لتحقيق الرعشة الجسدية لشهريار، وهي تستدعي ثبوثية النسق الثقافي بتركيزها على الفعل الجنسي بما هو فعل إنساني، وما الاستثناء الخارج عن هذه القاعدة فينتمي إلى عالم الحيوان، يقول سارد حكاية بنت السلطان والقرد وقد التجأ إلى إحدى العجائز اللائي يحمين النسق من الداخل: " ثم أمرتني بنكاح الصبيّة فنكحتها إلى أن غشي عليها، فحملتها العجوز وهي لا تشعر وألقت فرجها على فم القِدر فصعد دخانه حتى دخل فرجها، فنزلت من فرجها شيء فتأملته فإذا هو دودتان: إحداهما سوداء والأخرى صفراء، فقالت العجوز: الأولى تربت على نكاح العبد والثانية تربت عن نكاح القرد" (15)، ومن ذلك فقد حددت العجوز باعتبارها ناطقة باسم النسق الثقافي أهمية وغلبة دودة الانسان وتميزها على باقي الدود الأسود والأصفر فتجاهلت تعداد الفعل الجنسي التي يأتي بالغشي الذي وصل إلى عشرة تردادات المقرونة بوطء القرد، تقول الحكاية :" ثم أنها أحضرت خمرا وشربت منه وسقت القرد، ثم واقعها القرد نحو عشر مرات حتى غشي عليها" (16)، ثم تقول الحكاية عن وطئ الدب :" ثم وثب عليها وواقعها ولما فرغ جلس واستراح، ولم يزل كذلك حتى فعل ذلك عشر مرات ثم وقع كل منهما مغشيا عليه وصارا لا يتحركان"(17) فجعلت من العلاقة الجنسية البشرية مُعادلة تفوق كل المعادلات، ففي حين يتم الإغماء إثر العلاقة الجنسية مع الحيوان (القرد والدب) عبر تكرارها إلى عشر مرات، لا يتعدى الوصول لحالة  الإغماء في العلاقة البشرية  إلا لعلاقة واحدة كي تفي بالغرض، وبذلك أراد النص، أن يعيد الاعتبار إلى الفعل الإنساني من جهة، وأن يبهر المتلقي من جهة ثانية، وذلك بإقراره أنه لا توجد متعة جنسية ممكنة بدون بلوغ حالة فقدان الوعي (الإغماء).

إن شهرزاد حكت استجابة لسمر نسائي، وبطلب من أختها دنيا زاد بعد أن حاكت "سيناريو" توديع أختها من أجل فتح عالم حكي النساء على عالم الرجال، "بالله عليك يا أختي حدّثينا حديثا نقطع به سَهَرَ ليلنا " (18)، فدخل شهريار متسللا إلى الفُرجة ناظرا إلى ذاته ومُتفرجا عليها، كي يشاهد الفعل الجنسي من زاوية نظر أخرى ليتحقق له عري ذاته، حيث يأتي دائما فعل المشاهدة من الأعلى في اتجاه الأسفل " وكان في قصر الملك شبابيك تطل على بستان أخيه.فنظر..." (19) وكأننا بحضور فعل التلصص على الفعل الجنسي من أعلىن كل ذلك يرمز إلى تشبيه الفعل الجنسي بالعمل الحيواني لدونيته " فوجدت صفة صغيرة بها طاقة تشرف على قاعة، فنظرت في القاعة فوجدت امرأة .." (20).

لم تدوّن شهرزاد حكاياتها بنفسها، بل دوّنها رجال أضافوا للحكايات تفاصيل لم تذكرها، واغلبها نصوص تحمل أفكارا تخدم الفكر الذكوري المسيطر، جعلوا فيها الرجل هو السيد الآمر الناهي والمرأة هي المسودَة والخاضعة، وبذلك وقياسا لحجم الأبعاد الرمزية التي مثلتها آنذاك، استطاعت شهرزاد تحويل الجسد من الموضوعة الجنسية إلى موضوعة التخييل الجنسي، أي من تجربة الحب الحسية إلى التجربة الفنية،   حيث يستدعي الحب عالم المخيلة التي تدخل في صراع مع العوالم الفنية وتخلق حركة درامية في تطور شخصية السارد(ة) حيث :" يوجد بين التجربة العشقية والتجربة الفنية رابط، هو في نفس الوقت متشابه ومتضاد، فالحب كما الفن محكومان بالرؤية الذاتية، بما أن الخيال يخلق موضوعه" (21).

يشكل هذا النمط من إعادة إنتاج التمثل العام للمجتمع حول الجسد، خطوة جعلته بمثابة سلطة لتعطيل العنف السلطاني ليس بالمفهوم العلاجي النفسي- لأن النص السردي ليس أطروحة بسيكولوجية محضة - فانتقال شهريار إلى سلطة الإنصات أفسح المجال لتجلي سلطة الحكي الأنثوي الذي يمنح للقيم الذكورية، والفحلية منها، فاعلية وجودها كما جاءت في كشف الظنون.

 إن صدق الخطاب الذي امتازت به شهرزاد جعل خطاب شهريار ينتقل من مبدئه الجوهري الذي تغطيه السلطة الزمنية "إحك حكاية وإلاّ قتلتك" إلى خطاب يتعايش فيه الموت والحكاية ويتنادمان من أجل تأجيل الوعد بالقتل على أساس عذوبة القص وانحباسه في عقد سردية تستوجب استرسال التلقي من أجل تجليتها، وبالرغم من أن الحكايات تستمر متأثرة بفعل الخيانة التي لم يستطع القتل أن يمحوها ويُشفي الفاعل من جراحاتها، فقد انتقل دافع القتل عند شهريار من القتل الجسدي للمرأة إلى رغبته في استمرار القص بدافع القتل المعنوي لكل النساء: " فاللذة العجيبة التي كان يجدها شهريار في قتل نساء مدينته تعادل لذة الليالي الحمراء التي ترويها شهرزاد"(22)، أو الليالي البيضاء التي يقول فيها عبد الكبير الخطيبي حيث :" تتعرض شهرزاد لخطر الموت، فإنها ترفع عنصر الليلة البيضاء إلى مستوى أبيض نظري، وإلى مستوى نظرية باذخة من حكايات سلسلة من الليالي." (23) ، فالسرد هنا يلغي ويمحو فعل القتل، ويعطل فاعليته، ويشيد تلقيه على أجساد النساء ويميل إلى مبادلة القتل بالحكي والجنس، فالمبدأ الشهرياري  يعطي الأسبقية للحكي على القتل "احك حكاية وإلا قتلتك" حيث يجعل الجسد الأنثوي الفدية المثلى للتنازل عن القتل والتعويض عن فعل الخيانة الذي فجر غضب شهريار " احك حكاية وإلا قتلتك، ثم امنحيني جسدك" (24)، الشيء الذي يحول شهرزاد من ساردة لفن قصصي إلى معشوقة باعتبارها فنانة محبوبة .

يتبع

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
15 août 2011 1 15 /08 /août /2011 11:48

تعتبر نفسها "زائرة دائمة لجسدها"

RITA11

ريتا باروتا لـ "تحولات": الكتابة عن الجسد لم تحررني

 

أسماء وهبة


 


جلست أراقب صمت الأشياء


فابتسمت لي


يقين عارف باستحالة البكاء


جمعت ما سيكون من جمر أخفاه صدري


نثرته عنبرا على سرير رطب


لم أعد لأنني لم أكن


لم أبك لأنني منه وإليه أعود


عدم يشبه ضلع أمي


إنها قصيدة "الأشياء" للشاعرة والصحافية ريتا باروتا التي اختارت تفاصيلها الخاصة والأكثر حميمية لتقدمها للقارىء وليمة دسمة. شرعت له سريرها وجسدها و"هرطقتها" كما تقول، ليتأمل ويسبر أغوار حياواتها الداخلية. اختارت ريتا "السرير" مكانا لقصيدتها، وجعلت منه عنوانا لديوانها الشعري "هرطقة بلون سرير" الصادر عن دار أبعاد. إنه المكان الذي تقضي فيه الجزء الأكبر من حياتها. ولعله الأجمل والأتعس كما تقول! وفيه تستطع أن تعبر عن جسدها دون مواربة أو خوف، ليولد من رحمه قصائد وصفت ب "الجريئة".
ماذا قصدت بعنوان ديوانك "هرطقة بلون سرير"؟
لا أستطيع ترجمة العنوان، لأنني عندما أكتب لقصيدة أتخيل صورة معينة فأحاول قدر استطاعتي نقلها إلى القارىء بالكلمة والخيال. وأعتقد أن العنوان يحمل صورة كونتها عن حياتي، وهو أحد أشكال "الهرطقة" التي أعيشها.

ماذا يعني "السرير" بالنسبة لك؟
هو المكان الذي أصب فيه كل شيء أعيشه من حب وفرح وحزن. وهو المكان الأكثر حميمية بالنسبة لي، وهنا لا أقصد الحميمية الجنسية فقط بل حميميتي الحياتية.
ولكن العنوان يحمل إيحاءا جنسيا!
بالطبع. ولكن ربما أردت أن ألتف حول العنوان قليلا ليحمل المعنى الجنسي الذي لا أستبعده والمعنى النفسي الذي يكشف أحد جوانب هرطقتي الشخصية من دون المساس بالمحرمات الإجتماعية، خصوصا أن السرير لا يشكل بالنسبة لي "تابو"، بل هو المكان الذي يختصر حياتي! أما الإيحاءات الجنسية فهي ترجمة لإنتشائي عند الكتابة، لأنني أشعر بسعادة بالغة عندما أمسك ورقة وقلما وأكتب نصا شعريا.
هل يساوي السرير الجسد؟

بكل تأكيد. وكل شيء في حياتنا يمر بالسرير. فلا يمكن أن نفهم الحياة دون أن نمر بجسدنا وأجساد الآخرين، لأننا لا نستطيع العيش خارج أجسادنا!
هل الجسد قصيدة؟
الجسد في القصيدة هو مكان مباح وفي الوقت نفسه شديد الخصوصية. وهو المكان الذي أعطي فيه كل شيء وآخذ كل شيء. وبالمناسبة الجسد ليس شيئا، بل هو مكان مقدس أمارس فيه طقوسي الخاصة حتى أطوعه كما أريد. وفيه أقدم أقصى درجات التضحية من دون أن أمتلكه. لهذا أعد نفسي زائرة مستمرة لجسدي.
تواجه العديد من الكاتبات والشاعرات معضلة الكتابة عن الجسد: ماذا عنك؟


لا أواجه هذه المعضلة. وعندما اتهمني أحدهم بكتابة نصوص جريئة لم أهتم بالرد عليه لأني لم أتحرر عند كتابتي عن الجسد! في حين أن العديد من الكاتبات يواجهن معضلة الكتابة عن الجسد، لأن المرأة في الشرق تخاف من جسدها الذي يعتبر رهينة للآخر، حتى أنها تشعر باستمرار أنها تحمل خطيئة تنتظر القصاص. فمن المعيب بالنسبة للمرأة الشرقية أن تحب وأن تبوح لحبيبها أو زوجها بنشوتها رغم أن هذا حقها الطبيعي، الأمر الذي ينسحب على كل سلوكها. وهنا تنشأ حرب بين المرأة وذاتها، لأنها لم تتعلم أن تحب نفسها. لهذا تأتي بعض الكتابات النسوية عن الجسد فيها الكثير من المبالغة من دون أن يقدمن صورة حقيقة عن علاقتهن بأجسادهن، فتخبرنا مثلا احدى الكاتبات بما تتمنى أن تعيشه من خلال جسدها، فتأتي أحلامها مفتعلة وتقع في شرك الخيال ما ينعكس على مصداقية النص. وهناك كاتبات يظهرن كبتهن الإجتماعي بين السطور عند تناول الجسد، وهذا أمر لا يتقبله القارىء!
لماذا لم نجد حضورا لجسد الرجل في قصائد كتابك؟
أردت أن أرسم علاقتي بجسدي، وكيف أحتفي به. أما الرجل فهو طيف يمر في قصائدي، يشاهدني وأنا أنتشي من دون أن يكون هو السبب في ذلك.
كيف ترين جسد الرجل؟
أعيش من خلاله حالات معينة، لذلك هو ممر نحو شيء آخر قد يكون نشوة جنسية أو روحية. ولكن معه أشعر بسعادة أشبه بألوان قوس قزح!
هل يمكن أن يكون الرجل قصيدة؟
الرجل قصيدة إفتراضية أترجمها عبر جسده.
أليست خطوة جريئة جدا منك أن تشرعي الباب أمام القارىء ليكشف بعضا من حياتك الجنسية؟
إنها رد فعل على "التابو" الذي عشته. وأنا لا أقدم حياتي الجنسية للقارىء، بل إن هذه الحميمية بكافة تفاصيلها لا يمكن أن تتحول إلى قصيدة. لكني أقدم له نصا إيروتيكيا وليس بورنوغرافيا. وأعتقد أن الخيط الرفيع بينهما هو حرفية الشاعر الفنية في رسم مشهد جنسي، لأنه ليس من السهل تصوير التصاق رجل بإمرأة عبر القراءة غير المباشرة!

((تحولات))

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
6 juillet 2011 3 06 /07 /juillet /2011 16:09
هل مُنحت الرواية النسائية العربية …حقها؟
 

ماري القصيفي

دور المرأة العربيّة في الرواية موضوع شائك ومجاله واسع لا تفيه حقّه الصفحات المئة والأربع والأربعون من القطع الصغير، التي ضمها كتاب «المساهمة الروائيّة للكاتبة العربيّة» للروائي والناقد السوري نبيل سليمان. وبدا الكتاب أقرب إلى دليل حافل بأسماء الكاتبات العربيّات، يرشد إلى عناوين أهمّ الروايات التي ساهمن من خلالها في هذا النوع الأدبيّ، مبيّنًا في إشارات خاطفة إلى ما هو قيّم يستحقّ الدارسة وما هو عابر أو يتيم أو مقلِّد، فيغري القارئ بالبحث عن رواية يطالعها بشغف أو يطمئنه إلى أنّه ما دام ليس باحثًا أو دارسًا متخصّصًا فليس في حاجة إلى قراءة بعضها. ليس في هذا الكلام إساءة إلى مجموعة نصوص الكاتب والباحث السوريّ «نبيل سليمان» الصادرة من ضمن منشورات مجلّة «الرافد» الإماراتيّة، بمقدار ما فيه إصرار على عدم تحميل الكتاب ما لم يدّعه. فهو قطعًا ليس دراسة شاملة وافية

 اتّبع فيها صاحبها منهجًا علميًّا صارمًا يقيس فيه إبداعات المرأة العربيّة في هذا النوع الأدبيّ، وفق عصور وأبواب وموضوعات. إنّما هو اعتراف كامل، وبملء رغبة الكاتب، بأنّ مساهمة المرأة العربيّة أمر شغله طويلًا، فأعطاه ما استطاع من الاهتمام في كتبه وبخاصّة في العقد الأخير، وكذلك في مقالاته طوال سنوات في جريدة «الرأي» الأردنيّة، وتحت عنوان أثير لديه هو: «بنات شهرزاد» (ص6). وما هذا الكتاب إلّا القبلة التي يطبعها على جبين شهرزاد الأمّ، وانحناءة تقدير وحبّ ووفاء أمامها (ص7). البداية من لبنان مع رائدات الرواية في العقدين الأوّلين من القرن العشرين: أليس بطرس البستاني، لبيبة هاشم، زينب فوّاز، عفيفة كرم، لبيبة صوايا، فريدة يوسف عطيّة. ثمّ بدءًا من العقد الخامس، يتوزّع زخم كتابة الكاتبة للرواية، بحسب تعبير الباحث، من لبنان إلى سورية ومصر. «وعلى أيّة حال، يضيف، جاء ظهور الروائيّة العربيّة إعلانًا عن حدث ثقافيّ وظاهرة أدبيّة، وإن بلجلجة ستطول حتّى سبعينات القرن العشرين» (ص11). هذه «اللجلجة» تتبدّى في أكثر من مظهر لا يتردّد الكاتب في توجيه الأنظار إليها وإعطاء الأمثلة عليها، وإن بشكل سريع لكن من دون أن تفقده السرعة بُعد الرؤية وحسن الرأي. ومن ملامح الاضطراب الذي رافق الرواية «النسائيّة» منذ البدايات حتّى الآن: الأسماء المستعارة التي فرضتها ظروف كانت ولا تزال تمنع المرأة من ممارسة حريّتها في الكتابة خشية أن ينظر إلى روايتها من باب السيرة الذاتيّة؛ انتماء الكاتبات إلى أسر بورجوازيّة مدينيّة؛ الجمع بين الرواية وأنواع تعبيريّة أخرى كالصحافة والشعر والعمل الأكاديميّ والمسرح والقصّة القصيرة؛ تمحور المواضيع حول حريّة الجسد ورغباته؛ دور الدين وانعكاس أوامره ونواهيه على المجتمع؛ التاريخ وما تركه من آثار في تكوين الشخصيّة وصولًا إلى الصراع العربيّ الإسرائيليّ؛ العلاقة مع الهجرة والاغتراب؛ دخول عنصر الثقافة على الرواية كعامل مؤثّر في رسم الشخصيّات النسائيّة. وبقدر ما تبدو هذه العناصر دليلًا على بحث الروائيّة العربيّة عن لغة ومضمون، تشير في الوقت نفسه إلى مواكبتها التغيرات التي تطرأ على الحياة والمجتمع والوطن والأمّة. لكن تبقى المشكلة في اللواتي يبدأن الآن من حيث انتهت أخريات، فتبدو أعمالهنّ ترجيعًا لصدى أزمنة عبرت وغبرت. يخصّص الكتاب فصلًا لمساهمة المرأة الإماراتيّة في الرواية، من دون أن ينسى الإشارة إلى كونها مساهمة طريّة العود لا تزال تنتظر الوقت كي تثبت نفسها وتؤكّد حضورها، وبعد عرض لبعض الأسماء والعناوين، يلفت الباحث إلى أنّ في هذه الرواية (الإماراتيّة) «ما يمثّل تاريخ الرواية العربيّة ما بين البداية وما هي عليه اليوم: فأغلب الروايات ينادي بما كتبت أليس بطرس البستاني أو لبيبة هاشم، في فجر الرواية العربيّة حتّى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كما في روايات باسمة يونس وآمنة المنصوري وأسماء الزرعوني. بل إنّ لهذه الروايات من الأخطاء الإملائيّة والنحويّة ما يؤخّرها عن بدايات الجدّات. واللافت جدًّا أنّ هذه الأخطاء تطغى في أغلب الروايات الأخرى» (ص87). أمّا القسم الأخير من الكتاب فأضاء فيه نبيل سليمان على نصوص روائيّات من السعوديّة (أمل الفاران) وفلسطين (إيمان البصير) والجزائر (سارة حيدر) ومصر (سلوى بكر) وسورية (سمر يزبك) والأردن (سميحة خريس) والعراق (صباح خليل متعب) والكويت (ليلى العثمان) واليمن (نادية الكوكباني) وتونس (نجاح محمّد يوسف). وما غياب غيرهنّ من البلدان نفسها، أو سواها من الدول العربيّة، سوى البرهان على الحاجة إلى مزيد من الدراسات الموسّعة تعطي هذا الموضوع ما يستحقّه من قراءة وتحليل ونقد.

عن الحياة اللندنية

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
16 juin 2011 4 16 /06 /juin /2011 08:29

امرأة تكسر حلما رمادي الطين

القاصة المغربية لطيفة مرابط

 

 

 

سئمت كل هذه المهانات لم أعد أحتمل أكاد أجن كلما رأيتك برفقتها وعلمت أنك في حضنها.

 

لكنني لا أمتلك شرعية الٳعتراض أو حتى التعليق فلابد من الحصول على ترخيص كتابي علني مرفوق بشهود عيان ذكور عاقلين بالغين راشدين

 فكل ما بحوزتي لا يتعدى تفويض شفاهي يفتقر للثقة والمصادقة.

 

آه كم يغريني الدخول ٳإلى بيتك الزجاجي لاستكشافه من الداخل.

 

كل أبوابه موصدة، الداخل ٳليه مفقود والخارج منه مولود لا أحد يستطيع أن يبرح مكانه فالكل متمسك بغرفته وسريره وكرسيه.

 

أحاول أن أسترق السمع من الخارج ربما ألتقط بعض الشفرات تساعدني على اقتحامه.

 

أتساءل هل حيطانك كاتمة للأصوات أم مضادة للكلام؟

 

أصرخ وأصرخ دون مجيب حتى لم يعد لي صوت أو أذان.

 

ربما الحل هو رشقه بالحجارة حتما سوف يتكسر لكن كيف لي أن أتجنب ارتطام شظاياه بوجهي؟.

 

ما نفع وجهي الآن مادام هو لا يراني جميلة فلم تعد له واجهة أو وجهة تذكر.

 

فكلما سرحت النظر في عينيك وشرعت بالغوص في أعماقها تبادر ٳلى ذهني سؤال بات يؤرق مهجتي ويقض مضجعي ترى ما الذي يجذب مشاعري نحوك بهذا العنف الجارف؟

 

تصدني بإعصارك  اللامتناهي: العلاقة الأكثر إنسانية هي علاقة الرجل بالمرأة.

 

تقنعني كالعادة بردودك المحملة بغبار طين المنطق والعلم والفلسفة.

 

لا أجد بديلا سوى الٳحتداء بك والدخول من بوابة قصرك الذي شهد انهزامي في معركتي الأولى والحقيقية.

 

ربما لأنك تشبهني حد التوحد أتنفس بأنفاسك وأتكلم بلسانك وأحارب بجلدك وأعشق بقلبك.

 

عذرا سيدي ٳن اختلط عليك الحب والجنون والكبرياء.

 

أم أنك رجلا يهوى التعلق السريع والملل الأسرع....؟

 

فبأي عين تنظر ٳلي أهي العين التي تراها واليد التي تمسك يدها.... من تكون؟

تراك أقسمت بحبها أنها امرأة تختصر كل النساء.

 

وأي الأحاديث تروي لها حتما هي نفس الأحاديث تغازلها بكلمات انتقيتها من دفاترك القديمة فأمقت  أجزائي وأكره كل الكلمات.

 

أنا الآن لم أعد أحتاج لأجنحتك كي أحلق وأطير في الفضاء الواسع أحتاج فقط لأصابعي ولوحة مفاتيح أستطيع من مكاني أن أشاهد النوارس برقتها ووداعتها تقضم ظهر النسور كي تعلمنا أصول الغناء على أشلاء المحمومين والمكلومين حتما الطيور على أشكالها تقع.

 

فأبعد ٳذن عن وجهي قبضتك الحديدية ولا تراوغ في لعبتك العاطفية كن رجلا حاسما كن أبيضا أو أسودا فأنا امرأة لا تستهويها الحلول الرمادية.

 

 

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
7 mars 2011 1 07 /03 /mars /2011 15:38

وضعية المرأة السوسيو- ثقافية بين الثابت والمتحول

..بقلم: عبد النور إدريس

تاريخ النشر : 2005-12-28
وضعية المرأة السوسيو- ثقافية بين الثابت والمتحول..بقلم: عبد النور إدريس
 
وضعية المرأة السوسيو- ثقافية
بين الثابت والمتحول
بقلم: عبد النور إدريس*

"إن درجة تحرر المرأة تصبح بكل بداهة مقياس التحرر العام" شارل فوريي

□ دلت كل المقاربات التي تطرقت لموضوع المرأة إن على المستوى الفقهي كتشريع أو على مستوى الخطاب اللسني المعبر عنه من خلال الإنتاج الأدبي بكل أصنافه التعبيرية عن تعامل حذر اتجاه المرأة، زكاه التعاطي الميتولوجي للمجتمع معها منذ العصور على اعتبار أن الرجل هو الأصل والمرأة هي الفرع.

الثابت الميثي

كان ذلك مع ظهور الدين اليهودي الذي غير النظرة الوديعة للعصر الاميسي إلى المرأة (حواء) التي أصبحت تجسد الخطيئة، وتحدد لنا سن اليأس الأزلية للرجل (آدم ) الذي ولد حواء من ضلعه كأول ولادة وآخرها بعد أن انتقل فعل الولادة كعقاب إلهي إلى حواء" وقال للمرأة تكثير أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولادا..." (1).

بينما كانت ولادة آدم الأولى ولادة إلهية من نوع التكاثر الملائكي الروحاني، كان آدم واسطة لولادة حواء حيث جوعلت معه كطرف خارجي عنه ،" فقال آدم المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت" (2) .

وتذكر القصة أن آدم قبل ذلك كان ملاكا خالدا في الجنة لا يموت أبدا، ولم يبق له كعلاج للموت إلا التناسل، فالجسد الأنثوي هو المكان المركزي الذي يبدأ منه إيقاع المحاذير، ينطلق من الأسطورة ليتوالد فيه المعنى داخل الوضوح الاستراتيجي لعناد النص الذي أباح تخلف حواء رغم أنها أول من أكل من شجرة المعرفة، فطَردُ آدم من الجنة يدل على حصول إمكانية حواء للوصول إلى شجرة المعرفة قبل آدم، من تم أقيمت حراسة إلهية حول المعرفة الخالدة مخافة وصول حواء إليها وتذوق اللذة الميتافيزيقية للسر الإلهي في حالة التَّجلي" ولهيب سيف تنقلب لحراسة طريق شجرة الحياة"(3).

ألف ليلة وليلة...حدود الممكن.

في وقت كانت أوربا تعيش تاريخها المظلم ،حركت الملحمة الشعبية(ألف ليلة وليلة) وثنية موضوع المرأة لدى المستشرقين لما اتُّخدت كمرجع لتفسير حياة العربي كمفتاح سحري لشخصيته .

فالظاهرة الشبقية في نص ألف ليلة وليلة هي تمثل لثقافة غربية تمتح من نسقها المبني على استمتاع القارئ" بلبيديته" وقد انساق العديد من الباحثين العرب مع هذا المعطى الانسياقي والخضوع لرؤية غربية ارتكزت على الهامشي بهذا النص يقول د.ابراهيم محمد زين "إن التفسير المقنع لتلك الظاهرة هو غياب الوعي بأهمية توطين هذه المناهج في نسق الثقافة العربية الإسلامية ومحاولة إيجاد قيم نقدية تعيننا على فهم المنطق الداخلي لهذه الثقافة التي نتمثلها وتمثلنا ونسعى أحيانا لتشويهها فتفتح أعيننا على سراب الحضارة الغربية" (4) .

" ف(شهرزاد) تروي لكي تحيى ،و(شهريار) يُصغي لكي يتمتع فالإرسال السردي ينتظم في سياق تأجيل الموت فيما ينتظم التلقي في سياق الاستغراق في المتعة" (5).

" لكن شهرزاد تستثمر فعالية السرد الجبارة فبثت فيها ليس المتعة فقط، وإنما العبرة التي تتسلل خفية في تضاعيف السرد بحيث تعمل بعد ألف ليلة وليلة على تغيير قناعات شهريار الذي ما إن تقبل ما روي له في الليلة الأولى، إلا ويبدأ بتقبل كل ما سيُروى له في كل الليالي الألف الباقية." (6).

ففض البكارة بالنسبة للمخيال العربي في ألف ليلة وليلة هو القتل المعنوي للمرأة بعد انفضاض البكارة فشهرزاد بعد ذلك كانت تروي لتعيش بنات جنسها ولتعيد للقيم توازنها المبني على ارتفاع سهم الوفاء الأنثوي مقابل العدل العام للسلطة، فكأنما دورها الاجتماعي الرائد هو إنقاذ العدل من وضعه المختل بالعلاقة مع الأنثى ليتبين بعد ذلك إن الأنثى هي الضامنة للعدل وليس الاستغراق في المتعة الشبقية.

فالاستقرار الأسري مدعاة للعدل ضمن تجليات السلطة الذكورية، أما الوفاء الجنسي للأنثى "الزوجة"هو دعوة لإعادة إنتاج المجال الأبيسي واستمراره وهنا يعود نص الف ليلة وليلة لطرح المُضمر، طرح هيتيرية المجتمع الأميسي" ماتريياركا" .

بهذا فالتطهير الأخير لشهريار ما زالت الحبكة الأنثوية تحيكه على شكل "خلافة" "إنجاب" لهذا يتبين أن العمق المأساوي للخيانة الزوجية يقابله العنف البلاغي لاستمرار السلطة الذكورية.

"إذا كانت شهرزاد تنجو من الموت بعد أن تحكي كل ليلة قصة ، فلأن نصها يفتق الهذيان الابيسي ،يصعده إلى وعي روائي.إذ تبين كيف يمكن إنتاج الحكايات، " فالموت ومغادرة الحدود هما، بالفعل، شيء واحد"، كما يقول جورج باطاي. إن عذرية شهرزاد وهي تذوب في جنون السلطان، تفتح إمكانية كتابة مضاعفة، إحداها منشورة في الحرم الأبيسي، حيث الدم، والأطفال، والنظام الطبيعي المتعارف عليه، وثانيتها كتابة تتبع تمددا غريبا للحكاية ينسينا القيم والصور الأبوية. وضمن هذا التكرار للصور ينعقد وينحل الوضع الشبقي، بواسطة شهوة عنيفة ومتقنة، ولكنها مع ذلك تغري بالذوبان فيها" (7) .

الطفرة التاريخية نحو المتحول.

عاش المجتمع العربي قوة تغلغل المنظور اليهودي للمرأة وخاصة الجاهلي الذي دأب على وأد البنات الشيء الذي يجعل هذا المجتمع ومن خلال انغلاقه الحضاري يعبر عن هذا التغلغل للإسرائيليات كخلفية ثقافية سائدة جعلت من المرأة حريما مرتبطا بالخيمة وفضاء الاحتشام وقد أجازت اليهودية كديانة انتشار هذا المعطى محملا بقيم محلية جاهلية وقد جاء في سفر التكوين أن اليهودي، «يملك على أولاده حق الموت والحياة، يقتلهم إذا شاء أو يقدمهم قربانا للرب"(8).

إن ولادة البنات كانت دائما وما زالت ترسباتها حاضرة حتى أن الوأد المعاصر اتخذ من التكنولوجيا سبيلا إلى ذلك (جهاز السونار) عبر طرق مختلفة لدى الشعوب، فالعصر الجاهلي المعاصر يتكيف مع نظام الأسرة الذي يسمح مثلا للصيني بولد واحد، حيث تمارس الأم داخل النسق الذكوري عملية الإجهاض مرات متعددة حتى تحصل على ذكر.أما باليابان فوأد المواليد الإناث أصبح شائعا " تأخذ (القابلة) ورقة مبتلة، وتسأل الأب بنظراتها عما تفعل وكانت تخنق المخلوقة الصغيرة غير المرغوب فيها ،إذا ما أومأ الأب برأسه موافقا.وكثيرا ما كان يومئ الآباء برؤوسهم" (9)

أما بالهند فتكاليف تزويج البنت مدعاة لكراهية حصول العائلة على أنثى يقول د. محمد بلتاجي " يقضي النظام الاجتماعي ( حتى اليوم ) بأن الزوجة هي التي تدفع المهر (أو الدّوطَة ) للزوج، مما يحمل أهلها عبئا كثيرا عند تزويجها، لذلك تلجأ كثير من الأسر الفقيرة إلى وأد الأنثى عند ولادتها أو بيعها لمن يحملها بعد ذلك على احتراف الدعارة "(10).

خرجت التعاليم الإسلامية من صدمة رفضها من قبل مجتمع يمتاز بعصبية قوية يلفها التماسك حول الأعراف والتقاليد، فهي وإن لم تذهب إلى التحرير الكامل لصورة المرأة داخل الأسرة العربية الإسلامية فقد قلصت من رحلة معاناتها وبذلك اعتبر حصولها على نصف حصة الذكر من حيث الإرث ﴿للذكر مثل حض الأنثيين﴾ الآية،اعتبرت آنذاك ثورة على المفاهيم التي كانت تخندق الأنثى في مكانة أقل من العبد مرتبط وجودها بالعار والمذلة والهوان ،فهي السِّبية والحريم حيث يرتبط بشخصها جملة المحاذير والآثام المسلطة على وعيها،فكان لمفهوم الأنصاص مجال حكَم الأنثى داخل المنظومة الإسلامية ( نصف شاهد، نصف دين...) ناهيك عن الأفضلية التي يمتاز بها النصف الأيمن من الجسم في مواجهة النصف الأيسر الذي خرجت منه حواء والذي خصته العبادات بطهارة "المستوى الثاني".

فالأوهام والأيديولوجية التي تتهم الخطاب القرآني بمسؤوليته عن تدني وضع المرأة غير ذي حجة إذا علمنا الوضعية الكارثية التي كانت تعيشها المرأة قبل نزول الوحي، وخاصة منذ تلقي عائلتها نبأ ولادتها وقد جاء هذا الوصف بسورة النحل حيث قال تعالى﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ (11).

إن هذه التلاوين التي تُصبغ بها عواطف الأب الجاهلي من هذه "البُشرى" تعكس وظيفة الأنثى داخل الهرم القبلي الجاهلي وبالتالي تجسيدها لتدهور القيم الخاصة لقبيلتها يقول د.محمد بلتاجي " كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقتل عن القبيلة، ويراها مصدرا لجلب العار له حين تُؤسر من العدو فيفترشها آسرها عنوة واقتدارا أو طواعية واختيارا، فيعير الأب وقبيلته بها" (12) .

لكي ينصف التاريخ هذه النقلة النوعية للديانة الإسلامية في باب حقوق المرأة نحيل البحث على المجتمع الأوربي وخاصة، سنة1805م بالضبط أباح القانون الإنجليزي بيع المرأة من طرف زوجها مع تحديده المُسبق للثمن، بل هناك من باع زوجته أقساطا بإيطاليا.

لهذا فالإسلام لاعلاقة له بتدني وضعية المرأة بالمجتمعات الإسلامية.

المرأة المغربية بين السوسيولوجي والسيميولوجي

من خلال الوساطة الاستشراقية الاثنولوجية:جاك بيرك.

ينتقل البحث في وضعية المرأة المغربية كجزء من الكل العام بين حقلين معرفيين ، من حيث تناولها كموضوع وفاعليتها كذات بالوسط المغربي .

فمن خلال الوساطة الاستشراقية الاثنولوجية التي تطرقت لدراسة المجتمع المغربي نجد المستشرق الفرنسي جاك بيرك الذي تنبه من خلال بحثه الاستشراقي إلى أن الموضوعية تقتضي دراسة المجتمع المغربي من خلال مكوناته هو حيث اكتشف ج. بيرك عمق تجدر الأعراف والتقاليد وابتعاد المناطق البربرية عن المفاهيم الشرعية ( منطقة الشرع) يقول جاك بيرك "كنا ندرك الإفريقي الشمالي من خلال مقارنته بنا في حين أنه كان يجب إدراكه من خلال مشاكله الخاصة وتعقده الداخلي وفي كلمة واحدة، يجب فهمه كما يفهم نفسه، أي يجب اعتبار تأويلاته الخاصة" (13)

نجد المجتمع المغربي آنذاك، ينقسم من الناحية الشرعية إلى حاضرة تغلغلت فيها الديانة الإسلامية، وإلى بادية بربرية يتجاذب صراع أفرادها مع المخزن السلطاني حيث يسود ضعف الوازع الديني وسيادة الأعراف المحلية التي تنهل من خام تلاقحها بالحضارات التي عـبرت الأرض المغربية عبر العصور، وخاصة النظرة المتعلقة بالمرأة البربرية، هذا بالإضافة إلى تجدر وسيطرة المنظور الفقهي على مكونات العقلية المغربية التي عاشت ومارست السيبة كتجليات لسلطة العرف يقول جاك بيرك في هذا الإطار: " للمغربي عقل فقهي، وأن الفقه أصبح في المغرب منذ زمن بعيد فنا متينا، الفن الذي عبر العرق من خلاله عن نفسه بصدق"(14).

لاشك أن تبعية البحث السوسيولوجي في المغرب للإدارة الاستعمارية يعني حضور الأيديولوجي في صميم البحث العلمي هذا الحضور من جهة مؤطر للبحث ومن جهة أخرى حضور مشوه للواقع.

وقد جسد جاك بيرك النظرة الموضوعية كثاني عمل سوسيولوجي له حول البرابرة في كتابه"البنيات الاجتماعية في الأطلس الكبير" تميزت أبحاثه فيه بأنها لا تقبل الاندماج بسهولة في الايدولوجيا البربرية الكولونيالية فمن أهم الإشكالات التي عالجتها هذه الدراسة العميقة علاقة العرف بالشرع حيث يرى جاك بيرك أن تلك العلاقة لا يمكن أن تخضع للنمذجة والتوحيد أي أنها تتغير بتغير المناطق البربرية حيث لا وجود لقبيلة بربرية ينعدم فيها الشرع.

فبالإضافة إلى حضور المرأة البربرية المتميز بالشعر الأمازيغي "تمديازت"كأنثى وحبيبة يتجسد حضورها الفعلي انطلاقا من بعض المصطلحات التي تصف الرجل بأوصاف تضعه اقل من رتبة المرأة مثل "أمحارس" "أحراث" والتي تضعه على الهامش باعتبارها السيدة المالكة والمتحكمة والمسيرة وانطلاقا من الدور البدائي الذي يحيط بإنتاجيته "الرعي".

فمن خلال الثنائيات (حاضرة/ بادية)، (منطقة الشرع/ منطقة العرف)،(المنطقة السلطانية / منطقة السيبة) حيث تشكل هذه الثنائيات الضدية مجتمعة ثنائية بحدود علاقاتها التناقضية(إيمان/لا إيمان)، لهذا كان الشطر الثاني من الثنائية يقترب كمفاهيم معاشة من الطابع الأميسي لضعف تغلغل الإطار الــديـني بالمنطـقة والـتي كانـت ترفـض الاحتكاك بالـشـطر الأول باعـتـبـاره( الحاضرة، منطقة الشرع، المنطقة السلطانية) جسما ضرائبيا يشكل التعامل مع قوته الرادعة المتجسدة في "المحلًة" التي يرسلها السلطان لتطويع وتطويق " منطقة السيبة" منهجية الأخذ والرد لبناء تطورها داخل كينونتها وتواجدها في الزمان والمكان.

المنتوج الجنساني المغربي لابن عرضون .

أما على المستوى الوثائقي ومن خلال الإنتاج المحلي على المستوى الفقهي نجد الفقيه (أحمد ابن عرضون)1556م- قاضي شفشاون – الدولة السعدية- وتدخلاته لتحديد العلاقات بين الرجل والمرأة على كافة المستويات زواج ، طلاق، تعدد..من حيث مساواتهما، من حيث اختلافهما لتحقيق معادلة إنسانية في اتجاه بناء مجتمع سليم على المستوى الكمي تسوده علاقات تعاقدية تتساوى فيها مصالح الطرفين على مستوى تداخل نصوص الشريعة وتركيبتها فأصبح التساؤل عن المرأة سؤالا مركبا يحيل قطب الاهتمام نحو الفقه الذي وجد صيغته الاجتهادية عند غير المتأخرين من الفقهاء كعقلانية ممكنة ارتبطت بالحاضرة (مكان الشرع)، حيث يتساءل جاك بيرك عن ثنائية جد ممكنة،(فقه/ مدينة)، ليحيل التساؤل لثنائية متخفية ذات العلاقة التناقضية ( لافقه/ بادية)،" هل تعني هذه المقاربة أن الاعتماد على الفقه في بـناء مـوضوع المرأة التقـليدية لـن ينـتج عـنه سـوى خطاب خاص بالمرأة الحضرية ؟ ألا تتحقق قيمة القول الفقهي كشهادة سوسيولوجـية إلا في المديـنة، باعتبارها – مكان الإيـمان، ومـكان الـشرع-" (15) .

وقد تم العثور على وثائق بالمرحلة السعدية تنص على أن المرأة قد أثبتت بعقد نكاحها حقها في التمليك والصداق والمؤخر وحقها في تطليق زوجات زوجها في حالة التعدد..حيث أدى الانكباب على الشهوات والانعكاسات الفكرية- الميتافيزيقية والسيكولوجية التي ولدها الشعور بقرب" الساعة"( السنة 1000 الهجرية، آخر الزمان) حيث "تلاشت غيرة الرجال على النساء، ووقع الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة، وشهدت الأعراس مناكر متعددة، من الممكن القول بأن الشعور بقرب الساعة دفع بالمجتمع المغربي آنذاك إلى سباق ضد الموت تمثل في الانكباب على الشهوات" محمد حجي "الحركة الفكرية في المغرب في عهد السعديين".

وقد تطرق احمد بن عرضون إلى فتوى صنفته من ضمن فقهاء البدعة حيث تم تكفيره لفتواه الجريئة التي خالف فيها فقهاء عصره وشذ عن العقل السائد، فقد كان" يرى أن المرأة في البادية يجب أن تقاسم الزوج فيما ينتج بينهما من زرع وضرع"، "مقنع المحتاج في آداب الأزواج". كما يقول ذ.سعيد أعراب " قد وقفت له على فتوى – ولعلها بخط يده- تذكر أن للمراة النصف في مال الزوج، إذا وقع طلاق أو وفاة بشروط شرطها وحدود حددها، وهي خلاف ما جرى به العمل في قبائل غمارة..."(16).

وقد طرح الدكتور عبد الصمد الديالمي عدة تساؤلات حول هذه الفتوى التي أدخلت ابن عرضون في مصاف منتجي الفتوى من أعماق السوسيولوجيا يقول: "هل ترتكز هذه الفتوى على اعتبارات عرفية وتاريخية خاصة تعطي للسوسيولوجيا مكانة بارزة في إنتاج الفتوى؟ وبالتالي، يتحول إصدار الفتوى إلى عمل مشترك بين الفقيه وعالم الاجتماع؟ وعلى كل، لابد من الاعتراف بوجود عالم الاجتماع كامن في شخصية الفقيه ؟ هل تجوز الفتوى بغير المشهور؟ وهل تؤدي الفتوى بالضعيف أو بتقنين العرف إلى البدعة؟ أو إلى الخروج عن المذهب ؟أو إلى الخروج عن الإسلام؟ وفي هذه الحالة، من له الحق في احتكار الحقيقة الإسلامية؟" (17).

مقاربة السيميولوجي داخل السوسيولوجي.

هذه المقاربات"السيميو- سوسيولوجية" وان توفقت في إبراز وتحديد بعض الإشكالات يبقى أن دراسة وضعية المرأة المغربية وخصوصا بالبادية ينبغي أن يخضع للتصورات المنطقية لا للتحديدات الميثولوجية المبنية على تصورات عاطفية، هناك حضور الإشكالات البنيوية بثقافتنا والتي تجعل من المرأة نفسها هي المدافع الرسمي عن وضعيتها المتخلفة..

إذن ما هي حدود تفكيك هذه الرؤية في غياب فضاء نسبي لاستعمال آليات التحليل الاجتماعي؟.

إن الغيابات كثيرة بالبنية التقليدية للوسط المغربي، غياب وعي تام بآفاق الطرح الإشكالي، حضور الأمية المتفشية بشكل واضح بمجتمعنا وخاصة التي تتعلق تتعلق بالمرأة التقليدية بالوسط القروي.

غياب بنيات تحتية لتشجيع تمدرس الفتاة بالوسط القروي، على سبيل المثال لا الحصر تواجد الداخليات التي يرجوها الأب الذي يمثل الذكر العربي سلوكا وعقلية لتكون "الداخليات" الأدرع الممتدة للأسرة خارج البيت، من حيث أن الأب لا يودع لدى المؤسسة الداخلية فتاته ككائن بل يضع بكارة وشرفا، تقول سيمون دي بوفوار في هذا الإطار:"اكتسبت البكارة قيمة أخلاقية دينية غيبية" (18).

أما الانغلاقات فكثيرة حضورها القوي يتجلى في التصورات الشعبية التي يضفيها مجتمعنا على المرأة من حيث حضور المثل الشعبي بكل قوته " للمرأة خرجتان واحدة لبيت زوجها والثانية للقبر، فالحجاب وأد مواز لعملية الدفن يتم تجريدها من عناصرها الموضوعية همت تاريخيا تحديد مواقع شبقية من تاريخ الذكورة العربي.

فنجد بمجتمعنا حضور المصطلح الذي يشكل حضور وعي مثل "باب الدار " " قاع البيت" "اللثام" وهي كلها فضاءات تغلق على جسد المرأة كجسد أنثوي لا يفتح إلا للزوج الذي يستمتع بهذا الفتح جنسيا والمَحرَم الذي يكون صلة وصل بين الخارج كثقافة للمرأة تنهل منها وهي غالبا ثقافة الرجل الذي يرى الوقائع بأُحادية المنظار، حيث يشكل" اللثام" وسيلة غلق أخرى داخل الفضاءات المفتوحة.

إن بعض التعبيرات التي يغلب فيها تجسيد المجال مثل" صدر البيت"،" فم الدار"، و الأعضاء الجسدية المسقطة على المجال الحضري العربي الإسلامي أعضاء مُجنَّسة أو قابلة للتَّجَنْسُن، فبالفعل هناك انتظام سيميائي بين الرأس والفم والصدر وهذا الانتظام هو من المذكر نحو المؤنث.

"راس الدرب" هو مكان المراقبة لمن يدخل الدرب والمراقب هو الذكر ،هو انتظام سيميولوجي مجالي من الخارج نحو الداخل يمر عبر الفم كحد فاصل بين فضاءين، فالفم : نقطة تبادل لسني (الكلام)،تبادل بيولوجي(المضغ) وتبادل جنسي (قُبلة) ، إن" فم الدار" هو المعبر إلى عالم المرأة، مكان عبور في اتجاهين (دار /شارع)"افتح الباب وادخل إلى الشارع" وقد قال العالم النفساني كارل ابرهام "الإنسان لا يكتفي بإحياء الأشياء بل يجَنّسُها" وقد نستخلص من هذه النسقية الجنسانية طرح السؤال على المجال ،أليس للدار فرج كما للمرأة؟

إن المصطلح السيميائي "قاع الدار " يأخذ من جسم المرأة مكان الإثارة الجنسية كما يفيض المصطلح "قاع" على حدود تركيبية اللغة العربية من خلال قوة اللهجة المرتبطة بلذة النص ومتعة الاكتشاف.

إن فضاء اللغة الجنسية فضاء عائلي يستعمل فيه المذكر إسقاط الجسد على المجال ليصبح المجال بدوره حرمة وجب تحصينه كي لا يمس، فالمنطق الباتريركي هذا استعمل الحجاب لتحصين الملكية العائلية كما استعمل زواج الأقارب (ابن العم) في السابق كتحصين متناغم مع دلالة انغلاقه.

هذه مواضيع للبحث لازالت حاضرة إن على مستوى المدينة بالأحياء القديمة كما على مستوى البادية .

فجل الأمثال الشعبية تعيد إنتاج علاقة الرجل بالمرأة خاصة ما يتحدد من توجيه وتلقين التجربة الباتريركية للجيل اللاحق، هذه القوة حاضرة بالمثل، "ظل راجل ولا ظل حيطة".

فالمثل الشعبي قد رسم تقاسيم صورة المرأة ضمن ثنائيات ضدية يتمازج ضمنها السلب والإيجاب كتعبير عن مزاجية العواطف التي تحكم المثل الشعبي من حيث القبول بالمرأة كجسد للاشتهاء وبالتالي فهي "خير"، حيث جاء في المثال التالي:"المرأة عمارة ولو كانت حمارة ".

أما تحديد مكانتها كسلب فهو دلالة على مدى انتهاء الرجل من جسد الأنثى بالإشباع الجنسي وبالتالي النبذ النفسي لكينونتها الإنسانية كما جاء في المثل الشعبي التالي: "مسمار في الحيط ولا امرأة في البيت" وقد ذكر الأستاذ علي أفرفار الأسباب النفسية والاجتماعية التي شكلت الوعي برفض المرأة والرغبة في التخلص منها حيث قال "لاشك أن أساس هذه الرغبة يكمن في العلاقة التي أقامتها الثقافة الشعبية بين كرامة الرجل والبكارة، حيث تمثل المرأة موضوعا مخيفا يتوجب على الرجل التخلص منه بسرعة إذا هو رغب في صيانة مركزه ومكانته الاجتماعية" (19).

أما الثنائية ( إنجاب / لا إنجاب) فيمكن تصنيفها ضمن الثنائيات التناقضية حيث نجد أن العقم يمكن أن يكون الرجل سببا في حصوله وهو خاصية مشتركة بين الجنسين، كما أن الإنجاب الذي يأتي بالأنثى فهو داخل المخيال العربي بمثابة (لا إنجاب) أي عقم على مستوى انتفاء استمرارية وجود حامل لاسم الأسرة من الذكور.

أما الثنائية ( بكر/ ثيب) فيمكن التطرق إليها من خلال الثنائية التناقضية التالية(بكر/ لا بكر)،( ثيب /لا ثيب) وقد تشترك كل من الزوجة والأرملة والمطلقة في انتفاء البكارة عنهن تصبح فيه البكارة رمزا لقيم العفة والطهارة وعدم حصول الجسد الأنثوي على تجربة جنسية تجعل ميدان الفحولة قابلا للصولة في تضاريس الكشكول السيكولوجي للحضارة الذكورية.

فالتراتبية الاجتماعية تجعل البكر في الهرم القيمي تليها المتزوجة والأرملة والمطلقة التي يعتبر رفضها من طرف (ذكر ما ) عافها "هجالة" ينعكس تشردُم وضعيتها على قيمة منتوجها "الحضائني" كما جاء في المثل الشعبي الذي يقول "الهجالة ربات عجل ما فلح ، ربات كلب ما نبح"، هذه الوضعية السُبة لن تفارق(الثيب- مطلقة)إلا بانتقالها إلى عصمة رجل .

هكذا نجد أن مصطلح"ثيب" لا يحقق الثنائية التي وضعها الباحث من ضمن مؤشرات اختيار المرأة المناسبة، كما لم تتحقق كينونة المرأة إلا من خلال المذكر الذي عبرت عنه الوثائق الأولى للنص العدلي الذي كان يعقد "عقد النكاح" بصيغة المذكر هكذا "لقد نكح فلان فلانا"كناية عن قيمة التنشئة التي تربت عليها الفتاة من حيث المرجع:المحمول الذكوري الذي تشبعت به في تربيتها يقول المثل "بنت الرجال ولو بارت"، وقد حدد هشام شرابي انطلاق هذا المعطى لدى الوعي العربي بحضور قوة القالب الحضاري للمجتمع يقول "وهدف كل مجتمع تجاه كل طفل أن يصهره نفسيا وذهنيا ليطابق القالب الحضاري لذلك المجتمع"(20).

إن أزمة المرأة هي أزمة فكر وثقافة قبل أن تكون أزمة واقع عاشته المرأة خلال معاناتها كإشكال تاريخي عصف بمكوناتها الذاتية نحو التحرر وانفتاح امكانياتها على أرض الواقع، كما أن قضية تحرر المرأة هي دعوتـهـا أن تغـزوَ الجانـب المُعـتم مـن انغـلاق الرجـل على تحرره تـقــول د. سلوى الخماش في هذا الإطار، "ما زال على المرأة دور كبير في تغيير مفهوم الرجل عنها، وفي تصحيح أفكاره" (21).


♦ ♦ ♦

الهوامش

1-انظر التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثالث

2- المرجع السابق.

3- التوراة،التكوين،الإصحاح الثالث،الآية22-24.

4- مجلة العلوم الإنسانية العدد4-صيف 2001م جامعة البحرين، ص:359.

5- مجلة العلوم الإنسانية ،جامعة البحرين، العدد 3، شتاء 2000، ص:79.

6- نفس المرجع السابق ص:79/80.

7- د.عبد الكبير الخطيبي "الاسم العربي الجريح" دار العودة بيروت الطبعة الأولى 1980،ص:120.

8- سفر التكوين الإصحاح 42 الآية 37.

9-" مكانة المراة في القرآن الكريم والسنة"- حقوق السياسية والاجتماعية والشخصية للمراة في المجتمع الإسلامي- ، د.محمد بلتاجي ،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة مصر،الطبعة الأولى 2000.ص:84

10- القرآن الكريم سورة النحل الآية 58-59.

11- نفس المرجع السابق (10) ص:81.

12 - Problèmes initiaux de la sociologie juridique en Afrique du nord

1953p144-studia islamiquE -13- Essai sur la méthode juridique Magribine" p113 1944 rabat

14- نقلا عن الدكتورعبد الصمد الديالمي "المعرفة والجنس"-من الحداثة إلى الجنس- الناشر عيون المقالات دار قرطبة للطباعة والنشر الدارالبيضاء 1987 ص:56.-57.

15- سعيد أعراب :"ابو العباس أحمد بن عرضون" ، جريدة الميثاق السنة الثالثة عدد49 فبراير 1964.نقلا عن الدكتور عبد الصمد الديالمي ،"المعرفة والجنس" ص:106.

16- المعرفة والجنس، نفس المرجع السابق ص:106.

17- سيمون دي بوفوار ،"الجنس الآخر" ترجمة :محمد علي شرف الدين، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر ، بيروت 1979، ص:629.

18- مائة عام على تحرير المراة ،سلسلة أبحاث المؤتمرات/1 الجزء الأول ، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 23/28 أكتوبر 1999 إشراف د. جابر عصفور " صورة المرأة في الثقافة الشعبية ...." علي أفرفار، الصفحة:629.

19- د.هشام شرابي ،مقدمة لدراسة المجتمع العربي ،دار الطليعة ،بيروت الطبعة الرابعة،1991،ص:73.

20- د. سلوى الخماش، المرأة العربية والمجتمع التقليدي المتخلف ، دار الحقيقة بيروت الطبعة الثالثة 1981،ص: 109

* قاص وباحث من المغرب
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
7 mars 2011 1 07 /03 /mars /2011 15:20
صورة المرأة في الكتابة النسوية شاعرات تونسيات أنموذجا

بقلم فوزي الديماسي / تونس

مصطلح “الكتابة النسوية” من المصطلحات التي راجت في المدونة النقدية المعاصرة رغم ضبابية حدّه و حدوده. و قد تعددت الجهود هنا و هناك لتحديد هذا المفهوم و تسييجه، لكن بقي هذا المصطلح هلاميّا، سمته الزئبقية، و صفته الانفتاح على إمكانات متعددة، و من بين وجوه الاختلاف بين النقاد عدم اجتماعهم على مفهوم موحد. فمنهم من قال بالنسوية، و منهم من وصف كتابة المرأة بكتابة الأنثى ، و منهم من قال بالكتابة النسائية، فأيّ المصطلحات يمكن اعتماده لحظة معاشرة نص مكتوب بقلم المرأة و في أيّ خانة يصنّف؟
د. شيرين أبو النجا في كتابها ” نسويّ أو نسائيّ ” تطرح إشكالية التمييز بين المفهومين منذ العنوان، و هي تطالب بضرورة ” التمييز بين مفهومي نسوي و نسائي عند الحديث عن الأدب الذي تكتبه المرأة، لكي لا يتمّ تصنيف ذلك الأدب على أساس هويّة منتجه الجنسية و لهذا ” تلزم التفرقة دائما بين نسويّ ( أي وعي فكري و معرفي ) و نسائيّ ( أي جنس بيولوجي) -1- فالكتابة التي تكتبها المرأة في مستوى التجنيس مفتوحة على دروب ثلاث ( أدب نسائي / أدب نسويّ / أدب أنثويّ ) و هذه الأوجه المتعددة خاضت فيها ناقدات عربيات على غرار د. زهرة الجلاصي و نازك الأعرجي و د. شيرين أبو النجا. و قد تباينت وجهات نظرهنّ، كما عملت الأعرجي و كذلك أبو النجا على حسم هذا التشتتّ حيث ترى الأعرجي أنّ الأنوثة كمفهوم تعني لها ( ما تقوم به الأنثى ، و ما تتّصف به، و تنضبط إليه) و لفظ الأنثى” يستدعي على الفور وظيفتها الجنسية، و ذلك لفرط ما استخدم اللفظ لوصف الضعف و الرقة و الاستسلام و السلبية” -2- و تقترح د. زهرة الجلاصي استخدام مصطلح ” النصّ الأنثويّ ” بديلا عن مصطلح ” النص النسويّ ” أو ” الكتابة النسوية ” مؤكدة على التعارض القائم بين المصطلحين من حيث الدلالة و المعنى، فمصطلح النص الأنثوي يعرّف نفسه استنادا إلى آليات الاختلاف لا الميز و هو في غنى عن المقابلة التقليدية ( مؤنث / مذكر ) -3- و يعدّ مصطلح ” الكتابة النسويّة ” المصطلح الأقرب للواقع حيث مصطلح ” أنثويّ ” محمول على معجم إصطلاحي يحيل على عوالم الأنثى المحمولة على الضعف و الارتكاس و الرغبة ، و لا يمكن بأيّ حال من الأحول أن يكون أسّا من أسس تصنيف النص في خانة تدللّ على أن النص نسويّ – أي نصا مكتوبا بقلم المرأة – إذ يمكن للرجل أن يكتب نصا أنثويّا و دليلنا على ذلك نصوص نزار قبّاني التي لا يمكن تسميتها بالنص النسويّ استنادا لمرتكزات د. الجلاصي النظريّة .
و من هذه الزاوية يمكن أن نحكم على تسمية د. زهرة الجلاصي بمجانبتها للمنطق و بالتالي تعويمها لمحددات هذه التسمية و خصوصيتها، فالنص لديها هو ” النص المؤنث” و يمكن لهذا النص كما أسلفنا أن يستوعبه قلم المرأة كما قلم الرجل و هذا التحديد هو عكس ما ذهبت إليه الأعرجي و أبو النجا. ففي مصطلح ” نسائي ” معنى التخصص الموحي بالحصر و الانغلاق في دائرة جنس النساء -4- و لعلّ هذا ما عمل على تحديد ملامحه الدرس النقدي المنشد من وراء ذلك كلّه بلوغ تحديد واضح المعالم و الحدود ، و بالتالي فمصطلح ” النص النسويّ ” هو الدالّ إلى حدّ كبير على خصوصية ما تكتبه المرأة مقابل ما يكتبه الرجل لأنّ هناك نساء كثيرات كتبن بلغة الرجل و بعقليته ، و كنّ ضيفات أنيقات على صالون اللغة، إنّهن نساء استرجلن -5- و العكس بالعكس.
النص فضاء للتشكّل اللغويّ من زاوية نظر لسانيّة، و هو توقيع على المكبوت من وجهة نظر تحليل نفسية، إنه عالم داخل العالم من وجهة نظر فينومينولوجية -6- تجد فيه المرأة الحرة فضاء رحبا للتعبير عن ذاتها ككائن مستقلّ له رؤيته و تصوره و قراءته للعالم، و لا شكّ أنّ ديباجة الإنسان الكينونية مشروطة بقول ما انفك ينسج للمتكلم كيانا لم يوجد بعد،
و من هنا كانت رحلة الذات في العالم رحلة لغويّة، لكن يجب أن نفهم أنّ هذه الرحلة / الارتحال رفض لكلّ مستقر -7- و المرأة الحرة هي ذلك الكائن المغاير للرجل، ذلك الكائن القاطع مع اللغة المحكومة بذكورية مّا، و في تحررها – أي المرأة – من سلاسل البطركيّة اللغويّة يستتبع تحررها الذاتي و ينتج بذلك خطاب يحمل بصمات التفرد الإنساني ، لأنّ لغة المرأة لحظة الكتابة لا يمكن أن تحمل سماتها و تبرز خصوصياتها و هي محكومة بقيم مجتمعيّة سطرها المجتمع الذكوريّ، إذ الكتابة حرية أولا تكون ، و إلاّ كانت المرأة في لغتها ضيفة أنيقة على صالون اللغة على حد تعبير د. عبد الله الغذامي.
الذات النسائية في حاجة إلى اللغة ( لغة حرة ) لكي تثبت نفسها كطبيعة تفكر و تفصح عن وجودها. فالذات النسائية في حاجة إلى اللغة لكي تثبت نفسها كطبيعة تفكّر و تفصح عن كيان متفرّد و مخصوص . و إنّ فعل التلفّظ الذي يفصح عن الذات في اللغة يفترض عمقا تذكاريّا عمّا له صلة بالذات بما هي تشكيل لخاصياتها التذويتيّة. و التذويت ليس بالضرورة خطابا ذاتيا بالمدلول الفردي الشخصي و ليس حديثا ذاتيّا و إنما هو فوق هذا و ذاك إجراء خطابي تنتج بموجبه الذوات الاجتماعية خطابها و ما يتصل به من خصوصيات تخييليّة و لغويّة و أسلوبية -8- ، و من هذه الزاوية يمكن أن نخصّ الأدب النسويّ بدراسة تبحث في خصوصيات هذا الفرع إذ يتميّز ما تكتبه المرأة بوجه قلّ أن تظفر به عند الرجل من حيث الدلالات و الإيحاءات التي تحيل على هذه الخاصيّة و تكشف بالتالي عن مناخ هذه الكتابة التي تنقسم حسبنا إلى نوعين من الكتابة لحظة تصوير المرأة للمرأة أي تنقسم مناخات هذه اللحظة إلى قسمين نطلق على الأول ” الكتابة الترسيخيّة” و نطلق على الثاني ” الكتابة الانتقامية “. و نقصد بالكتابة الترسيخية ترسيخ المرأة / الكاتبة لصورة المرأة و تجذيرها في تلك الصورة التي انطبعت في الذهن الجمعيّ كما يسوّقها الخطاب الذكوريّ حيث تقدم المرأة على أنها سلعة و موطن لذة، و نقصد بالكتابة الانتقامية تلك السمة التي تميّز خطاب المرأة / الكاتبة المتصفة بالصلف و الاعتداد بأنوثتها و التحدّي للرجل و يمكن أن نستشفّ ذلك بدءا من عناوين المجموعات الشعرية لعدّة أصوات شعرية تونسية إذ العنوان من أهمّ العتبات النصيّة التي تستشرف حقول الدلالات، و تطلّ على ظلال المعاني و تألق العبارات … و تفسح المجال لامتداد الخيال نحو آفاق لا متناهية، فهو خطاب رمزيّ يعتمد على ادخاره لمخزون وافر من التأويلات التي تحمل كمّا من الأفكار و المعاني ذات الصلة الوثيقة بالحمولة الدلاليّة للنصّ و جماليته -9- فعناوين مثل ” ديوان النساء ” للشاعرة جميلة الماجري أو ” يؤنثني مرتين ” للشاعرة آمال موسى كلّها – أي عناوين المجموعات – عناوين احتفائية ، تحتفي بالأنثى و تعلي من شأنها ردّا على خطاب ذكوريّ مهيمن على الوعي الجمعيّ لمجتمعات احترفت إقصاء المرأة و إلغاءها و الزجّ بها في المقاصير وراء الجدران ، و لكن هذا الاحتفاء قد تشوبه من قصيدة إلى أخرى مناخات الخطاب الذكوريّ رغم أنّ النص مكتوب بقلم المرأة
I- الكتابة الترسيخية:
قيل لأعرابيّ ” أتحسن صفة المرأة ؟” قال : ” نعم، إذا عذب ثناياها، و سهل خدّاها، و نهد ثدياها، و نعم ساعداها، و التفّ فخذاها، و عرض وركاها، و جدل ساقاها، فتلك همّ النفس و مناها” -10- من هذا المدخل التراثيّ نلحظ أنّ الصورة الحسيّة للمرأة هي الصورة الوحيدة المتلبسة بالخطاب الذكوريّ منذ القدم و المسيطرة عليه ، فالمرأة / الجسد هي الزاوية التي ينظر من خلالها الرجل للمرأة، فهذا الكائن / المأدبة أو هذا الكائن / الفردوسي على حد تعبير الأستاذ محمد لطفي اليوسفي يختزل في حديث المفاتن و الفتنة منذ بدء الخليقة.
فآدم… عُلم الأسماء كلّها و مُنح اللغة، لقد تكلّم ليتنصّل من خطيئته و احتمت حواء بالصمت، فصار الصمت قدرها العاتي تحت الشمس. صار الصمت لعنتها الكبرى. احتمى آدم بالكلمات لأنه سيد اللغة و أمير الكلام، لقد اكتشف ما تمنحه الكلمات من مقدرة على التخفّي
و المواربة. باللغة تبرّأ آدم من نصيبه من الخطيئة. و باللغة صنع طهرانيّته. و منذ حوّاء… تلقّف الصمت الأنوثة -11- و أطردت بذلك الأنثى من مملكة اللغة و الإفصاح و بات وجودها صنو الصمت و رديف الرجل/ اللغة و أصبحت بذلك لغتها سليلة الرجل / اللغة.
لقد حرص الرجل على سجن المرأة داخل صورة فردوسية بموجبها تختزل الغبطة و النشوة و التسلية-12- و عوض أن تحاول المرأة / الشاعرة المعاصرة القطع مع الصورة السجنيّة المقيتة، هذه الصورة التي أسرت المرأة / المأدبة في دائرة السلعة اقتفت آثار الذكر و خطابه و كتبت شعرها على إيقاع تلك الدائرة و لم تبرحها، فجاءت قصائدها / لغتها مرسّخة لتلك الصورة التي رسمها خطاب آدم / اللغة و بالتالي جاءت جلّ قصائدهنّ ترجيع صدى لسحيق الماضي ، وقد خرجت علينا المرأة التونسية المعاصرة / الشاعرة المنحدرة من الخطاب الذكوريّ المسيطر بذات الصورة المؤسسة لخطاب الجسد / السلعة و النافية لجوانب أخرى في غياهب النسيان ، و بذلك باتت المرأة / الشاعرة حريصة على المفاخرة بجمالها / الغواية و جعلت منه – أي جسدها – موضوعا لحديثها / شعرها و أحبولة للرجل / المهيمن ، و واصلت اقتفاء آثار صاحب الرؤية و مالك المرأة / الجسد ( الرجل ) ، فسؤال الهويّة لدى المرأة / الشاعرة هو سؤال الجسد / الفتنة بامتياز كما ألفناه في كتب الأولين و في شعر المتقدمين كما نعثر على هذه الصورة المسيّجة بسياج الرغبة في عدة دواوين لشاعرات تونسيات على غرار قصائد الشاعرة آمال موسى في ديوانها ” يؤنثني مرتين ” و بالتحديد من قصيدتها الموسومة بعنوان ” و في نفسي وقعت ” -13-

وكُلُّنَا رجالٌ نسكنك فرادى
نَلْقَاكِ وِسْعًا
وَسَكَنًا عَبِقا بالعنبر
وبدخانٍ مُعطَّرٍ ببخورِ القُدَامَى

و تقول الشاعرة التونسية جميلة الماجري في قصيدتها ” أنثى الله ” -14-
بعض الرجال بك
في الحب ما صدقوا
و بقية
ماتوا و ما عشقوا
ما عذرهم ؟
لو يسألون غدا
مروا بجنب النبع رقراقا و ما شربوا
و بجانب الريحان لم يجنوا .. و ما .. نشقوا
يا قيروان …
و هذه الدنيا مؤنثة
و الله انثها، و في ملكوته
و بأمره
تجلى و تنفتق
كما تقول الشاعرة نجاة العدواني من قصيدتها ” ذبابة ” -15-

بعد آن رسمته فجرا
بعشبة روحي اليابسة
علي المائدة بيننا
في المزهرية
وردة وذبابة
عندما قال
آحبك
طارت الوردة من رمادي
والتصقت بفمه
الذبابة

كما تقول الشاعرة التونسية حياة الرايس من مسرحيتها الشعرية ” سيدة الأسرار ” -16-
“ذهبوا بزوجي الحبيب, زوجي الحبيب
زوجي ذهب يبحث عن طعام، فتحول إلى طعام
عريسي اقتيد إلى الأسر
لم يعد يستحم في “أريدو”
لم يعد يعامل أم ” انانا” كأمه
لم يعد يؤدي مهمته الحلوة بين عذارى بلدته
لم يعد يتنافس مع فتيان بلدته
لم يعد يتقلد سيفه بين “كرجرا” بلدته
النبيل الذي لم يعد غاليا على أتباعه”
وكنا نقيم أيّاما مخصوصة للمناحات
إحياء لذكرى “تموز” كل سنة
في مختلف المدائن السومرية
نؤدي الطقوس
ومراسم الحزن المنصبة على موته
وكنت أبقى وحيدة إلى مرقد تموز
حينما تنام الندابات تعبا
لأغني نائمة:
” أنت يا من ترقد أيّها الراعي
أنت يا من ترقد قم ارع شؤوني
تموز أيّها الرّاقد قم ارعها
نهارا منتصبا فلترع شؤوني
ليلا مضطجعا، فلترع شؤوني”

فالمرأة الكاتبة من خلال هذه النماذج تكتب بالجسد و تحوّله إلى أيقونة، صورة ذهنيّة لا تكتمل إلاّ بتمثّلها لدى الرجل الذي يمتلك مرجعية هذه الصورة عبر تصوّرات راجعة إلى الـتأسيس الميثولوجي لظاهرة الفحولة و بالتالي لا يتحقق للجسد الأنثويّ كينونته إلاّ إذا كانت نظرة الرجل إليه تؤسس المعرفة بحدود انفلاته البلاغيّ …. و هي بأساليب التمويه التي تلصقها بجسدها تكتب مباشرة على جسدها، تعطي عناية لفتحات جسدها، عينيها و فمها … إنها ترسم و رسمها تكثيف لرغبتها -17- الموصولة برغبة الرجل / اللغة.

II- الكتابة الانتقامية:
لقد عاشت المرأة زمن الانحطاط في الظلّ، و كان تاريخ الشعر العربي إلى عهد غير بعيد تاريخ نسيان المرأة / الكيان، و مع انبجاس حركة التحرر النسويّة و ظهور أصوات تدعو إلى تصحيح النظرة و القطع مع إرث جمعيّ حكم على المرأة بأن تكون مصدر للغواية و آلة للمتعة ، ظهرت على إثر ذلك كتابات نسويّة هنا و هناك تحاول في نسق نضاليّ تصاعديّ تحرير لغة الأنثى من هيمنة الذكر/ اللغة ، و بالتالي العمل على إنشاء معجم لغويّ مخصوص و محايث يحكي المرأة و يحاكيها و يبوئها المكانة الإنسانية ( لغة و قيما و كيانا ) التي يحتلّها الرجل مثلا بمثل ، و لكن جاءت قصائد التونسيات جميلة الماجري و آمال موسى و حياة الرايس مسفّهة في بعض ردهاتها لأفق الانتظارات الشعرية و الفكرية على حد السواء ، حيث أن الشاعرات جميعهنّ حرصن من حيث يشعرن أو لا يشعرن على السير على درب جلد الآخر و محاكمته شعريّا محاكمة تعكس نزعة انتقاميّة لكلّ ما هو ذكوريّ، إنه صراع مواقع بين الأنوثة و الفحولة ، فعوض أن تحرر المرأة / الشاعرة نفسها
كذات مستقلّة / لغة مغايرة عكس الخطاب الميتافيزيقي الذي عمل على تقنين جسد المرأة وصوغ خطاب يدخلها ضمن العلاقات الإنتاجية ممّا جعلها شخصية انفصامية موزعة ما بين التداخل الحاصل بين الجسد كمعطى بيولوجي و الجسد كمعطى ثقافي رمزيّ، ففي كلا الحالتين تعمل المرأة مضطرة للانخراط في استلابها -18- فبدل نحت صورة مغايرة كما أسلفنا انخرطت المرأة / الشاعرة تحت طائلة التشنّج الجنساني في حرب انتقاميّة اتّسمت بجلد التاريخ الملطخ بذكوريّة مجحفة ، و اتّخذت بالتالي من الذكر / التاريخ اللغوي عدوّا لدودا فكان بذلك الذكر/ اللغة في شعرهنّ في مرتبة الجلاّد / الضحيّة ، و بقيت المرأة / الشاعرة ترواح مكانها بين الضحيّة و الجلاد، بين الحضور و الغياب، بين الترسيخ و الانتقام، و نستشفّ هذه النزعة من خلال قول الشاعرة آمال موسى في قصيدتها ” و في نفسي وقعت ” : -19-

كلُّ الواقعينَ في أنصافهم المتوهِّمة
ناقِصُونَ هَوى
قلوبهم مشرئبّةٌ للعشقِ
يُبدِّدونَ الحين
وروعة الانْصِراف إلى حمَّالةِ الماءِ
في تَفْتِيتِ تَصَوّفٍ
يَضيقُ على فُؤادٍ يَنْبِضُ بِأكْثَرِ مِنْ صُورة
فَمَنْ ذَا التِّي تَشفَعُ لنفسها غيرُ نفسها
وَمَنْ ذا الذِّي يَسْتبْدلُ
وقوعًا بتهشم.

أُقْسمُ أَنِّي لَنْ أرومَ غيري متّسعا
وَعْدُ نفسٍ
وعتْ بِلادها الشَّاسعة
وَفُصولها اللاّمتناهية
ولَذَّة يُشْبِهُ عنبها ثَدْيًا مَرْمَرِيّا
سَقَطَ فِي نشوةِ أُنثى.

أَعُودُ إليَّ
مُتيّمة
أَلُوذُ بالمعنَى في ليلٍ ساطعِ اليقين
ضَفائِرُهُ تُشبهُ المَدَى
أَنْتشِي بِعناقِ البعض لبعضه
وصلاة كلّي لكوكبي
وأحفرني بئرا عميقة
الارْتِواءُ منها، كعينين من زمرد.

وتقول الشاعرة جميلة الماجري من قصيدتها ” لؤلؤة” – 20-

كبيرٌ عليك الهوى

وأكبر منك القصيدة

وأبعدُ عنك التماس النجوم

من الأمنيات البعيدة

فجلّ النساء شبيهات بعضٍ

وواحدةٌ بين عصرٍ وعصرٍ تجئُ

كلؤلؤة في الكنوز

فريده!

كما تقول الشاعرة نجاة العدواني في قصيدتها ” شقة مؤنثة ” -21-

سرير مرهق
والحزانة مقفلة
علي زمن يئن

رجل مستنفد
ويداه
تصطادان فراشة دفء
عابر

أشتاق إلى بلدي
لو آن شفتي التمتا وردة
وبابتسامتي
تفتحت
أكره امتزاجا
ببقايا عطر امرأة
لا تشبهني

مرآة أشتهيك حبيبي
ولا جدار بيننا
أرومك شرفة
وسماء
فزين بنجمة منك
ظلمة روحي

لا تكرر قصيدتك الأولى
سأعود
ولو كان سمتي
من جليد
تكتسحه عربات الشمس
تفصح المرأة / الشاعرة في هذه النماذج عن تحدّيها الصارخ للذكر / الجلاد و عودتها إلى ذاتها الجريحة عبر التاريخ / اللغة ، تزيل عنها غبار النسيان و التاريخ / اللغة الملطّخ بالشهوة و اللذة ، و تفكّ عنها أغلالها الفكريّة المقيتة و الموروثة عن عهد السبايا و التكايا
و الليالي الحمراء ، لتخرج علينا من بين شقوق الكلمات الموغلة في التحقير و التقليل من الشأن بيمينها سياط جلد الآخر / الذكر (الجلاّد ) و بشمالها عرش التفرّد و التألّه و الاعتداد بالذات المؤنّثة المتعالية عن فلسفة التبعيّة و القوامة و فلسفة السيّد و العبد ، إنها صورة تقطع مع الماضي السحيق ، ماضي ” الزقّ و القينة ” لتدشّن بذلك راهنا نسائيّا مستقلاّ متعاليا ، دينه الكفر بمناخات الاستسلام و التبعيّة ، وديدنه التحليق بعيدا على حدّ تعبير زبيدة بشير في قصيدتها ” نهاية تجربة ” -22-

عندما كنت أحبك
لم أكن أعرف أن الحب وهم
وخيال
لم أقل يوماً أحبك
غير أني كنت أحيا
في ضلال
عندما كنت أقولْ
ينتهى العمر
وحبي لا يزولْ
لم أكن أدرك
معنى ما أقول
كنتَ أفراحي وأُنْسِي
كنتَ إشراقة شمسي
يا لنفسي
كم تردت في حماقات عميقه
ارتضاها القلب
مذ ضَلَّ طريقه
غير أني اليوم
أدركت الحقيقه
مرت الأيام بالحب الهوينى
واهتدينا
وطوى النسيان حبا
كاد أن يقضي علينا
كم عبدتك
وسهرت الليل بعدك
وظننت القلب ملكاً
لك وحدك
لا وحقّك
إننى أسخر من نفسي
ومن أمسي القريب
عندما كنت حبيبي
عندما كنت أظن الحب حقا
وخلوداً وجمال
فإذا الحب خيالٌ
في خيال
كنت لي نعم العزاء
عندما تجتاحني ريح الشقاء
ودوائي
كلما عَزَّ الدواء
وفؤادي
ظامئ الأشواق
مشبوب النداء

دموع الحنين

عندما تكشف العيون شجـوني
وترى الحزن واضحا في يعيوني
وترانـي كأنـنـي حين أغفــــــو
يرسم اليأس ظلـه في جبيــني
لا تلـمني فليس دمعـي بكـــاءً
بل حنيــنا وأنت تــــدري حـنيني
أنت لولاك ما تحملت عمـــــــرا
حملـــته الأيـــام عبء الســــنين
ولكم ادعـي سكـــونا وصـــــبرا
فاذا القلب ساخــرٌ من سكــوني
باسط شـقوتي وآلام نفســــي
وشكوكي وحيــرتي وظــــنوني
يا حبيبي يضج بالشوق صبري
فأداري الهــوى وأخفي أنـينـي
لهـف نفسـي الام تبـقى بعــيدا
والام انتظـــــار قلبــي الحـــزين
غير اني وإن أكن في اصطباري
أحسب الحب لمــحة من جنـونِ
يهتف القلب بي دعي الصبر عنا
انما الصـــبر هو عين الجــنــــونِ

الهوامش
1- الكتابة النسويّة : اشكالية المصطلح : مفيد نجم – مجلة نزوى عدد 42 أبريل 2005 ص 90
2- نفس المصدر ص 89
3- نفس المصدر ص 89
4- نفس المصدر ص 98
5- نفس المصدر ص 92
6- مقارعة ابوّة المكبوت : محمد الحبيب الرويسي – مجلة كتابات معاصرة عدد65 ص 22
7- انطولوجيا القول الراغب و الإناسة المظفّرة : محمد الحبيب الرويسي – مجلة كتابات معاصرة عدد 62 ص 50-51
8- التذويت في الكتابة النسائية : عثماني الميلود www.doroob.com
9- عتبات النصّ : باسمة درمش – مجلة علامات في النقد المجلد 16 ج 61 ماي 2007
10- صورة المرأة في شعر عمر بن أبي ربيعة : د.خليل محمد عوده – دار الكتب العلمية ص 107
11- المراة الفردوس : محمد لطفي اليوسفي كتاب جماليات الصورة في الإبدع النسائي العربي – منشورات مهرجان سوسة الدولي ص6
12- نفس المصدر ص8
13- أريج قرطاج / شعريات تونسية : فوزي الديماسي منشورات جمعية البيت / الجزائر 2007
14- نفس المصدر
15- موقع شعراء العالم / البوابة الخاصة بالشعراء التونسيين
16- www.doroob.com
17- الجسد الأنثوي و فتنة الكتابة : عبد النور ادريس www.doroob.com
18- نفس المصدر
19- أريج قرطاج / شعريات تونسية – منشورات جمعية البيت – الجزائر 2007
20- موقع شعراء العالم / البوابة الخاصة بالشعراء التونسيين
21- نفس المصدر
22- نفس المصدر

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
5 février 2011 6 05 /02 /février /2011 21:57

المرأة والكتابة بالجسد...

  ١٣ آذار (مارس) ٢٠٠٦بقلم عبد النور إدريس


□ اكتسحت الرواية المشهد الثقافي العربي وإن لم تصبح بديلا عن الشعر، إن الاتجاه المعاصر يجعل من المتخيل السردي وسيلة لإعادة تشييد وبناء الهوية الثقافية العربية، "فالرواية ملحمة ذاتية كما يقول غوته، يتخذ فيها المؤلف حرية تصوير العالم على طريقته. وكل ما في الأمر أن نعرف هل له طريقة خاصة به " (غوته، 1749-1832) وقد كان من أبرز تفاعلات الرواية داخل المجتمع ، ظهور كاتبات في مجال السرد رافق هذا الحضور تميز على مستوى التفرد والخصوصية شكلا وموضوعا.

إن مسألة الإبداع لا تخضع للتصنيف الجنسي، فكتابة الرجل هنا لا يمكن أن نضعها مقياسا للكتابة المحتذاة وإلا أصبحنا نقيس كتابة المرأة كهامش بالنسبة لمركزية الرجل، فعندما تحصل المرأة على نفس الحظوظ في المشاركة، في الحياة العامة ، وفي الإنتاج الفكري والحقوقي سيصعب على الناقد الاحتفاظ بتمييز واضح بين كتابة المرأة وكتابة الرجل.

وتبقى كل الأسئلة قائمة في تصورات المرأة للكتابة سنستقي هنا شهادة ل "سلوى البنا" التي قالت في روايتها "مطر في صباح دافئ "، " قل لي هل يستطيع أحد أن يمارس الكتابة في هذا الزمن ؟… قد يكون هذا إذا تحولت الدماء والدموع إلى حروف. ولكن أرأيت عيونا تبكي تستطيع أن تقرأ حروفا باكية ؟ أرأيت جسدا ينزف يجد صاحبه وقتا لقراءة؟ لماذا نكتب..؟ ولمن نكتب؟ وماذا نكتب؟".(1)

وما مصطلح" الإبداع النسائي" سوى مفهوم تصنيفي وإن كان يعتبره بعض النقاد غير محايد، فهو يمكننا من ترصد خصوصيات هذه الكتابة وبالتالي وضع اليد على الخصائص المميزة له، والذي يشكل إضافة حقيقية للإبداع الإنساني بشكل عام، وهذا المصطلح لا ينفي صفة الإبداع عن أي أحد من الجنسين، ولكنه يؤكد بالخصوص على أن للمرأة الكاتبة تصور مختلف للمسكوت عنه بمقدار الفروق الفردية بين الجنسين، والطريقة الخاصة في التعبير، وعلى مستوى الجرأة في طرح بعض المواضيع ذات التضاريس المجروحة في كينونة عمقنا الثقافي.

وأعتقد أن اللبس الحاصل في رنين المصطلح والمفهوم " الكتابة النسائية" ، ماهو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى و الكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة" ، فالصيغة الأولى تركز على أهم خاصية لدى المرأة وهي الأنوثة، وتلخص المرأة في صفتها الجنسية ولا تجعل الدائرة تتجاوز الطرح المقتصر على الأنوثة والذكورة في بعدها الطبيعي، أما بالنسبة للصيغة الثانية (المرأة والكتابة) فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي، باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع.

لقد حاولت المرأة عبر السرد الروائي والقصصي أن تسبر غور تقنيات سردية مغايرة جعلت البطولة تنتقل من التذكير إلى التأنيث، وحتى عندما تعمل الروائية على تذكير البطولة نجد أن البطل عندها رجل متخيل فصِّل على المقاس النسائي وقد نرصد هنا الطرح الإشكالي لعقدة فارس الأحلام .فتذويت اللغة وتعنيف الطابوهات عند المرأة الكاتبة يعتبر من أهم الخصائص التي يرفل فيها السرد النسائي، هذا بالإضافة إلى الاتجاه العام الذي يشكل محور هذا الإبداع من ناحية الموضوع، من حيث اشتغاله على صورة المرأة ومقاومة الدونية أمام مجتمع يتنكر للنساء، وتطويع النزوع التمردي الممزوج بنكهة المرارة والإدانة والانتقاد.

أما من ناحية الشكل فالمرأة تكتب سردها محتمية بعدة تقنيات منها: الدخول إلى شعرية السرد من الباب الواسع، ترتكز في أغلب الأعمال على تقنية البورتريه (portrait  ) وإلى الاعتراف السير ذاتي المقرون بتعرية الذات.

أما من ناحية الجانب اللغوي فالروائية تصبغ لغة الكتابة بمحمولات ذاتية مع طغيان الجانب الانفعالي حيث تظهر جليا النزعة التصويرية في السرد.

إن أنسنة الرجل التي تدفع بالمرأة الكاتبة إلى تأنيث البطولة وتصوير القدرات المؤنثة للرجل ما تزال غير متحققة بالمجتمع العربي حيث المرأة ما تزال سجينة وعي لم يكتمل بناؤه النفسي والثقافي بعد ، وقد ذكرت ناتالي ساروت في حوار لها مع الروائية حميدة نعنع عدم استطاعة المرأة الكاتبة الخروج من دوامة منظومة الانفعال الذاتي والخروج من التجربة الفردية الذاتية تقول .(nataly sarrout  ) " أعتقد بأن كبار الكتاب وخاصة من أمثال " بروست" هم ذكور وإناث في نفس الوقت ، وهذا ما جعله يتمكن من وصف الرجال والنساء سواء بسواء بشكل جيد، وهذا أيضا ما جعل "فلوبير" يكتب " مدام بوفاري" بشكل جيد. وإذا كانت النساء حتى الآن تجدن صعوبة في وصف الرجال فذلك لأنهن بقين سجينات أنفسهن وهن لا يستطعن الخروج من ذواتهن. وهذا هو الخطر الذي يجب التنبه إليه" (2).

وقد تكتب المرأة بجسدها فتعريه وتضعه أمام المتلقي قصد جره إلى أنسنته وحضارته، هذه الخاصية(التي أسميها بالاستريبتيز الأدبي) تضع الحكي في مقابل الإغراء، فشهرزاد تحول شهريار من فحل وسفاك دماء إلى إنسان يستقي معرفته من العوالم التخييلية لألف ليلة وليلة، كما مورس الإغراء سابقا على " أنكيدو" (ملحمة كلكامش) فانتقل من الصفة الحيوانية إلى العمق الإنساني فأصبح الجنس يقابله الفهم والفطنة والحضارة.

تقول الملحمة (3).

وغسلت "أورو"* يديها، وأخذت قبضة طين ورمتها في البرية(إحدى الالهات الخالقات)

خلقت في البرية "أنكيدو" الصنديد، نسل " ننورتا"* القوي. (إله الحرب)

يكسو جسمه الشعر، وشعر رأسه كشعر المرأة

جدائل شعر رأسه كشعر" نصابا"*. (الهة الغلة والحبوب)

لا يعرف الناس ولا العباد، ولباس جسمه مثل "سموقان" * (اله الماشية)

ومع الظباء يأكل العشب ، ويسقى مع الحيوان من موارد الماء.

ويطيب لبه عند ضجيج الحيوان في مورد الماء

(…)

" يا بني يعيش في "أوروك"* جلجامش،(مدينة سومرية ،220 كلم جنوب شرقي بغداد)

(الذي)لا مثيل له في البأس والقوة

وهو في شدة يأسه مثل عزم "آنو" * (كبير آلهة العراق القديم)

فاذهب إلى " أوروك" .توجه إليها

وأنبئ جلجامش عن بأس هذا الرجل

وليعطك بغيا تصحبها معك

ودعها تغلبه وتروضه

وحينما يأتي ليسقي الحيوان من مورد الماء

دعها تخلع ثيابها وتكشف عن مفاتن جسمها

فإذا رآها فانه سينجذب إليها

وعندئذ ستنكره حيواناته التي شبت معه في البرية"

(…)

فأسفرت البغي عن صدرها وكشفت عن عورتها

فتمتع بمفاتن جسمها

نضت ثيابها فوقع عليها

وعلمت الوحش الغر فن المرأة ، فانجذب إليها وتعلق بها

(…)

أضحى انكيدو خائر القوى لا يستطيع أن يعدو كما كان يفعل من قبل

ولكنه صار فطنا واسع الحس والفهم"

فالجسد الأنثوي من خلال العمل الفني مفتوح على كل الاحتمالات الممكنة للتأويل، ومن ذلك تأخذ الأشياء العادية والمألوفة في حياتنا اليومية، نكهة خاصة في العمل السردي، فيصبح المتلقي مشاركا في بناء النص وحلقة لا بد منها لخلق التعدد المفترض للعمل الأدبي.

فالجسد يتواصل فيزيائيا ويدرك ما يحيط بالذات وهو عبر النص الأدبي يتوفر على جسد ثاني مماثل يستطيع بوساطته السفر داخله فيصبح بذلك الجسد الثاني قابل للملاحظة، فعند القول بأن الجسد يقبل أن يلاحظ من طرف الذات نجد أن ميرلو بونتي يحتاج لإدراك ذاته إلى جسد ثان لايقبل التعيين والملاحظة يقول : " ألاحظ الأشياء الخارجية بجسدي ، أفتشها ، أحيط بها، لكن بالنسبة لجسدي لا ألاحظه في ذاته : يجب أن أحتاج لأجل تلك الغاية التوفر على جسد ثاني و الذي لا يكون ذاته مُلاحَظ" (4).

يَختزِل الجسد في النص العالم والأشياء ذاتها، إن الجسد لما يخرج من عزلته ومن هامش إدراكه للعالم الخارجي يمنح لصورته معنى يجعل الآخر في ذواتنا يعيش من أجل ذاته ومن أجل بُعده الخارجي كجسد ، " فالآخر هو خالق فرديتنا ، وذاتيتنا لا وجود لها إلا بوجود الآخر في إدراكه لها"(5) .

فالنص الأدبي يحقق وجود الجسد ويجعل منه موضوعا للإدراك على كافة المستويات يبرز فيها بشكل واضح المعطى اللساني والواقعي، فالجسد إذن " موضوع النص ومنبع معطياته ومنتجه ومتلقيه في الآن نفسه" (6) .

إن الجسد في علاقته بالكتابة يبادل الدور الموضوعي لتحركاته في الفضاء إلى جسد من الخيال، فيتعدد البناء الدلالي للجسد، وهي تموضعات يتخذها الجسد وخاصة الأنثوي للتعبير عن هويته، وهذا التحول من النموذج الخام للجسد إلى التعدد الدلالي يتم وفق أشكال تلقيه، مشمولا بالتفضيلات المتنوعة التي يرتضيها عصر ما وحضارة ما، وتتحرك هذه الدلالات نتيجة لاشتغال الثقافي على الطبيعي، منها الدلالة الفينومينولوجية، السميولوجية،الجمالية، الأيروتيكية والرمزية والمتخيلة مع العلم أن البناء الدلالي البورنوغرافي يعيش داخل منظومة البصري والشهواني، تُرسِّخه بقوة سيكولوجيا خاصة بالأرداف تمارس حضورها الثابت منتقلة بين الجسد الأنثوي المكتنز والجسد الممشوق، ومن "هنا تكون العلامة الأيروتيكية قد استوطنت رأس منظومة القيم ، فأصبح الجسد الأنثوي يحرض على التعامل معه وفق انتظامه في مدار الأيقونات، فالجسد الأنثوي بحسب هذا الاعتبار يتداخل مع الإغراء من دون أن يكون الإغراء نابعا منه" (7) .

هذا القاموس الواقعي الخاص بجسد المرأة لا يساويه إلا تعددية الخطاب الأدبي السابح في جغرافية الجسد الأنثوي، و التي تستدعي كل الإيحاءات الفنية المتفوقة على الجسد الواقعي المتواري خلف المعطيات العشقية والبلاغية والرمزية .

فالمرأة الكاتبة تحقق للجسد فتنته المتخيلة والذي يظهر بأشكال مختلفة في التعبير البصري (الرسم والوشم) والحركي (الرقص) واللغوي(الأدب)، ومن ثم جاءت صورة المرأة في الرواية معبرة عن الموقف الفكري الذي يصبح معادلا موضوعيا للبحث عن الحرية .

الهوامش

1- سلوى البنا" مطر في صباح دافئ" دار الحقائق بيروت الطبعة الأولى ،1979، الصفحة 21.

2- حوار مع ناتالي ساروت أجرته حميدة نعنع في صحيفة السفير اللبنانية عدد 2106 السنة السادسة 02/03/1980

3 – طه باقر ، ملحمة كلكامش أوديسة العراق الخالدة، ص: 40-41

4 - Merleau-ponty « phénoménologie de la perception », Ed : tel Gallimard   paris 1945 p : 107  . الترجمة منّي

5- د.فريد الزاهي " النص والجسد والتأويل" إفريقيا الشرق، الدار البيضاء سنة 2003 الصفحة: 29.

6- د.فريد الزاهي، نفس المرجع السابق، ص: 19-20.

7- عبد النور إدريس " ميثولوجيا المحظور وآليات الخطاب الديني- المرأة المسلمة بين السياق والتأويل" منشورات مجلة دفاتر الاختلاف، سلسلة عدد (1) ، مطبعة سجلماسة، مكناس، الطبعة الأولى ، شتنبر 2005، ص: 24

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
5 février 2011 6 05 /02 /février /2011 21:41

الأنوثة بين الحجم الثقافي والمعطى الوظيفي

الجسد الأنثوي وفِتنة الكتابة

٢٨ شباط (فبراير) ٢٠٠٨بقلم عبد النور إدريس


يحقق الجسد في النص الأدبي دلالات متعددة منها: الدلالة الفنية التي تعود للمؤلف ومنها الدلالة الجماعية التي يتم إنتاجها في علاقة القارئ بالنص، فالنص يعتبر كأحد الفضاءات التوليدية والتحويلية للجسد فالنص،"مسكن تخييلي للجسد، فيه يتجسد ويحقق وجوده المتخيل"(1) فالنص يأخذ من الجسد إيحاءاته الرمزية وحيوية علاقاته بالعالم الخارجي، كما بالعوالم الداخلية وهو إذ يمرر عبره الأحاسيس والعواطف يجعل من ترابطه المرآوي بالجسد وسيلة يتمكن من خلالها من إنتاج أثره الفني، فالجسد بالنص يقف على ثنائية تشطر الوعي بحدوده إلى جعل البناء البيولوجي أساس قيام البناء الثقافي والاجتماعي وتحقيق الإمكانات الإجرائية للجسد في النص الأدبي.

إن دراسة الجسد الأنثوي بالسرد ليس هو رصد المعجم الخاص الذي يحدده الجسد داخل النص فحسب، بل أيضا العلاقة التي يخلقها هذا المعجم بالسياق الذي يحيطه"فالشخصيات تكتشف العالم والآخرين عبر جسدها"(2)

فالجسد الأنثوي بالعمل الفني، حسب بانيك ريش(Yannick Resch  )يتموضع عبر وضعات خاصة يحدده البناء العلائقي المرسوم عبر معجم يحتوي على التعامل بالألوان والروائح، وهذه العلاقات تضع الشخصية الأنثوية في مواجهة الأشياء، مواجهة العالم، ومواجهة شريكها الرجل في علاقة حميمية تلخص رغبتها في الحياة، وقد تمزج روحها بجسدها حتى الاندغام لتكون شيئا مرغوبا من طرف الرجل وقد عبرت ليلى العثمان في قصتها"مسافرة على جناح الأحلام"على هذه الصورة وقالت"قد تكومت كل روحي في نقطة واحدة يهرسها بين شفتيه"(3)

إن فتنة المتخيّل السردي لدى المرأة يظهر بأشكال مختلفة داخل الرواية والقصة، فمن التعبير البصري إلى اللغوي إلى الحركي.

إن الكتابة بالجسد يُكسب الذات النسوية هويتها، تلك الهوية التي تنقاد مرغمة للسائد الاجتماعي والأعراف المجتمعية"هكذا تتأرجح الذات بين الإحساس المؤلم بتبعيتها لما هو سائد والاعتراف به كواقع وبين الإنصات إلى رغبات الجسد السالبة"(4)

ويتشكل الوعي بالتعامل مع هذه الخاصية في خلق علاقة إبداعية بين المرأة والكتابة في أشكالها وفي الطرح الإشكالي لمسألة الهوية في اتصالها مع مسألة الجسد والحقيقة الأنثوية وفعل الكتابة"كامتداد وجودي ينجلي في الورق المكتوب كما يمكنه أن ينطبع على جسد أنثوي بالغ الشاعرية والإغراء"(5)

فالمرأة تتخذ من الكتابة وسيلة لجعل ذاتها متحققة داخل النسق الذكوري العام"فهي لا تكتب من أجل السيطرة على الرجل كما يفعل هو بواسطة القانون والآداب (…) فهي ترمي من الكتابة والكلام كل شروخ جسدها وتموجاته"(6)، ويقر محمد نور الدين أفاية بأن القهر الوجودي العام الذي تمارسه على المرأة العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والنفسية الذكورية تجعل كتابتها"بعيدة كل البعد عن رغبتها العارمة في الإحاطة باللغة الضرورية لصياغة رغبتها في الكتابة"(7)، وتساءل حول اللغة والخطاب وحول إستراتجيتهما لتحقيق هذه الصياغة، صياغة ملامح الخطاب التحرري النسائي وتحديد بدائله.

إن كتابة المرأة تفجير لأشياء ينطوي عليها الجسد، وهي كامنة تطل علينا عبر الإيحاءات والإيماءات وتكثف فعلها في جسد الآخر المتماهي والمختلف لهذا كان"النص المكتوب امتدادا وجوديا للذات الكاتبة وتكثيفا لأشياء أخرى تتجاوزها"(8).

فالمرأة قد تكتب بجسدها وتضعه نصا لكتابتها بالوشم والرقص، فهي"تصوغ كتابتها بشكل مختلف تماما عن أشكال كتابة الرجل. سواء أتعلق بالكتابة المخطوطة أو أشكال الكتابات التي لا تتوقف المرأة عن ممارستها في علاقتها بجسدها"(9).

فكتابة الرجل هنا لا يمكن أن نضعها مقياسا للكتابة المحتذاة وإلا أصبحنا نقيس كتابة المرأة كهامش بالنسبة لمركزية الرجل.لهذا فالمرأة تحاول أن تظهر جسدها في أشكاله المختلفة معتمدة على آلية الإغراء فهي لكي تغري وتؤسس علاقة مع الآخر"تتخذ الصورة التي تحملها عن ذاتها مكانة أكبر من جسدها الحقيقي الواقعي، إنها تعطي للعالم قناعا لكي ترتب للجسد مسافة ما. فهي تفضل إبراز التمثل الذي تحمله عن جسدها بدل جسدها الملموس"(10).

فالمرأة الكاتبة تكتب بالجسد وتحوله إلى أيقونة، صورة ذهنية لا تكتمل إلا بتمثلها لدى الرجل الذي يمتلك مرجعية هذه الصورة عبر تصورات راجعة إلى التأسيس الميثولوجي لظاهرة الفحولة وبذلك لا يتحقق للجسد الأنثوي كينونته إلا إذا كانت نظرة الرجل إليه تؤسس المعرفة بحدود انفلاته البلاغي(11).

فالمعنى الذي وضعه نور الدين أفاية للجسد داخل النسق الخاص بالأنثى وكإعلان للكتابة قد فاق كل الأشكال التي تنخرط فيها المرأة إبداعيا"فالمرأة لا تكتب على الورق فقط لأنها تتألق في الكتابة على جسدها على اعتبار أن التمويه، ومختلف أشكال إبراز ذاتها، بمثابة نقش على الجسد"(12).

فجمال المرأة بشكل عام وبما هو المشروعية المكتسبة لتأسيس هوية الأنثى يجد شكله النهائي في الإغراء، فالمرأة التي لا تستطيع أن تغري تعيش وجودها خارج ذاتها وبشكل عدمي، فهي"بأساليب التمويه التي تلصقها بجسدها تكتب مباشرة على جسدها، تعطي عناية خاصة لفتحات جسدها، عينيها وفمها.إنها ترسم ورسمها تكثيف لرغبتها.والرجل تتولد لديه حساسية خاصة نحو هذه الرموز"(13). فالمرأة حسب أفاية تؤكد أنها تستعمل التمويه فقط لنفسها فهي تنقش على جسدها، تضع لوجهها قناعا وتلبسه رسوما تجمله وهي بذلك تنشر دفء الحياة في جسمها الميت وتبرز للآخر عبر النقش على الوجه والجسد ومن ثم من خلال الوشم والرقص والكتابة تؤسس لامرأة تتجاوز وجودها الخاص وتعطي لذاتها حق مساءلة طبيعة هذه الرغبة التي يُلحقها الرجل بفتحات جسدها، فالجسد الأنثوي داخل الوضع السيميولوجي يضع المرأة الراقصة أمام تعدد الأسئلة، فهي راقصة- مبدعة، إنها عندما ترقص توحي بكتابتها الجسدية أنها تخُطُّ تشكيلات هندسية متعددة الأصوات تقف بين الكلام والكتابة"فالوجود الراقص هو حد نظري للغة(…) إذ أن الجسم الراقص يكتب الكلام ويحطمه، يجرد من الفضاء هندسة دقيقة ومتعددة الأصوات، إنه زوبعة القوانين، انعكاس الخطوط ومحو الأثر الذي بواسطته ينطق الأصل ويُمحق"(14).

إن هذه اللحظة بين الكلام والكتابة تتداخل خصوصياتها، تتراءى ملامحها لتجعل من الجسد الأنثوي الراقص لحظة بين الكلام والكتابة النسائية. وقد تكتب الأنثى عن طريق الوشم لتجعل جسدها ممتلئا بالرموز.وقد أصبح الوشم اختصارا لفعل وجودي قابل للفناء فالكتابة على الجسد الأنثوي كتابة مزدوجة تخترق الصمت الذي يعلن عن موت الجسد ف"الجسم الموشوم يستمر في التجلّي خلال الموت كأن الوشم قد سرق شاهد القبر"(15).

وما دامت الكتابة حسب فيفري تبدأ فعلا مع الدليل المادي، وريث الرمز، (16) فالوشم يخلخل الأنظمة الدلالية يجعل للرموز المرسومة على الجسد دلالتين: دلالة جمالية ودلالة سحرية وهذه القيمة السحرية تستغلها الكلمات الموشومة على الجسم وهي بذلك تنفلت من المنطق السياقي إلى خلق هندسة لأشكالها وأسمائها إذ أن:"اقتصاد السياق بين الوشم وتاريخه بسبب افتقاد الموضوع الذي اعتبر صلبا.لأن تخطيط الوشم الهندسي يعمل هو الآخر على تشويه الذات، ما دامت تتبعثر في هندسة لا يعرف أصلها في غالب الأحيان"(17).

إن المرأة تكتب بالوشم جسدا مقدسا ينشطر إلى نصفين متماثلين"الجبهة، الذقن، بين النهدين، الصرة، العانة.."وهذه نقط مركزية يتفرع عنها الإغراء والرغبة.

إن المرأة الواشم مبدعة تكتب لتضع لذة النص المكتوب بيد المتلقي ذكرا أو أنثى لاكتشاف نهايات الجسد الأنثوي الاشتهائية، ينتقل عبرها الجسم من نظام الأيقونة إلى الجسم اللاهوتي.

إن الوشم ينتمي إلى المقدس فهو كالكتابة عند المرأة تجعله قناعا لتمارس منظومتها الإغرائية فهو لباس داخلي تخيطه الأنثى الواشمة لتخالف به اللباس الذي غالبا ما يكون الرجل من بين مصمميه، وقد يُعتم الوشم على المتلقي رؤية ما يحيط بجسد الأنثى، إنه يلعب دور المغناطيس الذي يحجب الجسد الحمدلي عن الانتهاك، فالاستعراض الجنسي محمي بالوشم وهذا الدور تقوم به"لخميسه"التي تُعطل بلاغة النص الأنثوي وتنظم فوضى الدلالات وتنفتح غائبة أمام العين الثالثة (الرجل) لتصبح"لخميسه"ذات دلالة وواسطة للإغراء والإثارة والاشتهاء لا يتعطل مفعولها السحري إلا إذا كانت العين الثالثة تحقق لمجمل وشم الجسد هويته وبذلك يأخذ شكله، استهلاكه من المتلقي/الزوج أو المتلقي/ العشيق، يقول هِرْبر:"من الغريب أن العاهر تعلن على جسد يمتلكه الجميع بحكم المهنة أن قلبها مخصص لرجل واحد”، فالعاهر تشِم جسدها لتستأثر بمكان الوشم وتخصصه لمن أحبته وتدع الباقي مشاعا للجميع.(18)

فالوشم على الجسد يختلف باختلاف الجنس كما يقول عبد الكبير الخطيبي، فالمرأة"يمكنها أن تشم مقدمة جسدها بينما يكتفي الرجل بوشم يده، أي الذراع والعضد، بمعنى إن يد الرجل لا تغادر مجال الكتابة (تكتب وتُكتب) ونحن بالإضافة إلى ذلك نشم مثل ما نكتب"(19).

فالمرأة التي تكتب (باللغة والوشم والرقص) تغير أماكن التمويه بجسدها وتعبر عن رغبة لا تتكلم نفس اللغة التي يبرز فيها الرجل رغبته فحسب الدكتور سعيد بنكراد فهذه"العناصر مجتمعة لا تشكل الرغبة ولكنها تشكل الوجود الرمزي للرغبة"(20)، فرغبة الأنثى"تنفلت من منطق العقل الذي يريد الرجل دائما إخضاع كل شيء له"(21).

وقد اعتبر الباحث محمد أفاية أن هذا التشويش على فهم المرأة من خلال المنطق الذكوري يشكل مركزا أساسيا للعنف الرمزي الذي يحتوي عليه هذا المنطق حيث قال"هنا ينتصب العنف كتعويض عن عدم خضوع المرأة لمنطق الرجل"(22)، فالرجل بحسب هذا المنطق يقول بالتطابق والوحدة بينما تتموقع المرأة في قلب المنقسم والمتعدد"وأن هذا التعدد يتجلى في جنسيتها sexualité  ، فهي ليست واحدة لان جسدها جغرافية متنوعة للمتعة"(23)

أما الدكتور سعيد بنگراد فيضع الجسد الأنثوي بين الحجم الثقافي والمعطى الوظيفي، فالجسد عنده كلا وأجزاء في نفس الوقت وهو باعتباره كذلك"يولد معطى انفعاليا وغريزيا وثقافيا عاما، ولكن هذا المعطى لا يدرك إلا من خلال الأجزاء، ولا يستقيم وجود هذه الأجزاء إلا من خلال اندراجها ضمن هذا الكل الذي هو الجسد"(24).

إن إنتاج تخيل سردي أنثوي يضع المرأة ضمن المنقسم والمتعدد داخل أيديولوجية ذكورية مهيمنة يجعل حضورها غائبا وفضاءها مشحونا بالرقابة والكبت ف"ليس هناك من فضاء ممكن بالنسبة للمرأة، غير ماهو مراقب ومكبوت"(25).

   فما معنى أن ينتج الخطاب الفلسفي قولا ميتافيزيقيا يتشبث بأحادية الجنس الواحد؟.

لقد عملت الميتافيزيقا على تقنين جسد المرأة وصوغ خطاب يدخلها ضمن العلاقات الإنتاجية مما جعلها شخصية انفصامية داخل هذا الواقع موزعة ما بين التداخل الحاصل بين الجسد كمعطى بيولوجي والجسد كمعطى ثقافي –رمزي، ففي كلا الحالتين تعمل المرأة، مضطرة للانخراط في استلابها"ولكي يكتسب الجسد قيمته لا بد من إن يضفي على ذاته أشكالا أخرى أكثر جذبا وإغراء لتسهيل تبادله"(26)، وقد تأخذ هذه الثنائية: طبيعي/ ثقافي تقسيم العمل الجنسي الذي يدعو المرأة أن تعتني بجسدها"وتعطيه العناية الفائقة وتحويله إلى الرغبة ولو إنها لا تصل إلى تحقيق نسبي لرغبتها هي"(27)، لأن الرغبة قضية يستلزمها السياق الرمزي الذي ينتظم المجتمع الذي تعيش فيه المرأة التي تختار الانمحاء الوجودي كي تكتب جسدها من الداخل وتعمل على إظهاره بشكل مختلف من الخارج.

الهوامش:

______________________________

-1 د.فريد الزاهي"النص والجسد والتأويل"إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الاولى، سنة 2003 ص: 25.

2- Yannick Resch , corps Féminin , Corps Textuel ,Essai sur le personnage   féminin dans l’ouvre de Colette librairie c. klincksieck ,paris , 1973 p  : 15

3- ليلى العثمان،"الحب له صور"مجموعة قصصية، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا، الطبعة الرابعة، سنة 1995، الصفحة: 158.

4- محمد نور الدين أفاية،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، إفريقيا الشرق –الدار البيضاء،1988،ص:19.

5-محمد نور الدين أفاية، نفس المرجع السابق ص: 31

6- نفس المرجع السابق ص: 35

7- المرجع نفسه ص: 35.

8 - المرجع نفسه ص: 41.

9 - هو نفسه ص: 41.

10- المرجع نفسه: ص: 41.

11 - للمزيد انظر(ي) كتابنا:"الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."ص: 74.

12-"الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش"ص: 8-9.

13 - المرجع السابق ص: 41-42.

14- د.عبد الكبير الخطيبي،"الاسم العربي الجريح"دار العودة، بيروت، الطبعة الأولى 1980، ص:56.

15 - نفس المرجع السابق ص"57.

16- J.G.Fevrier « histoire de l écriture, Payot 1944.p:17  .

17- الاسم العربي الجريح"المرجع السابق ص: 58.

18- انظر كتابنا"الكتابة النسائية..حفرية في الأنساق الدالة..الأنوثة..الجسد..الهوية"المرجع السابق ص:75-76-77-78.

19 - الاسم العربي الجريح"نفس المرجع السابق ص: 59.

20 - د. سعيد بنگراد،السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها،منشورات الزمن شرفات سلسلة 11، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء2003 ص:129.

21 -"الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش"ص: 51-52.

22- المرجع نفسه ص: 52.

23 - نفسه ص: 52.

24- د. سعيد بنگراد،السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها.م.س. ص:129.

25 -"الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش"ن.م.س. ص: 53.

26 - نفس المرجع السابق ص: 55.

27 - هو نفسه ص: 55.

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
16 janvier 2011 7 16 /01 /janvier /2011 23:55

الأدب النسائي: إشكالية المصطلح والمفهوم

بقلم: الباحث عبد النور إدريس 


مع بداية التسعينات من القرن العشرين بدأ يتصاعد نوع من الاهتمام بأدب المرأة إبداعا ونقدا وأخذت المواكبة النقدية تستوعب هذا النتاج الأدبي الروائي مع نحث مفاهيم وطروحات ساهمت في إغناء الحركة النقدية النسائية عبر كشفها عن التيمات والعلامات التي تمنح كتابة المرأة ملامحها الخاصة ، وقد قفزت إشكالية المصطلح (أدب نسوي- أدب الأنثى- أدب المرأة أدب نسائي) إلى واجهة النقاش حيث الاضطراب حاصل في مجال تداوله الثقافي والاجتماعي.
لابد أن نضع نصب أعيننا واقعة منهجية أعتبرها أصلا في مقاربتي لكتابة المرأة وهي تتعلق بكتابة الرجل التي " لا يمكن أن نضعها مقياسا للكتابة المحتذاة وإلا أصبحنا نقيس كتابة المرأة كهامش بالنسبة لمركزية الرجل" (1).
ولقد اقترحت د.زهرة الجلاصي نعت هذا الأدب ب " النص الأنثوي" كبديل عن الأدب النسوي، باعتبار أن هذا المصطلح يرتكز على آليات الاختلاف واعتبرت أن مصطلح نسائي به معنى التخصيص الموحي بالحصر والانغلاق في دائرة جنس النساء، بينما اعتبرت مصطلح " مؤنث" دعوة للاشتغال في مجال أرحب مما يخول تجاوز عقبة الفعل الاعتباطي في تصنيف الإبداع.
وقد تمت مناقشة هذا المصطلح من طرف ناقدات غربيات كلوسي إيجاري وجوليا كريستيفا، ومن طرف نقاد عرب ك د.ميجان الرويلي و سعد البازغي.
وإذ نتبنى مصطلح "الكتابة النسائية" نعتبر أن هذا المصطلح يقوم فقط بدور تصنيفي وإن كان بعض النقاد يعتبره غير محايد، فهو يمكننا من رصد خصوصيات هذه الكتابة وبالتالي وضع اليد على الخصائص المميزة له، والذي يشكل إضافة حقيقية للإبداع الإنساني بشكل عام، وهذا المصطلح لا ينفي صفة الإبداع عن أي أحد من الجنسين، ولكنه يؤكد بالخصوص على أن للمرأة الكاتبة تصورا مختلفا للمسكوت عنه بمقدار الفروق الفردية بين الجنسين، والطريقة الخاصة في التعبير، وعلى مستوى الجرأة في طرح بعض المواضيع ذات التضاريس المجروحة في كينونة عمقنا الثقافي، وأعتقد "أن اللبس الحاصل في رنين المصطلح والمفهوم " الكتابة النسائية" ، ماهو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى و الكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة" ، فالصيغة الأولى تركز على أهم خاصية لدى المرأة وهي الأنوثة، وتلخص المرأة في صفتها الجنسية ولا تجعل الدائرة تتجاوز الطرح المقتصر على الأنوثة والذكورة في بعدهما الطبيعي، أما بالنسبة للصيغة الثانية (المرأة والكتابة) فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي، باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع"(2).

المرجع
1-
عبد النور إدريس" الجسد الأنثوي وفتنة الكتابة" مجلة أفق الثقافية، الرابط الالكتروني هو:
http://ofouq.com/today/modules.php?n...ticle&sid=2892
2-
عبد النور إدريس" المرأة والكتابة بالجسد" الموقع الإلكتروني إيلاف – ثقافات عالم الأدب الرابط الرقمي:
http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphL...5/10/99499.htm

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article
30 décembre 2010 4 30 /12 /décembre /2010 09:41

الحجاب: حاجة دينية أم إكراه ذكوري

 

د.سعيد بنكراد
الحوار المتمدن - العدد: 1900 - 2007 / 4 / 29
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات

*لذلك لا يمكن أن تكون الأحكام الخاصة بالضرورة الاجتماعية للحجاب النسائي، والمنسوبة تأويليا إلى النصوص المقدسة، سوى تبرير لوعي فردي يختفي في المقدس من أجل التستر على وعي اجتماعي عام شكلته الرغبات الفردية- الصريحة أو المقنعة- في الاستفراد بالمرأة وامتلاكها*
يشير بودريار، في كتابه "مجتمع الاستهلاك"، إلى مفارقة غريبة في تاريخ تحكم المؤسسات بكل أشكالها، في السلوك الإنساني وترويضه وتوجيهه وفق غايات ليست غريبة عن السلطة وطريقتها في إدارة ما يأتيها من مركز المجتمع وهوامشه. فعبر هذه المؤسسات "حاولوا زمنا طويلا إقناع الناس- دون جدوى- أن لا جسد لهم، أما الآن فيحاولون بجميع الوسائل إقناعهم بضرورة الالتفات إلى أجسادهم والاعتناء بها". وغرابة هذا الموقف هي التي تؤكد، عكس ما قد يتصوره البعض، "أن بداهة الجسد لا يمكن أن تنسينا أنه واقعة ثقافية" قبل أن يكون كتلة من اللحم والشحم. "فعلاقة الناس بأجسادهم تعكس، في كل الثقافات، نمط علاقاتهم بالأشياء المحيطة بهم، كما تحدد نمط علاقاتهم الاجتماعية". إن الكشف عن كل أسرار الجسد، أو التستر على خباياه يؤكدان قوة حضوره في كل حالات التواصل الإنساني، بل يؤكدان أيضا أهميته في بلورة مجموعة كبيرة من المعايير التي تعتمدها التصنيفات الاجتماعية المسبقة: حالات اللون أو البدانة أو الثوب الدال على الانتماء إلى ثقافة بعينها. يضاف إلى ذلك تلك "العلوم" التي بنت معاييرها في الحكم على الناس وتحديد أمزجتهم وميولهم استنادا إلى تفاصيل الوجه وشكله.
وحاصل القول إن الجسد الإنساني هو الممر الضروري نحو تحديد كل الهويات اللاحقة: الاسم واللقب والصورة النمطية والصوت وطريقة المشي والجلوس ورد الفعل، وكل ما يمكن أن يضبط إيقاع الوجود الفردي المتحقق، في نهاية الأمر، من خلال يافطة مرئية تلتقطها النظرة وتخزِّنها باعتبارها صورة تعود إلى هذا الشخص وليس ذاك. بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك للقول إن البؤرة الأولى للتأنسن ومظاهره وحالاته كانت هي الجسد في المقام الأول. قد يكون ذلك حالة من حالات "الترويض الثقافي" للجسد لملاءمته مع الحاجات الجديدة التي خلقها التمدن. لقد انتصب الإنسان واقفا واستقام عوده ومُدت يداه، فـ"تعلم" كيف يلبس، وكيف يقي نفسه من البرد وكيف يتجمل، كما تعلم قبل ذلك كيف يرقص ويغني، وكيف يوحي ويومئ ويلوح ويكشف ويخبئ، لقد تعلم كيف يتكلم.
ويشكل هذا التصور العام للجسد واحتمالات التدليل داخله، فيما يبدو لنا، أحد المداخل الممكنة لمعالجة بعض القضايا الخاصة بالحجاب، لا من زاوية ضرورته الدينية أو عدمها، فذاك أمر يهم الفقهاء وحدهم، بل باعتباره رمزا صريحا يشير إلى وضع سميولوجي للأنوثة يستمد كامل مضامينه من مجمل التصورات التي يملكها الفرد (المسلم في حالتنا) عن جسد المرأة، وتلك حقيقته الأولى والأخيرة. أما الانصياع لأمر خارجي (ديني) فلا يشكل سوى غطاء إيديولوجي قد يريح المالك والمملوك على حد سواء ويجنبه وعناء التفسير الوضعي.
لذا، فإن الحجاب، من حيث هو تصريح بانتماء علني إلى "معتقد" ما، ديني أو اجتماعي، يعد شكلا من أشكال حضور الجسد ضمن سيرورة التبادل الاجتماعي، المخيالي والواقعي على حد سواء. فالحجاب ليس شكلا لحضور المرأة في الفضاء العمومي، إنه تجسيد لوعي ذكوري لهذا الحضور. إن الأمر يتعلق بـ"تديين " للجسد ومنحه هوية خارج طبيعيته وخارج كل حاجاته التي هي، كما يشهد على ذلك تاريخ الإنسانية، حاجات كونية سابقة على الأشكال الثقافية المخصوصة كالدين مثلا. وهذا "التديين" ذاته، الخالق "للجسد المسلم"، هو مقدمة ضرورية لتديين الفضاء العمومي والتحكم فيه وإفراغه من كل أشكال التعدد والتنوع والاختلاف.
لذلك لا يمكن أن تكون الأحكام الخاصة بالضرورة الاجتماعية للحجاب النسائي، والمنسوبة تأويليا إلى النصوص المقدسة، سوى تبرير لوعي فردي يختفي في المقدس من أجل التستر على وعي اجتماعي عام شكلته الرغبات الفردية- الصريحة أو المقنعة- في الاستفراد بالمرأة وامتلاكها. إن الحجاب تبعا لذلك، هو جزء من منظومة ثقافية/سياسية/اجتماعية متكاملة وظيفتها الأساسية هي ضبط السلوك النسائي ومراقبته. وهناك ما يؤكد هذا التصور، فنسبة كبيرة من مسلمات ومسلمي هذا الوطن لا يرون في الحجاب ضرورة دينية، بل ينظرون إليه، في كثير من الأحيان، باعتباره سلوكا إيديولوجيا أملته حاجات اجتماعية لا علاقة لها بالدين. وفي جميع الحالات، فاستعمال المحجبات لأجسادهن لا يختلف في كثير عن استعمال غير المحجبات له، فهن لسن أكثر ولا أقل عفة منهن.
ويبدو لي أن الطريقة الوحيدة التي قد تمكننا من الانزياح عن النقاشات التي تربط الحجاب بمقولات كالحلال والحرام، هي تأسيس خطاب ينطلق من الظاهرة ذاتها باعتبارها حالة من حالات التواصل الاجتماعي (شكلا من أشكال التبادل الرمزي) الذي يختفي في ثوب المقدس أحيانا ويختفي في ثوب الأخلاق الاجتماعية أحيانا أخرى، وقد يكون في حالات بعينها اختيارا فرديا وليس استجابة لأي إكراه من أي نوع. ذلك أن التقيد بمقولات الحرام والحلال – وهي مقولات بدون أية مردودية تحليلية- لا يمكن أن يقودنا إلى خلاصات يمكن تعميمها باعتبارها ما يخبر عن حالة من حالات المجتمع. فالتأويلات النصية المسندة لعمليات التحريم والتحليل، وهي عديدة، لا يمكن أن تنتهي في يوم من الأيام إلى الاستقرار على دلالة بعينها أو حكم بعينه.
فليس هناك إجماع على تأويل واحد للنصوص وتدبرها من أجل إرساء قواعد سلوك ممكن. وغياب هذا الإجماع يعود في جوهره إلى مجموعة من المقامات السياقية التي تشوش على الاستقرار على معنى بعينه. فظاهر اللفظ نفسه لا يبيح التعميم وذلك لعدة أسباب:
- أولها: أن الأمر يتعلق بتأويل لكلمات، أي بحث في ذاكرة هذه الكلمة أو تلك من أجل الخروج بقاعدة فعل تقود إلى التحريم أو التحليل (كلمات من قبيل الحجاب أو الجيب أو الخمار). فلا يمكن فهم هذه الكلمات في غياب سياق لباسي سابق استنادا إليه يتم التعديل أو الإضافة. فليس واردا في أي نص من النصوص المتداولة حول الحجاب أن الأمر يتعلق بتحول كلي من لباس فاضح إلى آخر ليس كذلك، بل هناك إعادة لتعريف الزينة غير المتفق على مواطنها هي الأخرى، وعلى مظاهرها المادية منها والمعنوية.
ـ ثانيها: أن الوقائع التي تجيب عنها النصوص وقائع بالغة الخصوصية وتحتوي على الاستثناء والتمييز في مطلقها ومجملها. هناك أولا سياق للتمييز بين نساء الرسول وبين باقي المؤمنات. وهناك ثانيا سياق آخر للتمييز بين المؤمنات الحرائر وبين الجواري المؤمنات، ولا شيء يخبرنا عن طبيعة لباس تلك الجواري وسلوكهن في الفضاء العمومي الذي هو بالطبيعة عرضة لعبث العين الذكورية الماكرة.
ـ ثالثها: أن استثناء الجواري من الحجاب يشكك في مجموعة من الأسس التي انطلق منها المفسرون – المحدثون منهم على الخصوص - من أجل فرض لباس طائفي لم يكن كذلك لا بالاسم ولا بالشكل في سياقه الثقافي والاجتماعي الأول. وحكاية عمر بن الخطاب مع الجارية معروفة، فقد استنكر أن تلبس أمة لباسا شبيها بلباس نساء الرسول أو المؤمنات، فنهاها عن "التشبه بالحرائر". ويشكل هذا الموقف وحده لاوعي ثقافة بأكملها، ويلخص، في تصورنا، عمق الإشكالية وعصبها. فجسد الجارية جسد مستباح لا يغري ولا يستثير ولا يدعو إلى الفتنة، لأنه يقع تحت طائلة نمط آخر للتملك يوجد خارج أعراف التبادل الرمزي في المجتمع الراقي.
وهو أمر يؤكده، من جهة أخرى، شكل الحجاب وحجمه ولونه. فليس هناك إجماع أيضا في هذا المجال على شكل بعينه. إلا أن الثابت في كل سياقات التبرير هو الرغبة في إلغاء الجسد كشكل مرئي من خلال تفاصيله والقذف به إلى "مرحلة" خالية من كل الأشكال، أي تحويله إلى كتلة “لحمية “عديمة الشكل. وهو الضمانة الوحيدة على تجنب عبث النظرة وعربدتها فوق جسد لا يقيه أي شيء من شر نظرة الذكر المتربصة، وذلك قياسا على حالات "السفور" حيث يمكن التعرف على مفاتن الجسد من وراء اللباس. لهذا لا يمكننا تأويل الرغبة في إلغاء الأشكال سوى بالرغبة في إلغاء الرغبات (كبحها وتقنينها)، أي إلغاء أشكال وجودها وكل ما يخبر عنها أو يشير إليها. وربما ستكون الغاية القصوى من ذلك كله هي إلغاء الرغبات "المشبوهة" التي تتحقق خارج أسوار المؤسسات، ومنها مؤسسة الزواج في المقام الأول.
وبما أن الجسد، كما يبدو في الظاهر، هو شكل من أشكال الحضور في الوجود، فإننا يجب أن نتعامل معه باعتبار طبيعة الشكل الحامل له ومضمونه الحقيقي. فالشكل ليس حقيقة مادية مفصولة عن العين التي ترى. إنه كذلك من خلال قدرة الرائي على تصوره ضمن خطوط لا ترى من خلال الظاهر الماثل أمام العين، بل هي جزء من استيهامات مستبطنة، أو جزء من الخطاطة المجردة التي يمكن وفقها أن نتعرف على الشيء المخصوص: ما تقدمه عارضات الأزياء باعتباره حالة مثلى لجسد لا يملك صفة التمثيلية، فهو كلام “مسكوك “ بتعبير بارث، أو ما تقدمه واجهات المتاجر باعتباره حالة مثلى تدعو المستهلك إلى التماهي مع المعروض، يعد في واقع الأمر تكثيفا لكل النسخ الجسدية الممكنة، إنه محاولة للاقتراب من جوهر جسد أمثل يتسلل إلى حالات الإدراك المخيالي من خلال إسقاط فكرة التناسق الأمثل. "فالمحاكاة هي كشف عن الجوهر، حتى ولو أدى بنا ذلك إلى الابتعاد في عملية التمثيل عن المظاهر المباشرة".
وهذا ما يتضح من الطريقة الملتبسة التي يتم من خلالها التعامل مع مفهومي "الرغبة" و"الفتنة" اللذين ينظر إليهما باعتبارهما من مبررات الحجاب ودواعيه. فعلى الرغم من أن الأمر يتعلق بجسد إنساني يشمل المذكر والمؤنث على حد سواء، وعلى الرغم أيضا من أن "الفتنة" المشار إليها متبادلة، فما يشتهيه المذكر لا يختلف في كثير عما يشتهيه المؤنث، فإن للجسد النسائي وضعا خاصا في الثقافة العربية الإسلامية، وفي كل الثقافات أيضا بما فيها ثقافة الحداثة المعاصرة التي تنسب إلى الغرب الأوروبي عامة. فما هو أساسي ليس ما يتحدث به الناس في حالات الوعي الصاحي أو لحظات التعبد، إن الأساسي هو ما يستبطنونه وما يوجه سلوكهم ومواقفهم في لحظات الاختيار الحاسم.
وقد لا يسمح لنا السياق الحالي ببسط القول عن طبيعة الفوارق بين الجسدين الرجالي والنسائي وما يفصل بينهما، إلا أن الشائع أن التمثيل الثقافي لهما قائم على التمييز بين مذكر تُمتدح فيه القوة والفحولة والمظهر الرياضي، وبين مؤنث حريص على شبابه ورقته و"خطوط الحساسية" و"خارطة الحنان" فيه. إنه موضوع النظرة وغايتها، لأنه موضوع الرغبة وموطن الإغراء. وكما أشرنا إلى ذلك، فإن الجسد النسائي جسد “صريح “من حيث شكله المرئي، لأنه يتحدد من خلال تفاصيله لا من خلال بعده العضلي (امتداح النحافة والحفاظ على "القد"). فالفحولة النسائية لا ترى من خلال المظهر العام، بل مصدرها قوة التفاصيل ودقتها: إنه سلسلة من المناطق القابلة للعزل والتأمل، لذلك لا وجود للجسد النسائي إلا في العين التي تراه وتتأمله. إن الشيطان يختفي في التفاصيل، لذلك وجب القضاء على الأشكال التي يتسرب من خلالها هذا المارد ليسكن الجسد المؤنث ويحرض العين المذكرة على الفتنة.
وضمن هذه الخصوصية ووفق قوانينها يجب إدراج "الحجاب" بكل تبعاته ودلالاته القريبة منها والبعيدة. إذ لا يمكن النظر إلى الحجاب في معزل عن باقي الظواهر الأخرى المرتبطة بالجسد كـ"العري" و"التبرج" و"السفور"، وكلها صفات أو حالات للجسد مشتقة من اللباس الذي يوضع على الجسد "الطبيعي" باعتباره- أي اللباس- مضافا ثقافيا اعتُبر، في نظر البعض على الأقل، مرآة لقياس وعي الإنسان لجسده ومحيطه، بل هو كذلك أيضا ضمن آليات السيرورة التي قادت الإنسان إلى شق مسار جديد لتاريخه على الأرض: الأنسنة القائمة على مرجعية ثقافية صريحة.
لذلك لا يمكن فهم الحجاب وتأويله إلا ضمن ثقافة لها تصور خاص للجسد. فالثقافة الإسلامية، وربما ثقافات أخرى، منها الثقافتان اليهودية والمسيحية، ترى في الجسد مصدرا لخلاعة أصلية يجب حماية العين من تداعياتها المؤدية إلى خطيئة النظرة وجرم النوايا اللاحقة. وهو ما يغطيه لفظ غريب يطلق عليه "العورة"، وهو مفهوم يعين كل ما له علاقة بالمناطق الجنسية في الجسد، حتى تلك التي ليست كذلك إلا في أعين لا تبحث في جسد المرأة سوى عن إشباع لرغبة هي أبعد ما تكون عن العوالم التي جاءت بها الثقافة وعممتها على كل الكائنات الإنسانية، دليلنا على هذا غياب إجماع عند القيمين على الشأن الديني حول ما يقع في دائرة "العورة"، وحول ما يوجد خارجها.
وفي جميع الحالات، فإن مفهوم "العورة" هو الوجه الآخر للتصور الوضعي "للخلاعة"، مع اختلاف واحد: الخلاعة شيء من الداخل ولا يمكن أن ينبعث من فضاء الجسد، إنه في العين التي ترى وتشكل موضوع نظرتها وفق هوى بعينه، فالذي يشتهي فتاة ترسم بجسدها لوحة فنية في قاعة من قاعات التباري الرياضي، لا يمكن أن يكون سويا. أما العورة فجزء من الجسد وخاصية من خصائصه. لذلك امتدت يد التحريم أحيانا إلى كل ما يمكن أن يذكر أو يشير، بالتشابه أو الوظيفة، إلى الأعضاء المصنفة بشكل صريح ضمن دائرة العورة.
استنادا إلى هذا، فإن هذه الظواهر وثيقة الصلة بالاستثمار الاجتماعي للجسد (وهو استثمار سياسي وديني وأخلاقي أيضا). وهذا ما يوجب الفصل الصارم بين عوالم "الحجاب" وعوالم "السفور" كما سنحاول تبيين ذلك لاحقا. فما بينهما بون شاسع يشمل كل شيء: الوظيفة والغاية والدلالات المستترة التي يشير إليها الجسد في حالتيه. إذ لا حدود ثابتة للأول، فقد يكون مجرد قماش أو شال بسيط يوضع على الرأس، كما كان عليه الحال زمنا طويلا في المدن والبوادي على حد سواء: وهنا أيضا نكون أمام رمزية مزدوجة: قد يكون القصد الظاهري منها التعبير عن "وقار" تقتضيه أعراف اجتماعية بدون أية مرجعية دينية صريحة، أو مجرد عادة لباسية خاصة بمنطقة أو مجموعة عرقية أو ثقافية، كما هو حال نساء المنطقة الشرقية في المغرب المعروفات بارتداء "الحايك" (غطاء أبيض يلف الجسد كله عدا عينا واحدة)، أو نساء الشمال المعروفات بارتداء جلباب من طراز خاص ووضع قبعة على الرأس.
وقد يكون إحالة جنسية، وهذا هو الأصل في التمثيل الخاص بالشعر كما هو مثبت في التقسيم الوظيفي للجسد النسائي، وكما هو مثبت في أدبيات التغزل أيضا. فالأمر يتعلق بسجل رمزي كوني بأبعاد متعددة، منها الحفاظ على الحميمية التي تدفع الإنسان إلى دفن خصلات الشعر كما يدفن بقايا أظافره، ومنها الإحالة على الفحولة والقوة أيضا كما تدل على ذلك قصة شمشون ودليلة، وكما تدل على ذلك أيضا موضة بعض الرجال الذين كانوا يصرون، في فترة من فترات تاريخنا المعاصر، على إطلاق شعرهم. إلا أن الشائع في التداول اليومي هو إحالته على واجهة جمالية في جسد المرأة بإمكانات تركيبية قل نظيرها. فشكل الشعر وتسريحته وربما لونه أيضا (ضفائر مرصوصة أو خصلات تعبث بها الرياح، أو شعر منفوش أو مشعث...) يعد البوابة الرئيسة للكشف عن سلسلة من حالات الانفعال "العاطفي": الرضا والقبول والاستعداد أو الانكماش والرفض أو انعدام الرغبة.
أو قد يكون عاما يغطي كل شيء حيث تختفي المرأة – طوعا أو كراهية- وراء حجب تقود إلى اختفائها كلية، علامة على الامتلاك الذكوري لما يقع بين يدي المالك بحكم السلطة الدينية أو بحكم التواضع الاجتماعي فقط. وهذه الحالة الثانية هي التعبير الأسمى عن رغبة جامحة في التخلص من كل الأبعاد الثقافية للجسد والعودة به إلى حالة "طبيعية" لا تختلف في شيء، إلا من حيث الشكل، عن موقف ذلك الإنسان القديم الذي تمثله بعض الرسوم الكاريكاتورية: كائن يغطيه الشعر من جميع الجهات، يشد امرأة من شعرها ويجرها وراءه متوجها بها إلى كهفه، وعلى مقربة منه امرأتان تتساءلان في استنكار عما يعجبه فيها: "يا اختي عاجبو فيها إيه".
أما الثاني فيعبر عن حضور من طبيعة أخرى، فما يطلق عليه "السفور" لا يشكل حالة قارة ومتعارفا عليها إلا من حيث التحديد العام، فلباس المرأة في هذه الحالة يتغير بتغير الأوضاع والظروف والوظائف. فطريقة اللباس تحددها إكراهات الزمان والمكان والطقوس، وتحددها حالات النفس أيضا، فهناك ألوان للفرح وألوان للحزن وأخرى للحياد البارد. بل هناك لباس للعمل وآخر للنوم وثالث لاستقبال الضيوف ورابع للنزهة وخامس لحضور حفل ليلي الخ... فاللباس في هذه الحالات جميعها لا ينظر إليه باعتباره إحالة على هوية، بل دلالة على نشاط بعينه.
وفي هذه الحالة نحن أبعد ما نكون عن شكل من أشكال التصنيف المسبق."فالسفور" تصنيف من الخارج، أي يعين كل ما ليس حجابا، تماما كما هو الحجاب خروج عما هو "متعارف عليه"، إنه آلية من آليات ضبط ومراقبة جسد مشكوك فيه منذ بدء الخليقة. لذلك فالحالة الثانية تمثل، فيما يبدو لي، المعيار العام، ما يشبه "اللسان اللباسي" بالمفهوم السوسيري لثنائية اللسان والكلام كما استثمرها بارث بعد ذلك في دراسته للموضة. هناك قواعد توحد وتعمم تفاصيل ذوق محكوم بحالة وعي حضاري مشترك، وهناك سلوك فردي يخصص ويميز ويخلق حالات التنوع والتعدد. ولا يمكن قياس درجة التحولات التي تلحق باللباس إلا استنادا إلى هذه الثنائية.
إن المعيار العام هو تقنين بعْدي لمجموعة من السلوكات المتكررة التي تحولت مع الزمن إلى ما يشبه المرجعية الاجتماعية العامة التي يقاس عليها شكل اللباس، تماما كما هو حال كل الأنشطة الإنسانية الأخرى. وبعبارة مغايرة، إنه سلسلة من القواعد غير المكتوبة، إلا أن الالتزام بها يعد شكلا من أشكال الانتماء الطوعي إلى نظام حياتي ما. فالتحقق الخاص ليس "توجيها" إيديولوجيا مسبقا، بل هو حصيلة لسيرورة من التحولات طالت رؤية الإنسان للأشياء وطريقته في تمثلها، ومنها بطبيعة الحال طريقة تمثل الجسد، بنوعيه المذكر والمؤنث.
وهذا ما تؤكده النصوص الموازية المكتوبة على هامش الحجاب تبريرا له. فالقول إن المرأة لا تكشف عن زينتها إلا لزوجها هو طريقة أخرى للقول إن المرأة لا يمكن أن توجد في ذاتها (ولست أدري ما المقصود بالزينة هنا هل الجسد العاري؟ وفي هذه الحالة فالأمر حق بحكم التعاقد بين طرفين، أما إذا كان يعني اختفاءه عن الأنظار فتلك حكاية أخرى). إنها ملك، تماما كما كانت من قبل تحت يافطات متعددة منها تملك يأتي من سلطة النسب ومن سلطة الانتماء إلى الحي وسلطة الرابط الزواجي. وباختصار، فإن جسد المرأة ملك للجميع، لأنه ملك للمجتمع. ومع أهمية هذا التصور وقيمته التحليلية إلا أنه يشكل زاوية أخرى للنظر لسنا مؤهلين لبسط القول فيها، ونتركها للمهتمين بعلم الاجتماع أو السيكولوجيا. إن وجهتنا، مغايرة، رغم الاعتراف بتكامل التصورات وتداخلها.
إن "الاعتدال" أو "التطرف" في هذه الحالة أو تلك ليس موقفا مسبقا تمليه حاجات دينية يمكن تبريرها خارج حالات الاشتهاء والرغبة الجنسية المؤدية إلى التملك والاستعمال الحر لما ملكت الأيمان والأيسار على حد سواء. فالنظرة الخاصة التي يملكها الفرد عن الجسد هي التي تبرر هذا الموقف وتستهجن ذاك. فالمعيار ذاته قابل للخرق في هذا الجانب أو ذاك تعبيرا عن استحالة سيادة النموذج الواحد.
والحجاب ذاته لم يسلم من ذلك. فقد تخلى بسرعة، عند الكثيرات، عن بعده الطائفي ليتحول إلى طريقة جديدة في التعاطي مع الجسد أكثر منه ستارا يحجب بزوغ الرغبة.

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية