Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
27 août 2010 5 27 /08 /août /2010 16:47

فصل من كتاب" الحريم اللغوي"

"في مديح اللغة ومساءلة النظام"
يسرى مقدم

لا مناص للباحث او الباحثة، المشتغلين على مساءلة اللغة اياً تكن دواعي المساءلة او خلفياتها او المراد منها من الانزلاق الى سؤال الاختلاف بصفته "الخيط الذي تنسجمه اللغة" بتعبير دريدا، ومن حيث "ان اللغة ليست سوى الاختلافات"، بحسب دوسوسور بمعنى ان اللغة تشكل نفسها وتتشكل من رموز تختلف وتتغاير باستمرار وفق منطق ينشأ معه الدال والمدلول من صلب الاختلاف، وحيث يمتزج في الرمز الواحد خليط مادي (الدال)، وذهني (المدلول) على ان يكون في الخليط نفسه مكان للتمييز التفاضلي، بين دال نمحضه الثقة بسبب ماديته، ومدلول نحجب عنه مثلها بذريعة ذهنيته، ما يؤسس لمفهوم فوارقي يدعم الاول على حساب الثاني، انسجاماً مع المفهوم الداعي الى "استخراج مجرات كاملة من المعاني من عدد محصور من الظواهر". وهو ما نصنفه انحيازاً صريحاً يتلاقى الى حد التطابق، مع ما ثبته نظام النحو العربي، لما ميز اللفظ تراتبياً، وجعله الاول، منه يخرج المعنى خروج المؤنث، من المذكر انسحاباً على اذيال القول بمركزية المذكر / الاصل وهامشية المؤنث / الفرع الامر الذي يجنح باللغة العربية الى العنصرية الجنسية/ الجنوسية، فتفترق عن ناموسها وتشذ عن سويتها ويصير الاختلاف فيها مصدراً للسيطرة والقهر والتنافر لا سبباً للتكامل والتآلف والاجتماع.
اليست اللغة، اي لغة بما هي جسم يكتنف الوجود كله، ينطوي عليه ويدخل فيه ليحييه تعبيرياً وليحيا به ومن خلاله، بدون ان يصيرا واحداً مفرداً في جسم واحد ومفرد، يدومان صنوين متعالقين، يتحاكيان ويتفارقان، يتصلان وينفصلان من غير امتزاج، وبما لا يعني القطيعة.. نقول، اليست اللغة بحسب توصيفنا حرفياً، هي اول ما أوحى للانسان بالاختلاف الذي ما كنا لندركه ونعقله ونسميه، لو لم يكن ثمة آخر يشير الى الانا المختلفة لتراه وترى اناها، قبل ان يعبرا معاً الى النطق بكل الضمائر، بلسان المؤنث والمذكر، وبصيغة المفرد والمثنى والجمع، ليتجلى الاختلاف بذلك اصلاً لحقيقة لغوية تنوب عن حقيقة هي في اصل الوجود؟!
لغتنا الام التي تلدنا كلما اولدناها، ويتمخض جسمها عن اجسامنا فنصرخ بكل اصواتها، نجاور ما بينها فتتشابك حروفاً وتتشكل كلمات تعلمنا اسماءنا وكل الاسماء، تخاطبنا خطاب الجسد للجسد، يتلامسان فتقشعر ونرتعش وتعترينا كل الاحوال والحالات، نبتهج ونخاف نغضب ونهدأ ونكره ونحب ونتألم ونسعد ونفكر: كيف تمسك الكلمة بالشعور، وكيف للحرف ان يتحاكى مع الاحساس، فينفذ تفكيرنا الى ما وراء الحس والحواس، وتتبدى لنا الكلمات لغزاً يفك سرنا، كان لها عيناً عارفة ترصدنا وترى منا ما لا نعرف له اسماً الا متى قالته الكلمات. ويأتينا اليقين بأن بيننا وبينها وصلة تواصل ووصال فنعرف ان اللغة ليست مجرد وعاء. ولا كلماتها مجرد رموز اعتباطية تمثل الاشياء، نحفظها ونحيط بها من خارج كانها مجرد الخارج او الاشياء، بل اللغة نداء الاشياء، ووجود كلي خلاق ينبض بنا ويحتوينا مثل رحم حي يشملنا قبل الولادة وبعدها ويدوم يحوطنا من سائر الجهات.
ونعرف ان اللغة سراً يفشي كل الاسرار وانها جسد هائل بحجم الوجود يمور دائماً بالحركة والحراك، ويتمدد باستمرار ولايكف عن الجريان مجرى ماء يفيض من حيث تفيض الحياة، من اول الحياة الى ما لا نهاية. وندرك ان اللغة وجود يمتلىء بوجودنا ليلد نفسه وينوجد.. لذا، هي المغزى والدلالة على ما يقوله فوكو، وهي في وجه آخر البيان والحكم. وحكم اللغة في الاصل عدل ناصع، خالص ومبين، لا يخالطه لبس ولا يعرف البهتان والنفاق، ولا ينحاز الا الى ما بيان للغة، تبين عنه وتبنيه صوراً تبرز الوجه، وتستضمر الكنه في آن، لتتجلى اللغة بذلك آيات صادقات تتلونا تلاوة العالم البصير العارف بحالنا واحوالنا من ظاهر وباطن. واذ تصدقنا اللغة ويقول احتلافها اختلافنا، فليس لنتافر أو نفترق، بل لنفهم معنى الشيء بين شتى الاضداد، ولولاهما لما كان ثمة اي ضمان تعبيري مأمون لوجود الحقيقة، ولا كان للوعي ان يمسك بتعبيراتها لندرك انها مثوى الوجود وكنف الجميع بدون استثناء، تمخضنا امومتها وتوسع لنا بيتها لنقيم فيه دهرياً، لا بما يرادف معنى الايواء المادي وحسب، بل ما يجاوزه ويؤسس لتوليد روابط معنوية عميقة لا تزول، تتنامى وتتجذر ما بيننا وبين اللغة، تستبطن وعينا ولاوعينا، وتصوغ ميولنا ومنازعنا، وتشكل فكرنا ومفاهيمنا، بما يجعلها خارجاً يشع عبرنا ليستقل عنا وداخلاً ننكشف عليه لنستقل عنه. على هذا النحو تنشط اللغة جدلياً كوجود يفعل وينفعل يشكل ويتشكل. ينتج وينتج، وتزدوج فيه المتشابهات والاضداد. فهو مادي ولا مادي، ظاهر ومستتر، منسجم ومتناقض، مستقل وغير مستقل، لذا، ليس للغة الام ان تتنصل من وجودنا وتلزم الحياد، فهي بحسب داغوسينو، "مستقلة عن الشخص، ومعتمدة عليه في آن" ما يصيرها مختلفة عن نظامها. وهو على النقيض منها، محايد ومنفصل ومستقل، ثم انه الجزء وهي الكل. لذلك، لا يسعه ما يسعها، ولا يملك ان ينوب عما تنوب عنه.
فهل لنا بعد هذا، الا تسأل اللغة العربية عما ورطها واوقعها في شرك نظام لغوي يستبد بها مرة، وبالمؤنث مرات؟
ثم أليس لنا ان نسائل نظامها الذي انتحل سلطتها وافترض لنفسه حق الانابة عنها وعنا بما يختزلها ويختزلنا الى ما دونها ودوننا، وبما يذهب في الآن عينه بجوهر الاختلاف يخرج بثنائية النوع الانساني عن دائرة التكامل، وشقي النفس الواحدة، ليصير الانسان هو الذكر فقط يخرج منه المؤنث خروج الجزء من الكل، على ما قرره واقره ابن جني والسجستاني والانباري، و... سائر النحاة السابقين واللاحقين، في ما تنسب الأنثى الى جنس الفرع التابع والضعيف، بحيث لا يتبقى من مثنى العربية غير ادعاء لفظي خاو لا يطاوع معناه، يستدخل المؤنث، لا على انه الشقيق والشريك، بل باحتسابه آخراً يكمل نقصان الواحد لا الاثنين، ما يؤول الى تثبيت الواحد ونفي المثنى، على مستوى الفرد والجماعة، وفي كل شأن خاص أو عام.
ذاك هو، منذ البداية، مأزق الواحد المتفرد المستفرد، وأول العسف بمبدأ الشراكة، جعلت ضلالا وبهتاناً، على انها استتباع فرع لأصل، لا انشقاق الأصل الى نصفين سويين على اختلاف، ليس له ان يخلف بينهما، فلولاه لما كان لاجتماعهما ان يكتمل ويخصب معناه.
ولئن ذكرنا حول اللغة ما اسلفناه، عن وجودها، ونسيجها، وحراكها، وتجددها، وكليتها، وميزان عدلها، وصدق آياتها، وقلنا فيها ما يحيل على طبيعة امومية، بوصف اللغة رحما وكنفاً وسكنا ومثوى، وبما هي، في وجه آخر، بدء وأصل، وأول ونبع. الأمومة عينها التي حدثت عنها الأساطير الأولى قبل ان تباركها الأديان السماوية والوضعية، وتمجدها تيارات ومذاهب فكرية شتى، استلهمها المجاز فالصق بالمجردات طبعها وطبائعها، وكل ما يماثلها قدرة على الخصب والانجاب والرعاية والاحتواء، لتصير اللغة بذلك أما، لها ما لأمهات البشر، وعليها ما عليهن، لا على قاعدة الحق الطبيعي الذي يعترف لكل اصل بموقع الأصل، بل من زاوية الوظيفة المحددة التي افترضها نظام الفوارقية الأبوي للأمومة، سواء أكان في الحقيقة ام في المجاز، يحاصر اللغة حصاره للأمهات، مثلهم يقصر دورها على الانجاب، ويجردها من حق النسب، لتخوض اللغة تحت طوعه تجربة التخلي عن تعددية وجوهها وشمولية وجودها، وتتحول بقوة القسر الى آلة أو أداة مطاوعة للقواعد والقوانين والأحكام. فتنبت بذلك عن بدئها، وتجرد من سخائها الذي هو أميز صفتها.
فهل يحق لنا ان نحجب عن اللغة أمومة الأصل، او ان نرتاب مجازاً بانسانيتها؟
اذ نؤنسن اللغة، ماديا وذهنياً، فما ذلك انسياق منا الى لعبة المجاز، ولا ابتغاء لجمالية تعبير لا تجدي نفعاً، ولا تسعف على تجميل واقع قبيح، بل نتوسل ذلك لنشير من ناحية اولى، الى ثنائية المؤنث والمذكر فيها، على اعتبار انها ثنائية الاصل. والأصل على ما أشرنا، هو الاختلاف نبتنيه اساسا لسائر ما يتصدر عنها من ثنائيات، ابرزها ثنائية الصوت، تتكشف من خلال اللغة تعبيراته لتحفظ للمؤنث والمذكر وعيهما، كل بصوته، فلسنا نظن ان الصوت كان منذ الصرخة الأولى حكراً على طبيعة آدم، بينما تجافت عنه طبيعة حواء، ولدت بكماء ودامت بكماء، او انها فطرت بطبعها على اتباع آدم وتعلمت منه كل الأصوات، ولا العكس صحيح بالطبع فكلاهما جبل طبيعياً على الصوات، وكلاهما عرف الآخر وسكن اليه وتكامل به، من خلال اختلافه، ثم لننفي عن اللغة العربية، من جهة، شوائب الانحياز او الفوارقية او التمييز، او اي وجه من وجوه الظلم والعسف، والا لتبدت اللغة في الاساس ناقصة، بتراء وشائهة، طالما تفرغ من الآخر يغيب عنها بالالحاق، او بالتهميش والاقصاء، فتفقد بغيابه كليتها وأمومية انابتها، وتختزل الى نظام احادي يحاصرها ويضيقها ويمسك بمقدراتها، بزعم انه دليل اللغة وعلتها، بما يصيرها معلولاً يسبق الى الوجود علته، لتترسخ بذلك سلطة الأصول، لغوياً وإنسانياً. فالمذكر اصل، ومثله النظام، وكلاهما وريث السلطة الأبوية، وله حق الولاية والانابة والسطوة على الآخر/ الفرع التابع، الموجود بغيره لا بذاته، بالمفهوم الفلسفي والاجتماعي واللغوي.
على ذلك، تنقلب الأدوار وتشوه المفاهيم، فالمعطى يصبح مبنيا، والمبني معطى طبيعيا لا جدال في مصدريته، الامر الذي يرمي مصدري التأنيث بالشبهة. يتداركها نظام النحو اللغوي العربي بأن يرد المؤنث الى فرع نميزه من المذكر بعلامة لغوية فارقة تحيل على هوية صورية، لا تملك في التعبير عن وجودها غير لغة الانفعال، بحيث لا يعود في وسع اللغة ان تنوب عن المؤنث، تسلم امره الى نظام لغوي مستبد يكفه، اسوة بفقه الاجتماع، عن تمامية وجوده لينطقه بتعبيرات تتوافق مع احكام قواعدية تتسلط على اللغة فتسوس امرها، وتحدد وظيفتها، وتفتي بحدودها، وتقضي بأعرافها بما ينقصها ويحجمها الى ارض مصادرة ومملوكة، هي بلا ريب، دون أرضها اتساعا وفيضاً وحراكاً وقدرة على مغالبة زمن مكار، لطالما غدر بلغات هزلت وتراجعت فانقرضت ولفها النسيان، لما غلبها الضعف وجفف النقصان ماءها، فعجزت عن ملازمة حقيقتها وحفظ طبيعتها. ما كان لها ان تطاوع ناموساً غير ناموس يطاوعها، يرحب ويتمدد بمقدار ما تتمدد، ويتسع لكل وساعة جسدها الولود، فلا يسقط تفصيلاً، ولا يهمل وجهاً او يستثني شيئا بذريعة انه غامض ملتبس، او شاذ وناقص. فمن طبيعة اللغة ان تحفظ مختلف الموجودات، وتهب نفسها لسائر الأشياء والكائنات. ولولا ذلك لما كان للغة ان تستقبل الوجود وترشح بتعبيراته، اللهم الا اذا اتاها ناقصاً.
ولليس للغة ـ اي لغة ـ ان تقهر الزمن، ويستمر مجراها باستمرار مجراه، ما لم تتحصن بكامل حريتها وتمامية قدرتها، وتلزم عدلها الصادق ترتع فيه الى ناموس طبيعتها، وتوكله امرها ليكون لها مرجعية تنقض مرجعية نظام لغوي محدود يسطو عليها فتنكمش وتنغلق وتهان بالتبعية والبطلان، يبليها الزمن العتيق بعد ذلك، وتعتقلها الكتب، تبهت رموزها واشاراتها، تعقمها وتوقفها عند معان ودلالات محنطة، مسكونة بمفاهيم وقيم سلفية منحازة، تحيل اللفظ الى صنم فاقد الحياة، والمعنى الى عبد مخصي عن اي فعل، ما خلا الطاعة للسلف، فلا يبقى من اللغة اثر غير نظام متهالك يحولها الى كفن، نظام بائس يعسف باللغة مرتين.
مرة حين يجردها من مصدريتها ليصير وحده المصدر، ولتكون له دونها سلطة الفعل، ينزع عن اللغة بموجبها صفة العلة والدليل، يردها الى حكمه رد المعلول الى علته، والمدلول عليه الى دليله، بحيث لا يعود للغة، بما هي فاعل لفعل وجودها، ان تطاوع لزوم هذا الفعل تولي امره الى النظام، ليحل محلها وينوب عنها في كل شأن ومسألة. على هذا النحو، يحجم النظام اللغوي دور اللغة من الفاعلية الى المفعولية لتستقر حالها، في مفارقة وجودية نافرة، على وجود متعد، كيلا تشان اللغة بالفوضى، او يقال من باب الشماتة او الندم: "ضيعت اللغة نفسها بضياع ناموس يحفظها، ولا بأس لو ضاع مقابل ذلك نصفها".
ومرة حين يتحكم النحو في ثنائية النوع الانساني، فيحيل الذكر على الأصل، والأنثى على الفرع، بما يجنح بالنحو الذي صرف له فقهاء اعمارهم حفظا للغة وصونا لبراءتها، الى الانحياز والتفرقة، اذ تستوي احكامه سجنا ابديا للأنصاف الناقصة (المؤنثة). وتتعدى مفاعيلها (أي الأحكام) نطاق اللغة، لتوغل في الاجتماع، تقونن معاملاته، وتقيد قيمه وأعرافه ومفاهيمه، وفق ما افتى به نظام الفوارقية والتفاضل، يحكم بقانون القوة لا بقانون العدل، ويمحض الذكورة الملك والعرش، ويستضعف المؤنث، فينقصه ويهمشه ويستلحقه، تارة بالضلع والفرع، وطوراً بالعرض، بل بأضعف الأعراض.

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية